الآية ٢١ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢١ من سورة لقمان

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وإذا قيل لهم ) أي : لهؤلاء المجادلين في توحيد الله : ( اتبعوا ما أنزل الله ) أي : على رسوله من الشرائع المطهرة ، ( قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) أي : لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين ، قال الله : ( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) [ البقرة : 170 ] أي : فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم ، أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه; ولهذا قال : ( أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله جهلا منهم بعظمة الله اتبعوا أيها القوم ما أنـزل الله على رسوله، وصدِّقوا به، فإنه يفرق بين المحقّ منا والمبطل، ويفصل بين الضّالّ والمهتدى، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حقّ، قال الله تعالى ذكره (أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ) بتزيينه لهم سوء أعمالهم، واتباعهم إياه على ضلالتهم، وكفرهم بالله، وتركهم اتباع ما أنـزل الله من كتابه على نبيه (إلى عَذَابِ السَّعِيرِ) يعني: عذاب النار التي تتسعر وتلتهب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعد .

أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يتبعونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } على أيدي رسله، فإنه الحق، وبينت لهم أدلته الظاهرة { قَالُوا } معارضين ذلك: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } فلا نترك ما وجدنا عليه آباءنا لقول أحد كائنا من كان.قال تعالى في الرد عليهم وعلى آبائهم: { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } فاستجاب له آباؤهم، ومشوا خلفه، وصاروا من تلاميذ الشيطان، واستولت عليهم الحيرة.فهل هذا موجب لاتباعهم لهم ومشيهم على طريقتهم، أم ذلك يرهبهم من سلوك سبيلهم، وينادي على ضلالهم، وضلال من اتبعهم.وليس دعوة الشيطان لآبائهم ولهم، محبة لهم ومودة، وإنما ذلك عداوة لهم ومكر بهم، وبالحقيقة أتباعه من أعدائه، الذين تمكن منهم وظفر بهم، وقرت عينه باستحقاقهم عذاب السعير، بقبول دعوته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) قال الله - عز وجل - : ( أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) وجواب " لو " محذوف ، ومجازه : يدعوهم فيتبعونه ، يعني : يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أَنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا» قال تعالى: «أ» يتبعونه «ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير» أي موجباته؟

لا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله وإفراده بالعبادة: اتبعوا ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: بل نتبع ما كان عليه آباؤنا من الشرك وعبادة الأصنام، أيفعلون ذلك، ولو كان الشيطان يدعوهم؛ بتزيينه لهم سوء أعمالهم، وكفرهم بالله إلى عذاب النار المستعرة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله ..

.

) .

أى : وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم .( قَالُواْ ) على سبيل العناد والتقليد الأعمى ( بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا ) من عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التى كانوا يسيرون عليها .وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ) رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد فى العقيدة على مجرد تقليد الآباء .والهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والواو للحال .

أى : أيتبعون ما كان عليه آباؤهم ، والحال أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذى يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير .قال الالوسى : وفى الآية دليل على المنع من التقدلي لمن قدر على النظر .

وأما اتباع الغير فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق ، فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى وليس من التقليد المذموم فى شئ ، وقد قال - سبحانه - : ( فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح فإن النبي عليه السلام يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء ثم إن هاهنا شيئاً آخر وهو أنهم قالوا: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ يعني نترك القول النازل من الله ونتبع الفعل، والقول أدل من الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزاً، ويحتمل أن يكون حراماً، وهم تعاطوه، ويحتمل أن يكون واجباً في اعتقادهم والقول بين الدلالة، فلو سمعنا قول قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله، لكان الواجب الأخذ بالقول، فكيف والقول من الله والفعل من الجهال، ثم قال تعالى: ﴿ أَوْ لَّوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ استفهاماً على سبيل التعجب في الإنكار يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب، وهم مع هذا يتبعون الشيطان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ﴾ لما بين حال المشرك والمجادل في الله بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله ﴾ إشارة إلى الإيمان وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ إشارة إلى العمل الصالح فتكون الآية في معنى قوله تعالى: ﴿ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ﴾ أي تمسك بحبل لا انقطاع له وترقى بسببه إلى أعلى المقامات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال هاهنا: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله ﴾ وقال في سورة البقرة (112): ﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ فعدى هاهنا بإلى وهناك باللام، قال الزمخشري معنى قوله: ﴿ أَسْلَمَ وجههُ لِلَّهِ ﴾ أي جعل نفسه لله سالماً أي خالصاً والوجه بمعنى النفس والذات، ومعنى قوله: ﴿ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله ﴾ يسلم نفسه إلى الله كما يسلم واحد متاعاً إلى غيره ولم يزد على هذا، ويمكن أن يزاد عليه ويقال من أسلم لله أعلى درجة ممن يسلم إلى الله، لأن إلى للغاية واللام للاختصاص، يقول القائل أسلمت وجهي إليك أي توجهت نحوك وينبئ هذا عن عدم الوصول لأن التوجه إلى الشيء قبل الوصول وقوله أسلمت وجهي لك يفيد الاختصاص ولا ينبئ عن الغاية التي تدل على المسافة وقطعها للوصول، إذا علم هذا فنقول في البقرة قالت اليهود والنصارى: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ فقال الله رداً عليهم: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ برهانكم  ﴾ ثم بين فساد قولهم بقوله تعالى: ﴿ بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ  ﴾ أي أنتم مع أنكم تتركون الله للدنيا وتولون عنه للباطل وتشترون بآياته ثمناً قليلاً تدخلون (النار) ومن كان بكليته لله لا يدخلها، هذا كلام باطل فأورد عليهم من أسلم لله ولا شك أن النقض بالصورة التي هي ألزم أولى فأورد عليهم المخلص الذي ليس له أمر إلا الله وقال: أنتم تدخلون الجنة وهذا لا يدخلها، ثم بين كذبهم وقال: بلى وبين أن له فوق الجنة درجة وهي العندية بقوله: ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ ﴾ وأما هاهنا أراد وعد المحسن بالثواب والوصول إلى الدرجة العالية فوعد من هو دونه ليدخل فيه من هو فوقه بالطريق الأولى ويعم الوعد وهذا من الفوائد الجليلة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ﴾ أوثق العرى جانب الله لأن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له، ثم قال تعالى: ﴿ وإلى الله عاقبة الأمور ﴾ يعني استمسك بعروة توصله إلى الله وكل شيء عاقبته إليه فإذا حصل في الحال ما إليه عاقبته في عاقبته في غاية الحسن وذلك لأن من يعلم أن عاقبة الأمور إلى واحد ثم يقدم إليه الهدايا قبل الوصول إليه يجد فائدته عند القدوم عليه، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله: ﴿ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معناه ﴿ أ ﴾ يتبعونهم ﴿ وَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ ﴾ أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ وهو مَنعٌ صَرِيحٌ مِنَ التَّقْلِيدِ في الأُصُولِ.

