الآية ٢٠ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢٠ من سورة لقمان

أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَـٰهِرَةًۭ وَبَاطِنَةًۭ ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَـٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منبها خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة ، بأنه سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم ، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد ، وجعله إياها لهم سقفا محفوظا ، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار .

وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإزاحة الشبه والعلل ، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم ، بل منهم من يجادل في الله ، أي : في توحيده وإرسال الرسل .

ومجادلته في ذلك بغير علم ، ولا مستند من حجة صحيحة ، ولا كتاب مأثور صحيح; ولهذا قال تعالى : ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) أي : مبين مضيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) يقول تعالى ذكره: (أَلَمْ تَرَوْا) أيها الناس (أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ) من شمس وقمر ونجم وسحاب (وَما فِي الأرْضِ) من دابة وشجر وماء وبحر وفلك، وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم، لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذّكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ).

&; 20-148 &; واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض المكيين وعامة الكوفيين: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً) على الواحدة، ووجهوا معناها إلى أنه الإسلام، أو إلى أنها شهادة أن لا إله إلا الله.

وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: (نِعَمَهُ) على الجماع، ووجَّهوا معنى ذلك، إلى أنها النعم التي سخرها الله للعباد مما في السموات والأرض، واستشهدوا لصحة قراءتهم ذلك كذلك بقوله: شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ قالوا: فهذا جمع النعم.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن النعمة قد تكون بمعنى الواحدة، ومعنى الجماع، وقد يدخل في الجماع الواحدة.

وقد قال جلّ ثناؤه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا فمعلوم أنه لم يعن بذلك نعمة واحدة.

وقال في موضع آخر: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ ، فجمعها، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ ذلك فمصيب.

ذكر بعض من قرأ ذلك على التوحيد، وفسَّره على ما ذكرنا عن قارئيه أنهم يفسرونه.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، قال: ثني مستور الهنائي، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قرأها: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً)وفسَّرها: الإسلام.

حُدثت عن الفراء قال: ثني شريك بن عبد الله، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ: (نِعْمَةً) واحدة.

قال: ولو كانت (نِعْمَهُ)، لكانت نعمة دون نعمة، أو نعمة فوق نعمة " الشكّ من الفراء ".

حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حميد، قال: قرأ مجاهد: (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً) قال: لا إله إلا الله.

حدثني العباس بن أبي طالب، قال: ثنا ابن أبي بكير، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً) قال: كان يقول: هي لا إله إلا الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد (وأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ ظَاهِرَةً وَباطِنةً) قال: لا إله إلا الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُيينة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: &; 20-149 &; لا إله إلا الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عيسى، عن قَيْس، عن ابن عباس (نِعَمَةً ظاهِرَةً وَباطِنَةً) قال: لا إله إلا الله.

وقوله: (ظاهِرَةً) يقول: ظاهرة على الألسن قولا وعلى الأبدان وجوارح الجسد عملا.

وقوله: (وَباطِنَةً) يقول: وباطنة في القلوب، اعتقادا ومعرفة.

وقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى ) يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له (بِغَيرِ عِلْمٍ) عنده بما يخاصم، (وَلا هُدًى): يقول: ولا بيان يبين به صحة ما يقول ( وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ) يقول: ولا بتنـزيل من الله جاء بما يدعي، يبين حقية دعواه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ) ليس معه من الله برهان ولا كتاب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ذكر نعمه على بني آدم ، وأنه سخر لهم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم منافعهم .

وما في الأرض عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى .

وأسبغ عليكم نعمه أي أكملها وأتمها .

وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة : ( وأصبغ ) بالصاد على بدلها من السين ; لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا .

والنعم : جمع نعمة كسدرة وسدر ( بفتح الدال ) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص .

الباقون : ( نعمة ) على الإفراد ; والإفراد يدل على الكثرة ; كقوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .

وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح .

وقيل : إن معناها الإسلام ; قال [ ص: 69 ] النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية : الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك ، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك .

قال النحاس : وشرح هذا أن سعيد بن جبير قال في قول الله عز وجل : ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم قال : يدخلكم الجنة .

وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن يدخله الجنة ، فكذا لما كان الإسلام يئول أمره إلى الجنة سمي نعمة .

وقيل : الظاهرة الصحة وكمال الخلق ، والباطنة المعرفة والعقل .

وقال المحاسبي : الظاهرة نعم الدنيا ، والباطنة نعم العقبى .

وقيل : الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات ، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات .

وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة ، كلها ترجع إلى هذا .قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله تقدم معناها في ( الحج ) وغيرها .

نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، أخبرني عن ربك ، من أي شيء هو ؟

فجاءت صاعقة فأخذته ; قاله مجاهد .

وقد مضى هذا في ( الرعد ) .

وقيل : إنها نزلت في النضر بن الحارث ، كان يقول : إن الملائكة بنات الله ; قاله ابن عباس .

( يجادل ) : يخاصم بغير علم أي بغير حجة ولا هدى ولا كتاب منير أي نير بين ; إلا الشيطان فيما يلقي إليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يمتن تعالى على عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها; وعدم الغفلة عنها فقال: { أَلَمْ تَرَوْا } أي: تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم وقلوبكم، { أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ } من الشمس والقمر والنجوم، كلها مسخرات لنفع العباد.{ وَمَا فِي الْأَرْضِ } من الحيوانات والأشجار والزروع، والأنهار والمعادن ونحوها كما قال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ } أي: عمّكم وغمركم نعمه الظاهرة والباطنة التي نعلم بها; والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين، حصول المنافع، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم; بمحبة المنعم والخضوع له; وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته.{ و } لكن مع توالي هذه النعم; { مِنَ النَّاسِ مَنْ } لم يشكرها; بل كفرها; وكفر بمن أنعم بها; وجحد الحق الذي أنزل به كتبه; وأرسل به رسله، فجعل { يُجَادِلُ فِي اللَّهِ } أي: يجادل عن الباطل; ليدحض به الحق; ويدفع به ما جاء به الرسول من الأمر بعبادة اللّه وحده، وهذا المجادل على غير بصيرة، فليس جداله عن علم، فيترك وشأنه، ويسمح له في الكلام { وَلَا هُدًى } يقتدي به بالمهتدين { وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [غير مبين للحق فلا معقول ولا منقول ولا اقتداء بالمهتدين] وإنما جداله في اللّه مبني على تقليد آباء غير مهتدين، بل ضالين مضلين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم ) أتم وأكمل ) ( نعمه ) قرأ أهل المدينة ، وأبو عمرو ، وحفص : " نعمه " بفتح العين وضم الهاء على الجمع ، وقرأ الآخرون منونة على الواحد ، ومعناها الجمع أيضا كقوله : " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ( إبراهيم - 14 ) ( ظاهرة وباطنة ) قال عكرمة عن ابن عباس : النعمة الظاهرة : الإسلام والقرآن ، والباطنة : ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة وقال الضحاك : الظاهرة : حسن الصورة وتسوية الأعضاء ، والباطنة : المعرفة .

وقال مقاتل : الظاهرة : تسوية الخلق ، والرزق ، والإسلام .

والباطنة : ما ستر من الذنوب .

وقال الربيع : الظاهرة بالجوارح ، والباطنة : بالقلب .

وقيل : الظاهرة : الإقرار باللسان ، والباطنة : الاعتقاد بالقلب .

وقيل : الظاهرة : تمام الرزق والباطنة : حسن الخلق .

وقال عطاء : الظاهرة : تخفيف الشرائع ، والباطنة : الشفاعة .

وقال مجاهد : الظاهرة : ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ، والباطنة : الإمداد بالملائكة .

وقيل : الظاهرة : الإمداد بالملائكة ، والباطنة : إلقاء الرعب في قلوب الكفار .

وقال سهل بن عبد الله : الظاهرة : اتباع الرسول ، والباطنة : محبته .

( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) نزلت في النضر بن الحارث ، وأبي بن خلف ، وأمية بن خلف ، وأشباههم كانوا يجادلون النبي - صلى الله عليه وسلم - في الله وفي صفاته بغير علم ( ولا هدى ولا كتاب منير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تروْا» تعلموا يا مخاطبين «أن الله سخَّر لكم ما في السموات» من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها «وما في الأرض» من الثمار والأنهار والدواب «وأسبغ» أوسع وأتمَّ «عليكم نعمه ظاهرةً» وهي حسن الصورة وتسوية الأعضاء وغير ذلك «وباطنةً» هي المعرفة وغيرها «ومن الناس» أي أهل مكة «من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً» من رسول «ولا كتاب منير» أنزله الله، بل بالتقليد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تروا- أيها الناس- أن الله ذلَّل لكم ما في السموات من الشمس والقمر والسحاب وغير ذلك، وما في الأرض من الدوابِّ والشجر والماء، وغير ذلك مما لا يحصى، وعمَّكم بنعمه الظاهرة على الأبدان والجوارح، والباطنة في العقول والقلوب، وما ادَّخره لكم مما لا تعلمونه؟

ومن الناس مَن يجادل في توحيد الله وإخلاص العبادة له بغير حجة ولا بيان، ولا كتاب مبين يبيِّن حقيقة دعواه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التى أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله .

.

.

عَذَابِ السعير ) .والخطاب فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق .وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإِعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به .والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده .

أى : لقد رأيتم - أيها الناس - وشاهدتم أن الله - تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما فى السماوات من شمس وقمر ونجوم .

.

وما فى الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال .

.

وما دام الأمر كذلك فاشكروا الله - تعالى - على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة .وقوله - تعالى - : ( وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) معطوف على ما قبله .وقوله : ( وَأَسْبَغَ ) بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه : وهى ما ينتفع به الإِنسان ويستلذه من الحلال .والنعمة الظاهرة : هى النعمة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة والمال ، والجاه ، وما شبه ذلك ما يراه الإِنسان ويشاهده .والنعمة الباطنة : هى النعمة الخفية الى يجد الإِنسان أثرها فى نفسه دون أن يراها .

كنعمة الإِيمان بالله - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل - ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن رذائلها وسفسافها .وفى تفسير النعم الظاهرة والباطنة أقوال أخرى ، نرى أن ما ذكرناه أوجهها وأجمعها .ثم بين - سبحانه - ما عليه بعض الناس من جدال بالباطل فقال : ( وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) .وقوله : ( يُجَادِلُ ) من الجدال بمعنى المفاوضة على سبيل المخاصمة والمنازعة والمغالبة .

مأخوذ من جدلت الحبل ، إذا أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يحول كل واحد منهما أن يقوى رأيه ، ويضعف رأى صاحبه .والمراد من المجادلة فى الله : المجادلة فى ذاته وصفاته وتشريعاته .

.وقوله : ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) حال من الفاعل فى ( يُجَادِلُ ) ، وهى حال موضحة لما تشعر به المجادلة هنا من الجهل والعناد .

أى : ومن الناس قوم استولى عليهم الجهل والعناد ، لأنهم يجادلون ونازعون فى ذات الله ، وفى صفاته ، وفى وحيه ، وفى تشريعاته .

.

بغير مستند من عمل عقلى أو نقلى ، وبغير " هدى " يهديه ويرشديه إلى الحق ، وبغير ( كِتَابٍ مُّنِيرٍ ) أى : وبغير وحى ينير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جردت هذا المجادل ، من أى مستند يستند إليه فى جداله ، سواء أكان هذا المستند عقليا أم نقليا ، بل أثبتت له الجهالة من كل الجهات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما استدل بقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله، فضلاً عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي.

وذكر بعض النعم بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء  ﴾ ذكر بعده عامة النعم فقال: ﴿ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السموات ﴾ أي سخر لأجلكم ما في السموات، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده، وسخر ما في الأرض لأجل عباده، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة ﴾ وهي ما في الأعضاء من السلامة ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾ وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة، ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم، وكذلك كل عضو، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائماً، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يكون إشارة إلى النعم الآفاقية، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً ﴾ يكون إشارة إلى النعم الأنفسية، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب التفاسير، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولاً منقولاً، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغاً معقولاً.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله ﴾ يعني لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره، إما إلهاً أو منعماً ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي، فقال تعالى: ﴿ يجادل ﴾ ذلك المجادل لا من علم واضح، ولا من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علماً كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ  ﴾ والثاني: إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى  ﴾ والثالث: إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى: ﴿ الٓمٓ  ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ وقال في هذه السورة: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ وقال في السجدة (23): ﴿ وَلقد ءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل ﴾ فالكتاب هدى لقوم النبي عليه السلام، والنبي هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح الأمين، فقال تعالى: يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفاً، ولا بهدى أرسلناه إليه وحياً، ولا بكتاب يتلى عليه وعظاً.

ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال في الكتاب: ﴿ وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف، فلو قال ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب، فإن بعض ما يقولون فهو في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم، فقال: ﴿ وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ فإن ذلك الكتاب مظلم، ولما لم يحتمل في المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا فِي السماوات ﴾ الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك ﴿ وَمَا فِي الأرض ﴾ البحار والأنهار والمعادن والدواب وما لا يحصى ﴿ وَأَسْبَغَ ﴾ وقرئ بالسين والصاد، وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف، تقول في سلخ، صلخ، وفي سقر: صقر، وفي سالغ صالغ وقرئ: ﴿ نعمه ﴾ .

﴿ ونعمة ﴾ ، ﴿ ونعمته ﴾ .

فإن قلت: ما النعمة؟

قلت: كل نفع قصد به الإحسان، والله تعالى خلق العالم كله نعمة؛ لأنه إما حيوان، وإما غير حيوان.

فما ليس بحيوان نعمة على الحيوان، والحيوان نعمة من حيث أنّ إيجاده حياً نعمة عليه.

لأنه لولا إيجاده حياً لما صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى الانتفاع وصححه فهو نعمة.

فإن قلت: لم كان خلق العالم مقصوداً به الإحسان؟

قلت: لأنه لا يخلقه إلا لغرض، وإلا كان عبثاً، والعبث لا يجوز عليه ولا يجوز أن يكون لغرض راجع إليه من نفع؛ لأنه غني غير محتاج إلى المنافع، فلم يبق إلا أن يكون لغرض يرجع إلى الحيوان وهو نفعه.

فإن قلت: فما معنى الظاهرة والباطنة؟

قلت: الظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلاً، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها ولا يهتدي إلى العلم بها، وقد أكثروا في ذلك: فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء، والباطنة: الأمداد من الملائكة.

وعن الحسن رضي الله عنه: الظاهرة: الإسلام.

والباطنة الستر.

وعن الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة.

وتسوية الأعضاء.

والباطنة: المعرفة.

وقيل: الظاهرة البصر، والسمع، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة.

والباطنة: القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك.

ويروى في دعاء موسى عليه السلام: إلهي، دلني على أخفى نعمتك على عبادك؛ فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس.

ويروى: أن أيسر ما يعذب به أهل النار: الأخذ بالأنفاس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أسْبابًا مُحَصِّلَةً لِمَنافِعِكم.

﴿ وَما في الأرْضِ ﴾ بِأنْ مَكَّنَكم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِوَسَطٍ أوْ غَيْرِ وسَطٍ ﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً ما تَعْرِفُونَهُ وما لا تَعْرِفُونَهُ وقَدْ مَرَّ شَرْحُ النِّعْمَةِ وتَفْصِيلُها في الفاتِحَةِ، وقُرِئَ «وَأصْبَغَ» بِالإبْدالِ وهو جارٍ في كُلِّ سِينٍ اجْتَمَعَ مِنَ الغَيْنِ أوِ الخاءِ أوِ القافِ كَصَلَخَ وصَقَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ ( نِعَمَهُ ) بِالجَمْعِ والإضافَةِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُسْتَفادٍ مِن دَلِيلٍ.

﴿ وَلا هُدًى ﴾ راجِعٍ إلى رَسُولٍ.

﴿ وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ بَلْ بِالتَّقْلِيدِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات} يعني الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك {وَمَا فِى الأرض} يعني البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ذلك {وَأَسْبَغَ} وأتم {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} مدني وأبو عمرو وسهل وحفص نعمته وغيرهم والنعمة كل نفع قصد به الإحسان {ظاهرة} بالمشاهدة {وَبَاطِنَةً} ما لا يعلم إلا بدليل ثم قيل الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك ويروى في دعاء موسى عليه السلام إلهي دلني على أخفى نعمتك على عبادك فقال أخفى تعمتى عليهم النفس وقبل تخفيف الشرائع وتضعيف الذرائع والخلق والخلق ونيل العطايا وصرف البلايا وقبول الخلق ورضا الرب وقال ابن عباس

الظاهرة ما سوى

لقمان (٢٦ - ٢٠)

من خلقك والباطنة ما ستر من عيوبك {ومِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ} نزلت فى النضر بن الجرث وقد مر في الحج

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ رُجُوعٌ إلى سُنَنِ ما سَلَفَ قَبْلَ قِصَّةِ لُقْمانَ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ، وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والتَّسْخِيرِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ: سِياقَةُ الشَّيْءِ إلى الغَرَضِ المُخْتَصِّ بِهِ قَهْرًا، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ المُرادُ بِهِ إمّا جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْفَعُ المُسَخَّرَ لَهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، ويَسْتَعْمِلُهُ كَيْفَ يُرِيدُ كَعامَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْياءِ المُسَخَّرَةِ لِلْإنْسانِ المُسْتَعْمَلَةِ لَهُ مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ مُرادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في اسْتِعْمالِهِ كَجَمِيعِ ما في السَّماواتِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُ العِبادِ مَعاشًا أوْ مَعادًا، وأمّا جَعْلُهُ مُنْقادًا لِلْأمْرِ مُذَلَّلًا عَلى أنَّ مَعْنى ( لَكم ) لِأجْلِكم فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكائِناتِ مُسَخَّرَةٌ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، وما يَسْتَعْمِلُهُ الإنْسانُ حَسْبَما يَشاءُ، وإنْ كانَ مُسَخَّرًا لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿ وأسْبَغَ ﴾ أيْ أتَمَّ، وأوْسَعَ ﴿ عَلَيْكم نِعَمَهُ ﴾ جَمْعُ نِعْمَةٍ وهي في الأصْلِ الحالَةُ المُسْتَلَذَّةُ، فَإنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ لِلْهَيْئَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيما يُلائِمُ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِتِلْكَ الحالَةِ إطْلاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هي ما يُنْتَفَعُ بِهِ ويُسْتَلَذُّ، ومِنهم مَن زادَ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى هَذِهِ الزِّيادَةِ لِأنَّ اللَّذَّةَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أمْرٌ تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كافِرٍ نِعْمَةٌ، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الإمامِ أنَّهُ قالَ: النِّعْمَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المَفْعُولَةِ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: المَنفَعَةُ الحَسَنَةُ المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ قالُوا: وإنَّما زِدْنا قَيْدَ الحَسَنَةِ، لِأنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، وإذا كانَتْ قَبِيحَةً لا يُسْتَحَقُّ بِها الشُّكْرُ، والحَقُّ أنَّ هَذا القَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقَّ الشُّكْرُ بِالإحْسانِ، وإنْ كانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأنَّ جِهَةَ الشُّكْرِ كَوْنُهُ إحْسانًا، وجِهَةَ اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ والعِقابِ الحَظْرُ، فَأيُّ امْتِناعٍ في اجْتِماعِهِما، ألا تَرى أنَّ الفاسِقَ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ لِإنْعامِهِ، والذَّمَّ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ ها هُنا كَذَلِكَ، أمّا قَوْلُنا: المَنفَعَةُ، فَلِأنَّ المَضَرَّةَ المَحْضَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً، وقَوْلُنا: المَفْعُولَةُ عَلى جِهَةِ الإحْسانِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ نَفْعًا، وقَصَدَ الفاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ، لا نَفْعَ المَفْعُولِ بِهِ، لا يَكُونُ نِعْمَةً، وذَلِكَ كَمَن أحْسَنَ إلى جارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْها اهـ، ويُعْلَمُ مِنهُ حُكْمُ زِيادَةِ ويُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ أيْ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً مَعْرُوفَةً لَكُمْ، وغَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ ظُهُورُ الإسْلامِ، والنُّصْرَةُ عَلى الأعْداءِ، والباطِنَةُ الإمْدادُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الظّاهِرَةُ حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ، والباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ البَصَرُ والسَّمْعُ واللِّسانُ وسائِرُ الجَوارِحِ، والباطِنَةُ القَلْبُ والعَقْلُ والفَهْمُ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نِعَمُ الدُّنْيا والباطِنَةُ نِعَمُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: الظّاهِرَةُ نَحْوُ إرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّوْفِيقِ لِقَبُولِ الإسْلامِ، والإتْيانِ بِهِ، والثَّباتِ عَلى قَدَمِ الصِّدْقِ، ولُزُومِ العُبُودِيَّةِ، والباطِنَةُ ما أصابَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ مِن رَشاشِ نُورِ النُّورِ، وأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ، ثُمَّ يَنْسَكِبُ.

ونَقَلَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الظّاهِرَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما جاءَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَوْحِيدِهِ، والباطِنَةُ وِلايَتُنا أهْلَ البَيْتِ، وعَقْدُ مَوَدَّتِنا، والتَّعْمِيمُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، لَكِنْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: «سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ قالَ: هَذِهِ مِن كُنُوزِ عِلْمِي، سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فَما سَوّى مِن خَلْقِكَ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن عَوْرَتِكَ، ولَوْ أبْداها لَقَلاكَ أهْلُكَ فَمَن سِواهم».

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسْبَغَ ﴾ إلَخْ، قالَ: أمّا الظّاهِرَةُ فالإسْلامُ وما سَوّى مِن خَلْقِكَ وما أسْبَغَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، وأمّا الباطِنَةُ فَما سَتَرَ مِن مَساوِئِ عَمَلِكَ».

فَإنْ صَحَّ ما ذُكِرَ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلى التَّعْمِيمِ، إلّا أنْ يُقالَ: الغَرَضُ مِن تَفْسِيرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما فَسَّرْنا بِهِ التَّمْثِيلُ وهو الظّاهِرُ، لا التَّخْصِيصُ، وإلّا لَتَعارَضَ الخَبَرانِ.

ثُمَّ إنَّ ظاهِرُ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأوَّلِ بِما سَتَرَ مِنَ العَوْرَةِ، وفي الثّانِي بِما سَتَرَ مِن مَساوِئِ العَمَلِ، نِعْمَةً، ولَمْ نَرَ في كَلامِهِمُ التَّصْرِيحَ بِإطْلاقِها عَلَيْهِ، ويَلْزَمُهُ أنَّ مَن كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ النِّعْمَةَ الباطِنَةَ هي سَتْرُ ما سُتِرَ مِنَ العَوْرَةِ ومَساوِئِ العَمَلِ، ولَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى وُضُوحِ الأمْرِ، وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ظاهِرَةً ) الإسْلامُ، ( وباطِنَةً ) سَتْرُهُ تَعالى عَلَيْكُمُ المَعاصِيَ، بَلْ جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ الثّانِي: وأمّا ما بَطَنَ فَسَتْرُ مَساوِئِ عَمَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ما) في ما سَتَرَ في الخَبَرَيْنِ مَصْدَرِيَّةً، ومِن صِلَةُ سَتَرَ، لا بَيانٌ لِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ عُمارَةَ (وأصْبَغَ) بِالصّادِّ، وهي لُغَةُ بَنِي كَلْبٍ، يُبْدِلُونَ مِنَ السِّينِ إذا اجْتَمَعَتْ مَعَ أحَدِ الحُرُوفِ المُسْتَعْلِيَةِ الغَيْنُ والخاءُ والقافُ صادًا فَيَقُولُونَ في سَلَخَ صَلَخَ، وفي سَقَرَ صَقَرَ، وفي سائِغٍ صائِغٍ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُما فاصِلٌ وأنْ لا يَفْصِلَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ أنْ تَتَقَدَّمَ السِّينُ عَلى أحَدِ تِلْكَ الأحْرُفِ وأنْ تَتَأخَّرَ، واشْتَرَطَ آخَرُ تَقَدُّمَ السِّينِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ إبْدالٌ مُطَّرِدٌ.

وقَرَأ بَعْضُ السَّبْعَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نِعْمَةً» بِالإفْرادِ، وقُرِئَ «نِعْمَتَهُ» بِالإفْرادِ والإضافَةِ، ووَجْهُ الإفْرادِ بِإرادَةِ الجِنْسِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ «نِعْمَةً» فَعَلى مَعْنى ما أعْطاهم مِنَ التَّوْحِيدِ، ومَن قَرَأ (نِعَمَهُ) بِالجَمْعِ فَعَلى جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى، ونَصْبُ ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ في قِراءَةِ التَّعْرِيفِ عَلى الحالِيَّةِ، وفي قِراءَةِ التَّنْكِيرِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ ﴾ مِنَ الجِدالِ، وهو المُفاوَضَةُ عَلى سَبِيلِ المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ، وأصْلُهُ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ، أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ، كانَ المُتَجادِلَيْنِ يَفْتِلُ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ عَنْ رَأْيِهِ، وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ، وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِهِ تَعالى فِيما قِيلَ، أيْ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحالُ مِنَ النّاسِ مَن يُنازِعُ ويُخاصِمُ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأُبَيِّ ابْنِ خَلَفٍ كانا يُجادِلانِ النَّبِيَّ  ﴿ فِي اللَّهِ ﴾ أيْ في تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وحْدَتَهُ سُبْحانَهُ وعُمُومَ قُدْرَتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وشُمُولَها لِلْبَعْثِ، ولَمْ يَقُلْ فِيهِ بَدَلٌ في اللَّهِ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ﴾ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الجِدالِ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُسْتَفادٌ مِن دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ ﴿ ولا هُدًى ﴾ راجِعٌ إلى رَسُولٍ مَأْخُوذٍ مِنهُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الهُدى نَفْسَ الرَّسُولِ مُبالَغَةً، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿ ولا كِتابٍ ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى ﴿ مُنِيرٍ ﴾ أيْ ذِي نُورٍ، والمُرادُ بِهِ واضِحُ الدِّلالَةِ عَلى المَقْصُودِ، وقِيلَ: مُنْقِذٌ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ بَلْ يُجادِلُونَ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقال مجاهد: يعني: أعطينا لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة.

ويقال أيضاً: الحكمة والعقل والإصابة في القول.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إلاَّ أَثْبَتَ الله تَعَالَى الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَعُيُوبَ نَفْسِهِ.

وَإذَا رَأيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاقْتَرِبُوا إلَيْهِ فَاسْتَمِعُوا مِنْهُ، فإنه يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .

وقال السدي: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني: النبوة.

وعن عكرمة قال: كان لقمان نبياً.

وعن وهب بن منبه قال: كان لقمان رجلاً حكيماً، ولم يكن نبياً.

وروي عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً.

ويقال: إن أول ما ظهرت حكمته أن مولاه قال له يوماً: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.

ثم قال: أخرج أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.

ثم مكث ما شاء الله.

ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.

فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.

فسأله عن ذلك فقال لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خُيِّرَ بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.

قال: فبينما كان يعظ الناس يوماً وهم مجتمعون عليه، إذ مرّ به عظيم من عظماء بني إسرائيل.

فقال: ما هذه الجماعة؟

فقيل له: جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم.

فأقبل إليه.

فقال له: ألست عبد بني فلان؟

فقال: نعم.

فقال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟

فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني.

فانصرف عنه متعجباً وتركه.

ثم قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني: حكماً من أحكام الله أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ويقال: معناه وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقلنا له: اشكر لله بما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: ثواب الشكر لنفسه وَمَنْ كَفَرَ أي: جحد فلا يوحّد ربه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ خلقه وعن شكرهم حَمِيدٌ في فعاله وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ قال مقاتل: كان اسم ابنه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ ويقال: معناه قال لابنه واعظا يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ يعني: ذنب عظيم لا يغفر أبداً، وكان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما.

وقال مقاتل: زعموا أنه كان ابن خالة أيوب.

وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار: أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه، قال: ما فعل أبي؟

قال: مات.

فقال: ملكت أمري.

قال: وما فعلت أمي؟

قال: قد ماتت.

قال: ذهب همي.

قال: فما فعلت أختي؟

قال: ماتت فقال: سترت عورتي.

قال: فما فعلت امرأتي؟

قال: قد ماتت.

فقال: جدد فراشي.

قال: فما فعل أخي؟

قال: مات.

قال: انقطع ظهري.

وفي رواية أُخرى قال: ما فعل أخي؟

قال: مات.

فقال: انكسر جناحي.

ثم قال: فما فعل ابني؟

قال: مات.

فقال: انصدع قلبي.

وقال وهب بن منبه كان لقمان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل في زمن داود-  -، فاشتراه، فأعتقه وكان حبشياً أسود، غليظ الشفتين والمنخرين، غليظ العضدين والساقين، وكان رجلاً صالحاً أبيض القلب، وليس يصطفي الله عز وجل عباده على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم.

قرأ عامر في رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين: يا بُنَيَّ بالنصب.

وقرأ الباقون: بالكسر وقد ذكرناه.

ثم قال عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ فكأنه يقول: آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئاً، وآمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يعني: أمرناه بالإحسان بِوالِدَيْهِ.

ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر الولد من الشدة فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ يعني: ضعفاً على ضعف، لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها.

فكلما ازداد الحمل يزيدها ضعفاً على ضعف وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ يعني: فطامه بعد سنتين من وقت الولادة أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ يعني: وصّيناه وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام، واشكر لوالديك بما فعله إليك إِلَيَّ الْمَصِيرُ فأجازيك بعملك.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.

يعني: أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة، فلا يجوز للولد أن يطيعهما في المعصية.

فقال: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.

ويقال: وإن أرادك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة بأن معي شريكاً فَلا تُطِعْهُما في الشرك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يعني: عاشرهما في الدنيا معروفاً بالإحسان، وإنما سمي الإحسان معروفاً لأنه يعرفه كل واحد.

قال وروي عن النبي  أنه قال: «حُسْنَ المُصَاحَبَةِ أنْ يُطْعِمَهُمَا إذا جَاعَا، وَأَنْ يَكْسُوَهُمَا إذا عَرِيَا» .

ثم قال: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة.

ثم استأنف فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة.

وقال بعضهم: إنما أتمّ الكلام عند قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: دين من أقبل على الطاعة.

ثم استأنف الكلام فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ تكراراً على وجه التأكيد فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: فأجازيكم بها.

ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ قال مقاتل: وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى.

فرد عليه لقمان وقال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ يعني: وزن خردلة فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أي: الصخرة التي هي أسفل الأرضين.

وقال بعضهم: أراد بها كل صخرة، لأنه قال بلفظ النكرة.

يعني: ما في جوف الصخرة الصماء.

وقال مقاتل: هي الصخرة التي في أسفل الأرض، وهي خضراء مجوفة.

ثم قال: أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يجازي بها الله.

أي: يعطيه ثوابها.

ويقال: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ عند الميزان، فيجازيه بها.

ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يعطيه ثوابها عز وجل كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) [الزلزلة: 7] يعني: يرى ثوابه.

قرأ نافع مثقال بضم الام.

وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن.

ومن قرأ بالنصب جعله خبراً.

والاسم فيه مضمر ومعناه: إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة.

وإنما قال: إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة.

فكان المعنى للحبة.

وقيل: أراد به الخطيئة.

ومن قرأ: بالضم جعله اسم تكن.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يعني: لطيف باستخراج تلك الحبة، خبير بمكانها.

وقال أهل اللغة: اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء.

يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن: لطيف.

وللشيء الصغير لطيف.

ويقال للمشفق: لطيف.

ثم قال عز وجل: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ يعني: أتمّ الصلاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: التوحيد.

ويقال: أظهر العدل وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، ولا معروف في العقل وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ يعني: إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر، فأصابك من ذلك ذلّ أو هوان أو شدة، فاصبر على ذلك ف إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني: من حق الأمور.

ويقال: من واجب الأمور.

وصارت هذه الآية بياناً لهذه الأمة، وإذناً لهم، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك، إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى، لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل.

ثم قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: وَلا تُصَعِّرْ بالتشديد بغير ألف.

وقرأ الباقون: ولا تصاعر بالألف والتخفيف.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

يقال: صعر خده وصاعره ومعناهما: الإعراض على جهة الكبر.

يعني: لا تعرض بوجهك عن الناس متكبراً.

وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين، وهكذا قال الكلبي.

وقال العتبي: أصله الميل.

ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين.

ويقال: معناه لا تكلم أحداً وأنت معرض عنه، فإن ذلك من الجفاء والإذاء.

ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: لا تمشي بالخيلاء، والمرح والبطر والأشر كله واحد، وهو أن يعظم نفسه في النعم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: مختالاً في مشيته، فخوراً في نعم الله عز وجل.

وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ يعني: تواضع لله تعالى في المشي، ولا تختل في مشيتك.

ويقال: أسرع في مشيتك، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء.

وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يعني: اخفض.

ومن صلة في الكلام اخفض كلامك، ولا تكن سفيهاً.

ثم ضرب للصوت الوضيع مثلاً فقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعني: أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لشدة أصواتها.

وإنما ذكر صوت الحمير، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان.

وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد لأهل مكة: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ذلل لكم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كل ذلك من الله تعالى.

يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فالظاهرة التي يراها الناس، والباطنة ما غاب عن الناس.

ويقال: النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب.

وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق.

والباطنة: تستر عن العيون.

عن ابن عباس قال: سألت النبيّ  عن قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: «الظَّاهِرَةُ الإسْلامُ، وَالبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ سَوْأَتَكَ» .

قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: نِعَمَهُ بنصب العين وميم، وضم الهاء.

وقرأ الباقون: نِعَمَهُ بجزم العين ونصب الهاء والميم.

فمن قرأ نِعَمَهُ بالجزم فهي نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده.

ومن قرأ: نِعَمَهُ فهو على معنى جميع ما أنعم الله عز وجل عليهم.

ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وهو النضر بن الحارث وَلا هُدىً أي: بغير بيان من الله عز وجل وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي: مضيئا فيه حجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان قد رعى معه الغنم-: مَا بَلَغَ بِكَ يا لقمان مَا أرى؟

قَالَ: صِدْقُ الحديثِ، وأداءُ الأَمانةِ، وتركِي ما لا يعنيني، وحِكَمُ لُقْمَانَ كثيرةٌ مأثُورَة.

قال ابن العربي في «أحكامه «١» » : ورَوَى عُلماؤُنا عن مالكِ قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إنَّ الناسَ قد تطاوَلَ عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرةِ سِراعاً يذهبون، وإنك قد اسْتَدْبَرْت الدنيا مذ كنت، واستقبلت الآخرة مع أَنْفَاسِك، وإن داراً ستسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها، انتهى.

وقوله: أَنِ اشْكُرْ يجوز أن تكونَ «أنْ» في مَوضعِ نصب على إسقاط حرف الجر، أي: بأنِ اشْكُرْ للَّهِ ويجوز أن تكونَ مفسِّرَةً، أي: كانت حكمتُه دائرة على الشكر للَّه، وجميع العبادات داخلةٌ في الشكر لله عز وجل، وحَمِيدٌ بمعنى: محمود، أي: هو مستحق ذلك بذاته وصفاته.

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)

وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان ووَهْناً عَلى وَهْنٍ معناه ضعفاً على ضعف، كأنه قال: حملته أمه، والضَّعْفُ يتزيد بعد الضَّعْفِ إلى أن ينقضي أمده.

وقال ص: وَهْناً عَلى وَهْنٍ حالٌ من أمه أي شدة بعد شدة، أَوْ جَهْداً على جَهْدِ، وقيل وَهْناً نطفةٌ، ثم علقةٌ، فيكونُ حالاً من الضمير المنصوب في جملته.

انتهى.

وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ.

٦٨ أقال سفيان بن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمسَ فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما.

وقوله سبحانه: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ...

الآية رُوِي أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سَعْدِ بن أبي وقاص وأمه حَمْنَة بنْتِ أبي سفيانَ، على ما تقدم بيانُه، وجملةُ هذا البابِ أن طاعةَ الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ، ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحاتِ وتستحسن في ترك الطاعات الندب.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ وصيةٌ لجميع العالم.

وهذه سبيل الأنبياء والصالحين.

وقوله تعالى- حاكياً عن لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ...

الآية: ذكرَ كثيرٌ من المفسرين: إنه أراد مثقال حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجيةٌ وتَخْويفٌ منضاف إلى تَبْيِينِ قدرة الله تعالى.

وقوله: وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ يَقْتَضِي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذي أحياناً.

وقوله: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يحتمل أن يُرِيْدَ مما عزمه اللهُ وأمَرَ بهِ، قاله ابن جريج «١» : ويحتمل أن يريدَ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكينَ طريقَ النجاةِ قاله جماعة.

والصَّعَرُ: الميل، فمعنى الآية: ولا تُمِلْ خَدَّك للناس كِبْراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم قاله ابن عباس «٢» وجماعة.

وعبارة البخاري: ولا تصاعر، أي: لا تعرض، والتَّصَاعُر: الإعْرَاضُ بالوجه انتهى.

والمَرَحُ: النَّشَاط، والمشي مَرَحَا:

هو في غير شُغْل، ولغير حاجة، وأهل هذه الخُلُقِ ملازمون للفخر والخُيَلاَءِ، فالمَرِحُ مختالُ في مَشيه، وقد ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيدٌ شديدٌ يطول بنا سرده.

قال عيَاضٌ: كان أبو إسحاقَ الجبنياني قَلَّ ما يتركُ ثَلاَثَ كَلِماتٍ وفيهن الخيرُ كلُّه:

اتَّبِعْ وَلاَ تَبْتَدِعْ، اتضع وَلاَ تَرْتَفِعْ، مَنْ وَرِعَ لا يَتَّسِعْ، انتهى.

وغضُّ الصوتِ أوقرُ للمتكلم وأبسطُ لنفس السامع وفهمِه، ثم عَارَضَ ممثلاً بصوت الحَمِير على جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بَعُدت عن الغَض فهِي أنكَرُ الأصوات، فكذلك ما بعُد عن الغَضِّ من أصوات البشر فهو في طريقِ تلك، وفي الحديث: «إذَا سِمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطاناً» .

وقال سفيانُ الثوري: صياح كل شيءٍ تسبيحٌ إلا صياحُ الحمير.

ت: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فاسألوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَنَّهُ رأى شَيْطَاناً» «١» ، رواه الجماعَة إلا ابن ماجَهْ.

وفي لفظ النسائي: «إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ تَصِيحُ بِاللَّيْلِ» ، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإنَّهَا ترى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَقِلُّوا الخُرُوجَ إذَا جَدَّتْ فَإنَّ اللهَ يَبُثُّ في لَيْلِهِ مِنْ خلقه ما يشاء» «٢» .

رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «المستدرك» .

واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ انتهى من «السلاح» .

٦٨ ب/ وقوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً.

قال المُحَاسبيُّ- رحمه الله- الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنةُ: نعم العقبى.

والظاهر عندي التعميمُ.

ثم وقف تعالى الكفَرَة على اتِّبَاعهِم دين آبائِهم أيكون وهم بحال من يصير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: أوْسَعَ وأكْمَلَ ﴿ نِعَمَهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وَأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نِعَمَهُ "، أرادُوا جَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نِعْمَةً " عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو ما أعْطاهم مِن تَوْحِيدِهِ.

ورَوى الضَّحّاكُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

ما هَذِهِ النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ؟

فَقالَ: " أمّا ما ظَهَرَ: فالإسْلامُ، وما سَوّى اللَّهُ مِن خَلْقِكَ، وما أفْضَلَ عَلَيْكَ مِنَ الرِّزْقِ.

وأمّا ما بَطَنَ: فَسَتَرَ مَساوِئَ عَمَلِكَ، ولَمْ يَفْضَحْكَ "» .

وقالَ الضَّحّاكُ: الباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، والظّاهِرَةُ: حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ﴾ هو مَتْرُوكُ الجَوابِ، تَقْدِيرُهُ: أفَتَتَّبِعُونَهُ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، وذَلِكَ أنَّ تَسْخِيرَ هَذِهِ الأُمُورِ العِظامِ كالشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والحَيَوانِ والنَباتِ إنَّما هو بِمُسَخِّرٍ ومالِكٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ عِمارَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَأصْبَغَ" بِالصادِّ عَلى بَدَلِها مِنَ السِينِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الِاسْتِعْلاءِ تَجْتَذِبُ السِينَ مِن سُفْلِها إلى عُلُوِّها فَتَرُدُّها صادًا، والجُمْهُورُ قِراءَتُهم بِالسِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ نِصاحٍ، وغَيْرُهُمْ: "نِعَمَهُ"، جَمْعُ نِعْمَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرِ بِفَتْحِ الدالِّ، و"الظاهِرَةُ" هي الصِحَّةُ وحُسْنُ الخِلْقَةِ والمالُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"الباطِنَةُ" المُعْتَقَداتُ مِنَ الإيمانِ ونَحْوَهُ، والعَقْلُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الظاهِرَةُ: الإسْلامُ وحُسْنُ الخِلْقَةِ، والباطِنَةُ: ما سُتِرَ مِن سَيِّئِ العَمَلِ، وفي الحَدِيثِ: « "قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ  : قَدْ عَرَفْنا الظاهِرَةَ، فَما الباطِنَةُ؟

قالَ: سِتْرُ ما لَوْ رَآكَ الناسُ عَلَيْهِ لَمَقَتُوكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ الباطِنَةِ التَنَفُّسُ والهَضْمُ والتَغَذِّي وما لا يُحْصى كَثْرَةٌ، ومِنَ الظاهِرَةِ عَمَلُ الجَوارِحِ بِالطاعَةِ، قالَ المُحاسَبِيُّ: الظاهِرَةُ: نِعَمُ الدُنْيا، والباطِنَةُ: نِعَمُ العُقْبى.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نِعْمَةً" عَلى الإفْرادِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الإسْلامَ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها  ﴾ .

ثُمَّ عارَضَ بِالكَفَرَةِ مِنها عَلى فَسادِ حالِهِمْ، وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ ، وقالَ النَقّاشُ: الإشارَةُ إلى النَضِرِ بْنِ الحارِثِ ونُظَرائِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ اللهَ ويُشْرِكُونَ الأصْنامَ في الأُلُوهِيَّةِ، فَذَلِكَ جِدالُهُمْ، و ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُعْلِمْهم مَن يُقْبَلُ قَوْلُهُ، ولا عِنْدَهم هُدى قَلْبٍ ولا نُورَ بَصِيرَةٍ يُقِيمُونَ بِها حُجَّةً، ولا يَبْتَعُونَ بِذَلِكَ كِتابًا بِأمْرِ اللهِ يُبَشِّرُ بِأنَّهُ وحْيٌ، بَلْ ذَلِكَ دَعْوى مِنهم وتَخَرُّصُ، وإذا دُعُوا إلى اتِّباعِ وحْيِ اللهِ رَجَعُوا إلى التَقْلِيدِ المَحْضِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الآباءِ.

ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى - وهُمُ المُرادُ بِالتَوْقِيفِ - عَلى اتِّباعِهِمْ دِينَ آبائِهِمْ، أيَكُونُ وهم بِحالِ مَن يَصِيرُ إلى عَذابِ السَعِيرِ؟

فَكَأنَّ القائِلُ مِنهم يَقُولُ: هم يَتَّبِعُونَ دِينَ آبائِهِمْ ولَوْ كانَ مَصِيرُهم إلى السَعِيرِ، فَدَخَلَتْ ألْفُ التَوْقِيفِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ كَما كانَ اتِّساقُ الكَلامِ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الارض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق، فالكلام استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة في قوله تعالى: ﴿ خَلَق السَّماوات بِغَير عمد ﴾ [لقمان: 10] فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض.

وقد مضى الكلام على هذا التسخير في تفسير قوله تعالى ﴿ الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ الآيات من سورة إبراهيم (32)، وكذلك في سورة النحل (3).

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم لأن من جملة ذلك التسخير ما هو منافع لنا من الأمطار والرياح ونور الشمس والقمر ومواقيت البروج والمنازل والاتجاه بها.

والخطاب في ﴿ ألم تروا ﴾ يجوز أن يكون لجميع الناس مؤمنهم ومشركهم لأنه امتنان، ويجوز أن يكون لخصوص المشركين باعتبار أنه استدلال.

والاستفهام في ﴿ ألم تروا ﴾ تقرير أو إنكار لِعدم الرؤية بتنزيلهم منزلة من لم يروا آثار ذلك التسخير لعدم انتفاعهم بها في إثبات الوحدانية.

والرؤية بصرية.

ورؤية التسخير رؤية آثاره ودلائله.

ويجوز أن تكون الرؤية علمية كذلك، والخطاب للمشركين كما في قوله ﴿ خلق السماوات بغير عَمد ترونها ﴾ .

وإسباغ النِعم: إكثارها.

وأصل الإسباغ: جعل ما يلبس سابغاً، أي وافياً في الستر.

ومنه قولهم: درع سابغة.

ثم استعير للإكثار لأن الشيء السابغ كثير فيه ما يتخذ منه من سَرْد أو شُقَق أثواب، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فقيل: سوابغ النعم.

والنعمة: المنفعة التي يقصد بها فاعلُها الإحسان إلى غيره.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر نِعَمهُ } بصيغة جمع نعمة مضاف إلى ضمير الجلالة، وفي الإضافة إلى ضمير الله تنويه بهذه النِعم.

وقرأ الباقون ﴿ نِعْمَةً ﴾ بصيغة المفرد، ولما كان المراد الجنس استوى فيه الواحد والجمع.

والتنكير فيها للتعظيم فاستوى القراءتان في إفادة التنويه بما أسبغ الله عليهم.

وانتصب ﴿ ظاهرة وباطنة ﴾ على الحال على قراءة نافع ومن معه، وعلى الصفة على قراءة البقية.

والظاهرة: الواضحة.

والباطنة: الخفية وما لا يعلم إلا بدليل أو لا يعلم أصلاً.

وأصل الباطنة المستقرة في باطن الشيء أي داخله، قال تعالى: ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ [الحديد: 13] فكم في بدن الإنسان وأحواله من نِعم يعلمها الناس أو لا يعلمها بعضُهم، أو لا يعلمها إلا العلماء، أو لا يعلمها أهل عصر ثم تنكشف لمن بعدهم، وكلا النوعين أصناف دينية ودنيوية.

﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ الواو في قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ واو الحال.

والمعنى: قد رأيتم أن الله سخّر لكم ما في السماوات وأنعم عليكم نعماً ضافية في حال أن بعضكم يجادل في وحدانية الله ويتعامى عن دلائل وحدانيته.

وجملة الحال هنا خبر مستعمل في التعجيب من حال هذا الفريق.

ولك أن تجعل الواو اعتراضيَّة والجملة معترضة بين جملة ﴿ ألم تروا أن الله سخر لكم ﴾ وبين جملة ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ﴾ [لقمان: 25].

وقوله ﴿ ومِنَ النَّاس ﴾ من الإظهار في مقام الإضمار كأنه قيل: ومنكم، و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية.

والمراد بهذا الفريق: هم المتصدون لمحاجة النبي صلى الله عليه وسلم والتمويه على قومهم مثل النضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وعبد الله بن الزِّبْعَرى.

وشمل قوله ﴿ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ مراتبَ اكتساب العلم وهي إما: الاجتهاد والاكتساب، أو التلقي من العالم، أو مطالعة الكتب الصائبة.

وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحج (8).

وجملة ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الخ عطف على صلة ﴿ مَن، ﴾ أي: مَن حالهم هذا وذاك، وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة (170).

والضمير المنصوب في قوله ﴿ يدعوهم ﴾ عائد إلى الآباء، أي أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يَدعو الآباء إلى العذاب فهم يتبعونهم إلى العذاب ولا يهتدون.

و ﴿ لو ﴾ وصلية، والواو معها للحال.

والاستفهام تعجيبي من فظاعة ضلالهم وعماهم بحيث يتبعون من يدعوهم إلى النار، وهذا ذم لهم.

وهو وزان قوله في آية البقرة (170): ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ﴾ والدعاء إلى عذاب السعير: الدعاء إلى أسبابه.

والسعير تقدم في قوله تعالى: ﴿ كلما خَبَتْ زِدْنَاهم سعيراً ﴾ في سورة الإسراء (97).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ وفي تَسْخِيرِهِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْهِيلُهُ.

الثّانِي: الِانْتِفاعُ بِهِ.

﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ يَعْنِي نِعْمَةً واحِدَةً، وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى الإسْلامَ فَجَعَلَها واحِدَةً، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: أنَّهُ قَصَدَ التَّكْثِيرَ بِلَفْظِ الواحِدِ كَقَوْلِ العَرَبِ: كَثُرَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، والأرْضُ سَيْفٌ وفَرَسٌ، وهَذا أبْلَغُ في التَّكْثِيرِ مِن لَفْظِ الجَمْعِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الظّاهِرَةَ الإسْلامُ، والباطِنَةَ ما سَتَرَهُ اللَّهُ مِنَ المَعاصِي قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّ الظّاهِرَةَ عَلى اللِّسانِ، والباطِنَةِ في القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ووَكِيعٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الظّاهِرَةَ ما أعْطاهم مِنَ الزِّيِّ والثِّيابِ، والباطِنَةَ مَتاعُ المَنازِلِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: الظّاهِرَةُ الوَلَدُ، والباطِنَةُ الجِماعُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في نَفْسِهِ، والباطِنَةَ في ذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّ الظّاهِرَةَ ما مَضى، والباطِنَةَ ما يَأْتِي.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في الدُّنْيا، والباطِنَةَ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في الأبْدانِ، والباطِنَةَ في الأدْيانِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ جاءَ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟

فَجاءَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْهُ.

» الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ كانَ يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء رضي الله عنه قال: «سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: هذه من كنوز علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما الظاهرة؛ فما سوى من خلقك، وأما الباطنة؛ فما ستر من عورتك، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: «أما الظاهرة؛ فالإِسلام وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة؛ فما ستر من مساوي عملك، يا ابن عباس إن الله تعالى يقول: ثلاث جعلتهن للمؤمن: صلاة المؤمنين عليه من بعده.

وجعلت له ثلث ماله أكفر عنه من خطاياه.

وسترت عليه من مساوي عمله، فلم أفضحه بشيء منها، ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: النعمة الظاهرة: الإِسلام.

والنعمة الباطنة: كل ما ستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: هي لا إله إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ﴾ قال: لو كانت نعمة كانت نعمة دون نعمة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ﴾ قال: لا إله إلا الله ظاهرة قال: على اللسان ﴿ وباطنة ﴾ قال: في القلب.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ نعمه ظاهرة ﴾ قال: الإِسلام ﴿ وباطنة ﴾ قال: ستره عليكم المعاصي.

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴾ قال: أما الظاهرة: فالإِسلام.

والقرآن، وأما الباطنة: فما ستر من العيوب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ قال ابن عباس: يريد المطر، ﴿ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ يريد: الأنعام لتركبوها (١) وقال مقاتل: (يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، وما في الأرض: يعني: الجبال والأنهار والبحار والأشجار والنبت عام) (٢) (٣) وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: أوسع وأكمل من قولهم: سبغت النعمة إذا تمت، ويقال: شعر سابغ، ودرع سابغة.

وقوله: ﴿ نِعَمَهُ ﴾ وقرئ: نعمه جمعًا، ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المفرد أيضًا يدل على الكثرة كقوله: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا  ﴾ وهذا يدل على أنه يراد به الكثرة.

وقوله: ﴿ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ لا يدل على ترجيح إحدى القراءتين، ألا ترى أن النعم توصف بالباطنة والظاهرة كما توصف النعمة بذلك (٤) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهادة ألا إله إلا الله ظاهرة باللسان باطنة في القلب (٥) وروى عكرمة عنه قال: الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة (٦) وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة: ما ستر من الذنوب فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها (٧)  - في هذه الآية (٨) قال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة (٩) وقال محمد بن كعب: الظاهرة: محمد -  -، والباطنة: المعرفة (١٠) وقال المحاسبي (١١) قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ ﴾ مفسر إلى آخر الآية في سورة الحج (١٢) (١) لم أقف عليه.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.

(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 199.

(٤) انظر: "الحجة" ص 457.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 78.

وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 526 عن مجاهد، وعزاه لسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان".

(٦) انظر: "مجمع البيان" 8/ 501، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 525 وعزاه للبيهقي في "الشعب"، وأورده الماوردي 4/ 342 ونسبه لمقاتل.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 82 ب.

(٨) أورده السيوطي في "الدر" 6/ 525، وقال: أخرجه ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس.

(٩) انظر: "مجمع البيان" للطبرسي 8/ 501.

"زاد المسير" 6/ 324.

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) هو: أبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي الزاهد.

يروي عن يزيد بن هارون قليلًا وعن طبقته، روى عنه ابن مسروق الطوسي وإسماعيل بن إسحاق السراج وغيرهما، له كتب في الزهد وأصول الديانة، مات سنة 243 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 8/ 211، "سير أعلام النبلاء" 12/ 110، "طبقات الشافعية" لابن السبكي 2/ 278.

وكلامه في "تفسير القرطبي" 14/ 73.

وذكره بدون عزو: "الماوردي" 4/ 342، "الطبرسي" 8/ 501.

(١٢) عند قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ آية 3.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ الظاهرة: الصحة والمال وغير ذلك، والباطنة: النعم التي لا يطلع عليها الناس، ومنها ستر القبيح من الأعمال، وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة: نعم العقبى، واللفظ أعم من ذلك كله.

﴿ وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ ﴾ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نعمه ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص ﴿ والبحر ﴾ بالنصب: أبو عمرو ويعقوب عطفاً على اسم "أن" الآخرون: بالرفع حملاً على محل "أن" ومعمولها ﴿ وأن ما يدعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب ﴿ وينزل الغيث ﴾ التشديد: ابو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم.

الوقوف: ﴿ وباطنه ﴾ ط ﴿ منير ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ الوثقى ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ كفره ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ كلمات الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ز لأن قوله ﴿ كل ﴾ مبتدأ مع عطف "أن" على "أن" الأولى ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ الباطل ﴾ لا ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ من آياته ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ عن ولده ﴾ لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظاً مع صدق الاتصال معنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ قف للفصل بين الموعظتين ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الغيث ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب ﴿ الأرحام ﴾ ط لابتداء الجملة المنفية التي فيها استفهام ﴿ غداً ﴾ ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون الاكتفاء بضميرها ﴿ تموت ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة ايضاً، ولو كانت تعبداً محضاً للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية.

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين  ﴾ الآية ومعنى ﴿ اسبغ ﴾ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها.

والباطنة مالا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلاً.

ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهراً، والباطنة إمداد الملائكة.

وعن الضحاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم.

وقيل: النفس.

ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول "الحج".

ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلاً ﴿ أولو كان ﴾ إلخ.

ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟

ثم اراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ﴿ ومن يسلم وجهه إلى الله ﴾ وهو نظير قوله في "البقرة" ﴿ بلى من أسلم وجهه لله  ﴾ والفرق أن معناه مع "إلى" يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ يمتعهم ﴾ الآية.

كقوله في البقرة ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره  ﴾ وغلظ العذاب شدته.

ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر "العنكبوت" مثله إلا أنه قال في آخره ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ وذلك أنه زاد هناك قوله ﴿ وسخر الشمس والقمر  ﴾ فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس.

ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق.

وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال ﴿ ولو أن ما في الأرض ﴾ الاية.

عن ابن عباس: أنها نزلت جواباً لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة.

وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد.

وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً واللام في البحر للجنس.

وجعل جنس البحار ممدوداً بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيراً من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله قوله  "المؤمن يأكل في معاً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" أراد الأكل الكثير.

وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوأة مداداً، فهي تصب فيه مدادها ابداً صباً لا ينقطع.

قلت: جعله الأبحر سبعة تقديراً ينافي قوله "أبدا لا ينقطع" وإنما لم يجعل للأقلام مداداً لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم.

وإنما لم يقل:كلم الله" على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه؟

وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة "كن" وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف.

ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة.

ثم أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء.

ثم أعاد طرفاً من دلائل قدرته مع تذكير بعض نعمه قائلاً ﴿ الم تر ﴾ وقد مر نظيره في "الحج" إلى قوله ﴿ الكبير ﴾ وقوله ههنا ﴿ يجري إلى أجل مسمى ﴾ وقوله في "فاطر" و"الزمر" ﴿ لأجل مسمى  ﴾ يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايراً، لأن الأول معناه انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر.

وعن الحسن: هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ.

والثاني معناه اختصاص الجري بإدراك أجل معلوم كما وصفنا.

ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن هذه الآية صدِّرت بالتعجيب فناسب التطويل.

والمشار إليه بذلك هو ما وصف من عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق.

قال بعضهم ﴿ العلي ﴾ إشارة إلى كونه تماماً وهو أن حصل له كما ينبغي أن يكون له.

و ﴿ الكبير ﴾ إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه.

ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية.

ومعنى ﴿ بنعمته ﴾ بإحسانه ورحمته أو بالريح الطيبة التي هي بأمر الله ﴿ إن في ذلك ﴾ الإجراء ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ في السراء.

ووجه المناسبة أن كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في الأفعال والأوامر ومنه قوله  "الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر" .

ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول كالجبال المتلاصقة.

وإنما قال ههنا.

﴿ فمنهم مقتصد ﴾ وقد قال فيما قبل ﴿ إذا هم يشركون  ﴾ لأنه ذكر ههنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله اثر في الخيال فيخفض شيئاً من غلو الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطاً في الإخلاص أيضاً لا غالياً فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.

والختر أشد الغدر ومنه قولهم "لا تمد لنا شبراً من غدر إلا مددنا لك باعاً من ختر".

والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه.

والكفور طباق الشكور.

وحين بيَّن الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة.

ومعنى ﴿ لا يجزي ﴾ لا يقضي كما مر في أول "البقرة".

وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، فكأنه قال: لا يجزي فيه ﴿ والد عن ولده ﴾ شيئاً من الآلام ﴿ ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ من أسباب الإهانة.

قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية إسمية لأجل التوكيد.

وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا لآبائهم الكفرة وفي توسيط "هو" مزيد تأكيد.

وفي لفظ ﴿ المولود ﴾ دون أن قول "ولا ولد" تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضاً بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه.

وقيل: إنما أوردت الثانية إسمية لأن الابن من شأنه أن يكون جازياً عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي شفقة لا وجوباً ﴿ إن وعد الله ﴾ بمجيء ذلك اليوم ﴿ حق ﴾ أو وعده بعدم جزاء الوالد عن الولد وبالعكس حق.

و ﴿ الغرور ﴾ بناء مبالغة وهو الشيطان اي لا ينبغي أن تغرنكم الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة.

روي عن النبي  "مفاتيح الغيب خمس" وتلا قوله ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ إلى آخرها.

وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالاً أخرج يده من البحر واشار إليه بالأصابع الخمس.

فاستفتى العلماء في ذلك فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم النشور، وإنما المراد أنه  حذر الناس من يوم القيامة.

كان لقائل أن يقول: متى الساعة؟

فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ذكرهما مراراً وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى.

ثم إنه كأنه قال: أيها السائل إن لك شيئاً أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك فلا تعلم ﴿ ماذا تكسب غداً ﴾ مع أنه فعلك وزمانك ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟

والسر في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانة هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول "طه"، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره.

والسر في إخفاء الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف ابداً مشغول السر بالله معتمداً عليه في اسباب الرزق وغيره.

روي أن ملك الموت مر على سليمان  فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه.

فقال الرجل: من هذا؟

قال: ملك الموت.

فقال: كأنه يريدني.

وسأل سليمان أن يحمله على الريح إلى بلاد الهند ففعل.

ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجباً منه لأني أمرت أن اقبض روحه بالهند وهو عندك.

قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرئ ﴿ بآية أرض ﴾ والأفصح عدم تأنيثه.

التأويل: ﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ﴾ هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام العلوية والسفلية، البسطية والمركبة.

وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها.

وتسخير ما في أرض النفوس من اضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها.

﴿ ثم نضطرهم ﴾ لفساد استعدادهم ﴿ تجري في البحر بنعمة الله ﴾ سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة في بحر الحققة لإِراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ ﴾ : قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر: أن قد رأوا وعلموا أنه سخر لهم ما ذكر.

والثاني: على الأمر، أي: انظروا وروا: أنه سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض؛ لينتفعوا بجميع ما يحتاجون إليه، ويصلوا إلى مرادهم وحاجتهم وإلى قضاء وطرهم كيف شاءوا بما شاءوا.

أو أن يذكر قدرته وسلطانه: أن من ملك تسخير ما ذكر لنا ومكنا وأقدرنا على تدبير استعمال ما سخر لنا والانتفاع به - لقادر على البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.

أو أن يذكر حكمته وعلمه: أن مثل هذا التسخير لا يكون إلا بحكمته، ولو لم يكن هنالك بعث وعاقبة، لكان خلق الخلق وتسخير ما ذكر لعبا باطلا، وعلى ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ : المسخر ما في السماوات يحتمل: المطر والسحاب والشمس والقمر، ونحوه مما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع الأرض إلا بمنافع السماء.

أو الملائكة؛ لأنهم قد امتحنوا ببعض ما يقع بمنافع البشر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ .

ذكر عن ابن عباس أنه قال: "سألت رسول الله  فقلت: يا رسول الله، ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟

قال: أما ما ظهر - يا بن عباس - فالإسلام، وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليكم من الرزق، وأما ما بطن: ستر مساوي عملك فلم يفضحك بها" ، فإن ثبت الخبر فلا تقع الحاجة إلى غيره؛ فهو تأويل الآية، وإلى هذا ذهب عامة أهل التأويل.

وجائز أن يكون النعمة الظاهرة هو ما ظهر من الحسن والطهارة.

وأما النعمة الباطنة: ما ستر من الأنجاس والعيوب والأقذار ما لو ظهر ذلك لم يدن منه أحد، لخبثه ونجاسته.

وبعضهم يقولون: الظاهرة باللسان، والباطنة بالقلب.

وقال مجاهد: الظاهرة: الإسلام والرزق، والباطنة: ما ستر من الذنوب والعيوب، وهو قريب مما ذكر في الخبر المرفوع والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

المجادلة في الله: يحتمل في توحيد الله، أو في الرسالة أنه أرسل أو لم يرسل؟

أو في البعث: أيبعث أو لا يبعث؟

ونحوه، أو يجادل في كتابه.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾ .

أسباب العلم ثلاثة: العقل، والسنة، والكتاب.

يتفكر وينظر بالعقل؛ فيعرف، وبيان السنة والكتاب يبين؛ فلم يكن مع الذين يجادلون رسول الله في الشيء من ذلك وخاصة أهل مكة: كانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب؛ فكأنه يقول: ومن الناس من يجادل في الله وهم يعلمون أنه ليس معه معقول ولا بيان من السنة والكتاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ؛ كأنه يقول لرسول الله: أن قل لهم: تتبعون آباءكم وتقلدونهم، وإن ظهر لكم وتبين أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وأنهم من أصحاب السعير، وتتبعون آثارهم مقتدين بهم وإن ظهر لكم وتبين أن الذي أدعوكم أنا إليه وجئتكم أهدى مما عليه آباؤكم؛ إذ تتبعون آباءكم وإن ظهر وتبين أن آباءكم كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟!

حتى إن قالوا: نعم، نتبعهم وإن كانوا كما ذكرت - فإنه يظهر ويبين عنادهم ومكابرتهم عند اتباعهم؛ حيث ظهر الحق لهم فلم يتبعوا، بل اتبعوا أهواءهم ويظهر كذبهم في قولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، أو في قولهم: إن آباءهم على ما هم عليه؛ بل في آبائهم من هو على خلاف ما هم عليه ونحوه.

وإن قالوا: لا نتبعهم إذا كانوا على ما ذكرت؛ فعند ذلك يقترن ويثبت عندهم بالحجج والبرهان.

وفيه دلالة: أن أهل الفترة يعذبون ويؤاخذون بتركهم الدين والشرائع؛ لأن هؤلاء الذين أخبر أنهم من أصحاب السعير هم أهل الفترة ما بين عيسى وبين محمد.

وأهل التأويل يقولون: أو[لو] كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.

ومحمد بن إسحاق يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض بوجهك عن فقراء الناس، أي: إذا كلموك و ﴿ مَرَحاً ﴾ ، أي: فخرا بالخيلاء والعظمة، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ ، أي: بطر ومرح، فخور في نعم الله لا يأخذ بالشكر، ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ : رويدا، لا تختل في مشيك ولا تنظر حيث لا يحل، ﴿ وَٱغْضُضْ ﴾ ، أي: اخفض ﴿ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق، ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا فقال: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ لشدة صوتهم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ : يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، ﴿ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: الجبال والأنهار والبحار فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً ﴾ : تسوية الخلق والرزق والإسلام، ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾ ، أي: ما ستر من الذنوب من ابن آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها، فهذا كله من النعم؛ فالحمد لله على ذلك حمداً كثيراً كما أصله.

وقال في قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ : في زعمه أن لله البنات، أي: الملائكة، ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ ، أي: لا بيان معه من الله بما يقول، ﴿ وَلاَ كِتَابٍ ﴾ : له فيه حجة.

وأصله ما ذكرنا: ﴿ يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ ﴾ من الوجوه التي ذكرنا: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ من جهة العقل، ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ أي: ولا بيان من جهة السنة، ﴿ وَلاَ كِتَابٍ ﴾ من الله فيه حجة له، وأسباب العلم هذه، فلم يكن له شيء مما ذكر، وبالله العصمة.

قال أبو عوسجة: المرح: النشاط، وهذا لا يكون إلا من الكبر؛ لأنه يتبختر، ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ ، أي: امش مشياً رفيقاً، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ أي: ارفق لا تصوت صوتاً شديداً، وهذا - أيضاً - من التبختر، ﴿ وَأَسْبَغَ ﴾ ، أي: أوسع، والسابغ: الواسع التام الطويل العريض.

وقال القتبي: الأصعر: مُعْرِض الوجه، [و]أنكر الأصوات: أقبحها، عرفه قبح رفع الصوت في المخاطبة.

وقوله: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: نفسه؛ كأنه قال: ومن يسلم نفسه لله، وجعلها سالمة له لم يجعل لأحد فيها شركا.

﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .

في عمله إلى نفسه، أي: لا يستعملها إلا في طاعة الله، وفيما أمر به، فإذا فعل ذلك، ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ ، أي: فقد استمسك بأوثق العرا وأثبتها؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا  ﴾ ، أي: فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ولا زوال؛ لأنها ثبتت بالحجج والبراهين، لا بالهوى؛ فكل شيء ثبت بالحجة والبرهان - فهو ثابت - أبدا لا زوال له ولا انقطاع، وكل شيء ثبت بالهوى؛ فهو يزول وينقطع عن قريب؛ لزوال الهوى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يسلم وجه أمره لله؛ فالوجه عبارة وكناية عن أمره، أي: يسلم أمره إلى الله ويفوضه إليه.

أو يكون كناية عن نفسه؛ فتأويله ما ذكر بدءاً.

وأهل التأويل يقولون: ﴿ يُسْلِمْ وَجْهَهُ ﴾ ، أي: دينه لله، أي: يخلص دينه لله، كقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  ﴾ أي: لكل أهل دين ومذهب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا: وهو محسن إلى نفسه في عمله: لا يستعملها إلا فيما أمر بالاستعمال فيه، وهو طاعة الله لا يوقعها في المهالك.

أو هو محسن إلى الناس بالمعروف والبر.

أو محسن، أي: عالم؛ كما يقال: أحسن، أي: علم.

وبعض أهل التأويل يقول: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أخلص عمله لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ، أي: مؤمن؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ  ﴾ ، وهو قول: ابن عباس ومقاتل، يقول: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يخلص دينه لله، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : في عمله، ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ : هو ما ذكرنا: أنه استمسك بأوثق العرا وأثبتها؛ لأنه إنما ثبت بالحجة والبرهان لا بالهوى والتمني، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأَمُورِ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: وإلى الله تدبير عاقبة الأمور وتقديرها، لا إلى الخلق.

والثاني: إلى من له التدبير والتقدير يرجع عاقبة الأمور.

أو أن يخص رجوع عاقبة الأمور والمصير والرجوع إليه والبروز له والخروج، وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا - أن المقصود من خلق هذا العالم - العالم الثاني، والمقصود من خلق الدنيا: الآخرة؛ إذ به يصير حكمة وحقا؛ فخص ذلك له وأضافه إليه كذلك.

أو يذكر ذلك؛ لما لا ينازع في ذلك اليوم وقد نوزع في هذه؛ ولذلك قال: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ .

حزنا تتلف وتهلك فيه، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ على التخفيف عليه والتسلي، ليس على النهي، وكذلك قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ على التخفيف عليه والتيسير، ليس على ترك الإشفاق والحزن عليهم؛ لأن رسول الله كادت نفسه تهلك؛ إشفاقاً عليهم وحزناً على كفرهم؛ فيخرج ذلك على التخفيف عليه والتسلي.

والثاني: قوله: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ : لا يحزنك تكذيبه إياك؛ فذكر كفره؛ لأنه بتكذيبه ما يصير كافرا وهو سبب كفره؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية [آل عمران: 176]: كان رسول الله يحزن ويهتم بتكذيبهم إياه فيما يقول ويخبر عن الله، فيقول: لا يحزنك تكذيبهم إياك؛ فإنهم إلينا يرجعون فنجزيهم ونكافئهم جزاء التكذيب.

والثالث: ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ﴾ ، أي: فإن ضرر ذلك الكفر عليهم لا عليك؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52]، ونحوه من الآيات، يخبر رسوله ألا يحزن على كفر من كفر؛ فإن ضرر ذلك يلحقه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ﴾ .

هذا وعيد، أي: إلينا مرجعهم فننبئهم عما غفلوا عنه واختاروه في الدنيا، فيحفظونه ويتذكرون ما عملوا.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤاْ ﴾ ، أي: نجزيهم ونكافئهم جزاء أعمالهم ومكافأتهم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

أي: عالم بما كان منهم وما جزاؤهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ﴾ .

أي: في الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، على ما وصفه: ﴿ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ  ﴾ ، أي: يتمتعون [و]يعمرون بذلك القليل.

﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ .

يذكر هذا مقابل ما ذكر لأهل الجنة؛ حيث قال: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً  ﴾ ، فيخبر أن أهل النار يضطرون ويدفعون إلى النار، لا أنهم يدخلونها اختيارا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ .

وقوله: ﴿ غَلِيظٍ ﴾ جائز أن يكون كناية عن امتداده وطوله.

وجائز أن يكون كناية عن شدته وألمه أو جراحته؛ كقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ الآية [المؤمنون: 104].

وقيل: يغلط عليهم العذاب لوناً بعد لون، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تروا وتشاهدوا -أيها الناس- أن الله يَسَّرَ لكم الانتفاع بما في السماوات؛ من شمس وقمر وكواكب، ويَسَّرَ لكم أيضًا ما في الأرض من دواب وشجر ونبات، وأكمل عليكم نعمه ظاهرة للعيان؛ كجمال الصورة وحسن الهيئة، وباطنة خفية كالعقل والعلم، في توحيد الله لغير علم مستند إلى وحى من الله، أو عقل مستنير، ولا كتاب واضح منزل من الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.j72QA"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر