تفسير الآية ٨ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٨ من سورة السجدة

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 27 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨ من سورة السجدة من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) أي : يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

(ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) يعني: ذريته (من سلالة)، يقول: من الماء الذي انسل فخرج منه.

وإنما يعني من إراقة من مائه، كما قال الشاعر: فجـاءتْ بِـه عَضْـبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا سُـلالَةَ فَـرْجٍ كـانَ غـيرَ حَـصِينِ (5) وقوله: (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) يقول: من نطفة ضعيفة رقيقة.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) وهو خلق آدم، ثم جعل نسله: أي ذرّيته من سلالة من ماء مهين، والسلالة هي: الماء المهين الضعيف.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس في قوله: (مِنْ سُلالَةٍ) قال: صفو الماء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) قال: ضعيف نطفة الرجل، ومهين: فعيل من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف.

-------------------- الهوامش : (2) في التاج (شكب): إشكاب؛ لقب الحسين بن إبراهيم بن الحسن بن زعلان العامري، شيخ أبي بكر بن أبي الدنيا.

(3) البيت في (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة 192 - أ) قال عند تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه): مجازه: أحسن خلق كل شيء والعرب تفعل هذا، يقدمون ويؤخرون.

قال: "وظعني إليك ..." البيت معناه: وظعني حين حضنني الليل إليك.

وفي (اللسان: حضن): وحضنا المفازة شقاها، والفلاة: ناحيتاها، وحضنا الليل: جانباه، وحضن الجبل ما يطيق به وحضنا الشيء: جانباه.

والهدان بوزن كتاب: الأحمق الجافي الوخم الثقيل في الحرب.

وفي حديث عثمان: جبانًا هدانا.

(4) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ( الورقة 192 - أ) عند تفسير قوله تعالى:(أحسن كل شيء خلقه).

بعد الشاهد السابق: "وظعني إليك ..." البيت.

ثم قال: كأن ثنايا هند وبهجتها.

وهو أيضا في "اللسان: دبب": قال: قال الأزهري: وبالخلصاء رمل يقال له: الدباب، وبحذائه دُحْلان كثيرة (بضم الدال) ومنه قول الشاعر : كَــأَنَّ هِنْــدًا ثَنَايَاهَــا وَبَهْجَتَهَـا لَمَّــا الْتَقَيْنَـا لَـدَى أدْحَـالِ دَبَّـاب مَوْلِيَّـةٌ أُنُــفٌ جَـادَ الـرَّبِيعُ بِهَـا عَـلَى أبَـارِقَ قـدْ هَمَّـتْ بِأَعْشَـابِ والأدحال والدحلان: جمعا دحل، بالفتح، وهو ثقب ضيق فمه، ثم يتسع أسفله، حتى يمشي فيه.

(5) البيت: (مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة 162 - ب) عند قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) في سورة المؤمنين.

(الجزء 18 : 8) فراجعه ثمة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين تقدم في ( المؤمنون ) وغيرها .

قال الزجاج : من ماء مهين ضعيف .

وقال غيره : مهين لا خطر له عند الناس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ } أي: ذرية آدم ناشئة { مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } وهو النطفة المستقذرة الضعيفة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم جعل نسله ) يعني ذريته ) ( من سلالة ) نطفة ، سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان ) ( من ماء مهين ) أي : ضعيف وهو نطفة الرجل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم جعل نسله» ذريته «من سلالة» علقة «من ماءٍ مهين» ضعيف هو النطفة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم جعل ذرية آدم متناسلة من نطفة ضعيفة رقيقة مهينة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ) أى : ذريته ، وسميت بذلك لأنها تنسل وتنفصل منه .( مِن سُلاَلَةٍ ) أى : من خلاصة ، وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية .( مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ) أى : ممتهن لا يهتم بشأنه ، ولا يعتنى به ، والمقصود به : المنى الذى يخرج من الرجل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر  ﴾ والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة، ثم إذا كان أمره نافذاً فيهم يزداد في أعين الخلق، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته، وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ معناه، والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر، فإن العمل أثر الأمر.

وقوله تعالى: ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في مسيرة خمسمائة سنة، فهو مقدار ألف سنة ثانيها: هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى: ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون شهر منه، وكم تكون سنة منه، وكم يكون دهر منه، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله: ﴿ مقداره خمسين ألف سنة  ﴾ لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر، فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفاً لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون في الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى: (وفي هذه لطيفة) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق، وأشار إلى عظمة الملك، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ والروح من عالم الأمر كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي  ﴾ وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام البقاء كما يقال في العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول، وإنما الواقع في الزمان يمتد فيوجد في أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة، فأشار هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه هاهنا بالزمان فالمكان من خلقه وملكه والزمان بحكمه وأمره.

واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ في يوم يقتضي أن يكون أمره في يوم واليوم له ابتداء وانتهاء فيكون أمره في زمان حادث فيكون حادثاً وبعض من يقول بأن الله على العرش استوى يقول بأن أمره قديم حتى الحروف، وكلمة كن فكيف فهم من كلمة على كونه في مكان، ولم يفهم من كلمة في كون أمره في زمان ثم بين أن هذا الملك العظيم النافذ الأمر غير غافل، فإن الملك إذا كان آمراً ناهياً يطاع في أمره ونهيه، ولكن يكون غافلاً لا يكون مهيباً عظيماً كما يكون مع ذلك خبيراً يقظاً لا تخفى عليه أمور الممالك والمماليك فقال: ﴿ ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة ﴾ ولما ذكر من قبل عالم الأشباح بقوله: ﴿ خُلِقَ السموات  ﴾ وعالم الأرواح بقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر مِنَ السماء إِلَى الأرض ﴾ قال: ﴿ عالم الغيب ﴾ يعلم ما في الأرواح ﴿ والشهادة ﴾ يعلم ما في الأجسام أو نقول قال: ﴿ عالم الغيب ﴾ إشارة إلى ما لم يكن بعد ﴿ والشهادة ﴾ إشارة إلى ما وجد وكان وقدم العلم بالغيب لأنه أقوى وأشد إنباء عن كمال العلم، ثم قال تعالى: ﴿ العزيز الرحيم ﴾ لما بين أنه عالم ذكر أنه عزيز قادر على الانتقام من الكفرة رحيم واسع الرحمة على البررة، ثم قال تعالى: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ﴾ لما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله: ﴿ خُلِقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وأتمه بتوابعه ومكملاته ذكر الدليل الدال عليها من الأنفس بقوله: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء ﴾ يعني أحسن كل شيء مما ذكره وبين أن الذي بين السموات والأرض خلقه وهو كذلك لأنك إذا نظرت إلى الأشياء رأيتها على ما ينبغي صلابة الأرض للنبات وسلاسة الهواء للاستنشاق وقبول الانشقاق لسهولة الاستطراق وسيلان الماء لنقدر عليه في كل موضع وحركة النار إلى فوق، لأنها لو كانت مثل الماء تتحرك يمنة ويسرة لاحترق العالم فخلقت طالبة لجهة فوق حيث لا شيء هناك يقبل الاحتراق وقوله: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ﴾ قيل المراد آدم عليه السلام فإنه خلق من طين، ويمكن أن يقال بأن الطين ماء وتراب مجتمعان والآدمي أصله منى والمنى أصله غذاء، والأغذية إما حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية بالآخرة ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو طين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الأمر ﴾ المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً ﴿ مِنَ السماء إِلَى الأرض ﴾ ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصاً كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة؛ لقلة عمال الله والخلص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص ودل عليه قوله على أثره ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض: لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، كما قال: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47] ، ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ أي يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدّة: ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضاً ليوم آخر، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة.

وقيل: ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض.

ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو ردّه مع جبريل، وذلك في وقت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله؛ أي يصير إليه ليحكم فيه ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ وهو يوم القيامة.

وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ يعرج ﴾ على البناء للمفعول.

وقرئ: ﴿ يعدون ﴾ بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ آثارُها إلى الأرْضِ.

﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ﴾ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَيْهِ ويَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا.

﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُتَطاوِلَةٍ يَعْنِي بِذَلِكَ اسْتِطالَةَ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ، لِأنَّ مَسافَةَ نُزُولِهِ وعُرُوجِهِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ.

وقِيلَ يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ.

وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقِيلَ يُدَبِّرُ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِالوَحْيِ، ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْهِ خالِصًا كَما يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ والأعْمالِ الخُلَّصِ، وقُرِئَ «يَعْرُجُ» و «يَعْدُونَ» .

﴿ ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فَيُدَبِّرُ أمْرَهُما عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.

﴿ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ.

﴿ الرَّحِيمُ ﴾ عَلى العِبادِ في تَدْبِيرِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ يُراعِي المَصالِحَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثمّ جعل نسله} ذريته {من سلالةٍ} من نطفة {مّن مّاءٍ} أي مني وهو بدل من سلالة {مّهينٍ} ضعيف حقير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ أيْ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ، وتَنْفَصِلُ مِنهُ ﴿ مِن سُلالَةٍ ﴾ أيْ خُلاصَةٍ وأصْلُها ما يُسَلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ، ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ مُمْتَهَنٍ، لا يُعْتَنى بِهِ، وهو المَنِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وتسع آيات مكية قوله تعالى: الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: المنزل من الله عز وجل القرآن على معنى التقديم.

يعني: أن هذا الكتاب تنزيل من الله عز وجل والكتاب وهو التنزيل.

ويقال: معناه نزل به جبريل-  - بهذا التنزيل الْكِتابِ يعني: القرآن لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني: لا شك فيه أنه مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.

فلما نزله جبريل جحده قريش، وقالوا: إنما يقوله من تلقاء نفسه.

فنزل أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: أيقولون اختلقه من ذات نفسه.

وقال أهل اللغة: فرى يفري إذا قطعه للإصلاح.

وأفرى يفري: إذا قطعه للاستهلاك.

فأكذبهم الله عز وجل قال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن.

ولو لم يكن من الله عز وجل، لم يكن حقاً وكان باطلاً، ويقال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: نزل من عند ربك لِتُنْذِرَ قَوْماً يعني: كفار قريش مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: لم يأتهم في عصرك.

ولكن أتاهم من قبل، لأن الأنبياء المتقدمين- عليهم السلام- ما كانوا إلى جميع الناس.

ويقال: معناه: لم يشاهدوا نذيراً قبلك.

وإنما الإنذار قد كان سبق لأنه قال: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وقد سبق الرسل.

ويقال: مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: من قومهم من قريش.

ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: يهتدون من الضلالة.

وأصل الإنذار هو الإسلام.

يقال: أنذر العدو إذا أعلمه.

ثم دلّ على نفسه بصفة فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من السحاب والرياح وغيره فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ولو شاء خلقها في ساعة واحدة لفعل.

ولكنه خلقها في ستة أيام، ليدل على التأني.

ويقال: خلقها في ستة أيام لتكون الأيام أصلاً عند الناس ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فيها تقديم يعني: خلق العرش قبل السموات.

ويقال: علا فوق العرش من غير أن يوصف بالاستقرار على العرش.

ويقال: استوى أمره على بريته فوق عرشه، كما استوى أمره وسلطانه وعظمته دون عرشه وسمائه مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني: من قريب ينفعكم في الآخرة وَلا شَفِيعٍ من الملائكة أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أفلا تتعظون فيما ذكره من صفته فتوحّدونه.

ثم قال عز وجل: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقول: يقضي القضاء مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ يعني: يبعث الملائكة من السماء إلى الارض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ يعني: يصعد إليه.

قال أبو الليث- رحمه الله: - حدثنا عمرو بن محمد بإسناده عن الأعمش، عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط.

قال: يدبر أمر الدنيا أربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

أما جبرائيل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالنبات والقطر، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمور عليهم، فذلك قوله عز وجل: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ.

فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ يعني: في يوم واحد من أيام الدنيا كان مقدار ذلك اليوم أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أنتم.

وقال القتبي: معناه يقضي في السماء، وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فتوقعه الملائكة- عليهم السلام- في الأرض.

ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فيكون نزولها ورجوعها في يوم واحد مقدار المسير، على قدر سيرنا أَلْفَ سَنَةٍ لأنّ بعد ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.

فيكون نزوله وصعوده ألف عام في يوم واحد.

وروى جويبر عن الضحاك فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يصعد الملك إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، ويهبط مسيرة خمسمائة عام في كل يوم من أيامكم وهو مسيرة ألف سنة.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ السَّجْدَةِ وَتُسَمّى سُورَةَ المَضاجِعِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ الكَلْبِيُّ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ثَلاثُ آياتٍ، أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿ أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا  ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ الآيَةُ [السَّجْدَةِ: ١٦] .

وقالَ غَيْرُهُما: فِيها خَمْسُ آياتٍ مَدَنِيّاتٍ، أوَّلُها ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: لا شَكَّ فِيهِ أنَّهُ تَنْزِيلٌ ﴿ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ بَلْ يَقُولُونَ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ افْتَراهُ ﴾ مُحَمَّدٌ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ﴿ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي العَرَبَ الَّذِينَ أدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ  لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الأعْرافِ: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ؛ يَقُولُ: لَيْسَ لَكم مَن دُونِ عَذابِهِ مِن ولِيٍّ، أيْ: قَرِيبٌ يَمْنَعُكم فَيَرُدُّ عَذابَهُ عَنْكم ﴿ وَلا شَفِيعٍ ﴾ يَشْفَعُ لَكم ﴿ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ فَتُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ "الأمْرُ" ﴾ اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ الأُمُورِ، والمَعْنى: يُنَفِّذُ اللهُ تَعالى قَضاءَهُ بِجَمِيعِ ما يَشاؤُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ خَبَرُ ذَلِكَ في يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِقْدارُهُ - وإنَّ لَوْ يَسِيرُ فِيهِ السَيْرَ المَعْرُوفَ مِنَ البَشَرِ - ألْفُ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، والضَحّاكِ.

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ المَعْنى أنَّ الضَمِيرَ في ﴿ "مِقْدارُهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى التَدْبِيرِ، أيْ: كَأنَ مِقْدارَ التَدْبِيرِ المُنْقَضِي في يَوْمِ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ.

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، فالمَعْنى أنَّ الأُمُورَ تُنَفَّذُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ إلَيْهِ آخِرًا؛ لِأنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلَيْهِ.

وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ الدُنْيا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويَوْمُ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو عَلى الكُفّارِ قَدْرُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لِهَوْلِهِ وشُنْعَتِهِ حَسْبَما في سُورَةِ ﴿ "سَألَ سائِلٌ".

 ﴾ وسَنَذْكُرُ هُناكَ ما فِيهِ مِنَ التَأْوِيلِ والأقْوالِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وحَكى الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "قَوْلُهُ: ﴿ فِي يَوْمٍ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذا: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ  ﴾ ومُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ أنَّ تِلْكَ السِتَّةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن ألْفِ سَنَةٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُكْرَهَةٌ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، رادَّةٌ لَهُ الأحادِيثُ الَّتِي تُثْبِتُ أيّامَ خَلْقِ اللهِ تَعالى المَخْلُوقاتِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الضَمِيرَ في "مِقْدارُهُ" عائِدٌ عَلى "العُرُوجِ"، والعُرُوجُ: الصُعُودُ، والمَعارِجُ: الأدْراجُ الَّتِي يُصْعَدُ عَلَيْها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَمْسِ في أنَّها تَصْعَدُ وتَنْزِلُ في يَوْمٍ، وذَلِكَ قَدْرُ ألْفِ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، وظاهِرُ عَوْدِ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ" عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿ ذاهِبٌ إلى رَبِّي  ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ مُهاجِرٌ إلى رَبِّي  ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ بَرِيءٌ مِنَ التَحَيُّزِ.

وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى "السَماءِ" لِأنَّها قَدْ تُذْكَرُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "تَعُدُّونَ" ﴾ بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جيء بالإشارة إلى اسم الجلالة بعدما أجري عليه مِن أوصاف التصرف بخلق الكائنات وتدبير أمورها للتنبيه على أن المشار إليه باسم الإشارة حقيق بما يَرِد بعد اسم الإشارة من أجل تلك الصفات المتقدمة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5)، لا جرم أن المتصرف بذلك الخلق والتدبير عالم بجميع مخلوقاته ومحيط بجميع شؤونها فهو عالم الغيب، أي: ما غاب عن حواس الخلق، وعالِمُ الشهادة، وهو ما يدخل تحت إدراك الحواس، فالمراد بالغيب والشهادة: كل غائب وكل مشهود.

والمقصود هو علم الغيب لأنهم لما أنكروا البعث وإحياء الموتى كانت شبهتهم في إحالته أن أجزاء الأجسام تفرقت وتخللت الأرضَ، ولذلك عقب بقوله بعده ﴿ وقالوا أإذا ضَلَلْنَا في الأرض إنَّا لفِي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10].

وأما عطف ﴿ والشهادة ﴾ فهو تكميل واحتراس.

ومناسبة وصفه تعالى ب ﴿ العزيز الرحيم ﴾ عقب ما تقدم أنه خلق الخلق بمحض قدرته بدون معين، فالعزة وهي الاستغناء عن الغير ظاهرة، وأنه خلقهم على أحوال فيها لطف بهم فهو رحيم بهم فيما خلقهم إذ جعل أمور حياتهم ملائمة لهم فيها نعيم لهم وجنبهم الآلام فيها.

فهذا سبب الجمع بين صفتي و ﴿ العزيز الرحيم ﴾ يجوز كونهما خبرين آخرين عن اسم الإشارة أو وصفين ل <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَقْضِي الأمْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يُنْزِلُ الوَحْيَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ مِن سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ العُلْيا وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُدَبِّرُ الأمْرَ في السَّماءِ وفي الأرْضِ.

الثّانِي: يُدَبِّرُهُ في السَّماءِ ثُمَّ يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ إلى الأرْضِ ورَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ أنَّهُ قالَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا أرْبَعَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ وإسْرافِيلُ، فَأمّا جِبْرِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالقَطْرِ والماءِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَمُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأرْواحِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ.

﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ بَعْدَ نُزُولِهِ بِالوَحْيِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ المَلَكُ الَّذِي يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: أنَّها أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ حَمْلَتِها مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَقْضِي أمْرَ كُلِّ شَيْءٍ لِألْفِ سَنَةٍ في يَوْمٍ واحِدٍ ثُمَّ يُلْقِيهِ إلى مَلائِكَتِهِ فَإذا مَضَتْ قَضى لِألْفِ سَنَةٍ أُخْرى ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ ويَصْعَدُ في يَوْمٍ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ ويَصْعَدُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ فَيَكُونُ مِقْدارُ نُزُولِهِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ ومِقْدارُ صُعُودِهِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ: فَيَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ، وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ.

﴿ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ أيْ تَحْسِبُونَ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ العالَمِ ولَيْسَ بِيَوْمٍ يَسْتَوْعِبُ نَهارًا بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ لَيْلُ اسْتِراحَةٍ ولا زَمانُ تَوَدُّعٍ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنْ مُدَّةِ العَصْرِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ وَلَيْسَ يُرِيدُ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: ينحدر الأمر ﴿ من السماء إلى الأرض ﴾ ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد مقداره ألف سنة، في السير خمسمائة حين ينزل، وخمسمائة حين يعرج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ الآية.

قال: ينزل الأمر من السماء الدنيا إلى الأرض العليا، ثم يعرج إلى مقدار يوم لو ساره الناس ذاهبين وجائين لساروا ألف سنة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: هذا في الدنيا.

تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر...

﴾ الآية.

قال: تعرج الملائكة وتهبط في يوم مقداره ألف سنة.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض.

ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال فيروز: يا أبا عباس قوله: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فكأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟

فقال: إنما سألتك لتخبرني فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب رضي الله عنه، فسأله عنها انسان، فلم يخبر، ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما أحضرت من ابن عباس؟

قال: بلى.

فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس رضي الله عنهما أبى أن يقول فيها وهو أعلم مني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كان مقداره ألف سنة ﴾ قال: لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ولو كان إلى غيره لم يفرغ من ذلك خمسين ألف سنة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله تعالى عنه في الآية يقول: مقدار مسيرة في ذلك اليوم ﴿ ألف سنة مما تعدون ﴾ ومن أيامكم من أيام الدنيا بخمسمائة نزوله وخمسمائة صعوده، فذلك ألف سنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثم يعرج إليه في يوم ﴾ من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ألف سنة مما تعدون ﴾ قال: من أيام الدنيا.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: ولده وذريته (١) ﴿ مِنْ سُلَالَةٍ ﴾ تقدم تفسيرها (٢) ﴿ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ قال ابن عباس والكلبي ومجاهد ومقاتل: من ماء ضعيف، وهو النطفة، كل هؤلاء قالوا: المهين: الضعيف (٣) قال الزجاج: هو فعيل من المهانة، وهي القلة (٤) ﴿ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ  ﴾ .

وقال الليث: رجل مهين حقير، وقد مهن مهانة (٥) قال أبو زيد: رجل مهين للضعيف من قوم مهناء (٦) (١) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 95، "تفسير الماوردي" 4/ 356، "البحر المحيط" 8/ 433، "مجمع البيان" 8/ 512.

(٢) عند قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ  ﴾ ، قال: السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء، يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل، ومن هذا يقال للنطفة: سلالة، وللولد: سليل وسلالة.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 21/ 95، "تفسير الماوردي" 4/ 356، "مجمع البيان" 8/ 512، "تفسير مجاهد" ص 509، "تفسير مقاتل" 84 ب.

(٤) انظر: قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 205.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 330 (مهن).

وانظر: "اللسان" 3/ 324، "الصحاح" 6/ 2209.

(٦) "تهذيب اللغة" 6/ 335، (مهن).

وانظر: "اللسان" 13/ 324، "الصحاح" 6/ 2209.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نَسْلَهُ ﴾ يعني ذريته ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ يعني المنيّ، والسلام مشتقة من سل يسل، فكأن الماء يسل من الإنسان، والمهين الضعيف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم جعل ذريته من بعده من الماء الذي انسل فخرج منه (المني).

<div class="verse-tafsir" id="91.5rz7x"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر