تفسير الآية ٢١ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢١ من سورة لقمان

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢١ من سورة لقمان من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وإذا قيل لهم ) أي : لهؤلاء المجادلين في توحيد الله : ( اتبعوا ما أنزل الله ) أي : على رسوله من الشرائع المطهرة ، ( قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) أي : لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين ، قال الله : ( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) [ البقرة : 170 ] أي : فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم ، أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه; ولهذا قال : ( أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله جهلا منهم بعظمة الله اتبعوا أيها القوم ما أنـزل الله على رسوله، وصدِّقوا به، فإنه يفرق بين المحقّ منا والمبطل، ويفصل بين الضّالّ والمهتدى، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حقّ، قال الله تعالى ذكره (أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ) بتزيينه لهم سوء أعمالهم، واتباعهم إياه على ضلالتهم، وكفرهم بالله، وتركهم اتباع ما أنـزل الله من كتابه على نبيه (إلى عَذَابِ السَّعِيرِ) يعني: عذاب النار التي تتسعر وتلتهب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعد .

أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يتبعونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } على أيدي رسله، فإنه الحق، وبينت لهم أدلته الظاهرة { قَالُوا } معارضين ذلك: { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } فلا نترك ما وجدنا عليه آباءنا لقول أحد كائنا من كان.قال تعالى في الرد عليهم وعلى آبائهم: { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } فاستجاب له آباؤهم، ومشوا خلفه، وصاروا من تلاميذ الشيطان، واستولت عليهم الحيرة.فهل هذا موجب لاتباعهم لهم ومشيهم على طريقتهم، أم ذلك يرهبهم من سلوك سبيلهم، وينادي على ضلالهم، وضلال من اتبعهم.وليس دعوة الشيطان لآبائهم ولهم، محبة لهم ومودة، وإنما ذلك عداوة لهم ومكر بهم، وبالحقيقة أتباعه من أعدائه، الذين تمكن منهم وظفر بهم، وقرت عينه باستحقاقهم عذاب السعير، بقبول دعوته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) قال الله - عز وجل - : ( أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) وجواب " لو " محذوف ، ومجازه : يدعوهم فيتبعونه ، يعني : يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أَنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا» قال تعالى: «أ» يتبعونه «ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير» أي موجباته؟

لا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله وإفراده بالعبادة: اتبعوا ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: بل نتبع ما كان عليه آباؤنا من الشرك وعبادة الأصنام، أيفعلون ذلك، ولو كان الشيطان يدعوهم؛ بتزيينه لهم سوء أعمالهم، وكفرهم بالله إلى عذاب النار المستعرة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المجادلين بالباطل ، لم يكتفوا بذلك ، بل أضافوا إلى رذائلهم السابقة رذائل أخرى منها العناد والتقليد الأعمى ، فقال ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله ..

.

) .

أى : وإذا قيل لهؤلاء المجادلين بالباطل اتبعوا ما أنزله الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن كريم ، ومن وحى حكيم .( قَالُواْ ) على سبيل العناد والتقليد الأعمى ( بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا ) من عبادة الأصنام والأوثان ، والسير على طريقتهم التى كانوا يسيرون عليها .وقوله - سبحانه - : ( أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ) رد عليهم ، وبيان لبطلان الاعتماد فى العقيدة على مجرد تقليد الآباء .والهمزة للاستفهام الإِنكارى ، والواو للحال .

أى : أيتبعون ما كان عليه آباؤهم ، والحال أن هذا الاتباع هو من وحى الشيطان الذى يقودهم إلى ما يؤدى إلى عذاب السعير .قال الالوسى : وفى الآية دليل على المنع من التقدلي لمن قدر على النظر .

وأما اتباع الغير فى الدين بعد العلم بدليل ما أنه محق ، فاتباع فى الحقيقة لما أنزل الله - تعالى وليس من التقليد المذموم فى شئ ، وقد قال - سبحانه - : ( فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما استدل بقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ على الوحدانية، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة، ولو كان تعبداً محضاً للزم قبوله، فضلاً عن أنه على وفق الحكمة، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مراراً أن الملك يخدم لعظمته، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضاً، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي.

وذكر بعض النعم بقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء  ﴾ ذكر بعده عامة النعم فقال: ﴿ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السموات ﴾ أي سخر لأجلكم ما في السموات، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده، وسخر ما في الأرض لأجل عباده، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة ﴾ وهي ما في الأعضاء من السلامة ﴿ وَبَاطِنَةً ﴾ وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة، ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم، وكذلك كل عضو، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائماً، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يكون إشارة إلى النعم الآفاقية، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً ﴾ يكون إشارة إلى النعم الأنفسية، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب التفاسير، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولاً منقولاً، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغاً معقولاً.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله ﴾ يعني لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره، إما إلهاً أو منعماً ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي، فقال تعالى: ﴿ يجادل ﴾ ذلك المجادل لا من علم واضح، ولا من هدى أتاه من هاد، ولا من كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علماً كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ  ﴾ والثاني: إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى  ﴾ والثالث: إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى: ﴿ الٓمٓ  ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ وقال في هذه السورة: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ وقال في السجدة (23): ﴿ وَلقد ءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل ﴾ فالكتاب هدى لقوم النبي عليه السلام، والنبي هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح الأمين، فقال تعالى: يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفاً، ولا بهدى أرسلناه إليه وحياً، ولا بكتاب يتلى عليه وعظاً.

ثم فيه لطيفة أخرى وهو أنه تعالى قال في الكتاب: ﴿ وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ لأن المجادل منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف، فلو قال ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب، فإن بعض ما يقولون فهو في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم، فقال: ﴿ وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ فإن ذلك الكتاب مظلم، ولما لم يحتمل في المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معناه ﴿ أ ﴾ يتبعونهم ﴿ وَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ ﴾ أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أسْبابًا مُحَصِّلَةً لِمَنافِعِكم.

﴿ وَما في الأرْضِ ﴾ بِأنْ مَكَّنَكم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِوَسَطٍ أوْ غَيْرِ وسَطٍ ﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً ما تَعْرِفُونَهُ وما لا تَعْرِفُونَهُ وقَدْ مَرَّ شَرْحُ النِّعْمَةِ وتَفْصِيلُها في الفاتِحَةِ، وقُرِئَ «وَأصْبَغَ» بِالإبْدالِ وهو جارٍ في كُلِّ سِينٍ اجْتَمَعَ مِنَ الغَيْنِ أوِ الخاءِ أوِ القافِ كَصَلَخَ وصَقَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ ( نِعَمَهُ ) بِالجَمْعِ والإضافَةِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ﴾ في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مُسْتَفادٍ مِن دَلِيلٍ.

﴿ وَلا هُدًى ﴾ راجِعٍ إلى رَسُولٍ.

﴿ وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ بَلْ بِالتَّقْلِيدِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير} معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم أي في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ أيْ لِمَن يُجادِلُ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، ﴿ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ يُرِيدُونَ عِبادَةَ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا ظاهِرٌ في مَنعِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ ورَجَّحَهُ الإمامُ الرّازِيُّ والآمِدِيُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ في الأُصُولِ، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ وجَماعَةٌ الجَوازُ، ورُبَّما قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ، وإنَّ النَّظَرَ في ذَلِكَ والِاجْتِهادَ فِيهِ حَرامٌ، وعَلى كُلٍّ يَصِحُّ عَقائِدُ المُقَلِّدِ المُحِقِّ، وإنْ كانَ آثِمًا بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلى الأوَّلِ، وعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُهُ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: هَذا مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ لِما يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ العَوامِّ، وهم غالِبُ المُؤْمِنِينَ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ إنْ كانَ التَّقْلِيدُ أخْذًا لِقَوْلِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمالِ شَكٍّ ووَهْمٍ بِأنْ لا يَجْزِمَ المُقَلِّدُ فَلا يَكْفِي إيمانُهُ قَطْعًا، لِأنَّهُ لا إيمانَ مَعَ أدْنى تَرَدُّدٍ فِيهِ، وإنْ كانَ لَكانَ جَزْمًا، فَيَكْفِي عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وغَيْرِهِ خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ في قَوْلِهِ: لا يَكْفِي بَلْ لا بُدَّ لِصِحَّةِ الإيمانِ مِنَ النَّظَرِ، وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّهُ لا خِلافَ في امْتِناعِ تَقْلِيدِ مَن لَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَنِدٌ الى دَلِيلٍ حَقٍّ، وظاهِرُ ذَمِّ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ، أنَّهُ يَكْفِي في النَّظَرِ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ الحَقُّ كَما يَكْفِي فِيهِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ.

﴿ أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ﴾ أيْ يَدْعُو آباءَهم لا أنْفُسَهم كَما قِيلَ: فَإنَّ مَدارَ إنْكارِ الِاسْتِتْباعِ كَوْنُ المَتْبُوعِينَ تابِعِينَ لِلشَّياطِينِ، ويُنادِي عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ  ﴾ ، بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا  ﴾ ، ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَجْمُوعِ، أيْ أُولَئِكَ المُجادِلِينَ وآباؤُهم ﴿ إلى عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ أيْ إلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ، أوْ يَتَسَبَّبُ مِنهُ مِنَ الإشْراكِ، وإنْكارِ شُمُولِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْبَعْثِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ، وجُوِّزَ بَقاءُ ( عَذابِ السَّعِيرِ ) عَلى حَقِيقَتِهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، ويُفْهَمُ التَّعْجِيبُ مِنَ السِّياقِ، أوْ لِلتَّعْجِيبِ، ويُفْهَمُ الإنْكارُ مِنَ السِّياقِ، والواوُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: أيَتْبَعُونَهُمْ، ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم أيْ في حالِ دُعاءِ الشَّيْطانِ إيّاهم إلى العَذابِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ أيَتْبَعُونَهم لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى العَذابِ، ولَوْ كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ، وهُما قَوْلانِ مَشْهُورانِ في الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى ( لَوِ ) الوَصْلِيَّةِ ونَحْوِها، وكَذا في احْتِياجِها إلى الجَوابِ قَوْلانِ، قَوْلٌ بِالِاحْتِياجِ، وقَوْلٌ بِعَدَمِهِ، لِانْسِلاخِها عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ قَدَّرَهُ هُنا: لا يَتْبَعُوهُمْ، وهو مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الواوِ عاطِفَةً، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها حالِيَّةً فَزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَتَسَنّى، وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقال مجاهد: يعني: أعطينا لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة.

ويقال أيضاً: الحكمة والعقل والإصابة في القول.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «ما زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إلاَّ أَثْبَتَ الله تَعَالَى الحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَعُيُوبَ نَفْسِهِ.

وَإذَا رَأيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَاقْتَرِبُوا إلَيْهِ فَاسْتَمِعُوا مِنْهُ، فإنه يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .

وقال السدي: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني: النبوة.

وعن عكرمة قال: كان لقمان نبياً.

وعن وهب بن منبه قال: كان لقمان رجلاً حكيماً، ولم يكن نبياً.

وروي عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً.

ويقال: إن أول ما ظهرت حكمته أن مولاه قال له يوماً: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.

ثم قال: أخرج أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.

ثم مكث ما شاء الله.

ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها.

فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب.

فسأله عن ذلك فقال لقمان: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.

وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خُيِّرَ بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.

قال: فبينما كان يعظ الناس يوماً وهم مجتمعون عليه، إذ مرّ به عظيم من عظماء بني إسرائيل.

فقال: ما هذه الجماعة؟

فقيل له: جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم.

فأقبل إليه.

فقال له: ألست عبد بني فلان؟

فقال: نعم.

فقال: فما الذي بلغ بك ما أرى؟

فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني.

فانصرف عنه متعجباً وتركه.

ثم قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني: حكماً من أحكام الله أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ويقال: معناه وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ وقلنا له: اشكر لله بما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يعني: ثواب الشكر لنفسه وَمَنْ كَفَرَ أي: جحد فلا يوحّد ربه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ خلقه وعن شكرهم حَمِيدٌ في فعاله وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ قال مقاتل: كان اسم ابنه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ ويقال: معناه قال لابنه واعظا يا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ يعني: ذنب عظيم لا يغفر أبداً، وكان ابنه وامرأته كافرين، فما زال بهما حتى أسلما.

وقال مقاتل: زعموا أنه كان ابن خالة أيوب.

وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار: أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه، قال: ما فعل أبي؟

قال: مات.

فقال: ملكت أمري.

قال: وما فعلت أمي؟

قال: قد ماتت.

قال: ذهب همي.

قال: فما فعلت أختي؟

قال: ماتت فقال: سترت عورتي.

قال: فما فعلت امرأتي؟

قال: قد ماتت.

فقال: جدد فراشي.

قال: فما فعل أخي؟

قال: مات.

قال: انقطع ظهري.

وفي رواية أُخرى قال: ما فعل أخي؟

قال: مات.

فقال: انكسر جناحي.

ثم قال: فما فعل ابني؟

قال: مات.

فقال: انصدع قلبي.

وقال وهب بن منبه كان لقمان عبداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل في زمن داود-  -، فاشتراه، فأعتقه وكان حبشياً أسود، غليظ الشفتين والمنخرين، غليظ العضدين والساقين، وكان رجلاً صالحاً أبيض القلب، وليس يصطفي الله عز وجل عباده على الحسن والجمال، وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم.

قرأ عامر في رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين: يا بُنَيَّ بالنصب.

وقرأ الباقون: بالكسر وقد ذكرناه.

ثم قال عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ فكأنه يقول: آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئاً، وآمركم بأن تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ يعني: أمرناه بالإحسان بِوالِدَيْهِ.

ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر الولد من الشدة فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ يعني: ضعفاً على ضعف، لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها.

فكلما ازداد الحمل يزيدها ضعفاً على ضعف وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ يعني: فطامه بعد سنتين من وقت الولادة أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ يعني: وصّيناه وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام، واشكر لوالديك بما فعله إليك إِلَيَّ الْمَصِيرُ فأجازيك بعملك.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.

يعني: أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة، فلا يجوز للولد أن يطيعهما في المعصية.

فقال: وَإِنْ جاهَداكَ يعني: وإن قاتلاك.

ويقال: وإن أرادك عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ حجة بأن معي شريكاً فَلا تُطِعْهُما في الشرك وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً يعني: عاشرهما في الدنيا معروفاً بالإحسان، وإنما سمي الإحسان معروفاً لأنه يعرفه كل واحد.

قال وروي عن النبي  أنه قال: «حُسْنَ المُصَاحَبَةِ أنْ يُطْعِمَهُمَا إذا جَاعَا، وَأَنْ يَكْسُوَهُمَا إذا عَرِيَا» .

ثم قال: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة.

ثم استأنف فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة.

وقال بعضهم: إنما أتمّ الكلام عند قوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ يعني: دين من أقبل على الطاعة.

ثم استأنف الكلام فقال: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ تكراراً على وجه التأكيد فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: فأجازيكم بها.

ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: يا بُنَيَّ إِنَّها يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ قال مقاتل: وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، فكيف يعلمها الله سبحانه وتعالى.

فرد عليه لقمان وقال: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ يعني: الخطيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ يعني: وزن خردلة فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أي: الصخرة التي هي أسفل الأرضين.

وقال بعضهم: أراد بها كل صخرة، لأنه قال بلفظ النكرة.

يعني: ما في جوف الصخرة الصماء.

وقال مقاتل: هي الصخرة التي في أسفل الأرض، وهي خضراء مجوفة.

ثم قال: أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يجازي بها الله.

أي: يعطيه ثوابها.

ويقال: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ عند الميزان، فيجازيه بها.

ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يَأْتِ بِهَا اللَّهُ يعني: يعطيه ثوابها عز وجل كقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) [الزلزلة: 7] يعني: يرى ثوابه.

قرأ نافع مثقال بضم الام.

وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن.

ومن قرأ بالنصب جعله خبراً.

والاسم فيه مضمر ومعناه: إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة.

وإنما قال: إن تكن بلفظ التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة.

فكان المعنى للحبة.

وقيل: أراد به الخطيئة.

ومن قرأ: بالضم جعله اسم تكن.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يعني: لطيف باستخراج تلك الحبة، خبير بمكانها.

وقال أهل اللغة: اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء.

يقال للشيء الرقيق وللشيء الحسن: لطيف.

وللشيء الصغير لطيف.

ويقال للمشفق: لطيف.

ثم قال عز وجل: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ يعني: أتمّ الصلاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ يعني: التوحيد.

ويقال: أظهر العدل وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما لا يعرف في شريعة، ولا سنة، ولا معروف في العقل وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ يعني: إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر، فأصابك من ذلك ذلّ أو هوان أو شدة، فاصبر على ذلك ف إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني: من حق الأمور.

ويقال: من واجب الأمور.

وصارت هذه الآية بياناً لهذه الأمة، وإذناً لهم، أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ذلك، إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى، لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز وجل.

ثم قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: وَلا تُصَعِّرْ بالتشديد بغير ألف.

وقرأ الباقون: ولا تصاعر بالألف والتخفيف.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

يقال: صعر خده وصاعره ومعناهما: الإعراض على جهة الكبر.

يعني: لا تعرض بوجهك عن الناس متكبراً.

وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين، وهكذا قال الكلبي.

وقال العتبي: أصله الميل.

ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء، فيميل رأسه وعنقه من ذلك إلى أحد الجانبين.

ويقال: معناه لا تكلم أحداً وأنت معرض عنه، فإن ذلك من الجفاء والإذاء.

ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: لا تمشي بالخيلاء، والمرح والبطر والأشر كله واحد، وهو أن يعظم نفسه في النعم إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني: مختالاً في مشيته، فخوراً في نعم الله عز وجل.

وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ يعني: تواضع لله تعالى في المشي، ولا تختل في مشيتك.

ويقال: أسرع في مشيتك، لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء.

وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يعني: اخفض.

ومن صلة في الكلام اخفض كلامك، ولا تكن سفيهاً.

ثم ضرب للصوت الوضيع مثلاً فقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ يعني: أقبح الأصوات لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لشدة أصواتها.

وإنما ذكر صوت الحمير، لأن صوت الحمار كان هو المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه في بعض الحيوان.

وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ يعني: قل يا محمد لأهل مكة: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ ذلل لكم ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كل ذلك من الله تعالى.

يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا شريك له وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فالظاهرة التي يراها الناس، والباطنة ما غاب عن الناس.

ويقال: النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الباطنة فالمعروفة بالقلب.

وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق.

والباطنة: تستر عن العيون.

عن ابن عباس قال: سألت النبيّ  عن قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: «الظَّاهِرَةُ الإسْلامُ، وَالبَاطِنَةُ مَا سَتَرَ سَوْأَتَكَ» .

قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: نِعَمَهُ بنصب العين وميم، وضم الهاء.

وقرأ الباقون: نِعَمَهُ بجزم العين ونصب الهاء والميم.

فمن قرأ نِعَمَهُ بالجزم فهي نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده.

ومن قرأ: نِعَمَهُ فهو على معنى جميع ما أنعم الله عز وجل عليهم.

ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بغير حجة وهو النضر بن الحارث وَلا هُدىً أي: بغير بيان من الله عز وجل وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي: مضيئا فيه حجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كان قد رعى معه الغنم-: مَا بَلَغَ بِكَ يا لقمان مَا أرى؟

قَالَ: صِدْقُ الحديثِ، وأداءُ الأَمانةِ، وتركِي ما لا يعنيني، وحِكَمُ لُقْمَانَ كثيرةٌ مأثُورَة.

قال ابن العربي في «أحكامه «١» » : ورَوَى عُلماؤُنا عن مالكِ قال: قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إنَّ الناسَ قد تطاوَلَ عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرةِ سِراعاً يذهبون، وإنك قد اسْتَدْبَرْت الدنيا مذ كنت، واستقبلت الآخرة مع أَنْفَاسِك، وإن داراً ستسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها، انتهى.

وقوله: أَنِ اشْكُرْ يجوز أن تكونَ «أنْ» في مَوضعِ نصب على إسقاط حرف الجر، أي: بأنِ اشْكُرْ للَّهِ ويجوز أن تكونَ مفسِّرَةً، أي: كانت حكمتُه دائرة على الشكر للَّه، وجميع العبادات داخلةٌ في الشكر لله عز وجل، وحَمِيدٌ بمعنى: محمود، أي: هو مستحق ذلك بذاته وصفاته.

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)

وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان ووَهْناً عَلى وَهْنٍ معناه ضعفاً على ضعف، كأنه قال: حملته أمه، والضَّعْفُ يتزيد بعد الضَّعْفِ إلى أن ينقضي أمده.

وقال ص: وَهْناً عَلى وَهْنٍ حالٌ من أمه أي شدة بعد شدة، أَوْ جَهْداً على جَهْدِ، وقيل وَهْناً نطفةٌ، ثم علقةٌ، فيكونُ حالاً من الضمير المنصوب في جملته.

انتهى.

وقوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ.

٦٨ أقال سفيان بن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمسَ فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما.

وقوله سبحانه: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ...

الآية رُوِي أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سَعْدِ بن أبي وقاص وأمه حَمْنَة بنْتِ أبي سفيانَ، على ما تقدم بيانُه، وجملةُ هذا البابِ أن طاعةَ الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ، ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحاتِ وتستحسن في ترك الطاعات الندب.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ وصيةٌ لجميع العالم.

وهذه سبيل الأنبياء والصالحين.

وقوله تعالى- حاكياً عن لقمان يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ...

الآية: ذكرَ كثيرٌ من المفسرين: إنه أراد مثقال حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجيةٌ وتَخْويفٌ منضاف إلى تَبْيِينِ قدرة الله تعالى.

وقوله: وَاصْبِرْ عَلى مَآ أَصابَكَ يَقْتَضِي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذي أحياناً.

وقوله: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يحتمل أن يُرِيْدَ مما عزمه اللهُ وأمَرَ بهِ، قاله ابن جريج «١» : ويحتمل أن يريدَ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكينَ طريقَ النجاةِ قاله جماعة.

والصَّعَرُ: الميل، فمعنى الآية: ولا تُمِلْ خَدَّك للناس كِبْراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم قاله ابن عباس «٢» وجماعة.

وعبارة البخاري: ولا تصاعر، أي: لا تعرض، والتَّصَاعُر: الإعْرَاضُ بالوجه انتهى.

والمَرَحُ: النَّشَاط، والمشي مَرَحَا:

هو في غير شُغْل، ولغير حاجة، وأهل هذه الخُلُقِ ملازمون للفخر والخُيَلاَءِ، فالمَرِحُ مختالُ في مَشيه، وقد ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيدٌ شديدٌ يطول بنا سرده.

قال عيَاضٌ: كان أبو إسحاقَ الجبنياني قَلَّ ما يتركُ ثَلاَثَ كَلِماتٍ وفيهن الخيرُ كلُّه:

اتَّبِعْ وَلاَ تَبْتَدِعْ، اتضع وَلاَ تَرْتَفِعْ، مَنْ وَرِعَ لا يَتَّسِعْ، انتهى.

وغضُّ الصوتِ أوقرُ للمتكلم وأبسطُ لنفس السامع وفهمِه، ثم عَارَضَ ممثلاً بصوت الحَمِير على جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بَعُدت عن الغَض فهِي أنكَرُ الأصوات، فكذلك ما بعُد عن الغَضِّ من أصوات البشر فهو في طريقِ تلك، وفي الحديث: «إذَا سِمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطاناً» .

وقال سفيانُ الثوري: صياح كل شيءٍ تسبيحٌ إلا صياحُ الحمير.

ت: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فاسألوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَنَّهُ رأى شَيْطَاناً» «١» ، رواه الجماعَة إلا ابن ماجَهْ.

وفي لفظ النسائي: «إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ تَصِيحُ بِاللَّيْلِ» ، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإنَّهَا ترى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَقِلُّوا الخُرُوجَ إذَا جَدَّتْ فَإنَّ اللهَ يَبُثُّ في لَيْلِهِ مِنْ خلقه ما يشاء» «٢» .

رواه أبو داود والنسائي والحاكم في «المستدرك» .

واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ انتهى من «السلاح» .

٦٨ ب/ وقوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً.

قال المُحَاسبيُّ- رحمه الله- الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنةُ: نعم العقبى.

والظاهر عندي التعميمُ.

ثم وقف تعالى الكفَرَة على اتِّبَاعهِم دين آبائِهم أيكون وهم بحال من يصير

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: أوْسَعَ وأكْمَلَ ﴿ نِعَمَهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وَأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " نِعَمَهُ "، أرادُوا جَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نِعْمَةً " عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو ما أعْطاهم مِن تَوْحِيدِهِ.

ورَوى الضَّحّاكُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

ما هَذِهِ النِّعْمَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ؟

فَقالَ: " أمّا ما ظَهَرَ: فالإسْلامُ، وما سَوّى اللَّهُ مِن خَلْقِكَ، وما أفْضَلَ عَلَيْكَ مِنَ الرِّزْقِ.

وأمّا ما بَطَنَ: فَسَتَرَ مَساوِئَ عَمَلِكَ، ولَمْ يَفْضَحْكَ "» .

وقالَ الضَّحّاكُ: الباطِنَةُ المَعْرِفَةُ، والظّاهِرَةُ: حُسْنُ الصُّورَةِ، وامْتِدادُ القامَةِ، وتَسْوِيَةُ الأعْضاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ﴾ هو مَتْرُوكُ الجَوابِ، تَقْدِيرُهُ: أفَتَتَّبِعُونَهُ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ الشَيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَعِيرِ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى الصَنْعَةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، وذَلِكَ أنَّ تَسْخِيرَ هَذِهِ الأُمُورِ العِظامِ كالشَمْسِ والقَمَرِ والنُجُومِ والسَحابِ والرِياحِ والحَيَوانِ والنَباتِ إنَّما هو بِمُسَخِّرٍ ومالِكٍ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ عِمارَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَأصْبَغَ" بِالصادِّ عَلى بَدَلِها مِنَ السِينِ؛ لِأنَّ حُرُوفَ الِاسْتِعْلاءِ تَجْتَذِبُ السِينَ مِن سُفْلِها إلى عُلُوِّها فَتَرُدُّها صادًا، والجُمْهُورُ قِراءَتُهم بِالسِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ نِصاحٍ، وغَيْرُهُمْ: "نِعَمَهُ"، جَمْعُ نِعْمَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرِ بِفَتْحِ الدالِّ، و"الظاهِرَةُ" هي الصِحَّةُ وحُسْنُ الخِلْقَةِ والمالُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"الباطِنَةُ" المُعْتَقَداتُ مِنَ الإيمانِ ونَحْوَهُ، والعَقْلُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الظاهِرَةُ: الإسْلامُ وحُسْنُ الخِلْقَةِ، والباطِنَةُ: ما سُتِرَ مِن سَيِّئِ العَمَلِ، وفي الحَدِيثِ: « "قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ  : قَدْ عَرَفْنا الظاهِرَةَ، فَما الباطِنَةُ؟

قالَ: سِتْرُ ما لَوْ رَآكَ الناسُ عَلَيْهِ لَمَقَتُوكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنَ الباطِنَةِ التَنَفُّسُ والهَضْمُ والتَغَذِّي وما لا يُحْصى كَثْرَةٌ، ومِنَ الظاهِرَةِ عَمَلُ الجَوارِحِ بِالطاعَةِ، قالَ المُحاسَبِيُّ: الظاهِرَةُ: نِعَمُ الدُنْيا، والباطِنَةُ: نِعَمُ العُقْبى.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نِعْمَةً" عَلى الإفْرادِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ الإسْلامَ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها  ﴾ .

ثُمَّ عارَضَ بِالكَفَرَةِ مِنها عَلى فَسادِ حالِهِمْ، وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ ﴾ ، وقالَ النَقّاشُ: الإشارَةُ إلى النَضِرِ بْنِ الحارِثِ ونُظَرائِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ اللهَ ويُشْرِكُونَ الأصْنامَ في الأُلُوهِيَّةِ، فَذَلِكَ جِدالُهُمْ، و ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ: لَمْ يُعْلِمْهم مَن يُقْبَلُ قَوْلُهُ، ولا عِنْدَهم هُدى قَلْبٍ ولا نُورَ بَصِيرَةٍ يُقِيمُونَ بِها حُجَّةً، ولا يَبْتَعُونَ بِذَلِكَ كِتابًا بِأمْرِ اللهِ يُبَشِّرُ بِأنَّهُ وحْيٌ، بَلْ ذَلِكَ دَعْوى مِنهم وتَخَرُّصُ، وإذا دُعُوا إلى اتِّباعِ وحْيِ اللهِ رَجَعُوا إلى التَقْلِيدِ المَحْضِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الآباءِ.

ثُمَّ وقَفَ اللهُ تَعالى - وهُمُ المُرادُ بِالتَوْقِيفِ - عَلى اتِّباعِهِمْ دِينَ آبائِهِمْ، أيَكُونُ وهم بِحالِ مَن يَصِيرُ إلى عَذابِ السَعِيرِ؟

فَكَأنَّ القائِلُ مِنهم يَقُولُ: هم يَتَّبِعُونَ دِينَ آبائِهِمْ ولَوْ كانَ مَصِيرُهم إلى السَعِيرِ، فَدَخَلَتْ ألْفُ التَوْقِيفِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ كَما كانَ اتِّساقُ الكَلامِ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الارض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ رجوع إلى تعداد دلائل الوحدانية وما صحب ذلك من منة على الخلق، فالكلام استئناف ابتدائي عن الكلام السابق ورجوع إلى ما سلف في أول السورة في قوله تعالى: ﴿ خَلَق السَّماوات بِغَير عمد ﴾ [لقمان: 10] فإنه بعد الاستدلال بخلق السماوات والأرض والحيوان والأمطار عاد هنا الاستدلال والامتنان بأن سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض.

وقد مضى الكلام على هذا التسخير في تفسير قوله تعالى ﴿ الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ الآيات من سورة إبراهيم (32)، وكذلك في سورة النحل (3).

ومعنى ﴿ سخر لكم ﴾ لأجلكم لأن من جملة ذلك التسخير ما هو منافع لنا من الأمطار والرياح ونور الشمس والقمر ومواقيت البروج والمنازل والاتجاه بها.

والخطاب في ﴿ ألم تروا ﴾ يجوز أن يكون لجميع الناس مؤمنهم ومشركهم لأنه امتنان، ويجوز أن يكون لخصوص المشركين باعتبار أنه استدلال.

والاستفهام في ﴿ ألم تروا ﴾ تقرير أو إنكار لِعدم الرؤية بتنزيلهم منزلة من لم يروا آثار ذلك التسخير لعدم انتفاعهم بها في إثبات الوحدانية.

والرؤية بصرية.

ورؤية التسخير رؤية آثاره ودلائله.

ويجوز أن تكون الرؤية علمية كذلك، والخطاب للمشركين كما في قوله ﴿ خلق السماوات بغير عَمد ترونها ﴾ .

وإسباغ النِعم: إكثارها.

وأصل الإسباغ: جعل ما يلبس سابغاً، أي وافياً في الستر.

ومنه قولهم: درع سابغة.

ثم استعير للإكثار لأن الشيء السابغ كثير فيه ما يتخذ منه من سَرْد أو شُقَق أثواب، ثم شاع ذلك حتى ساوى الحقيقة فقيل: سوابغ النعم.

والنعمة: المنفعة التي يقصد بها فاعلُها الإحسان إلى غيره.

وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر نِعَمهُ } بصيغة جمع نعمة مضاف إلى ضمير الجلالة، وفي الإضافة إلى ضمير الله تنويه بهذه النِعم.

وقرأ الباقون ﴿ نِعْمَةً ﴾ بصيغة المفرد، ولما كان المراد الجنس استوى فيه الواحد والجمع.

والتنكير فيها للتعظيم فاستوى القراءتان في إفادة التنويه بما أسبغ الله عليهم.

وانتصب ﴿ ظاهرة وباطنة ﴾ على الحال على قراءة نافع ومن معه، وعلى الصفة على قراءة البقية.

والظاهرة: الواضحة.

والباطنة: الخفية وما لا يعلم إلا بدليل أو لا يعلم أصلاً.

وأصل الباطنة المستقرة في باطن الشيء أي داخله، قال تعالى: ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ [الحديد: 13] فكم في بدن الإنسان وأحواله من نِعم يعلمها الناس أو لا يعلمها بعضُهم، أو لا يعلمها إلا العلماء، أو لا يعلمها أهل عصر ثم تنكشف لمن بعدهم، وكلا النوعين أصناف دينية ودنيوية.

﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ الواو في قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ واو الحال.

والمعنى: قد رأيتم أن الله سخّر لكم ما في السماوات وأنعم عليكم نعماً ضافية في حال أن بعضكم يجادل في وحدانية الله ويتعامى عن دلائل وحدانيته.

وجملة الحال هنا خبر مستعمل في التعجيب من حال هذا الفريق.

ولك أن تجعل الواو اعتراضيَّة والجملة معترضة بين جملة ﴿ ألم تروا أن الله سخر لكم ﴾ وبين جملة ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ﴾ [لقمان: 25].

وقوله ﴿ ومِنَ النَّاس ﴾ من الإظهار في مقام الإضمار كأنه قيل: ومنكم، و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية.

والمراد بهذا الفريق: هم المتصدون لمحاجة النبي صلى الله عليه وسلم والتمويه على قومهم مثل النضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وعبد الله بن الزِّبْعَرى.

وشمل قوله ﴿ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ مراتبَ اكتساب العلم وهي إما: الاجتهاد والاكتساب، أو التلقي من العالم، أو مطالعة الكتب الصائبة.

وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحج (8).

وجملة ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الخ عطف على صلة ﴿ مَن، ﴾ أي: مَن حالهم هذا وذاك، وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة (170).

والضمير المنصوب في قوله ﴿ يدعوهم ﴾ عائد إلى الآباء، أي أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يَدعو الآباء إلى العذاب فهم يتبعونهم إلى العذاب ولا يهتدون.

و ﴿ لو ﴾ وصلية، والواو معها للحال.

والاستفهام تعجيبي من فظاعة ضلالهم وعماهم بحيث يتبعون من يدعوهم إلى النار، وهذا ذم لهم.

وهو وزان قوله في آية البقرة (170): ﴿ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ﴾ والدعاء إلى عذاب السعير: الدعاء إلى أسبابه.

والسعير تقدم في قوله تعالى: ﴿ كلما خَبَتْ زِدْنَاهم سعيراً ﴾ في سورة الإسراء (97).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ وفي تَسْخِيرِهِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْهِيلُهُ.

الثّانِي: الِانْتِفاعُ بِهِ.

﴿ وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ يَعْنِي نِعْمَةً واحِدَةً، وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى الإسْلامَ فَجَعَلَها واحِدَةً، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: أنَّهُ قَصَدَ التَّكْثِيرَ بِلَفْظِ الواحِدِ كَقَوْلِ العَرَبِ: كَثُرَ الدِّينارُ والدِّرْهَمُ، والأرْضُ سَيْفٌ وفَرَسٌ، وهَذا أبْلَغُ في التَّكْثِيرِ مِن لَفْظِ الجَمْعِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ ظاهِرَةً وباطِنَةً ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الظّاهِرَةَ الإسْلامُ، والباطِنَةَ ما سَتَرَهُ اللَّهُ مِنَ المَعاصِي قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّ الظّاهِرَةَ عَلى اللِّسانِ، والباطِنَةِ في القَلْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ووَكِيعٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الظّاهِرَةَ ما أعْطاهم مِنَ الزِّيِّ والثِّيابِ، والباطِنَةَ مَتاعُ المَنازِلِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الخامِسُ: الظّاهِرَةُ الوَلَدُ، والباطِنَةُ الجِماعُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في نَفْسِهِ، والباطِنَةَ في ذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّ الظّاهِرَةَ ما مَضى، والباطِنَةَ ما يَأْتِي.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في الدُّنْيا، والباطِنَةَ في الآخِرَةِ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنَّ الظّاهِرَةَ في الأبْدانِ، والباطِنَةَ في الأدْيانِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ جاءَ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟

فَجاءَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْهُ.

» الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ كانَ يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي قال: إن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت هذه الآية ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ كنت رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدَثْتَ؟

لتَدَعَنَّ دينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فَتُعَيَّرَ بي، فيُقال يا قاتل أمه قلت: يا أمه لا تفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل، فاصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً آخر وليلة وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت.

فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن عساكر عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات: الأنفال ﴿ وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ والوصية والخمر.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي...

﴾ .

وأخرج ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: جئت من الرمي فإذا الناس مجتمعون على أمي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعلى أخي عامر حين أسلم فقلت: ما شأن الناس!

فقالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامراً تعطي الله عهداً: أن لا يظلها ظل، ولا تأكل طعاماً، ولا تشرب شراباً حتى يدع الصباوة.

فأقبل سعد رضي الله عنه حتى تخلص إليها فقال: علي يا أمه فاحلفي قالت: لم؟

قال: أن لا تستظلي في ظل، ولا تأكلي طعاماً، ولا تشربي شراباً، حتى تريْ مقعدك من النار: فقالت: إنما أحلف على ابني البر.

فأنزل الله: ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: شدة بعد شدة، وخلقاً بعد خلق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: ضعفاً على ضعف.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: مشقة وهو الولد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهناً على وهن ﴾ قال: الولد على وهن؟

قال: الوالدة وضعفها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ قال: تعودهما إذا مرضا، وتتبعهما إذا ماتا، وتواسيهما مما أعطاك الله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليَّ ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتبع سبيل من أناب إليَّ ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنها إن تك مثقال حبة من خردل ﴾ قال: من خير أو شر ﴿ فتكن في صخرة ﴾ قال: في جبل.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأرض على نون، والنون على بحر، والبحر على صخرة خضراء، فخضرة الماء من تلك الصخرة قال: والصخرة على قرن ثور، وذلك الثور على الثرى، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله.

فذلك قوله: ﴿ الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ﴾ [ طه: 6] فجميع ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى في حرم الرحمن، فإذا كان يوم القيامة لم يبق شيء من خلقه، قال: ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ فيهتز ما في السموات والأرض فيجيب هو نفسه فيقول: ﴿ لله الواحد القهار ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ يأت بها الله ﴾ قال: يعلمها الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله لطيف ﴾ قال: باستخراجها.

قال: بمستقرها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأمر بالمعروف ﴾ يعني بالتوحيد ﴿ وانه عن المنكر ﴾ يعني عن الشرك ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ في أمرهما يقول: إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر، وأصابك في ذلك أذى وشدة، فاصبر عليه ﴿ إن ذلك ﴾ يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ من عزم الأمور ﴾ يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ واصبر على ما أصابك ﴾ من الأذى في ذلك ﴿ إن ذلك من عزم الأمور ﴾ يقول: مما عزم الله عليه من الأمور، ومما أمر الله به من الأمور.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في تالي التلخيص عن أبي جعفر الخطمي رضي الله عنه أن جده عمير بن حبيب وكانت له صحبة أوصى بنيه قال: يا بني إياكم ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داء، إنه من يحلم عن السفيه يسر بحلمه، ومن يحبه يندم، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب، وإذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى، وليثق بالثواب من الله، ومن يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى.

وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: ليّ الشدق» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ يقول: لا تتكبر.

فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: الصدود والإِعراض بالوجه عن الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ يقول: لا تعرض وجهك عن فقراء الناس تكبراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ﴾ قال: ليكن الفقير والغني عندك في العلم سواء، وقد عوتب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عبس وتولى ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ قال: تواضع.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ قال: يعني السرعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ يقول: لا تختال: ﴿ واغضض من صوتك ﴾ قال: اخفض من صوتك عن الملأ ﴿ إن أنكر الأصوات ﴾ قال: أقبح الأصوات ﴿ لصوت الحمير ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واقصد في مشيك ﴾ قال: نهاه عن الخيلاء ﴿ واغضض من صوتك ﴾ قال: أمره بالاقتصاد في صوته ﴿ إن أنكر الأصوات ﴾ قال: أقبح الأصوات ﴿ لصوت الحمير ﴾ قال: أوّله زفير وآخره شهيق.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾ قال: أنكرها على السمع.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ﴾ مفسرة في سورة البقرة (١) (١) عند قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  ﴾ ، وذكر هناك سبب نزولها، وأنها نزلت في اليهود.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير ﴾ معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.

حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.

وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.

﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون.

بالتشديد.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.

ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.

التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل  ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.

وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.

إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".

وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله  "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله  ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب  ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.

ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.

وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.

قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.

وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.

فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين  ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.

ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم  ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.

وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.

وروي عن النبي  "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.

وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.

وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً  ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.

وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.

ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".

وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.

هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.

وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.

ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود  وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود  ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟

فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.

عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.

وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.

وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.

روي أنه دخل على داود  وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.

فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.

فقال له داود  : بحق ما سميت حكيماً.

روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.

ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.

قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.

وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.

قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.

ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله  الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.

وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.

وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.

" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟

قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .

وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.

ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.

وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.

واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله  وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله  أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك  ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.

وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.

ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.

وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟

إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.

سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟

الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.

وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.

وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".

وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.

والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.

ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.

فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.

ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.

قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.

قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.

﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.

﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.

﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قال بعضهم: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل من غير نبوة.

وقال بعضهم: أعطي الفهم واللب، وقيل: الفهم والفقه في الدين، وقيل: العلم؛ كأنه يقول: أعطيناه العلم والفهم بالكتب المتقدمة.

والفقه: هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، أو معرفة ما غاب بما شهد، أو معرفة الخفي الباطن بالظاهر، ونحوه.

والفلاسفة يقولون: الحكمة هي المعرفة مع العمل، والحكيم: هو الذي له المعرفة والعلم والعمل جميعاً؛ فحينئذ يسمى: حكيماً.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ يحتمل الوجوه التي ذكرنا - وقلنا له: أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة، وغير ذلك من النعمة، وهذا يدل أن لله فيما يكتسب المؤمن الحكمة والعلم صنعاً؛ إذ لو لم يكن له [لما كان] لقوله: ﴿ آتَيْنَا ﴾ معنى؛ إذ هو للعبد وكسبه ألا ترى أنه أمره أن يشكر له على ذلك، ولو لم يكن له صنع في ذلك لكان لا يأمره بالشكر له على ما لا صنع له فيه؛ إذ يخرج ذلك مخرج طلب الحمد والشكر على ما لم يفعل، وقد ذم من أحب أن يحمد بما لم يفعل؛ فلا يحتمل أن يأمر هو بالحمد والشكر على ما لم يفعل ولا صنع له في ذلك؛ دل أنه له فيه صنعاً، وهو ينقض على المعتزلة في قولهم: أن ليس لله في فعل العبد صنع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ .

هذا يدل أن ما يأمر عباده وينهاهم، وفيما امتحنهم إنما يمتحنهم ويأمرهم وينهاهم؛ لمنافع أنفسهم وحاجتهم، لا لمنفعة نفسه أو لحاجته؛ حيث قال: ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ حيث يتم تلك النعمة ويديمها له؛ فهو بالشكر ينفع نفسه.

من كفر فإنما ضرر كفره يلحقه دون الله؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

أي: غني عن شكره وحمده، حميد وإن لم يحمده أحد من خلقه؛ لأنه غني بذاته، حميد بصنائعه وآلائه وإن لم يحمد هو ولم يشكر على ذلك، لا ينفعه شكر أحد ولا حمده، ولا يضره كفران أحد ولا ترك الشكر له والحمد، وبالله الحول والقوة.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها، وأوقعوها في المهالك، بعدما صورها أحسن تصوير ومثلها أحسن تمثيل، وأعظم الظلم من عمل وسعى في هلاك نفسه.

أو ﴿ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ : ظلموا نعم الله؛ حيث صرفوا شكرها إلى غير منعمها.

أو ظلموا ظلماً عظيماً؛ حيث لم يقبلوا شهادة وحدانية الله وألوهيته فيما جعلها في خلقتهم وبنيتهم؛ إذ جعل في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانيته وربوبيته، وذلك أعظم الظلم وأفحشه.

وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾ .

ولم يذكر هاهنا بماذا وصاه، فجائز الوصية بما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  ﴾ و ﴿ إِحْسَاناً  ﴾ ، والإحسان: هو اسم ما حسن من فعل.

وقوله: ﴿ حُسْناً ﴾ : هو اسم ما حسن مما كان يفعله، وهما واحد في الأصل.

وقوله: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ﴾ .

أي: ضعفا على ضعف، أي: كلما مضى عليها وقت ازداد فيها ضعف على ضعف ووجع على وجع، أمر بالإحسان إليهما جميعاً، ثم ذكر ما حملت الأم من المشقة والشدة، ولم يذكر من الأب شيئاً، وقد كان للأب وقت احتمال الأم المشقة - اللذة والسرور والفرح؛ فجائز أن يقال: إن كان من الأب بإزاء تلك المشقة التي احتملت الأم معنى ما يؤمر أن يشكر له ويحسن إليه - وهو ما يتحمل من الإنفاق عليها وعليه في حال الرضاع، وهو ما ذكر ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أو ما جعله مطعوناً في الناس بحيث لم يعرف له نسب ينسب إليه؛ بل جعله معروف النسب غير مطعون في الخلق ونحوه.

ثم ذكر الفصال ولم يذكر الرضاع والمشقة في الإرضاع لا في الفصال، لكنه ذكر تمام الرضاع وكماله؛ إذ بالفصال يتم ذلك ويكمل، وفي ذكر التمام له والكمال ذكر الرضاع، وليس في ذكر الرضاع نفسه ذكر تمامه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

أمر بالشكر له ولوالديه، وحاصل الشكر راجع إليه دون من يشكر له؛ إذ كل من صنع إلى آخر ما يستوجب به الشكر والثناء - فبالله صنع ذلك إليه وبنعمه كان منه ذلك؛ فكل من حمد دونه أو شكر - فراجع إليه في الحقيقة ذلك.

ثم يخرج قوله: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ على وجهين: أحدهما: اشكر لي فيما تشكر والديك بإحسانهما إليك؛ فإنهما ما أحسنا إليك إلا بفضلي ورحمتي؛ كقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ  ﴾ ، أي: اذكروا الله فيما تذكرون آباءكم بصنعهم؛ فإنهم إنما فعلوا ذلك بفضل الله.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱشْكُرْ لِي ﴾ فيما أنعمت عليك، ﴿ وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ : فيما أحسنا إليك وربياك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ : قد ذكرنا أنه خص ذلك المصير إليه، وإن كانوا في جميع الأوقات صائرين إليه راجعين بارزين له؛ لما المقصود من إنشائهم في هذا ذاك، وصار إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك، ما لولا ذلك لكان عبثاً باطلا، على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا ﴾ .

أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة، ثم بين أن لا في كل أمر يطاعان، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان؛ إنما يطاعان ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال؛ بل يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان أو يأمران، وكذلك ذكر في الخبر: "أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق" .

وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف: فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق؛ حيث قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ .

قال بعضهم: اتبع دين من أقبل إلى ورجع إلى طاعتي وهو النبي.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ ، أي: اتبع سبيلي وديني؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ  ﴾ ، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون تأويله: اتبع سبيلي وديني، ولا تتبع غيري، [واتبع] سبيل من أناب ورجع إلي، ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي.

ثم أخبر برجوع الكل إليه: من رجع وأناب إليه، ومن لم يرجع ولم ينب إليه؛ على الوعيد حيث قال: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ...

﴾ الآية، وهو كقوله: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً  ﴾ ، أي: من استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعاً؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ .

لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير سؤال كان في ذلك؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال، لكن لا نعلم ما كان السؤال؟

وعم كان؟

فإما أن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة التي ذكر، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق، فيما لا يطلع أحد منهم ولا يبلغه علم الخلائق ﴿ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يعلمها الله؛ فإن كان على هذا [الذي] ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبداً مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم؛ لما لا يخفى عليه شيء.

أو أن يكون السؤال عن قدرة الله وسلطانه؛ فأخبر أن الله -  قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر: ما يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة؛ فيخافون قدرة الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه.

أو أن يكون السؤال عن الرزق فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فالله  ؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك؛ ليكونوا أبداً في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون؛ وكذلك قال: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  ﴾ .

أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم ولطف، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ ﴾ : من خير أو شر، ﴿ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ﴾ : في جبل، ﴿ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجازيها الله؛ فيكون على هذا التأويل كقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ، فأي شيء كان، ففي ذلك: دلالة وحدانية الله، ودلالة علمه وتدبيره، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة الثقة به، والتوكل عليه في الرزق، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن الله لطيف في استخراج تلك الحبة، خبير بمكانها، وتأويل هذا الكلام: أي: يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا لا يشعر بها أحد، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته.

واللطيف: هو البار.

ثم يخرج هو على وجهين: أحدهما: فيما أرسل من الرسول، وما أنزل من الكتب؛ ليدلهم إلى ما يهتدون وإلى ما به نجاتهم، خبير بحوائجهم.

والثاني: تأويل اللطيف يحتمل وجهين: أحدهما: البار على ما ذكرنا.

والثاني: في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين: أحدهما: الصلاة التي عرفتها العرب، وهي المسألة والدعاء والثناء على الله والتحميد له والتمجيد؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 56].

وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له والمغفرة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هي الأمر بمسألة الرب حوائجه ومغفرته ورحمته؛ ليكون أبداً في كل حال متضرعاً إلى الله، مظهراً حاجته إليه ومثنيا عليه، واصفاً عظمته وجلاله وكبريائه.

والثاني: أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت؛ فإن كان هذا ففيها - أيضاً - ما في الأول من الدعاء والثناء على الله -  - والوصف له بالعظمة والجلال؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك.

وإن كان أراد بالصلاة؛ الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا كانت للأمم المتقدمة، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ  ﴾ وقول عيسى حيث قال: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

المعروف: اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع.

والمنكر: اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع.

ثم يخرج قوله: ﴿ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ على وجوه: أحدها: المعروف الذي جاءت [به] الرسل عن الله، وشرعوه للخلق، ودعوا [إليه] الخلق.

والمنكر - أيضاً -: هو الذي أنكرته الرسل، ونهت الخلق عنه.

أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح، ويستحسنه كل طبع سليم.

والمنكر: هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله، ويستقبحه كل طبع سليم، يعرف بالبداهة قبحه وحسنه.

أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر؛ فكله يرجع إلى واحد: إلى ما ذكرنا بدءاً، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب.

وقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ﴾ .

من الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهل السفه منهم والفسق؛ فلا بد من أن يصيب الأذى من تولى ذلك، وهذا يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اللوازم: لا يسع تركه، وإن أصابه الأذى في ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .

قال بعضهم: إن ذلك من حزم الأمور، والحزم: من إحكام الشيء وإتقانه؛ كأنه يقول: إن ذلك من محكم الأمور ومتقنها؛ لأن الشيء إذا حزم وشدد يؤمن عن سقوطه وذهابه؛ فعلى ذلك ما ذكر.

وقال: العزم: هو القطع والثبات على شيء، تقول: عزمت على كذا وعلى أمر كذا: إذا قطع تدبيره ورأيه واضطرابه، وجعله بحيث لا يرجع ولا يتحول عنه للدنيا، أو لأمر من أمورها؛ ولكن ثبت على ما عزم وقطع؛ فهو العزم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .

قوله: ولا ﴿ تصاعر ﴾ و ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، بالألف وبغير الألف، كلاهما لغتان.

ثم أهل التأويل أو أكثرهم يقولون: قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: لا تعرض وجهك عن الناس؛ تعظماً وتجبراً وتكبراً، وكذلك في قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ : بطرا فرحا بالمعصية في الخيلاء والعظمة، مستكبراً جباراً، عامتهم يفسرونه بالإعراض للتكبر والتجبر، وكذلك يقول الحسن: إنه قال: هو الإعراض عن الناس من الكبر؛ استحقارا لهم واستخفافا بهم.

والزجاج يقول: الصعر: هو داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه؛ فعلى تأويله يكون قوله: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تلو عنقك عن الناس.

وأبو عوسجة يقول قريباً من ذلك؛ يقول: ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ ﴾ ، أي: لا تتجبر، وهو أن تلوي عنقك؛ فلا تنظر إليهم كبرا.

ويقول: الصعر: هو اعوجاج في العنق؛ يقال: رجل أصعر، وبعير أصعر، وبه صعر، ويقال في الكلام: فلان صعر خده؛ إذا لوى رأسه عن الناس؛ فلم ينظر إليهم؛ كبرا منه.

وقال - كما قال الزجاج -: إن الصعر داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه، وأصله: الإعراض؛ على ما ذكره أهل التأويل وأهل الأدب.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكر أهل التأويل من حقيقة الإعراض؛ تكبراً وتعظيماً لأنفسهم، [و] استخفافا بالناس واستحقارا لهم؛ لما لم يروا الناس أمثالا لأنفسهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ على حقيقة المشي على التكبر والتجبر، على ما ذكرنا.

والثاني: ليس على حقيقة الإعراض بالوجه عنهم، ولا على حقيقة المشي بالأقدام؛ ولكنه كناية عن الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترك لذلك، لا على التكبر والتجبر عليهم والاستخفاف بهم، ولكن على الحذر والخوف منهم.

فإن كان الامتناع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فلم يعذروا في ترك ذلك؛ لما يحذرون ويخافون منهم.

وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: على الأمر بقصد المشي وخفض الصوت: حقيقة المشي وحقيقة الصوت.

والثاني: على الكناية عن كيفية المعاملة وماهيتها فيما بين الناس.

فإن كان على حقيقة المشي والصوت، فكأنه يقول: أي اقصد في المشي في الناس، ولا تمش متكبرا مستخفا بهم؛ لتؤذيهم، ﴿ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ﴾ ، أي: لا ترفع صوتك فوق أصواتهم فتؤذيهم بالصوت، ولكن لينهم بالقول.

وقال بعضهم: امش هيناً لينا، ناكس الرأس، ناظراً حيث تمشي، غير ناظر إلى ما لا يحل ولا يسع، ولا رافع صوتك على الناس فتؤذيهم؛ فيكون صوتك عندهم كصوت الحمير الذي ذكر؛ فينكرونه كما ينكر صوت الحمير.

وإن كان على الكناية عن الأحوال في المعاملة فيما بين الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تطلبوا لأنفسكم في ذلك العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله؛ ولكن كونوا في ذلك عادلين قاصدين غير طالبين العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله.

وقوله: ﴿ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، أي: لا ترفع صوتك على الناس فتؤذيهم كما يؤذي الحمار؛ فيكون صوتك عليهم كصوت الحمار.

أو يذكر هذا؛ لأن الحمار إنما يصيح لحاجة لنفسه وشهوته، وسائر الأشياء إذا صاحوا إنما يصيحون لحاجة أهلها؛ فيذكر أنكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا تفعلوا لمنفعة أنفسكم أو لحاجتكم؛ ولكن قوموا لله في ذلك أو لما ذكرنا.

أو خصّ صوت الحمير؛ لأنه ليس من صوت إلا وفيه لذة ومعونة، غير صوت الحمير؛ فإنه ليس فيه لذة ولا منفعة.

أو ذكر؛ لما قيل: إن أوله زفير وآخره شهيق؛ فيشبه زفير أهل النار وشهيقهم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ .

قال: المختال: المتكبر البطر.

وقال بعضهم: المختال: الخداع الغدار، والفخور: يحتمل الذي يفتخر بكثرة المال؛ أو لما لا يرى أحداً شكلا لنفسه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي، قالوا: لا نتبعه، بل نتبع ما وجدنا عليه أسلافنا من عبادة آلهتنا، أيتبعون أسلافهم ولو كان الشيطان يدعوهم - بما يضلهم به من عبادة الأوثان - إلى عذاب السعير يوم القيامة؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.yyw1W"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله