تفسير الآية ٦ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٦ من سورة لقمان

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٦ من سورة لقمان من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ما ذكر تعالى حال السعداء ، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه ، كما قال [ الله ] تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ) [ الزمر : 23 ] ، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله ، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب ، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) قال : هو - والله - الغناء .

قال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يزيد بن يونس ، عن أبي صخر ، عن أبي معاوية البجلي ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي الصهباء البكري ، أنه سمع عبد الله بن مسعود - وهو يسأل عن هذه الآية : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ) - فقال عبد الله : الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات .

حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا صفوان بن عيسى ، أخبرنا حميد الخراط ، عن عمار ، عن سعيد بن جبير ، عن أبي الصهباء : أنه سأل ابن مسعود عن قول الله : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) قال : الغناء .

وكذا قال ابن عباس ، وجابر ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومكحول ، وعمرو بن شعيب ، وعلي بن بذيمة .

وقال الحسن البصري : أنزلت هذه الآية : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ) في الغناء والمزامير .

وقال قتادة : قوله : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ) : والله لعله لا ينفق فيه مالا ولكن شراؤه استحبابه ، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق ، وما يضر على ما ينفع .

وقيل : عنى بقوله : ( يشتري لهو الحديث ) : اشتراء المغنيات من الجواري .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي : حدثنا وكيع ، عن خلاد الصفار ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ، وأكل أثمانهن حرام ، وفيهن أنزل الله عز وجل علي : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) .

وهكذا رواه الترمذي وابن جرير ، من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه ، ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب .

وضعف علي بن يزيد المذكور .

قلت : علي ، وشيخه ، والراوي عنه ، كلهم ضعفاء .

والله أعلم .

وقال الضحاك في قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) يعني : الشرك .

وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ; واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله .

وقوله : ( ليضل عن سبيل الله ) أي : إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله .

وعلى قراءة فتح الياء ، تكون اللام لام العاقبة ، أو تعليلا للأمر القدري ، أي : قيضوا لذلك ليكونوا كذلك .

وقوله : ( ويتخذها هزوا ) قال مجاهد : ويتخذ سبيل الله هزوا ، يستهزئ بها .

وقال قتادة : يعني : ويتخذ آيات الله هزوا .

وقول مجاهد أولى .

وقوله تعالى : ( أولئك لهم عذاب مهين ) أي : كما استهانوا بآيات الله وسبيله ، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) اختلف أهل التأويل، في تأويل قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيث) فقال بعضهم: من يشتري الشراء المعروف بالثمن، ورووا بذلك خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو ما حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن خلاد الصفار، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ، وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَلا التِّجارَةُ فِيهِنَّ، وَلا أثمَانُهُنَّ، وفيهنّ نـزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) ".

حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن خَلاد الصفار، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، إلا أنه قال: " أكْلُ ثَمَنِهِنَّ حَرَامٌ" وقال أيضا: " وفِيهِنَّ أنـزلَ اللهُ عليَّ هَذِهِ الآيَةَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ".

حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن عمرو بن قيس الكلابي، عن أبي المهلَّب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة.

قال: وثنا إسماعيل بن عَياش، عن مُطَرَّح بن يزيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن عليّ بن زيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحلّ تَعْلِيمُ المُغَنِّياتِ، وَلا بَيْعُهُنَّ وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَثمَنُهُنَّ حَرامٌ، وقَدْ نـزلَ تَصْدِيقُ ذلكَ فِي كِتابِ الله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) إلى آخر الآية ".

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من يختار لهو الحديث ويستحبه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بغَيْرِ عِلْمٍ) والله لعله أن لا ينفق فيه مالا، &; 20-127 &; ولكن اشتراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ، وما يضرّ على ما ينفع.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا أيوب بن سويد، قال: ثنا ابن شوذب، عن مطر في قول الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) قال: اشتراؤه: استحبابه.

وأولى التأويلين عندي بالصواب تأويل من قال: معناه: الشراء، الذي هو بالثمن، وذلك أن ذلك هو أظهر معنييه.

فإن قال قائل: وكيف يشتري لهو الحديث؟

قيل: يشتري ذات لهو الحديث، أو ذا لهو الحديث، فيكون مشتريا لهو الحديث.

وأما الحديث، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الغناء والاستماع له.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي الصهباء البكري (1) أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بغَيْرِ عِلْمٍ) فقال عبد الله: الغناء، والذي لا إله إلا هو، يردّدها ثلاث مرّات.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جُبَير، عن أبي الصهباء، أنه سأل ابن مسعود، عن قول الله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عليّ بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء وأشباهه.

حدثنا ابن وكيع، والفضل بن الصباح، قالا ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: هو الغناء ونحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، مثله.

حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الأنماطي، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: هو الغناء والاستماع له، يعني قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ).

حدثنا الحسن بن عبد الرحيم، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا سفيان، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن جابر في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: هو الغناء والاستماع له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم أو مقسم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: شراء المغنية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص والمحاربي، عن ليث، عن الحكم، عن ابن عباس، قال: الغناء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) قال: باطل الحديث: هو الغناء ونحوه.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن مجاهد (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن مجاهد قال: الغناء.

قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن مجاهد (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: هو الغناء، وكلّ لعب لهو.

حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الأنماطي، قال: ثنا عليّ بن حفص الهمداني، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء والاستماع له وكل لهو.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: المغني والمغنية بالمال الكثير، أو استماع إليه، أو إلى مثله من الباطل.

حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: هو الغناء أو الغناء منه، أو الاستماع له.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثام بن عليّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شعيب بن يسار، عن عكرِمة قال: (لَهْوَ الحَدِيثِ) : الغناء.

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شعيب بن يسار هكذا قال عكرِمة، عن عبيد، مثله.

حدثنا الحسين بن الزبرقان النخعي، قال: ثنا أبو أسامة وعبيد الله، عن أسامة، عن عكرِمة في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) قال: الغناء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أسامة بن زيد، عن عكرِمة، قال: الغناء.

وقال آخرون: عنى باللهو: الطبل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج الأعور، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: اللهو: الطبل.

وقال آخرون: عنى بلهو الحديث: الشرك.

* ذكر من قال ذلك: حديث عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ) يعني: الشرك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيل اللهِ بغيرِ عِلْمٍ وِيتَّخِذَها هُزُوًا) قال: هؤلاء أهل الكفر، ألا ترى إلى قوله: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فليس هكذا أهل الإسلام، قال: وناس يقولون: هي فيكم وليس كذلك، قال: وهو الحديث الباطل الذي كانوا يلغون فيه.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: عنى به كلّ ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عمّ بقوله: (لَهْوَ الحَدِيثِ) ولم يخصص بعضا دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدلّ على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك.

وقوله: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) يقول: ليصدّ ذلك الذي يشتري من لهو الحديث عن دين الله وطاعته، وما يقرّب إليه من قراءة قرآن وذكر الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) قال: سبيل الله: قراءة القرآن، وذكر الله إذا ذكره، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية.

وقوله: (بغَيرِ عِلْم) يقول: فعل ما فعل من اشترائه لهو الحديث جهلا منه بما له في العاقبة عند الله من وزر ذلك وإثمه.

وقوله: (وَيَتَّخِذَها هُزُوًا) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: (وَيَتَّخِذُها) رفعا، عطفا به على قوله: (يَشْتَرِي) كأن معناه عندهم: ومن الناس من يشتري لهو الحديث، ويتخذ آيات الله هزوا.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: (وَيَتَّخِذَها) نصبا عطفا على يضلّ، بمعنى: ليضلّ عن سبيل الله، وليتخذَها هُزُوًا.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان في قرّاء الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته، والهاء والألف في قوله: (وَيَتَّخِذَها) من ذكر سبيل الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (وَيَتَّخِذَها هُزُوًا) قال: سبيل الله.

وقال آخرون: بل ذلك من ذكر آيات الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قال: بِحَسْب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ، وما يضرّ على ما ينفع، ويتخذها هزوا يستهزئ بها ويكذّب بها.

وهما من أن يكونا من ذكر سبيل الله أشبه عندي لقربهما منها، وإن كان القول الآخر غير بعيد من الصواب، واتخاذه ذلك هزوا هو استهزاؤه به.

وقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ عذَابٌ مُهِينٌ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا أنهم يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله.

لهم يوم القيامة عذاب مُذِلّ مخزٍ في نار جهنم.

--------------------- الهوامش : (1) أبو الصهباء "كما في خلاصة الخزرجي": هو صهيب الهاشمي، عن مولاه ابن عباس، وعلى، وابن مسعود، ولم يقل في نسبته: البكري، هناك صهيب المكي أبو موسى الحذاء، ولم يكنه بأبي الصهباء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين .فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث من في موضع رفع بالابتداء .

و ( لهو الحديث ) : الغناء ; في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما .

النحاس : وهو ممنوع بالكتاب والسنة ; والتقدير : من يشتري ذا لهو أو ذات لهو ; مثل : واسأل القرية .

أو يكون التقدير : لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو .قلت : هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه .

والآية الثانية قوله تعالى : وأنتم سامدون .

قال ابن عباس : هو الغناء بالحميرية ; اسمدي لنا ; أي غني لنا .والآية الثالثة قوله تعالى : واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال مجاهد : الغناء والمزامير .

وقد مضى في ( سبحان ) الكلام فيه .

وروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ، ولا خير في تجارة فيهن ، وثمنهن حرام في مثل هذا أنزلت هذه الآية : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله إلى آخر الآية .

قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة ، والقاسم ثقة وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ; قاله محمد بن إسماعيل .

قال ابن عطية : وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد ، وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي .[ ص: 49 ] قلت : هذا أعلى ما قيل في هذه الآية ، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء .

روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال : سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث فقال : الغناء والله الذي لا إله إلا هو ; يرددها ثلاث مرات .

وعن ابن عمر أنه الغناء ; وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول .

وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال : قال عبد الله بن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب ; وقاله مجاهد ، وزاد : إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل .

وقال الحسن : لهو الحديث المعازف والغناء .

وقال القاسم بن محمد : الغناء باطل والباطل في النار .

وقال ابن القاسم سألت مالكا عنه فقال : قال الله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال أفحق هو ؟

!

وترجم البخاري ( باب ) كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ، ومن قال لصاحبه تعالى أقامرك ، وقوله تعالى : ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا فقوله : إذا شغل عن طاعة الله مأخوذ من قوله تعالى : ليضل عن سبيل الله .

وعن الحسن أيضا : هو الكفر والشرك .

وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب .وقيل : نزلت في النضر بن الحارث ; لأنه اشترى كتب الأعاجم : رستم ، وإسفنديار ; فكان يجلس بمكة ، فإذا قالت قريش إن محمدا قال كذا ضحك منه ، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول : حديثي هذا أحسن من حديث محمد ; حكاه الفراء والكلبي وغيرهما .

وقيل : كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول : أطعميه واسقيه وغنيه ; ويقول : هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه .

وهذا القول والأول ظاهر في الشراء .

وقالت طائفة : الشراء في هذه الآية مستعار ، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل .

قال ابن عطية : فكان ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها ; على حد قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ; اشتروا الكفر بالإيمان ، أي استبدلوه منه واختاروه عليه .

وقال مطرف : شراء لهو الحديث استحبابه .

قتادة : ولعله لا ينفق فيه مالا ، ولكن سماعه شراؤه .[ ص: 50 ] قلت : القول الأول أولى ما قيل به في هذا الباب ; للحديث المرفوع فيه ، وقول الصحابة والتابعين فيه .

وقد زاد الثعلبي والواحدي في حديث أبي أمامة : ( وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت ) .

وروى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما : صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ومرح ، ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب .

وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بعثت بكسر المزامير ) خرجه أبو طالب الغيلاني .

وخرج ابن بشران عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت بهدم المزامير والطبل ) .

وروى الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء - فذكر منها : إذا اتخذت القينات والمعازف .

وفي حديث أبي هريرة : وظهرت القيان والمعازف .

وروى ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنه الآنك يوم القيامة .

وروى أسد بن موسى عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر قال : بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة : " أين [ ص: 51 ] عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلوهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني " .

وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر مثله ، وزاد بعد قوله " المسك " : " ثم يقول للملائكة أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي ، وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .

وقد روي مرفوعا هذا المعنى من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين .

فقيل : ومن الروحانيون يا رسول الله ؟

قال : قراء أهل الجنة خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول ، وقد ذكرنا في كتاب التذكرة مع نظائره : فمن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة .

إلى غير ذلك .

وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيناه هناك .

ومن رواية مكحول عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه .

ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء .

وهي المسألة : -الثانية : وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به ، الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل ، والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن ; فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه ; لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق .

فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح ; كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع .

فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام .

قال ابن العربي : فأما طبل الحرب فلا [ ص: 52 ] حرج فيه ; لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو .

وفي اليراعة تردد .

والدف مباح .

الجوهري : وربما سموا قصبة الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة .

قال القشيري : ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة ، فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح ، فكن يضربن ويقلن :نحن بنات النجار ، حبذا محمد من جار.

وقد قيل : إن الطبل في النكاح كالدف ، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث .الثالثة : الاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة ، فإن لم يدم لم ترد .

وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال : سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله عندنا الفساق .

وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال : أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه ، وقال : إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب ; وهو مذهب سائر أهل المدينة ; إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا .

وقال ابن خويز منداد : فأما مالك فيقال عنه : إنه كان عالما بالصناعة وكان مذهبه تحريمها .

وروي عنه أنه قال : تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب ، فقالت لي أمي : أي بني !

إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك ، فطلب العلوم الدينية ; فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خيرا .

قال أبو الطيب الطبري : وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ ، ويجعل سماع الغناء من الذنوب .

وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة : إبراهيم والشعبي وحماد والثوري وغيرهم ، لا اختلاف بينهم في ذلك .

وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك والمنع منه ; إلا ما روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا .

قال : وأما مذهب الشافعي فقال : الغناء مكروه يشبه الباطل ، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته .وذكر أبو الفرج الجوزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال : وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء ، وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات ; قال : وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد ; ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها ، فقال : [ ص: 53 ] تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية .

فقيل له : إنها تساوي ثلاثين ألفا ; ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا ؟

فقال : لا تباع إلا على أنها ساذجة .

قال أبو الفرج : وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد ، بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق .وهذا دليل على أن الغناء محظور ; إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم .

وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم : عندي خمر لأيتام ؟

فقال : أرقها .

فلو جاز استصلاحها لما أمر بتضييع مال اليتامى .

قال الطبري : فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه .

وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري ; وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم بالسواد الأعظم .

ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية .

قال أبو الفرج : وقال القفال من أصحابنا : لا تقبل شهادة المغني والرقاص .قلت : وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز .

وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك .

وقد مضى في الأنعام عند قوله : وعنده مفاتح الغيب وحسبك .الرابعة : قال القاضي أبو بكر ابن العربي : وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته ; إذ ليس شيء منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها ، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها .

أما إنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث ، فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله .

وقال أبو الطيب الطبري : أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا لا يجوز ، سواء كانت حرة أو مملوكة .

قال : وقال الشافعي : وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ; ثم غلظ القول فيه فقال : فهي دياثة .

وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها .[ ص: 54 ] الخامسة : قوله تعالى : ليضل عن سبيل الله قراءة العامة بضم الياء ; أي ليضل غيره عن طريق الهدى ، وإذا أضل غيره فقد ضل .

وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وأبو عمرو ورويس وابن أبي إسحاق ( بفتح الياء ) على اللازم ; أي ليضل هو نفسه .

ويتخذها هزوا قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم بالرفع عطفا على من يشتري ويجوز أن يكون مستأنفا .

وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : ويتخذها بالنصب عطفا على ليضل .

ومن الوجهين جميعا لا يحسن الوقف على قوله : بغير علم والوقف على قوله : هزوا ، والهاء في ويتخذها كناية عن الآيات .

ويجوز أن يكون كناية عن السبيل ; لأن السبيل يؤنث ويذكر .

أولئك لهم عذاب مهين أي شديد يهينهم قال الشاعر [ جرير ] :ولقد جزعت إلى النصارى بعد ما لقي الصليب من العذاب مهينا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ } هو محروم مخذول { يَشْتَرِي } أي: يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء.

{ لَهْوَ الْحَدِيثِ } أي: الأحاديث الملهية للقلوب، الصادَّة لها عن أجلِّ مطلوب.

فدخل في هذا كل كلام محرم، وكل لغو، وباطل، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر، والفسوق، والعصيان، ومن أقوال الرادين على الحق، المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومن غيبة، ونميمة، وكذب، وشتم، وسب، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن الماجريات الملهية، التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا.فهذا الصنف من الناس، يشتري لهو الحديث، عن هدي الحديث { لِيُضِلَّ } الناس { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: بعدما ضل بفعله، أضل غيره، لأن الإضلال، ناشئ عن الضلال.وإضلاله في هذا الحديث; صده عن الحديث النافع، والعمل النافع، والحق المبين، والصراط المستقيم.ولا يتم له هذا، حتى يقدح في الهدى والحق، ويتخذ آيات اللّه هزوا ويسخر بها، وبمن جاء بها، فإذا جمع بين مدح الباطل والترغيب فيه، والقدح في الحق، والاستهزاء به وبأهله، أضل من لا علم عنده وخدعه بما يوحيه إليه، من القول الذي لا يميزه ذلك الضال، ولا يعرف حقيقته.{ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } بما ضلوا وأضلوا، واستهزءوا [بآيات اللّه] وكذبوا الحق الواضح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ) الآية .

قال الكلبي ، ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشا ، ويقول : إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، فأنزل الله هذه الآية .

وقال مجاهد : يعني شراء القيان والمغنيين ، ووجه الكلام على هذا التأويل : من يشتري ذات لهو أو ذا لهو الحديث .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي ، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا مشمعل بن ملحان الطائي ، عن مطرح بن يزيد ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم بن عبد العزيز ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام " ، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " ، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين : أحدهما على هذا المنكب ، والآخر على هذا المنكب ، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت .

أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال ، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي ، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي ، أخبرنا محمد بن غالب بن تمام ، أخبرنا خالد بن أبي يزيد ، عن هشام هو ابن حسان ، عن محمد هو ابن سيرين ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة " .

قال مكحول : من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه ، إن الله يقول : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " الآية .

وعن عبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير قالوا : " لهو الحديث " هو الغناء ، والآية نزلت فيه .

ومعنى قوله : ( يشتري لهو الحديث ) أي : يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن ، قال أبو الصباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال : هو الغناء ، والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات .

وقال إبراهيم النخعي : الغناء ينبت النفاق في القلب ، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف .

وقيل : الغناء رقية الزنا .

وقال ابن جريج : هو الطبل وعن الضحاك قال : هو الشرك .

وقال قتادة : هو كل لهو ولعب .

( ليضل عن سبيل الله بغير علم ) أي : يفعله عن جهل .

قال قتادة : بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق .

قوله تعالى : ( ويتخذها هزوا ) أي : يتخذ آيات الله هزوا .

قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، ويعقوب : ) ( ويتخذها ) بنصب الذال عطفا على قوله : " ليضل " ، وقرأ الآخرون بالرفع نسقا على قوله : " يشتري " .

( أولئك لهم عذاب مهين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الناس من يشتري لهو الحديث» أي ما يلهي منه عما يعني «ليضلَّ» بفتح الياء وضمها «عن سبيل الله» طريق الإسلام «بغير علمٍ ويتخذها» بالنصب عطفاً على يضل، وبالرفع عطفاً على يشتري «هزؤاً» مهزوءاً بها «أولئك لهم عذاب مهين» ذو إهانة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن الناس مَن يشتري لَهْو الحديث - وهو كل ما يُلهي عن طاعة الله ويصد عن مرضاته- ليضلَّ الناس عن طريق الهدى إلى طريق الهوى، ويتخذ آيات الله سخرية، أولئك لهم عذاب يهينهم ويخزيهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال طائفة أخرى منا لناس ، كانا على النقيض من سابقيهم ، فقال : ( وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي .

.

.

فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .قد ذكر المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات اشهرها ، أنهما نزلتا فى النضر بن الحارث .

اشترى قينة - أى مغنية - ، وكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته ، فيقول لها : أطعميه واسقيه وغنيه ، فهذا خير مما يدعوك إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه .و ( لَهْوَ الحديث ) : باطله ، ويطلق على كل كلام يلهى القلب ، ويشغله عن طاعة الله - تعالى - ، كالغناء ، والملاهى ، وما يشبه ذلك مما يصد عن ذكر الله - تعالى - :وقد فسر كثير من العلماء بالغناء ، والأفضل تفسيره بكل حديث لا يثمر خيرا .و ( مِنَ ) فى قوله ( وَمِنَ الناس ) للتبعيض ، أى : ومن الناس من يترك القول الذى ينفعه ، ويشترى الأحاديث الباطلة ، والخرافات الفاسدة .قال القرطبى ما ملخصه : هذه إحدى الآيات التى استدل بها العلماء على كارهة الغناء والمنع منه .

ولا يختلف فى تحريم الذى يحرك النفوس ، ويبعثها على الغزل والمجون .

.

فأما ما سلم من ذلك ، فيجوز القليل منه فى أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان فى حفر الخندق .

.وقوله : ( لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً ) تعليل لاشتراء لهو الحديث .

والمراد بسبيل الله - تعالى - : دينه وطريقه الذى اختاره لعباده .وقد قرأ الجمهور : ( ليُضل ) بضم الياء - أى : يشرتى لهو الحديث ليضل غيره عن صراط الله المستقيم ، حالة كونه غير عالم بسوء عاقبة ما يفعله ، ولكى يتخذ آيات الله - تعالى - مادة لسخريته واستهزائه .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( ليَضل ) - بفتح الياء - فيكون المعنى : يشترى لهو الحديث ليزداد رسوخا فى ضلاله .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : القراءة بالضمر بينة ، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو ، أن يصد الناس عن الدخول فى الإِسلام واستماع القرآن ، ويضلهم عنه ، فما معنى القراءة بالفتح؟

.قلت : فيه معنيان ، أحدهما : ليثبت على ضلاله الذى كان عليه ، ولا يصدف عنه ، ويزيد فيه ويمده فإن المخذوف كان شتديد الشكيمة فى عداوة الدين وصد الناس عنه .

والثانى : أن بوضع ليضَل موضع ليضُل ، من قبل أن من أضل كان ضالا لا محالة ، فدل بالرديف على المردوف .

.وقوله : ( أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) بيان لسوء عاقبة من يؤثر الضلالة على الهداية .أى : أولئك الذين يشترون لهو الحديث ، ليصرفوا الناس عند دين الله - تعالى - ، وليستهزئوا بآياته ، لهم عذاب يهينهم ويذلهم ، ويجعلهم محل الاحتقار والهوان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بين من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه: الأول: أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح الثاني: هو أن الحديث إذا كان لهواً لا فائدة فيه كان أقبح الثالث: هو أن اللهو قد يقصد به الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «روحوا القلوب ساعة فساعة» رواه الديلمي عن أنس مرفوعاً ويشهد له ما في مسلم يا حنظلة ساعة وساعة والعوام يفهمون منه الأمر بما يجوز من المطايبة، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق فإن الترويح به لا غير فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله: ﴿ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ كان فعله أدخل في القبح.

ثم قال تعالى: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ عائد إلى الشراء أي يشتري بغير علم ويتخذها أي يتخذ السبيل هزواً أولئك ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ قوله: ﴿ مُّهِينٌ ﴾ إشارة إلى أمر يفهم منه الدوام، وذلك لأن الملك إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده، فالجلاد إن علم أنه ممن يعود إلى خدمة الملك ولا يتركه الملك في الحبس يكرمه ويخفف من تعذيبه، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه وأمره قد انقضى، فإنه لا يكرمه.

فقوله: ﴿ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ إشارة إلى هذا وبه يفرق بين عذاب المؤمن وعذاب الكافر، فإن عذاب المؤمن ليطهر فهو غير مهين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب الحكيم ﴾ ذي الحكمة.

أو وصف بصفة الله تعالى على الإسناد المجازي.

ويجوز أن يكون الأصل: الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعاً بعد الجر استكن في الصفة المشبهة ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ بالنصب على الحال عن الآيات، والعامل فيها: ما في تلك من معنى الإشارة.

وبالرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لّلْمُحْسِنِينَ ﴾ للذين يعملون الحسنات وهي التي ذكرها: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة ونظيره قول أوس: الأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ ** كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا حكى عن الأصمعي: أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد.

أو للذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاث بفضل الاعتداد بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ ما يُلْهِي عَمّا يَعْنِي كالأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها والأساطِيرِ الَّتِي لا اعْتِبارَ بِها والمَضاحِكِ وفُضُولِ الكَلامِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن وهي تَبْيِينِيَّةٌ إنْ أرادَ بِالحَدِيثِ المُنْكَرَ وتَبْعِيضِيَّةٌ إنْ أرادَ بِهِ الأعَمَّ مِنهُ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ اشْتَرى كُتُبَ الأعاجِمِ وكانَ يُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدَيارَ والأكاسِرَةِ.

وقِيلَ كانَ يَشْتَرِي القِيانَ ويَحْمِلُهُنَّ عَلى مُعاشَرَةِ مَن أرادَ الإسْلامَ ومَنعُهُ عَنْهُ.

﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ دِينِهِ أوْ قِراءَةِ كِتابِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى لِيَثْبُتَ عَلى ضَلالِهِ ويَزِيدَ فِيهِ.

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ أوْ بِالتِّجارَةِ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ اللَّهْوَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ.

﴿ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا ﴾ ويَتَّخِذَ السَّبِيلَ سُخْرِيَةً، وقَدْ نَصَبَهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ عَطْفًا عَلى ( لِيُضِلَّ ) .

﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ لِإهانَتِهِمُ الحَقَّ بِاسْتِئْثارِ الباطِلِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث} نزلت في النضر بن الحرث وكان يشتري أخبار الا كاسرة من فارس ويقول إن محمداً يقص طرفاً من قصة عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث الا كاسرة فيميلون إلى حديثه ويتركون استماع القرآن واللهو كل باطل الهى عن الخيروعما يعني ولهو الحديث نحو السمر بالأساطير التي لا أصل لها والغناء وكان ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما يحلفان أنه الغناء وقيل الغناء مفسدة للقلب منفذة للمال مسخطة للرب وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت والاشتراء من الشراء كما روي عن النضر أو من قوله اشتروا الكفر بالإيمان أي استبدلوه منه واختاروه عليه أي يختارون حديث الباطل على حديث الحق وإضافة اللهو إلى الحديث للتبيين بمعنى من لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبيّن بالحديث والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش أو للتبعيض كأنه قيل ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه {لِيُضِلَّ} أي ليصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ليضَل مكي وأبو عمرو أي

لقمان (١١ - ٦)

ليثبت على ضلاله الذي كان عليه ويزيد فيه {عَن سَبِيلِ الله} عن دين الإسلام والقرآن {بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي جهلاً منه بما عليه من الوزرية {وَيَتَّخِذَهَا} أي السبيل بالنصب كوفي غير أبي بكر

عطفاً على ليضل ومن رفع عطفه على يشتري {هُزُواً} بسكون الزاي والهمزة حمزة وبضم الزاي بلا همز حفص وغيرهم بضم الزاي والهمزة {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي يهينهم ومن لا بهامه يقع على الواحد والجمع أي النضر وأمثاله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ النّاسِ ﴾ أيْ بَعْضٍ مِنَ النّاسِ، أوْ بَعْضُ النّاسِ ﴿ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ أيِ الَّذِي أوْ فَرِيقٌ يَشْتَرِي عَلى أنَّ مَناطَ الإفادَةِ والمَقْصُودَ بِالأصالَةِ هو اتِّصافُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ لا كَوْنُهم ذَواتَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: مِنَ النّاسِ هادٍ مَهْدِيٌّ، ومِنهم ضالٌّ مُضِلٌّ، أوْ عَطَفَ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ، وقِيلَ: إنَّها حالٌ مِن فاعِلِ الإشارَةِ أيْ أُشِيرَ إلى آياتِ الكِتابِ حالَ كَوْنِها هُدًى ورَحْمَةً والحالُ مِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي إلَخْ، ( ولَهْوَ الحَدِيثِ ) عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ كُلُّ ما شَغَلَكَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِهِ مِنَ السَّمَرِ والأضاحِيكِ والخُرافاتِ والغِناءِ ونَحْوِها، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، إنْ أُرِيدَ بِالحَدِيثِ المُنْكَرُ، كَما في حَدِيثِ: ««الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ»» بِناءً عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ وتَبْعِيضِيَّةٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ، بِناءً عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ النُّحاةِ كابْنِ كَيْسانَ، والسِّيرافِيِّ قالُوا: إضافَةُ ما هو جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بِها في كَلامِهِمْ، والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ، وذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ السِّراجِ، والفارِسِيُّ وهو الأصَحُّ أنَّها عَلى مَعْنى اللّامِ كَما فَصَّلَهُ أبُو حَيّانَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وذَكَرَهُ شارِحُ اللُّمَعِ.

وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ ﴿ لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ الشِّرْكُ، وقِيلَ: السِّحْرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي الصَّهْباءِ، قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ: هو واللَّهِ الغِناءُ وبِهِ فَسَّرَ كَثِيرٌ، والأحْسَنُ تَفْسِيرُهُ بِما يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ، كَما ذَكَرْناهُ عَنِ الحَسَنِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ( لَهْوُ الحَدِيثِ ) هو الغِناءُ، وأشْباهُهُ، وعَلى جَمِيعِ ذَلِكَ يَكُونُ الِاشْتِراءُ اسْتِعارَةٌ لِاخْتِيارِهِ عَلى القُرْآنِ واسْتِبْدالِهِ بِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ: الجَوارِي الضّارِباتُ.

وأخْرَجَ آدَمُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ فِيهِ: هو اشْتِراؤُهُ المُغَنِّيَ والمُغَنِّيَةَ والِاسْتِماعُ إلَيْهِ، وإلى مِثْلِهِ مِنَ الباطِلِ، وفي رِوايَةٍ ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ هو رَجُلٌ يَشْتَرِي جارِيَةً تُغَنِّيهِ لَيْلًا أوْ نَهارًا، واشْتُهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَفي رِوايَةِ جُوَيْبِرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ اشْتَرى قَيْنَةً فَكانَ لا يَسْمَعُ بِأحَدٍ يُرِيدُ الإسْلامَ إلّا انْطَلَقَ بِهِ إلى قَيْنَتِهِ، فَيَقُولُ: أطْعِمِيهِ واسْقِيهِ وغَنِّيهِ، ويَقُولُ: هَذا خَيْرٌ مِمّا يَدْعُوكَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وأنْ تُقاتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَزَلَتْ».

وفِي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ: «أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ تاجِرًا إلى فارِسَ فَيَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: كُتُبَ الأعاجِمِ، فَيَرْوِيها، ويُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ، وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ، وإسْفَنْدَيارَ، وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ خَطَلٍ اشْتَرى جارِيَةً تُغَنِّي بِالسَّبِّ، ولا يَأْبى نُزُولَها فِيمَن ذَكَرَ الجَمْعَ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ: ( أُولَئِكَ لَهم ) كَما لا يَخْفى عَلى الفَطِنِ، والِاشْتِراءُ عَلى أكْثَرِ هَذِهِ الرِّواياتِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويَحْتاجُ في بَعْضِها إلى عُمُومِ المَجازِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن دَقَّقَ النَّظَرَ، وجَعَلَ المُغَنِّيَةَ ونَحْوَها نَفْسَ لَهْوِ الحَدِيثِ مُبالَغَةً كَما جَعَلَ النِّساءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ  ﴾ نَفْسَ الزِّينَةِ.

وفِي البَحْرِ: إنْ أُرِيدَ بِلَهْوِ الحَدِيثِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الشِّراءُ كالجَوارِي المُغَنِّياتِ وكَكُتُبِ الأعاجِمِ، فالِاشْتِراءُ حَقِيقَةٌ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مَن يَشْتَرِي ذاتَ لَهْوِ الحَدِيثِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ذاتٍ، لِأنَّهُ لَمّا اشْتُرِيَتِ المُغَنِّيَةُ لِغِنائِها، فَكَأنَّ المُشْتَرى هو الغِناءُ نَفْسُهُ، فَتَدَبَّرْهُ، وفي الآيَةِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ ذَمٌّ لِلْغِناءِ بِأعْلى صَوْتٍ، وقَدْ تَضافَرَتِ الآثارُ وكَلِماتُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ الأخْيارِ عَلى ذَمِّهِ مُطْلَقًا، لا في مَقامٍ دُونَ مَقامٍ، فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، في شُعَبِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا رَكِبَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ ولَمْ يُسَمِّ رَدِفَهُ شَيْطانٌ، فَقالَ: تَغَنَّهْ، فَإنْ كانَ لا يُحْسِنُ، قالَ: تَمَنَّهْ، وأخْرَجا أيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سَألَ عَنِ الغِناءِ فَقالَ لِلسّائِلِ: أنْهاكَ عَنْهُ وأكْرَهُهُ لَكَ، فَقالَ السّائِلُ: أحَرامٌ هُوَ؟

قالَ: انْظُرْ يا ابْنَ أخِي إذا مَيَّزَ اللَّهُ تَعالى الحَقَّ مِنَ الباطِلِ في أيِّهِما يَجْعَلُ سُبْحانَهُ الغَناءَ؟

وأخْرَجا عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ تَعالى المُغَنِّيَ والمُغَنّى لَهُ»، وفي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ»،» وأخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، ورَواهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْهُ، وعَنْ أنَسٍ وضَعَّفَهُ ابْنُ القَطّانِ، وقالَ النَّوَوِيُّ: لا يَصِحُّ، وقالَ العِراقِيُّ: رَفْعُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ في إسْنادِهِ مَن لَمْ يُسَمَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ وقْفَهُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ صَحِيحٌ، وهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ، إذْ مِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ما رَفَعَ أحَدٌ صَوْتَهُ بِغِناءٍ إلّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ شَيْطانَيْنِ يَجْلِسانِ عَلى مَنكِبَيْهِ يَضْرِبانِ بِأعْقابِهِما عَلى صَدْرِهِ حَتّى يُمْسِكَ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عُثْمانَ اللَّيْثِيِّ قالَ: قالَ يَزِيدُ بْنُ الوَلِيدِ النّاقِصُ: (يا بَنِي أُمَيَّةَ، إيّاكم والغِناءَ، فَإنَّهُ يَنْقُصُ الحَياءَ ويَزِيدُ في الشَّهْوَةِ، ويَهْدِمُ المُرُوءَةَ، وإنَّهُ لَيَنُوبُ عَنِ الخَمْرِ، ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ السُّكْرُ، فَإنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّساءَ فَإنَّ الغِناءَ داعِيَةُ الزِّنا)، وقالَ الضَّحّاكُ: الغِناءُ مَنفَدَةٌ لِلْمالِ مَسْخَطَةٌ لِلرَّبِّ، مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا تَبِيعُوا القَيْناتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ، ولا تُعَلِّمُوهُنَّ ولا خَيْرَ في تِجارَةٍ فِيهِنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرامٌ في مِثْلِ هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»» وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ القَيْنَةَ وبَيْعَها وثَمَنَها وتَعْلِيمَها والِاسْتِماعَ إلَيْها ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ » ويَعُودُ هَذا ونَحْوُهُ إلى ذَمِّ الغِناءِ.

وقِيلَ: الغِناءُ جاسُوسُ القَلْبِ وسارِقُ المُرُوءَةِ والعُقُولِ، يَتَغَلْغَلُ في سُوَيْداءِ القُلُوبِ ويَطَّلِعُ عَلى سَرائِرِ الأفْئِدَةِ، ويَدِبُّ إلى بَيْتِ التَّخْيِيلِ فَيَنْشُرُ ما غُرِزَ فِيها مِنَ الهَوى، والشَّهْوَةِ، والسَّخافَةِ، والرُّعُونَةِ، فَبَيْنَما تَرى الرَّجُلَ وعَلَيْهِ سَمْتُ الوَقارِ، وبَهاءُ العَقْلِ، وبَهْجَةُ الإيمانِ، ووَقارُ العِلْمِ، كَلامُهُ حِكْمَةٌ، وسُكُوتُهُ عِبْرَةٌ فَإذا سَمِعَ الغِناءَ نَقَصَ عَقْلُهُ وحَياؤُهُ، وذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ وبَهاؤُهُ، فَيَسْتَحْسِنُ ما كانَ قَبْلَ السَّماعِ يَسْتَقْبِحُهُ، ويُبْدِي مِن أسْرارِهِ ما كانَ يَكْتُمُهُ، ويَنْتَقِلُ مِن بَهاءِ السُّكُوتِ والسُّكُونِ إلى كَثْرَةِ الكَلامِ، والهَذَيانِ، والِاهْتِزازِ، كَأنَّهُ جانٌّ، ورُبَّما صَفَّقَ بِيَدَيْهِ ودَقَّ الأرْضَ بِرِجْلَيْهِ، وهَكَذا تَفْعَلُ الخَمْرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِهِ، فَحَكى تَحْرِيمَهُ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ، والقُرْطُبِيُّ، والماوَرْدِيُّ، والقاضِي عِياضٌ.

وفِي التّاتارِخانِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّ التَّغَنِّيَ حَرامٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ، وذُكِرَ في الزِّياداتِ أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْمُغَنِّينَ والمُغَنِّياتِ مِمّا هو مَعْصِيَةٌ عِنْدَنا، وعِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وحُكِيَ عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ المِرْغِينانِيِّ: أنَّهُ قالَ: مَن قالَ لِمُقْرِئِ زَمانِنا: أحْسَنْتَ عِنْدَ قِراءَتِهِ كَفَرَ.

وصاحِبا الهِدايَةِ والذَّخِيرَةِ سَمَّياهُ كَبِيرَةً.

هَذا في التَّغَنِّي لِلنّاسِ في غَيْرِ الأعْيادِ والأعْراسِ، ويَدْخُلُ فِيهِ تَغَنِّي صُوفِيَّةِ زَمانِنا في المَساجِدِ والدَّعَواتِ بِالأشْعارِ والأذْكارِ مَعَ اخْتِلاطِ أهْلِ الأهْواءِ، والمُرادُ بَلْ هَذا أشَدُّ مِن كُلِّ تَغَنٍّ، لِأنَّهُ مَعَ اعْتِقادِ العِبادَةِ، وأمّا التَّغَنِّي وحْدَهُ بِالأشْعارِ لِدَفْعِ الوَحْشَةِ، أوْ في الأعْيادِ والأعْراسِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، والصَّوابُ مَنعُهُ مُطْلَقًا في هَذا الزَّمانِ انْتَهى.

وفِي الدُّرِّ المُخْتارِ التَّغَنِّي لِنَفْسِهِ لِدَفْعِ الوَحْشَةِ لا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ العامَّةِ عَلى ما في العِنايَةِ، وصَحَّحَهُ العَيْنِيُّ، وغَيْرُهُ.

قالَ: ولَوْ فِيهِ وعْظٌ وحِكْمَةٌ فَجائِزٌ اتِّفاقًا، ومِنهم مَن أجازَهُ في العُرْسِ، كَما جازَ ضَرْبُ الدُّفِّ فِيهِ، ومِنهم مَن أباحَهُ مُطْلَقًا، ومِنهم مَن كَرِهَهُ مُطْلَقًا انْتَهى.

وفي البَحْرِ: والمَذْهَبُ حُرْمَتُهُ مُطْلَقًا، فانْقَطَعَ الِاخْتِلافُ بَلْ ظاهِرُ الهِدايَةِ أنَّهُ كَبِيرَةٌ، ولَوْ لِنَفْسِهِ، وأقَرَّهُ المُصَنِّفُ، وقالَ: ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ مَن يَسْمَعُ الغِناءَ، أوْ يَجْلِسُ مَجْلِسَهُ انْتَهى كَلامُ الدُّرِّ.

وذَكَرَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الطَّرَسُوسِيُّ في كِتابِهِ في تَحْرِيمِ السَّماعِ أنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ يَكْرَهُ الغِناءَ ويَجْعَلُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وكَذَلِكَ مَذْهَبُ أهْلِ الكُوفَةِ سُفْيانَ، وحَمّادٍ، وإبْراهِيمَ، والشَّعْبِيِّ، وغَيْرِهِمْ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهم في ذَلِكَ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ البَصْرَةِ في كَراهَةِ ذَلِكَ، والمَنعِ مِنهُ انْتَهى، وكَأنَّ مُرادَهُ بِالكَراهَةِ الحُرْمَةُ، والمُتَقَدِّمُونَ كَثِيرًا ما يُرِيدُونَ بِالمَكْرُوهِ الحَرامَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا  ﴾ ، ونَقَلَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فِيهِ أيْضًا عَنِ الإمامِ مالِكٍ أنَّهُ نَهى عَنِ الغِناءِ، وعَنِ اسْتِماعِهِ، وقالَ: إذا اشْتَرى جارِيَةً فَوَجَدَها مُغَنِّيَةً فَلَهُ أنْ يَرُدَّها بِالعَيْبِ، وإنَّهُ سُئِلَ: ما تَرَخَّصَ فِيهِ أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الغِناءِ؟

فَقالَ: إنَّما يَفْعَلُهُ عِنْدَنا الفُسّاقُ؟

ونُقِلَ التَّحْرِيمُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الحَنابِلَةِ عَلى ما حَكاهُ شارِحُ المُقْنِعِ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِ (البُلْغَةِ) أنَّ أكْثَرَ أصْحابِهِمْ عَلى التَّحْرِيمِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ أبِي عَنِ الغِناءِ؟

فَقالَ: يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يُعْجِبُنِي، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مالِكٍ: إنَّما يَفْعَلُهُ عِنْدَنا الفُسّاقُ، وقالَ المُحاسِبِيُّ في رِسالَةِ الإنْشاءِ: الغِناءُ حَرامٌ كالمَيْتَةِ، ونَقَلَ الطَّرَسُوسِيُّ أيْضًا عَنْ كِتابِ أدَبِ القَضاءِ أنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ الغِناءَ لَهْوٌ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الباطِلَ، والمُحالُ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنهُ، فَهو سَفِيهٌ تُرَدُّ شَهادَتُهُ، وفِيهِ: أنَّهُ صَرَّحَ أصْحابُهُ العارِفُونَ بِمَذْهَبِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وأنْكَرُوا عَلى مَن نَسَبَ إلَيْهِ حِلَّهُ، كالقاضِي أبِي الطَّيِّبِ، والطَّبَرِيِّ، والشَّيْخِ أبِي إسْحاقَ في التَّنْبِيهِ، وذَكَرَ بَعْضُ تَلامِذَةِ البَغَوِيِّ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ التَّقْرِيبَ: أنَّ الغِناءَ حَرامٌ فِعْلُهُ وسَماعُهُ، وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاواهُ بَعْدَ كَلامٍ طَوِيلٍ: فَإذَنْ هَذا السَّماعُ حَرامٌ بِإجْماعِ أهْلِ الحِلِّ والعَقْدِ مِنَ المُسْلِمِينَ انْتَهى.

والَّذِي رَأيْتُهُ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ لِلْفاضِلِ المُناوِيِّ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ أنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ أمْنِ الفِتْنَةِ، وفي المِنهاجِ يُكْرَهُ الغِناءُ بِلا آلَةٍ، قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: لِما صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَكَرَ الحَدِيثَ السّابِقَ المَوْقُوفَ عَلَيْهِ، وإنَّهُ جاءَ مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بَيَّنَها في كِتابِهِ (كَفُّ الرِّعاعِ عَنْ مُحَرَّماتِ اللَّهْوِ والسَّماعِ)، ثُمَّ قالَ: وزَعَمَ أنَّهُ لا دِلالَةَ فِيهِ عَلى كَراهَتِهِ، لِأنَّ بَعْضَ المُباحَ كَلُبْسِ الثِّيابِ الجَمِيلَةِ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، ولَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، يُرَدُّ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا يُنْبِتُ نِفاقًا أصْلًا، ولَئِنْ سَلَّمْناهُ فالنِّفاقُ مُخْتَلِفٌ، فالنِّفاقُ الَّذِي يُنْبِتُهُ الغِناءُ مِنَ التَّخَنُّثِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أقْبَحُ وأشْنَعُ، كَما لا يَخْفى، ثُمَّ قالَ: وقَدْ جَزَمَ الشَّيْخانِ يَعْنِي النَّوَوِيَّ والرّافِعِيَّ في مَوْضِعٍ بِأنَّهُ مَعْصِيَةٌ، ويَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلى ما فِيهِ وصْفٌ نَحْوُ خَمْرٍ، أوْ تَشَبُّبٍ بِأمْرَدَ، أوْ أجْنَبِيَّةٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ غالِبًا عَلى مَعْصِيَةٍ، قالَ الأذْرُعِيُّ: أمّا ما اعْتِيدَ عِنْدَ مُحاوَلَةِ عَمَلٍ، وحَمْلِ ثَقِيلٍ، كَحُداءِ الأعْرابِ لِإبِلِهِمْ، والنِّساءِ لِتَسْكِينِ صِغارِهِنَّ، فَلا شَكَّ في جَوازِهِ، بَلْ رُبَّما يُنْدَبُ إذا نَشَّطَ عَلى سَيْرٍ، أوْ رَغَّبَ في خَيْرٍ، كَ الحُداءِ في الحَجِّ والغَزْوِ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما جاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ انْتَهى، وقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ: بِلا آلَةٍ، حُرْمَتُهُ مَعَ الآلَةِ، قالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَكِنَّ القِياسَ تَحْرِيمُ الآلَةِ فَقَطْ، وبَقاءُ الغِناءِ عَلى الكَراهَةِ انْتَهى.

ومِثْلُ الِاخْتِلافِ في الغِناءِ الِاخْتِلافُ في السَّماعِ، فَأباحَهُ قَوْمٌ كَما أباحُوا الغِناءَ واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ««دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بِغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ عَلى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ» - وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ - «تَسَجّى بِثَوْبِهِ، ودَخَلَ أبُو بَكْرٍ فانْتَهَرَنِي وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟

فَأقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: دَعْهُما، فَلَمّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُما، فَخَرَجَتا، وكانَ يَوْمَ عِيدٍ»» الحَدِيثَ.

ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ هُناكَ غِناءً، أوْ سَماعًا، وقَدْ أنْكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْكارَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى جَوازِ سَماعِ الرَّجُلِ صَوْتَ الجارِيَةِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمِعَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلى أبِي بَكْرٍ سَماعَهُ، بَلْ أنْكَرَ إنْكارَهُ، وقَدِ اسْتَمَرَّتا تُغَنِّيانِ إلى أنْ أشارَتْ إلَيْهِما عائِشَةُ بِالخُرُوجِ.

وإنْكارُ أبِي بَكْرٍ عَلى ابْنَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ لِظَنِّ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فَوَجَدَهُ مُغَطًّى بِثَوْبِهِ، فَظَنَّهُ نائِمًا.

وفي فَتْحِ البارِي اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى إباحَةِ الغِناءِ وسَماعِهِ بِآلَةٍ وبِغَيْرِ آلَةٍ.

ويَكْفِي في رَدِّ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا بُعَيْدَهُ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: ««دَخْلَ عَلَيَّ أبُو بَكْرٍ وعِنْدِي جارِيَتانِ مِن جَوارِي الأنْصارِ تُغَنِّيانِ بِما تَقاوَلَتِ الأنْصارُ يَوْمَ بُعاثَ، قالَتْ: ولَيْسَتا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أبِمَزامِيرِ الشَّيْطانِ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ  ؟

وذَلِكَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا أبا بَكْرٍ، إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهَذا عِيدُنا»» فَنَفَتْ فِيهِ عَنْهُما مِن طَرِيقِ المَعْنى ما أثْبَتَتْهُ لَهُما بِاللَّفْظِ، لِأنَّ الغِناءَ يُطْلَقُ عَلى رَفْعِ الصَّوْتِ، وعَلى التَّرَنُّمِ الَّذِي تُسَمِّيهِ العَرَبُ النَّصْبَ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُهْمَلَةِ، وعَلى الحُداءِ، ولا يُسَمّى فاعِلُهُ مُغَنِّيًا، وإنَّما يُسَمّى بِذَلِكَ مَن يُنْشِدُ بِتَمْطِيطٍ، وتَكْسِيرٍ، وتَهْيِيجٍ، وتَشْوِيقٍ بِما فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالفَواحِشِ أوْ تَصْرِيحٌ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: قَوْلُها «لَيْسَتا بِمُغَنِّيَتَيْنِ» أيْ لَيْسَتا مِمَّنْ يَعْرِفُ الغِناءَ كَما تَعْرِفُهُ المُغَنِّياتُ المَعْرُوفاتُ بِذَلِكَ، وهَذا مِنهُما تَجَوُّزٌ عَنِ الغِناءِ المُعْتادِ عِنْدَ المُشْتَهِرِينَ بِهِ، وهو الَّذِي يُحَرِّكُ السّاكِنَ، ويَبْعَثُ الكامِنَ، وهَذا النَّوْعُ إذا كانَ في شِعْرٍ فِيهِ وصْفُ مَحاسِنِ النِّساءِ والخَمْرِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمُورِ المُحَرَّمَةِ، لا يُخْتَلَفُ في تَحْرِيمِهِ، وأمّا ما ابْتَدَعَهُ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ فَمِن قَبِيلِ ما لا يُخْتَلَفُ في تَحْرِيمِهِ، لَكِنَّ النُّفُوسَ الشَّهْوانِيَّةَ غَلَبَتْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى الخَيْرِ، حَتّى لَقَدْ ظَهَرَتْ في كَثِيرٍ مِنهم فِعْلاتُ المَجانِينِ والصِّبْيانِ حَتّى رَقَصُوا بِحَرَكاتٍ مُتَطابِقَةٍ، وتَقْطِيعاتٍ مُتَلاحِقَةٍ وانْتَهى التَّواقُحُ بِقَوْمٍ مِنهم إلى أنْ جَعَلُوها مِن بابِ القُرْبِ وصالِحِ الأعْمالِ، وأنَّ ذَلِكَ يُثْمِرُ سِنِي الأحْوالِ، وهَذا عَلى التَّحْقِيقِ مِن آثارِ الزَّنْدَقَةِ، وقَوْلِ أهْلِ المَخْرَقَةِ، واللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وكَذا الغَرَضُ مِن كَلامِ فَتْحِ البارِي، وهو كَلامٌ حَسَنٌ بَيْدَ أنَّ قَوْلَهُ: وإنَّما يُسَمّى بِذَلِكَ مَن يُنْشِدُ إلَخْ، لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادِرَ عُمُومُ ذَلِكَ، لِما يَكُونُ في المُنْشِدِ مِنهُ تَعْرِيضٌ أوْ تَصْرِيحٌ بِالفَواحِشِ، ولِما لا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَيْسَ في الخَبَرِ الإباحَةُ مُطْلَقًا، بَلْ قُصارى ما فِيهِ إباحَتُهُ في سُرُورٍ شَرْعِيٍّ، كَما في الأعْيادِ، والأعْراسِ، فَهو دَلِيلٌ لِمَن أجازَهُ في العُرْسِ، كَما أجازَ ضَرْبَ الدُّفِّ فِيهِ، وأيْضًا إنْكارُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَمَّ الغِناءِ، والنَّهْيَ عَنْهُ، فَظَنَّ عُمُومَ الحُكْمِ فَأنْكَرَ، وبِإنْكارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ إنْكارَهُ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ العُمُومِ.

وفي الخَبَرِ الآخَرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أوْضَحَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحالَ مَقْرُونًا بِبَيانِ الحِكْمَةِ، وهو أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ، فَلا يُنْكَرُ فِيهِ مِثْلُ هَذا، كَما لا يُنْكَرُ في الأعْراسِ، ومَعَ هَذا أشارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتِفافِهِ بِثَوْبِهِ، وتَحْوِيلِ وجْهِهِ الشَّرِيفِ إلى أنَّ الإعْراضَ عَنْ ذَلِكَ أوْلى، وسَماعَ صَوْتِ الجارِيَةِ الغَيْرِ المَمْلُوكَةِ بِمِثْلِ هَذا الغِناءِ إذا أُمِنَتِ الفِتْنَةُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَلْيَكُنِ الخَبَرُ دَلِيلًا عَلى جَوازِهِ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ذَلِكَ بِما جاءَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أخِيهِ البَراءِ بْنِ مالِكٍ، وكانَ مِن دُهاةِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانَ يَتَغَنّى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ هَذا التَّغَنِّيَ لَيْسَ بِالمَعْنى المَشْهُورِ، ونَحْوُهُ التَّغَنِّي في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»» وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ فَسَّرا التَّغَنِّيَ في هَذا الحَدِيثِ بِالِاسْتِغْناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ مِنّا مَن لَمْ يَسْتَغْنِ بِالقُرْآنِ عَنْ غَيْرِهِ، وهو مَعَ هَذا تَغَنٍّ لِإزالَةِ الوَحْشَةِ عَنْ نَفْسِهِ في عُقْرِ دارِهِ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: أتَيْتُ بابَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَسَمِعْتُهُ يُغَنِّي: فَكَيْفَ ثَوائِي بِالمَدِينَةِ بَعْدَ ما قَضى وطَرًا مِنها جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ أرادَ بِهِ جَمِيلًا الجُمَحِيَّ، وكانَ خاصًّا بِهِ، فَلَمّا اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، قالَ لِي: أسَمِعْتَ ما قُلْتُ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: إنّا إذا خَلَوْنا قُلْنا ما يَقُولُ النّاسُ في بُيُوتِهِمْ.

وحَرَّمَ جَماعَةٌ السَّماعَ مُطْلَقًا، وقالَ الغَزالِيُّ: السَّماعُ إمّا مَحْبُوبٌ بِأنْ غَلَبَ عَلى السّامِعِ حُبُّ اللَّهِ تَعالى، ولِقائِهِ، لِيَسْتَخْرِجَ بِهِ أحْوالًا مِنَ المُكاشَفاتِ والمُلاطَفاتِ، وإمّا مُباحٌ بِأنْ كانَ عِنْدَهُ عِشْقٌ مُباحٌ لِحَلِيلَتِهِ، أوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ حُبُّ اللَّهِ تَعالى ولا الهَوى، وإمّا مُحَرَّمٌ بِأنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوًى مُحَرَّمٌ.

وسُئِلَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَنِ اسْتِماعِ الإنْشادِ في المَحَبَّةِ والرَّقْصِ، فَقالَ: الرَّقْصُ بِدْعَةٌ لا يَتَعاطاهُ إلّا ناقِصُ العَقْلِ، فَلا يَصْلُحُ إلّا لِلنِّساءِ، وأمّا اسْتِماعُ الإنْشادِ المُحَرِّكِ لِلْأحْوالِ السُّنِّيَّةِ وذِكْرِ أُمُورِ الآخِرَةِ، فَلا بَأْسَ بِهِ، بَلْ يُنْدَبُ عِنْدَ الفُتُورِ، وسَآمَةِ القَلْبِ، ولا يَحْضُرُ السَّماعَ مَن في قَلْبِهِ هَوًى خَبِيثٌ، فَإنَّهُ يُحَرِّكُ ما في القَلْبِ، وقالَ أيْضًا: السَّماعُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ السّامِعِينَ والمَسْمُوعِ مِنهُمْ، وهم إمّا عارِفُونَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَخْتَلِفُ سَماعُهم بِاخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الخَوْفُ أثَّرَ فِيهِ السَّماعُ عِنْدَ ذِكْرِ المُخَوِّفاتِ نَحْوِ حُزْنٍ وبُكاءٍ، وتَغَيُّرِ لَوْنٍ، وهو إمّا خَوْفُ عِقابٍ، أوْ فَواتِ ثَوابٍ، أوْ أُنْسٍ، وقُرْبٍ، وهو أفْضَلُ الخائِفِينَ والسّامِعِينَ، وتَأْثِيرُ القُرْآنِ فِيهِ أشَدُّ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجاءُ أثَّرَ فِيهِ السَّماعُ عِنْدَ ذِكْرِ المُطَمِّعاتِ والمُرَجِّياتِ، فَإنْ كانَ رَجاؤُهُ لِلْأُنْسِ والقُرْبِ كانَ سَماعُهُ أفْضَلَ سَماعِ الرّاجِينَ، وإنْ كانَ رَجاؤُهُ لِلثَّوابِ، فَهَذا في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ، وتَأْثِيرُ السَّماعِ في الأوَّلِ أشَدُّ مِن تَأْثِيرِهِ في الثّانِي، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ اللَّهِ تَعالى لِإنْعامِهِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ سَماعُ الإنْعامِ والإكْرامِ، أوْ لِجَمالِهِ سُبْحانَهُ المُطْلَقِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ ذِكْرُ شَرَفِ الذّاتِ وكَمالِ الصِّفاتِ، وهو أفْضَلُ مِمّا قَبْلَهُ، لِأنَّ سَبَبَ حُبِّهِ أفْضَلُ الأسْبابِ، ويَشْتَدُّ التَّأْثِيرُ فِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ الإقْصاءِ والإبْعادِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ التَّعْظِيمُ والإجْلالُ وهو أفْضَلُ مِن جَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وتَخْتَلِفُ أحْوالُ هَؤُلاءِ في المَسْمُوعِ مِنهُ، فالسَّماعُ مِنَ الوَلِيِّ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ السَّماعِ مِن عامِّيٍّ، ومِن نَبِيٍّ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنهُ ومِن ولِيٍّ، ومِنَ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ أشَدُّ تَأْثِيرًا مِنَ السَّماعِ مِن نَبِيٍّ، لِأنَّ كَلامَ المَهِيبِ أشَدُّ تَأْثِيرًا في الهائِبِ مِن كَلامِ غَيْرِهِ كَما أنَّ كَلامَ الحَبِيبِ أشَدُّ تَأْثِيرًا في المُحِبِّ مِن كَلامِ غَيْرِهِ، ولِهَذا لَمْ يَشْتَغِلِ النَّبِيُّونَ والصِّدِّيقُونَ وأصْحابُهم بِسَماعِ المَلاهِي والغِناءِ، واقْتَصَرُوا عَلى كَلامِ رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ، ومَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ هَوًى مُحَرَّمٌ يَعْشَقُ حَلِيلَتَهُ فَهو يُؤَثِّرُ فِيهِ آثارُ الشَّوْقِ وخَوْفُ الفِراقِ ورَجاءُ التَّلاقِ، فَسَماعُهُ لا بَأْسَ بِهِ، ومَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ هَوًى مُحَرَّمٌ كَعِشْقِ أمْرَدَ، أوْ أجْنَبِيَّةٍ، فَهو يُؤَثِّرُ فِيهِ السَّعْيُ إلى الحَرامِ، وما أدّى إلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، وأمّا مَن لَمْ يَجِدْ في نَفْسِهِ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْسامِ السِّتَّةِ، فَيُكْرَهُ سَماعُهُ مِن جِهَةِ أنَّ الغالِبَ عَلى العامَّةِ إنَّما هي الأهْواءُ الفاسِدَةُ، فَرُبَّما هَيَّجَهُ السَّماعُ إلى صُورَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَيَتَعَلَّقُ بِها، ويَمِيلُ إلَيْها، ولا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنّا لا نَتَحَقَّقُ السَّبَبَ المُحَرَّمَ، وقَدْ يَحْضُرُ السَّماعَ قَوْمٌ مِنَ الفَجَرَةِ فَيَبْكُونَ، ويَنْزَعِجُونَ لِأغْراضٍ خَبِيثَةٍ انْطَوَوْا عَلَيْها، ويُراؤُونَ الحاضِرِينَ بِأنَّ سَماعَهم لِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ، وهَؤُلاءِ قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ المَعْصِيَةِ، وبَيْنَ إيهامِ كَوْنِهِمْ مِنَ الصّالِحِينَ، وقَدْ يَحْضُرُ السَّماعَ قَوْمٌ قَدْ فَقَدُوا أهالِيَهُمْ، ومَن يَعِزُّ عَلَيْهِمْ ويُذَكِّرُهُمُ المُنْشِدُ فِراقَ الأحِبَّةِ وعَدَمَ الأُنْسِ، فَيَبْكِي أحَدُهم ويُوهِمُ الحاضِرِينَ أنَّ بُكاءَهُ لِأجْلِ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ وعَلا، وهَذا مُراءٍ بِأمْرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، ثُمَّ قالَ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَحْصُلُ السَّماعُ المَحْمُودُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِلْأحْوالِ السُّنِّيَّةِ والأفْعالِ الرَّضِيَّةِ، ولِكُلِّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ حالٌ مُخْتَصٌّ بِها، فَمَن ذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ أوْ ذُكِّرَ بِها كانَتْ حالُهُ حالَ الرّاجِينَ وسَمْعُهُ سَماعَهُمْ، ومَن ذَكَرَ شِدَّةَ النِّقْمَةِ أوْ ذُكِّرَ بِها كانَتْ حالُهُ حالَ الخائِفِينَ وسَماعُهُ سَماعَهُمْ، وعَلى هَذا القِياسُ، وقَدْ تَغْلِبُ الأحْوالُ عَلى بَعْضِهِمْ بِحَيْثُ لا يُصْغِي إلى ما يَقُولُهُ المُنْشِدُ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لِغَلَبَةِ حالِهِ الأُولى عَلَيْهِ انْتَهى، وقَدْ نَقَلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وأقَرَّهُ، وفِيهِ ما يُخالِفُ ما نُقِلَ عَنِ الغَزالِيِّ.

ونَقَلَ القاضِي حُسَيْنٌ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: النّاسُ في السَّماعِ إمّا عَوامُّ وهو حَرامٌ عَلَيْهِمْ لِبَقاءِ نُفُوسِهِمْ، وإمّا زُهّادٌ وهو مُباحٌ لَهم لِحُصُولِ مُجاهَدَتِهِمْ، وإمّا عارِفُونَ وهو مُسْتَحَبٌّ لَهم لِحَياةِ قُلُوبِهِمْ، وذَكَرَ نَحْوَهُ أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ، وصَحَّحَهُ السَّهْرَوَرْدِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في عَوارِفِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُنَيْدَ أرادَ بِالحَرامِ مَعْناهُ الِاصْطِلاحِيَّ.

واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي، ونَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّماعِ فَقالَ: هو ضَلالٌ لِلْمُبْتَدِي والمُنْتَهِي، لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما سَمِعْتَ.

وقالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ لِلسَّماعِ شَرائِطَ مِنها: مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ لِيَعْلَمَ صِفاتِ الذّاتِ مِن صِفاتِ الأفْعالِ، وما يَمْتَنِعُ في نَعْتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وما يَجُوزُ وصْفُهُ تَعالى بِهِ، وما يَجِبُ، وما يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِنَ الأسْماءِ، وما يَمْتَنِعُ، ثُمَّ قالَ: فَهَذِهِ شَرائِطُ صِحَّةِ السَّماعِ عَلى لِسانِ أهْلِ التَّحْصِيلِ مِن ذَوِي العُقُولِ، وأمّا عِنْدَ أهْلِ الحَقائِقِ فالشَّرْطُ فَناءُ النَّفْسِ بِصِدْقِ المُجاهَدَةِ، ثُمَّ حَياةُ القَلْبِ بِرُوحِ المُشاهَدَةِ، فَمَن لَمْ تَتَقَدَّمْ بِالصِّحَّةِ مُعامَلَتُهُ ولَمْ تَحْصُلْ بِالصِّدْقِ مُنازَلَتُهُ فَسَماعُهُ ضَياعٌ وتَواجُدُهُ طِباعٌ، والسَّماعُ فِتْنَةٌ يَدْعُو إلَيْها اسْتِيلاءُ العِشْقِ إلّا عِنْدَ سُقُوطِ الشَّهْوَةِ وحُصُولِ الصَّفْوَةِ، وأطالَ بِما يَطُولُ ذِكْرُهُ، قِيلَ: وبِهِ يَتَبَيَّنُ تَحْرِيمُ السَّماعِ عَلى أكْثَرِ مُتَصَوِّفَةِ الزَّمانِ لِعَقْدِ شُرُوطِ القِيامِ بِأدائِهِ.

ومِنَ العَجَبِ أنَّهم يَنْسُبُونَ السَّماعَ والتَّواجُدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  .

ويَرْوُونَ عَنْ عَطِيَّةَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَ عَلى أصْحابِ الصُّفَّةِ يَوْمًا فَجَلَسَ بَيْنَهُمْ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّحِيَّةُ: هَلْ فِيكم مَن يُنْشِدُنا أبْياتًا.

فَقالَ واحِدٌ: لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوى كَبِدِي ∗∗∗ ولا طَبِيبَ لَها ولا راقِي إلّا الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفَتْ بِهِ ∗∗∗ فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وتِرْياقِي فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَمايَلَ حَتّى سَقَطَ الرِّداءُ الشَّرِيفُ عَنْ مَنكِبَيْهِ، فَأخَذَهُ أصْحابُ الصُّفَّةِ فَقَسَّمُوهُ فِيما بَيْنَهم بِأرْبَعِمِائَةِ قِطْعَةٍ».

وهُوَ لَعَمْرِي كَذِبٌ صَرِيحٌ، وإفْكٌ قَبِيحٌ، لا أصْلَ لَهُ بِإجْماعِ مُحَدِّثِي أهْلِ السُّنَّةِ، وما أُراهُ إلّا مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ.

فَهَذا القُرْآنُ العَظِيمُ يَتْلُوهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويَتْلُوهُ هو أيْضًا ويَسْمَعُهُ مِن غَيْرِ واحِدٍ، ولا يَعْتَرِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرُوهُ في سَماعِ بَيْتَيْنِ هُما كَما سَمِعْتَ، سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وأنا أقُولُ: قَدْ عَمَّتِ البَلْوى بِالغِناءِ والسَّماعِ في سائِرِ البِلادِ والبِقاعِ، ولا يُتَحاشى مِن ذَلِكَ في المَساجِدِ وغَيْرِها، بَلْ قَدْ عُيِّنَ مُغَنُّونَ يُغَنُّونَ عَلى المَنائِرِ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ شَرِيفَةٍ بِأشْعارٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى وصْفِ الخَمْرِ والخاناتِ، وسائِرِ ما يُعَدُّ مِنَ المَحْظُوراتِ، ومَعَ ذَلِكَ قَدْ وُظِّفَ لَهم مِن غَلَّةِ الوَقْفِ ما وُظِّفَ، ويُسَمُّونَهُمُ المُمَجِّدِينَ، ويَعُدُّونَ خُلُوَّ الجَوامِعِ مِن ذَلِكَ مِن قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِالدِّينِ، وأشْنَعُ مِن ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ أبالِسَةُ المُتَصَوِّفَةِ ومَرَدَتُهُمْ، ثُمَّ إنَّهم قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى إذا اعْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ نَشِيدُهم مِنَ الباطِلِ يَقُولُونَ: نَعْنِي بِالخَمْرِ المَحَبَّةَ الإلَهِيَّةَ وبِالسُّكْرِ غَلَبَتَها، وبِمَيَّةَ، ولَيْلى، وسُعْدى مَثَلًا المَحْبُوبَ الأعْظَمَ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي ذَلِكَ مِن سُوءِ الأدَبِ ما فِيهِ، ﴿ ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ  ﴾ ، وفي القَواعِدِ الكُبْرى لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ: لَيْسَ مِن أدَبِ السَّماعِ أنْ يُشَبَّهَ غَلَبَةُ المَحَبَّةِ بِالسُّكْرِ مِنَ الخَمْرِ، فَإنَّهُ سُوءُ الأدَبِ، وكَذا تَشْبِيهُ المَحَبَّةِ بِالخَمْرِ أُمِّ الخَبائِثِ، فَلا يُشَبَّهُ ما أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى بِما أبْغَضَهُ، وقَضى بِخُبْثِهِ، ونَجاسَتِهِ، فَإنَّ تَشْبِيهَ النَّفِيسِ بِالخَسِيسِ سُوءُ الأدَبِ بِلا شَكٍّ فِيهِ، وكَذا التَّشْبِيهُ بِالخَصْرِ والرِّدْفِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُسْتَقْبَحاتِ، ولَقَدْ كَرِهَ لِبَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: أنْتُمْ رُوحِي ومَعْلَمُ راحَتِي، ولِبَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: فَأنْتَ السَّمْعُ والبَصَرُ، لِأنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ بِرُوحِهِ الخَسِيسَةِ، وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ اللَّذَيْنِ لا قَدْرَ لَهُما، ثُمَّ إنَّهُ وإنْ أباحَ بَعْضَ أقْسامِ السَّماعِ حَطَّ عَلى مَن يَرْقُصُ ويُصَفِّقُ عِنْدَهُ، فَقالَ: أمّا الرَّقْصُ والتَّصْفِيقُ فَخِفَّةٌ ورُعُونَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِرُعُونَةِ الإناثِ، لا يَفْعَلُها إلّا أرْعَنُ، أوْ مُتَصَنِّعٌ كَذّابٌ، وكَيْفَ يَتَأتّى الرَّقْصُ المُتَّزِنُ بِأوْزانِ الغِناءِ مِمَّنْ طاشَ لُبُّهُ وذَهَبَ قَلْبُهُ.

وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»» ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُقْتَدى بِهِمْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإنَّما اسْتَحْوَذَ الشَّيْطانُ عَلى قَوْمٍ يَظُنُّونَ أنَّ طَرَبَهم عِنْدَ السَّماعِ إنَّما هو مُتَعَلِّقٌ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، ولَقَدْ مانُوا فِيما قالُوا، وكَذَبُوا فِيما ادَّعَوْا مِن جِهَةِ أنَّهم عِنْدَ سَماعِ المُطْرِباتِ وجَدُوا لَذَّتَيْنِ.

إحْداهُما لَذَّةُ قَلِيلٍ مِنَ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِي الجَلالِ.

والثّانِيَةُ لَذَّةُ الأصْواتِ، والنَّغَماتِ، والكَلِماتِ المَوْزُوناتِ المُوجِباتِ لِلَّذّاتِ، لَيْسَتْ مِن آثارِ الدِّينِ، ولا مُتَعَلِّقَةً بِأُمُورِهِ، فَلَمّا عَظُمَتْ عِنْدَهُمُ اللَّذّاتُ غَلِطُوا فَظَنُّوا أنَّ مَجْمُوعَ ما حَصَلَ لَهم إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ حُصُولِ ذَلِكَ القَلِيلِ مِنَ الأحْوالِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الأغْلَبُ عَلَيْهِمْ حُصُولُ لَذّاتِ النُّفُوسِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ.

وقَدْ حَرَّمَ بَعْضُ العُلَماءِ التَّصْفِيقَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّما التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ»» «ولَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ  المُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرِّجالِ والمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ،» ومَن هابَ الإلَهَ أدْرَكَ شَيْئًا مِن تَعْظِيمِهِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُ رَقْصٌ ولا تَصْفِيقٌ ولا يَصْدُرانِ إلّا مِن جاهِلٍ، ويَدُلُّ عَلى جَهالَةِ فاعِلِهِما أنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَرِدْ بِهِما في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ولا مُعْتَبِرٌ مِن أتْباعِهِمْ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ الجَهَلَةُ السُّفَهاءُ الَّذِينَ التَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الحَقائِقُ بِالأهْواءِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، ولَقَدْ مَضى السَّلَفُ وأفاضِلُ الخَلَفِ، ولَمْ يُلابِسُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَما ذاكَ إلّا غَرَضٌ مِن أغْراضِ النَّفْسِ، ولَيْسَ بِقُرْبَةٍ إلى الرَّبِّ جَلَّ وعَلا، وفاعِلُهُ إنْ كانَ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، ويُعْتَقَدُ أنَّهُ ما فَعَلَهُ إلّا لِكَوْنِهِ قُرْبَةً فَبِئْسَ ما صَنَعَ لِإيهامِهِ أنَّ هَذا مِنَ الطّاعاتِ، وإنَّما هو مِن أقْبَحِ الرُّعُوناتِ.

وأمّا الصِّياحُ والتَّغاشِي ونَحْوُهُما فَتَصَنُّعٌ ورِياءٌ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ عَنْ حالٍ لا يَقْتَضِيهِما فَإثْمُ الفاعِلِ مِن جِهَتَيْنِ.

إحْداهُما إيهامُهُ الحالَ الثّابِتَةَ المُوجِبَةَ لَهُما.

والثّانِيَةُ تَصَنُّعُهُ ورِياؤُهُ، وإنْ كانَ عَنْ مُقْتَضٍ أثِمَ إثْمَ رِياءٍ لا غَيْرَ.

وكَذَلِكَ نَتْفُ الشُّعُورِ وضَرْبُ الصُّدُورِ، وتَمْزِيقُ الثِّيابِ مُحَرَّمٌ لِما فِيهِ مِن إضاعَةِ المالِ، وأيُّ ثَمَرَةٍ لِضَرْبِ الصُّدُورِ ونَتْفِ الشُّعُورِ وشَقِّ الجُيُوبِ إلّا رُعُوناتٌ صادِرَةٌ عَنِ النُّفُوسِ اهـ كَلامُهُ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في نَقْلِ الأسْنَوِيِّ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ يَرْقُصُ في السَّماعِ، والعَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ قالَ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ القِيامِ والتَّحَرُّكِ لِغَلَبَةِ وجْدٍ وشُهُودٍ وتَجَلٍّ لا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُهُ، ومِن ثَمَّ قالَ الإمامُ إسْماعِيلُ الحَضْرَمِيُّ: مَوْقِفُ الشَّمْسِ عَنْ قَوْمٍ يَتَحَرَّكُونَ في السَّماعِ هَؤُلاءِ قَوْمٌ يُرَوِّحُونَ قُلُوبَهم بِالأصْواتِ الحَسَنَةِ حَتّى يَصِيرُوا رُوحانِيِّينَ، فَهم بِالقُلُوبِ مَعَ الحَقِّ، وبِالأجْسادِ مَعَ الخَلْقِ، ومَعَ هَذا فَلا يُؤْمَنُ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ فِيما فَعَلُوا، ولا يُقْتَدى بِهِمْ فِيما قالُوا اهـ، وما ذَكَرَهُ فِيمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نَحْوُ الصِّياحِ والتَّغاشِي عَنْ حالٍ يَقْتَضِيهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَقَدْ قالَ البُلْقِينِيُّ فِيما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الرَّقْصِ الَّذِي هو عِنْدَ جَمْعٍ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، ولا مَكْرُوهٍ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ حَرَكاتٍ عَلى اسْتِقامَةٍ، أوِ اعْوِجاجٍ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقَرَّ الحَبَشَةَ عَلَيْهِ في مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ مَكْرُوهٌ، وعِنْدَ هَذا القائِلِ حَرامٌ إذا كَثُرَ بِحَيْثُ أسْقَطَ المُرُوءَةَ إنْ كانَ بِاخْتِيارِهِمْ، فَهم كَغَيْرِهِمْ، وإلّا فَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، واسْتَوْضَحَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقالَ: يَجِبُ اطِّرادُهُ في سائِرِ ما يُحْكى عَنِ الصُّوفِيَّةِ، مِمّا يُخالِفُ ظَواهِرَ الشَّرْعِ، فَلا يُحْتَجُّ بِهِ، لِأنَّهُ إنْ صَدَرَ عَنْهم في حالِ تَكْلِيفِهِمْ فَهم كَغَيْرِهِمْ، أوْ مَعَ غَيْبَتِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِهِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ غِناءَ الرَّجُلِ بِمِثْلِ هَذِهِ الألْحانِ إنْ كانَ لِدَفْعِ الوَحْشَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَمُباحٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ شَمْسُ الأئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَسْمَعَهُ مَن يُخْشى عَلَيْهِ الفِتْنَةُ مِنِ امْرَأةٍ أوْ غَيْرِها، ولا مَن يَسْتَخِفُّ بِهِ ويَسْتَرْذِلُهُ، وبِشَرْطِ أنْ لا يُغَيِّرَ اسْمَ مُعْظَّمٍ بِنَحْوِ زِيادَةٍ لَيْسَتْ فِيهِ في أصْلِ وضْعِهِ لِأجْلِ أنْ لا يَخْرُجَ عَنْ مُقْتَضى الصَّنْعَةِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ في اللَّهِ: إيلّاهُ، وفي مُحَمَّدٍ: مُوحامَّدٌ، هَذا مَعَ كَوْنِ ما يُتَغَنّى بِهِ مِمّا لا بَأْسَ بِإنْشادِهِ، وإنْ كانَ لِلنّاسِ لِلَّهْوِ في غَيْرِ حادِثِ سُرُورٍ كَعُرْسٍ بِأُجْرَةٍ، أوْ بِدُونِها ازْدَرى بِهِ لِذَلِكَ أوْ لَمْ يَزْدَرِ كانَ ما يُتَغَنّى بِهِ مُباحُ الإنْشادِ، أوْ لَمْ يَكُنْ فَحَرامٌ، وإنْ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ، وأُراهُ مِنَ الصَّغائِرِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الماوَرْدِيُّ حَيْثُ قالَ: وإذا قُلْنا بِتَحْرِيمِ الأغانِي والمَلاهِي فَهي مِنَ الصَّغائِرِ دُونَ الكَبائِرِ، وإنْ كانَ في حادِثِ سُرُورٍ فَهو مُباحٌ، إنْ أُمِنَتِ الفِتْنَةُ، وكانَ ما يُتَغَنّى بِهِ جائِزُ الإنْشادِ، ولَمْ يُغَيَّرْ فِيهِ اسْمُ مُعْظَّمٍ، ولَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلِازْدِراءِ بِهِ، وهَتْكِ مُرُوءَتِهِ، ولا لِاجْتِماعِ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى وجْهٍ مَحْظُورٍ، وإنْ كانَ سَبَبًا لِمُحَرَّمٍ فَهو حَرامٌ، وتَتَفاوَتُ مَراتِبُ حُرْمَتِهِ حَسَبَ تَفاوُتِ حُرْمَةِ ما كانَ هو سَبَبًا لَهُ، وإنْ كانَ لِلنّاسِ لا لِلَّهْوِ بَلْ لِتَنْشِيطِهِمْ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُفْعَلُ في بَعْضِ حِلَقِ التَّهْلِيلِ في بِلادِنا فَمُحْتَمَلُ الإباحَةِ، إنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَفْسَدَةً ولَعَلَّهُ إلى الكَراهَةِ أقْرَبُ.

ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ حِينَئِذٍ قُرْبَةٌ كالحُداءِ، وهو ما يُقالُ خَلْفَ الإبِلِ مِن زَجْرٍ وغَيْرِهِ، إذا كانَ مُنَشِّطًا لِسَيْرٍ هو قُرْبَةٌ، لِأنَّ وسِيلَةَ القُرْبَةِ بِهِ اتِّفاقًا، فَيُقالُ: لَمْ نَقِفْ عَلى خَبَرٍ في اشْتِمالِ حِلَقِ الذِّكْرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وكَذا عَلى عَهْدِ خُلَفائِهِ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وهم أحْرَصُ النّاسِ عَلى القُرْبِ عَلى هَذا الغِناءِ، ولا عَلى سائِرِ أنْواعِهِ، وصَحَّتْ أحادِيثُ في الحُداءِ، ولِذا أطْلَقَ جَمْعٌ القَوْلَ بِنَدْبِهِ، وكَوْنُهم نَشِطِينَ بِدُونِ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يَزِيدُهُ ذَلِكَ نَشاطًا، فَلَوْ كانَ لِذَلِكَ قُرْبَةً لَفَعَلُوهُ، ولَوْ مَرَّةً، ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهم فَعَلُوهُ أصْلًا، عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُشَوِّشُ عَلى الذّاكِرِينَ، ولا يَتِمُّ لَهم مَعَهُ مَعْنى الذِّكْرِ وتَصَوُّرُهُ، وهو بِدُونِ ذَلِكَ لا ثَوابَ فِيهِ بِالإجْماعِ، ولَعَلَّ ما يُفْعَلُ عَلى المَنائِرِ مِمّا يُسَمُّونَهُ تَمْجِيدًا مُنْتَظِمٌ عِنْدَ الجَهَلَةِ في سِلْكِ وسائِلِ القُرْبِ بَلْ يَعُدُّهُ أكْثَرُهم قُرْبَةً مِن حَيْثُ ذاتُهُ، وهو لَعَمْرِي عِنْدَ العالِمِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ لِحاجَةِ مَرَضٍ تَعَيَّنَ شِفاؤُهُ بِهِ فَلا شَكَّ في جَوازِهِ، والإكْبابُ عَلى المُباحِ مِنهُ يَخْرِمُ المُرُوءَةَ كاتِّخاذِهِ حِرْفَةً، وقَوْلُ الرّافِعِيِّ: لا يَخْرِمُها إذا لاقَ بِهِ رَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأنَّ الشّافِعِيَّ نَصَّ عَلى رَدِّ شَهادَتِهِ، وجَرى عَلَيْهِ أصْحابُهُ، لِأنَّها حِرْفَةٌ دَنِيَّةٌ، ويُعَدُّ فاعِلُها في العُرْفِ مِمَّنْ لا حَياءَ لَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: ما تَقُولُ في الغِناءِ؟

قالَ: نِعْمَ الشَّيْءُ الغِناءُ يُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ ويُنَفَّسُ بِهِ عَنِ المَكْرُوبِ، ويُفْعَلُ فِيهِ المَعْرُوفُ، قالَ: إنَّما أعْنِي الشَّدَّ؟

قالَ: وما الشَّدُّ، أتَعْرِفُ مِنهُ شَيْئًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَما هُوَ؟

فانْدَفَعَ الرَّجُلُ يُغَنِّي ويَلْوِي شِدْقَيْهِ، ومُنْخَرَيْهِ، ويَكْسِرُ عَيْنَيْهِ، فَقالَ الحَسَنُ: ما كُنْتُ أرى أنَّ عاقِلًا يَبْلُغُ مِن نَفْسِهِ ما أرى، واخْتَلَفُوا في تَعاطِي خارِمِ المُرُوءَةِ عَلى أوْجُهٍ.

ثالِثُها إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ شَهادَةٌ حَرُمَ وإلّا فَلا.

قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: وهو الأوْجَهُ، لِأنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّسَبُّبُ في إسْقاطِ ما تَحَمَّلَهُ وصارَ أمانَةً عِنْدَهُ لِغَيْرِهِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ مِن عالِمٍ يُقْتَدى بِهِ، أوْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلِازْدِراءِ حَرُمَ أيْضًا، وإنَّ سَماعَهُ أيِ اسْتِماعَهُ لا مُجَرَّدَ سَماعِهِ بِلا قَصْدٍ عِنْدَ أمْنِ الفِتْنَةِ، وكَوْنُ ما يُتَغَنّى بِهِ جائِزَ الإنْشادِ، وعَدَمُ تَسَبُّبِهِ لِمَعْصِيَةٍ كاسْتِدامَةِ مُغَنٍّ لِغَناءٍ آثِمٌ بِهِ مُباحٌ والإكْبابُ عَلَيْهِ كَما قالَ النَّوَوِيُّ: يُسْقِطُ المُرُوءَةَ كالإكْبابِ عَلى الغِناءِ المُباحِ، والِاخْتِلافُ في تَعاطِي مُسْقِطِها قَدْ ذَكَرْناهُ آنِفًا، وأمّا سَماعُهُ عِنْدَ عَدَمِ أمْنِ الفِتْنَةِ، وكَوْنُ ما يُتَغَنّى بِهِ غَيْرَ جائِزِ الإنْشادِ، وكَوْنُهُ مُتَسَبِّبًا لِمَعْصِيَةٍ فَحَرامٌ، وتَتَفاوَتُ مَراتِبُ حُرْمَتِهِ، ولَعَلَّها تَصِلُ إلى حُرْمَةٍ كَبِيرَةٍ، ومِنَ السَّماعِ المُحَرَّمِ سَماعُ مُتَصَوِّفَةِ زَمانِنا، وإنْ خَلا عَنْ رَقْصٍ، فَإنَّ مَفاسِدَهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، وكَثِيرٌ مِمّا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الأشْعارِ مِن أشْنَعِ ما يُتْلى، ومَعَ هَذا يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً، ويَزْعُمُونَ أنَّ أكْثَرَهم رَغْبَةً فِيهِ أشَدُّهم رَغْبَةً أوْ رَهْبَةً، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ.

ولا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خُبْرًا بِما تَقَدَّمَ عَنِ القُشَيْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ سَماعَهم مَذْمُومٌ عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُونَ انْتِصارَهُ لَهُمْ، ويَحْسَبُونَ أنَّهم وإيّاهُ مِن حِزْبٍ واحِدٍ، فَوَيْلٌ لِمَن شُفَعاؤُهُ خُصَماؤُهُ، وأحِبّاؤُهُ أعْداؤُهُ، وأمّا رَقْصُهم عَلَيْهِ فَقَدْ زادُوا بِهِ في الطُّنْبُورِ رَنَّةً، وضَمُّوا كَسَرَ اللَّهُ تَعالى شَوْكَتَهم بِذَلِكَ إلى السَّفَهِ جِنَّةً.

وقَدْ أفادَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أنَّهُ لا تُقْبَلُ شَهادَةُ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى الدُّفِّ الَّذِي قِيلَ يُباحُ، أوْ يُسَنُّ ضَرْبُهُ لِعُرْسٍ وخِتانٍ وغَيْرِهِما مِن كُلِّ سُرُورٍ، ومِنهُ قُدُومُ عالِمٍ يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ رادًّا عَلى مَن زَعَمَ القَبُولَ، فَقالَ: وعَنْ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ شَهادَةُ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَرْقُصُونَ عَلى الدُّفِّ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ كَما تُقْبَلُ شَهادَةُ حَنَفِيٍّ شَرِبَ النَّبِيذَ لِاعْتِقادِهِ إباحَتَهُ، وكَذا كُلُّ مَن فَعَلَ ما اعْتَقَدَ إباحَتَهُ اهـ، ورُدَّ بِأنَّهُ خَطَأٌ قَبِيحٌ لِأنَّ اعْتِقادَ الحَنَفِيِّ نَشَأ عَنْ تَقْلِيدٍ صَحِيحٍ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ، وإنَّما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ والتَّقْصِيرُ فَكانَ خَيالًا باطِلًا، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ اهـ.

ثُمَّ إنِّي أقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ صاحِبُ حالٍ يُحَرِّكُهُ السَّماعُ ويُثِيرُ مِنهُ ما يُلْجِئُهُ إلى الرَّقْصِ، أوِ التَّصْفِيقِ، أوِ الصَّعْقِ والصِّياحِ، وتَمْزِيقِ الثِّيابِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَكْرُوهٌ، أوْ حَرامٌ، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّهُ إنْ عَلِمَ مِن نَفْسِهِ صُدُورَ ما ذُكِرَ كانَ حُكْمُ الِاسْتِماعِ في حَقِّهِ حُكْمَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ، فالأحْوَطُ في حَقِّهِ إنْ لَمْ نَقُلْ بِالكَراهَةِ عَدَمُ الِاسْتِماعِ.

فَفِي الخَبَرِ: ««دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ»» ثُمَّ إنَّ ما حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ السَّماعِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِهِ أصْلًا، فَلا لَوْمَ، ولا عِتابَ فِيهِ عَلَيْهِ، وحُكْمُهُ في ذَلِكَ حُكْمُ مَنِ اعْتَراهُ نَحْوُ عُطاسٍ وسُعالٍ قَهْرِيَّيْنِ، ولا يُشْتَرَطُ في دَفْعِ اللَّوْمِ والعِتابِ عَنْهُ كَوْنُ ذَلِكَ مَعَ غَيْبَتِهِ، فَلا يَجِبُ عَلى مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَغِبْ إعادَةُ الوُضُوءِ لِلصَّلاةِ مَثَلًا، ولْيُنْظَرْ فِيما لَوِ اعْتَراهُ وهو في الصَّلاةِ بِدُونِ غَيْبَةٍ، هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ نَحْوِ العُطاسِ، والسُّعالِ إذا اعْتَراهُ فِيها أمْ لا؟

والَّذِي سَمِعْتُهُ عَنْ بَعْضِ الكِبارِ الثّانِي، فَتَدَبَّرْ.

ومِنَ النّاسِ مَن يَعْتَرِيهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، إمّا مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ بِصَوْتٍ حَسَنٍ، وقَلَّما يَقَعُ ذَلِكَ مِن سَماعِ القُرْآنِ، أوْ غَيْرِهِ لِكامِلٍ.

وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّهُ قِيلَ لَها: إنَّ قَوْمًا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ صُعِقُوا، فَقالَتِ: القُرْآنُ أكْرَمُ مِن أنْ يُسْرَقَ مِنهُ عُقُولُ الرِّجالِ، ولَكِنَّهُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ  ﴾ ، وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِضَعْفِ تَحَمُّلِ الوارِدِ، وبَعْضُ المُتَصَنِّعِينَ يَفْعَلُهُ رِياءً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَسْمَعُ القُرْآنَ فَيُصْعَقُ فَقالَ: مِيعادُ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم أنْ يَجْلِسُوا عَلى حائِطٍ فَيُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَإنْ صُعِقُوا، فَهو كَما قالُوا، ولا يَرُدُّ عَلى إباحَةِ الغِناءِ وسَماعِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ»» لا، لِأنَّ الغِناءَ فِيهِ مَقْصُورٌ، وأنَّ المُرادَ بِهِ غِنى المالِ الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ، إذْ يَرُدُّ ذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ بِزِيادَةٍ: «(والذِّكْرُ يُنْبِتُ الإيمانَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ الزَّرْعَ)،» ومُقابَلَةُ الغِناءِ بِالذِّكْرِ ظاهِرٌ في المُرادِ بِهِ التَّغَنِّي، عَلى أنَّ الرِّوايَةَ كَما قالَ بَعْضُ الحُفّاظِ بِالمَدِّ بَلْ لِأنَّ المُرادَ أنَّ الغِناءَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ النِّفاقُ أيِ العَمَلِيُّ بِأنْ يُحَرِّكَ إلى غَدْرٍ وخُلْفِ وعْدٍ وكَذِبٍ ونَحْوِها، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اطِّرادُ التَّرَتُّبِ.

ورُبَّما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: (كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ) فَإنَّ إنْباتَ الماءِ البَقْلَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الكَلامِ كَثِيرٌ، والقائِلُ بِإباحَتِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ إنَّما يُبِيحُهُ حَيْثُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

نَعَمْ لا شَكَّ أنَّ ما هَذا شَأْنُهُ الأحْوَطُ بَعْدَ كُلِّ قِيلٍ وقالَ عَدَمُ الرَّغْبَةِ فِيهِ، كَذا قِيلَ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِالنِّفاقِ الإيمانِيَّ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَتُهُ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِالإيمانِ، ويَكُونُ مَساقُ الخَبَرِ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الغِناءِ، إذْ كانَ النّاسُ حَدِيثِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ كانَ يُسْتَعْمَلُ فِيها الغِناءُ لِلَّهْوِ، ويُجْتَمَعُ عَلَيْهِ في مَجالِسِ الشُّرْبِ، ووَجْهُ إنْباتِهِ لِلنِّفاقِ إذْ ذاكَ أنَّ كَثِيرًا مِنهم لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِلَذَّةِ الغِناءِ وما يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهْوِ والشُّرْبِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفِسْقِ يَتَحَرَّكُ قَلْبُهُ لِما كانَ عَلَيْهِ، ويَحِنُّ حَنِينَ العِشارِ إلَيْهِ، ويَكْرَهُ لِذَلِكَ الإيمانَ الَّذِي صَدَّهُ عَمّا هُنالِكَ، ولا يَسْتَطِيعُ لِقُوَّةِ شَوْكَةِ الإسْلامِ أنْ يُظْهِرَ ما أضْمَرَ، ويَنْبِذَ الإيمانَ وراءَ ظَهْرِهِ، ويَتَقَدَّمَ إلى ما عَنْهُ تَأخَّرَ، فَلَمْ يَسَعْهُ إلّا النِّفاقُ لِما اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَخافَةَ الرِّدَّةِ، والِاشْتِياقِ، فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وأمّا الآيَةُ فَإنْ كانَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها تَسْمِيَةُ الغِناءِ لَهْوًا، فَكَمْ لَهْوٍ هو حَلالٌ، وإنْ كانَ الوَعِيدُ عَلى اشْتِرائِهِ واخْتِيارِهِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ الِاشْتِراءِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلى الِاشْتِراءِ لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ، ولا نِزاعَ لَنا فِيهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في لَهْوِ الحَدِيثِ مُضافًا إلى الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ ألْفاظُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لِيُضِلَّ ) إلَخْ اهـ.

ومِمّا ذَكَّرْنا يُعْلَمُ ما في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى حُرْمَةِ المَلاهِي كالرَّبابِ، والجَنْكِ، والسِّنْطِيرِ، والكَمَنجَةِ، والمِزْمارِ وغَيْرِها مِنَ الآلاتِ المُطْرِبَةِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّهُما فَسَّرا( لَهْوَ الحَدِيثِ ) بِها، نَعَمْ، إنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُها واسْتِماعُها لِغَيْرِ ما ذُكِرَ، فَقَدْ صَحَّ مِن طُرُقٍ خِلافًا لِما وهِمَ فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ الضّالُّ المُضِلُّ فَقَدْ عَلَّقَهُ البُخارِيُّ، ووَصَلَهُ الإسْماعِيلِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، وأبُو داوُدَ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، لا مَطْعَنَ فِيها، وصَحَّحَهُ جَماعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الأئِمَّةِ كَما قالَهُ بَعْضُ الحُفّاظِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي قَوْمٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَزَّ والخَمْرَ والمَعازِفَ»» وهُوَ صَرِيحٌ في تَحْرِيمِ جَمِيعِ آلاتِ اللَّهْوِ المُطْرِبَةِ، ومِمّا يُشْبِهُ الصَّرِيحَ في ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (ذَمِّ المَلاهِي) عَنْ أنَسٍ، وأحْمَدَ، والطَّبَرانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: ««لَيَكُونَنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وقَذْفٌ ومَسْخٌ، وذَلِكَ إذا شَرِبُوا الخُمُورَ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ»» وهِيَ المَلاهِي الَّتِي سَمِعْتَها، ومِنها الصَّنْجُ العَجَمِيُّ وهو صُفْرٌ يُجْعَلُ عَلَيْهِ أوْتارٌ يُضْرَبُ بِها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ خِلافًا لِلْماوَرْدِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ الصَّنْجَ يُكْرَهُ مَعَ الغِناءِ، ولا يُكْرَهُ مُنْفَرِدًا لِأنَّهُ بِانْفِرادِهِ غَيْرُ مُطْرِبٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ العَرَبِيَّ، وهو قِطْعَتانِ مِن صُفْرٍ تُضْرَبُ إحْداهُما بِالأُخْرى، فَإنَّهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو الَّذِي لا يُطْرِبُ مُنْفَرِدًا، لَكِنْ يَزِيدُ الغِناءَ طَرَبًا، وذُكِرَ أنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ المُخَنَّثُونَ في بَعْضِ البِلادِ، ولا يَبْعُدُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالحُرْمَةِ، ومِنها اليَراعُ، وهو الشَّبّابَةُ، فَإنَّهُ مُطْرِبٌ بِانْفِرادِهِ، بَلْ قالَ بَعْضُ أهْلِ المُوسِيقى: إنَّهُ آلَةٌ كامِلَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ النَّغَماتِ إلّا يَسِيرًا، وقَدْ أطْنَبَ الإمامُ الدَّوْلَقِيُّ، وهو مِن أجِلَّةِ العُلَماءِ في دَلائِلِ تَحْرِيمِهِ، ومِنها القِياسُ، وهو إمّا أوْلى أوْ مُساوٍ، وقالَ: العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ هو مِن أهْلِ العِلْمِ يَزْعُمُ أنَّ الشَّبّابَةَ حَلالٌ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ التّاجِ السُّبْكِيِّ في تَوْشِيحِهِ: لَمْ يُقَرَّ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ اليَراعِ مَعَ كَثْرَةِ التَّتَبُّعِ، والَّذِي أُراهُ الحِلَّ، فَإنِ انْضَمَّ إلَيْهِ مُحَرَّمٌ فَلِكُلٍّ مِنهُما حِكْمَةٌ، ثُمَّ الأوْلى عِنْدِي لِمَن لَيْسَ مِن أهْلِ الذَّوْقِ الإعْراضُ عَنْهُ مُطْلَقًا، لِأنَّ غايَةَ ما فِيهِ حُصُولُ لَذَّةٍ نَفْسانِيَّةٍ، وهي لَيْسَتْ مِنَ المَطالِبِ الشَّرْعِيَّةِ، وأمّا أهْلُ الذَّوْقِ فَحالُهم مُسَلَّمٌ إلَيْهِمْ، وهم عَلى حَسَبِ ما يَجِدُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ اهـ.

وحُكِيَ عَنِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، وابْنِ دَقِيقِ العِيدِ أنَّهُما كانا يَسْمَعانِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ، وبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الأجِلَّةِ، ولا يَبْعُدُ حِلُّها إذا صَفَّرَ فِيها كالأطْفالِ والرِّعاءِ عَلى غَيْرِ القانُونِ المَعْرُوفِ مِنَ الإطْرابِ.

ومِنها العُودُ، وهو آلَةٌ لِلَّهْوِ غَيْرُ الطُّنْبُورِ، وأطْلَقَهُ بَعْضُهم عَلَيْهِ، وحِكايَةُ النَّجِسِ ابْنِ طاهِرٍ عَنِ الشَّيْخِ أبِي إسْحاقَ الشِّيرازِيِّ أنَّهُ كانَ يَسْمَعُ العُودَ مِن جُمْلَةِ كَذِبِهِ وتَهَوُّرِهِ، كَدَعْواهُ إجْماعَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى إباحَةِ الغِناءِ واللَّهْوِ، ومِثْلُهُ في المُجازَفَةِ وارْتِكابِ الأباطِيلِ عَلى الجَزْمِ ابْنُ حَزْمٍ، لا الدُّفَّ، فَيَجُوزُ ضَرْبُهُ مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، لا مِنِ امْرَأةٍ فَقَطْ خِلافًا لِلْحَلِيمِيِّ، واسْتِماعُهُ لِعُرْسٍ ونِكاحٍ وكَذا غَيْرِهِما مِن كُلِّ سُرُورٍ في الأصَحِّ، وبِحِلِّ ذِي الجَلاجِلِ مِنهُ، وهي إمّا نَحْوُ حِلَقٍ يُجْعَلُ داخِلَهُ كَدُفِّ العَرَبِ، أوْ صُنُوجٍ عِراضٍ مِن صُفْرٍ تُجْعَلُ في حُرُوفِ دائِرَتِهِ كَدُفِّ العَجَمِ، جَزَمَ جَماعَةٌ وجَزَمَ آخَرُونَ بِحُرْمَتِهِ، وبِها أقُولُ، لِأنَّهُ كَما قالَ الأذْرُعِيُّ أشَدُّ إطْرابًا مِنَ أكْثَرِ المَلاهِي المُتَّفَقِ عَلى تَحْرِيمِها، وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ ألَّفُوا رَسائِلَ في حِلِّ الأوْتارِ والمَزامِيرِ وغَيْرِها مِن آلاتِ اللَّهْوِ وأتَوْا فِيها بِكَذِبٍ عَجِيبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، وعَلى أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والتّابِعِينَ والعُلَماءِ العامِلِينَ، وقَلَّدَهم في ذَلِكَ مَن لَعِبَ بِهِ الشَّيْطانُ وهَوى بِهِ الهَوى إلى هُوَّةِ الحِرْمانِ، فَهو عَنِ الحَقِّ بِمَعْزِلٍ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ حَقِيقَةِ التَّصَوُّفِ ألْفُ ألْفُ مَنزِلٍ، وإذا تَحَقَّقَ لَدَيْكَ قَوْلُ بَعْضِ الكِبارِ بِحِلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا تَغْتَرَّ بِهِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ أئِمَّةُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ وغَيْرُهم مِنَ الأكابِرِ المُؤَيَّدِ بِالأدِلَّةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَأْتِيها الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْها، ولا مِن خَلْفِها، وكُلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ ما عَدا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن رُزِقَ عَقْلًا مُسْتَقِيمًا وقَلْبًا مِنَ الأهْواءِ الفاسِدَةِ سَلِيمًا لا يَشُكُّ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، وأنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَقاصِدِ شَرِيعَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ الإباحَةِ عَلى حِلِّ الشَّبّابَةِ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، عَنْ نافِعٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: (أنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ زُمّارَةِ راعٍ، فَجَعَلَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، وعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ وجَعَلَ يَقُولُ: يا نافِعُ أتَسْمَعُ، فَأقُولُ: نَعَمْ، فَلَمّا قُلْتُ: لا، رَجَعَ إلى الطَّرِيقِ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُهُ)،» وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ أيْضًا، وسَألَ عَنْهُ الحافِظَ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ السَّلامِيَّ فَقالَ: إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرِ ابْنَ عُمَرَ وكانَ عُمْرُهُ إذْ ذاكَ كَما قالَ الحافِظُ المَذْكُورُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِسَدِّ أُذُنَيْهِ، ولا نَهى الفاعِلَ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ حَرامًا لَأمَرَ ونَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَدَّ أُذُنَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ ذاكَ في حالِ ذِكْرٍ، أوْ فِكْرٍ، وكانَ السَّماعُ يَشْغَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما فَعَلَهُ  تَنْزِيهًا، وقالَ الأذْرُعِيُّ: بِهَذا الحَدِيثِ اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى تَحْرِيمِ المَزامِيرِ، وعَلَيْهِ بَنَوُا التَّحْرِيمَ في الشَّبّابَةِ اهـ.

والحَقُّ عِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في حُرْمَتِها لِأنَّ سَدَّ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ السَّماعِ مِن بابِ فِعْلِهِ  ، ولَيْسَ مِمّا وضُحَ فِيهِ أمْرُ الجِبِلَّةِ ولا ثَبَتَ تَخْصِيصُهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا مِمّا وضَحَ أنَّهُ بَيانٌ لِنَصِّ عِلْمِ جِهَتِهِ مِنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ والإباحَةِ، فَإنْ كانَ مِمّا عُلِمَتْ صِفَتُهُ، فَلا يَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ الوُجُوبَ أوِ النَّدْبَ، أوِ الإباحَةَ، لا جائِزَ أنْ تَكُونَ الوُجُوبَ المُسْتَلْزِمَ لِحُرْمَةِ سَماعِ اليَراعِ إذْ لا قائِلَ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى أحَدٍ سَدُّ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ سَماعٍ مُحَرَّمٍ، إذْ يَأْمَنُ الإثْمَ بِعَدَمِ القَصْدِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ الحَرامَ الِاسْتِماعُ لا مُجَرَّدُ السَّماعِ بِلا قَصْدٍ، وفي الزَّواجِرِ: المَمْنُوعُ هو الِاسْتِماعُ لا السَّماعُ لا عَنْ قَصْدٍ اتِّفاقًا، ومِن ثَمَّ صَرَّحَ أصْحابُنا - يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ - أنَّ مَن بِجِوارِهِ آلاتٌ مُحَرَّمَةٌ ولا يُمْكِنُهُ إزالَتُها لا يَلْزَمُهُ النُّقْلَةُ، ولا يَأْثَمُ بِسَماعِها لا عَنْ قَصْدٍ وإصْغاءٍ اهـ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ عِنْدَ سائِرِ الأئِمَّةِ، نَعَمْ لَهم تَفْصِيلٌ في القُعُودِ في مَكانٍ فِيهِ نَحْوُ ذَلِكَ، قالَ في تَنْوِيرِ الأبْصارِ وشَرْحِهِ الدُّرِّ المُخْتارِ: دُعِيَ إلى ولِيمَةٍ وثَمَّةَ لَعِبٍ وغِناءٍ قَعَدَ، وأكَلَ، ولَوْ عَلى المائِدَةِ، لا يَنْبَغِي أنْ يَقْعُدَ بَلْ يَخْرُجَ مُعْرِضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ  ﴾ ، فَإنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ فَعَلَ وإلّا يَقْدِرُ صَبَرَ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، فَإنْ كانَ مُقْتَدًى بِهِ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى المَنعِ خَرَجَ، ولا يَقْعُدُ، لِأنَّ فِيهِ شَيْنُ الدِّينِ، والمَحْكِيُّ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ مُقْتَدًى بِهِ، وإنْ عَلِمَ أوَّلًا لا يَحْضُرُ أصْلًا، سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ أوْ لا اهـ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُها النَّدْبَ أوِ الإباحَةَ وكِلا الأمْرَيْنِ لا يَسْتَلْزِمانِ الحُرْمَةَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَرامًا أوْ مَكْرُوهًا يُنْدَبُ سَدُّ الأُذُنَيْنِ عِنْدَ سَماعِهِ احْتِياطًا مِن أنْ يَدْعُوَ إلى الِاسْتِماعِ المُحَرَّمِ أوِ المَكْرُوهِ، وإنْ كانَ مِمّا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ فَقَدْ قالُوا فِيما كانَ كَذَلِكَ المَذاهِبُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ خَمْسَةٌ، الوُجُوبُ والنَّدْبُ والإباحَةُ والوَقْفُ والتَّفْصِيلُ، وهو أنَّهُ إنْ ظَهَرَ قَصْدُ القُرْبَةِ فالنَّدْبُ، وإلّا فالإباحَةُ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا الحالُ عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ ما أشارَ إلَيْهِ الخَبَرُ إنْ كانَ الزَّمْرُ بِزُمّارَةِ الرّاعِي عَلى وجْهِ التَّأنُّقِ وإجْراءِ النَّغَماتِ الَّتِي تُحَرِّكُ الشَّهَواتِ كَما يَفْعَلُهُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ صَنْعَتَهُ اليَوْمَ، فاسْتِماعُهُ حَرامٌ، وسَدُّ الأُذُنَيْنِ المُشارُ إلَيْهِ فِيهِ لَعَلَّهُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ أحَدَ طُرُقِ الِاحْتِياطِ المَعْلُومِ حالُهُ لِئَلّا يَجُرَّهم ذَلِكَ إلى الِاسْتِماعِ، وإلّا فالِاسْتِماعُ لِمَكانِ العِصْمَةِ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَن عَرَفَ قَدْرَ الصَّحابَةِ، واطَّلَعَ عَلى سَبِيلِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى التَّأسِّي بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَدَّ أُذُنَيْهِ أيْضًا تَأسِّيًا، ويَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الخَبَرُ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أتَسْمَعُ؟

عَلى مَعْنى تَسَمَّعْ، أتَسْمَعُ، وإنَّما أسْقَطَ تَسَمَّعْ، لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، إذْ مَن سَدَّ أُذُنَيْهِ لا يَسْمَعُ، وإنَّما أذِنَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ لِمَوْضِعِ الحاجَةِ، وهَذا أقْرَبُ مِنَ احْتِمالِ كَوْنِ سَدِّ الأُذُنَيْنِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ كانَ في حالِ ذِكْرٍ، أوْ فِكْرٍ، وكانَ يَشْغَلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ السَّماعِ.

وأمّا عَدَمُ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن كانَ يُزَمِّرُ عَنِ الزَّمْرِ، والإنْكارِ عَلَيْهِ، فَلا يُسَلَّمُ دِلالَتُهُ عَلى الجَوازِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصَّوْتُ جاءَ مِن بَعِيدٍ، وبَيْنَ الزّامِرِ وبَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَمْنَعُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، أوْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُ  لِأنَّ الصَّوْتَ قَدْ جاءَ مِن وراءِ حِجابٍ، ولا تَتَحَقَّقُ القُدْرَةُ مَعَهُ عَلى الإنْكارِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ، وعُلِمَ مِنَ النَّبِيِّ  الإصْرارُ عَلَيْهِ، وأنْ يَكُونَ قَدْ عُلِمَ إصْرارُ ذَلِكَ الفاعِلِ عَلى فِعْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كاخْتِلافِ أهْلِ الذِّمَّةِ إلى كَنائِسِهِمْ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ لا يَدُلُّ السُّكُوتُ وعَدَمُ الإنْكارِ عَلى الجَوازِ إجْماعًا، ومَن قالَ بِأنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالفُرُوعِ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الزّامِرُ كافِرًا، وأنَّ السُّكُوتَ في حَقِّهِ لَيْسَ دَلِيلَ الجَوازِ، وإنْ كانَ الزَّمْرُ بِها لا عَلى وجْهِ التَّأنُّقِ وإجْراءِ النَّغَماتِ الَّتِي تُحَرِّكُ الشَّهَواتِ فَلا بُعْدَ في أنْ يُقالَ بِالجَوازِ والإباحَةِ فِعْلًا واسْتِماعًا، وسَدُّ الأُذُنَيْنِ عَلَيْهِ لِغايَةِ التَّنَزُّهِ اللّائِقِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُ الأذْرُعِيِّ في الجَوابِ: إنَّ قَوْلَهُ في الخَبَرِ: زَمّارَةُ راعٍ لا يُعَيِّنُ أنَّها الشَّبّابَةُ، فَإنَّ الرُّعاةَ يَضْرِبُونَ بِالشُّعَيْبِيَّةِ وغَيْرِها يُوهِمُ أنَّ ما يُسَمّى شُعَيْبِيَّةً مُباحٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّها عِبارَةٌ عَنْ عِدَّةِ قَصَباتٍ صِغارٍ، ولَها إطْرابٌ بِحَسَبِ حِذْقِ مُتَعاطِيها، فَهي شَبّابَةٌ، أوْ مِزْمارٌ لا مَحالَةَ، وفي إباحَةِ ذَلِكَ كَلامٌ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ نَقُولُ: إنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ رَواهُ أبُو داوُدَ، وقالَ: إنَّهُ مُنْكَرٌ، وعَلَيْهِ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلطَّرَفَيْنِ، وكَفى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ القِتالَ، ثُمَّ إنَّكَ إذا ابْتُلِيتَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ أنْ تَعْتَقِدَ أنَّ فِعْلَهُ أوِ اسْتِماعَهُ قُرْبَةٌ كَما يَعْتَقِدُ ذَلِكَ مَن لا خَلاقَ لَهُ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ، فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا لَما أهْمَلَ الأنْبِياءُ أنْ يَفْعَلُوهُ، ويَأْمُرُوا أتْباعَهم بِهِ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا أشارَ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّماءِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ ولَوْ كانَ اسْتِعْمالُ المَلاهِي المُطْرِباتِ أوِ اسْتِماعُها مِنَ الدِّينِ، ومِمّا يُقَرِّبُ إلى حَضْرَةِ رَبِّ العالَمِينَ لَبَيَّنَهُ  وأوْضَحَهُ كَمالَ الإيضاحِ لِأُمَّتِهِ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكم مِنَ الجَنَّةِ ويُباعِدُكم عَنِ النّارِ إلّا أمَرْتُكم بِهِ، وما تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكم مِنَ النّارِ ويُباعِدُكم عَنِ الجَنَّةِ إلّا نَهَيْتُكم عَنْهُ»» وما ذُكِرَ داخِلٌ في الشِّقِّ الثّانِي كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ سَلِيمٌ، وعَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ، فَتَأمَّلْ، وأنْصِفْ، وإيّاكَ مِنَ الِاعْتِراضِ قَبْلَ أنْ تُراجِعَ تَعَرَّفْ، ولَنا عَوْدَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْكَلامِ في هَذا المَطْلَبِ، يَسَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَنا بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأعْظَمِ  .

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ لَهْوَ الحَدِيثِ الكُتُبُ الَّتِي اشْتَراها النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى حُرْمَةِ مُطالَعَةِ كُتُبِ تَوارِيخِ الفُرْسِ القَدِيمَةِ، وسَماعِ ما فِيها وقِراءَتِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ، ولا يَخْفى أنَّ فِيها مِنَ الكَذِبِ ما فِيها، فالِاشْتِغالُ بِها لِغَيْرِ غَرَضٍ دِينِيٍّ خَوْضٌ في الباطِلِ، وعَدَّهُ ابْنُ نُجَيْمٍ في رِسالَتِهِ في بَيانِ المَعاصِي مِنَ الصَّغائِرِ، ومَثَّلَ لَهُ بِذِكْرِ تَنَعُّمِ المُلُوكِ والأغْنِياءِ فافْهَمْ هَذا، ومِنَ الغَرِيبِ البَعِيدِ وفِيهِ جَعْلُ الِاشْتِراءِ بِمَعْنى البَيْعِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّحْرِيرِ قالَ: يَظْهَرُ لِي أنَّهُ أرادَ سُبْحانَهُ بِلَهْوِ الحَدِيثِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِنَ الأحادِيثِ في تَقْوِيَةِ دِينِهِمْ، والأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْهِ، وتَغْيِيرِ صِفَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ التَّوْراةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن ولَدِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْصِدُونَ صَدَّ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وأُطْلِقَ اسْمُ الِاشْتِراءِ لِكَوْنِهِمْ يَأْخُذُونَ عَلى ذَلِكَ الرِّشا والجَعائِلَ مِن مُلُوكِهِمْ، وقالَ: يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِسَبِيلِهِ تَعالى دِينُهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ قِراءَةُ كِتابِهِ سُبْحانَهُ، أوْ ما يَعُمُّهُما، واللّامُ في ( لِيُضِلَّ ) لِلتَّعْلِيلِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو «لِيَضِلَّ» بِفَتْحِ الياءِ، والمُرادُ لِيَثْبُتَ عَلى ضَلالِهِ ويَزِيدَ فِيهِ، فَإنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ ضالٌّ قَبْلُ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ، وكَوْنُها عَلى أصْلِها كَما قِيلَ بَعِيدٌ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ قَدْ وضَعَ «لِيَضِلَّ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَوْضِعَ (لِيُضِلَّ) مِن قِبَلِ أنَّ مَن أضَلَّ كانَ ضالًّا لا مَحالَةَ، فَدَلَّ بِالرَّدِيفِ، وهو الضَّلالُ عَلى المَرْدُوفِ وهو الإضْلالُ، ووَجْهُ الدِّلالَةِ أنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّلالِ الضَّلالُ المُضاعَفُ في شَأْنِ مَن جانَبَ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى، وتَرَكَهُ رَأْسًا، وهَذا الضَّلالُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الإضْلالِ، وبِالعَكْسِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ نَظَرُ صاحِبِ الفَرائِدِ بِأنَّ الضَّلالَ لا يَلْزَمُهُ إلّا ضَلالٌ، وفِيهِ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وبَقاءُ اللّامِ عَلى حَقِيقَتِها، وهي عَلى الوَجْهَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَشْتَرِي )، ﴾ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ أيْضًا أيْ يَشْتَرِي ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِالتِّجارَةِ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الضَّلالَ بِالهُدى والباطِلَ بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا (بِيُضِلَّ) أيْ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ تَعالى جاهِلًا أنَّها سَبِيلُهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ جاهِلًا أنَّهُ يُضِلُّ، أوْ جاهِلًا الحَقَّ، ﴿ ويَتَّخِذَها ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى «يُضِلَّ» والضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ، فَإنَّهُ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْآياتِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأحادِيثِ، لِأنَّ الحَدِيثَ اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الأحادِيثِ، وهو كَما تَرى، ﴿ هُزُوًا ﴾ أيْ مَهْزُوءًا بِهِ.

وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ( يَتَّخِذُها ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ( يَشْتَرِي )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ هُوَ، ﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ لِما اتَّصَفُوا بِهِ مِن إهانَتِهِمُ الحَقَّ بِإيثارِ الباطِلِ عَلَيْهِ، وتَرْغِيبِ النّاسِ فِيهِ، والجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، ( وأُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى ( مَن )، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ المَنزِلَةِ في الشَّرارَةِ، والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ والضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وأربع آيات مكيّة قول الله تبارك وتعالى: الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يعني: هذه آيات القرآن المحكم من الباطل.

ويقال: أحكم حلاله وحرامه.

ويقال: محكم لا يرد عليه التناقض هُدىً يعني: بياناً من الضلالة.

ويقال: هادياً وَرَحْمَةً من العذاب لِلْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون العمل وهم المؤمنون.

لأن كل مؤمن محسن.

قرأ حمزة: هُدىً وَرَحْمَةً بالضم، والباقون بالنصب.

فمن قرأ: بالضم، فعلى الإضمار.

ومعناه: هو هدى ورحمة على معنى تلك هدى ورحمة.

ومن نصب فهو على الحال المعنى تلك آيات في حال الهداية والرحمة.

ثم نعت المحسنين فقال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني: يقرون بها ويتمونها.

قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: يقرون بها ويؤدونها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني: بالبعث الذي فيه جزاء أعمالهم هُمْ يُوقِنُونَ بأنها كائنة أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ يعني: بيان من ربهم.

بيّن لهم طريقهم ووفّقهم لذلك وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الفائزون بالخير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله

تفسير «سورة لقمان»

وهي مكيّة غير آيتين قال قتادة: أولهما: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ثلاث.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)

قوله عزّ وجل: الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:

خصَّه للمحسنين من حيثُ لهم نفْعه، وإلا فهو هدًى في نفسه.

٦٧ ب وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ/ رُوِيَ: أن الآيةَ نَزَلَتْ فِي شأن رجلٍ من قريش اشترى جاريةً مغنيةً لِتغنِّي له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلّم.

وقيل: إنه ابن خطل.

وقيل: نَزَلَتْ في النضر بن الحارث، وقيل غيرُ هذا، والذي يترجح أن الآية نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضَافٍ إلى كُفْر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية، ولَهْوَ الْحَدِيثِ كل ما يُلهى من غناءٍ وخِناء.

ونحوه، والآيةُ باقيةُ المعْنَى في الأَمة غَابِرَ الدهرِ لكنْ ليسَ ليضلوا عن سبيل الله، ولا ليتخذوا آياتِ الله هزواً، ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطلوا عبادةً، ويقطعوا زمناً بمكروه.

قال ابن العربي «١» في «أحكامه» : ورَوَى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن محمدِ بن المنكدر:

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ لُقْمانَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ آيَتَيْنِ، قالَ قَتادَةُ: أوَّلُهُما ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ  ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، وفي تَرْتِيبِ "تِلْكَ" مَعَ كُلِّ قَوْلٍ مِنها.

و"الحَكِيمُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الحُكْمِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "هُدًى ورَحْمَةً" ﴾ بِالنَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ المُبْهَمِ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ "الكِتابِ"؛ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: هو هُدًى، وخَصَّصَهُ لِلْمُحْسِنِينَ مِن حَيْثُ لَهم نَفْعُهُ، وهم نَظَرُوهُ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، وإلّا فَهو هُدًى في نَفْسِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ".

ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُحْسِنِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ عِنْدَهُمُ اليَقِينُ بِالبَعْثِ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ الرَسُولُ  ، وعِنْدَهم إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، ومِن صِفَتِهِمْ ما «قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الإحْسانِ، قالَ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"» الحَدِيثُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في قِرْشِيٍّ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً تُغَنِّي بِهِجاءِ رَسُولِ اللهِ  وسَبِّهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ورُوِيَ «عن أبِي أُمُامَةَ الباهِلِيِّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: "شِراءُ المُغَنِّياتِ وبَيْعُهُنَّ حَرامٌ"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ،» وقالَ: "فِي هَذا المَعْنى أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةُ"، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ: المَعازِفُ والغِناءُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ لِأنَّهُ اشْتَرى كُتُبَ رُسْتُمَ واسْفِنْدِيارَ، وكانَ يَخْلُفُ رَسُولَ اللهِ  فَيُحَدِّثُهم بِتِلْكَ الأباطِيلِ، ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، وقالَ قَتادَةَ: الشِراءُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، وإنَّما نَزَلَتْ في أحادِيثِ قُرَيْشٍ، وتَلَهِّيهِمْ بِأمْرِ الإسْلامِ، وخَوْضِهِمْ في الأباطِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ تَرْكَ ما يَجِبُ فِعْلُهُ، وامْتِثالَ هَذِهِ المُنْكَراتِ شِراءٌ لَها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى  ﴾ .

وقَدْ قالَ مُطَرِّفٌ: شِراءُ لَهْوِ الحَدِيثِ اسْتِحْبابُهُ، قالَ قَتادَةُ: ولَعَلَّهُ لا يُنْفِقُ فِيهِ مالًا، ولَكِنَّ سَماعَهُ هو شِراؤُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: لَهْوُ الحَدِيثِ الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: لَهْوُ الحَدِيثِ الطَبْلُ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الغِناءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضافٍ إلى كُفْرٍ، فَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ ألْفاظُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا ﴾ والتَوَعُّدِ بِالعَذابِ المُهِينِ.

وأمّا لَفْظَةُ الشِراءِ فَمُحْتَمِلَةٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ عَلى ما بَيَّنّا، و"لَهْوُ الحَدِيثِ" كُلُّ ما يُلْهِي مِن غِناءٍ وخَنا ونَحْوِهِ، والآيَةُ باقِيَةُ المَعْنى في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ولَكِنْ لَيْسَ لِيَضِلُّوا عن سَبِيلِ اللهِ بِكُفْرٍ، ولا لِيَتَّخِذُوا الآياتِ هَزُّوًا، ولا عَلَيْهِمْ هَذا الوَعِيدُ، بَلْ لِيُعَطِّلَ عِبادَةً، ويُقَطَعُهم زَمَنًا بِمَكْرُوهٍ، ولِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ العُصاةِ، والنُفُوسُ الناقِصَةُ تَرُومُ تَتْمِيمَ ذَلِكَ النَقْصِ بِالأحادِيثِ، وقَدْ جَعَلُوا الحَدِيثَ مِنَ القِرى، وقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أتَمَلُّ الحَدِيثَ؟

فَقالَ: إنَّما يُمَلُّ العَتِيقُ القَدِيمُ المُعادُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ الطَرافَةُ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ المَلَلِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، والحُسْنُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "لِيُضِلَّ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "وَيَتَّخِذَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "لِيُضِلَّ"، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "وَيَتَّخِذَها" ﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿ "يَشْتَرِي".

﴾ والضَمِيرُ في "وَيَتَّخِذَها" يُحْتَمَلُ أنْ يُعُودَ عَلى "الكِتابِ الحَكِيمِ" المَذْكُورِ أوَّلًا، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "السَبِيلِ"، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "الأحادِيثِ"؛ لِأنَّ "الحَدِيثَ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الأحادِيثِ، وكَذَلِكَ "سَبِيلِ اللهِ" اسْمُ جِنْسٍ، ولِكُلِّ وجْهٍ مِنَ الحَدِيثِ وجْهٌ يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إذا كانت هذه السورة نزلت بسبب سؤال قريش عن لقمان وابنه فهذه الآيات إلى قوله ﴿ ولقد ءاتينا لقمان الحكمة ﴾ [لقمان: 12] بمنزلة مقدمة لبيان أن مرمى القرآن من قصّ القصة ما فيها من علم وحكمة وهدى وأنها مسوقة للمؤمنين لا للذين سألوا عنها فكان سؤالهم نفعاً للمؤمنين.

والإشارة ب ﴿ تِلْكَ ﴾ إلى ما سيذكر في هذه السورة، فالمشار إليه مقدر في الذهن مترقب الذكر على ما تقدم في قوله ﴿ ذلك الكِتَاب ﴾ في أول البقرة (2) وفي أول سورة الشعراء (2) والنمل (1) والقصص (2).

﴿ وآيات الكتاب ﴾ خبر عن اسم الإشارة.

وفي الإشارة تنبيه على تعظيم قدر تلك الآيات بما دل عليه اسم الإشارة من البعد المستعمل في رفعة القدر، وبما دلت عليه إضافة الآيات إلى الكتاب الموصوف بأنه الحكيم وأنه هدى ورحمة وسبب فلاح.

و ﴿ الحكيم: وصف للكتاب بمعنى ذي الحكمة، أي لاشتماله على الحكمة.

فوصف الكِتَاب ﴾ ب ﴿ الحَكِيم ﴾ كوصف الرجل بالحكيم، ولذلك قيل: إن الحكيم استعارة مكنية، أو بعبارة أرشق تشبيه بليغ بالرجل الحكيم.

ويجوز أن يكون الحكيم بمعنى المُحْكَم بصيغة اسم المفعول وصفاً على غير قياس كقولهم: عَسل عقيد، لأنه أُحكم وأتقن فليس فيه فضول ولا مالا يفيد كمالاً نفسانياً.

وفي وصف ﴿ الكِتَاب ﴾ بهذا الوصف براعة استهلال للغرض من ذكر حكمة لقمان.

وتقدم وصف الكتاب ب ﴿ الحَكِيم ﴾ في أول سورة يونس (1).

وانتصب ﴿ هدى ورحمة ﴾ على الحال من ﴿ الكِتَاب ﴾ وهي قراءة الجمهور.

وإذ كان ﴿ الكِتَاب ﴾ مضافاً إليه فمسوغ مجيء الحال من المضاف إليه أن ﴿ الكِتَاب ﴾ أضيف إليه ما هو اسم جزئه، أو على أنه حال من آيات.

والعامل في الحال ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.

وقرأه حمزة وحده برفع ﴿ رحمةٌ ﴾ على جعل ﴿ هدىً ﴾ خبراً ثانياً عن اسم الإشارة.

ومعنى المحسنين: الفاعلون للحسنات، وأعلاها الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك خصت هذه الثلاث بالذكر بعد إطلاق المحسنين لأنها أفضل الحسنات، وإن كان المحسنون يأتون بها وبغيرها.

وزيادة وصف الكتاب ب ﴿ رحمة ﴾ بعد ﴿ هدى ﴾ لأنه لما كان المقصد من هذه السورة قصة لقمان نبَّه على أن ذكر القصة رحمة لما تتضمنه من الآداب والحكمة لأن في ذلك زيادة على الهدى أنه تخلق بالحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، والخير الكثير: رحمة من الله تعالى.

و ﴿ الزكاة ﴾ هنا الصدقة وكانت موكولة إلى همم المسلمين غير مضبوطة بوقت ولا بمقدار.

وتقدم الكلام على ﴿ بالآخرة هم يوقنون ﴾ إلى ﴿ هم المفلحون ﴾ في أول سورة البقرة (4 5).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا رِوايَةَ عَطاءٍ أنَّ آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها.

وَقالَ الحَسَنُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُدْنِيَتانِ.

قَوْلُهُ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُحْكَمُ أُحُكِمَتْ آياتُهُ بِالحَلالِ والحَرامِ والأحْكامِ.

قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: المُتْقَنُ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مَن خَلْفِهِ وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: البَيَّنُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ يُظْهِرُ مِنَ الحِكْمَةِ بِنَفْسِهِ كَما يُظْهِرُهُ الحَكِيمُ بِقَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: هُدًى إلى الجَنَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ.

﴿ وَرَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ رَحْمَةٌ مِنَ العَذابِ لِما فِيهِ مَنِ الزَّجْرِ عَنِ اسْتِحْقاقِهِ وهو وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ النَّعْتِ بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ بِأنَّ فِيهِ هُدًى ورَحْمَةٌ.

﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وفي الإحْسانِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإيمانُ الَّذِي يُحْسِنُ بِهِ إلى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ الصِّلَةُ والصَّلاةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: ما رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «بَيْنَما أنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الإحْسانُ؟

قالَ: (أنْ تَخْشى اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ.

وَتُحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) قالَ: فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأنا مُحْسِنٌ؟

قالَ: (نَعَمْ) قالَ الرَّجُلُ: صَدَقْتَ.

ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَقالَ النَّبِيُّ  : (عَلَيَّ بِالرَّجُلِ) .

فَطَلَبْناهُ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اللَّهُ أكْبَرُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيِهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُعَلِّمَكم أمُورَ دِينِكم.

» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَلى بَيِّنَةٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: عَلى بَيانٍ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى السُّعَداءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: المُنْجِحُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: النّاجِحُونَ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا ما طَلَبُوا ونَجَوْا مِن شَرِّ ما مِنهُ هَرَبُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ يعني باطل الحديث.

وهو النضر بن الحارث بن علقمة.

اشترى أحاديث العجم وصنيعهم في دهرهم، وكان يكتب الكتب من الحيرة والشام ويكذب بالقرآن، فأعرض عنه فلم يؤمن به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: شراؤه استحبابه.

وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق.

وفي قوله: ﴿ ويتخذها هزواً ﴾ قال: يستهزئ بها ويكذبها.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويتخذها هزواً ﴾ قال: سبيل الله يتخذ السبيل هزواً.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: باطل الحديث.

وهو الغناء ونحوه ﴿ وليضل عن سبيل الله ﴾ قال: قراءة القرآن، وذكر الله.

نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية.

وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: أنزلت في النضر بن الحارث.

اشترى قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام.

في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها.

ثم قرأ ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ » .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء وأشباهه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو شراء المغنية.

وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: الجواري الضاربات.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الصهباء قال: سألت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو- والله- الغناء.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير عن شعيب بن يسار قال: سألت عكرمة رضي الله عنه عن ﴿ لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء، وكل لعب ولهو.

وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء وقال مجاهد رضي الله عنه: هو لهو الحديث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: الغناء والباطل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ في الغناء والمزامير.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإِيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كانوا يقولون: الغناء ينبت النفاق في القلب.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه شيطان، فقال: تغنه، فإن كان لا يحسن قال له: تمنه.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه سئل عن الغناء، فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك.

قال السائل: احرام هو؟

قال: انظر يا ابن أخي.

إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي قال: لعن المغني والمغنى له.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن فضيل بن عياض قال: الغناء رقية الزنا.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر الأموي عمر بن عبد الله قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى مؤدب وِلْدِهِ: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه.

أما بعد فإني اخترتك على علم مني لتأديب وِلْدِي، وصرفتهم إليك عن غيرك من مواليَّ وذوي الخاصة بي، فخذهم بالجفاء فهو أمكن لاقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة، وكثرة الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم إن حضور المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بهما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، ولعمري ولتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذوي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع به، وليفتح كل غلام منهم بجزئه من القرآن يثبت في قراءته، فإذا فرغ منه تناول قوسه وكنانته وخرج إلى الغرض حافياً، فرمى سبعة ارشاق ثم انصرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول: يا بني قيلوا فإن الشياطين لا تقيل والسلام.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن حفص المدني قال: أربع لا ينظر الله إليهن يوم القيامة.

الساحرة.

والنائحة.

والمغنية.

والمرأة مع المرأة.

وقال: من أدرك ذلك الزمان فأولى به طول الحزن.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: ما قدّست أمة فيها البربط.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خدش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: صوتان ملعونان.

مزمار عند نغمة.

ورنة عند مصيبة.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أخبث الكسب كسب الزمارة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في طريق، فسمع زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟

قلت: لا.

فأخرج أصبعيه من أذنيه وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: في هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل» .

وأخرج الحاكم في الكنى عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ في الغناء والباطل والمزامير.

وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو اشتراؤه المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو رجل يشتري جارية تغنيه ليلاً أو نهاراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث الداري وكان يشتري كتبًا فيها أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث (١) (٢) قال مقاتل: لهو الحديث: باطل الحديث، يعني باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفنديار، فزعم أن القرآن مثل حديث الأولين (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، وهو رواية سعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس (٩) (١٠) (١١) (١٢) وروى ابن أبي [...] (١٣) ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ قال: اشتراء الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا (١٤) وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: اشترى المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلي مثله من الباطل (١٥) (١٦) وروي ذلك مرفوعًا، روى القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -  -: "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ (١٧) (١٨) قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن (١٩) (٢٠) (٢١) قال الشافعي رحمه الله: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به (٢٢) قال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن (٢٣)  - يفعله (٢٤) فلما اقتصر رسول الله -  - على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا.

وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب.

وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي -  - قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" (٢٥) وأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله -  - يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله -  -: "دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح" فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار ...

حبذا محمد من جار (٢٦) وأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا.

فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل (٢٧) (٢٨) ﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فقال مقاتل: يعني لكي يشترك بحديث الباطل عن دين الله (٢٩) ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يعلمه.

وقال أبو إسحاق: من قرأ: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ ، بضم الياء، ليضل غيره إذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا ومن قرأ ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يقدر أن يضل فإنه يصير أمره إلى أن يضل (٣٠) ومعنى قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي جاهل فيما يفعله عن علم.

وقوله: ﴿ وَيَتَّخِذَهَا ﴾ بالرفع عطف على يشتري، وبالنصب على ليضل (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ فيجوز الضمير للآيات، ويجوز أن يكون للسبيل] (٣٤) ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي  ﴾ (٣٥) (١) في (ب): (أحاديث).

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 81/ أ، "معاني القرآن" للفراء 2/ 326، "تفسير الماوردي" 4/ 29، "زاد المسير" 6/ 316.

والحيرة: بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له: النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها.

انظر: "معجم البلدان" لياقوت 2/ 328.

(٣) "تفسير مقاتل" 2/ 81 أ.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 326 ونسبه لابن عباس، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 344.

(٦) في (أ): زيادة (قال)، وهو خطأ.

(٧) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 14/ 52، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 326 غير منسوب لأحد.

(٨) هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، صاحب الزهري كهلًا، وأقدم شيوخه موتًا قتادة.

ولد سنة خمس أو ست وتسعين، ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همام بن منبه == صاحب أبي هريرة.

حدث عن قتادة والزهري وعمرو بن دينار وهمام بن منبه وغيرهم كثير.

وعنه أيوب وأبو إسحاق وعمرو بن دينار وغيرهم، مات سنة 153هـ.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 7/ 5، "شذرات الذهب" 1/ 235، "طبقات ابن سعد" 5/ 546.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 61، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "مجمع البيان" 8/ 490، "زاد المسير" 6/ 316، البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223.

(١٠) هو: صهيب أبو الصهباء البكري البصري، ويقال: المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وابن مسعود.

وعنه سعيد بن جبير وطاوس بن كيسان وجماعة.

قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات.

روى له مسلم وأبو داود والنسائي، وقد ضعفه النسائي.

انظر: "تهذيب الكمال" 13/ 241، "الكاشف" 1/ 505، "التاريخ الكبير" 4/ 316.

(١١) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 61، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "مجمع البيان" 8/ 490، زاد المسير 6/ 316.

وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير: تفسير سورة لقمان 2/ 411، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223.

(١٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105، "تفسير الطبري" 21/ 61 وما بعدها، "تفسير الثعلبي" 3/ 181 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 328، "زاد المسير" 6/ 316.

(١٣) ما بين المعقوفين بقدر كلمة غير واضحة.

(١٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 223 عن ابن عباس قال: هو الغناء وأشباهه.

وكذا في "معرفة السنن والآثار" 14/ 327 رقم 20157.

(١٥) انظر: "تفسير مجاهد" ص 503، "تفسير الطبري" 21/ 62.

وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 570، وعزاه لآدم وابن جرير والبيهقي في "سننه".

(١٦) ذكر قول مكحول البغوي في "تفسيره" بهامش "تفسير الخازن" 5/ 214، والخازن في "تفسيره" 5/ 214، قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيمُا عليه حتى يموت لم أصل عليه، وإن الله يقول: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ الآية.

(١٧) رواه أحمد 5/ 264، والترمذي 5/ 26 وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في في التجارات، باب ما لا يحل بيعه، رقم (2168)، والطبري في "تفسيره" 21/ 60، والطبراني في "المعجم الكبير" 8/ 212، 253.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 194.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 327، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 194، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 277 وما بعدها.

ويقصد بأهل المعاني: من كتبوا في معاني القرآن من جهة اللغة والنحو، كالفراء والزجاج وابن الأنباري والأخفش.

قال في "البرهان" 1/ 192: قال ابن الصلاح: == وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في "معاني القرآن" كالزجاج ومن قبله.

(٢٠) في (ب): (إلا أن يكون).

(٢١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 105، "تفسير الطبري" 21/ 61، "المحرر الوجيز" 11/ 484.

(٢٢) "الأم" 6/ 214.

(٢٣) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: أن.

(٢٤) ذكره صاحب "كنز العمال" 15/ 227، رقم الحديث (40692) وقال: أخرجه ابن == عساكر.

وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 507، وعزاه لابن أبي الدنيا، والبيهقي عن نافع.

(٢٥) ذكره صاحب "كنز العمال" 3/ 662، وقال: أخرجه ابن عساكر عن أنس.

(٢٦) ذكر هذا الأثر الإمام ابن كثير في "البداية والنهاية" 3/ 219، وفي "السيرة النبوية" 2/ 274، وقال عنه: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد خرجه الحاكم في "مستدركه" كما يروى.

وذكره الحلبي في "السيرة الحلبية" 2/ 246، وأورده كذلك الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد" 3/ 274.

(٢٧) حجل، قال الأزهري: الإنسان إذا رفع رجلاً وتريث في مشيه على رجل فقد حجل.

قلت: ومثل هذه الحالة تكون من الإنسان حينما يفرح.

انظر: "اللسان" 11/ 144.

(٢٨) هذا الأثر ذكره ابن منظور في "اللسان" 11/ 144.

(٢٩) انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب قال: يعني لكي يستزل بحديث الباطل عن سبيل الله الإسلام.

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 194.

(٣١) انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 523، "الحجة" 5/ 453.

(٣٢) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 64.

(٣٣) انظر: "تفسير مقاتل" 81 ب، قال: ويتخذ آيات القرآن استهزاء به.

(٣٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 327، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 194، "الحجة" لأبي علي 5/ 453.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث ﴾ هو الغناء، وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال شراء المغنيات وبيعهنّ حارم، وقرأ هذه الآية، وقيل: نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشراء على هذا حقيقة، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان قد تعلم أخبار فارس، فذلك هو لهو الحديث، وشراء لهو الحديث استحبابه وسماعه، فالشراء على هذا مجاز، وقيل ﴿ لَهْوَ الحديث ﴾ : الطبل، وقيل: الشرك، ومعنى اللفظ يعم ذلك كله، وظاهر الآية أنه لهوٌ مضافٌ إلى الكفر بالدين واستخفاف، لقوله تعالى: ﴿ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ الآية، وأن المراد شخص معين، لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن الناس -مثل النضر بن الحارث- من يختار الأحاديث المُلْهِية ليصرف الناس إليها عن دين الله بغير علم، ويتخذ آيات الله هزؤًا يسخر منها، أولئك الموصوفون بتلك الصفات لهم عذاب مُذِلُّ في الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.k7rjl"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل