الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢٠ من سورة لقمان
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٠ من سورة لقمان من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى منبها خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة ، بأنه سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم ، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد ، وجعله إياها لهم سقفا محفوظا ، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار .
وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإزاحة الشبه والعلل ، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم ، بل منهم من يجادل في الله ، أي : في توحيده وإرسال الرسل .
ومجادلته في ذلك بغير علم ، ولا مستند من حجة صحيحة ، ولا كتاب مأثور صحيح; ولهذا قال تعالى : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) أي : مبين مضيء .
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) يقول تعالى ذكره: (أَلَمْ تَرَوْا) أيها الناس (أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ) من شمس وقمر ونجم وسحاب (وَما فِي الأرْضِ) من دابة وشجر وماء وبحر وفلك، وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم، لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذّكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ).
&; 20-148 &; واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض المكيين وعامة الكوفيين: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً) على الواحدة، ووجهوا معناها إلى أنه الإسلام، أو إلى أنها شهادة أن لا إله إلا الله.
وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: (نِعَمَهُ) على الجماع، ووجَّهوا معنى ذلك، إلى أنها النعم التي سخرها الله للعباد مما في السموات والأرض، واستشهدوا لصحة قراءتهم ذلك كذلك بقوله: شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ قالوا: فهذا جمع النعم.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن النعمة قد تكون بمعنى الواحدة، ومعنى الجماع، وقد يدخل في الجماع الواحدة.
وقد قال جلّ ثناؤه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا فمعلوم أنه لم يعن بذلك نعمة واحدة.
وقال في موضع آخر: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ ، فجمعها، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ ذلك فمصيب.
ذكر بعض من قرأ ذلك على التوحيد، وفسَّره على ما ذكرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه.
حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، قال: ثني مستور الهنائي، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قرأها: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً)وفسَّرها: الإسلام.
حُدثت عن الفراء قال: ثني شريك بن عبد الله، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ: (نِعْمَةً) واحدة.
قال: ولو كانت (نِعْمَهُ)، لكانت نعمة دون نعمة، أو نعمة فوق نعمة " الشكّ من الفراء ".
حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حميد، قال: قرأ مجاهد: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً) قال: لا إله إلا الله.
حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا ابن أبي بكير، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً) قال: كان يقول: هي لا إله إلا الله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً) قال: لا إله إلا الله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: &; 20-149 &; لا إله إلا الله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عيسى، عن قَيْس، عن ابن عباس (نِعَمَةً ظاهِرَةً وَباطِنَةً) قال: لا إله إلا الله.
وقوله: (ظاهِرَةً) يقول: ظاهرة على الألسن قولا وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملا.
وقوله: (وَباطِنَةً) يقول: وباطنة في القلوب، اعتقادا ومعرفة.
وقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى ) يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له (بِغَيرِ عِلْمٍ) عنده بما يخاصم، (وَلا هُدًى): يقول: ولا بيان يبين به صحة ما يقول ( وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ) يقول: ولا بتنـزيل من الله جاء بما يدعي، يبين حقية دعواه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ) ليس معه من الله برهان ولا كتاب.
قوله تعالى : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ذكر نعمه على بني آدم ، وأنه سخر لهم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم منافعهم .
وما في الأرض عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى .
وأسبغ عليكم نعمه أي أكملها وأتمها .
وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة : ( وأصبغ ) بالصاد على بدلها من السين ; لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا .
والنعم : جمع نعمة كسدرة وسدر ( بفتح الدال ) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص .
الباقون : ( نعمة ) على الإفراد ; والإفراد يدل على الكثرة ; كقوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح .
وقيل : إن معناها الإسلام ; قال [ ص: 69 ] النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية : الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك .
قال النحاس : وشرح هذا أن سعيد بن جبير قال في قول الله عز وجل : ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم قال : يدخلكم الجنة .
وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن يدخله الجنة ، فكذا لما كان الإسلام يئول أمره إلى الجنة سمي نعمة .
وقيل : الظاهرة الصحة وكمال الخلق ، والباطنة المعرفة والعقل .
وقال المحاسبي : الظاهرة نعم الدنيا ، والباطنة نعم العقبى .
وقيل : الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات ، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات .
وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة ، كلها ترجع إلى هذا .قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله تقدم معناها في ( الحج ) وغيرها .
نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، أخبرني عن ربك ، من أي شيء هو ؟
فجاءت صاعقة فأخذته ; قاله مجاهد .
وقد مضى هذا في ( الرعد ) .
وقيل : إنها نزلت في النضر بن الحارث ، كان يقول : إن الملائكة بنات الله ; قاله ابن عباس .
( يجادل ) : يخاصم بغير علم أي بغير حجة ولا هدى ولا كتاب منير أي نير بين ; إلا الشيطان فيما يلقي إليهم .
يمتن تعالى على عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها; وعدم الغفلة عنها فقال: { أَلَمْ تَرَوْا } أي: تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم وقلوبكم، { أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ } من الشمس والقمر والنجوم، كلها مسخرات لنفع العباد.{ وَمَا فِي الْأَرْضِ } من الحيوانات والأشجار والزروع، والأنهار والمعادن ونحوها كما قال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ } أي: عمّكم وغمركم نعمه الظاهرة والباطنة التي نعلم بها; والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين، حصول المنافع، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم; بمحبة المنعم والخضوع له; وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته.{ و } لكن مع توالي هذه النعم; { مِنَ النَّاسِ مَنْ } لم يشكرها; بل كفرها; وكفر بمن أنعم بها; وجحد الحق الذي أنزل به كتبه; وأرسل به رسله، فجعل { يُجَادِلُ فِي اللَّهِ } أي: يجادل عن الباطل; ليدحض به الحق; ويدفع به ما جاء به الرسول من الأمر بعبادة اللّه وحده، وهذا المجادل على غير بصيرة، فليس جداله عن علم، فيترك وشأنه، ويسمح له في الكلام { وَلَا هُدًى } يقتدي به بالمهتدين { وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [غير مبين للحق فلا معقول ولا منقول ولا اقتداء بالمهتدين] وإنما جداله في اللّه مبني على تقليد آباء غير مهتدين، بل ضالين مضلين.
قوله تعالى : ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم ) أتم وأكمل ) ( نعمه ) قرأ أهل المدينة ، وأبو عمرو ، وحفص : " نعمه " بفتح العين وضم الهاء على الجمع ، وقرأ الآخرون منونة على الواحد ، ومعناها الجمع أيضا كقوله : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( إبراهيم - 14 ) ( ظاهرة وباطنة ) قال عكرمة عن ابن عباس : النعمة الظاهرة : الإسلام والقرآن ، والباطنة : ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة وقال الضحاك : الظاهرة : حسن الصورة وتسوية الأعضاء ، والباطنة : المعرفة .
وقال مقاتل : الظاهرة : تسوية الخلق ، والرزق ، والإسلام .
والباطنة : ما ستر من الذنوب .
وقال الربيع : الظاهرة بالجوارح ، والباطنة : بالقلب .
وقيل : الظاهرة : الإقرار باللسان ، والباطنة : الاعتقاد بالقلب .
وقيل : الظاهرة : تمام الرزق والباطنة : حسن الخلق .
وقال عطاء : الظاهرة : تخفيف الشرائع ، والباطنة : الشفاعة .
وقال مجاهد : الظاهرة : ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ، والباطنة : الإمداد بالملائكة .
وقيل : الظاهرة : الإمداد بالملائكة ، والباطنة : إلقاء الرعب في قلوب الكفار .
وقال سهل بن عبد الله : الظاهرة : اتباع الرسول ، والباطنة : محبته .
( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) نزلت في النضر بن الحارث ، وأبي بن خلف ، وأمية بن خلف ، وأشباههم كانوا يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - في الله وفي صفاته بغير علم ( ولا هدى ولا كتاب منير )
«ألم تروْا» تعلموا يا مخاطبين «أن الله سخَّر لكم ما في السموات» من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها «وما في الأرض» من الثمار والأنهار والدواب «وأسبغ» أوسع وأتمَّ «عليكم نعمه ظاهرةً» وهي حسن الصورة وتسوية الأعضاء وغير ذلك «وباطنةً» هي المعرفة وغيرها «ومن الناس» أي أهل مكة «من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً» من رسول «ولا كتاب منير» أنزله الله، بل بالتقليد.
ألم تروا- أيها الناس- أن الله ذلَّل لكم ما في السموات من الشمس والقمر والسحاب وغير ذلك، وما في الأرض من الدوابِّ والشجر والماء، وغير ذلك مما لا يحصى، وعمَّكم بنعمه الظاهرة على الأبدان والجوارح، والباطنة في العقول والقلوب، وما ادَّخره لكم مما لا تعلمونه؟
ومن الناس مَن يجادل في توحيد الله وإخلاص العبادة له بغير حجة ولا بيان، ولا كتاب مبين يبيِّن حقيقة دعواه.
ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله .
.
.
عَذَابِ السعير ) .والخطاب فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق .وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به .والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده .
أى : لقد رأيتم - أيها الناس - وشاهدتم أن الله - تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما فى السماوات من شمس وقمر ونجوم .
.
وما فى الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال .
.
وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله - تعالى - على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة .وقوله - تعالى - : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) معطوف على ما قبله .وقوله : ( وَأَسْبَغَ ) بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه : وهى ما ينتفع به الإِنسان ويستلذه من الحلال .والنعمة الظاهرة : هى النعمة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة والمال ، والجاه ، وما شبه ذلك ما يراه الإِنسان ويشاهده .والنعمة الباطنة : هى النعمة الخفية الى يجد الإِنسان أثرها فى نفسه دون أن يراها .
كنعمة الإِيمان بالله - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل - ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن رذائلها وسفسافها .وفى تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها .ثم بين - سبحانه - ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : ( وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) .وقوله : ( يُجَادِلُ ) من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة .
مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يحول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه .والمراد من المجادلة فى الله : المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته .
.وقوله : ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) حال من الفاعل فى ( يُجَادِلُ ) ، وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد .
أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون ونازعون فى ذات الله ، وفى صفاته ، وفى وحيه ، وفى تشريعاته .
.
بغير مستند من عمل عقلى أو نقلى ، وبغير " هدى " يهديه ويرشديه إلى الحق ، وبغير ( كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) أى : وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أى مستند يستند إليه فى جداله ، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات .
لما استدل بقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله، فضلاً عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي.
وذكر بعض النعم بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء ﴾ ذكر بعده عامة النعم فقال: ﴿ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السموات ﴾ أي سخر لأجلكم ما في السموات، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده، وسخر ما في الأرض لأجل عباده، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة ﴾ وهي ما في الأعضاء من السلامة ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾ وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة، ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم، وكذلك كل عضو، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائماً، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يكون إشارة إلى النعم الآفاقية، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً ﴾ يكون إشارة إلى النعم الأنفسية، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب التفاسير، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولاً منقولاً، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغاً معقولاً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله ﴾ يعني لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره، إما إلهاً أو منعماً ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي، فقال تعالى: ﴿ يجادل ﴾ ذلك المجادل لا من علم واضح، ولا من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علماً كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ والثاني: إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى ﴾ والثالث: إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى: ﴿ الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ وقال في هذه السورة: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ ﴾ وقال في السجدة (23): ﴿ وَلقد ءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل ﴾ فالكتاب هدى لقوم النبي عليه السلام، والنبي هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح الأمين، فقال تعالى: يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفاً، ولا بهدى أرسلناه إليه وحياً، ولا بكتاب يتلى عليه وعظاً.
ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال في الكتاب: ﴿ وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف، فلو قال ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب، فإن بعض ما يقولون فهو في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم، فقال: ﴿ وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ فإن ذلك الكتاب مظلم، ولما لم يحتمل في المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا فِي السماوات ﴾ الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك ﴿ وَمَا فِي الأرض ﴾ البحار والأنهار والمعادن والدواب وما لا يحصى ﴿ وَأَسْبَغَ ﴾ وقرئ بالسين والصاد، وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف، تقول في سلخ، صلخ، وفي سقر: صقر، وفي سالغ صالغ وقرئ: ﴿ نعمه ﴾ .
﴿ ونعمة ﴾ ، ﴿ ونعمته ﴾ .
فإن قلت: ما النعمة؟
قلت: كل نفع قصد به الإحسان، والله تعالى خلق العالم كله نعمة؛ لأنه إما حيوان، وإما غير حيوان.
فما ليس بحيوان نعمة على الحيوان، والحيوان نعمة من حيث أنّ إيجاده حياً نعمة عليه.
لأنه لولا إيجاده حياً لما صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى الانتفاع وصححه فهو نعمة.
فإن قلت: لم كان خلق العالم مقصوداً به الإحسان؟
قلت: لأنه لا يخلقه إلا لغرض، وإلا كان عبثاً، والعبث لا يجوز عليه ولا يجوز أن يكون لغرض راجع إليه من نفع؛ لأنه غني غير محتاج إلى المنافع، فلم يبق إلا أن يكون لغرض يرجع إلى الحيوان وهو نفعه.
فإن قلت: فما معنى الظاهرة والباطنة؟
قلت: الظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلاً، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها ولا يهتدي إلى العلم بها، وقد أكثروا في ذلك: فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء، والباطنة: الأمداد من الملائكة.
وعن الحسن رضي الله عنه: الظاهرة: الإسلام.
والباطنة الستر.
وعن الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة.
وتسوية الأعضاء.
والباطنة: المعرفة.
وقيل: الظاهرة البصر، والسمع، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة.
والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك.
ويروى في دعاء موسى عليه السلام: إلهي، دلني على أخفى نعمتك على عبادك؛ فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس.
ويروى: أن أيسر ما يعذب به أهل النار: الأخذ بالأنفاس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أسْبابًا مُحَصِّلَةً لِمَنافِعِكم.
﴿ وَما في الأرْضِ ﴾ بِأنْ مَكَّنَكم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِوَسَطٍ أوْ غَيْرِ وسَطٍ ﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً ما تَعْرِفُونَهُ وما لا تَعْرِفُونَهُ وقَدْ مَرَّ شَرْحُ النِّعْمَةِ وتَفْصِيلُها في الفاتِحَةِ، وقُرِئَ «وَأصْبَغَ» بِالإبْدالِ وهو جارٍ في كُلِّ سِينٍ اجْتَمَعَ مِنَ الغَيْنِ أوِ الخاءِ أوِ القافِ كَصَلَخَ وصَقَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ ( نِعَمَهُ ) بِالجَمْعِ والإضافَةِ.
﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ.
﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُسْتَفادٍ مِن دَلِيلٍ.
﴿ وَلا هُدًى ﴾ راجِعٍ إلى رَسُولٍ.
﴿ وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ بَلْ بِالتَّقْلِيدِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
{أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات} يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك {وَمَا فِى الأرض} يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك {وَأَسْبَغَ} وأتم {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} مدني وأبو عمرو وسهل وحفص نعمته وغيرهم والنعمة كل نفع قصد به الإحسان {ظاهرة} بالمشاهدة {وَبَاطِنَةً} ما لا يعلم إلا بدليل ثم قيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك ويروى في دعاء موسى عليه السلام إلهي دلني على أخفى نعمتك على عبادك فقال أخفى تعمتى عليهم النفس وقبل تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق والخلق ونيل العطايا وصرف البلايا وقبول الخلق ورضا الرب وقال ابن عباس
الظاهرة ما سوى
لقمان (٢٦ - ٢٠)
من خلقك والباطنة ما ستر من عيوبك {ومِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ} نزلت فى النضر بن الجرث وقد مر في الحج
﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ رُجُوعٌ إلى سُنَنِ ما سَلَفَ قَبْلَ قِصَّةِ لُقْمانَ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والتَّسْخِيرِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: سِياقَةُ الشَّيْءِ إلى الغَرَضِ المُخْتَصِّ بِهِ قَهْرًا، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ المُرادُ بِهِ إمّا جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْفَعُ المُسَخَّرَ لَهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، ويَسْتَعْمِلُهُ كَيْفَ يُرِيدُ كَعامَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْياءِ المُسَخَّرَةِ لِلْإنْسانِ المُسْتَعْمَلَةِ لَهُ مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ مُرادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في اسْتِعْمالِهِ كَجَمِيعِ ما في السَّماواتِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُ العِبادِ مَعاشًا أوْ مَعادًا، وأمّا جَعْلُهُ مُنْقادًا لِلْأمْرِ مُذَلَّلًا عَلى أنَّ مَعْنى ( لَكم ) لِأجْلِكم فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكائِناتِ مُسَخَّرَةٌ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، وما يَسْتَعْمِلُهُ الإنْسانُ حَسْبَما يَشاءُ، وإنْ كانَ مُسَخَّرًا لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ وأسْبَغَ ﴾ أيْ أتَمَّ، وأوْسَعَ ﴿ عَلَيْكم نِعَمَهُ ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ وهي في الأصْلِ الحالَةُ المُسْتَلَذَّةُ، فَإنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ لِلْهَيْئَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيما يُلائِمُ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِتِلْكَ الحالَةِ إطْلاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هي ما يُنْتَفَعُ بِهِ ويُسْتَلَذُّ، ومِنهم مَن زادَ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى هَذِهِ الزِّيادَةِ لِأنَّ اللَّذَّةَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أمْرٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كافِرٍ نِعْمَةٌ، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الإمامِ أنَّهُ قالَ: النِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المَفْعُولَةِ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ قالُوا: وإنَّما زِدْنا قَيْدَ الحَسَنَةِ، لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لا يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ الشُّكْرُ بِالإحْسانِ، وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأنَّ جِهَةَ الشُّكْرِ كَوْنُهُ إحْسانًا، وجِهَةَ اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والعِقابِ الحَظْرُ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما، ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ لِإنْعامِهِ، والذَّمَّ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ ها هُنا كَذَلِكَ، أمّا قَوْلُنا: المَنفَعَةُ، فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا، وقَصَدَ الفاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ، لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ، لا يَكُونُ نِعْمَةً، وذَلِكَ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها اهـ، ويُعْلَمُ مِنهُ حُكْمُ زِيادَةِ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ أيْ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً مَعْرُوفَةً لَكُمْ، وغَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ ظُهُورُ الإسْلامِ، والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، والباطِنَةُ الإمْدادُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الظّاهِرَةُ حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ البَصَرُ والسَّمْعُ واللِّسانُ وسائِرُ الجَوارِحِ، والباطِنَةُ القَلْبُ والعَقْلُ والفَهْمُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نَحْوُ إرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّوْفِيقِ لِقَبُولِ الإسْلامِ، والإتْيانِ بِهِ، والثَّباتِ عَلى قَدَمِ الصِّدْقِ، ولُزُومِ العُبُودِيَّةِ، والباطِنَةُ ما أصابَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ مِن رَشاشِ نُورِ النُّورِ، وأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ، ثُمَّ يَنْسَكِبُ.
ونَقَلَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الظّاهِرَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما جاءَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَوْحِيدِهِ، والباطِنَةُ وِلايَتُنا أهْلَ البَيْتِ، وعَقْدُ مَوَدَّتِنا، والتَّعْمِيمُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، لَكِنْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ قالَ: هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي، سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم».
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسْبَغَ ﴾ إلَخْ، قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مَساوِئِ عَمَلِكَ».
فَإنْ صَحَّ ما ذُكِرَ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى التَّعْمِيمِ، إلّا أنْ يُقالَ: الغَرَضُ مِن تَفْسِيرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما فَسَّرْنا بِهِ التَّمْثِيلُ وهو الظّاهِرُ، لا التَّخْصِيصُ، وإلّا لَتَعارَضَ الخَبَرانِ.
ثُمَّ إنَّ ظاهِرُ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأوَّلِ بِما سَتَرَ مِنَ العَوْرَةِ، وفي الثّانِي بِما سَتَرَ مِن مَساوِئِ العَمَلِ، نِعْمَةً، ولَمْ نَرَ في كَلامِهِمُ التَّصْرِيحَ بِإطْلاقِها عَلَيْهِ، ويَلْزَمُهُ أنَّ مَن كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ النِّعْمَةَ الباطِنَةَ هي سَتْرُ ما سُتِرَ مِنَ العَوْرَةِ ومَساوِئِ العَمَلِ، ولَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى وُضُوحِ الأمْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ظاهِرَةً ) الإسْلامُ، ( وباطِنَةً ) سَتْرُهُ تَعالى عَلَيْكُمُ المَعاصِيَ، بَلْ جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ الثّانِي: وأمّا ما بَطَنَ فَسَتْرُ مَساوِئِ عَمَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ما) في ما سَتَرَ في الخَبَرَيْنِ مَصْدَرِيَّةً، ومِن صِلَةُ سَتَرَ، لا بَيانٌ لِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ عُمارَةَ (وأصْبَغَ) بِالصّادِّ، وهي لُغَةُ بَنِي كَلْبٍ، يُبْدِلُونَ مِنَ السِّينِ إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ أحَدِ الحُرُوفِ المُسْتَعْلِيَةِ الغَيْنُ والخاءُ والقافُ صادًا فَيَقُولُونَ في سَلَخَ صَلَخَ، وفي سَقَرَ صَقَرَ، وفي سائِغٍ صائِغٍ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُما فاصِلٌ وأنْ لا يَفْصِلَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ أنْ تَتَقَدَّمَ السِّينُ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأحْرُفِ وأنْ تَتَأخَّرَ، واشْتَرَطَ آخَرُ تَقَدُّمَ السِّينِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ إبْدالٌ مُطَّرِدٌ.
وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نِعْمَةً» بِالإفْرادِ، وقُرِئَ «نِعْمَتَهُ» بِالإفْرادِ والإضافَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ بِإرادَةِ الجِنْسِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ «نِعْمَةً» فَعَلى مَعْنى ما أعْطاهم مِنَ التَّوْحِيدِ، ومَن قَرَأ (نِعَمَهُ) بِالجَمْعِ فَعَلى جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، ونَصْبُ ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ في قِراءَةِ التَّعْرِيفِ عَلى الحالِيَّةِ، وفي قِراءَةِ التَّنْكِيرِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ ﴾ مِنَ الجِدالِ، وهو المُفاوَضَةُ عَلى سَبِيلِ المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ، وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ، أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ، كانَ المُتَجادِلَيْنِ يَفْتِلُ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ، وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِهِ تَعالى فِيما قِيلَ، أيْ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحالُ مِنَ النّاسِ مَن يُنازِعُ ويُخاصِمُ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأُبَيِّ ابْنِ خَلَفٍ كانا يُجادِلانِ النَّبِيَّ ﴿ فِي اللَّهِ ﴾ أيْ في تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وحْدَتَهُ سُبْحانَهُ وعُمُومَ قُدْرَتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وشُمُولَها لِلْبَعْثِ، ولَمْ يَقُلْ فِيهِ بَدَلٌ في اللَّهِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ﴾ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الجِدالِ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُسْتَفادٌ مِن دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ﴿ ولا هُدًى ﴾ راجِعٌ إلى رَسُولٍ مَأْخُوذٍ مِنهُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الهُدى نَفْسَ الرَّسُولِ مُبالَغَةً، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿ ولا كِتابٍ ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى ﴿ مُنِيرٍ ﴾ أيْ ذِي نُورٍ، والمُرادُ بِهِ واضِحُ الدِّلالَةِ عَلى المَقْصُودِ، وقِيلَ: مُنْقِذٌ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ بَلْ يُجادِلُونَ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقال مجاهد: يعني: أعطينا لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة.
ويقال أيضاً: الحكمة والعقل والإصابة في القول.
وروي عن رسول الله أنه قال: «ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إلاَّ أَثْبَتَ الله تَعَالَى الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَعُيُوبَ نَفْسِهِ.
وَإذَا رَأيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاقْتَرِبُوا إلَيْهِ فَاسْتَمِعُوا مِنْهُ، فإنه يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .
وقال السدي: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني: النبوة.
وعن عكرمة قال: كان لقمان نبياً.
وعن وهب بن منبه قال: كان لقمان رجلاً حكيماً، ولم يكن نبياً.
وروي عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً.
ويقال: إن أول ما ظهرت حكمته أن مولاه قال له يوماً: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.
ثم قال: أخرج أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.
ثم مكث ما شاء الله.
ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.
فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.
فسأله عن ذلك فقال لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خُيِّرَ بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.
قال: فبينما كان يعظ الناس يوماً وهم مجتمعون عليه، إذ مرّ به عظيم من عظماء بني إسرائيل.
فقال: ما هذه الجماعة؟
فقيل له: جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم.
فأقبل إليه.
فقال له: ألست عبد بني فلان؟
فقال: نعم.
فقال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟
فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني.
فانصرف عنه متعجباً وتركه.
ثم قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني: حكماً من أحكام الله أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ويقال: معناه وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقلنا له: اشكر لله بما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: ثواب الشكر لنفسه وَمَنْ كَفَرَ أي: جحد فلا يوحّد ربه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ خلقه وعن شكرهم حَمِيدٌ في فعاله وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ قال مقاتل: كان اسم ابنه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ ويقال: معناه قال لابنه واعظا يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ يعني: ذنب عظيم لا يغفر أبداً، وكان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما.
وقال مقاتل: زعموا أنه كان ابن خالة أيوب.
وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار: أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه، قال: ما فعل أبي؟
قال: مات.
فقال: ملكت أمري.
قال: وما فعلت أمي؟
قال: قد ماتت.
قال: ذهب همي.
قال: فما فعلت أختي؟
قال: ماتت فقال: سترت عورتي.
قال: فما فعلت امرأتي؟
قال: قد ماتت.
فقال: جدد فراشي.
قال: فما فعل أخي؟
قال: مات.
قال: انقطع ظهري.
وفي رواية أُخرى قال: ما فعل أخي؟
قال: مات.
فقال: انكسر جناحي.
ثم قال: فما فعل ابني؟
قال: مات.
فقال: انصدع قلبي.
وقال وهب بن منبه كان لقمان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل في زمن داود- -، فاشتراه، فأعتقه وكان حبشياً أسود، غليظ الشفتين والمنخرين، غليظ العضدين والساقين، وكان رجلاً صالحاً أبيض القلب، وليس يصطفي الله عز وجل عباده على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم.
قرأ عامر في رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين: يا بُنَيَّ بالنصب.
وقرأ الباقون: بالكسر وقد ذكرناه.
ثم قال عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ فكأنه يقول: آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئاً، وآمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يعني: أمرناه بالإحسان بِوالِدَيْهِ.
ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر الولد من الشدة فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ يعني: ضعفاً على ضعف، لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها.
فكلما ازداد الحمل يزيدها ضعفاً على ضعف وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ يعني: فطامه بعد سنتين من وقت الولادة أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ يعني: وصّيناه وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام، واشكر لوالديك بما فعله إليك إِلَيَّ الْمَصِيرُ فأجازيك بعملك.
ثم قال عز وجل: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.
يعني: أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة، فلا يجوز للولد أن يطيعهما في المعصية.
فقال: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.
ويقال: وإن أرادك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة بأن معي شريكاً فَلا تُطِعْهُما في الشرك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يعني: عاشرهما في الدنيا معروفاً بالإحسان، وإنما سمي الإحسان معروفاً لأنه يعرفه كل واحد.
قال وروي عن النبي أنه قال: «حُسْنَ المُصَاحَبَةِ أنْ يُطْعِمَهُمَا إذا جَاعَا، وَأَنْ يَكْسُوَهُمَا إذا عَرِيَا» .
ثم قال: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة.
ثم استأنف فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة.
وقال بعضهم: إنما أتمّ الكلام عند قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: دين من أقبل على الطاعة.
ثم استأنف الكلام فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ تكراراً على وجه التأكيد فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: فأجازيكم بها.
ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ قال مقاتل: وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى.
فرد عليه لقمان وقال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ يعني: وزن خردلة فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أي: الصخرة التي هي أسفل الأرضين.
وقال بعضهم: أراد بها كل صخرة، لأنه قال بلفظ النكرة.
يعني: ما في جوف الصخرة الصماء.
وقال مقاتل: هي الصخرة التي في أسفل الأرض، وهي خضراء مجوفة.
ثم قال: أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يجازي بها الله.
أي: يعطيه ثوابها.
ويقال: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ عند الميزان، فيجازيه بها.
ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يعطيه ثوابها عز وجل كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) [الزلزلة: 7] يعني: يرى ثوابه.
قرأ نافع مثقال بضم الام.
وقرأ الباقون: بالنصب.
فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن.
ومن قرأ بالنصب جعله خبراً.
والاسم فيه مضمر ومعناه: إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة.
وإنما قال: إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة.
فكان المعنى للحبة.
وقيل: أراد به الخطيئة.
ومن قرأ: بالضم جعله اسم تكن.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يعني: لطيف باستخراج تلك الحبة، خبير بمكانها.
وقال أهل اللغة: اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء.
يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن: لطيف.
وللشيء الصغير لطيف.
ويقال للمشفق: لطيف.
ثم قال عز وجل: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ يعني: أتمّ الصلاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: التوحيد.
ويقال: أظهر العدل وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، ولا معروف في العقل وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ يعني: إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر، فأصابك من ذلك ذلّ أو هوان أو شدة، فاصبر على ذلك ف إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني: من حق الأمور.
ويقال: من واجب الأمور.
وصارت هذه الآية بياناً لهذه الأمة، وإذناً لهم، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك، إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى، لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل.
ثم قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: وَلا تُصَعِّرْ بالتشديد بغير ألف.
وقرأ الباقون: ولا تصاعر بالألف والتخفيف.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
يقال: صعر خده وصاعره ومعناهما: الإعراض على جهة الكبر.
يعني: لا تعرض بوجهك عن الناس متكبراً.
وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين، وهكذا قال الكلبي.
وقال العتبي: أصله الميل.
ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين.
ويقال: معناه لا تكلم أحداً وأنت معرض عنه، فإن ذلك من الجفاء والإذاء.
ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: لا تمشي بالخيلاء، والمرح والبطر والأشر كله واحد، وهو أن يعظم نفسه في النعم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: مختالاً في مشيته، فخوراً في نعم الله عز وجل.
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ يعني: تواضع لله تعالى في المشي، ولا تختل في مشيتك.
ويقال: أسرع في مشيتك، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء.
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يعني: اخفض.
ومن صلة في الكلام اخفض كلامك، ولا تكن سفيهاً.
ثم ضرب للصوت الوضيع مثلاً فقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعني: أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لشدة أصواتها.
وإنما ذكر صوت الحمير، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان.
وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس.
قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد لأهل مكة: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ذلل لكم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كل ذلك من الله تعالى.
يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فالظاهرة التي يراها الناس، والباطنة ما غاب عن الناس.
ويقال: النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب.
وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق.
والباطنة: تستر عن العيون.
عن ابن عباس قال: سألت النبيّ عن قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: «الظَّاهِرَةُ الإسْلامُ، وَالبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ سَوْأَتَكَ» .
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: نِعَمَهُ بنصب العين وميم، وضم الهاء.
وقرأ الباقون: نِعَمَهُ بجزم العين ونصب الهاء والميم.
فمن قرأ نِعَمَهُ بالجزم فهي نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده.
ومن قرأ: نِعَمَهُ فهو على معنى جميع ما أنعم الله عز وجل عليهم.
ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وهو النضر بن الحارث وَلا هُدىً أي: بغير بيان من الله عز وجل وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي: مضيئا فيه حجة.
<div class="verse-tafsir"
أنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم في أرض المسك، ثم يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي وأخبروهم أن لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
انتهى.
وقوله عزّ وجل: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الوَقْرُ في الأذن: الثِّقْلُ الذي يَعْسُر معه إدراك المَسْمُوعَاتِ، و «الرواسي» : هي الجبالُ و «المَيْد» : التحرك يَمْنَةً ويَسْرَةً، وما قرب من ذلك، والزوج:
النوع والصنف.
وكَرِيمٍ: مدحه بكرم جَوْهره، وحُسْن منظرِه، وغير ذلك.
ثم وقف تعالى الكفرةَ على جهة التوبيخ فقال: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان هل هو نبيٌّ أو رجلٌ صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم يقولُ: «لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنْ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْحِكْمَةِ وَخَيَّرَهُ فِي أَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ: رَبِّ إنْ خيّرتني، قَبِلْتُ العَافِيَةَ، وَتَرَكْتُ البَلاَءَ، وَإنْ عَزَمْتَ عَلَيَّ، فَسَمْعاً وَطَاعَةً، فَإنَّكَ سَتَعْصِمَنِي، وَكَانَ قاضياً في بني إسرائيل نُوبِيّاً أَسْوَدَ، مشققَ الرِّجْلَيْنِ، ذا «١» مَشَافِر» ، قاله سعيدُ بن المسيِّب «٢» وابن عباس «٣» وجماعة: وقال له رجل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: " تُصَعِّرْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما: الإعْراضُ مِنَ الكِبْرِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ولا تُصْعِرْ " بِإسْكانِ الصّادِ وتَخْفِيفِ العَيْنِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا؛ يُقالُ: أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ: إذا أصابَهُ داءٌ يَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي إذا سُلِّمَ عَلَيْهِ لَوى عُنُقَهُ كالمُسْتَكْبِرِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: لِيَكُنِ الغَنِيُّ والفَقِيرُ عِنْدَكَ في العِلْمِ سَواءً.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو الرَّجُلُ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الحِنَةُ، فَيَراهُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ.
وباقِي الآيَةِ بَعْضُهُ مُفَسَّرٌ في (بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧ ) وبَعْضُهُ في سُورَةِ (النِّساءِ: ٣٦) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْصِدْ في مَشْيِكَ ﴾ أيْ: لِيَكُنْ مَشْيُكَ قَصْدًا، لا تَخَيُّلًا ولا إسْراعًا.
قالَ عَطاءٌ: امْشِ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ أيِ: انْقُصْ مِنهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومِنهُ قَوْلُهم غَضَضْتُ بَصَرِي، وفُلانٌ يَغُضُّ مِن فُلانٍ، أيْ: يُقَصِّرُ بِهِ.
﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " أنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
ومَعْنى " أنْكَرَ ": أقْبَحُ؛ تَقُولُ: أتانا فُلانٌ بِوَجْهٍ مُنْكَرٍ، أيْ: قَبِيحٍ.
وقالَ المُبَرِّدُ: تَأْوِيلُهُ: أنَّ الجَهْرَ بِالصَّوْتِ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ، وأنَّهُ داخِلٌ في بابِ الصَّوْتِ المُنْكَرِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَرَّفَهُ قُبْحَ رَفْعِ الأصْواتِ في المُخاطَبَةِ والمُلاحاةِ بِقُبْحِ أصْواتِ الحَمِيرِ، لِأنَّها عالِيَةٌ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْ كانَ رَفْعُ الصَّوْتِ خَيْرًا، ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْحَمِيرِ.
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلّا الحِمارَ، فَإنَّهُ يَنْهَقُ بِلا فائِدَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ لَصَوْتُ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " لَأصْواتُ الحَمِيرِ " ؟
فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ صَوْتًا، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الأجْناسِ صَوْتُ هَذا الجِنْسِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أو في السَماواتِ أو في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللهُ إنْ اللهُ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ ﴿ واقْصِدْ في مَشْيِكَ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ المَعْنى: وقالَ لُقْمانُ: يا بُنَيَّ، وهَذا القَوْلُ مِن لُقْمانَ إنَّما قَصَدَ بِهِ إعْلامَ ابْنِهِ بِقَدْرِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وهَذِهِ الغايَةُ الَّتِي أمْكَنَهُ أنْ يُفَهِّمَهُ؛ لِأنَّ الخَرْدَلَةَ يُقالُ: إنَّ الحِسَّ لا يُدْرِكُ لَها ثِقْلًا؛ إذْ لا تُرَجِّحُ مِيزانًا.
وقَدْ نَطَقَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ بِها عِلْمًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِثْقالَ حَبَّةٍ ﴾ عِبارَةٌ تَصْلُحُ لِلْجَواهِرِ، أيْ: قَدْرَ حَبَّةٍ، وتَصْلُحُ لِلْأعْمالِ، أيْ: ما تَزِنُهُ عَلى جِهَةِ المُماثَلَةِ قَدَرَ حَبَّةٍ، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أرادَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ خَفِيًّا قَدْرَ حَبَّةٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ مِن «أنَّ ابْنَ لُقْمانَ سَألَ أباهُ عَنِ الحَبَّةِ تَقَعُ في مِثْلِ البَحْرِ، يَعْلَمُها اللهُ؟
فَراجَعَهُ لُقْمانُ بِهَذِهِ الآيَةِ.» وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ أرادَ الأعْمالَ والمَعاصِي والطاعاتِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يَأْتِ بِها اللهُ ﴾ أيْ: لا يَفُوتُ.
وبِهَذا المَعْنى يَتَحَصَّلُ في المَوْعِظَةِ تَرْجِيَةٌ وتَخْوِيفٌ.
مُنْضافٌ ذَلِكَ إلى تَبْيِينِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وفي القَوْلِ الآخَرِ لَيْسَ تَرْجِيَةٌ ولا تَخْوِيفٌ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: "هِيَ مِنَ الجَواهِرِ" قِراءَةُ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ: "فَتَكِنُّ" بِكَسْرِ الكافِ وشَدِّ النُونِ، مِنَ الكَنِّ الَّذِي هو الشَيْءُ المُغَطّى.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنْ تَكُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "مِثْقالَ" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ "كانَ"، واسْمُها مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: مَسْألَتُكَ - عَلى ما رُوِيَ - أوِ: المَعْصِيَةُ أوِ الطاعَةُ عَلى القَوْلِ الثانِي، والضَمِيرُ في "إنَّها" ضَمِيرُ القِصَّةِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِالتاءِ "مِثْقالُ" بِالرَفْعِ عَلى اسْمِ "كانَ"، وهي التامَّةُ، وأسْنَدَ إلى المِثْقالِ فِعْلًا فِيهِ عَلامَةُ التَأْنِيثِ مِن حَيْثُ انْضافَ إلى مُؤَنَّثٍ هو مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ...
أعالِيها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ وهِيَ قِراءَةُ الأعْرَجِ وأبِي جَعْفَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ ﴾ ، قِيلَ: أرادَ الصَخْرَةَ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ والحُوتُ والماءُ، وهي عَلى ظَهْرِ مَلَكٍ، وقِيلَ: هي صَخْرَةٌ في الرِيحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، لا يُثْبِتُهُ سَنَدٌ، وإنَّما مَعْنى الكَلامِ المُبالَغَةُ والِانْتِهاءُ في التَفْهِيمِ، أيْ: أنَّ قُدْرَتَهُ مِثالُ ما يَكُونُ في تَضاعِيفِ صَخْرَةٍ، وما يَكُونُ في السَماءِ وفي الأرْضِ.
وقَرَأ قَتادَةُ: "فَتَكِنْ" بِكَسْرِ الكافِ والتَخْفِيفِ: مِن: وكَنَ يَكِنُ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ عَبْدِ الكَرِيمِ "فَتَكِنُّ".
وَقَوْلُهُ: ﴿ يَأْتِ بِها اللهُ ﴾ إنْ أرادَ الجَوْهَرَ فالمَعْنى: يَأْتِ بِها إنِ احْتِيجَ إلى ذَلِكَ، أو كانَتْ رِزْقًا ونَحْوَ هَذا، وإنْ أرادَ الأعْمالَ فَمَعْناهُ: يَأْتِ بِذِكْرِها وحِفْظِها لِيُجازِي عَلَيْها بِثَوابٍ أو عِقابٍ.
و"لَطِيفٌ خَبِيرٌ" صِفَتانِ لائِقَتانِ بِإظْهارِ غَرائِبِ القُدْرَةِ.
ثُمَّ وصّى ابْنَهُ بِعُظْمِ الطاعاتِ، وهي الصَلاةُ والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وهَذا إنَّما يُرِيدُ بِهِ بَعْدَ أنْ يَمْتَثِلَ هو في يَقِينِهِ، ويَزْدَجِرَ عَنِ المُنْكَرِ، وهُنا هي الطاعاتُ والفَضائِلُ أجْمَعُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ ﴾ يَقْتَضِي حَضًّا عَلى تَغْيِيرِ المُنْكِرِ وإنْ نالَكَ ضَرَرٌ، فَهو إشْعارٌ بِأنَّ المُغِيرَ يُؤْذى أحْيانًا، وهَذا القَدْرُ هو عَلى جِهَةِ النَدْبِ والقُوَّةِ في ذاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا عَلى اللُزُومِ فَلا.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ مَعْناهُ: مِمّا عَزْمَهُ اللهُ وأمَرَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ ذَلِكَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ والسالِكِينَ طَرِيقَ النَجاةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وبِكِلَيْهِما قالَتْ طائِفَةٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلا تُصاعِرْ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: "وَلا تُصَعِّرْ".
وقَرَأ الجَحْدَرَيُّ: "وَلا تُصْعِرْ" بِسُكُونِ الصادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
والصَعَرُ: المَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "وَقَدْ أقامَ الدَهْرُ صَعْرِيِ بَعْدَ أنْ أقَمْتُ صَعْرَهُ"، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرُو بْنُ حُنَيِّ التَغْلَبِيِّ: وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ∗∗∗ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّمِ أيْ: فَتَقَوَّمْ أنْتَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَهَ: "فَتَقَوَمّا" وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ قافِيَةَ الشِعْرِ مَخْفُوضَةٌ، وفي بَيْتٍ آخَرَ: أقَمْنا لَهُ مِن خَدِّهِ المُتَصَعِّرِ فالمَعْنى: ولا تَمِلْ خَدَّكَ لِلنّاسِ كِبَرًا عَلَيْهِمْ، وإعْجابًا، واحْتِقارًا لَهُمْ، وهَذا هو تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أيْضًا الضِدَّ، أيْ: ولا سُؤالًا ولا ضَراعَةً بِالفَقْرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ بِدَلالَةِ ذِكْرِ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ بَعْدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: "وَلا تُصَعِّرْ" أرادَ بِهِ الإعْراضَ وهَجْرِهِ بِسَبَبِ أخِيهِ.
و"المَدْحُ": النَشاطُ، و"المَشْيُ مَرَحًا" هو في غَيْرِ شُغْلٍ ولِغَيْرِ حاجَةٍ، وأهْلُ هَذا الخُلُقِ مُلازِمُونَ لِلْفَخْرِ والخُيَلاءِ، فالمَرِحُ مُخْتالٌ في مِشْيَتِهِ، وقَدْ قالَ : « "مَن جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءُ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ"،» وقالَ: « "بَيْنَما رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"،» وقالَ مُجاهِدٌ: الفَخُورُ هو الَّذِي يُعَدِّدُ ما أعْطى ولا يَشْكُرُ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ: وفي اللَفْظِ الفَخْرُ بِالنَسَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولِما نَهاهُ عَنِ الخُلُقِ الذَمِيمِ رَسَمَ لَهُ الخُلُقَ الكَرِيمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْمِلَهُ، مِنَ القَصْدِ في المَشْيِ، وهو أنْ لا يَتَخَرَّقُ في إسْراعٍ، ولا يُوائِي في إبْطاءٍ وتَضاؤُلٍ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ: كُلُّنا يَمْشِي رُوَيْدْ ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّنا يَطْلُبُ صَيْدْ غَيْرَ عَمْرُو بْنِ عُبَيْدِ وألّا يَمْشِيَ مُخْتالًا مُتَبَخْتِرًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا لَيْسَ في قَصْدٍ.
وغَضُّ الصَوْتِ أوفَرُ لِلْمُتَكَلِّمِ وأبْسَطُ لِنَفْسِ السامِعِ وفَهْمِهِ.
ثُمَّ عارَضَ مُمَثِّلًا بِصَوْتِ الحَمِيرِ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، أيْ: تِلْكَ هي الَّتِي بَعُدَتْ عَنِ الغَضِّ فَهي أنْكَرُ الأصْواتِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ ما بَعُدَ عَنِ الغَضِّ مِن أصْواتِ البَشَرِ فَهو في طَرِيقِ تِلْكَ، وفي الحَدِيثِ: « "إذا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَيْطانِ، فَإنَّها رَأتْ شَيْطانًا"،» وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيِّ: صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحٌ إلّا نَهِيقَ الحَمِيرِ.
وقالَ عَطاءُ: نَهِيقُ الحَمِيرِ دُعاءٌ عَلى الظَلَمَةِ.
و"أنْكَرَ" مَعْناهُ أقْبَحُ وأوحَشُ، و"أنْكَرَ" عِبارَةٌ تَجْمَعُ المَذامَّ اللاحِقَةَ لِلصَّوْتِ الجَهِيرِ، وكانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِجَهارَةِ الصَوْتِ الجَهِيرِ، عَلى خُلُقِ الجاهِلِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: جَهِيرُ الكَلامِ جَهِيرُ العُطاسِ ∗∗∗ ∗∗∗ جَهِيرُ الرُواءِ جَهِيرُ النَعَمِ ويَعْدُو عَلى الأيْنِ عَدْوَ الظَلِيمِ ∗∗∗ ∗∗∗ ويَعْلُو الرِجالَ بِخُلُقٍ عَمَمْ فَنَهى اللهُ تَعالى عن هَذِهِ الخُلُقِ الجاهِلِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ أرادَ بِالصَوْتِ اسْمَ الجِنْسِ، ولِذَلِكَ جاءَ مُفْرَدًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ أصْواتُ الحَمِيرِ" بِالجَمْعِ في الثانِي دُونَ لامٍ.
والغَضُّ رَدُّ طَفَحانِ الشَيْءِ، كالنَظَرِ، وزِمامِ الناقَةِ، والصَوْتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن بيّن له آداب حسن المعاملة مع الناس قفَّاها بحسن الآداب في حالته الخاصة، وتلك حالتا المشي والتكلم، وهما أظهر ما يلوح على المرء من آدابه.
والقصد: الوسط العَدل بين طرفين، فالقصد في المشي هو أن يكون بين طرف التبختر وطرف الدبيب ويقال: قصد في مشيه.
فمعنى ﴿ اقْصِدْ في مشيك ﴾ : ارتكب القصد.
والغَضُّ: نقص قوة استعمال الشيء.
يقال: غَضَّ بصره، إذا خفَّض نظره فلم يحدّق.
وتقدم قوله تعالى ﴿ قل للمؤمنين يغُضُّوا من أبصارهم ﴾ في سورة النور (30).
فغض الصوت: جعله دون الجهر.
وجيء ب ﴿ مِن ﴾ الدالة على التبعيض لإفادة أنه يغض بعضه، أي بعضَ جهره، أي ينقص من جُهُورته ولكنه لا يبلغ به إلى التخافت والسرار.
وجملة ﴿ إن أنكر الأصوات لصوتُ الحمير ﴾ تعليل علل به الأمر بالغض من صوته باعتبارها متضمنة تشبيهاً بليغاً، أي لأن صوت الحمير أنكر الأصوات.
ورفع الصوت في الكلام يشبه نهيق الحمير فله حظ من النكارة.
و ﴿ أنكَر: ﴾ اسم تفضيل في كون الصوت منكوراً، فهو تفضيل مشتق من الفعل المبني للمجهول ومثله سماعي وغيرُ شاذ، ومنه قولهم في المثل: «أشغل من ذات النِّحْيَيْنِ» أي أشد مشغولية من المرأة التي أُريدت في هذا المثل.
وإنما جمع ﴿ الحمير ﴾ في نظم القرآن مع أن ﴿ صوت ﴾ مفرداً ولم يقل الحمار لأن المعرف بلام الجنس يستوي مفرده وجمعُه.
ولذلك يقال: إن لام الجنس إذا دخلتْ على جَمع أبطلت منه معنى الجَمْعِيَّة.
وإنما أوثر لفظ الجمع لأن كلمة الحمير أسعد بالفواصل لأن من محاسن الفواصل والأسجاع أن تجري على أحكام القوافي، والقافية المؤسسة بالواو أو الياء لا يجوز أن يرد معها ألف تأسيس فإن الفواصل المتقدمة من قوله ﴿ ولقد ءاتينا لقمان الحكمة ﴾ [لقمان: 12] هي: حميد، عظيم، المصير، خبير، الأمور، فخور، الحمير.
وفواصل القرآن تعتمد كثيراً على الحركات والمُدود والصيغ دون تماثل الحروف وبذلك تخالف قوافي القصائد.
وهذا وفاء بما وعدتُ به عند الكلام على قوله تعالى ﴿ ولقد ءاتينا لقمان الحكمة ﴾ من ذكر ما انتهى إليه تتبعي لما أُثِر من حِكمة لقمان غير ما في هذه السورة وقد ذكر الألوسي في «تفسيره» منها ثمانياً وعشرين حكمة وهي: قوله لابنه: أي بني، إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها أناس كثير فاجعل سفينتك فيها تقوى الله تعالى، وحِشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله تعالى لعلك أن تنجو ولا أراك ناجياً.
وقوله: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله عز وجل حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله تعالى بذلك عزاً، والذل في طاعة الله تعالى أقرب من التعزز بالمعصية.
وقوله: ضَرْبُ الوالد لولده كالسماد للزرع.
وقوله: يا بني إياك والدَّين فإنه ذل النهار وَهَمُّ الليل.
وقوله: يا بني ارجُ الله عز وجل رجاء لا يجرِّئك على معصيته تعالى، وخَففِ الله سبحانه خوفاً لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه.
وقوله: من كَذب ذهب ماء وجهه، ومَن ساء خلُقُه كثُر غمُّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
وقوله: يا بني حَملْتُ الجندل والحديد وكلَّ شيء ثقيل فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء، وذقت المِرار فلم أذق شيئاً هو أمرّ من الفقر.
يا بني لا تُرسِلْ رسولك جاهلاً فإن لم تجد حكيماً فكن رسولَ نفسك.
يا بني، إياك والكذب، فإنه شَهي كلحم العصفور عما قليل يغلي صاحبه.
يا بني، احضر الجنائز ولا تحضر العرس فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا.
يا بني، لا تأكل شِبَعاً على شِبَع فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن تأكله.
يا بني، لا تكُن حُلواً فتُبلَعَ ولا تكن مُرّاً فتُلْفَظ.
وقوله لابنه: لا يأكل طعامك إلاَّ الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.
وقوله: لا خير لك في أن تتعلمَ ما لم تَعْلَم ولَمّا تعملْ بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطباً فحمل حُزْمَة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى.
وقوله: يا بني، إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذَره.
وقوله: لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء.
وقوله: يا بني، أنْزِل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك ولا بدّ لك منه.
يا بنيّ، كن كمن لا يبتغي محمدَة الناس ولا يكسب ذمهم فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة.
وقوله: يا بني، امتنع بما يخرج من فيك فإنك ما سكتَّ سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك.
وأنا أقفّي عليها ما لم يذكره الألوسي.
فمن ذلك ما في «الموطأ» فيما جاء في طلب العلم من كتاب «الجامع»: مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور العلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.
وفيه فيما جاء في الصدق والكذب من كتاب وفيه فيما جاء في الصدق والكذب من كتاب «الجامع» أنه بلغه أنه قيل للقمان: ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل؟
فقال: صدقُ الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعْنيني.
وفي «جامع المستخرجة» للعتبي قال مالك: بلغني أن لقمان قال لابنه: يا بُني ليكنْ أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأةً صالحة.
وفي «أحكام القرآن» لابن العربي عن مالك: أن لقمان قال لابنه: يا بني إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنتَ واستقبلتَ الآخرة، وإن داراً تسير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها.
وقال: ليس غنى كصحة، ولا نعمة كطِيب نفْس.
وقال: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم اتق أن ينزل عليهم عذاب من السماء فيصيبَك معهم، وقال: يا بني، جالس العلماء ومَاشِهِم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم.
وفي «الكشاف»: أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنتَ تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنتَ تراني أسود فقلبي أبيض.
وأن مولاه أمره بذبححِ شاة وأن يأتيه بأطيب مضغتين فأتاه باللسان والقلب، ثم أمره بذبح أخرى وأنْ ألْققِ منها أخبث مضغتين، فألقى اللسان والقلب؛ فسأله عن ذلك، فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا.
ودخل على داود وهو يسرد الدروع فأراد أن يسأله عماذا يصنع، فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها داود لَبِسها وقال: نِعم لَبُوس الحرب أنتتِ.
فقال لقمان: الصمتُ حكمة وقليل فاعله.
وفي «تفسير ابن عطية»: قيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟
فقال: الذي لا يبالي أن يراه الناس سيِّئاً أو مسيئاً.
وفي «تفسير القرطبي»: كان لقمان يفتي قبل مبعث داود فلما بعث داود قطع الفتوى.
فقيل له، فقال: ألا أكتفِي إذا كُفِيتُ.
وفيه: إن الحاكم بأشدّ المنازل وكدرها يغشاه المظلوم من كل مكان إنْ يصبْ فبالحريِّ أن ينجو وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة.
ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً.
ومن يختر الدنيا على الآخرة تفتْه الدنيا ولا يُصب الآخرة.
وفي «تفسير البيضاوي»: أن داود سأل لقمان: كيف أصبحتَ؟
فقال: أصبحت في يَديْ غيري.
وفي «درة التنزيل» المنسوب لفخر الدين الرازي: قال لقمان لابنه: إن الله رَضيني لك فلم يُوصني بكَ ولم يرضَك لي فأوصاك بي.
وفي «الشفاء» لعياض: قال لقمان لابنه: إذا امتلأتْ المَعِدة نامت الفِكْرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وفي كتاب «آداب النكاح» لقاسم بن يأمون التليدي الأخماسي: أن من وصية لقمان: يا بني إنما مَثَل المرأة الصالحة كمثَل الدهن في الرأس يُليِّن العروق ويحسن الشعر، ومَثَلها كمثل التاج على رأس الملك، ومثلها كمثَل اللؤلؤ والجوهر لا يدري أحد ما قيمته.
ومثَل المرأة السوء كمثل السَّيْل لا ينتهي حتى يبلغ منتهاه: إذا تكلمتْ أسمعت، وإذا مشت أسرعت، وإذا قعدت رفعت، وإذا غضبت أسمعت.
وكل داء يبرأ إلاَّ داء امرأة السوء.
يا بني، لأن تساكن الأسد والأسْوَد خير من أن تساكنها: تبكي وهي الظالمة، وتحكم وهي الجائرة، وتنطق وهي الجاهلة وهي أفعى بلدغها.
وفي «مجمع البيان» للطبرسي: يا بني، سافر بسيفك وخُفّك وعمامتك وخبائك وسِقائك وخيوطك ومخرزك، وتزود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، وكن لأصحابك موافقاً إلا في معصية الله عز وجل.
يا بني، إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسم في وجوههم، وكن كريماً على زادك بينهم، فإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعِنْهم، واستعمِل طول الصمت وكثرة الصلاة، وسَخاء النفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد، وإذا استشهدوك على الحق فاشهَد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر، ولا تُجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتصلي وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورته، فإن من لم يمحض النصيحة من استشارة سلبه الله رأيه، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، واسمع لمن هو أكبر منك سنّاً.
وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئاً فقل نعم ولا تقل (لا) فإن (لا) عِيٌّ ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فأنزلوا، وإذا شككتم في القصد فقفوا وتآمروا، وإذا رأيتم شخصاً واحداً فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه فإن الشخص الواحد في الفلاة مُريب لعله يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الذي حيّركم.
واحذروا الشخصين أيضاً إلا أن تروا ما لا أرى لأن العاقِل إذا أبصر بعينه شيئاً عرف الحق منه والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء، صلِّها واسترح منها فإنها دَين، وصلِّ في جماعة ولو على رأس زَجّ.
وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لوناً وألينها تربة وأكثرها عشباً.
وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس، وإذا أردت قضاء حاجتك فأبْعِد المذهب في الأرض.
وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين ثم ودّع الأرض التي حللتَ بها وسلّم على أهلها فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة، وإن استطعت أن لا تأكل طعاماً حتى تبتدئ فتتصدق منه فافعل.
وعليك بقراءة كتاب الله لعله يعني الزبور ما دمت راكباً، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملاً عملاً، وعليك بالدعاء ما دمت خالياً.
وإياك والسير في أول الليل إلى آخره.
وإياك ورفع الصوت في مسيرك.
فقد استقصينا ما وجدنا من حكمة لقمان مما يقارب سبعين حكمة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ ﴾ وهَذا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِمِثْقالِ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ.
قالَ قَتادَةُ: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
﴿ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ والسُّدِّيُّ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ وهي صَخْرَةٌ عَلى ظَهْرِ الحُوتِ، قالَ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنا أنَّ خُضْرَةَ السَّماءِ مِن تِلْكَ الصَّخْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الصَّخْرَةُ لَيْسَتْ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ.
وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الصَّخْرَةَ هي سِجِّينٌ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها أعْمالُ الكُفّارِ ولا تُرْفَعُ إلى السَّماءِ.
الثّانِي: مَعْنى قَوْلِهِ في صَخْرَةٍ أيْ في جَبَلٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ يَأْتِ بِها اللَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجَزاءِ ما وازَنَها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الثّانِي: يَعْلَمُها اللَّهُ فَيَأْتِي بِها إذا شاءَ، كَذَلِكَ قَلِيلُ العَمَلِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَيُجازِي عَلَيْهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ ﴾ بِاسْتِخْراجِها.
﴿ خَبِيرٌ ﴾ بِمَكانِها، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
رَوى عَلِيُّ بْنُ رَباحٍ اللَّخْمِيُّ قالَ: لَمّا وعَظَ لُقْمانُ ابْنَهُ بِهَذا أخَذَ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ فَأتى بِها البَحْرَ فَألْقاها في عَرْضِهِ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ، ثُمَّ ذَكَرَها وبَسَطَ يَدَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ ذُبابَةً فاخْتَطَفَتْها وحَمَلَتْها حَتّى وضَعَتْها في يَدِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى ما أصابَكَ مِنَ الأذى في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
الثّانِي: عَلى ما أصابَكَ مِنَ البَلْوى في نَفْسِكَ أوْ مالِكَ.
﴿ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ.
الثّانِي: مِن ضَبْطِ الأُمُورِ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّالِثُ: مِن قَطْعِ الأُمُورِ.
وَفي العَزْمِ والحَزْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُما.
الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ وفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَزْمَ الحَذَرَ والعَزْمَ القُوَّةُ، ومِنهُ المَثَلُ: لا خَيْرَ في عَزْمٍ بِغَيْرِ حَزْمٍ.
الثّانِي: أنَّ الحَزْمَ التَّأهُّبُ لِلْأمْرِ والعَزْمَ النَّفاذُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في بَعْضِ الأمْثالِ: رَوِّ بِحَزْمٍ فَإذا اسْتَوْضَحْتَ فاعْزِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ.
( تُصاعِرْ ) بِألِفٍ، وتَصاعَرَ تَفاعَلَ مِنَ الصَّعَرِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكِبْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المَيْلُ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّالِثُ: التَّشَدُّقُ في الكَلامِ، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ، وتُصَعِّرْ هو عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ.
وَفي مَعْنى الآيَةِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ إعْراضُ الوَجْهِ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: هو التَّشَدُّقُ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
الثّالِثُ: أنْ يَلْوِيَ شِدْقَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْسانِ احْتِقارًا، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ.
وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن صَعْرِهِ فَتَقَوَّما الرّابِعُ: هو أنْ يُعْرِضَ عَمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إحْنَةً هَجْرًا لَهُ فَكَأنَّهُ أمَرَ بِالصَّفْحِ والعَفْوِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
﴿ وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالمَعْصِيَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: بِالخُيَلاءِ والعَظَمَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بَطِرًا أشِرًا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَنّانُ، قالَهُ أبُو ذَرٍّ.
الثّانِي: المُتَكَبِّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: البَطَرُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَرَوى أبُو ذَرٍّ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: « (ثَلاثَةٌ يَشْنَؤُهُمُ اللَّهُ: الفَقِيرُ المُخْتالُ، والبَخِيلُ المَنّانُ، والبَيِّعُ الحَلّافُ)» .
﴿ فَخُورٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَطاوِلُ عَلى النّاسِ بِنَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُفْتَخِرُ عَلَيْهِمْ بِما يَصِفُهُ مِن مَناقِبِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي يُعَدِّدُ ما أعْطى ولا يَشْكُرُ اللَّهَ فِيما أعْطاهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْصِدْ في مَشْيِكَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ تَواضَعْ في نَفْسِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: انْظُرْ في مَشْيِكَ مَوْضِعَ قَدَمِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أسْرِعْ في مِشْيَتِكَ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.
الرّابِعُ: لا تُسْرِعْ في المَشْيِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
وَقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ وجْهِ المَرْءِ)» .
الخامِسُ: لا تَخْتَلْ في مِشْيَتِكَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ أيِ اخْفِضْ مِن صَوْتِكَ والصَّوْتُ هو أرْفَعُ مِن كَلامِ المُخاطَبَةِ.
﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ يَعْنِي شَرَّ الأصْواتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أقْبَحُ الأصْواتِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: قَدْ تَقَدَّمَ.
الثّالِثُ: أشَدُّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أبْعَدُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
﴿ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها العَطْسَةُ المُرْتَفِعَةُ، قالَهُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ.
الثّانِي: أنَّهُ صَوْتُ الحِمارِ.
وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الحَيَوانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ أقْبَحُها في النَّفْسِ وأنْكَرَها عِنْدَ السَّمْعِ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَضْرُوبٌ بِهِ المَثَلُ، قالَ قَتادَةُ: لِأنَّ أوَّلَهُ زَفِيرٌ وآخِرَهُ شَهِيقٌ.
الثّانِي: لِأنَّ صِياحَ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحُهُ إلّا الحِمارَ فَإنَّهُ يَصِيحُ لِرُؤْيَةِ الشَّيْطانِ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الحارِثِ أنَّهُ قالَ: نَهِيقُ الحِمارِ دُعاءٌ عَلى الظَّلَمَةِ.
والسَّبَبُ في أنْ ضَرَبَ اللَّهُ صَوْتَ الحِمارِ مَثَلًا ما رَوى سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَتَجاهَرُونَ ويَتَفاخَرُونَ بِرَفْعِ الأصْواتِ فَمَن كانَ مِنهم أشَدَّ صَوْتًا كانَ أعَزَّ، ومَن كانَ أخْفَضَ صَوْتًا كانَ أذِلَّ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ ﴾ أيْ لَوْ أنَّ شَيْئًا يُهابُ لِصَوْتِهِ لَكانَ الحِمارَ فَجَعَلَهم في المَثَلِ بِمَنزِلَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي قال: إن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت هذه الآية ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ كنت رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدَثْتَ؟
لتَدَعَنَّ دينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فَتُعَيَّرَ بي، فيُقال يا قاتل أمه قلت: يا أمه لا تفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل، فاصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً آخر وليلة وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت.
فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن عساكر عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات: الأنفال ﴿ وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ والوصية والخمر.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي...
﴾ .
وأخرج ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جئت من الرمي فإذا الناس مجتمعون على أمي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعلى أخي عامر حين أسلم فقلت: ما شأن الناس!
فقالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامراً تعطي الله عهداً: أن لا يظلها ظل، ولا تأكل طعاماً، ولا تشرب شراباً حتى يدع الصباوة.
فأقبل سعد رضي الله عنه حتى تخلص إليها فقال: علي يا أمه فاحلفي قالت: لم؟
قال: أن لا تستظلي في ظل، ولا تأكلي طعاماً، ولا تشربي شراباً، حتى تريْ مقعدك من النار: فقالت: إنما أحلف على ابني البر.
فأنزل الله: ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: شدة بعد شدة، وخلقاً بعد خلق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: ضعفاً على ضعف.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: مشقة وهو الولد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: الولد على وهن؟
قال: الوالدة وضعفها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ قال: تعودهما إذا مرضا، وتتبعهما إذا ماتا، وتواسيهما مما أعطاك الله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليَّ ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتبع سبيل من أناب إليَّ ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنها إن تك مثقال حبة من خردل ﴾ قال: من خير أو شر ﴿ فتكن في صخرة ﴾ قال: في جبل.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرض على نون، والنون على بحر، والبحر على صخرة خضراء، فخضرة الماء من تلك الصخرة قال: والصخرة على قرن ثور، وذلك الثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.
فذلك قوله: ﴿ الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ﴾ [ طه: 6] فجميع ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى في حرم الرحمن، فإذا كان يوم القيامة لم يبق شيء من خلقه، قال: ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ فيهتز ما في السموات والأرض فيجيب هو نفسه فيقول: ﴿ لله الواحد القهار ﴾ .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ يأت بها الله ﴾ قال: يعلمها الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لطيف ﴾ قال: باستخراجها.
قال: بمستقرها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأمر بالمعروف ﴾ يعني بالتوحيد ﴿ وانه عن المنكر ﴾ يعني عن الشرك ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ في أمرهما يقول: إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر، وأصابك في ذلك أذى وشدة، فاصبر عليه ﴿ إن ذلك ﴾ يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ من عزم الأمور ﴾ يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ من الأذى في ذلك ﴿ إن ذلك من عزم الأمور ﴾ يقول: مما عزم الله عليه من الأمور، ومما أمر الله به من الأمور.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في تالي التلخيص عن أبي جعفر الخطمي رضي الله عنه أن جده عمير بن حبيب وكانت له صحبة أوصى بنيه قال: يا بني إياكم ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داء، إنه من يحلم عن السفيه يسر بحلمه، ومن يحبه يندم، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى، وليثق بالثواب من الله، ومن يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى.
وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: ليّ الشدق» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ يقول: لا تتكبر.
فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: الصدود والإِعراض بالوجه عن الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ يقول: لا تعرض وجهك عن فقراء الناس تكبراً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: ليكن الفقير والغني عندك في العلم سواء، وقد عوتب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عبس وتولى ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ قال: تواضع.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ قال: يعني السرعة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ يقول: لا تختال: ﴿ واغضض من صوتك ﴾ قال: اخفض من صوتك عن الملأ ﴿ إن أنكر الأصوات ﴾ قال: أقبح الأصوات ﴿ لصوت الحمير ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ قال: نهاه عن الخيلاء ﴿ واغضض من صوتك ﴾ قال: أمره بالاقتصاد في صوته ﴿ إن أنكر الأصوات ﴾ قال: أقبح الأصوات ﴿ لصوت الحمير ﴾ قال: أوّله زفير وآخره شهيق.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾ قال: أنكرها على السمع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد المطر، ﴿ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ يريد: الأنعام لتركبوها (١) وقال مقاتل: (يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، وما في الأرض: يعني: الجبال والأنهار والبحار والأشجار والنبت عام) (٢) (٣) وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: أوسع وأكمل من قولهم: سبغت النعمة إذا تمت، ويقال: شعر سابغ، ودرع سابغة.
وقوله: ﴿ نِعَمَهُ ﴾ وقرئ: نعمه جمعًا، ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المفرد أيضًا يدل على الكثرة كقوله: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ وهذا يدل على أنه يراد به الكثرة.
وقوله: ﴿ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ لا يدل على ترجيح إحدى القراءتين، ألا ترى أن النعم توصف بالباطنة والظاهرة كما توصف النعمة بذلك (٤) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهادة ألا إله إلا الله ظاهرة باللسان باطنة في القلب (٥) وروى عكرمة عنه قال: الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة (٦) وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة: ما ستر من الذنوب فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها (٧) - في هذه الآية (٨) قال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة (٩) وقال محمد بن كعب: الظاهرة: محمد - -، والباطنة: المعرفة (١٠) وقال المحاسبي (١١) قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ ﴾ مفسر إلى آخر الآية في سورة الحج (١٢) (١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 199.
(٤) انظر: "الحجة" ص 457.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 78.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 526 عن مجاهد، وعزاه لسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان".
(٦) انظر: "مجمع البيان" 8/ 501، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 525 وعزاه للبيهقي في "الشعب"، وأورده الماوردي 4/ 342 ونسبه لمقاتل.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.
(٨) أورده السيوطي في "الدر" 6/ 525، وقال: أخرجه ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس.
(٩) انظر: "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 501.
"زاد المسير" 6/ 324.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) هو: أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي الزاهد.
يروي عن يزيد بن هارون قليلًا وعن طبقته، روى عنه ابن مسروق الطوسي وإسماعيل بن إسحاق السراج وغيرهما، له كتب في الزهد وأصول الديانة، مات سنة 243 هـ.
انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 211، "سير أعلام النبلاء" 12/ 110، "طبقات الشافعية" لابن السبكي 2/ 278.
وكلامه في "تفسير القرطبي" 14/ 73.
وذكره بدون عزو: "الماوردي" 4/ 342، "الطبرسي" 8/ 501.
(١٢) عند قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ آية 3.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ الظاهرة: الصحة والمال وغير ذلك، والباطنة: النعم التي لا يطلع عليها الناس، ومنها ستر القبيح من الأعمال، وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة: نعم العقبى، واللفظ أعم من ذلك كله.
﴿ وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ ﴾ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.
حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.
وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.
﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون.
بالتشديد.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.
ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.
التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.
وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.
إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".
وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.
ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.
وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.
قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.
وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.
ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.
وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.
وروي عن النبي "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.
وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.
وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.
وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.
ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".
وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.
هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.
وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.
ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟
فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.
عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.
وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.
روي أنه دخل على داود وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.
فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.
فقال له داود : بحق ما سميت حكيماً.
روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.
قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.
وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.
قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.
ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.
وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.
وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.
" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟
قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .
وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.
ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.
وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.
واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.
وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.
ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.
وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟
إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.
سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟
الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.
وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.
فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.
وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".
وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.
والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.
ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.
فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.
ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.
قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.
قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله أعلم.
التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.
﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.
﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.
﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .
قال بعضهم: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل من غير نبوة.
وقال بعضهم: أعطي الفهم واللب، وقيل: الفهم والفقه في الدين، وقيل: العلم؛ كأنه يقول: أعطيناه العلم والفهم بالكتب المتقدمة.
والفقه: هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، أو معرفة ما غاب بما شهد، أو معرفة الخفي الباطن بالظاهر، ونحوه.
والفلاسفة يقولون: الحكمة هي المعرفة مع العمل، والحكيم: هو الذي له المعرفة والعلم والعمل جميعاً؛ فحينئذ يسمى: حكيماً.
وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ ﴾ .
كأنه قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا - وقلنا له: أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة، وغير ذلك من النعمة، وهذا يدل أن لله فيما يكتسب المؤمن الحكمة والعلم صنعاً؛ إذ لو لم يكن له [لما كان] لقوله: ﴿ آتَيْنَا ﴾ معنى؛ إذ هو للعبد وكسبه ألا ترى أنه أمره أن يشكر له على ذلك، ولو لم يكن له صنع في ذلك لكان لا يأمره بالشكر له على ما لا صنع له فيه؛ إذ يخرج ذلك مخرج طلب الحمد والشكر على ما لم يفعل، وقد ذم من أحب أن يحمد بما لم يفعل؛ فلا يحتمل أن يأمر هو بالحمد والشكر على ما لم يفعل ولا صنع له في ذلك؛ دل أنه له فيه صنعاً، وهو ينقض على المعتزلة في قولهم: أن ليس لله في فعل العبد صنع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ .
هذا يدل أن ما يأمر عباده وينهاهم، وفيما امتحنهم إنما يمتحنهم ويأمرهم وينهاهم؛ لمنافع أنفسهم وحاجتهم، لا لمنفعة نفسه أو لحاجته؛ حيث قال: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ حيث يتم تلك النعمة ويديمها له؛ فهو بالشكر ينفع نفسه.
من كفر فإنما ضرر كفره يلحقه دون الله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .
أي: غني عن شكره وحمده، حميد وإن لم يحمده أحد من خلقه؛ لأنه غني بذاته، حميد بصنائعه وآلائه وإن لم يحمد هو ولم يشكر على ذلك، لا ينفعه شكر أحد ولا حمده، ولا يضره كفران أحد ولا ترك الشكر له والحمد، وبالله الحول والقوة.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها، وأوقعوها في المهالك، بعدما صورها أحسن تصوير ومثلها أحسن تمثيل، وأعظم الظلم من عمل وسعى في هلاك نفسه.
أو ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ : ظلموا نعم الله؛ حيث صرفوا شكرها إلى غير منعمها.
أو ظلموا ظلماً عظيماً؛ حيث لم يقبلوا شهادة وحدانية الله وألوهيته فيما جعلها في خلقتهم وبنيتهم؛ إذ جعل في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانيته وربوبيته، وذلك أعظم الظلم وأفحشه.
وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ .
ولم يذكر هاهنا بماذا وصاه، فجائز الوصية بما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ﴾ و ﴿ إِحْسَاناً ﴾ ، والإحسان: هو اسم ما حسن من فعل.
وقوله: ﴿ حُسْناً ﴾ : هو اسم ما حسن مما كان يفعله، وهما واحد في الأصل.
وقوله: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ .
أي: ضعفا على ضعف، أي: كلما مضى عليها وقت ازداد فيها ضعف على ضعف ووجع على وجع، أمر بالإحسان إليهما جميعاً، ثم ذكر ما حملت الأم من المشقة والشدة، ولم يذكر من الأب شيئاً، وقد كان للأب وقت احتمال الأم المشقة - اللذة والسرور والفرح؛ فجائز أن يقال: إن كان من الأب بإزاء تلك المشقة التي احتملت الأم معنى ما يؤمر أن يشكر له ويحسن إليه - وهو ما يتحمل من الإنفاق عليها وعليه في حال الرضاع، وهو ما ذكر ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أو ما جعله مطعوناً في الناس بحيث لم يعرف له نسب ينسب إليه؛ بل جعله معروف النسب غير مطعون في الخلق ونحوه.
ثم ذكر الفصال ولم يذكر الرضاع والمشقة في الإرضاع لا في الفصال، لكنه ذكر تمام الرضاع وكماله؛ إذ بالفصال يتم ذلك ويكمل، وفي ذكر التمام له والكمال ذكر الرضاع، وليس في ذكر الرضاع نفسه ذكر تمامه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
أمر بالشكر له ولوالديه، وحاصل الشكر راجع إليه دون من يشكر له؛ إذ كل من صنع إلى آخر ما يستوجب به الشكر والثناء - فبالله صنع ذلك إليه وبنعمه كان منه ذلك؛ فكل من حمد دونه أو شكر - فراجع إليه في الحقيقة ذلك.
ثم يخرج قوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ على وجهين: أحدهما: اشكر لي فيما تشكر والديك بإحسانهما إليك؛ فإنهما ما أحسنا إليك إلا بفضلي ورحمتي؛ كقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ﴾ ، أي: اذكروا الله فيما تذكرون آباءكم بصنعهم؛ فإنهم إنما فعلوا ذلك بفضل الله.
أو أن يكون قوله: ﴿ ٱشْكُرْ لِي ﴾ فيما أنعمت عليك، ﴿ وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ : فيما أحسنا إليك وربياك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ : قد ذكرنا أنه خص ذلك المصير إليه، وإن كانوا في جميع الأوقات صائرين إليه راجعين بارزين له؛ لما المقصود من إنشائهم في هذا ذاك، وصار إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك، ما لولا ذلك لكان عبثاً باطلا، على ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ .
أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة، ثم بين أن لا في كل أمر يطاعان، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان؛ إنما يطاعان ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال؛ بل يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان أو يأمران، وكذلك ذكر في الخبر: "أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق" .
وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف: فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق؛ حيث قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ .
قال بعضهم: اتبع دين من أقبل إلى ورجع إلى طاعتي وهو النبي.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ ، أي: اتبع سبيلي وديني؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ ﴾ ، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون تأويله: اتبع سبيلي وديني، ولا تتبع غيري، [واتبع] سبيل من أناب ورجع إلي، ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي.
ثم أخبر برجوع الكل إليه: من رجع وأناب إليه، ومن لم يرجع ولم ينب إليه؛ على الوعيد حيث قال: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ...
﴾ الآية، وهو كقوله: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ ، أي: من استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعاً؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ .
لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير سؤال كان في ذلك؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال، لكن لا نعلم ما كان السؤال؟
وعم كان؟
فإما أن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة التي ذكر، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق، فيما لا يطلع أحد منهم ولا يبلغه علم الخلائق ﴿ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يعلمها الله؛ فإن كان على هذا [الذي] ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبداً مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم؛ لما لا يخفى عليه شيء.
أو أن يكون السؤال عن قدرة الله وسلطانه؛ فأخبر أن الله - قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر: ما يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة؛ فيخافون قدرة الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه.
أو أن يكون السؤال عن الرزق فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فالله ؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك؛ ليكونوا أبداً في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون؛ وكذلك قال: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ .
أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم ولطف، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ﴾ : من خير أو شر، ﴿ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ﴾ : في جبل، ﴿ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجازيها الله؛ فيكون على هذا التأويل كقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ، فأي شيء كان، ففي ذلك: دلالة وحدانية الله، ودلالة علمه وتدبيره، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة الثقة به، والتوكل عليه في الرزق، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إن الله لطيف في استخراج تلك الحبة، خبير بمكانها، وتأويل هذا الكلام: أي: يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا لا يشعر بها أحد، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته.
واللطيف: هو البار.
ثم يخرج هو على وجهين: أحدهما: فيما أرسل من الرسول، وما أنزل من الكتب؛ ليدلهم إلى ما يهتدون وإلى ما به نجاتهم، خبير بحوائجهم.
والثاني: تأويل اللطيف يحتمل وجهين: أحدهما: البار على ما ذكرنا.
والثاني: في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين: أحدهما: الصلاة التي عرفتها العرب، وهي المسألة والدعاء والثناء على الله والتحميد له والتمجيد؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ...
﴾ الآية [الأحزاب: 56].
وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له والمغفرة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هي الأمر بمسألة الرب حوائجه ومغفرته ورحمته؛ ليكون أبداً في كل حال متضرعاً إلى الله، مظهراً حاجته إليه ومثنيا عليه، واصفاً عظمته وجلاله وكبريائه.
والثاني: أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت؛ فإن كان هذا ففيها - أيضاً - ما في الأول من الدعاء والثناء على الله - - والوصف له بالعظمة والجلال؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك.
وإن كان أراد بالصلاة؛ الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا كانت للأمم المتقدمة، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وقول عيسى حيث قال: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
المعروف: اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع.
والمنكر: اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع.
ثم يخرج قوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ على وجوه: أحدها: المعروف الذي جاءت [به] الرسل عن الله، وشرعوه للخلق، ودعوا [إليه] الخلق.
والمنكر - أيضاً -: هو الذي أنكرته الرسل، ونهت الخلق عنه.
أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح، ويستحسنه كل طبع سليم.
والمنكر: هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله، ويستقبحه كل طبع سليم، يعرف بالبداهة قبحه وحسنه.
أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر؛ فكله يرجع إلى واحد: إلى ما ذكرنا بدءاً، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب.
وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ﴾ .
من الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهل السفه منهم والفسق؛ فلا بد من أن يصيب الأذى من تولى ذلك، وهذا يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اللوازم: لا يسع تركه، وإن أصابه الأذى في ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .
قال بعضهم: إن ذلك من حزم الأمور، والحزم: من إحكام الشيء وإتقانه؛ كأنه يقول: إن ذلك من محكم الأمور ومتقنها؛ لأن الشيء إذا حزم وشدد يؤمن عن سقوطه وذهابه؛ فعلى ذلك ما ذكر.
وقال: العزم: هو القطع والثبات على شيء، تقول: عزمت على كذا وعلى أمر كذا: إذا قطع تدبيره ورأيه واضطرابه، وجعله بحيث لا يرجع ولا يتحول عنه للدنيا، أو لأمر من أمورها؛ ولكن ثبت على ما عزم وقطع؛ فهو العزم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .
قوله: ولا ﴿ تصاعر ﴾ و ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، بالألف وبغير الألف، كلاهما لغتان.
ثم أهل التأويل أو أكثرهم يقولون: قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض وجهك عن الناس؛ تعظماً وتجبراً وتكبراً، وكذلك في قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ : بطرا فرحا بالمعصية في الخيلاء والعظمة، مستكبراً جباراً، عامتهم يفسرونه بالإعراض للتكبر والتجبر، وكذلك يقول الحسن: إنه قال: هو الإعراض عن الناس من الكبر؛ استحقارا لهم واستخفافا بهم.
والزجاج يقول: الصعر: هو داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه؛ فعلى تأويله يكون قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تلو عنقك عن الناس.
وأبو عوسجة يقول قريباً من ذلك؛ يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تتجبر، وهو أن تلوي عنقك؛ فلا تنظر إليهم كبرا.
ويقول: الصعر: هو اعوجاج في العنق؛ يقال: رجل أصعر، وبعير أصعر، وبه صعر، ويقال في الكلام: فلان صعر خده؛ إذا لوى رأسه عن الناس؛ فلم ينظر إليهم؛ كبرا منه.
وقال - كما قال الزجاج -: إن الصعر داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه، وأصله: الإعراض؛ على ما ذكره أهل التأويل وأهل الأدب.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكر أهل التأويل من حقيقة الإعراض؛ تكبراً وتعظيماً لأنفسهم، [و] استخفافا بالناس واستحقارا لهم؛ لما لم يروا الناس أمثالا لأنفسهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على حقيقة المشي على التكبر والتجبر، على ما ذكرنا.
والثاني: ليس على حقيقة الإعراض بالوجه عنهم، ولا على حقيقة المشي بالأقدام؛ ولكنه كناية عن الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترك لذلك، لا على التكبر والتجبر عليهم والاستخفاف بهم، ولكن على الحذر والخوف منهم.
فإن كان الامتناع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فلم يعذروا في ترك ذلك؛ لما يحذرون ويخافون منهم.
وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: على الأمر بقصد المشي وخفض الصوت: حقيقة المشي وحقيقة الصوت.
والثاني: على الكناية عن كيفية المعاملة وماهيتها فيما بين الناس.
فإن كان على حقيقة المشي والصوت، فكأنه يقول: أي اقصد في المشي في الناس، ولا تمش متكبرا مستخفا بهم؛ لتؤذيهم، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: لا ترفع صوتك فوق أصواتهم فتؤذيهم بالصوت، ولكن لينهم بالقول.
وقال بعضهم: امش هيناً لينا، ناكس الرأس، ناظراً حيث تمشي، غير ناظر إلى ما لا يحل ولا يسع، ولا رافع صوتك على الناس فتؤذيهم؛ فيكون صوتك عندهم كصوت الحمير الذي ذكر؛ فينكرونه كما ينكر صوت الحمير.
وإن كان على الكناية عن الأحوال في المعاملة فيما بين الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تطلبوا لأنفسكم في ذلك العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله؛ ولكن كونوا في ذلك عادلين قاصدين غير طالبين العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله.
وقوله: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، أي: لا ترفع صوتك على الناس فتؤذيهم كما يؤذي الحمار؛ فيكون صوتك عليهم كصوت الحمار.
أو يذكر هذا؛ لأن الحمار إنما يصيح لحاجة لنفسه وشهوته، وسائر الأشياء إذا صاحوا إنما يصيحون لحاجة أهلها؛ فيذكر أنكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا تفعلوا لمنفعة أنفسكم أو لحاجتكم؛ ولكن قوموا لله في ذلك أو لما ذكرنا.
أو خصّ صوت الحمير؛ لأنه ليس من صوت إلا وفيه لذة ومعونة، غير صوت الحمير؛ فإنه ليس فيه لذة ولا منفعة.
أو ذكر؛ لما قيل: إن أوله زفير وآخره شهيق؛ فيشبه زفير أهل النار وشهيقهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ .
قال: المختال: المتكبر البطر.
وقال بعضهم: المختال: الخداع الغدار، والفخور: يحتمل الذي يفتخر بكثرة المال؛ أو لما لا يرى أحداً شكلا لنفسه.
<div class="verse-tafsir"
ألم تروا وتشاهدوا -أيها الناس- أن الله يَسَّرَ لكم الانتفاع بما في السماوات؛ من شمس وقمر وكواكب، ويَسَّرَ لكم أيضًا ما في الأرض من دواب وشجر ونبات، وأكمل عليكم نعمه ظاهرة للعيان؛ كجمال الصورة وحسن الهيئة، وباطنة خفية كالعقل والعلم، في توحيد الله لغير علم مستند إلى وحى من الله، أو عقل مستنير، ولا كتاب واضح منزل من الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.j72QA"