الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ١٣ من سورة لقمان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده - وهو : لقمان بن عنقاء بن سدون .
واسم ابنه : ثاران في قول حكاه السهيلي .
وقد ذكره [ الله ] تعالى بأحسن الذكر ، فإنه آتاه الحكمة ، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه ، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف; ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، ثم قال محذرا له : ( إن الشرك لظلم عظيم ) أي : هو أعظم الظلم .
قال البخاري حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) [ الأنعام : 82 ] ، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس بذاك ، ألا تسمع إلى قول لقمان : ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) .
ورواه مسلم من حديث الأعمش ، به .
ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين .
كما قال تعالى : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) [ الإسراء : 23 ] .
وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) يقول: لخطأ من القول عظيم.
قوله تعالى : وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .قوله تعالى : وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه قال السهيلي : اسم ابنه ثاران ; في قول الطبري والقتبي .
وقال الكلبي : مشكم .
وقيل أنعم ; حكاه النقاش .
وذكر القشيري أن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما .قلت : ودل على هذا قوله : لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم وفي صحيح [ ص: 59 ] مسلم وغيره عن عبد الله قال : لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه : يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .
واختلف في قوله : إن الشرك لظلم عظيم فقيل : إنه من كلام لقمان .
وقيل : هو خبر من الله تعالى منقطعا من كلام لقمان متصلا به في تأكيد المعنى ; ويؤيد هذا الحديث المأثور أنه لما نزلت : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أينا لم يظلم ; فأنزل الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم فسكن إشفاقهم ، وإنما يسكن إشفاقهم بأن يكون خبرا من الله تعالى ; وقد يسكن الإشفاق بأن يذكر الله ذلك عن عبد قد وصفه بالحكمة والسداد .
و ( إذ ) في موضع نصب بمعنى اذكر .
وقال الزجاج في كتابه في القرآن : إن إذ في موضع نصب ب ( آتينا ) والمعنى : ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال .
النحاس : وأحسبه غلطا ; لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك .
وقال : ( يا بني ) بكسر الياء ; لأنها دالة على الياء المحذوفة ، ومن فتحها فلخفة الفتحة عنده ; وقد مضى في ( هود ) القول في هذا .
وقوله : ( يا بني ) ليس هو على حقيقة التصغير وإن كان على لفظه ، وإنما هو على وجه الترقيق ; كما يقال للرجل : يا أخي ، وللصبي هو كويس .
{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ } أو قال له قولا به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ووجه كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئا، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة [من النعم] بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟؟!وهل أعظم ظلما ممن خلقه اللّه لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، [فجعلها في أخس المراتب] جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرا.
( وإذ قال لقمان لابنه ) واسمه أنعم ، ويقال : مشكم ، ( وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) قرأ ابن كثير : " يا بني لا تشرك بالله " بإسكان الياء ، وفتحها حفص ، والباقون بالكسر ، " يا بني إنها " بفتح الياء حفص ، والباقون بالكسر ، " يا بني أقم الصلاة " ، بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص ، وبإسكانها القواس ، والباقون بكسرها .
«و» اذكر «إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنيّ» تصغير إشفاق «لا تشرك بالله إن الشرك» بالله «لظلم عظيم» فرجع إليه وأسلم.
واذكر -أيها الرسول- نصيحة لقمان لابنه حين قال له واعظًا: يا بنيَّ لا تشرك بالله فتظلم نفسك؛ إن الشرك لأعظم الكبائر وأبشعها.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لقمان لابنه على سبيل النصيحة والإِرشاد فقال - تعالى - ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .وقوله ( يَعِظُهُ ) من الوعظ ، وهو الزجر المقترن بالتخويف .
وقيل : هو التذكير بوجوه الخير بأسلوب يرق له القلب .قالوا : واسم ابنه " ثاران " أو " مانان " أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتنتفع ، وقت أن قال لقمان لابنه وهو يعظه ، ويرشده إلى وجوه الخير بألطف عبارة ، يا نبى ( لاَ تُشْرِكْ بالله ) - تعالى - لا فى عبادتك ولا فى قولك ، ولا فى عملك ، بل أخلص كل ذلك لخالقكم - عز وجل - .وفى ندائه بلفظ ( يابني ) إشفاق عليه .
ومحبة له ، فالمراد بالتصغير إظهار الحنو عليه ، والحرص على منفعته .قيل : وكان ابنه كافرا فما زال يعظه حتى أسلم .
وقيل : بل كان مسلما ، والنهى عن الشرك المقصود به ، المدوامة على ما هو عليه من إيمان وطاعة لله رب العالمين .وجملة ( إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) تعليل للنهى .
أى : يا بنى حذار أن تشرك بالله فى قولك أو فعلك ، إن الشرك بالله - تعالى - لظلم عظيم ، لأنه وضع للأمور فى غير موضعها الصحيح ، وتسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق .
عطف على معنى ما سبق وتقديره آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه وحين جعلناه واعظاً لغيره وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملاً في نفسه ومكملاً لغيره فقوله: ﴿ أَنِ اشكر ﴾ إشارة إلى الكمال وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ إشارة إلى التكميل، وفي هذا لطيفة وهي أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليعلم منه فضيلة النبي عليه السلام الذي أرشد الأجانب والأقارب فإن إرشاد الولد أمر معتاد، وأما تحمل المشقة في تعليم الأباعد فلا، ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أما أنه ظلم فلأنه وضع للنفس الشريف المكرم بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ في عبادة الخسيس أو لأنه وضع العبادة في غير موضعها وهي غير وجه الله وسبيله، وأما أنه عظيم فلأنه وضع في موضع ليس موضعه، ولا يجوز أن يكون موضعه، وهذا لأن من يأخذ مال زيد ويعطي عمراً يكون ظلماً من حيث إنه وضع مال زيد في يد عمرو، ولكن جائز أن يكون ذلك ملك عمرو أو يصير ملكه ببيع سابق أو بتمليك لاحق، وأما الإشراك فوضع المعبودية في غير الله تعالى ولا يجوز أن يكون غيره معبوداً أصلاً.
<div class="verse-tafsir"
قيل: كان اسم ابنه (أنعم) وقال الكلبي: (أشكم) وقيل: كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لأنّ التسوية بين من لا نعمة إلا هي منه، ومن لا نعمة منه البتة ولا يتصوّر أن تكون منه- ظلم لا يكتنه عظمه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ ﴾ أنْعَمَ أوْ أشْكَمَ أوْ ماثانَ.
﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا وفي ﴿ يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ بِإسْكانِ الياءِ، وحَفْصٌ فِيهِما وفي ﴿ يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ ﴾ بِفَتْحِ الياءِ ومِثْلُهُ البَزِّيُّ في الأخِيرِ وقَرَأ الباقُونَ في الثَّلاثَةِ بِكَسْرِ الياءِ.
﴿ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ قِيلَ كانَ كافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى أسْلَمَ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ بِاللَّهِ قَسَمًا.
﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لِأنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ ومَن لا نِعْمَةَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذْ} أي واذكر إذ {قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ} أنعم أو اشكر {وهو يعظه يا بني} الاسكان مكى يا بنى حفض بفتحه في كل القرآن {لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلاً
﴿ وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ ﴾ تارانَ عَلى ما قالَ الطَّبَرِيُّ، والقُتَيْبِيُّ، وقِيلَ: ماثانُ بِالمُثَلَّثَةِ، وقِيلَ: أنْعَمُ، وقِيلَ: أشْكَمُ، وهُما بِوَزْنِ أفْعَلَ، وقِيلَ: مَشْكَمُ، بِالمِيمِ بَدَلَ الهَمْزَةِ، ( وإذْ ) مَعْمُولٌ لِـ(اذْكُرْ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لِآتَيْنا)، والتَّقْدِيرُ: وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ إذْ قالَ، واخْتُصِرَ لِدِلالَةِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ يَعِظُهُ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والوَعْظُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ، وقالَ الخَلِيلُ: هو التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، ﴿ يا بُنَيَّ ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ ومَحَبَّةٍ لا تَصْغِيرُ تَحْقِيرٍ: ولَكِنْ إذا ما حُبُّ شَيْءٍ تَوَلَّعَتْ بِهِ أحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ وقالَ آخَرُ: ما قُلْتُ حُبَيْبِي مِنَ التَّحْقِيرِ ∗∗∗ بَلْ يَعْذُبُ اسْمُ الشَّيْءِ بِالتَّصْغِيرِ وقَرَأ البَزِّيُّ هُنا «يا بُنَيْ» بِالسُّكُونِ، وفِيما بَعْدُ «يا بُنَيِّ إنَّها» بِكَسْرِ الياءِ، و ﴿ يا بُنَيَّ أقِمِ ﴾ ، بِفَتْحِها، وقُنْبُلٌ بِالسُّكُونِ في الأُولى، والثّالِثَةِ، والكَسْرِ في الوُسْطى، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ يا بُنَيًّا، والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ فِيها، ﴿ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ قِيلَ: كانَ ابْنُهُ كافِرًا ولِذا نَهاهُ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعِظُهُ حَتّى أسْلَمَ، وكَذا قِيلَ في امْرَأتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في نَعْتِ الخائِفِينَ عَنِ الفَضْلِ الرَّقاشِيِّ قالَ: ما زالَ لُقْمانُ يَعِظُ ابْنَهُ حَتّى ماتَ.
وأخْرَجَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الكِنْدِيِّ قالَ: وضَعَ لُقْمانُ جِرابًا مِن خَرْدَلٍ، وجَعَلَ يَعِظُ ابْنَهُ مَوْعِظَةً، ويُخْرِجُ خَرْدَلَةً، فَنَفَدَ الخَرْدَلُ فَقالَ: يا بُنَيَّ لَقَدْ وعَظْتُكَ مَوْعِظَةً لَوْ وعَظْتُها جَبَلًا لَتَفَطَّرَ، فَتَفَطَّرَ ابْنُهُ، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا، والنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرٌ لَهُ عَنْ صُدُورِهِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ الباءَ لِلْقَسَمِ، أيْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويَقْتَضِيهِ كَلامُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، والكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوِ الِانْتِهاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: هو خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ كَلامِلُقْمانَ مُتَّصِلٌ بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، وكَوْنُ الشِّرْكِ ظُلْمًا لِما فِيهِ مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وكَوْنُهُ عَظِيمًا لِما فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ ومَن لا نِعْمَةَ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقال مجاهد: يعني: أعطينا لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة.
ويقال أيضاً: الحكمة والعقل والإصابة في القول.
وروي عن رسول الله أنه قال: «ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إلاَّ أَثْبَتَ الله تَعَالَى الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَعُيُوبَ نَفْسِهِ.
وَإذَا رَأيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاقْتَرِبُوا إلَيْهِ فَاسْتَمِعُوا مِنْهُ، فإنه يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .
وقال السدي: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني: النبوة.
وعن عكرمة قال: كان لقمان نبياً.
وعن وهب بن منبه قال: كان لقمان رجلاً حكيماً، ولم يكن نبياً.
وروي عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً.
ويقال: إن أول ما ظهرت حكمته أن مولاه قال له يوماً: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.
ثم قال: أخرج أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.
ثم مكث ما شاء الله.
ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.
فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.
فسأله عن ذلك فقال لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خُيِّرَ بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.
قال: فبينما كان يعظ الناس يوماً وهم مجتمعون عليه، إذ مرّ به عظيم من عظماء بني إسرائيل.
فقال: ما هذه الجماعة؟
فقيل له: جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم.
فأقبل إليه.
فقال له: ألست عبد بني فلان؟
فقال: نعم.
فقال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟
فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني.
فانصرف عنه متعجباً وتركه.
ثم قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني: حكماً من أحكام الله أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ويقال: معناه وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقلنا له: اشكر لله بما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: ثواب الشكر لنفسه وَمَنْ كَفَرَ أي: جحد فلا يوحّد ربه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ خلقه وعن شكرهم حَمِيدٌ في فعاله وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ قال مقاتل: كان اسم ابنه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ ويقال: معناه قال لابنه واعظا يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ يعني: ذنب عظيم لا يغفر أبداً، وكان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما.
وقال مقاتل: زعموا أنه كان ابن خالة أيوب.
وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار: أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه، قال: ما فعل أبي؟
قال: مات.
فقال: ملكت أمري.
قال: وما فعلت أمي؟
قال: قد ماتت.
قال: ذهب همي.
قال: فما فعلت أختي؟
قال: ماتت فقال: سترت عورتي.
قال: فما فعلت امرأتي؟
قال: قد ماتت.
فقال: جدد فراشي.
قال: فما فعل أخي؟
قال: مات.
قال: انقطع ظهري.
وفي رواية أُخرى قال: ما فعل أخي؟
قال: مات.
فقال: انكسر جناحي.
ثم قال: فما فعل ابني؟
قال: مات.
فقال: انصدع قلبي.
وقال وهب بن منبه كان لقمان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل في زمن داود- -، فاشتراه، فأعتقه وكان حبشياً أسود، غليظ الشفتين والمنخرين، غليظ العضدين والساقين، وكان رجلاً صالحاً أبيض القلب، وليس يصطفي الله عز وجل عباده على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم.
قرأ عامر في رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين: يا بُنَيَّ بالنصب.
وقرأ الباقون: بالكسر وقد ذكرناه.
ثم قال عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ فكأنه يقول: آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئاً، وآمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يعني: أمرناه بالإحسان بِوالِدَيْهِ.
ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر الولد من الشدة فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ يعني: ضعفاً على ضعف، لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها.
فكلما ازداد الحمل يزيدها ضعفاً على ضعف وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ يعني: فطامه بعد سنتين من وقت الولادة أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ يعني: وصّيناه وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام، واشكر لوالديك بما فعله إليك إِلَيَّ الْمَصِيرُ فأجازيك بعملك.
ثم قال عز وجل: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.
يعني: أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة، فلا يجوز للولد أن يطيعهما في المعصية.
فقال: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.
ويقال: وإن أرادك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة بأن معي شريكاً فَلا تُطِعْهُما في الشرك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يعني: عاشرهما في الدنيا معروفاً بالإحسان، وإنما سمي الإحسان معروفاً لأنه يعرفه كل واحد.
قال وروي عن النبي أنه قال: «حُسْنَ المُصَاحَبَةِ أنْ يُطْعِمَهُمَا إذا جَاعَا، وَأَنْ يَكْسُوَهُمَا إذا عَرِيَا» .
ثم قال: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة.
ثم استأنف فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة.
وقال بعضهم: إنما أتمّ الكلام عند قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: دين من أقبل على الطاعة.
ثم استأنف الكلام فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ تكراراً على وجه التأكيد فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: فأجازيكم بها.
ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ قال مقاتل: وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى.
فرد عليه لقمان وقال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ يعني: وزن خردلة فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أي: الصخرة التي هي أسفل الأرضين.
وقال بعضهم: أراد بها كل صخرة، لأنه قال بلفظ النكرة.
يعني: ما في جوف الصخرة الصماء.
وقال مقاتل: هي الصخرة التي في أسفل الأرض، وهي خضراء مجوفة.
ثم قال: أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يجازي بها الله.
أي: يعطيه ثوابها.
ويقال: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ عند الميزان، فيجازيه بها.
ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يعطيه ثوابها عز وجل كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) [الزلزلة: 7] يعني: يرى ثوابه.
قرأ نافع مثقال بضم الام.
وقرأ الباقون: بالنصب.
فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن.
ومن قرأ بالنصب جعله خبراً.
والاسم فيه مضمر ومعناه: إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة.
وإنما قال: إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة.
فكان المعنى للحبة.
وقيل: أراد به الخطيئة.
ومن قرأ: بالضم جعله اسم تكن.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يعني: لطيف باستخراج تلك الحبة، خبير بمكانها.
وقال أهل اللغة: اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء.
يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن: لطيف.
وللشيء الصغير لطيف.
ويقال للمشفق: لطيف.
ثم قال عز وجل: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ يعني: أتمّ الصلاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: التوحيد.
ويقال: أظهر العدل وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، ولا معروف في العقل وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ يعني: إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر، فأصابك من ذلك ذلّ أو هوان أو شدة، فاصبر على ذلك ف إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني: من حق الأمور.
ويقال: من واجب الأمور.
وصارت هذه الآية بياناً لهذه الأمة، وإذناً لهم، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك، إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى، لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل.
ثم قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: وَلا تُصَعِّرْ بالتشديد بغير ألف.
وقرأ الباقون: ولا تصاعر بالألف والتخفيف.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
يقال: صعر خده وصاعره ومعناهما: الإعراض على جهة الكبر.
يعني: لا تعرض بوجهك عن الناس متكبراً.
وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين، وهكذا قال الكلبي.
وقال العتبي: أصله الميل.
ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين.
ويقال: معناه لا تكلم أحداً وأنت معرض عنه، فإن ذلك من الجفاء والإذاء.
ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: لا تمشي بالخيلاء، والمرح والبطر والأشر كله واحد، وهو أن يعظم نفسه في النعم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: مختالاً في مشيته، فخوراً في نعم الله عز وجل.
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ يعني: تواضع لله تعالى في المشي، ولا تختل في مشيتك.
ويقال: أسرع في مشيتك، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء.
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يعني: اخفض.
ومن صلة في الكلام اخفض كلامك، ولا تكن سفيهاً.
ثم ضرب للصوت الوضيع مثلاً فقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعني: أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لشدة أصواتها.
وإنما ذكر صوت الحمير، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان.
وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس.
قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد لأهل مكة: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ذلل لكم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كل ذلك من الله تعالى.
يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فالظاهرة التي يراها الناس، والباطنة ما غاب عن الناس.
ويقال: النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب.
وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق.
والباطنة: تستر عن العيون.
عن ابن عباس قال: سألت النبيّ عن قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: «الظَّاهِرَةُ الإسْلامُ، وَالبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ سَوْأَتَكَ» .
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: نِعَمَهُ بنصب العين وميم، وضم الهاء.
وقرأ الباقون: نِعَمَهُ بجزم العين ونصب الهاء والميم.
فمن قرأ نِعَمَهُ بالجزم فهي نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده.
ومن قرأ: نِعَمَهُ فهو على معنى جميع ما أنعم الله عز وجل عليهم.
ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وهو النضر بن الحارث وَلا هُدىً أي: بغير بيان من الله عز وجل وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي: مضيئا فيه حجة.
<div class="verse-tafsir"
أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي وأخبروهم أن لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
انتهى.
وقوله عزّ وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الوَقْرُ في الأذن: الثِّقْلُ الذي يَعْسُر معه إدراك المَسْمُوعَاتِ، و «الرواسي» : هي الجبالُ و «المَيْد» : التحرك يَمْنَةً ويَسْرَةً، وما قرب من ذلك، والزوج:
النوع والصنف.
وكَرِيمٍ: مدحه بكرم جَوْهره، وحُسْن منظرِه، وغير ذلك.
ثم وقف تعالى الكفرةَ على جهة التوبيخ فقال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقولُ: «لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنْ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خيّرتني، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضياً في بني إسرائيل نُوبِيّاً أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا «١» مَشَافِر» ، قاله سعيدُ بن المسيِّب «٢» وابن عباس «٣» وجماعة: وقال له رجل
سُورَةُ لُقْمانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [لُقْمانَ: ٢٧، ٢٨]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ، لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مَدَنِيَّتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حال الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ؛ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ " هو هُدًى ورَحْمَةٌ " وعَلى مَعْنى: " تِلْكَ هُدًى ورَحْمَةٌ " .
وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ١-٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شِراءِ القِيانِ والمُغَنِّياتِ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ تاجِرًا إلى فارِسَ، فَكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
وَفِي المُرادِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] الغِناءُ.
كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هو الغِناءُ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ.
والثّانِي: أنَّهُ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْهُ مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يَشْتَرِي ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَشْتَرِي بِمالِهِ؛ وحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ.
والثّانِي: يَخْتارُ ويَسْتَحِبُّ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَطَرٌ.
وَإنَّما قِيلَ لِهَذِهِ الأشْياءِ: لَهْوُ الحَدِيثِ، لِأنَّها تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ المَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ.
وقَدْ بَيَّنّا هَذا الحَرْفَ في (الحَجِّ: ٩) .
وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّخِذُها " بِرَفْعِ الذّالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ الذّالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى " لِيُضِلَّ " " ويَتَّخِذَ " ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى " مَن يَشْتَرِي " " ويَتَّخِذُ " .
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الآياتُ، والثّانِي: السَّبِيلُ.
وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في مَواضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الإسْراءِ: ٤٦، الأنْعامِ: ٢٥، البَقَرَةِ: ٢٥، الرَّعْدِ: ٢، النَّحْلِ: ١٥، الشُّعَراءِ: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: النُّبُوَّةُ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
هَكَذا حَكاهُ عَنْهُمُ الواحِدِيُّ، ولا يُعْرَفُ، إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
وَفِي صِناعَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.
والثّانِي: راعِيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: نَجّارًا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبْعِيُّ.
فَأمّا صِفَتُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ لُقْمانُ أسْوَدَ مَن سُودانِ مِصْرَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وكانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ: أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلى] ما أعْطاكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّما يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ خَلْقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ لُقْمانُ رَجُلٌ حَكِيمٌ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى، وهي الصَوابُ في المُعْتَقَداتِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلِ، واخْتِلَفَ، هَلْ هو نَبِيٌّ مَعَ ذَلِكَ أو رَجُلٌ صالِحٌ فَقَطْ؟
فَقالَ بِنُبُوَّتِهِ عِكْرِمَةُ والشَعْبِيُّ، وقالَ بِصَلاحِهِ فَقَطْ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَمِعَتِ النَبِيَّ يَقُولُ: « "لَمْ يَكُنْ لُقْمانُ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا كَثِيرَ التَفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أحَبَّ اللهَ فَأحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، وخَيَّرَهُ في أنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالحَقِّ، فَقالَ: يا رَبِّ إنْ خَيَّرَتْنِي قَبِلْتُ العافِيَةَ وتَرَكْتُ البَلاءَ، وإنْ عَزَمَتْ عَلَيَّ فَسَمْعًا وطاعَةً فَإنَّكَ سَتَعْصِمُنِي"،» وكانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، نُوبِيًّا أسْوَدَ مُشَقَّقَ الرِجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ لَهُ رَجُلٌ كانَ قَدْ رَعى مَعَهُ الغَنَمَ: ما بَلَغَ بِكَ يا لُقْمانُ ما أرى؟
قالَ: صِدْقُ الحَدِيثِ والصَمْتُ عَمّا لا يَعْنِينِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَ مَن سُودانِ مِصْرَ، مِنَ النُوبَةِ، وقالَ خالِدُ بْنُ الرَبِيعِ: كانَ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ خَيّاطًا، وقِيلَ: كانَ راعِيًا.
وحِكَمُ لُقْمانَ كَثِيرَةٌ مَأْثُورَةٌ، قِيلَ لَهُ: وأيُّ الناسِ شَرٌّ؟
قالَ: الَّذِي لا يُبالِي إنْ رَآهُ الناسُ مُسِيئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةُ، أيْ: كانَتْ حِكْمَتُهُ دائِرَةً عَلى الشُكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومَعانِيهِ.
وجَمِيعُ العِباداتِ والمُعْتَقَداتِ داخِلَةٌ في شُكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشاكِرَ حَظُّهُ عائِدٌ عَلَيْهِ، وهو المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الشُكْرِ، فَلا يَنْفَعُهُ شُكْرُ العِبادِ، حَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُ الكافِرِينَ.
و"حَمِيدٌ" بِمَعْنى: مَحْمُودٌ، أيْ: هو مُسْتَحَقٌّ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ وذاتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذْ قالَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، واخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، واسْمُ ابْنِهِ تارانُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيِّ" بِالشَدِّ والكَسْرِ في الياءِ، في الثَلاثَةِ، عَلى إدْغامِ إحْدى الياءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيَّ" بِالشَدِّ والفَتْحِ في الثَلاثَةِ، عَلى قَوْلِكَ: يا بُنَيّا، ويا غُلامًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي بُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يا بُنَيْ" بِسُكُونِ الياءِ، و"يا بُنَيِّ إنَّها" بِكَسْرِ الياءِ، و"يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ" بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى عنهُ قُنْبُلُ بِالسُكُونِ في الأُولى والثالِثَةَ، وبِكَسْرِ الوُسْطى.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ أنَّهُ مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى مُنْقَطِعًا مِن كَلامِ لُقْمانَ، مُتَّصِلًا بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ المَأْثُورُ: « "أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ؟
فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ ، فَسَكَنَ إشْفاقُهُمْ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَسْكُنُ إشْفاقُهم بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يَسْكُنُ الإشْفاقُ بِأنْ يَذْكُرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ عن عَبْدٍ قَدْ وصَفَهُ بِالحِكْمَةِ والسِدادِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ءاتينا لقمان الحكمة ﴾ [لقمان: 12] لأن الواو نائبة مناب الفعل فمضمون هذه الجملة يفسر بعض الحكمة التي أوتيها لقمان.
والتقدير: وآتيناه الحكمة إذْ قال لابنه فهو في وقت قوله ذلك لابنه قد أوتي حكمة فكان ذلك القول من الحكمة لا محالة، وكل حالة تصدر عنه فيها حكمة هو فيها قد أوتي حكمة.
و ﴿ إذ ﴾ ظرف متعلق بالفعل المقدّر الذي دلت عليه واو العطف، أي والتقدير: وآتيناه الحكمة إذ قال لابنه.
وهذا انتقال من وصفه بحكمة الاهتداء إلى وصفه بحكمة الهدى والإرشاد.
ويجوز أن يكون ﴿ إذْ قَالَ ﴾ ظرفاً متعلقاً بفعل (اذكر) محذوفاً.
وفائدة ذكر الحال بقوله ﴿ وهو يعظه ﴾ الإشارة إلى أن قوله هذا كان لتلبس ابنه بالإشراك، وقد قال جمهور المفسرين: إن ابن لقمان كان مُشركاً فلم يزل لقمان يعظه حتى آمن بالله وحده، فإن الوعظ زجرٌ مقترن بتخويف قال تعالى ﴿ فأعْرِضْ عنهم وعِظهم وقُل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ [النساء: 63] ويعرف المزجور عنه بمتعلق فعل الموعظة فتعين أن الزجر هنا عن الإشراك بالله.
ولعل ابن لقمان كان يدين بدين قومه من السودان فلما فتح الله على لقمان بالحكمة والتوحيد أبَى ابنه متابعته فأخذ يعظه حتى دان بالتوحيد، وليس استيطان لقمان بمدينة داود مقتضياً أن تكون عائلته تدين بدين اليهودية.
وأصل النهي عن الشيء أن يكون حين التلبس بالشيء المنهي عنه أو عند مقاربة التلبس به، والأصل أن لا ينهى عن شيء منتف عن المنهي.
وقد ذكر المفسرون اختلافاً في اسم ابن لقمان فلا داعي إليه.
وقد جمع لقمان في هذه الموعظة أصول الشريعة وهي: الاعتقادات، والأعمال، وأدب المعاملة، وأدب النفس.
وافتتاح الموعظة بنداء المخاطب الموعوظ مع أن توجيه الخطاب مغن عن ندائه لحضوره بالخطاب، فالنداء مستعمل مجازاً في طلب حضور الذهن لوعي الكلام وذلك من الاهتمام بالغرض المسوق له الكلام كما تقدم عند قوله تعالى ﴿ يا أبَتتِ إني رأيتُ أحَدَ عَشَر كوكباً ﴾ [يوسف: 4] وقوله ﴿ يا بُني لا تقصص رؤياك ﴾ في سورة يوسف (5) وقوله ﴿ إذْ قال الحواريون يا عيسى ابنَ مريم هل يستطيع ربك أن يُنَزّل علينا مائدة من السماء ﴾ في سورة العقود (112) وقوله تعالى ﴿ إذ قال لأبيه يا أبت لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسمع ولا يبْصر ﴾ في سورة مريم (42).
و ﴿ بُنَيّ ﴾ تصغير (ابن) مضافاً إلى ياء المتكلم فلذلك كسرت الياء.
وقرأه الجمهور بكسر ياء ﴿ بُنَيِّ ﴾ مشدّدة.
وأصله: يا بُنَيْيي بثلاث ياءات إذ أصله الأصيل يا بُنَيْوِي لأن كلمة ابن واوية اللام الملتزمة حذفها فلما صُغر ردّ إلى أصله، ثم لما التقت ياء التصغير ساكنة قبل واو الكلمة المتحركة بحركة الإعراب قلبت الواو ياء لتقاربهما وأدغمتا، ولما نودي وهو مضاف إلى ياء المتكلم حذفت ياء المتكلم لجواز حذفها في النداء وكراهية تكرر الأمثال، وأشير إلى الياء المحذوفة بإلزامِه الكسرَ في أحوال الإعراب الثلاثة لأن الكسرة دليل على ياء المتكلم.
وتقدم في سورة يوسف.
والتصغير فيه لتنزيل المخاطب الكبير منزلة الصغير كناية عن الشفقة به والتحبب له، وهو في مقام الموعظة والنصيحة إيماء وكناية عن إمحاض النصح وحب الخير، ففيه حث على الامتثال للموعظة.
ابتدأ لقمان موعظة ابنه بطلب إقلاعه عن الشرك بالله لأن النفس المعرضة للتزكية والكمال يجب أن يقدم لها قبل ذلك تخليتُها عن مبادئ الفساد والضلال، فإن إصلاح الاعتقاد أصل لإصلاح العمل.
وكان أصل فساد الاعتقاد أحد أمرين هما الدُهرية والإشراك، فكان قوله ﴿ لا تشرك بالله ﴾ يفيد إثبات وجود إله وإبطال أن يكون له شريك في إلهيته.
وقرأ حفص عن عاصم في المواضع الثلاثة في هذه السورة ﴿ يا بنيَّ ﴾ بفتح الياء مشددة على تقدير: يا بنَيَّا بالألف وهي اللغة الخامسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ثم حذفت الألف واكتفي بالفتحة عنها، وهذا سماع.
وجملة ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ تعليل للنهي عنه وتهويل لأمره، فإنه ظلم لحقوق الخالق، وظلم المرء لنفسه إذ يضع نفسه في حضيض العبودية لأخس الجمادات، وظلم لأهل الإيمان الحق إذ يبعث على اضطهادهم وأذاهم، وظلم لحقائق الأشياء بقلبها وإفساد تعلقها.
وهذا من جملة كلام لقمان كما هو ظاهر السياق، ودل عليه الحديث في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن مسعود قال: " لما نزلت ﴿ الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه ﴿ يا بنيِّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴾ ".
وجوَّز ابن عطية أن تكون جملة ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ من كلام الله تعالى، أي: معترضة بين كَلِم لقمان.
فقد روي عن ابن مسعود أنهم لما قالوا ذلك أنزل الله تعالى ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ ، وانظر من روى هذا ومقدار صحته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ مَقالَةَ لُقْمانَ لِابْنِهِ، وفي اسْمِ ابْنِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُشْكِمُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: أنْعَمُ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: بابانُ.
﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ أيْ يُذَكِّرُهُ ويُؤَدِّبُهُ.
﴿ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ اللَّهِ، وسَمّاهُ ظُلْمًا لِأنَّهُ قَدْ ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِابْنِهِ وكانَ مُشْرِكًا، وقَوْلُهُ ﴿ يا بُنَيَّ ﴾ لَيْسَ هو حَقِيقَةَ التَّصْغِيرِ وإنْ كانَ عَلى لَفْظِهِ وإنَّما هو عَلى وجْهِ التَّرْقِيقِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ يا أُخَيَّ.
وَلِلصَّبِيِّ هو كُوَيِّسٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ ﴾ يَعْنِي بِرًّا وتَحَنُّنًا عَلَيْهِما.
وَفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ وإنْ جاءَتْ بِلَفْظٍ خاصٍّ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّانِي: خاصٌّ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وُصِّيَ بِأبَوَيْهِ; واسْمُ أبِيهِ مالِكٌ واسْمُ أُمِّهِ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمَيَّةَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ شِدَّةً عَلى شِدَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: جَهْدًا عَلى جَهْدٍ.
قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: ضَعْفًا عَلى ضِعْفٍ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
وَمِن قَوْلِ قَعْنَبٍ ابْنِ أُمِّ صاحِبٍ: هَلْ لِلْعَواذِلِ مِن ناهٍ فَيَزْجُرُها إنَّ العَواذِلَ فِيها الأيْنُ والوَهَنُ يَعْنِي الضَّعْفَ.
ثُمَّ فِيهِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ضَعْفُ الوَلَدِ عَلى ضَعْفِ الوالِدَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ضَعْفُ نُطْفَةِ الأبِ عَلى نُطْفَةِ الأُمِّ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: ضَعْفُ الوَلَدِ حالًا بَعْدَ حالٍ فَضَعْفُهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا سَوِيًّا ثُمَّ مَوْلُودًا ثُمَّ رَضِيعًا ثُمَّ فَطِيمًا، قالَهُ أبُو كامِلٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ضَعْفُ الجِسْمِ عَلى ضَعْفِ العَزْمِ.
﴿ وَفِصالُهُ في عامَيْنِ ﴾ يَعْنِي بِالفِصالِ الفِطامَ مِن رِضاعِ اللَّبَنِ.
واخْتُلِفَ في حُكْمِ الرِّضاعِ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ هَلْ يَكُونُ في التَّحْرِيمِ كَحُكْمِهِ في الحَوْلَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُحَرِّمُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ ولَوْ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ لِتَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُ بِالحَوْلَيْنِ ولِقَوْلِ النَّبِيِّ : « (لا رَضاعَةَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ)» وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
الثّانِي: أنَّهُ يُحَرِّمُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ بِأيّامٍ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ.
الثّالِثُ: يُحَرِّمُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ اسْتِكْمالًا لِثَلاثِينَ شَهْرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
الرّابِعُ: أنَّ تَحْرِيمَهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّهُ يُحَرِّمُ في الكَبِيرِ كَتَحْرِيمِهِ في الصَّغِيرِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ.
﴿ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ ﴾ أيِ اشْكُرْ لِي النِّعْمَةَ ولِوالِدَيْكَ التَّرْبِيَةَ.
وَشُكْرُ اللَّهِ بِالحَمْدِ والطّاعَةِ وشُكْرُ الوالِدَيْنِ بِالبِرِّ والصِّلَةِ، قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ حَقِّهِ وحَقِّ الوالِدَيْنِ وقالَ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ.
﴿ إلَيَّ المَصِيرُ ﴾ يَعْنِي إلى اللَّهِ المَرْجِعُ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِالجَنَّةِ والمُسِيءَ بِالنّارِ.
وَقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (رِضا الرَّبِّ مِن رِضا الوالِدِ وسَخَطُ الرَّبِّ مِن سَخَطِ الوالِدِ)» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ جاهَداكَ ﴾ يَعْنِي أراداكَ.
﴿ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَعْلَمُ أنَّ لِي شَرِيكًا.
﴿ فَلا تُطِعْهُما ﴾ يَعْنِي في الشِّرْكِ.
﴿ وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا ﴾ أيِ احْتِسابًا.
قالَ قَتادَةُ: تَعُودُهُما إذا مَرِضا وتُشَيِّعُهُما إذا ماتا، وتُواسِيهِما مِمّا أعْطاكَ اللَّهُ تَعالى.
﴿ واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ﴾ قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: مَن أقْبَلَ بِقَلْبِهِ مُخْلِصًا وهو النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ.
رَوى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ ألّا تَأْكُلَ ولا تَشْرَبَ حَتّى يَتَحَوَّلَ سَعْدٌ عَنْ دِينِهِ، فَأبى عَلَيْها فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى غُشِيَ عَلَيْها ثُمَّ دَعَتِ اللَّهَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما كان لقمان؟
قالوا: الله ورسوله أعلم قال: كان حبشياً» .
وأخرج ابن أبي شيبة في الزهد وأحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً نجاراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ما انتهى إليكم من شأن لقمان عليه السلام؟
قال: كان قصيراً، أفطس من النوبة.
وأخرج الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم.
والنجاشي.
وبلال المؤذن» قال الطبراني: أراد الحبشة.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سادات السودان أربعة: لقمان الحبشي.
والنجاشي.
وبلال.
ومهجع» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان أسود من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة.
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب رضي الله عنه يسأله، فقال له سعيد رضي الله عنه: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال.
ومهجع مولى عمر بن الخطاب.
ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان لقمان عليه السلام عبداً أسود.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً لبني إسرائيل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه أن لقمان عليه السلام كان خياطاً.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام من أهون مملوكيه على سيده، وإن أول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان أن طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويكون منه الباسور، ويصعد الحر إلى الرأس، فأجلس هوينا وأخرج، فخرج فكتب حكمته على باب الحش قال: وسكر مولاه، فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة، فلما أفاق عرف ما وقع منه، فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنت أخبؤك.
فقال: اجمعهم، فلما اجتمعوا قال: على أي شيء خاطرتموه؟
قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة قال: فإن لها مواد فاحبسوا موادها عنها قالوا: كيف نستطيع أن نحبس موادها؟
قال: وكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد؟
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: يعني العقل، والفهم، والفطنة.
من غير نبوّة.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله تعالى، فمن عليه بالحكمة، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟
قال لقمان: إن أجبرني ربي عز وجل قبلت، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني.
وعلمني.
وعصمني.
وإن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أسأل البلاء، فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟!
قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً شائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة.
فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغط بالحكمة غطاً فانتبه فتكلم بها، ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة، فقبلها ولم يشترط شرط لقمان، فأهوى في الخطيئة، فصفح عنه وتجاوز.
وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام: طوبى لك يا لقمان، أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية، وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة» .
وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: العقل، والفقه، والاصابة في القول في نبوّه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ قال: الفقه في الإِسلام، ولم يكن نبياً، ولم يوح إليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة.
فاختار الحكمة على النبوّة، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم، فذر عليه الحكمة، فاصبح ينطق بها فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوّة، وقد خيرك ربك؟
فقال: لو أنه أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني، فخفت أن أضعف عن النبوّة، فكانت الحكمة أحب إلي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه أنه سئل أكان لقمان عليه السلام نبياً؟
قال: لا.
لم يلوح إليه، وكان رجلاً صالحاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عليه السلام نبياً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث رضي الله تعالى عنه قال: كانت حكمة لقمان عليه السلام نبوّة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عليه السلام رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.
وأخرج الطبراني والرامهرمزي في الأمثال بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني عليك بمجالس العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال.
ولا حسب.
ولا خصال.
ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوّط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، كان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول: حكمة يستعيدها إياه، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر.
فبذلك أوتي ما أوتي.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير عن عمر بن قيس رضي الله عنه قال: مر رجل بلقمان عليه السلام والناس عنده فقال: ألست عبد بني فلان؟
قال: بلى.
قال: ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟
قال: بلى.
قال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟
قال: تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السكوت عما لا يعنيني.
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه، مثله.
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين عن الفضل الرقاشي قال: ما زال لقمان يعظ ابنه حتى انشقت مرارته فمات.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه، وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة، فنفذ الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر.
فتفطر ابنه.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني إياك والتقنع فإنها مخوفة بالليل، ومذلة بالنهار» .
وأخرج العسكري في الأمثال والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس؛ أن لقمان عليه السلام كان عبداً لداود، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه.
فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني.
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره، وخف الله مخافة لا تيأس بها من رحمته، فقال: يا أبتاه وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟
قال: المؤمن كذا له قلبان.
قلب يرجو به.
وقلب يخاف به.
وأخرج البيهقي عن سليمان التيمي رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني أكثر من قول: رب اغفر لي، فإن لله ساعة لا يرد فيها سائل.
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن عمر بن سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني حملت الحجارة، والحديد، والحمل الثقيل، فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، يا بني إني قد ذقت المر كله فلم أذق شيئاً أمر من الفقر.
وأخرج ابن أبي الدنيا في اليقين عن الحسن رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله، يا بني إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريبة فاغلبه باليقين والنصيحة، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فاخبره أن الدنيا مفارقة متروكة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن وهب رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني اتخذ تقوى الله تجارة يأتك الربح من غير بضاعة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الرضا عن سعيد بن المسيب قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك أن ذلك خير لك.
قال: أهذه فلا أقدر أعطيكها دون أن أعلم ما قلت كما قلت، قال: يا بني فإن الله قد بعث نبياً.
هلم حتى تأتيه فصدقه.
قال: اذهب يا أبت.
فخرج على حمار وابنه على حمار، وتزودا ثم سارا أياماً وليالي حتى تلقتهما مفازة، فأخذا أهبتهما لها فدخلاها، فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار، واشتد الحر، ونفد الماء والزاد، واستبطآ حماريهما، فنزلا فجعلا يشتدان على سَوْقِهِما، فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هم بسواد ودخان، فقال في نفسه: السواد: الشجر.
والدخان: العمران والناس.
فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم في الطريق، فخر مغشياً عليه، فوثب إليه لقمان عليه السلام، فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه، ثم نظر إليه فذرفت عيناه فقال: يا أبت أنت تبكي وأنت تقول: هذا خير لي، كيف يكون هذا خيراً لي؟
وقد نفد الطعام والماء، وبقيت أنا وأنت في هذا المكان، فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت، وان أقمت معي متنا جميعاً فقال: يا بني.
أما بكائي فرقة الوالدين، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيراً لي؟
فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك، ثم نظر لقمان أمامه فلم يَرَ ذلك الدخان والسواد.
وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض، وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً، فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه، ثم صاح به: أنت لقمان؟
قال: نعم.
قال: أنت الحكيم؟
قال: كذلك.
فقال: ما قال لك ابنك؟
قال: يا عبد الله من أنت؟!
اسمع كلامك ولا أرى وجهك قال: أنا جبريل.
أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها، فاخبرت انكما تريدانها، فدعوت ربي أن يحبسكما عنها بما شاء، فحبسكما بما ابتلي به ابنك، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسفت، ثم مسح جبريل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائماً، ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً، وعلى الذين كان فيه الماء فامتلأ ماء، ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير، فإذا هما في الدار الذي خرجا بعد أيام وليال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي؛ أنه لما وعظ لقمان عليه السلام ابنه قال: ﴿ إنها إن تك...
﴾ .
أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك، فألقاها في عرضه، ثم مكث ما شاء الله، ثم ذكر وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مالك رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: ليس غنى كصحة، ولا نعيم كطيب نفس.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن رضي الله تعالى عنه أن لقمان قال لابنه: يا بني حملت الجندل.
والحديد.
وكل شيء ثقيل.
فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المر فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك، يا بني إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلي صاحبه، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس تشهيك الدنيا، يا بني لا تأكل شبعاً على شبع، فإنك إن تلقه للكلب خير من أن تأكله، يا بني لا تكن حلواً فتبلع، ولا مراً فتلفظ.
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك.
وأخرج عبد الله في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن سيار بن الحكم قال: قيل للقمان عليه السلام: ما حكمتك؟
قال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عثمان الجعدي رجل من أهل البصرة قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال: لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزناً طويلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال: كان لقمان عليه السلام يقول لابنه: يا بني اتق الله، ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرمك بذلك وقلبك فاجر.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير عن خالد الربعي رضي الله تعالى عنه قال: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة.
فذبح له شاة فقال له: ائتني بأطيب مضغتين فيها.
فأتاه باللسان والقلب فقال: أما كان شيء أطيب من هذين؟
قال: لا.
فسكت عنه ما سكت، ثم قال له: اذبح لي شاة.
فذبح له شاة فقال له: ألق أخبثها مضغتين.
فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك بأن تأتي بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال: إنه ليس شيء بأطيب منها إذا طابا، ولا بأخبث منهما إذا خبثا.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: ألا أن يد الله على أفواه الحكماء.
لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له.
وأخرج عبد الله عن سفيان رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني ما ندمت على الصمت قط وإن كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب.
وأخرج أحمد عن قتادة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق.
وأخرج عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة- يعني حكمة لقمان عليه السلام- يا بني إياك والرغب كل الرغب، فإن الرغب كل الرغب ينفذ القرب من القرب، ويترك الحلم مثل الرطب، يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه وهو يعظه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله عز وجل فيه فاجلس معهم، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك، وإن تك غبياً يعلموك، وان يطلع الله عز وجل إليهم برحمة تصبك معهم، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك، وإن تك عَيِياً يزيدوك عياً، وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم، ويا بني لا يغيظنك امرؤ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت.
وأخرج عبد الله في زوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.
وأخرج أحمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة- يعني حكمة لقمان- لتكن كلمتك طيبة، وليكن وهجك بسيطاً، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء وقال: مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون.
وقال: مكتوب في الحكمة: كما تَزْرَعُونَ تَحْصِدُون.
وقال: مكتوب في الحكمة: أحب خليلك وخليل أبيك.
وأخرج أحمد عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: قيل للقمان عليه السلام: أي الناس أصبر؟
قال: صبر لا معه أذى.
قيل: فأي الناس أعلم؟
قال: من ازداد من علم الناس إلى علمه.
قيل فأي الناس خير؟
قال: الغني.
قيل: الغني من المال؟
قال: لا.
ولكن الغني إذا التمس عنده خير وجدوا لا أغنى نفسه عن الناس.
وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه قال: قيل للقمان عليه السلام: أي الناس شر؟
قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً.
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال: وجدت في بعض الحكمة.
يبرد الله عظام الذين يتكلمون باهواء الناس، ووجدت في الحكمة: لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم إذا لم تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك رجل احتطب حطباً فحمل حزمة، فذهب يحملها، فعجز عنها فضم إليها أخرى.
وأخرج أحمد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم.
وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه عمن أخبره أن لقمان عليه السلام قال لابنه: أي بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإِيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك أن تنجو، ولا أراك ناجياً.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عوف بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر.
وأخرج أحمد عن شرحبيل بن مسلم رضي الله عنه أن لقمان قال: أقصر من اللجاجة، ولا أنطق فيما لا يعنيني، ولا أكون مضحاكاً من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب.
وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قرأت في الحكمة: من كان له من نفسه واعظاً كان له من الله حافظاً، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن دينار رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني انزل نفسك منزلة من لا حاجة له بك، ولا بد لك منه، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم، فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة.
وأخرج أحمد عن ابن أبي يحيى رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان لابنه: أي بني أن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.
وأخرج أحمد عن معاوية بن قرة قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني جالس الصالحين من عباد الله فإنك تصيب بمجالستهم خيراً، ولعله أن يكون آخر ذلك تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم، يا بني لا تجالس الأشرار فإنك لا يصبك من مجالستهم خير، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم.
وأخرج أحمد عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: الصمت حكم وقليل فاعله فقال طاوس رضي الله عنه: أي أبا نجيح من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله.
وأخرج أحمد عن عون رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إذا انتهيت إلى نادي قوم فارمهم بسهم الإِسلام، ثم اجلس في ناحيتهم، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجلس معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن دينار رضي الله تعالى عنه: إن لقمان قدم من سفر فلقيه غلام في الطريق فقال: ما فعل أبي؟
قال: مات.
قال: الحمد لله ملكت أمري قال: ما فعلت أمي؟
قال: ماتت.
قال: ذهب همي قال: ما فعلت امرأتي؟
قال: ماتت قال: جدد فراشي قال: ما فعلت أختي؟
قال: ماتت قال: سترت عورتي قال: ما فعل أخي؟
قال: مات قال: انقطع ظهري.
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الوهاب بن بخت المكي رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله ليحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.
وأخرج عن عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني امتنع مما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك.
وأخرج أحمد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم.
وأخرج أحمد عن بكر المزني رضي الله عنه قال: قال لقمان عليه السلام: ضرب الوالد لولده كالماء للزرع.
وأخرج القالي في أماليه عن العتبي قال: بلغني أن لقمان عليه السلام كان يقول: ثلاثة لا يعرفون إلا ثلاثة مواطن: الحليم عند الغضب.
والشجاع عند الحرب.
وأخوك عند حاجتك إليه.
وأخرج وكيع في الغرر عن الحنظلي رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فاغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.
وأخرج الدارقطني عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الأخرى، فَدَارٌ أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تُبَاعِد.
وأخرج ابن المبارك عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان يقول: اللهم لا تجعل أصحابي الغافلين، إذا ذكرتك لم يعينوني، وإذا نسيتك لم يذكروني، وإذا أمرت لم يطيعوني، وإن صمت أحزنوني.
وأخرج الحكيم الترمذي عن معتمر عن أبيه أن لقمان عليه السلام قال لابنه: يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي.
فإن لله ساعة لا يرد فيها الدعاء.
وأخرج الخطيب عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إياك والدَيْن فإنه ذُلُّ النهارِ هَمُّ الليلِ.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: قال لقمان لابنه: يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته.
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال: قال لقمان عليه السلام: إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه فلا تقض له حتى يأتي خصمه قال: يقول لعله أن يأتي وقد نزع أربعة أعين.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال الله عز وجل «يا ابن آدم خلقتك وتعبد غيري، وتدعو إلي وتفر مني، وتذكرني وتنساني هذا أظلم ظلم في الأرض» ثم يتلو الحسن ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب بقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال لابنه؛ لأن هذه الموعظة حكمة (١) ﴿ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾ قال ابن عباس: في الله (٢) (٣) قوله: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ ذكرنا القراءات ووجوهها في ﴿ يَا بُنَيَّ ﴾ عند: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا ﴾ .
وقرأ ابن كثير: يا بني، مخففة ساكنة الياء، وكذلك: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ في رواية الحواس.
ووجه ذلك أن الأصل: يا بنيي بثلاث ياءات، ثم تحذف ياء الإضافة كما يقال: يا غلام أقبل، وذكرنا ذلك في سورة هود [[عند تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾ \[آية 42\].]] فلما حذف ياء الإضافة بقيت ياء مشددة، فخففها في الوقف كما تخفف سر وضر، وكقولك عمران (٤) قد كنت جارك حولاً لا يروعني ...
فيه روائع من إنس ولا جان (٥) فخفف النون للوقف وأطلقها [كما شددها للوقف وأطلقها في] (٦) (٧) ارهن بنيك عندهم أرهن بني (٨) فالياء (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله (١٣) قال أبو إسحاق: يعني أن الله هو المحي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحدًا غيره فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها، وأصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه (١٤) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.
(٢) لم أعثر عليه.
(٣) "تفسير مقاتل" 82 ب.
(٤) هكذا في النسخ، والصواب: كقول عمران.
(٥) البيت من الكامل، وهو لعمران بن حطان الحروري يمدح به عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب - - كما قاله المبرد في "الكامل" 3/ 898، وهو في "الحجة" 4/ 336، 5/ 454، وفي "اللسان" 13/ 96 (جنن)، "المحتسب" 2/ 76.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط في (ب).
(٧) هكذا جاءت العبارة في جميع النسخ!
والذي يظهر أن ما بين المعقوفين خطأ، إذ وجوده في النص يجعل الأسلوب ركيكًا ومضطربًا.
(٨) شطر بيت من الرجز، لم أقف على تمامه وقائله.
وقد ذكر ابن جني في "المحتسب" 1/ 108 أنه جاهلي، "الخصائص" 3/ 327، "اللسان" 13/ 188 غير منسوب لأحد.
(٩) في (أ): (فالهاء)، وهو خطأ.
(١٠) في (ب): (بنية)، وهو خطأ.
(١١) هكذا في النسخ!
ولعل الصواب: لرد، بدون ألف قبلها.
انظر: "الحجة" 4/ 338.
(١٢) إلى هنا من قوله عمران قد كنت جارك ..
منقول من "الحجة" 4/ 336 وما بعدها، بتصرف يسير جدًّا.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 196.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لُقْمَانَ ﴾ رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبيّ أم لا؟
وفي الحديث لم يكن لقمان نبياً، ولكن عبداً حسن اليقين أحب الله فأحبه، فمنّ عليه بالحكمة، روي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجاراً وقيل: خياطاً، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافراً فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.
حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.
وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.
﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون.
بالتشديد.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.
ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.
التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.
وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.
إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".
وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.
ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.
وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.
قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.
وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.
ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.
وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.
وروي عن النبي "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.
وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.
وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.
وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.
ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".
وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.
هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.
وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.
ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟
فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.
عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.
وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.
روي أنه دخل على داود وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.
فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.
فقال له داود : بحق ما سميت حكيماً.
روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.
قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.
وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.
قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.
ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.
وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.
وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.
" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟
قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .
وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.
ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.
وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.
واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.
وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.
ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.
وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟
إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.
سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟
الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.
وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.
فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.
وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".
وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.
والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.
ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.
فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.
ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.
قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.
قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله أعلم.
التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.
﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.
﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.
﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .
قال بعضهم: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل من غير نبوة.
وقال بعضهم: أعطي الفهم واللب، وقيل: الفهم والفقه في الدين، وقيل: العلم؛ كأنه يقول: أعطيناه العلم والفهم بالكتب المتقدمة.
والفقه: هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، أو معرفة ما غاب بما شهد، أو معرفة الخفي الباطن بالظاهر، ونحوه.
والفلاسفة يقولون: الحكمة هي المعرفة مع العمل، والحكيم: هو الذي له المعرفة والعلم والعمل جميعاً؛ فحينئذ يسمى: حكيماً.
وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ ﴾ .
كأنه قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا - وقلنا له: أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة، وغير ذلك من النعمة، وهذا يدل أن لله فيما يكتسب المؤمن الحكمة والعلم صنعاً؛ إذ لو لم يكن له [لما كان] لقوله: ﴿ آتَيْنَا ﴾ معنى؛ إذ هو للعبد وكسبه ألا ترى أنه أمره أن يشكر له على ذلك، ولو لم يكن له صنع في ذلك لكان لا يأمره بالشكر له على ما لا صنع له فيه؛ إذ يخرج ذلك مخرج طلب الحمد والشكر على ما لم يفعل، وقد ذم من أحب أن يحمد بما لم يفعل؛ فلا يحتمل أن يأمر هو بالحمد والشكر على ما لم يفعل ولا صنع له في ذلك؛ دل أنه له فيه صنعاً، وهو ينقض على المعتزلة في قولهم: أن ليس لله في فعل العبد صنع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ .
هذا يدل أن ما يأمر عباده وينهاهم، وفيما امتحنهم إنما يمتحنهم ويأمرهم وينهاهم؛ لمنافع أنفسهم وحاجتهم، لا لمنفعة نفسه أو لحاجته؛ حيث قال: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ حيث يتم تلك النعمة ويديمها له؛ فهو بالشكر ينفع نفسه.
من كفر فإنما ضرر كفره يلحقه دون الله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .
أي: غني عن شكره وحمده، حميد وإن لم يحمده أحد من خلقه؛ لأنه غني بذاته، حميد بصنائعه وآلائه وإن لم يحمد هو ولم يشكر على ذلك، لا ينفعه شكر أحد ولا حمده، ولا يضره كفران أحد ولا ترك الشكر له والحمد، وبالله الحول والقوة.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها، وأوقعوها في المهالك، بعدما صورها أحسن تصوير ومثلها أحسن تمثيل، وأعظم الظلم من عمل وسعى في هلاك نفسه.
أو ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ : ظلموا نعم الله؛ حيث صرفوا شكرها إلى غير منعمها.
أو ظلموا ظلماً عظيماً؛ حيث لم يقبلوا شهادة وحدانية الله وألوهيته فيما جعلها في خلقتهم وبنيتهم؛ إذ جعل في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانيته وربوبيته، وذلك أعظم الظلم وأفحشه.
وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ .
ولم يذكر هاهنا بماذا وصاه، فجائز الوصية بما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ و ﴿ إِحْسَاناً ﴾ ، والإحسان: هو اسم ما حسن من فعل.
وقوله: ﴿ حُسْناً ﴾ : هو اسم ما حسن مما كان يفعله، وهما واحد في الأصل.
وقوله: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ .
أي: ضعفا على ضعف، أي: كلما مضى عليها وقت ازداد فيها ضعف على ضعف ووجع على وجع، أمر بالإحسان إليهما جميعاً، ثم ذكر ما حملت الأم من المشقة والشدة، ولم يذكر من الأب شيئاً، وقد كان للأب وقت احتمال الأم المشقة - اللذة والسرور والفرح؛ فجائز أن يقال: إن كان من الأب بإزاء تلك المشقة التي احتملت الأم معنى ما يؤمر أن يشكر له ويحسن إليه - وهو ما يتحمل من الإنفاق عليها وعليه في حال الرضاع، وهو ما ذكر ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أو ما جعله مطعوناً في الناس بحيث لم يعرف له نسب ينسب إليه؛ بل جعله معروف النسب غير مطعون في الخلق ونحوه.
ثم ذكر الفصال ولم يذكر الرضاع والمشقة في الإرضاع لا في الفصال، لكنه ذكر تمام الرضاع وكماله؛ إذ بالفصال يتم ذلك ويكمل، وفي ذكر التمام له والكمال ذكر الرضاع، وليس في ذكر الرضاع نفسه ذكر تمامه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
أمر بالشكر له ولوالديه، وحاصل الشكر راجع إليه دون من يشكر له؛ إذ كل من صنع إلى آخر ما يستوجب به الشكر والثناء - فبالله صنع ذلك إليه وبنعمه كان منه ذلك؛ فكل من حمد دونه أو شكر - فراجع إليه في الحقيقة ذلك.
ثم يخرج قوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ على وجهين: أحدهما: اشكر لي فيما تشكر والديك بإحسانهما إليك؛ فإنهما ما أحسنا إليك إلا بفضلي ورحمتي؛ كقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ﴾ ، أي: اذكروا الله فيما تذكرون آباءكم بصنعهم؛ فإنهم إنما فعلوا ذلك بفضل الله.
أو أن يكون قوله: ﴿ ٱشْكُرْ لِي ﴾ فيما أنعمت عليك، ﴿ وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ : فيما أحسنا إليك وربياك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ : قد ذكرنا أنه خص ذلك المصير إليه، وإن كانوا في جميع الأوقات صائرين إليه راجعين بارزين له؛ لما المقصود من إنشائهم في هذا ذاك، وصار إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك، ما لولا ذلك لكان عبثاً باطلا، على ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ .
أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة، ثم بين أن لا في كل أمر يطاعان، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان؛ إنما يطاعان ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال؛ بل يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان أو يأمران، وكذلك ذكر في الخبر: "أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق" .
وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف: فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق؛ حيث قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ .
قال بعضهم: اتبع دين من أقبل إلى ورجع إلى طاعتي وهو النبي.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ ، أي: اتبع سبيلي وديني؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ ﴾ ، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون تأويله: اتبع سبيلي وديني، ولا تتبع غيري، [واتبع] سبيل من أناب ورجع إلي، ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي.
ثم أخبر برجوع الكل إليه: من رجع وأناب إليه، ومن لم يرجع ولم ينب إليه؛ على الوعيد حيث قال: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ...
﴾ الآية، وهو كقوله: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ ، أي: من استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعاً؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ .
لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير سؤال كان في ذلك؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال، لكن لا نعلم ما كان السؤال؟
وعم كان؟
فإما أن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة التي ذكر، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق، فيما لا يطلع أحد منهم ولا يبلغه علم الخلائق ﴿ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يعلمها الله؛ فإن كان على هذا [الذي] ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبداً مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم؛ لما لا يخفى عليه شيء.
أو أن يكون السؤال عن قدرة الله وسلطانه؛ فأخبر أن الله - قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر: ما يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة؛ فيخافون قدرة الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه.
أو أن يكون السؤال عن الرزق فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فالله ؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك؛ ليكونوا أبداً في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون؛ وكذلك قال: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ .
أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم ولطف، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ﴾ : من خير أو شر، ﴿ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ﴾ : في جبل، ﴿ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجازيها الله؛ فيكون على هذا التأويل كقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ، فأي شيء كان، ففي ذلك: دلالة وحدانية الله، ودلالة علمه وتدبيره، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة الثقة به، والتوكل عليه في الرزق، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إن الله لطيف في استخراج تلك الحبة، خبير بمكانها، وتأويل هذا الكلام: أي: يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا لا يشعر بها أحد، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته.
واللطيف: هو البار.
ثم يخرج هو على وجهين: أحدهما: فيما أرسل من الرسول، وما أنزل من الكتب؛ ليدلهم إلى ما يهتدون وإلى ما به نجاتهم، خبير بحوائجهم.
والثاني: تأويل اللطيف يحتمل وجهين: أحدهما: البار على ما ذكرنا.
والثاني: في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين: أحدهما: الصلاة التي عرفتها العرب، وهي المسألة والدعاء والثناء على الله والتحميد له والتمجيد؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ...
﴾ الآية [الأحزاب: 56].
وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له والمغفرة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هي الأمر بمسألة الرب حوائجه ومغفرته ورحمته؛ ليكون أبداً في كل حال متضرعاً إلى الله، مظهراً حاجته إليه ومثنيا عليه، واصفاً عظمته وجلاله وكبريائه.
والثاني: أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت؛ فإن كان هذا ففيها - أيضاً - ما في الأول من الدعاء والثناء على الله - - والوصف له بالعظمة والجلال؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك.
وإن كان أراد بالصلاة؛ الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا كانت للأمم المتقدمة، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وقول عيسى حيث قال: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
المعروف: اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع.
والمنكر: اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع.
ثم يخرج قوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ على وجوه: أحدها: المعروف الذي جاءت [به] الرسل عن الله، وشرعوه للخلق، ودعوا [إليه] الخلق.
والمنكر - أيضاً -: هو الذي أنكرته الرسل، ونهت الخلق عنه.
أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح، ويستحسنه كل طبع سليم.
والمنكر: هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله، ويستقبحه كل طبع سليم، يعرف بالبداهة قبحه وحسنه.
أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر؛ فكله يرجع إلى واحد: إلى ما ذكرنا بدءاً، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب.
وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ﴾ .
من الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهل السفه منهم والفسق؛ فلا بد من أن يصيب الأذى من تولى ذلك، وهذا يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اللوازم: لا يسع تركه، وإن أصابه الأذى في ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .
قال بعضهم: إن ذلك من حزم الأمور، والحزم: من إحكام الشيء وإتقانه؛ كأنه يقول: إن ذلك من محكم الأمور ومتقنها؛ لأن الشيء إذا حزم وشدد يؤمن عن سقوطه وذهابه؛ فعلى ذلك ما ذكر.
وقال: العزم: هو القطع والثبات على شيء، تقول: عزمت على كذا وعلى أمر كذا: إذا قطع تدبيره ورأيه واضطرابه، وجعله بحيث لا يرجع ولا يتحول عنه للدنيا، أو لأمر من أمورها؛ ولكن ثبت على ما عزم وقطع؛ فهو العزم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .
قوله: ولا ﴿ تصاعر ﴾ و ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، بالألف وبغير الألف، كلاهما لغتان.
ثم أهل التأويل أو أكثرهم يقولون: قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض وجهك عن الناس؛ تعظماً وتجبراً وتكبراً، وكذلك في قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ : بطرا فرحا بالمعصية في الخيلاء والعظمة، مستكبراً جباراً، عامتهم يفسرونه بالإعراض للتكبر والتجبر، وكذلك يقول الحسن: إنه قال: هو الإعراض عن الناس من الكبر؛ استحقارا لهم واستخفافا بهم.
والزجاج يقول: الصعر: هو داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه؛ فعلى تأويله يكون قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تلو عنقك عن الناس.
وأبو عوسجة يقول قريباً من ذلك؛ يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تتجبر، وهو أن تلوي عنقك؛ فلا تنظر إليهم كبرا.
ويقول: الصعر: هو اعوجاج في العنق؛ يقال: رجل أصعر، وبعير أصعر، وبه صعر، ويقال في الكلام: فلان صعر خده؛ إذا لوى رأسه عن الناس؛ فلم ينظر إليهم؛ كبرا منه.
وقال - كما قال الزجاج -: إن الصعر داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه، وأصله: الإعراض؛ على ما ذكره أهل التأويل وأهل الأدب.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكر أهل التأويل من حقيقة الإعراض؛ تكبراً وتعظيماً لأنفسهم، [و] استخفافا بالناس واستحقارا لهم؛ لما لم يروا الناس أمثالا لأنفسهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على حقيقة المشي على التكبر والتجبر، على ما ذكرنا.
والثاني: ليس على حقيقة الإعراض بالوجه عنهم، ولا على حقيقة المشي بالأقدام؛ ولكنه كناية عن الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترك لذلك، لا على التكبر والتجبر عليهم والاستخفاف بهم، ولكن على الحذر والخوف منهم.
فإن كان الامتناع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فلم يعذروا في ترك ذلك؛ لما يحذرون ويخافون منهم.
وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: على الأمر بقصد المشي وخفض الصوت: حقيقة المشي وحقيقة الصوت.
والثاني: على الكناية عن كيفية المعاملة وماهيتها فيما بين الناس.
فإن كان على حقيقة المشي والصوت، فكأنه يقول: أي اقصد في المشي في الناس، ولا تمش متكبرا مستخفا بهم؛ لتؤذيهم، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: لا ترفع صوتك فوق أصواتهم فتؤذيهم بالصوت، ولكن لينهم بالقول.
وقال بعضهم: امش هيناً لينا، ناكس الرأس، ناظراً حيث تمشي، غير ناظر إلى ما لا يحل ولا يسع، ولا رافع صوتك على الناس فتؤذيهم؛ فيكون صوتك عندهم كصوت الحمير الذي ذكر؛ فينكرونه كما ينكر صوت الحمير.
وإن كان على الكناية عن الأحوال في المعاملة فيما بين الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تطلبوا لأنفسكم في ذلك العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله؛ ولكن كونوا في ذلك عادلين قاصدين غير طالبين العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله.
وقوله: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، أي: لا ترفع صوتك على الناس فتؤذيهم كما يؤذي الحمار؛ فيكون صوتك عليهم كصوت الحمار.
أو يذكر هذا؛ لأن الحمار إنما يصيح لحاجة لنفسه وشهوته، وسائر الأشياء إذا صاحوا إنما يصيحون لحاجة أهلها؛ فيذكر أنكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا تفعلوا لمنفعة أنفسكم أو لحاجتكم؛ ولكن قوموا لله في ذلك أو لما ذكرنا.
أو خصّ صوت الحمير؛ لأنه ليس من صوت إلا وفيه لذة ومعونة، غير صوت الحمير؛ فإنه ليس فيه لذة ولا منفعة.
أو ذكر؛ لما قيل: إن أوله زفير وآخره شهيق؛ فيشبه زفير أهل النار وشهيقهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ .
قال: المختال: المتكبر البطر.
وقال بعضهم: المختال: الخداع الغدار، والفخور: يحتمل الذي يفتخر بكثرة المال؛ أو لما لا يرى أحداً شكلا لنفسه.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- إذ قال لقمان لابنه وهو يرغِّبه في الخير، ويحذره من الشر: يا بني، لا تعبد مع الله غيره، إن عبادة معبود مع الله ظلم عظيم للنفس بارتكاب أعظم ذنب يؤدي إلى خلودها في النار.
<div class="verse-tafsir" id="91.yb45x"