﴿ أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهم ولِآبائِهِمْ.

﴿ إلى عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيدِ أوِ الإشْراكِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ مِثْلَ لاتَّبَعُوهُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ.

﴿ وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ ﴾ بِأنْ فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ وأقْبَلَ بِشَراشِرِهِ عَلَيْهِ مِن أسْلَمْتُ المَتاعَ إلى الزَّبُونِ، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ وحَيْثُ عُدِّيَ بِاللّامِ فَلِتَضَمُّنِ مَعْنى الإخْلاصِ.

﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ في عَمَلِهِ.

﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ تَعَلَّقَ بِأوْثَقَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ لِلْمُتَوَكِّلِ المُشْتَغِلِ بِالطّاعَةِ بِمَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ.

﴿ وَإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ إذِ الكُلُّ صائِرٌ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير} معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ أيْ لِمَن يُجادِلُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، ﴿ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ يُرِيدُونَ عِبادَةَ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا ظاهِرٌ في مَنعِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ ورَجَّحَهُ الإمامُ الرّازِيُّ والآمِدِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ في الأُصُولِ، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ وجَماعَةٌ الجَوازُ، ورُبَّما قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ، وإنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ والِاجْتِهادَ فِيهِ حَرامٌ، وعَلى كُلٍّ يَصِحُّ عَقائِدُ المُقَلِّدِ المُحِقِّ، وإنْ كانَ آثِمًا بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلى الأوَّلِ، وعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُهُ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: هَذا مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ لِما يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ العَوامِّ، وهم غالِبُ المُؤْمِنِينَ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ إنْ كانَ التَّقْلِيدُ أخْذًا لِقَوْلِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمالِ شَكٍّ ووَهْمٍ بِأنْ لا يَجْزِمَ المُقَلِّدُ فَلا يَكْفِي إيمانُهُ قَطْعًا، لِأنَّهُ لا إيمانَ مَعَ أدْنى تَرَدُّدٍ فِيهِ، وإنْ كانَ لَكانَ جَزْمًا، فَيَكْفِي عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وغَيْرِهِ خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ في قَوْلِهِ: لا يَكْفِي بَلْ لا بُدَّ لِصِحَّةِ الإيمانِ مِنَ النَّظَرِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ لا خِلافَ في امْتِناعِ تَقْلِيدِ مَن لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَنِدٌ الى دَلِيلٍ حَقٍّ، وظاهِرُ ذَمِّ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ، أنَّهُ يَكْفِي في النَّظَرِ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ الحَقُّ كَما يَكْفِي فِيهِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ.

﴿ أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ﴾ أيْ يَدْعُو آباءَهم لا أنْفُسَهم كَما قِيلَ: فَإنَّ مَدارَ إنْكارِ الِاسْتِتْباعِ كَوْنُ المَتْبُوعِينَ تابِعِينَ لِلشَّياطِينِ، ويُنادِي عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ  ﴾ ، بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا  ﴾ ، ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَجْمُوعِ، أيْ أُولَئِكَ المُجادِلِينَ وآباؤُهم ﴿ إلى عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ أيْ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ، أوْ يَتَسَبَّبُ مِنهُ مِنَ الإشْراكِ، وإنْكارِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْبَعْثِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ، وجُوِّزَ بَقاءُ ( عَذابِ السَّعِيرِ ) عَلى حَقِيقَتِهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، ويُفْهَمُ التَّعْجِيبُ مِنَ السِّياقِ، أوْ لِلتَّعْجِيبِ، ويُفْهَمُ الإنْكارُ مِنَ السِّياقِ، والواوُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَتْبَعُونَهُمْ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم أيْ في حالِ دُعاءِ الشَّيْطانِ إيّاهم إلى العَذابِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ أيَتْبَعُونَهم لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى العَذابِ، ولَوْ كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ، وهُما قَوْلانِ مَشْهُورانِ في الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى ( لَوِ ) الوَصْلِيَّةِ ونَحْوِها، وكَذا في احْتِياجِها إلى الجَوابِ قَوْلانِ، قَوْلٌ بِالِاحْتِياجِ، وقَوْلٌ بِعَدَمِهِ، لِانْسِلاخِها عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ قَدَّرَهُ هُنا: لا يَتْبَعُوهُمْ، وهو مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الواوِ عاطِفَةً، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها حالِيَّةً فَزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَتَسَنّى، وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ يعني: لكفار مكة اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على نبيه من القرآن، فآمنوا به، وأحلّوا حلاله، وحرموا حرامه قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول الله عز وجل أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يعني: أو ليس الشيطان يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ يعني: يدعوهم إلى تقليد آبائهم بغير حجة، فيصيروا إلى عذاب السعير.

قوله عز وجل: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي: يخلص دينه.

ويقال: يخلص عمله لله وَهُوَ مُحْسِنٌ يعني: موحد.

ويقال: ذكر الوجه، وأراد به هو.

يعني: ومن أخلص نفسه لله عز وجل بالتوحيد، وبأعمال نفسه، وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله.

قرأ عبد الرحمن السّلمي: وَمَنْ يُسْلِمْ بنصب السين، وتشديد اللام من سلم يسلم.

وقراءة العامة وَمَنْ يُسْلِمْ بجزم السين وتخفيف اللام من سلم يسلم فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى يعني: قد أخذ بالثقة وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ يعني: إليه مرجع وعواقب الأمور.

ويقال: العباد إليه فيجازيهم بأعمالهم.

قوله عز وجل: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ وذلك أنهم لما كذبوا بالقرآن وقالوا: إنه يقول من تلقاء نفسه، شقّ ذلك على رسول الله  .

فنزل وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ بالقرآن إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يعني: إلينا مصيرهم فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يعني: يجازيهم بجحودهم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بما في قلبك من الحزن مما قالوا وقال الكلبي: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ من خير أو شر.

ثم قال عز وجل: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا يعني: يسيراً في الدنيا، فكل ما هو فانٍ فهو قليل ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ يعني: نلجئهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ يعني: شديد لا يفتر عنهم.

قوله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ يعني: الكفار مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إقراركم بَلْ أَكْثَرُهُمْ يعني: الكفار لا يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان قد رعى معه الغنم-: مَا بَلَغَ بِكَ يا لقمان مَا أرى؟

قَالَ: صِدْقُ الحديثِ، وأداءُ الأَمانةِ، وتركِي ما لا يعنيني، وحِكَمُ لُقْمَانَ كثيرةٌ مأثُورَة.

قال ابن العربي في «أحكامه «١» » : ورَوَى عُلماؤُنا عن مالكِ قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إنَّ الناسَ قد تطاوَلَ عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرةِ سِراعاً يذهبون، وإنك قد اسْتَدْبَرْت الدنيا مذ كنت، واستقبلت الآخرة مع أَنْفَاسِك، وإن داراً ستسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها، انتهى.

وقوله: أَنِ اشْكُرْ يجوز أن تكونَ «أنْ» في مَوضعِ نصب على إسقاط حرف الجر، أي: بأنِ اشْكُرْ للَّهِ ويجوز أن تكونَ مفسِّرَةً، أي: كانت حكمتُه دائرة على الشكر للَّه، وجميع العبادات داخلةٌ في الشكر لله عز وجل، وحَمِيدٌ بمعنى: محمود، أي: هو مستحق ذلك بذاته وصفاته.

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)

وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان ووَهْناً عَلى وَهْنٍ معناه ضعفاً على ضعف، كأنه قال: حملته أمه، والضَّعْفُ يتزيد بعد الضَّعْفِ إلى أن ينقضي أمده.

وقال ص: وَهْناً عَلى وَهْنٍ حالٌ من أمه أي شدة بعد شدة، أَوْ جَهْداً على جَهْدِ، وقيل وَهْناً نطفةٌ، ثم علقةٌ، فيكونُ حالاً من الضمير المنصوب في جملته.

انتهى.

وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ.

٦٨ أقال سفيان بن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمسَ فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما.

وقوله سبحانه: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ...

الآية رُوِي أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سَعْدِ بن أبي وقاص وأمه حَمْنَة بنْتِ أبي سفيانَ، على ما تقدم بيانُه، وجملةُ هذا البابِ أن طاعةَ الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ، ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحاتِ وتستحسن في ترك الطاعات الندب.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ وصيةٌ لجميع العالم.

وهذه سبيل الأنبياء والصالحين.

وقوله تعالى- حاكياً عن لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ...

الآية: ذكرَ كثيرٌ من المفسرين: إنه أراد مثقال حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجيةٌ وتَخْويفٌ منضاف إلى تَبْيِينِ قدرة الله تعالى.

وقوله: وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ يَقْتَضِي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذي أحياناً.

وقوله: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يحتمل أن يُرِيْدَ مما عزمه اللهُ وأمَرَ بهِ، قاله ابن جريج «١» : ويحتمل أن يريدَ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكينَ طريقَ النجاةِ قاله جماعة.

والصَّعَرُ: الميل، فمعنى الآية: ولا تُمِلْ خَدَّك للناس كِبْراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم قاله ابن عباس «٢» وجماعة.

وعبارة البخاري: ولا تصاعر، أي: لا تعرض، والتَّصَاعُر: الإعْرَاضُ بالوجه انتهى.

والمَرَحُ: النَّشَاط، والمشي مَرَحَا:

هو في غير شُغْل، ولغير حاجة، وأهل هذه الخُلُقِ ملازمون للفخر والخُيَلاَءِ، فالمَرِحُ مختالُ في مَشيه، وقد ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيدٌ شديدٌ يطول بنا سرده.

قال عيَاضٌ: كان أبو إسحاقَ الجبنياني قَلَّ ما يتركُ ثَلاَثَ كَلِماتٍ وفيهن الخيرُ كلُّه:

اتَّبِعْ وَلاَ تَبْتَدِعْ، اتضع وَلاَ تَرْتَفِعْ، مَنْ وَرِعَ لا يَتَّسِعْ، انتهى.

وغضُّ الصوتِ أوقرُ للمتكلم وأبسطُ لنفس السامع وفهمِه، ثم عَارَضَ ممثلاً بصوت الحَمِير على جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بَعُدت عن الغَض فهِي أنكَرُ الأصوات، فكذلك ما بعُد عن الغَضِّ من أصوات البشر فهو في طريقِ تلك، وفي الحديث: «إذَا سِمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطاناً» .

وقال سفيانُ الثوري: صياح كل شيءٍ تسبيحٌ إلا صياحُ الحمير.

ت: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فاسألوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَنَّهُ رأى شَيْطَاناً» «١» ، رواه الجماعَة إلا ابن ماجَهْ.

وفي لفظ النسائي: «إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ تَصِيحُ بِاللَّيْلِ» ، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإنَّهَا ترى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَقِلُّوا الخُرُوجَ إذَا جَدَّتْ فَإنَّ اللهَ يَبُثُّ في لَيْلِهِ مِنْ خلقه ما يشاء» «٢» .

رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «المستدرك» .

واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ انتهى من «السلاح» .

٦٨ ب/ وقوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً.

قال المُحَاسبيُّ- رحمه الله- الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنةُ: نعم العقبى.

والظاهر عندي التعميمُ.

ثم وقف تعالى الكفَرَة على اتِّبَاعهِم دين آبائِهم أيكون وهم بحال من يصير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: أوْسَعَ وأكْمَلَ ﴿ نِعَمَهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وَأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نِعَمَهُ "، أرادُوا جَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نِعْمَةً " عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو ما أعْطاهم مِن تَوْحِيدِهِ.

ورَوى الضَّحّاكُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

ما هَذِهِ النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ؟

فَقالَ: " أمّا ما ظَهَرَ: فالإسْلامُ، وما سَوّى اللَّهُ مِن خَلْقِكَ، وما أفْضَلَ عَلَيْكَ مِنَ الرِّزْقِ.

وأمّا ما بَطَنَ: فَسَتَرَ مَساوِئَ عَمَلِكَ، ولَمْ يَفْضَحْكَ "» .

وقالَ الضَّحّاكُ: الباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، والظّاهِرَةُ: حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ﴾ هو مَتْرُوكُ الجَوابِ، تَقْدِيرُهُ: أفَتَتَّبِعُونَهُ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، وذَلِكَ أنَّ تَسْخِيرَ هَذِهِ الأُمُورِ العِظامِ كالشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والحَيَوانِ والنَباتِ إنَّما هو بِمُسَخِّرٍ ومالِكٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ عِمارَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَأصْبَغَ" بِالصادِّ عَلى بَدَلِها مِنَ السِينِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الِاسْتِعْلاءِ تَجْتَذِبُ السِينَ مِن سُفْلِها إلى عُلُوِّها فَتَرُدُّها صادًا، والجُمْهُورُ قِراءَتُهم بِالسِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ نِصاحٍ، وغَيْرُهُمْ: "نِعَمَهُ"، جَمْعُ نِعْمَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرِ بِفَتْحِ الدالِّ، و"الظاهِرَةُ" هي الصِحَّةُ وحُسْنُ الخِلْقَةِ والمالُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"الباطِنَةُ" المُعْتَقَداتُ مِنَ الإيمانِ ونَحْوَهُ، والعَقْلُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الظاهِرَةُ: الإسْلامُ وحُسْنُ الخِلْقَةِ، والباطِنَةُ: ما سُتِرَ مِن سَيِّئِ العَمَلِ، وفي الحَدِيثِ: « "قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ  : قَدْ عَرَفْنا الظاهِرَةَ، فَما الباطِنَةُ؟

قالَ: سِتْرُ ما لَوْ رَآكَ الناسُ عَلَيْهِ لَمَقَتُوكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ الباطِنَةِ التَنَفُّسُ والهَضْمُ والتَغَذِّي وما لا يُحْصى كَثْرَةٌ، ومِنَ الظاهِرَةِ عَمَلُ الجَوارِحِ بِالطاعَةِ، قالَ المُحاسَبِيُّ: الظاهِرَةُ: نِعَمُ الدُنْيا، والباطِنَةُ: نِعَمُ العُقْبى.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نِعْمَةً" عَلى الإفْرادِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الإسْلامَ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها  ﴾ .

ثُمَّ عارَضَ بِالكَفَرَةِ مِنها عَلى فَسادِ حالِهِمْ، وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ ، وقالَ النَقّاشُ: الإشارَةُ إلى النَضِرِ بْنِ الحارِثِ ونُظَرائِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ اللهَ ويُشْرِكُونَ الأصْنامَ في الأُلُوهِيَّةِ، فَذَلِكَ جِدالُهُمْ، و ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُعْلِمْهم مَن يُقْبَلُ قَوْلُهُ، ولا عِنْدَهم هُدى قَلْبٍ ولا نُورَ بَصِيرَةٍ يُقِيمُونَ بِها حُجَّةً، ولا يَبْتَعُونَ بِذَلِكَ كِتابًا بِأمْرِ اللهِ يُبَشِّرُ بِأنَّهُ وحْيٌ، بَلْ ذَلِكَ دَعْوى مِنهم وتَخَرُّصُ، وإذا دُعُوا إلى اتِّباعِ وحْيِ اللهِ رَجَعُوا إلى التَقْلِيدِ المَحْضِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الآباءِ.

ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى - وهُمُ المُرادُ بِالتَوْقِيفِ - عَلى اتِّباعِهِمْ دِينَ آبائِهِمْ، أيَكُونُ وهم بِحالِ مَن يَصِيرُ إلى عَذابِ السَعِيرِ؟

فَكَأنَّ القائِلُ مِنهم يَقُولُ: هم يَتَّبِعُونَ دِينَ آبائِهِمْ ولَوْ كانَ مَصِيرُهم إلى السَعِيرِ، فَدَخَلَتْ ألْفُ التَوْقِيفِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ كَما كانَ اتِّساقُ الكَلامِ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الارض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق، فالكلام استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة في قوله تعالى: ﴿ خَلَق السَّماوات بِغَير عمد ﴾ [لقمان: 10] فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض.

وقد مضى الكلام على هذا التسخير في تفسير قوله تعالى ﴿ الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ الآيات من سورة إبراهيم (32)، وكذلك في سورة النحل (3).

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم لأن من جملة ذلك التسخير ما هو منافع لنا من الأمطار والرياح ونور الشمس والقمر ومواقيت البروج والمنازل والاتجاه بها.

والخطاب في ﴿ ألم تروا ﴾ يجوز أن يكون لجميع الناس مؤمنهم ومشركهم لأنه امتنان، ويجوز أن يكون لخصوص المشركين باعتبار أنه استدلال.

والاستفهام في ﴿ ألم تروا ﴾ تقرير أو إنكار لِعدم الرؤية بتنزيلهم منزلة من لم يروا آثار ذلك التسخير لعدم انتفاعهم بها في إثبات الوحدانية.

والرؤية بصرية.

ورؤية التسخير رؤية آثاره ودلائله.

ويجوز أن تكون الرؤية علمية كذلك، والخطاب للمشركين كما في قوله ﴿ خلق السماوات بغير عَمد ترونها ﴾ .

وإسباغ النِعم: إكثارها.

وأصل الإسباغ: جعل ما يلبس سابغاً، أي وافياً في الستر.

ومنه قولهم: درع سابغة.

ثم استعير للإكثار لأن الشيء السابغ كثير فيه ما يتخذ منه من سَرْد أو شُقَق أثواب، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فقيل: سوابغ النعم.

والنعمة: المنفعة التي يقصد بها فاعلُها الإحسان إلى غيره.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر نِعَمهُ } بصيغة جمع نعمة مضاف إلى ضمير الجلالة، وفي الإضافة إلى ضمير الله تنويه بهذه النِعم.

وقرأ الباقون ﴿ نِعْمَةً ﴾ بصيغة المفرد، ولما كان المراد الجنس استوى فيه الواحد والجمع.

والتنكير فيها للتعظيم فاستوى القراءتان في إفادة التنويه بما أسبغ الله عليهم.

وانتصب ﴿ ظاهرة وباطنة ﴾ على الحال على قراءة نافع ومن معه، وعلى الصفة على قراءة البقية.

والظاهرة: الواضحة.

والباطنة: الخفية وما لا يعلم إلا بدليل أو لا يعلم أصلاً.

وأصل الباطنة المستقرة في باطن الشيء أي داخله، قال تعالى: ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ [الحديد: 13] فكم في بدن الإنسان وأحواله من نِعم يعلمها الناس أو لا يعلمها بعضُهم، أو لا يعلمها إلا العلماء، أو لا يعلمها أهل عصر ثم تنكشف لمن بعدهم، وكلا النوعين أصناف دينية ودنيوية.

﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ الواو في قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ واو الحال.

والمعنى: قد رأيتم أن الله سخّر لكم ما في السماوات وأنعم عليكم نعماً ضافية في حال أن بعضكم يجادل في وحدانية الله ويتعامى عن دلائل وحدانيته.

وجملة الحال هنا خبر مستعمل في التعجيب من حال هذا الفريق.

ولك أن تجعل الواو اعتراضيَّة والجملة معترضة بين جملة ﴿ ألم تروا أن الله سخر لكم ﴾ وبين جملة ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ﴾ [لقمان: 25].

وقوله ﴿ ومِنَ النَّاس ﴾ من الإظهار في مقام الإضمار كأنه قيل: ومنكم، و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية.

والمراد بهذا الفريق: هم المتصدون لمحاجة النبي صلى الله عليه وسلم والتمويه على قومهم مثل النضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وعبد الله بن الزِّبْعَرى.

وشمل قوله ﴿ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ مراتبَ اكتساب العلم وهي إما: الاجتهاد والاكتساب، أو التلقي من العالم، أو مطالعة الكتب الصائبة.

وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحج (8).

وجملة ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الخ عطف على صلة ﴿ مَن، ﴾ أي: مَن حالهم هذا وذاك، وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة (170).

والضمير المنصوب في قوله ﴿ يدعوهم ﴾ عائد إلى الآباء، أي أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يَدعو الآباء إلى العذاب فهم يتبعونهم إلى العذاب ولا يهتدون.

و ﴿ لو ﴾ وصلية، والواو معها للحال.

والاستفهام تعجيبي من فظاعة ضلالهم وعماهم بحيث يتبعون من يدعوهم إلى النار، وهذا ذم لهم.

وهو وزان قوله في آية البقرة (170): ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ﴾ والدعاء إلى عذاب السعير: الدعاء إلى أسبابه.

والسعير تقدم في قوله تعالى: ﴿ كلما خَبَتْ زِدْنَاهم سعيراً ﴾ في سورة الإسراء (97).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ وفي تَسْخِيرِهِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْهِيلُهُ.

الثّانِي: الِانْتِفاعُ بِهِ.

﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ يَعْنِي نِعْمَةً واحِدَةً، وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى الإسْلامَ فَجَعَلَها واحِدَةً، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: أنَّهُ قَصَدَ التَّكْثِيرَ بِلَفْظِ الواحِدِ كَقَوْلِ العَرَبِ: كَثُرَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، والأرْضُ سَيْفٌ وفَرَسٌ، وهَذا أبْلَغُ في التَّكْثِيرِ مِن لَفْظِ الجَمْعِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الظّاهِرَةَ الإسْلامُ، والباطِنَةَ ما سَتَرَهُ اللَّهُ مِنَ المَعاصِي قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّ الظّاهِرَةَ عَلى اللِّسانِ، والباطِنَةِ في القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ووَكِيعٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الظّاهِرَةَ ما أعْطاهم مِنَ الزِّيِّ والثِّيابِ، والباطِنَةَ مَتاعُ المَنازِلِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: الظّاهِرَةُ الوَلَدُ، والباطِنَةُ الجِماعُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في نَفْسِهِ، والباطِنَةَ في ذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّ الظّاهِرَةَ ما مَضى، والباطِنَةَ ما يَأْتِي.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في الدُّنْيا، والباطِنَةَ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في الأبْدانِ، والباطِنَةَ في الأدْيانِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ جاءَ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟

فَجاءَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْهُ.

» الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ كانَ يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء رضي الله عنه قال: «سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: هذه من كنوز علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما الظاهرة؛ فما سوى من خلقك، وأما الباطنة؛ فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: «أما الظاهرة؛ فالإِسلام وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة؛ فما ستر من مساوي عملك، يا ابن عباس إن الله تعالى يقول: ثلاث جعلتهن للمؤمن: صلاة المؤمنين عليه من بعده.

وجعلت له ثلث ماله أكفر عنه من خطاياه.

وسترت عليه من مساوي عمله، فلم أفضحه بشيء منها، ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: النعمة الظاهرة: الإِسلام.

والنعمة الباطنة: كل ما ستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: هي لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ﴾ قال: لو كانت نعمة كانت نعمة دون نعمة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ﴾ قال: لا إله إلا الله ظاهرة قال: على اللسان ﴿ وباطنة ﴾ قال: في القلب.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ نعمه ظاهرة ﴾ قال: الإِسلام ﴿ وباطنة ﴾ قال: ستره عليكم المعاصي.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: أما الظاهرة: فالإِسلام.

والقرآن، وأما الباطنة: فما ستر من العيوب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ﴾ مفسرة في سورة البقرة (١) (١) عند قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  ﴾ ، وذكر هناك سبب نزولها، وأنها نزلت في اليهود.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ ﴾ : قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر: أن قد رأوا وعلموا أنه سخر لهم ما ذكر.

والثاني: على الأمر، أي: انظروا وروا: أنه سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض؛ لينتفعوا بجميع ما يحتاجون إليه، ويصلوا إلى مرادهم وحاجتهم وإلى قضاء وطرهم كيف شاءوا بما شاءوا.

أو أن يذكر قدرته وسلطانه: أن من ملك تسخير ما ذكر لنا ومكنا وأقدرنا على تدبير استعمال ما سخر لنا والانتفاع به - لقادر على البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.

أو أن يذكر حكمته وعلمه: أن مثل هذا التسخير لا يكون إلا بحكمته، ولو لم يكن هنالك بعث وعاقبة، لكان خلق الخلق وتسخير ما ذكر لعبا باطلا، وعلى ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ : المسخر ما في السماوات يحتمل: المطر والسحاب والشمس والقمر، ونحوه مما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع الأرض إلا بمنافع السماء.

أو الملائكة؛ لأنهم قد امتحنوا ببعض ما يقع بمنافع البشر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ .

ذكر عن ابن عباس أنه قال: "سألت رسول الله  فقلت: يا رسول الله، ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟

قال: أما ما ظهر - يا بن عباس - فالإسلام، وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليكم من الرزق، وأما ما بطن: ستر مساوي عملك فلم يفضحك بها" ، فإن ثبت الخبر فلا تقع الحاجة إلى غيره؛ فهو تأويل الآية، وإلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.

وجائز أن يكون النعمة الظاهرة هو ما ظهر من الحسن والطهارة.

وأما النعمة الباطنة: ما ستر من الأنجاس والعيوب والأقذار ما لو ظهر ذلك لم يدن منه أحد، لخبثه ونجاسته.

وبعضهم يقولون: الظاهرة باللسان، والباطنة بالقلب.

وقال مجاهد: الظاهرة: الإسلام والرزق، والباطنة: ما ستر من الذنوب والعيوب، وهو قريب مما ذكر في الخبر المرفوع والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

المجادلة في الله: يحتمل في توحيد الله، أو في الرسالة أنه أرسل أو لم يرسل؟

أو في البعث: أيبعث أو لا يبعث؟

ونحوه، أو يجادل في كتابه.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾ .

أسباب العلم ثلاثة: العقل، والسنة، والكتاب.

يتفكر وينظر بالعقل؛ فيعرف، وبيان السنة والكتاب يبين؛ فلم يكن مع الذين يجادلون رسول الله في الشيء من ذلك وخاصة أهل مكة: كانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب؛ فكأنه يقول: ومن الناس من يجادل في الله وهم يعلمون أنه ليس معه معقول ولا بيان من السنة والكتاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ؛ كأنه يقول لرسول الله: أن قل لهم: تتبعون آباءكم وتقلدونهم، وإن ظهر لكم وتبين أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وأنهم من أصحاب السعير، وتتبعون آثارهم مقتدين بهم وإن ظهر لكم وتبين أن الذي أدعوكم أنا إليه وجئتكم أهدى مما عليه آباؤكم؛ إذ تتبعون آباءكم وإن ظهر وتبين أن آباءكم كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟!

حتى إن قالوا: نعم، نتبعهم وإن كانوا كما ذكرت - فإنه يظهر ويبين عنادهم ومكابرتهم عند اتباعهم؛ حيث ظهر الحق لهم فلم يتبعوا، بل اتبعوا أهواءهم ويظهر كذبهم في قولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، أو في قولهم: إن آباءهم على ما هم عليه؛ بل في آبائهم من هو على خلاف ما هم عليه ونحوه.

وإن قالوا: لا نتبعهم إذا كانوا على ما ذكرت؛ فعند ذلك يقترن ويثبت عندهم بالحجج والبرهان.

وفيه دلالة: أن أهل الفترة يعذبون ويؤاخذون بتركهم الدين والشرائع؛ لأن هؤلاء الذين أخبر أنهم من أصحاب السعير هم أهل الفترة ما بين عيسى وبين محمد.

وأهل التأويل يقولون: أو[لو] كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.

ومحمد بن إسحاق يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض بوجهك عن فقراء الناس، أي: إذا كلموك و ﴿ مَرَحاً ﴾ ، أي: فخرا بالخيلاء والعظمة، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ، أي: بطر ومرح، فخور في نعم الله لا يأخذ بالشكر، ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ : رويدا، لا تختل في مشيك ولا تنظر حيث لا يحل، ﴿ وَٱغْضُضْ ﴾ ، أي: اخفض ﴿ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق، ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا فقال: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ لشدة صوتهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ : يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، ﴿ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: الجبال والأنهار والبحار فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً ﴾ : تسوية الخلق والرزق والإسلام، ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾ ، أي: ما ستر من الذنوب من ابن آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها، فهذا كله من النعم؛ فالحمد لله على ذلك حمداً كثيراً كما أصله.

وقال في قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ : في زعمه أن لله البنات، أي: الملائكة، ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ ، أي: لا بيان معه من الله بما يقول، ﴿ وَلاَ كِتَابٍ ﴾ : له فيه حجة.

وأصله ما ذكرنا: ﴿ يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ ﴾ من الوجوه التي ذكرنا: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ من جهة العقل، ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ أي: ولا بيان من جهة السنة، ﴿ وَلاَ كِتَابٍ ﴾ من الله فيه حجة له، وأسباب العلم هذه، فلم يكن له شيء مما ذكر، وبالله العصمة.

قال أبو عوسجة: المرح: النشاط، وهذا لا يكون إلا من الكبر؛ لأنه يتبختر، ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ ، أي: امش مشياً رفيقاً، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ أي: ارفق لا تصوت صوتاً شديداً، وهذا - أيضاً - من التبختر، ﴿ وَأَسْبَغَ ﴾ ، أي: أوسع، والسابغ: الواسع التام الطويل العريض.

وقال القتبي: الأصعر: مُعْرِض الوجه، [و]أنكر الأصوات: أقبحها، عرفه قبح رفع الصوت في المخاطبة.

وقوله: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: نفسه؛ كأنه قال: ومن يسلم نفسه لله، وجعلها سالمة له لم يجعل لأحد فيها شركا.

﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .

في عمله إلى نفسه، أي: لا يستعملها إلا في طاعة الله، وفيما أمر به، فإذا فعل ذلك، ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ ، أي: فقد استمسك بأوثق العرا وأثبتها؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا  ﴾ ، أي: فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ولا زوال؛ لأنها ثبتت بالحجج والبراهين، لا بالهوى؛ فكل شيء ثبت بالحجة والبرهان - فهو ثابت - أبدا لا زوال له ولا انقطاع، وكل شيء ثبت بالهوى؛ فهو يزول وينقطع عن قريب؛ لزوال الهوى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يسلم وجه أمره لله؛ فالوجه عبارة وكناية عن أمره، أي: يسلم أمره إلى الله ويفوضه إليه.

أو يكون كناية عن نفسه؛ فتأويله ما ذكر بدءاً.

وأهل التأويل يقولون: ﴿ يُسْلِمْ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: دينه لله، أي: يخلص دينه لله، كقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  ﴾ أي: لكل أهل دين ومذهب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا: وهو محسن إلى نفسه في عمله: لا يستعملها إلا فيما أمر بالاستعمال فيه، وهو طاعة الله لا يوقعها في المهالك.

أو هو محسن إلى الناس بالمعروف والبر.

أو محسن، أي: عالم؛ كما يقال: أحسن، أي: علم.

وبعض أهل التأويل يقول: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخلص عمله لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ، أي: مؤمن؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ ، وهو قول: ابن عباس ومقاتل، يقول: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يخلص دينه لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : في عمله، ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ : هو ما ذكرنا: أنه استمسك بأوثق العرا وأثبتها؛ لأنه إنما ثبت بالحجة والبرهان لا بالهوى والتمني، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: وإلى الله تدبير عاقبة الأمور وتقديرها، لا إلى الخلق.

والثاني: إلى من له التدبير والتقدير يرجع عاقبة الأمور.

أو أن يخص رجوع عاقبة الأمور والمصير والرجوع إليه والبروز له والخروج، وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا - أن المقصود من خلق هذا العالم - العالم الثاني، والمقصود من خلق الدنيا: الآخرة؛ إذ به يصير حكمة وحقا؛ فخص ذلك له وأضافه إليه كذلك.

أو يذكر ذلك؛ لما لا ينازع في ذلك اليوم وقد نوزع في هذه؛ ولذلك قال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ .

حزنا تتلف وتهلك فيه، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ على التخفيف عليه والتسلي، ليس على النهي، وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ على التخفيف عليه والتيسير، ليس على ترك الإشفاق والحزن عليهم؛ لأن رسول الله كادت نفسه تهلك؛ إشفاقاً عليهم وحزناً على كفرهم؛ فيخرج ذلك على التخفيف عليه والتسلي.

والثاني: قوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ : لا يحزنك تكذيبه إياك؛ فذكر كفره؛ لأنه بتكذيبه ما يصير كافرا وهو سبب كفره؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية [آل عمران: 176]: كان رسول الله يحزن ويهتم بتكذيبهم إياه فيما يقول ويخبر عن الله، فيقول: لا يحزنك تكذيبهم إياك؛ فإنهم إلينا يرجعون فنجزيهم ونكافئهم جزاء التكذيب.

والثالث: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ ، أي: فإن ضرر ذلك الكفر عليهم لا عليك؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، ونحوه من الآيات، يخبر رسوله ألا يحزن على كفر من كفر؛ فإن ضرر ذلك يلحقه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ﴾ .

هذا وعيد، أي: إلينا مرجعهم فننبئهم عما غفلوا عنه واختاروه في الدنيا، فيحفظونه ويتذكرون ما عملوا.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ﴾ ، أي: نجزيهم ونكافئهم جزاء أعمالهم ومكافأتهم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

أي: عالم بما كان منهم وما جزاؤهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ﴾ .

أي: في الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، على ما وصفه: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ  ﴾ ، أي: يتمتعون [و]يعمرون بذلك القليل.

﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .

يذكر هذا مقابل ما ذكر لأهل الجنة؛ حيث قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، فيخبر أن أهل النار يضطرون ويدفعون إلى النار، لا أنهم يدخلونها اختيارا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ .

وقوله: ﴿ غَلِيظٍ ﴾ جائز أن يكون كناية عن امتداده وطوله.

وجائز أن يكون كناية عن شدته وألمه أو جراحته؛ كقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ الآية [المؤمنون: 104].

وقيل: يغلط عليهم العذاب لوناً بعد لون، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي، قالوا: لا نتبعه، بل نتبع ما وجدنا عليه أسلافنا من عبادة آلهتنا، أيتبعون أسلافهم ولو كان الشيطان يدعوهم - بما يضلهم به من عبادة الأوثان - إلى عذاب السعير يوم القيامة؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.yyw1W"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله