الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ١١ من سورة لقمان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 49 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( هذا خلق الله ) أي : هذا الذي ذكره تعالى من خلق السماوات ، والأرض وما بينهما ، صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره ، وحده لا شريك له في ذلك; ولهذا قال : ( فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) أي : مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد ، ( بل الظالمون ) يعني : المشركين بالله العابدين معه غيره ) في ضلال ) أي : جهل وعمى ، ( مبين ) أي : واضح ظاهر لا خفاء به .
القول في تأويل قوله تعالى : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعددت عليكم أيها الناس أني خلقته في هذه الآية خلق الله الذي له ألوهة كل شيء، وعبادة كل خلق، الذي لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، فأروني أيها المشركون في عبادتكم إياه من دونه من الآلهة والأوثان، أي شيء خلق الذين من دونه من آلهتكم وأصنامكم، حتى استحقت عليكم &; 20-134 &; العبادة فعبدتموها من دونه؟
كما استحقّ ذلك عليكم خالقكم، وخالق هذه الأشياء التي عددتها عليكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (هَذَا خَلْقُ اللهِ) ما ذكر من خلق السموات والأرض، وما بثّ من الدوابّ، وما أنبت من كلّ زوج كريم (فأرونِي ماذا خلق الذين مِن دُونِه) الأصنام الذين تدعون من دونه.
وقوله: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يقول تعالى ذكره: ما عبد هؤلاء المشركون الأوثان والأصنام من أجل أنها تخلق شيئا، ولكنهم دعاهم إلى عبادتها ضلالهم، وذهابهم عن سبيل الحقّ، فهم في ضلال: يقول: فهم في جور عن الحقّ، وذهاب عن الاستقامة مبين: يقول: يبين لمن تأمله، ونظر فيه وفكَّر بعقل أنه ضلال لا هدى.
قوله تعالى : هذا خلق الله مبتدأ وخبر .
والخلق بمعنى المخلوق ; أي هذا الذي ذكرته مما تعاينون خلق الله أي مخلوق الله ، أي خلقها من غير شريك .
فأروني معاشر المشركين ماذا خلق الذين من دونه يعني الأصنام .
بل الظالمون أي المشركون في ضلال مبين أي خسران ظاهر .
( وما ) استفهام في موضع رفع بالابتداء وخبره ( ذا ) وذا بمعنى الذي .
و ( خلق ) واقع على هاء محذوفة ; تقديره فأروني أي شيء خلق الذين من دونه ; والجملة في موضع نصب ب ( أروني ) وتضمر الهاء مع ( خلق ) تعود على الذين ; أي فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه .
وعلى هذا القول تقول : ماذا تعلمت ؛ أنحوا أم شعرا .
ويجوز أن تكون ( ما ) في موضع نصب ب ( أروني ) و ( ذا ) زائدة وعلى هذا القول يقول : ماذا تعلمت ، أنحوا أم شعرا ؟
{ هَذَا } أي: خلق العالم العلوي والسفلي، من جماد، وحيوان، وسَوْقِ أرزاق الخلق إليهم { خَلق اللَّه } وحده لا شريك له، كل مقر بذلك حتى أنتم يا معشر المشركين.{ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } أي: الذين جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، ليصح ما ادعيتم فيهم من استحقاق العبادة.ومن المعلوم أنهم لا يقدرون أن يروه شيئا من الخلق لها، لأن جميع المذكورات، قد أقروا أنها خلق اللّه وحده، ولا ثَمَّ شيء يعلم غيرها، فثبت عجزهم عن إثبات شيء لها تستحق به أن تعبد.ولكن عبادتهم إياها، عن غير علم وبصيرة، بل عن جهل وضلال، ولهذا قال: { بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } أي: جَلِيٍّ واضح حيث عبدوا من لا يملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وتركوا الإخلاص للخالق الرازق المالك لكل الأمور.
( هذا ) يعني الذي ذكرت مما تعاينون ( خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) من آلهتكم التي تعبدونها ( بل الظالمون في ضلال مبين )
«هذا خلق الله» أي مخلوقه «فأروني» أخبروني يا أهل مكة «ماذا خلق الذين من دونه» غيره أي آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى، وما استفهام إنكار مبتدأ وذا بمعنى الذي بصلته خبره وأروني معلق عن العمل وما بعده سد مسد المفعولين «بل» للانتقال «الظالمون في ضلالٍ مبينٍ» بيّن بإشراكهم وأنتم منهم.
وكل ما تشاهدونه هو خلق الله، فأروني- أيها المشركون-: ماذا خلقت آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟
بل المشركون في ذهاب بيِّن عن الحق والاستقامة.
والإِشارة فى قوله : ( هذا خَلْقُ الله ) تعود إلى ما ذكره - سبحانه - من مخلوقات قبل ذلك .
والخلق بمعنى المخلوق .هذا الذى ذكرناه لكم من خلق السماوات والأرض والجبال .
.
هو من خلوقنا وحدنا ، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ ) واقعة فى جواب شرط مقدر ، أى : إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى ، ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ، ما بل هم مخلوقون لله - تعالى .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين ، وإثبات أنهم فى عبادتهم لغير الله ، قد تجاوزوا كل حد فى الجهالة والضلالة .وقوله - سبحانه - : ( بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم ، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم .أى : بل الظالمون فى ضلال بين واضح ، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع ، ويتركون عبادة الله - تعالى - الخلاق العليم .
قوله تعالى: ﴿ هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ ﴾ يعني الله خالق وغيره ليس بخالق فكيف تتركون عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق.
ثم قال تعالى: ﴿ بَلِ الظالمون فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ أي بين أو مبين للعاقل أنه ضلال، وهذا لأن ترك الطريق والحيد عنه ضلال، ثم إن كان الحيد يمنة أو يسرة فهو لا يبعد عن الطريق المستقيم مثل ما يكون المقصد إلى وراء فإنه يكون غاية الضلال، فالمقصد هو الله تعالى، فمن يطلبه ويلتفت إلى غيره من الدنيا وغيرها فهو ضال، لكن من وجهه إلى الله قد يصل إلى المقصود ولكن بعد تعب وطول مدة، ومن يطلبه ولا يلتفت إلى ما سواه يكون كالذي على الطريق المستقيم يصل عن قريب من غير تعب.
وأما الذي تولى لا يصل إلى المقصود أصلاً، وإن دام في السفر، والمراد بالظالمين المشركون الواضعون لعبادتهم في غير موضعها أو الواضعون أنفسم في عبادة غير الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ مصدران مؤكدان، الأوّل: مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره؛ لأن قوله: ﴿ لَهُمْ جنات النعيم ﴾ في معنى: وعدهم الله جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد.
وأما ﴿ حَقّاً ﴾ فدال على معنى الثبات: أكد به معنى الوعد، ومؤكدهما جميعاً قوله: ﴿ لَهُمْ جنات النعيم ﴾ ﴿ وَهُوَ العزيز ﴾ الذي لا يغلبه شيء ولا يعجزه، يقدر على الشيء وضده، فيعطى النعيم من شاء والبؤس من شاء، وهو ﴿ الحكيم ﴾ لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة والعدل ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ الضمير فيه للسموات، وهو استشهاد برؤيتهم لها، غير معمودة على قوله: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ كما تقول لصاحبك: أنا بلا سيف ولا رمح تراني فإن قلت: ما محلها من الإعراب؟
قلت: لا محل لها لأنها مستأنفة.
أو هي في محل الجرّ صفة للعمد أي: بغير عمد مرئية، يعني: أنه عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته.
والخلق بمعنى المخلوق.
و ﴿ الذين مِن دُونِهِ ﴾ آلهتهم، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله وأنشأه.
فأروني ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورّط في ضلال ليس بعده ضلال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ قَدْ سَبَقَ في «الرَّعْدِ» .
﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ جِبالًا شَوامِخَ.
﴿ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم، فَإنَّ تَشابُهَ أجْزائِها يَقْتَضِي تَبَدُّلَ أحْيازِها وأوْضاعِها لِامْتِناعِ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنها لِذاتِهِ أوْ لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِهِ بِحَيِّزٍ ووَضْعٍ مُعَيَّنَيْنِ.
﴿ وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ كَثِيرِ المَنفَعَةِ وكَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى عِزَّتِهِ الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ، ومَهَّدَ بِهِ قاعِدَةَ التَّوْحِيدِ وقَرَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿ هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ هَذا الَّذِي ذَكَرَ مَخْلُوقُهُ فَماذا خَلَقَ آلِهَتُكم حَتّى اسْتَحَقُّوا مُشارَكَتَهُ، و ( ماذا ) نُصِبَ بِـ ( خَلْقٌ ) أوْ ما مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ذا بِصِلَتِهِ ( فَأرُونِي ) مُعَلَّقٌ عَنْهُ.
﴿ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى ناظِرٍ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ بِإشْراكِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{هذا} إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته {خَلَقَ الله} أي مخلوقه {فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ} يعني آلهتهم بكّتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله فأروني ما خلقته آلهتكم حتى
لقمان (١٤ - ١١)
استوجبوا عندكم العبادة {بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ} أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال
﴿ هَذا ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وسائِرِ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ ﴿ خَلْقُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَخْلُوقُهُ، ﴿ فَأرُونِي ﴾ أيْ أعْلِمُونِي، وأخْبِرُونِي، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَأرُونِي ماذا ﴿ خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ مِمّا اتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ حَتّى اسْتَحَقُّوا بِهِ العُبُودِيَّةَ، وماذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا واحِدًا اسْتِفْهامِيًّا، ويَكُونُ مَفْعُولًا (لِخَلَقَ) مُقَدَّمًا لِصَدارَتِهِ، وأنْ يَكُونَ (ما) وحَدْها اسْمَ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأً، (وذا) اسْمَ مَوْصُولٍ خَبَرَها، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعَلَّقًا عَنْها سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي (لِأرُونِي)، وأنْ يَكُونَ (ماذا) كُلُّهُ اسْمًا مَوْصُولًا، فَقَدِ اسْتُعْمِلَ كَذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، ويَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ في الوَجْهَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ البَيِّنِ المُسْتَدْعِي لِلْإعْراضِ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ بِالمُقَدِّماتِ المَعْقُولَةِ الحَقَّةِ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا، فَيَهْتَدُوا بِهِ إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، أوْ يَتَأثَّرُوا مِنَ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ فَيَنْزَجِرُوا عَنْهُ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم بِإشْراكِهِمْ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومُتَعَدُّونَ عَنِ الحَدِّ وظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.
<div class="verse-tafsir"
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ يعني: من الناس ناس يشترون أباطيل الحديث، وهو النضر بن الحارث كان يخرج إلى أرض فارس تاجراً، ويشتري من هنالك من أحاديثهم، ويحمله إلى مكة ويقول لهم: إن محمداً يحدثكم بالأحاديث طرفاً منها، وأنا أحدثكم بالحديث تاماً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ يعني: يصرف الناس عن دين اللَّهِ عز وجل.
ويقال: يشتري جواري مغنيات.
قال أبو الليث- رحمه الله-: حدثني الثقة بإسناده عن أبي أمامة قال «قال رسول الله : لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلا شِرَاؤُهُنَّ وَلا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ وَأَكْلُ أثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ» .
وفيه أنزل الله عز وجل هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وروى مجاهد عن ابن عباس- - في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قال: شراء المغنية.
ويقال: لَهْوَ الْحَدِيثِ هاهنا الشرك.
يعني: يختار الشرك على الإيمان ليضل عن سبيل الله عز وجل.
يعني: ليصرف الناس بذلك عن سبيل الله بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني: سبيل الله عز وجل، لأن السبيل مؤنث كقوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [يوسف: 108] ويقال: وَيَتَّخِذَها هُزُواً يعني: آيات القرآن التي ذكر في أول السورة استهزاء بها، حيث جعلها بمنزلة حديث رستم واسفنديار.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لِيُضِلَّ بنصب الياء.
وقرأ الباقون: بالضم.
فمن قرأ بالنصب فمعناه: ليضل بذلك عن سبيل الله.
يعني: بترك دين الإسلام.
ومن قرأ بالضم يعني: بصرف الناس عن دين الإسلام، ويصرف نفسه أيضاً.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَيَتَّخِذَها بنصب الذال.
وقرأ الباقون: بالضم.
فمن نصبها ردّها على قوله: لِيُضِلَّ يعني: لكي يضل ولكي يَتَّخِذَها هُزُواً ومن قرأ: بالضم ردّها على قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ وَيَتَّخِذَها وقال أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يهانون به.
قوله عز وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا يعني: إذا قرئ عليه القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً يعني: أعرض مستكبراً عن الإيمان والقرآن كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها يعني: كأن لم يسمع ما في القرآن من الدلائل والعجائب كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً أي: ثقلاً فلا يسمع القرآن يعني: يتصامم فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فلما ذكر عقوبة الكافر ذكر على أثر ذلك ثواب المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ في الآخرة خالِدِينَ يعني: دائمين فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أوجبه الله عز وجل لأهل هذه الصفة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حكم بالعذاب للكافرين، والنعيم للمؤمنين.
ثم بيّن علامة وحدانيته فقال: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي: خلقها بغير عمد ترونها بأعينكم.
ويقال: معناه بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أنتم يعني: لها عمد ولكن لا ترونها.
والعمد جماعة العماد.
ثم قال: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ يعني: الجبال الثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني: لكيلا تزول بكم الأرض.
ثم قال: وَبَثَّ فِيها يعني: وخلق فيها في الأرض.
ويقال: وبسط فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَآءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ وقد ذكرناه.
ثم قال: هذا خَلْقُ اللَّهِ يقول: هذا الذي خلقت أنا فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: الذين تدعونه إلها مِن دُونِهِ يعني: الأصنام.
ويقال: هذا خلق الله.
يعني: مخلوق الله.
ويقال: هذا صنع الله.
ثم قال: بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: الكافرون في خطأ بيّن، لا يعتبرون ولا يتفكرون فيما خلق الله عز وجل فيعبدونه ويقال في ضلال مبين يعني: في خسران بيّن.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي وأخبروهم أن لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
انتهى.
وقوله عزّ وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الوَقْرُ في الأذن: الثِّقْلُ الذي يَعْسُر معه إدراك المَسْمُوعَاتِ، و «الرواسي» : هي الجبالُ و «المَيْد» : التحرك يَمْنَةً ويَسْرَةً، وما قرب من ذلك، والزوج:
النوع والصنف.
وكَرِيمٍ: مدحه بكرم جَوْهره، وحُسْن منظرِه، وغير ذلك.
ثم وقف تعالى الكفرةَ على جهة التوبيخ فقال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقولُ: «لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنْ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خيّرتني، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضياً في بني إسرائيل نُوبِيّاً أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا «١» مَشَافِر» ، قاله سعيدُ بن المسيِّب «٢» وابن عباس «٣» وجماعة: وقال له رجل
سُورَةُ لُقْمانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [لُقْمانَ: ٢٧، ٢٨]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ، لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مَدَنِيَّتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حال الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ؛ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ " هو هُدًى ورَحْمَةٌ " وعَلى مَعْنى: " تِلْكَ هُدًى ورَحْمَةٌ " .
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ١-٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شِراءِ القِيانِ والمُغَنِّياتِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ تاجِرًا إلى فارِسَ، فَكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
وَفِي المُرادِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] الغِناءُ.
كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هو الغِناءُ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْهُ مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يَشْتَرِي ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَشْتَرِي بِمالِهِ؛ وحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ.
والثّانِي: يَخْتارُ ويَسْتَحِبُّ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَطَرٌ.
وَإنَّما قِيلَ لِهَذِهِ الأشْياءِ: لَهْوُ الحَدِيثِ، لِأنَّها تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ المَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا الحَرْفَ في (الحَجِّ: ٩) .
وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّخِذُها " بِرَفْعِ الذّالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ الذّالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى " لِيُضِلَّ " " ويَتَّخِذَ " ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى " مَن يَشْتَرِي " " ويَتَّخِذُ " .
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الآياتُ، والثّانِي: السَّبِيلُ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في مَواضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الإسْراءِ: ٤٦، الأنْعامِ: ٢٥، البَقَرَةِ: ٢٥، الرَّعْدِ: ٢، النَّحْلِ: ١٥، الشُّعَراءِ: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
هَكَذا حَكاهُ عَنْهُمُ الواحِدِيُّ، ولا يُعْرَفُ، إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
وَفِي صِناعَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّانِي: راعِيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: نَجّارًا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
فَأمّا صِفَتُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ لُقْمانُ أسْوَدَ مَن سُودانِ مِصْرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وكانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ: أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلى] ما أعْطاكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّما يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ خَلْقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنْ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِن السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ ﴿ هَذا خَلْقُ اللهِ فَأرُونِي ماذا خَلْقُ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ هَذِهِ دَلِيلُ كُفْرِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها.
و"الوَقْرُ" في الأُذُنِ: الثِقَلُ الَّذِي يُعَسِّرُ إدْراكَ المَسْمُوعاتِ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ قُيِّدَتْ ونُصَّ عَلَيْها.
ولَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهم بِالنارِ عَلى أفْعالِهِمْ عَقَّبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وما وعَدَهم بِهِ مِن جَنّاتِ النَعِيمِ؛ لِيَتَبَيَّنَ الفَرْقُ.
و"وَعْدَ اللهِ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعُوُدَ الضَمِيرُ عَلى "السَماءِ" فَيَكُونَ المَعْنى: أنَّ السَماءَ بِغَيْرِ عَمْدٍ، وأنَّها تَرى كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والناسُ، و"تَرَوْنَها" - عَلى هَذا القَوْلِ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "العَمْدِ" فَيَكُونَ "تَرَوْنَها" صِفَةٌ لِلْعَمْدِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ السَماءَ لَها عَمَدٌ لَكِنْ غَيْرُ مَرْئِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ونَحا إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والمَعْنى الأوَّلُ أصَحُّ، والجُمْهُورُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ "تَرَوْنَها" ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى القَطْعِ، ولا عَمْدَ ثَمَّ.
و"الرَواسِي" هي الجِبالُ الَّتِي ثَبَتَتْ في الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "أنْ تَمِيدَ" ﴾ بِمَعْنى: ألّا تَمِيدَ، والمَيْدُ: التَحَرُّكُ يَمْنَةً ويَسْرَةً وما قَرُبَ مِن ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ.
والزَوْجُ في اللُغَةِ: النَوْعُ والصِنْفُ، ولَيْسَ بِالَّذِي هو ضِدُّ الفَرْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَرِيمٍ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَدْحَهُ مِن جِهَةِ إتْقانِ صَنْعَتِهِ وظُهُورِ حُسْنِ الرُتْبَةِ والتَحْكِيمِ لِلصُّنْعِ فِيها، فَيَعُمُّ حِينَئِذٍ جَمِيعَ الأنْواعِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى في كُلِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَدْحَهُ بِكَرَمِ جَوْهَرِهِ، وحُسْنِ مَنظَرِهِ، ومِمّا تَقْضِي لَهُ النُفُوسُ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِن سِواهُ حَتّى يَسْتَحِقَّ الكَرَمَ، فَتَكُونُ الأزْواجُ - عَلى هَذا - مَخْصُوصَةً في نَفائِسِ الأشْياءِ ومُسْتَحْسَناتِها، ولَمّا كانَ عِظَمُ المَوْجُوداتِ كَذَلِكَ خَصَّصَ الحُجَّةَ بِها.
وقَوْلُهُ: "أنْبَتْنا" يَعُمُّ أنْواعَ الحَيَوانِ وأنْواعَ النَباتِ والمَعادِنِ.
ثُمَّ وقَّفَ تَعالى الكُفّارَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ وإظْهارِ الحُجَّةِ - عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ هي مَخْلُوقاتُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ سَألَهم أنْ يُوجِدُوا ما خَلَقَ الأصْنامُ والأوثانُ وغَيْرُهم مِمَّنْ عُبِدَ، أيْ: أنَّهم لَنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا، بَلْ هَذا الَّذِي قُرَيْشٌ فِيهِ ضَلالٌ مُبِينٌ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِالصِفَةِ الَّتِي تَعُمُّ مَعَهم سِواهم مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"ذا" خَبَرَها بِمَعْنى "الَّذِي"، والعائِدٌ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعُولَةً بِـ"أرَوْنِي" و"ذا" صِلَةً، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ في الوَجْهَيْنِ: خَلَقَهُ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف للاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات فلا يستحق غيرهُ أن تثبت له الإلهية فكان ادعاء الإلهية لغير الله هو العلة للإعْراض عن آيات الكتاب الحكيم، فهم لما أثبتوا الإلهية لما لا يخلق شيئاً كانوا كمن يزعم أن الأصنام مماثلة لله تعالى في أوصافه فذلك يقتضي انتفاء وصف الحكمة عنه كما هو منتف عنها.
ولذا فإن موقع هذه الآيات موقع دليل الدليل، وهو المقام المعبر عنه في علم الاستدلال بالتدقيق، وهو ذكر الشيء بدليله ودليل دليله، فالخطاب في قوله ﴿ ترونها ﴾ و ﴿ بكم ﴾ للمشركين، وقد تقدم في سورة الرعد (2) قوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ وتقدم في أول سورة النحل (15) قوله ﴿ وألقى في الأرض رواسيَ أن تَميدَ بكم ﴾ والمعنى خوفَ أن تميد بكم أو لئلا تُميدكم كما بين هنالك.
وتقدم في سورة البقرة (164) قوله: ﴿ وبثّ فيها من كل دابّة وتصريف الرياح ﴾ وقوله ﴿ أنزلنا من السماء ماء ﴾ وهو نظير قوله في سورة البقرة (164) ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء ﴾ وقوله في سورة الرعد (17) ﴿ أنزل من السماء ماء فسالتْ أوْديَةٌ ﴾ والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله وأنزلنا } للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دوراناً عند الناس.
وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى الأرض.
والزوج: الصنف، وتقدم في قوله تعالى ﴿ فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى ﴾ في طه (53) وقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج بَهيج ﴾ في سورة الحج (5).
والكريم: النفيس في نوعه، وتقدم عند قوله تعالى ﴿ إنِّي ألقِيَ إليَّ كتابٌ كريم ﴾ في سورة النمل (29).
وقد أدمج في أثناء دلائل صفة الحكمة الامتنان بما في ذلك من منافع للخلق بقوله أن تميد بكم وبَث فيها من كل دابة} فإن من الدواب المبثوثة ما ينتفع به الناس من أكل لحوم أوانسها ووحوشها والانتفاع بألبانها وأصوافها وجلودها وقرونها وأسنانها والحمل عليها والتجمل بها في مرابطها وغدوّها ورواحها، ثم من نعمة منافع النبات من الحب والثمَر والكلأ والكمأة.
وإذ كانت البحار من جملة الأرض فقد شملَ الانتفاع بدواب البحر فالله كما أبدع الصنع أسبغ النعمة فأرانا آثار الحكمة والرحمة.
وجملة ﴿ هذا خلق الله ﴾ إلى آخرها نتيجة الاستدلال بخلق السماء والأرض والجبال والدواب وإنزال المطر.
واسم الإشارة إلى ما تضمنه قوله ﴿ خلق السماوات ﴾ إلى قوله ﴿ من كل زوج كريم.
﴾ والإتيان به مفرداً بتأويل المذكور.
والانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله ﴿ خلق الله ﴾ التفاتاً لزيادة التصريح بأن الخطاب وارد من جانب الله بقرينة قوله ﴿ هذا خلق الله ﴾ وكذلك يكون الانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله ﴿ ماذا خلق الذين من دونه ﴾ التفاتاً لمراعاة العود إلى الغيبة في قوله ﴿ خَلق الله.
﴾ ويجوز أن تكون الرؤية من قوله ﴿ فأروني ﴾ علمية، أي فأنْبِئُوني، والفعل معلقاً عن العمل بالاستفهام ب ﴿ ماذا ﴾ .
فيتعين أن يكون ﴿ فأروني ﴾ تهكماً لأنهم لا يمكن لهم أن يكافحوا الله زيادة على كون الأمر مستعملاً في التعجيز، لكن التهكم أسبق للقطع بأنهم لا يتمكنون من مكافحة الله قبل أن يقطعوا بعجزهم عن تعيين مخلوق خلقه من دون الله قطعاً نظرياً.
وصوغ أمر التعجيز من مادة الرؤية البصرية أشد في التعجيز لاقتضائها الاقتناع منهم بأن يحضروا شيئاً يدّعون أن آلهتهم خلقته.
وهذا كقول حُطائط بن يعفر النهشلي وقيل حاتم الطائي: أريني جواداً مات هَزلاً لعلني *** أرى ما تزين أو بخيلا مخلَّدا أي: أحضرني جواداً مات من الهزال وأرينيه لعلي أرى مثل ما رأيتيه.
والعرب يقصدون في مثل هذا الغرض الرؤية البصرية، ولذلك يكثر أن يقول: ما رأتْ عيني، وانظر هل ترى.
وقال امرؤ القيس: فللَّه عيناً من رأى من تفرق *** أشتّ وأنأى من فراق المحصب وإجراء اسم موصول العقلاء على الأصنام مجاراة للمشركين إذ يعدُّونهم عقلاء.
و ﴿ مِنْ دونه ﴾ صلة الموصول.
و(دون) كناية عن الغير، و ﴿ مِن ﴾ جارّة لاسم المكان على وجه الزيادة لتأكيد الاتصال بالظرف.
و ﴿ بل ﴾ للإضراب الانتقالي من غرض المجادلة إلى غرض تسجيل ضلالهم، أي في اعتقادهم إلهية الأصنام، كما يقال في المناظرة: دع عنك هذا وانتقل إلى كذا.
و {الظالمون: المشركون.
والضلال المبين: الكفر الفظيع، لأنهم أعرضوا عن دعوة الإسلام للحق، وذلك ضلال، وأشركوا مع الله غيره في الإلهية، فذلك كفر فظيع.
وجيء بحرف الظرفية لإفادة اكتناف الضلال بهم في سائر أحوالهم، أي: شدة ملابسته إياهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِعُمُدٍ لا تَرَوْنَها، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها خُلِقَتْ بِغَيْرِ عَمَدٍ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
﴿ وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا.
﴿ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ أيْ لِئَلّا تَمِيدَ بِكم وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْ لا تَزُولَ بِكم، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: أنْ لا تَتَحَرَّكَ بِكم، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَقِيلَ: إنَّ الأرْضَ كانَتْ تَتَكَفَّأُ مِثْلَ السَّفِينَةِ فَأرْساها اللَّهُ بِالجِبالِ وأنَّها تِسْعَةَ عَشَرَ جَبَلًا تَتَشَعَّبُ في الأرْضِ حَتّى صارَتْ لَها أوْتادًا فَتَثَبَّتَتْ ورَوى أبُو الأشْهَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما تَفْعَلُ الأرْضُ قالُوا: رَبَّنا هَذِهِ لا يَقِرُّ لَكَ عَلى ظَهْرِها خَلْقٌ، فَأصْبَحَ قَدْ رَبَطَها بِالجِبالِ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةَ الَّذِي أُرْسِيَتْ بِهِ الأرْضُ عَجِبُوا فَقالُوا: يا رَبَّنا هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا هو أشَدُّ مِنَ الجِبالِ؟
قالَ: نَعَمِ الرِّيحُ قالُوا: هَلْ خَلَقْتَ خَلْقًا هو أشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟
قالَ: (نَعَمِ، ابْنَ آدَمَ) .
﴿ وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وخَلَقَ فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: وبَسَطَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: فَرَّقَ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وهو الحَيَوانُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِدَبِيبِهِ والدَّبِيبُ الحَرَكَةُ.
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النّاسُ هم نَباتُ الأرْضِ فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّانِي: أنَّ نَباتَ الأرْضِ أشْجارُها وزَرْعُها، والزَّوْجُ هو النَّوْعُ.
وَفي الكَرِيمِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الطَّيِّبُ الثَّمَرِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ اليانِعُ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الكَرِيمَ ما كَثُرَ ثَمَنُهُ لِنَفاسَةِ القَدْرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ هذا خلق الله ﴾ أي ما ذكر من خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أنبت من كل زوج ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ يعني الأصنام.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ ذكر في [الرعد: 2] ﴿ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ أي لئلا تميد بكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.
حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.
وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.
﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون.
بالتشديد.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.
ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.
التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.
وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.
إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".
وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.
ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.
وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.
قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.
وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.
ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.
وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.
وروي عن النبي "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.
وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.
وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.
وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.
ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".
وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.
هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.
وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.
ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟
فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.
عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.
وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.
روي أنه دخل على داود وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.
فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.
فقال له داود : بحق ما سميت حكيماً.
روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.
قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.
وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.
قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.
ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.
وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.
وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.
" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟
قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .
وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.
ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.
وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.
واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.
وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.
ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.
وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟
إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.
سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟
الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.
وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.
فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.
وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".
وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.
والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.
ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.
فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.
ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.
قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.
قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله أعلم.
التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.
﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.
﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.
﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .
قال بعضهم: خلق السماوات بعمد لا ترونها.
وقيل: لعل لها عمدا لكن لا ترونها.
وقال بعضهم: خلقها بلا عمد، لكن الأعجوبة فيما خلقها بعمد لا ترونها ليست بدون الأعجوبة في خلقها بلا عمد؛ لأن رفع مثلها بعمد لا ترى أعظم في اللطف والقدرة من رفعها بلا عمد؛ إذ العمد لو كانت مقدار الريشة أو الشعرة ترى، فرفعها مع ثقلها وعظمها وغلظها على عمد لا ترى هو ألطف من ذلك وأعظم في الأعجوبة مما ذكرنا، فأيهما كان ففيه دلالة ألا يجوز تقدير قوى الخلق بقوى الله - - ولا قدرة الخلق بقدرته، ولا سلطان الخلق بسلطانه؛ بل هو القادر على الأشياء كلها بما شاء وكيف شاء، لا يعجزه شيء.
وقوله: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ ، والرواسي: هن الثوابت، أي: أثبت الأرض بالجبال؛ كقوله: ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ، أي: أثبتها.
وقوله: ﴿ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ ، أي: لئلا تميد بكم، ذكر الميد - وهو الميل والاضطراب - وليس من طبع الأرض الميل والاضطراب؛ وإنما طبعها التسرب والتسفل والانحدار؛ فلا يدرى أن كيف حالها في الابتداء؟
وما في سريتها مما يحملها على الاضطراب والميد؛ حتى أثبتها وأرساها بالجبال، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: بث: خلق، وقيل: بث: فرق، وفيه أنه جعل الأرض مكاناً ومعدنا لكل أنواع الدواب الممتحن وغير الممتحن، والمميز وغير المميز، والسماء لم تجعل إلا لنوع من الخلق أهل العبادة.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ .
أي: أنبتنا فيها من كل لون يتلذذ به الناظر إليه، كريم ينال منه كل ما أراده وتمناه؛ إذ الكريم هو ما يطمع منه نيل كل ما عنده وأريد منه.
وقال بعضهم: الكريم: الحسن، أي: أنبتنا فيها من كل لون حسن ما يستحسنه الناظر ويتلذذ به، على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ : ما يبهج ويسر به كل ناظر إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ ﴾ .
يقول: ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما بث من الدواب، وما أنبت من كل زوج كريم.
وقوله: ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ .
يذكر سفههم، يقول: إنكم تعلمون أن ما ذكر من السماوات والأرض، وجميع ما فيهما - هو كله خلق الله، وأنه هو خالق ذلك كله، وأن الأصنام التي تعبدونها من دونه لم تخلق شيئاً من ذلك، ولا تملك خلق شيء؛ فكيف تعبدونها من دونه، وسميتموها: آلهة، وصرفتم العبادة والألوهية عن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض وما فيهما؟!
وإنما يستحق الألوهية والربوبية لخلقه ما ذكر؛ فالأصنام: إذا لم يكن منها خلق؛ فكيف سميتموها: آلهة وعبدتموها دون الله؟!
هذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، أي: لم يخلق، يخبر عن سفههم وقلة معرفتهم، وسرفهم في القول والفعل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
يحتمل: ﴿ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها الذي أمرهم الله أن يضعوها، وهو وضعهم إياها في عبادة الأصنام.
أو ظالمو حدود الله التي حدّها لهم، لم يحفظوها على تلك الحدود؛ بل جاوزوها.
أو سماهم: ظلمة؛ لما ظلموا نعم الله، ولم يشكروها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة بينة، أو هلاك بين.
<div class="verse-tafsir"
هذا المذكور خلق الله، فأروني - أيها المشركون - ماذا خلق الذين تعبدونهم من دون الله؟!
بل الظالمون في ضلال واضح عن الحق، حيث يشركون مع ربهم من لا يخلق شيئًا وهم يُخْلقون.
من فوائد الآيات طاعة الله تقود إلى الفلاح في الدنيا والآخرة.
تحريم كل ما يصد عن الصراط المستقيم من قول أو فعل.
التكبر مانع من اتباع الحق.
انفراد الله بالخلق، وتحدّي الكفار أن تخلق آلهتهم شيئًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.vVv8j"