الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٩ من سورة السجدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ثم سواه ) يعني : آدم ، لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما ، ( ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) ، يعني العقول ، ( قليلا ما تشكرون ) أي : بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل .
فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل .
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (9) يقول تعالى ذكره: ثم سوّى الإنسان الذي بدأ خلقه من طين خلقا سويا معتدلا(وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) فصار حيا ناطقا( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ) يقول: وأنعم عليكم أيها الناس ربكم بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بها الأشخاص والأفئدة، تعقلون بها الخير من السوء، لتشكروه على ما وهب لكم من ذلك.
وقوله: (قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ) يقول: وأنتم تشكرون قليلا من الشكر ربكم على ما أنعم عليكم.
ثم سواه ونفخ فيه من روحه رجع إلى آدم ، أي سوى خلقه ونفخ فيه من روحه .
وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ثم رجع إلى ذريته فقال : وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة .
وقيل : ثم جعل ذلك الماء المهين خلقا معتدلا ، وركب فيه الروح وأضافه إلى نفسه تشريفا .
وأيضا فإنه من فعله وخلقه كما أضاف العبد إليه بقوله : ( عبدي ) .
وعبر عنه بالنفخ لأن الروح في جنس الريح .
وقد مضى هذا مبينا في ( النساء ) وغيرها .
( قليلا ما تشكرون ) ؛ أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون .
{ ثُمَّ سَوَّاهُ } بلحمه، وأعضائه، وأعصابه، وعروقه، وأحسن خلقته، ووضع كل عضو منه، بالمحل الذي لا يليق به غيره، { وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } بأن أرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، فيعودبإذن اللّه، حيوانا، بعد أن كان جمادًا.{ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ } أي: ما زال يعطيكم من المنافع شيئًا فشيئا، حتى أعطاكم السمع والأبصار { وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } الذي خلقكم وصوركم.
( ثم سواه ) ثم سوى خلقه ( ونفخ فيه من روحه ) ثم عاد إلى ذريته ، فقال : ( وجعل لكم ) بعد أن كنتم نطفا ( السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) يعني : لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه .
)
«ثم سوَّاه» أي خلق آدم «ونفخ فيه من روحه» أي جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا «وجعل لكم» أي لذريته «السمع» بمعنى الأسماع «والأبصار والأفئدة» القلوب «قليلا ما تشكرون» ما زائدة مؤكدة للقلة.
ثم أتم خلق الإنسان وأبدعه، وأحسن خلقته، ونفخ فيه مِن روحه بإرسال الملك له؛ لينفخ فيه الروح، وجعل لكم -أيها الناس- نعمة السمع والأبصار يُميَّز بها بين الأصوات والألوان والذوات والأشخاص، ونعمة العقل يُميَّز بها بين الخير والشر والنافع والضار.
قليلا ما تشكرون ربكم على ما أنعم به عليكم.
( ثُمَّ سَوَّاهُ ) أى : هذا المخلوق الذى أوجده من طين ، أو من ماء مهين .
والمراد : ثم عدل خلقه ، وسوى شكله ، وتناسب بين أعضائه ، وأتمه فى أحسن صورة .
.
.( وَنَفَخَ فِيهِ ) - سبحانه - ( مِن رُّوحِهِ ) أى : من قدرته ورحمته ، التى صار بها هذا الإِنسان إنساناً كاملا فى أحسن تقويم .وإضافة الروح إليه - تعالى - للتشريف والتكريم لهذا المخولق ، كما فى قولهم بيت الله .( وَجَعَلَ لَكُمُ ) بعد ذلك ( السمع ) الذى تسمعون به ( والأبصار ) التى تبصرون بها ، ( والأفئدة ) التى تعقلون بها ، وتحسون الأشياء بواسطتها .وقوله : ( قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ) بيان لموقف بنى آدم من هذه النعم المتكاثرة والمتنوعة .
ولفظ " قليلاً " منصوب على أنه صفة لمحذوف وقع معمولاً لتشكرون .أى : شكراً قليلاً تشكرون ، أو زماناً قليلاً تشكرون .وهكذا بنو آدم - إلا من عصم الله - ، أوجدهم الله - تعالى - بقدرته ، وسخر لمنفعتهم ومصلحتهم ما سخر من مخلوقات ، وصانهم فى كل مراحل خلقهم بأنواع من الصيانة والحفظ .
.
ومع ذلك فقليل منهم هم الذين يشكرونه - عز وجل - على نعمه .
وصدق - ستبحانه - حيث يقول : ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) .
وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ ﴾ على التفسير الأول ظاهر لأن آدم كان من طين ونسله من سلالة من ماء مهين هو النطفة، وعلى التفسير الثاني هو أن أصله من الطين، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة هي من ماء مهين، فإن قال قائل التفسير الثاني غير صحيح لأن قوله: ﴿ بدأ خلق الإنسان...
ثم جعل نسله ﴾ دليل على أن جعل النسل بعد خلق الإنسان من طين فنقول لا بل التفسير الثاني أقرب إلى الترتيب اللفظي فإنه تعالى بدأ بذكر الأمر من الابتداء في خلق الإنسان فقال بدأه من طين ثم جعله سلالة ثم سواه ونفخ فيه من روحه وعلى ما ذكرتم يبعد أن يقال: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ عائد إلى آدم أيضاً لأن كلمة ثم للتراخي فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم، واعلم أن دلائل الآفاق أدل على كمال القدرة كما قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرَ ﴾ ودلائل الأنفس أدل على نفاذ الإرادة فإن التغيرات فيها كثيرة وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ...
ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ أي كان طيناً فجعله منياً ثم جعله بشراً سوياً، وقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ إضافة الروح إلى نفسه كإضافة البيت إليه للتشريف، واعلم أن النصارى يفترون على الله الكذب ويقولون بأن عيسى كان روح الله فهو ابن ولا يعلمون أن كل أحد روحه روح الله بقوله: ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ أي الروح التي هي ملكه كما يقول القائل داري وعبدي، ولم يقل أعطاه من جسمه لأن الشرف بالروح فأضاف الروح دون الجسم على ما يترتب على نفخ الروح من السمع والبصر والعلم فقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال: ﴿ وجعل لكم ﴾ مخاطباً ولم يخاطب من قبل وذلك لأن الخطاب يكون مع الحي فلما قال: ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ خاطبه من بعده وقال: ﴿ جعل لكم ﴾ ، فإن قيل الخطاب واقع قبل ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ﴾ فنقول هناك لم يذكر الأمور المرتبة وإنما أشار إلى تمام الخلق، وهاهنا ذكر الأمور المرتبة وهي كون الإنسان طيناً ثم ماءً مهيناً ثم خلقاً مسوى بأنواع القوى مقوي فخاطب في بعض المراتب دون البعض.
المسألة الثانية: الترتيب في السمع والأبصار والأفئدة على مقتضى الحكمة، وذلك لأن الإنسان يسمع أولاً من الأبوين أو الناس أموراً فيفهمها ثم يحصل له بسبب ذلك بصيرة فيبصر الأمور ويجريها ثم يحصل له بسبب ذلك إدراك تام وذهن كامل فيستخرج الأشياء من قبله ومثاله شخص يسمع من أستاذ شيئاً ثم يصير له أهلية مطالعة الكتب وفهم معانيها، ثم يصير له أهلية التصنيف فيكتب من قلبه كتاباً، فكذلك الإنسان يسمع ثم يطالع صحائف الموجودات ثم يعلم الأمور الخفية.
المسألة الثالثة: ذكر في السمع المصدر وفي البصر والفؤاد الاسم، ولهذا جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع، لأن المصدر لا يجمع وذلك لحكمة وهو أن السمع قوة واحدة ولها فعل واحد فإن الإنسان لا يضبط في زمان واحد كلامين، والأذن محله ولا اختيار لها فيه فإن الصوت من أي جانب كان يصل إليه ولا قدرة لها على تخصيص القوة بإدراك البعض دون البعض، وأما الإبصار فمحله العين ولها فيه شبه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب مرئي دون آخر وكذلك الفؤاد محل الإدراك وله نوع اختيار يلتفت إلى ما يريد دون غيره وإذا كان كذلك فلم يكن للمحل في السمع تأثير والقوة مستبدة، فذكر القوة في الأذن وفي العين والفؤاد للمحل نوع اختيار، فذكر المحل لأن الفعل يسند إلى المختار، ألا ترى أنك تقول سمع زيد ورأى عمرو ولا تقول سمع أذن زيد ولا رأى عين عمرو إلا نادراً، لما بينا أن المختار هو الأصل وغيره آلته، فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له، والعين كالأصل وقوة الأبصار آلتها والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته، فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة وفي الأبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة ولأن السمع له قوة واحدة ولها فعل واحد ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما ويدرك في زمان واحد صورتين وأكثر ويستبينهما.
المسألة الرابعة: لم قدم السمع هاهنا والقلب في قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ فنقول ذلك يحقق ما ذكرنا، وذلك لأن عند الإعطاء ذكر الأدنى وارتقى إلى الأعلى فقال أعطاكم السمع ثم أعطاكم ما هو أشرف منه وهو القلب وعند السلب قال ليس لهم قلب يدركون به ولا ما هو دونه وهو السمع الذي يسمعون به ممن له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها، وقد ذكرنا هناك ما هو السبب في تأخير الأبصار مع أنها في الوسط فيما ذكرنا من الترتيب وهو أن القلب والسمع سلب قوتهما بالطبع فجمع بينهما وسلب قوة البصر بجعل الغشاوة عليه فذكرها متأخرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء ﴾ حسنه، لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة؛ فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت من حسن وأحسن، كما قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4] وقيل: علم كيف يخلقه من قوله: قيمة المرء ما يحسن.
وحقيقته.
يحسن معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان.
وقريء ﴿ خلقه ﴾ على البدل، أي: أحسن، فقد خلق كل شيء.
وخلقه: على الوصف، أي: كل شيء خلقه فقد أحسنه.
سميت الذرية نسلاً؛ لأنها تنسل منه، أي: تنفصل منه وتخرج من صلبه ونحوه قولهم للولد: سليل ونجل، و ﴿ سواه ﴾ قوّمه، كقوله تعالى: ﴿ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4] ودل بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو، كقوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح.....
﴾ الآية [الإسراء: 85] ، كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبمعرفته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ خِلْقَةً مُوَفِّرًا عَلَيْهِ ما يَسْتَعِدُّ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، وخَلَقَهُ بَدَلٌ مِن ( كُلَّ ) بَدَلَ الِاشْتِمالِ وقُلْ عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِمْ قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُهُ أيْ يَحْسُنُ مَعْرِفَتُهُ، و ( خَلَقَهُ ) مَفْعُولٌ ثانٍ.
وقَرَأ نافِعٌ والكُوفِيُّونَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى الوَصْفِ فالشَّيْءُ عَلى الأوَّلِ مَخْصُوصٌ بِمُنْفَصِلٍ وعَلى الثّانِي بِمُتَّصِلٍ.
﴿ وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ ﴾ يَعْنِي آدَمَ.
﴿ مِن طِينٍ ﴾ .
﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ مِنهُ أيْ تَنْفَصِلُ.
﴿ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ مُمْتَهَنٍ.
﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ﴾ قَوَّمَّهُ بِتَصْوِيرِ أعْضائِهِ عَلى ما يَنْبَغِي.
﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ﴾ إضافَةً إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وأنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى الحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ولِأجْلِهِ قِيلَ مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ ﴾ خُصُوصًا لِتَسْمَعُوا وتُبْصِرُوا وتَعْقِلُوا.
﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ تَشْكُرُونَ شُكْرًا قَلِيلًا.
<div class="verse-tafsir"
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)
{ثمّ سواه} قومه كقوله في أحسن تقويم {ونفخ} أدخل {فيه من رّوحه} الإضافة للاختصاص كأنه قال ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه {وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة} لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا {قليلاً مّا تشكرون} أي تشكرون قليلاً
﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ﴾ عَدَّلَهُ بِتَكْمِيلِ أعْضائِهِ في الرَّحِمِ وتَصْوِيرِها عَلى ما يَنْبَغِي، وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً، ( وثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، أوِ الذِّكْرِيِّ، ﴿ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ﴾ أضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهُ، كَما فِي: بَيْتِ اللَّهِ تَعالى، وناقَةِ اللَّهِ تَعالى، وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وصُنْعٌ بَدِيعٌ، وقِيلَ: أضافَهُ لِذَلِكَ إيماءً إلى أنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، ونَفْخُ الرُّوحِ قِيلَ: مَجازٌ عَنْ جَعْلِها مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ، وهو أوْفَقُ بِمَذْهَبِ القائِلِينَ بِتَجَرُّدِ الرُّوحِ وأنَّها غَيْرُ داخِلَةٍ في البَدَنِ مِنَ الفَلاسِفَةِ، وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ كَحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُباشِرُ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ عَلى الرَّحِمِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ القائِلُونَ بِأنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ، سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الجَمْرِ، وهو الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ ظَواهِرُ الأخْبارِ، وأقامَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ عَلَيْهِ نَحْوَ مِائَةِ دَلِيلٍ.
﴿ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لا يَخْفى مَوْقِعُ ذِكْرِهِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، وتَشْرِيفُهُ بِخِلْعَةِ الخِطابِ حِينَ صَلَحَ لِلْخِطابِ، والجَعْلُ إبْداعِيٌّ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقَدُّمُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وتَقْدِيمُ السَّمْعِ لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ، فَإنَّ أكْثَرَ أُمُورِ الدِّينِ لا تُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِ، وأُفْرِدَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.
وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُدْرِكَهُ نَوْعٌ واحِدٌ، وهو الصَّوْتُ بِخِلافِ البَصَرِ، فَإنَّهُ يُدْرِكُ الضَّوْءَ واللَّوْنَ والشَّكْلَ والحَرَكَةَ والسُّكُونَ، وبِخِلافِ الفُؤادِ فَإنَّهُ يُدْرِكُ مُدْرَكاتِ الحَواسِّ بِواسِطَتِها، وزِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، أيْ خَلَقَ لِمَنفَعَتِكم تِلْكَ المَشاعِرَ لِتَعْرِفُوا أنَّها مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها نِعَمًا جَلِيلَةً لا يُقادَرُ قَدْرَها وسائِلُ إلى التَّمَتُّعِ بِسائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الفائِضَةِ عَلَيْكُمْ، وتَشْكُرُوها بِأنْ تَصْرِفُوا كُلًّا مِنها إلى ما خُلِقَ هو لَهُ، فَتُدْرِكُوا بِسَمْعِكُمُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ النّاطِقَةَ بِالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ وبِأبْصارِكُمُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِهِما، وتَسْتَدِلُّوا بِأفْئِدَتِكم عَلى حَقِّيَّتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، والقِلَّةُ بِمَعْنى النَّفْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ.
ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَعْمُولًا (لِتَشْكُرُونَ)، أيْ شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ.
واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لا اعْتِراضِيَّةً.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ يعني: ذلك الذي يفعل هذا هو عالم الغيب وَالشَّهادَةِ يعني: ما غاب من العباد، وما شاهدوه.
ويقال: عالم بما كان، وبما يكون.
ويقال: عالم السر والعلانية.
ويقال: عالم بأمر الآخرة وأمر الدنيا الْعَزِيزُ في ملكه الرَّحِيمُ بخلقه.
قوله عز وجل: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: خَلَقَهُ بجزم اللام.
وقرأ الباقون: بالنصب فمن قرأ بالجزم فمعناه: الذي أحسن كل شيء.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإنسان في خلقه حسن، والخنزير في خلقه حسن، وكل شيء في خلقه حسن.
ومن قرأ بالنصب فعلى فعل الماضي يعني: خلق كل شيء على إرادته، وخلق الإنسان في أحسن تقويم.
ويقال: الذي علم خلق كل شىء خلقه.
يعني: علم كيف خلق.
ويقال: هل تحسن شيئاً.
يعني: تعلم.
ومعناه: الذي علم خلق كل شيء خلقه.
ويقال: الحسن عبارة عن الزينة.
يعني: الذي زين كل شيء خلقه وأتقنه كما قال: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88] .
ثم قال: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ يعني: خلق آدم- - من طين من أديم الأرض ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ أي: خلق ذريته من سلالة من النطفة التي تنسل من الإنسان.
وقال أهل اللغة: كل شيء على ميزان فعالة، فهو ما فضّل من شيء.
يقال: نشارة ونخالة.
ثم رجع إلى آدم- - فقال عز وجل: مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ يعني: سوى خلقه وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
ثم رجع إلى ذريته فقال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ويقال: هذا كله في صفة الذرية يعني: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني: من نطفة ضعيفة ثُمَّ سَوَّاهُ يعني: جمع خلقه في رحم أمه وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ يعني: جعل فيه الروح بأمره، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ.
ثم قال: قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: لا تشكرون رب هذه النعم على حسن خلقكم، فتوحّدوه.
فلا تستعملوا سمعكم وأفئدتكم إلا في طاعتي.
ويقال: ما هاهنا صلة.
فكأنه يقول: تشكرونه قليلاً.
ويقال: ما بمعنى: الذي.
فكأنه قال: فقليل الذي تشكرون.
وقد يكون الكلام بعضه بلفظ المغايبة.
ثم قال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ بلفظ المخاطب، فكما قال: هاهنا ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ بلفظ المغايبة.
ثم قال: وَجَعَلَ لَكُمُ بلفظ المخاطبة.
ثم قال عز وجل: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ يعني: هلكنا وصرنا ترابا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: أنبعث بعد الموت.
وأصله ضلّ الماء في اللبن إذا غاب وهلك.
وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قرأ أإذا صللنا بالصاد، وتفسيره النتن.
يقال: صل اللحم إذا أنتن.
وقراءة العامة بالضاد المعجمة أي: هلكنا.
وقرأ ابن عامر: وقالوا إذا ضَلَلْنَا إذ بغير استفهام أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ على وجه الاستفهام.
قال: لأنهم كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه.
وإنما أنكروا البعث.
ويكون الاستفهام في البعث دون الموت.
ثم قال عز وجل: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ يعني: بالبعث جاحدون فلا يؤمنون به.
قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)
وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ...
الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.
وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة.
وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه» : - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن» : أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣» : - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] .
أي:
ألهَمَ.
والإنسانُ هنا آدم- عليه السلام-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَقْضِي القَضاءَ مِنَ السَّماءِ فَيُنْزِلُهُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ ﴾ المَلَكُ ﴿ إلَيْهِ في يَوْمٍ ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَلَكُ قَدْ قَطَعَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في نُزُولِهِ وصُعُودِهِ مَسافَةَ ألْفِ سَنَةٍ مِن مَسِيرَةِ الآدَمِيِّ.
والثّانِي: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا، مُدَّةَ أيّامِ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ القَضاءُ والقَدَرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ﴾ أيْ: يَعُودُ إلَيْهِ الأمْرُ والتَّدْبِيرُ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الأُمَراءِ وأحْكامُ الحُكّامِ ويَنْفَرِدُ اللَّهُ تَعالى بِالأمْرِ ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ وذَلِكَ في [يَوْمِ] القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةَ كَألْفِ سَنَةٍ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِي أمْرَ ألْفِ سَنَةٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، ثُمَّ يُلْقِيهِ إلى المَلائِكَةِ، فَإذا مَضَتْ قَضى لِألْفِ سَنَةٍ أُخْرى، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالأمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: القَضاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أمْرُ الدُّنْيا.
وَ ﴿ يَعْرُجُ ﴾ بِمَعْنى يَصْعَدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَجْتُ في السُّلَّمِ أعْرَجُ، وعَرِجَ الرَّجُلُ يَعْرَجُ: إذا صارَ أعْرَجَ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ثُمَّ يُعْرَجُ إلَيْهِ " بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: " يَعْرِجُ " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ثُمَّ تَعْرُجُ " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: جَعَلَهُ حَسَنًا.
والثّانِي: أحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أحْسَنَهُ، لَمْ يَتَعَلَّمْهُ مِن أحَدٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُحْسِنُ كَذا: إذا عَلِمَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، كَأنَّهُ أعْلَمَهم كُلَّ ذَلِكَ وأحْسَنَهُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والخامِسُ: أحْسَنَ إلى كُلٍّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ قِراءَتانِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " خَلْقَهُ " ساكِنَةَ اللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِ اللّامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَتْحُها عَلى الفِعْلِ الماضِي، وتَسْكِينُها عَلى البَدَلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ، والعَرَبُ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذا، يُقَدِّمُونَ ويُؤَخِّرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ووَلَدَهُ؛ وقَدْ سَبَقَ شَرْحَ الآيَةِ [المُؤْمِنُونَ: ١٢] .
ثُمَّ رَجَعَ إلى آدَمَ فَقالَ: ﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ [الحِجْرِ: ٢٩] .
ثُمَّ عادَ إلى ذُرِّيَّتِهِ فَقالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ أيْ: بَعْدَ كَوْنِكم نُطَفًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ": ﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ.
والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ ، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"، ﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم.
و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ ، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ.
و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ" ﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ.
ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا.
كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا" ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ.
واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا".
بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ و ﴿ مَلَكُ المَوْتِ ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.
<div class="verse-tafsir"
خبر آخر عن اسم الإشارة أو وصف آخر ل ﴿ عالم الغيب ﴾ [السجدة: 6]، وهو ارتقاء في الاستدلال مشوبٌ بامتنان على الناس أنْ أحْسنَ خلقهم في جملة إحسان خلق كل شيء وبتخصيص خلق الإنسان بالذكر.
والمقصود: أنه الذي خلق كل شيء وخاصة الإنسان خلقاً بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً، وأخرج أصله من تراب ثم كوَّن فيه نظام النسل من ماء، فكيف تعجزه إعادة أجزائه.
والإحسان: جعل الشي حَسناً، أي محموداً غير معيب، وذلك بأن يكون وافياً بالمقصود منه فإنك إذا تأملت الأشياء رأيتها مصنوعة على ما ينبغي؛ فصلابة الأرض مثلاً للسير عليها، ورقة الهواء ليسهل انتشاقه للتنفس، وتوجه لهيب النار إلى فوقُ لأنها لو كانت مثل الماء تلتهب يميناً وشمالاً لكثرت الحرائق فأما الهواء فلا يقبل الاحتراق.
وقوله ﴿ خَلَقَه ﴾ قرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وخلف بصيغة فعل المضي على أن الجملة صفة ل ﴿ شيء ﴾ أي: كل شيء من الموجودات التي خلقها وهم يعرفون كثيراً منها.
وقرأه الباقون بسكون اللام على أنه اسم هو بدل من ﴿ كل شيء ﴾ بدل اشتمال.
وتخلص من هذا الوصف العام إلى خلْق الإنسان لأن في خلقة الإنسان دقائق في ظاهره وباطنه وأعظمها العقل.
و ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ [الأعراف: 11]، أي: خلقنا أباكم ثم صورناه ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
ويدل على هذا المعنى هنا قوله: ﴿ ثم جَعَل نسله من سلالة ﴾ فإن ذلك بُدِئ من أول نسل لآدم وحواء، وقد تقدم خلْق آدم في سورة البقرة.
و ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ مِن طِين ﴾ ابتدائية.
والنسل: الأبناء والذرية.
سمي نسلاً لأنه ينسل، أي: ينفصل من أصله وهو مأخوذ من نَسَلَ الصوفُ والوَبَر إذا سقط عن جلد الحيوان، وهو من بابي كتب وضرب.
و ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ من سلالة ﴾ ابتدائية.
وسميت النطفة التي يتقوم منها تكوين الجنين سُلالة كما في الآية لأنها تنفصل عن الرجل، فقوله ﴿ من ماء مهين ﴾ بيان ل ﴿ سلالة.
﴾ و ﴿ من ﴾ بيانية فالسلالة هي الماء المهين، هذا هو الظاهر لمتعارف الناس؛ ولكن في الآية إيماء علمي لم يدركه الناس إلا في هذا العصر وهو أن النطفة يتوقف تكوّن الجنين عليها لأنه يتكون من ذرات فيها تختلط مع سلالة من المرأة وما زاد على ذلك يذهب فضلة، فالسلالة التي تنفرز من الماء المهين هي النسل لا جميع الماء المهين، فتكون ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ من ماء مهين ﴾ للتبعيض أو للابتداء.
والمهين: الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به.
والغرض من إجراء هذا الوصف عليه الاعتبار بنظام التكوين إذ جعل الله تكوين هذا الجنس المكتمل التركيب العجيب الآثار من نوع ماء مهراق لا يُعبأ به ولا يصان.
والتسوية: التقويم، قال تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ [التين: 4].
والضمير المنصوب في ﴿ سَوّاه ﴾ عائد إلى ﴿ نسله ﴾ لأنه أقرب مذكور ولأنه ظاهر العطف ب ﴿ ثم ﴾ وإن كان آدم قد سُوِّي ونفخ فيه من الروح، قال تعالى: ﴿ فإذا سَوّيتُه ونفختُ فيه من روحي فَقَعُوا له ساجدين ﴾ [ص: 72].
وذكر التسوية ونفخ الروح في جانب النسل يؤذن بأن أصله كذلك، فالكلام إيجاز.
وإضافة الروح إلى ضمير الجلالة للتنويه بذلك السر العجيب الذي لا يعلم تكوينه إلا هو تعالى، فالإضافة تفيد أنه من أشد المخلوقات اختصاصاً بالله تعالى وإلا فالمخلوقات كلها لله.
والنفخ: تمثيل لسريان اللطيفة الروحانية في الكثيفة الجسدية مع سرعة الإيداع، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإذا سوّيته ونفخْتُ فيه من رُوحي ﴾ في سورة الحجر (29).
والانتقال من الغيبة إلى الخطاب في قوله: وجعل لكم } التفات لأن المخاطبين من أفراد الناس وجَعْل السمع والأبصار والأفئدة للناس كلهم غير خاص بالمخاطبين فلما انتهض الاستدلال على عظيم القدرة وإتقان المراد من المصنوعات المتحدث عنهم بطريق الغيبة الشامل للمخاطبين وغيرهم ناسب أن يُلتفت إلى الحاضرين بنقل الكلام إلى الخطاب لأنه آثرُ بالامتنان وأسعدُ بما يرد بعده من التعريض بالتوبيخ في قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ .
والامتنان بقوى الحواس وقوى العقل أقوى من الامتنان بالخلق وتسويته لأن الانتفاع بالحواس والإدراك متكرر متجدد فهو محسوس بخلاف التكوين والتقويم فهو محتاج إلى النظر في آثاره.
والعدول عن أن يقال: وجعلكم سامعين مبصرين عالمين إلى ﴿ جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴾ لأن ذلك أعرق في الفصاحة، ولما تؤذن به اللام من زيادة المنة في هذا الجعل إذ كان جعلاً لفائدتهم ولأجلهم، ولما في تعليق الأجناس من السمع والأبصار والأفئدة بفعل الجعل من الروعة والجلال في تمكن التصرف، ولأن كلمة ﴿ الأفئدة ﴾ أجمع من كلمة عاقلين لأن الفؤاد يشمل الحواس الباطنة كلها والعقل بعضٌ منها.
وأفرد ﴿ السَّمع ﴾ لأنه مصدر لا يجمع، وجمع ﴿ الأبصار والأفئدة ﴾ باعتبار تعدد الناس.
وتقديم السمع على البصر تقدّم وجهه عند قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ﴾ في سورة البقرة (7).
وتقديم السمع والأبصار } على ﴿ الأفئدة ﴾ هنا عكس آية البقرة لأنه روعي هنا ترتيب حصولها في الوجود فإنه يكتسب المسموعات والمبصرات قبل اكتساب التعقل.
و ﴿ قليلاً ﴾ اسم فاعل منتصب على الحال من ضمير ﴿ لكم، ﴾ و ﴿ ما تشكرون ﴾ في تأويل مصدر وهو مرتفع على الفاعلية ب ﴿ قليلاً، ﴾ أي: أنعم عليكم بهذه النعم الجليلة وحالكم قلة الشكر.
ثم يجوز أن يكون ﴿ قليلاً ﴾ مستعملاً في حقيقته وهي كون الشيء حاصلاً ولكنه غير كثير.
ويجوز أن يكون كناية عن العدم كقوله تعالى: ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلاً ﴾ [النساء: 46].
وعلى الوجهين يحصل التوبيخ لأن النعم المستحقة للشكر وافرة دائمة فالتقصير في شكرها وعدمُ الشكر سواء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ حَسَنًا حَتّى جَعَلَ الكَلْبَ في خَلْقِهِ حَسَنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ حَتّى أتْقَنَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أحْسَنَ إلى كُلِّ شَيْءٍ خُلِقَ فَكانَ خَلْقُهُ لَهُ إحْسانًا، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ألْهَمَ ما خَلَقَهُ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ حَتّى عَلِمُوهُ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يُحْسِنُ كَذا أيْ يَعْلَمُهُ.
الخامِسُ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ثُمَّ هَداهُ إلَيْهِ، رَواهُ حَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّهُ عَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وأحْسَنَهُ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ ولا سَبْقِ مِثالٍ حَتّى ظَهَرَتْ فِيهِ القُدْرَةُ وبانَتْ فِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿ وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، رَوى عَوْنٌ عَنْ أبِي زُهَيْرٍ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ : «أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ فَجاءَ بَنُوهُ عَلى ألْوانِ الأرْضِ مِنهُمُ الأبْيَضُ والأحْمَرُ وبَيْنَ ذَلِكَ والسَّهْلُ والحَزِنُ والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وبَيْنَ ذَلِكَ.
» ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ أيْ ذُرِّيَّتَهُ ﴿ مِن سُلالَةٍ ﴾ لِانْسِلالِهِ مِن صُلْبِهِ ﴿ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ضَعِيفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَوّى خَلْقَهُ في الرَّحِمِ.
الثّانِي: سَوّى خَلْقَهُ كَيْفَ يَشاءُ.
﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن قُدْرَتِهِ، قالَهُ أبُو رَوْقٍ.
الثّانِي: مِن ذُرِّيَّتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مِن أمْرِهِ أنْ يَكُونَ فَكانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: رَوْحًا مِن رُوحِهِ أيْ مِن خَلْقِهِ وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ مِن فِعْلِهِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْخِ لِأنَّ الرُّوحَ مِن جِنْسِ الرِّيحِ.
﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ ﴾ يَعْنِي القُلُوبَ وسَمّى القَلْبَ فُؤادًا لِأنَّهُ يَنْبُوعُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُفْتَأدِ وهو مَوْضِعُ النّارِ، وخَصَّصَ الأسْماعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها مَوْضِعُ الأفْكارِ والِاعْتِبارِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأها ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: أما رأيت القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: اما إن آست القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: صورته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ فجعل الكلب في خلقه حسناً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: أحسن بخلق كل شيء القبيح والحسن، والحيات والعقارب، وكل شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئاً من ذلك.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: اتقن.
لم يركب الإِنسان في صورة الحمار، ولا الحمار في صورة الإِنسان.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه فقال: يا رسول الله إني أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو بن زرارة إن الله أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين» .
وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: «أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل ازاره فقال له: ارفع ازارك فقال: يا رسول الله إني أحنف: تصطك ركبتاي قال: ارفع ازارك كل خلق الله حسن» .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبدأ خلق الإِنسان من طين ﴾ قال: آدم ﴿ ثم جعل نسله ﴾ قال: ولده ﴿ من سلالة ﴾ من بني آدم ﴿ من ماء مهين ﴾ قال: ضعيف نطفة الرجل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ جعل نسله ﴾ قال: ذريته ﴿ من سلالة ﴾ هي الماء ﴿ ثم سواه ﴾ يعني ذريته.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من سلالة ﴾ قال: ماء يسل من الإِنسان ﴿ من ماء مهين ﴾ قال: ضعيف.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ أئذا ضللنا ﴾ قال: هلكنا.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول ﴿ أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد ﴾ كيف نعاد ونرجع كما كنا؟
وأخبرت أن الذي قال: ﴿ أئذا ضللنا ﴾ أبيُّ بن خلف.
<div class="verse-tafsir"
قال مقاتل: ثم رجع إلى آدم فقال: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ يعني: سوى خلقه ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ﴾ ، ثم رجع إلى ذرية آدم فقال: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ﴾ يعني بعد أن كنتم [نطفًا] (١) (٢) ﴿ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعمة في حسن خلقه فتوحدونه (٣) (٤) (٥) ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ من صفة قوله: ﴿ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ (٦) ثم نزل في منكري البعث.
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.
(٣) في (ب): (فيوحدونه).
(٤) "تفسير مقاتل" 84 ب.
(٥) في (ب): (يجعل هذا)، وهو خطأ.
(٦) انظر:"مشكل إعراب القرآن" للقيسي 2/ 186، "البيان في غريب إعراب القرآن" == 2/ 258 "تفسير الفخر الرازي" 25/ 174.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ أي قومه ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ عبارة عن إيجاد الحياة فيه، وأضيفت الروح إلى الله إضافة مُلك إلى ملك، وقد يراد بها الاختصاص، لأن الروح لا يعلم كنهه إلى الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.
وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.
الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.
الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.
وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.
ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.
فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.
سأل: إنه تصنيف اي شخص؟
ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.
ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.
ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.
ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.
وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله .
ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.
ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.
أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.
ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.
وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟
فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".
وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.
وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.
وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.
وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.
ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وقد مر في "طه".
وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.
ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.
ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.
والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.
والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.
ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.
ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.
ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.
ثم إنه ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.
وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".
ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.
وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.
أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله بقيام الليل وهو التهجد.
قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .
عن علي : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.
وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.
عن النبي "يقول الله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.
قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.
وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.
يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.
فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.
فأنزل الله فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.
ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.
ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.
وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.
وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.
فإنه يحمل على الإعارة وإنه قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.
وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.
وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.
ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.
وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.
وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.
ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.
قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.
قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.
وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.
وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.
وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.
وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.
قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.
والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.
وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.
ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.
ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.
والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.
واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.
والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.
واستدل به على أن الله جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.
ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.
وفيه أن الله سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.
ومثله إخبار النبي "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
وفيه إشارة إلى أنه سيميز المحق في كل دين من المبطل.
ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.
وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.
وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.
ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.
قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.
وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.
قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.
قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.
ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.
فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟
فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.
ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.
ثم أمر نبيه بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ﴾ .
التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.
اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.
الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .
خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.
﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.
ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.
﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.
ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.
وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.
ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله في صدر الكتاب.
وقوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
الكتاب المطلق: كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، والسبيل المطلق والطريق المطلق: سبيل الله وطريقه.
وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
أنه منزل من الله؛ لأنه أنزل على أيدي الأمناء البررة: لم يغيروه ولا بدلوه ولا حرفوه.
أو يقول: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه ليس بمخترق ولا مخترع ولا مفتري من عند الرسول؛ بل منزل من عند رب العالمين.
أو ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ : لا شك؛ على ما يقول الناس لكل محكم من الأمر مبين، والله أعلم.
﴿ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
العالم: هو اسم جنس من الخلق وجوهر منه، و ﴿ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : جمعه؛ فيدخل في ذلك الأولون والآخرون الذين يكونون إلى آخر ما يكونون؛ ففيه أنه يوصف - جل وعلا - أنه رب لكل ما كان ويكون، ومالك ما كان وما يكون؛ كقوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ : أخبر أنه مالكه، وهو بعد ما لم يكن، أعني: ذلك اليوم.
وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ .
قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ هو استفهام وشك في الظاهر، لكنه من الله يخرج على تحقيق إلزام وإيجاب أو تحقيق نفي، على ما لو كان ذلك من مستفهم ومسترشد: كيف يجاب له ويقال فيه؟
فإنما يقال للمستفهم: لا أو بلى؛ فعلى ذلك هو من الله على تحقيق إثبات وإيجاب، أو تحقيق نفي؛ إذ لا يحتمل الاستفهام والسؤال؛ كقوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ ؛ كأنه قال: ليس للإنسان ما تمنى؛ فعلى ذلك كأنه قال - هاهنا -: بل يقولون: ﴿ ٱفْتَرَاهُ ﴾ ، ثم رد ما قالوا: إنه افتراه؛ فقال: ﴿ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : ليس بمخترع ولا مخترق ولا مفتري من محمد؛ بل منزل من عند الله، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
أو هو الحق من ربك، ليس بكلام البشر ولا في وسعهم إتيان مثله؛ فهو الحق منه ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ...
﴾ الآية [فصلت:42].
وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ .
أي: لتنذر بالكتاب الذي أنزل قوماً.
﴿ مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الجحد، أي: لتنذر قوماً لم يأتهم نذير، وهم أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
والثاني: لتنذر قوماً: الذين قد أتاهم من نذير من قبلك، وهم آباؤهم وأجدادهم الذين كانوا من قبله، الذين قد أتاهم نذير من قبله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .
هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: أحدهما: لتنذر قوماً؛ لكي تلزمهم به حجة الاهتداء.
والثاني: لتنذر قوماً؛ على رجاء وطمع أن يهتدوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
وفي هذا - أيضاً - قد ذكرنا فيما تقدم تأويلات كثيرة، لكنا نذكر فيه حرفاً لم نذكره فيما تقدم من الذكر؛ وكأنه أصوب وأقرب إلى الحق، وهو أن ذلك حرف وكلام لم يجعل الله - - في العقول والأفهام سبيل الدرك له والمعرفة - أعني: لقوله ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ - لأنه ذكر ذلك الحرف في موضع آخر، وأمره أن يسأل به خبيراً؛ حيث قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ، ولو كان ذلك الحرف مما لعقول البشر وأفهامهم سبيل الوصول إلى معرفته ودركه لأدركه عقل رسول رب العالمين وفهمه من غير أن يسأل به الخبير من كان: الله أو جبريل، فإذا أمره بالسؤال عنه دل أنه بالعقل والفهم لا يدرك ولا يعرف؛ ولكن بالسمع عن الله.
ولم يذكر عن الرسول أنه فسر ذلك أو قال فيه أو سأله أحد عنه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ .
يقول أهل التأويل: ما لكم من دونه من ولي ينفعكم في الآخرة، ولا شفيع يدفع عنكم عذابه.
أو أن يكون قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ ﴾ ، أي: رب وإله يلي أمركم سواه، ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ : لا هو ولا غيره، وأما للمؤمنين فإنه وليهم؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ .
فيما ذكر من صنعه؛ فتوحدونه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: هو يقضي القضاء وحده من السماء والأرض.
وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: هو يكون الأمر ويدبره.
أو هو يجعل الخلق بحيث يقبلون الأمر والنهي ويحتملون المحنة.
أو هو يخرج الأمر كله على الحكمة والتدبير.
والثاني: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: يولي من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ نحو ما ولى ملك الموت قبض أرواح الخلق، ونحو ما ولى بعض ملائكته أمر الأمطار والنبات وغير ذلك؛ فجائز أن يكون الأول يولي ملائكته أمر ما بين السماء والأرض.
فإن كان الأول فليس ذكر السماء والأرض حدّاً ولا تقديراً؛ يدبر ما سوى ذلك، لكن ذكر هذا؛ لما إلى ذلك ينتهي تدبير البشر وعلمهم، وأما ما سوى ذلك فلا.
وإن كان الثاني فهو على التحديد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، يقول: يصعد الملك إليه في يوم واحد من أيام الدنيا، كان مقدار ذلك اليوم، ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، أنتم؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام؛ فينزل مسيرة خمسمائة عام، ويصعد خمسمائة عام، وذلك مقدار مسيرة ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا.
وذكر في موضع آخر: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ؛ فجائز أن يكون ذلك وصف يوم القيامة؛ فيخرج ذلك لا على التحديد والتقدير؛ ولكن على التعظيم لذلك اليوم، والوصف له بما يعظم في قلوب الخلق، وهو ما وصفه بالعظمة؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
أو أن يكون التحديدان والتقديران كانا حقيقة؛ لاختلاف أحواله وأوقاته، على اختلاف الأمور، يكون ألف سنة [كما] ذكر [في] حال ووقت لأمر، وخمسين ألف سنة بحال أخرى لأمور أخر؛ على ما سمى ذلك اليوم مرة: يوم الجمع، ومرة: يوم التفريق، ويوم الفصل، ويوم الحساب، ويوم البعث، ونحوه، ومعلوم أن ذلك اليوم من أوله إلى آخره ليس بيوم الجمع، ولا بيوم الافتراق، ولا يوم الحساب ولا يوم البعث؛ ولكن [سماه] بجميع ذلك كله؛ لاختلاف الأحوال والأوقات لأمور مختلفة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك، والله أعلم.
ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يصير إليه ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ، ونحوه.
[وقوله: ﴿ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يصعد في قول القتبي وأبي عوسجة، ويعرج: أي: احتبس].
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .
أي: هذا الذي صنع ما ذكر من هذه الأشياء.
﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: عالم ما غاب عن الخلق والشهادة: وعالم ما يشهدون ويعلنون.
أو عالم ما يكون ويحدث، والشهادة: ما قد كان ومضى.
أو عالم ما يغيب بعض من بعض، والشهادة ما يشهدون ويظهرون.
أو عالم ما يغيب عن الخلق كيفية لمنافع الأشياء الظاهرة وماهيتها، نحو ما غاب عنهم المعنى المضر المودع في الطعام والشراب والأغذية جميعاً، الذي به حياة أنفسهم وقوامهم، وكذلك السمع والبصر والفهم والعقل: لا يدرك المعنى الذي به يسمع ويبصر ويفهم ويدرك وما به تحيا أنفسهم به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
العزيز في هذا الموضع: المنتقم من أعدائه، الرحيم على أوليائه.
أو العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الرحيم: الذي له رحمة يسع الخلائق في رحمته.
أو العزيز: الذي به يعز من عز، والرحيم: الذي برحمته يرحم من يرحم.
ومنهم من يقول في قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره فوق السماوات، مقدار ذلك خمسون ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة: ذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة.
لكن قوله: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى أمره فوق السماوات كذا - فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يكون لأمره أو لملكه نهاية أو حد، والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ .
بالجزم والتحريك جميعاً، كلاهما لغتان.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: علم كل شيء خلقه: أن كيف يخلق من غير أن يعلمه أحد أو أعانه عليه أحد.
وفي الشاهد لا يقدر أحد، ولا يمكن له صنع شيء إلا بمعلم يعلمه ذلك أو بمعين يعين على ذلك، يخبر عن جهلهم وسفههم بتقديرهم قدرة الله وقوته بقوى أنفسهم وقدرتهم في إنكارهم البعث؛ لخروجه عن تقدير الخلق وامتناعه عن وسعهم، يقول: لا تقدروا قدرة الله بقدرة أنفسكم وقواكم، كما لم تقدروا علمه بعلمكم؛ إذ يعلم هو بذاته بلا معلم، وأنتم لا تعلمون إلا بعلم؛ فعلى ذلك هو قادر بذاته لا يعجزه شيء وأنتم لا تقدرون إلا بغير أو سبب.
ويحتمل هذا الوجه وجهاً آخر، وهو أن قوله: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، أي: أعلم كل شيء من خلقه: ما به مصالحهم وفسادهم، وما يؤتى وما يتقى.
والثاني: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، أي: أحكم كل شيء خلقه وأتقنه.
ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أتقن وأحكم فيما به من المصالح والمعاني، وفي كل شيء من التسوية والتفرد وفي الجمع والتصوير.
والثاني: أحسن، أي: أتقن وأحكم كل شيء خلقه في الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، أي: جعل في كل أثر وحدانيته يشهد على وحدانيته وربوبيته.
وقال بعضهم: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ لم يخلق الإنسان في خلق البهائم وصورتها ولا البهائم في خلق الإنسان.
وقتادة يقول: كل شيء من خلقه حسن على ما خلق وعلم كيف يخلقه، وهو قريب مما ذكرنا بدءاً.
ثم من قرأه: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ : بالجزم يكون معناه - والله أعلم - أي: أحسن خلق كل شيء ومن قرأه: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ بالتحريك، أي: أحسن كل شيء منه وخلقه.
ثم للمعتزلة في هذه الآية أدنى تعلق يقولون: أخبر أنه أحسن كل شيء خلقه، والكفر وشتم رب العالمين ونحوه - كله قبيح وسفه؛ دل أنه لم يخلقه، وأنه ليس بخالق لذلك.
يقال لهم: إخوانكم الزنادقة يعارضونكم ويقولون: إن الخنزير والنجاسات، وجميع السباع الضارة والمؤذية، وجميع الخبائث كلها قبيحة، الله ليس بخالق لها؛ فبم تدعون قولهم وسؤالهم في ذلك؟
فإن زعمتم في الأول في الكفر والشتم وجميع فعل الشرور: أنه ليس بخلق له؛ لأنه قبيح ضارّ مؤذ - يلزمكم مذهب الزنادقة فيما يقولون ويذكرون في إثبات خالق سواه؛ لأنه قبيح ضار مؤذ.
ويقال لهم: إن الله - جل وعلا - سمى إبليس: باطلا؛ فهو إذن لم يخلقه؛ لأنه أخبر أنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا.
ثم يقال لهم: إنا نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكفرة قبيحاً، وخلق فعل الكفر والشتم من الشرير والشاتم قبيحاً، خلق فعل الشر على ما هو وعلى ما عرفه؛ فلا عيب يلحقه في جعل ما هو قبيح قبيحاً؛ كمن يعلم الكفر ليعلمه قبيحاً على ما هو، وكذلك جميع الشرور؛ فعلى ذلك ليس في خلق ما هو قبيح في نفسه قبيحاً - عيب؛ على ما لم يكن في تكلف معرفة القبيح ليعرفه قبيحاً على ما هو حقيقة - عيب، هذا إذا كان التأويل على ما يذهبون هم إليه.
فأما إذا كان ما ذكرنا في قوله: ﴿ أَحْسَنَ ﴾ ، أي: علم أو أعلم، فليس يدخل في ذلك شيء مما ذكروا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ﴾ .
قال عامتهم: يعني: آدم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ .
أي: نسل آدم.
[ ﴿ نَسْلَهُ ﴾ : أي: ولده.
وقال: السلالة: الخالص من كل شيء].
﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ .
أي: آدم.
وقال بعضهم: لا؛ ولكن ذلك نعت ولده وذريته؛ لأن الأعجوبة في خلق ولده في الأرحام في ثلاث ظلمات من النطفة إن لم تكن أكثر من خلق آدم من طين لا تكون أقل؛ لأن صنع الأشياء الظاهرة البادية وتسويتها في الشاهد أيسر وأدون من صنعها وتسويتها إذا كانت غائبة مستكنة.
وظاهره: أن يكون قول: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ﴾ : آدم، ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ : ذريته؛ لأن النسل هو الولد والذرية.
وقوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ ﴾ : قال بعضهم: السلالة: هو الصفوة من الماء، والخالص من كل شيء.
وقال بعضهم: السلالة: هي من السل: سل السيف، أي: أخرجه ونزعه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ ، أي: استخرج من الظهر وسل منه ونزع.
والمهين: هو الضعيف؛ يقال منه: مهن يمهن مهانة، فهو مهين، وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ .
أي: جمعه وقومه وركب بعضه ببعض.
﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ .
وهو من الريح، وبالنفخ يتفرق في الجسد؛ لذلك ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ يحتمل ما ذكرنا من تركيب الجوارح والأعضاء.
أو سواه وجعله بحيث يحتمل المحنة والأمر والنهي.
﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ ، أي: جعل فيه الروح، وذكر النفخ لما ذكرنا على تحقيق النفخ فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .
ذكر - جل وعلا - جميع ما يوصل إلى العلوم الغائبة والحاضرة جميعاً، ويدرك ويوجد السبيل إليها وهو السمع والبصر والقلب في الإنسان؛ لأنه بالسمع يوصل إلى ما غاب عنهم من العلم: يسمعون ما عند غيرهم، وكذلك بالبصر يرى ويبصر ما عند غيره، وبالقلب يفهم ويحفظ ويميز بين ما يؤتى ويتقى، يبين أنه قد أعطاهم ما به يدركون ويصلون إلى ما غاب عنهم ويفهمون ويميزون، وهو ما ذكر من الحواس.
ثم قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ، أي: لا تشكرون قط؛ لأنهم يقولون: إنما خاطب به أهل مكة.
أو أن يقال: إنهم يشكرون قليلا، لكنهم يفسدون وينقضون ما يشكرون بكفرانهم من بعد.
وأما أهل الإسلام وإن كان شكرهم لما ذكر من هذه الحواس قليلا فإنهم قد اعتقدوا - في أصل العقد - الشكر له في جميع نعمه، والكافر اعتقد الكفران له؛ وإلا يجئ أن يكون قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ للمؤمنين ولهم يقال ذلك لا للكفرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم أتم خلق الإنسان سويًّا، ونفخ فيه من روحه بأمر المَلَك الموكل بنفخ الروح، وجعل لكم -أيها الناس- الأسماع لتسمعوا بها، والأبصار لتبصروا بها، والأفئدة لتعقلوا بها، قليلًا ما تشكرون هذه النعم لله التي أنعم بها عليكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.7gqe6"