الآية ١٠ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ١٠ من سورة السجدة

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍۭ ۚ بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا : ( أئذا ضللنا في الأرض ) أي : تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت ، ( أئنا لفي خلق جديد ) ؟

أي : أئنا لنعود بعد تلك الحال ؟!

يستبعدون ذلك ، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة ، لا بالنسبة إلى قدرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم ، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون; ولهذا قال : ( بل هم بلقاء ربهم كافرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) يقول تعالى ذكره: وقال المشركون بالله، المُكذّبون بالبعث: (أئِذَا ضَلَلْنا في الأرْض) أي: صارت لحومنا وعظامنا ترابا في الأرض وفيها لغتان: ضَلَلْنَا، وَضَلِلنا.

بفتح اللام وكسرها، والقراءة على فتحها وهي الجوداء، وبها نقرأ.

وذكر عن الحسن أنه كان يقرأ: (أئِذَا صَلَلْنا) بالصاد، بمعنى: أنتنا، من قولنا: صلّ اللحم وأصلّ إذا أنتن.

وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم: (أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ) أي: إذا هلكت أجسادنا &; 20-174 &; في الأرض؛ لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه، تقول العرب: قد ضلّ الماء في اللبن: إذا غلب عليه حتى لا يتبين فيه، ومنه قول الأخطل لجرير: كُـنْتَ القَـذَى فـي مَـوْج أكْدَرَ مُزْبدٍ قَــذَفَ الأتِـيُّ بِـه فَضَـلَّ ضَـلالا (6) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد (أئِذا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ) يقول: أئذا هلكنا.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض) هلكنا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد: قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (أئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ) يقول: أئذا كنا عظاما ورفاتا أنبعث خلقا جديدا؟

يكفرون بالبعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، (وَقالُوا أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْض أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ) قال: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا .

وقوله: ( بَلْ هُمْ بَلقاء رَبِّهِمْ كافِرُونَ) يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء المشركين جحود قدرة الله على ما يشاء، بل هم بلقاء ربهم كافرون؛ حذرا لعقابه، وخوف مجازاته إياهم على معصيتهم إياه، فهم من أجل ذلك يجحدون لقاء ربهم في المعاد.

------------------------- الهوامش : (6) البيت للأخطل (ديوانه طبعة بيروت ص 50).

والقذي: ما يقع في العين من تراب أو تبن ونحوه، مما يطيره الريح، والأكدر: الكدر، غير الصافي، لأنه أتى من بعيد، وهو شديد الجري، يخالطه التراب والغثاء، ولذلك قال: "مزبد"، وهو الذي علاه الزبد لتحركه واضطرابه.

والأتي: السيل يأتي من مكان بعيد، أو من بلد إلى بلد.

وقبل هذا البيت بيت آخر مرتبط به في المعنى، قال الأخطل: وَإِذَا سَــمَاه لِلْمَجْــدِ فَرْعـا وَائِـلٍ وَاسْــتَجْمَعَ الْــوَادِي عَلَيْـكَ فَسـالا فرعا وائل: هما بكر وتغلب.

يريد أنه إذا اجتمع فرعا وائل في مكان يوم فخار مع القبائل، وصاروا أشبه بالسيل في كثرته لم تكن أنت يا جرير بالإضافة إليهم إلا كقذاة غرقت في ذلك السيل الكدر، فضلت فيه وغابت، ولم يوقف لها على أثر.

ولذلك قال شارح الديوان: والمراد من البيت أن أبا جرير حقير خسيس، بالقياس إلى من ذكرهم.

والبيت شاهد على أن الضلال: غياب الشيء، حتى لا يحس له أثر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون .قوله تعالى : وقالوا أئذا ضللنا في الأرض هذا قول منكري البعث ; أي هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا .

وأصله من قول العرب : ضل الماء في اللبن إذا ذهب .

والعرب تقول للشيء غلب عليه حتى خفي فيه أثره : قد ضل .

قال الأخطل :كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالاوقال قطرب : معنى ضللنا غبنا في الأرض .

وأنشد قول النابغة الذبياني :فآب مضلوه بعين جلية 76 وغودر بالجولان حزم ونائلوقرأ ابن محيصن ويحيى بن يعمر : ( ضللنا ) بكسر اللام ، وهي لغة .

قال الجوهري : وقد ضللت أضل قال الله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي .

فهذه لغة نجد [ ص: 86 ] وهي الفصيحة .

وأهل العالية يقولون : ( ضللت ) - بكسر اللام - أضل .

وهو ضال تال ، وهي الضلالة والتلالة .

وأضله أي أضاعه وأهلكه .

يقال : أضل الميت إذا دفن .

قال :فآب مضلوه.

.

البيت .ابن السكيت : أضللت بعيري إذا ذهب منك .

وضللت المسجد والدار : إذا لم تعرف موضعهما .

وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدى له .

وفي الحديث " لعلي أضل الله " يريد أضل عنه ، أي أخفى عليه ، من قوله تعالى : أئذا ضللنا في الأرض أي خفينا .

وأضله الله فضل ; تقول : إنك تهدي الضال ولا تهدي المتضال .

وقرأ الأعمش والحسن : ( صللنا ) بالصاد ; أي أنتنا .

وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

النحاس : ولا يعرف في اللغة صللنا ولكن يقال : صل اللحم وأصل ، وخم وأخم إذا أنتن .

الجوهري : صل اللحم يصل - بالكسر - صلولا ، أي أنتن ، مطبوخا كان أو نيئا .

قال الحطيئة :ذاك فتى يبذل ذا قدره لا يفسد اللحم لديه الصلولوأصل مثله : ( إنا لفي خلق جديد ) ؛ أي نخلق بعد ذلك خلقا جديدا ؟

ويقرأ : أئنا .

النحاس : وفي هذا سؤال صعب من العربية ; يقال : ما العامل في ( إذا ) ؟

و ( إن ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها .

والسؤال في الاستفهام أشد ; لأن ما بعد الاستفهام أجدر ألا يعمل فيما قبله من ( إن ) ؛ كيف وقد اجتمعا ؟

فالجواب على قراءة من قرأ : ( إنا ) أن العامل ضللنا ، وعلى قراءة من قرأ : ( أئنا ) أن العامل مضمر ، والتقدير أنبعث إذا متنا .

وفيه أيضا سؤال آخر ، يقال : أين جواب ( إذا ) على القراءة الأولى لأن فيها معنى الشرط ؟

فالقول في ذلك أن بعدها فعلا ماضيا ; فلذلك جاز هذا .

بل هم بلقاء ربهم كافرون أي ليس لهم جحود قدرة الله تعالى عن الإعادة ; لأنهم يعترفون بقدرته ؛ ولكنهم اعتقدوا أن لا حساب عليهم ، وأنهم لا يلقون الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال المكذبون بالبعث على وجه الاستبعاد: { أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ } أي: بَلِينَا وتمزقنا، وتفرقنا في المواضع التي لا تُعْلَمُ.{ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: لمبعوثون بعثًا جديدًا بزعمهم أن هذا من أبعد الأشياء، وذلك لقياسهم قدرة الخالق، بقدرهم.وكلامهم هذا، ليس لطلب الحقيقة، وإنما هو ظلم، وعناد، وكفر بلقاء ربهم وجحد، ولهذا قال: { بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُون } فكلامهم علم مصدره وغايته، وإلا، فلو كان قصدهم بيان الحق، لَبَيَّنَ لهم من الأدلة القاطعة على ذلك، ما يجعله مشاهداً للبصيرة، بمنزلة الشمس للبصر.ويكفيهم، أنهم معهم علم أنهم قد ابتدئوا من العدم، فالإعادة أسهل من الابتداء، وكذلك الأرض الميتة، ينزل اللّه عليها المطر، فتحيا بعد موتها، وينبت به متفرق بذورها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالوا ) يعني منكري البعث ( أئذا ضللنا ) هلكنا ) ( في الأرض ) وصرنا ترابا ، وأصله من قولهم : ضل الماء في اللبن إذا ذهب ( أئنا لفي خلق جديد ) استفهام إنكار .

قال الله - عز وجل - : ( بل هم بلقاء ربهم كافرون ) أي : بالبعث بعد الموت .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا» أي منكرو البعث «أإذا ضللنا في الأرض» غبنا فيها، بأن صرنا ترابا مختلطا بترابها «أإنا لفي خلق جديد» استفهام إنكار بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين، قال تعالى: «بل هم بلقاء ربهم» بالبعث «كافرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال المشركون بالله المكذبون بالبعث: أإذا صارت لحومنا وعظامنا ترابًا في الأرض أنُبعَث خلقًا جديدًا؟

يستبعدون ذلك غير طالبين الوصول إلى الحق، وإنما هو منهم ظلم وعناد؛ لأنهم بلقاء ربهم -يوم القيامة- كافرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - شبهات المشركين ورد عليها ، وصور أحوالها الليمة عندما تقبض الملائكة أرواحهم ، فقال - تعالى - : ( وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا .

.

.

بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض ) هذا قول منكرى البعث أى : هلكنا وبطلنا وصرنا ترابا .

وأصله من قول العرب : ضل الماء فى اللبن إذا ذهب ، والعرب تقول للشئ غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره : قد ضل .

.أى : وقال الكافرون على سبيل الإِنكار ليوم القيامة وما فيه من حساب أئذا صارت أجسادنا كالتراب واختلطت به ، أنعاد إلى الحياة مرة أخرى ، ونخلق خلقاً جديداً .

.وقوله - سبحانه - : ( هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ) إضراب وانتقال من حكاية كفرهم بالبعث والحساب إلى حكاية ما هو أشنع من ذلك وهو كفرهم بلقاء الله - تعالى - الذى خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم .

.

أى : بل هم لانطماس بصائرهم ، واستيلاء العناد والجهل عليهم ، بلقاء ربهم يوم القيامة ، كافرون جاحدون ، لأنهم قد استبعدوا إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم ، مع أن الله - تعالى - قد أوجدهم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  ﴾ بين عدم شكرهم بإتيانهم بضده وهو الكفر وإنكار قدرته على إحياء الموتى وقد ذكرنا أن الله تعالى، في كلامه القديم، كلما ذكر أصلين من الأصول الثلاثة لم يترك الأصل الثالث وهاهنا كذلك لما ذكر الرسالة بقوله: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ  ﴾ الوحدانية بقوله: ﴿ الله الذي خَلَقَ ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ  يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ  ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ  ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ  ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ  ﴾ ذكر الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الواو للعطف على ما سبق منهم فإنهم قالوا محمد ليس برسول والله ليس بواحد وقالوا الحشر ليس بممكن.

المسألة الثانية: أنه تعالى قال في تكذيبهم الرسول في الرسالة ﴿ أم يقولون  ﴾ بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم إياه في الحشر، ﴿ وقالوا ﴾ بلفظ الماضي، وذلك لأن تكذيبهم إياه في رسالته لم يكن قبل وجوده وإنما كان ذلك حالة وجوده فقال يقولون يعني هم فيه، وأما إنكارهم للحشر كان سابقاً صادراً منهم ومن آبائهم فقال: ﴿ وقالوا ﴾ .

المسألة الثالثة: أنه تعالى صرح بذكر قولهم في الرسالة حيث قال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ  ﴾ وفي الحشر حيث قال: ﴿ وقالوا أئذا ﴾ ولم يصرح بذكر قولهم في الوحدانية، وذلك لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسول، وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في المعنى، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ فلم يقل قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر.

المسألة الرابعة: لو قال قائل لما ذكر الرسالة ذكر من قبل دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه ولما ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من طين، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل، نقول في الجواب: ذكر دليله أيضاً وذلك لأن خلق الإنسان ابتداء دليل على قدرته على إعادته، ولهذا استدل الله على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ وكذلك خلق السموات كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ  إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي أئنا كائنون في خلق جديد أو واقعون فيه ﴿ بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كافرون ﴾ إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانياً بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب، أو نقول معناه لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم، فإنهم أنكروه فأنكروا المفضى إليه، ثم بين ما يكون لهم من الموت إلى العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالُواْ ﴾ قيل القائل أبي بن خلف، ولرضاهم بقوله أُسند إليهم جميعاً.

وقرئ: ﴿ ائنا ﴾ ، و ﴿ أنا ﴾ ، على الاستفهام وتركه ﴿ ضَلَلْنَا ﴾ صرنا تراباً، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في اللبن أو غبنا ﴿ فِى الأرض ﴾ بالدفن فيها.

من قوله: وَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وقرأ علي وابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ ضللنا ﴾ بكسر اللام.

يقال: ضل يضل وضل يضل.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: صللنا، من صلّ اللحم وأصلّ: إذا أنتن.

وقيل: صرنا من جنس الصلة وهي الأرض.

فإن قلت: بم انتصب الظرف في ﴿ أَءذَا ضَلَلْنَا ﴾ ؟

قلت: بما يدل عليه (لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ) وهو نبعث.

أو يجدد خلقنا.

لقاء ربهم: هو الوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت وما وراءه، فلما ذكر كفرهم بالإنشاء.

أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالإنشاء وحده: ألا ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء، وهذا معنى لقاء الله على ما ذكرنا والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح.

قال الله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس ﴾ [الزمر: 42] وقال: أخرجوا أنفسكم، وهو أن يقبض كلها لا يترك منها شيء.

من قولك: توفيت حقي من فلان، واستوفيته إذا أخذته وافياً كاملاً من غير نقصان.

والتفعل والاستفعال: يلتقيان في مواضع: منها: تقصيته واستقصيته، وتعجلته واستعجلته.

وعن مجاهد رضي الله عنه: حويت لملك الموت الأرض، وجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء.

وعن قتادة: يتوفاهم ومعه أعوان من الملائكة.

وقيل: ملك الموت: يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ أيْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِ الأرْضِ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها.

وَقُرِئَ «ضَلِلْنا» بِالكَسْرِ مِن ضَلَّ يَضِلُّ «وَصَلَلْنا» مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» عَلى الخَبَرِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ.

﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وهو: نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ «أنا» عَلى الخَبَرِ، والقائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وإسْنادُهُ إلى جَمِيعِهِمْ لِرِضاهم بِهِ.

﴿ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ﴾ بِالبَعْثِ أوْ بِتَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ.

﴿ كافِرُونَ ﴾ جاحِدُونَ.

﴿ قُلْ يَتَوَفّاكُمْ ﴾ يَسْتَوْفِي نُفُوسَكم لا يَتْرُكُ مِنها شَيْئًا ولا يُبْقِي مِنكم أحَدًا، والتَّفَعُّلُ والِاسْتِفْعالُ يَلْتَقِيانِ كَثِيرًا كَتَقَصَّيْتُهُ واسْتَقْصَيْتُهُ وتَعَجَّلْتُهُ واسْتَعْجَلْتُهُ.

﴿ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِكم وإحْصاءِ آجالِكم.

﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقالوا} القائل أبيّ بن خلف ولرضاهم بقوله أسند إليهم {أئذا ضللنا في الأرض} أي صرنا تراباً وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضل الماء في اللبن أو غبنا في الأرض بالدفن فيها وقرأ عليٌّ ضللنا بكسر اللام يقال ضل يضل وضل يضل وانتصب الظرف في أئذا ضللنا بما يدل عليه {أئنا لفي خلقٍ جديدٍ} وهو نبعث {بل هم بلقاء ربّهم كافرون} جاحدون لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أباطِيلِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُكْرِهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِرِضا الباقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ أيْ ضِعْنا فِيها بِأنْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِها بِحَيْثُ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، فَهو مِن ضَلَّ المَتاعُ إذا ضاعَ، أوْ غِبْنا فِيها بِالدَّفْنِ، وإنْ لَمْ نَصِرْ تُرابًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ يَرْثِي النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ: وآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونائِلُ وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ «ضَلِلْنا» بِكَسْرِ اللّامِ، ويُقالُ: ضَلَّ يَضِلُّ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وضَلَّ يَضِلُّ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، وهُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ الفَصِيحَةُ وهي لُغَةُ نَجْدٍ، والثّانِي لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ضُلِلْنا) بِضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِي: «صَلَلْنا» بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ اللّامِ، ونُسِبَتْ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما يُقالُ في ضَلَّ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، وزِيادَةِ أصَلَّ بِالهَمْزَةِ كَأفْعَلَ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى صِرْنا بَيْنَ الصِّلَةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُّلْبَةُ كَأنَّها مِنَ الصَّلِيلِ، لِأنَّ اليابِسَ الصُّلْبَ إذا انْشَقَّ يَكُونُ لَهُ صَلِيلٌ.

وقِيلَ: أنْتَنّا مِنَ الصِّلَةِ، وهو النَّتْنُ، وقِيلَ لِلْأرْضِ الصِّلَةُ لِأنَّها اسْتُ الدُّنْيا، وتَقُولُ العَرَبُ ضَعِ الصِّلَةَ عَلى الصِّلَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: أصَلَّ اللَّحْمُ وصَلَّ، وأخَمَّ وخَمَّ إذا نَتَنَ، وهَذا غَرِيبٌ مِنهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وهو نُبْعَثُ، أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وإنْ وُكِّلَ مِنهُما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، ويُعْتَبَرُ ما ذُكِرَ مِن نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا جَوابًا (لِإذا)، إذا اعْتُبِرَتْ شَرْطِيَّةً لا ظَرْفِيَّةً مَحْضَةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ تَأْكِيدُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّأْكِيدِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقْدِيمِها عَلى أداتِهِ، فَإنَّها مُؤَخَّرَةٌ عَنْها في الِاعْتِبارِ، وتَقْدِيمُها عَلَيْها لِقُوَّةِ اقْتِضائِها الصَّدارَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ «إنّا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ آنِفًا، ﴿ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ، وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، وما يَكُونُ بَعْدَهُ جَمِيعًا، وقِيلَ: هو إضْرابٌ وتَرَقٍّ مِنَ التَّرَدُّدِ في البَعْثِ واسْتِبْعادِهِ إلى الجَزْمِ بِجَحْدِهِ بِناءً عَلى أنَّ لِقاءَ الرَّبِّ كِنايَةٌ عَنِ البَعْثِ، ولا يَضُرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ إنْكارِيًّا، وهو يُؤَوَّلُ إلى الجَحْدِ، فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ يعني: ذلك الذي يفعل هذا هو عالم الغيب وَالشَّهادَةِ يعني: ما غاب من العباد، وما شاهدوه.

ويقال: عالم بما كان، وبما يكون.

ويقال: عالم السر والعلانية.

ويقال: عالم بأمر الآخرة وأمر الدنيا الْعَزِيزُ في ملكه الرَّحِيمُ بخلقه.

قوله عز وجل: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: خَلَقَهُ بجزم اللام.

وقرأ الباقون: بالنصب فمن قرأ بالجزم فمعناه: الذي أحسن كل شيء.

وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإنسان في خلقه حسن، والخنزير في خلقه حسن، وكل شيء في خلقه حسن.

ومن قرأ بالنصب فعلى فعل الماضي يعني: خلق كل شيء على إرادته، وخلق الإنسان في أحسن تقويم.

ويقال: الذي علم خلق كل شىء خلقه.

يعني: علم كيف خلق.

ويقال: هل تحسن شيئاً.

يعني: تعلم.

ومعناه: الذي علم خلق كل شيء خلقه.

ويقال: الحسن عبارة عن الزينة.

يعني: الذي زين كل شيء خلقه وأتقنه كما قال: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88] .

ثم قال: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ يعني: خلق آدم-  - من طين من أديم الأرض ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ أي: خلق ذريته من سلالة من النطفة التي تنسل من الإنسان.

وقال أهل اللغة: كل شيء على ميزان فعالة، فهو ما فضّل من شيء.

يقال: نشارة ونخالة.

ثم رجع إلى آدم-  - فقال عز وجل: مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ يعني: سوى خلقه وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.

ثم رجع إلى ذريته فقال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ويقال: هذا كله في صفة الذرية يعني: ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني: من نطفة ضعيفة ثُمَّ سَوَّاهُ يعني: جمع خلقه في رحم أمه وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ يعني: جعل فيه الروح بأمره، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ.

ثم قال: قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: لا تشكرون رب هذه النعم على حسن خلقكم، فتوحّدوه.

فلا تستعملوا سمعكم وأفئدتكم إلا في طاعتي.

ويقال: ما هاهنا صلة.

فكأنه يقول: تشكرونه قليلاً.

ويقال: ما بمعنى: الذي.

فكأنه قال: فقليل الذي تشكرون.

وقد يكون الكلام بعضه بلفظ المغايبة.

ثم قال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ بلفظ المخاطب، فكما قال: هاهنا ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ بلفظ المغايبة.

ثم قال: وَجَعَلَ لَكُمُ بلفظ المخاطبة.

ثم قال عز وجل: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ يعني: هلكنا وصرنا ترابا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: أنبعث بعد الموت.

وأصله ضلّ الماء في اللبن إذا غاب وهلك.

وروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قرأ أإذا صللنا بالصاد، وتفسيره النتن.

يقال: صل اللحم إذا أنتن.

وقراءة العامة بالضاد المعجمة أي: هلكنا.

وقرأ ابن عامر: وقالوا إذا ضَلَلْنَا إذ بغير استفهام أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ على وجه الاستفهام.

قال: لأنهم كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه.

وإنما أنكروا البعث.

ويكون الاستفهام في البعث دون الموت.

ثم قال عز وجل: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ يعني: بالبعث جاحدون فلا يؤمنون به.

قوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)

وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ...

الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.

وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة.

وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه» : - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن» : أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣» : - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] .

أي:

ألهَمَ.

والإنسانُ هنا آدم- عليه السلام-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.

وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ: " ضَلِلْنا " بِضادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ الأُولى.

قالَ الفَرّاءُ: ضَلِلْنا وضَلَلْنا لُغَتانِ، والمَعْنى: إذا صارَتْ عِظامُنا ولُحُومُنا تُرابًا كالأرْضِ؛ تَقُولُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ، وضَلَّ الشَّيْءُ في الشَّيْءِ: إذا أخْفاهُ وغَلَبَ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ضُلِّلْنا " [بِضَمِّ] الضّادِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ الأُولى وكَسْرِها.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " صَلَلْنا " بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وذَكَرَ لَها الزَّجّاجُ مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْتَنّا وتَغَيَّرْنا وتَغَيَّرَتْ صُوَرُنا؛ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ: إذا أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.

والثّانِي: صِرْنا مِن جِنْسِ الصَّلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ؟!

هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ أيْ: بِقَبْضِ أرْواحِكم ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ أيْ: مُطَأْطِئُوها حَياءً ونَدَمًا، ﴿ رَبَّنا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ: يَقُولُونَ رَبَّنا ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ: عَلِمْنا صِحَّةَ ما كُنّا بِهِ مُكَذِّبِينَ ﴿ فارْجِعْنا ﴾ إلى الدُّنْيا؛ وجَوابُ " لَوْ " مَتْرُوكٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ رَأيْتَ حالَهم لَرَأيْتَ ما يُعْتَبَرُ بِهِ، ولَشاهَدْتَ العَجَبَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالغَيْبِ الآخِرَةَ وبالشَهادَةِ الدُنْيا، وقِيلَ: أرادَ بالغَيْبِ ما غابَ عَنِ المَخْلُوقِينَ، وبالشَهادَةِ ما شُوهِدَ مِنَ الأشْياءِ، فَكَأنَّهُ حَصَرَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جَمِيعَ الأشْياءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ومَعْنى ﴿ "أحْسَنَ": ﴾ أتْقَنَ وأحْكَمَ، فَهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ ما هو لِمَقاصِدِهِ الَّتِي أُرِيدُ لَها، ومِن هَذا المَعْنى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: لَيْسَتِ اسْتُ القِرْدِ بِحَسَنَةٍ ولَكِنَّها مُتْقَنَةٌ مَحْكَمَةٌ.

والجُمْلَةُ في "خَلَقَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ لِـ"كُلَّ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضِ صِفَةٍ لِـ"شَيْءٍ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "خَلْقَهُ" بِسُكُونِ اللامِ، وذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِيهِ إمّا عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وإمّا عَلى المَفْعُولِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن "كُلَّ"، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - إلى أنَّ "أحْسَنَ" مَعْناها: ألْهَمَ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى  ﴾ ، أيْ ألْهَمَ الرَجُلَ إلى المَرْأةِ، والجُمَلَ إلى الناقَةِ، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ بَعْدٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَبَدَأ"، ﴾ وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "وَبَدا خَلْقُ الإنْسانِ" بِألْفٍ دُونَ هَمْزٍ، وبِنَصْبِ القافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى البَدَلِ لا عَلى التَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ أبْدَلَ الألْفَ مِنَ الهَمْزَةِ، وبِدِيَ لُغَةَ الأنْصارِ، وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ∗∗∗ ولَوْ عَبَدَنا غَيْرَهُ شَقِيَنا و"الإنْسانُ": آدَمُ، عَدَّدَ أمْرَهُ عَلى بَنِيهِ؛ إذْ خَلْقُهُ خَلْقٌ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو مُنْسِلٌ لَهم.

و"النَسْلُ": ما يَكُونُ عَنِ الحَيَوانِ مِنَ الوَلَدِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن: "نَسْلَ الشَيْءُ" إذا خَرَجَ مِن مَوْضِعِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ  ﴾ ، ومِنهُ: "نَسْلَ رِيشُ الطائِرِ" إذا تَساقَطَ.

و"السُلالَةُ" مِن: سُلَّ يُسِلُّ؛ فَكَأنَّ الماءَ يُسِلُّ مِنَ الإنْسانِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: فَجاءَتْ بِهِ عَضْبَ الأدِيمِ غَضَنْفَرًا ∗∗∗ ∗∗∗ سُلالَةَ فَرَجٍ كانَ غَيْرَ حَصِينِ و"المَهِينُ": الضَعِيفُ، يُقالُ: "مَهُنَ الإنْسانُ" إذا ضَعُفَ وذَلَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نَفَخَ" عِبارَةٌ عن إفاضَةِ الرُوحِ في جَسَدِ ابْنِ آدَمَ، والضَمِيرُ في ﴿ "رُوحِهِ" ﴾ لِلَّهِ تَعالى، وهي إضافَةُ مِلْكٍ إلى مالِكٍ، وخَلْقٍ إلى خالِقٍ.

ثُمَّ أظْهَرَ تَعْدِيدَ النِعَمِ عَلَيْهِمْ في أنْ خَصَّهم في قَوْلِهِ: "لَكُمُ" (بِضَمِيرِ) السَمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وهي لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ أيْضًا.

كَما خَصَّ آدَمَ بِالتَسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُوحِ، وهو لِجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وهَذا كُلُّهُ إيجازٌ واقْتِضابٌ وتَرْكٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَنطُوقُ بِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الإنْسانُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمَ جِنْسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قَلِيلا" ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ حِينَ حُذِفَ المَوْصُوفِ بِهِ.

والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ الجاحِدِينَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ، والمُسْتَبْعِدِينَ لِذَلِكَ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ، ومَوْضِعُ "أئِذا" نَصْبٌ بِما في قَوْلِهِ: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ؛ لِأنَّ مَعْناهُ: لِنُعادِ.

واخْتَلَفَ القُراءُ في "أئِذا"، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِيعابُ ذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "ضَلَلْنا" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْنا" بِكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: تَلِفْنا وتَقَطَّعَتْ أوصالُنا فَذَهَبْنا حَتّى لَمْ نُوجَدْ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ: كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ أيْ: مُتْلِفُوهُ دَفْنًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَضِلُّ المَدارِي في مُثَنّى ومُرْسَلِ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وفَتْحَ اللامِ، قالَ الفَرّاءُ: ويُرْوى عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْناهُ: صِرْنا مِنَ الصِلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُلْبَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنَ التَغَيُّرِ، كَما يُقالُ: "صَلَّ اللَحْمُ"، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَلَلْنا" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ وكَسَرَ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ضَلَّلْنا".

بِضَمِّ الضادِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أيْ: أئِنّا لَفي هَذِهِ الحالَةِ نُعادُ ويُجَدَّدُ خَلْقُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ عن مَعْنى اسْتِفْهامِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسُوا مُسْتَفْهِمِينَ، بَلْ هم كافِرُونَ جاحِدُونَ بِلِقاءِ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُخْبِرَهم بِجُمْلَةِ الحالِ غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فَبَدَأ بِالإخْبارِ مِن وقْتٍ تَفَقُّدِ رُوحِ الإنْسانِ إلى الوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ إلى رَبِّهِ، فَجَمَعَ الغايَتَيْنِ الأُولى والآخِرَةَ، و"يَتَوَفّاكُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَوْفِيكُمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إنَّ بَنِيِ الأرْدَمِ لَيْسُوا مِن أحَدْ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَوَفّاهم قُرَيْشٌ في العَدَدِ و ﴿ مَلَكُ المَوْتِ ﴾ اسْمُهُ عِزْرائِيلُ، وتَصَرُّفُهُ كُلُّهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ البَهائِمَ كُلَّها يَتَوَفّى اللهُ رَوْحَها دُونَ مَلَكٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ يَعْدَمُ حَيّاتَها، وكَذَلِكَ الأمْرُ في بَنِيِ آدَمَ؛ إلّا أنَّهُ نَوْعُ شُرِّفَ بِتَصَرُّفِ مَلَكٍ ومَلائِكَةٍ مَعَهُ في قَبْضِ أرْواحِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا غَلَّظَ العَذابَ عَلى الكافِرِينَ بِذَلِكَ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: أنَّ الدُنْيا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ المَوْتِ كالطَسْتِ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَأْخُذُ مِن حَيْثُ أُمِرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو للحال، والحال للتعجيب منهم كيف أحالوا إعادة الخلق وهم يعلمون النشأة الأولى، وليست الإعادة بأعجب من بدء الخلق وخاصة بدء خلق آدم عن عدم، وخُلوّ الجملة الماضوية عن حرف (قد) لا يقدح في كونها حالاً على التحقيق.

والاستفهام في ﴿ أءذا ضللنا ﴾ للتعجب والإحالة، أي أظهروا في كلامهم استبعاد البعث بعد فناء الأجساد واختلاطها بالتراب، مغالطة للمؤمنين وترويجاً لكفرهم.

والضّلال: الغياب، ومنه: ضلال الطريق، والضالة: الدابة التي ابتعدت عن أهلها فلم يعرف مكانها.

وأرادوا بذلك إذا تفرقت أجزاء أجسادنا في خلال الأرض واختلطت بتراب الأرض.

وقيل: الضلال في الأرض: الدخول فيها بناء على أنه يقال: أضلّ الناسُ الميت، أي: دفنوه.

وأنشدوا قول النابغة في رثاء النعمان بن الحارث الغساني: فآب مُضِلّوه بعين جَلية *** وغُودر بالجَوْلان حَزم ونائل وقرأه نافع والكسائي ويعقوب: ﴿ إنا لفي خلق جديد ﴾ بهمزة واحدة على الإخبار اكتفاء بدخول الاستفهام على أول الجملة ومتعلقها.

وقرأ الباقون ﴿ أإنا لفي خلق جديد ﴾ بهمزتين أولاهما للاستفهام والثانية تأكيد لهمزة الاستفهام الداخلة على ﴿ أإذا ضللنا في الأرض.

﴾ وقرأ ابن عامر بترك الاستفهام في الموضعين على أن الكلام خبر مستعمل في التهكم.

وتأكيد جملة ﴿ إنَّا لفي خلق جديد ﴾ بحرف ﴿ إنَّ ﴾ لأنهم حكوا القول الذي تعجبوا منه وهو ما في القرآن من تأكيد تجديد الخلق فحكوه بالمعنى كما في الآية الأخرى: ﴿ وقال الذين كفروا هل ندلّكم على رجل يُنَبِّئكم إذا مُزِّقْتُم كلَّ ممزَّق إنكم لفي خلق جديد ﴾ [سبأ: 7]، أي: يُحَقِّق لكم ذلك.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف وهو معمول لما في جملة ﴿ إنا لفي خلق جديد ﴾ من معنى الكون.

والخلق: مصدر.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية ومعناها المصاحبة.

والجديد: المحدث، أي غير خلقنا الذي كنا فيه.

و ﴿ بل ﴾ من ﴿ بل هُم بلقاء ربهم كافرون ﴾ إضراب عن كلامهم، أي ليس إنكارهم البعث للاستبعاد والاستحالة لأن دلائل إمكانه واضحة لكل متأمل ولكن الباعث على إنكارهم إياه هو كفرهم بلقاء الله، أي كفرهم الذي تلقوه عن أيمتهم عن غير دليل، فالمعنى: بل هم قد أيقنوا بانتفاء البعث فهم متعنّتون في الكفر مُصرّون عليه لا تنفعهم الآيات والأدلة.

فالكفر المثبت هنا كفر خاص وهو غير الكفر الذي دل عليه قولهم ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرض إنا لفي خلق جديد ﴾ فإنه كفر بلقاء الله لكنهم أظهروه في صورة الاستبعاد تشكيكاً للمؤمنين وترويجاً لكفرهم.

وتقديم المجرور على ﴿ كافرون ﴾ للرعاية على الفاصلة، والإتيان بالجملة الاسمية لإفادة الدوام على كفرهم والثبات عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلَكْنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: صِرْنا فِيهِ رُفاتًا وتُرابًا، قالَهُ قَتادَةُ والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتّى خَفِيَ فِيهِ أثَرُهُ قَدْ ضَلَّ، قالَ الأخْطَلُ كُنْتُ القَذى في مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ تَقْذِفُ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا.

الثّالِثُ: غُيِّبْنا في الأرْضِ، قالَهُ قُطْرُبٌ وأنْشَدَ النّابِغَةُ فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجَوَلانِ حَزْمٌ ونائِلُ وَقَرَأ الحَسَنُ: صَلَلْنا، بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وفِيهِ عَلى قِراءَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أنْتَنَتْ لُحُومُنا مِن قَوْلِهِمْ صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: صَلَلْنا مِنَ الصَّلَّةِ وهي الأرْضُ اليابِسَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ ﴾ ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أيْ أتُعادُ أجْسامُنا لِلْبَعْثِ خَلْقًا جَدِيدًا تَعَجُّبًا مِن إعادَتِها وإنْكارًا لِبَعْثِهِمْ وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ﴾ وقِيلَ إنَّ قائِلَ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ أيْ يَقْبِضُ أرْواحَكم والتَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ عَلى تَمامٍ، مَأْخُوذٌ مِن تَوْفِيَةِ العَدَدِ ومِنهُ قَوْلُهُمُ اسْتَوْفَيْتُ دَيْنِي مِن فُلانٍ.

ثُمَّ في تَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ لَهم قَوْلانِ: الأوَّلُ: بِأعْوانِهِ.

الثّانِي: بِنَفْسِهِ.

رَوى جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَنْ أبِيهِ قالَ «نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى مَلَكِ المَوْتِ عِنْدَ رَأْسِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  [يا مَلَكَ المَوْتِ]: (ارْفُقْ بِصاحِبِي فَإنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا مُحَمَّدُ طِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَيْنًا فَإنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ واعْلَمْ أنَّ ما مِن أهْلِ بَيْتِ مَدَرٍ ولا شَعْرٍ إلّا وأنا أتَصَفُّحُهم في كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرّاتٍ حَتّى لَأنا أعْرَفُ بِصَغِيرِهِمْ وكَبِيرِهِمْ مِنهم بِأنْفُسِهِمْ، واللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَوْ أنِّي أرَدْتُ أنْ أقْبِضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ ما قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الآمِرَ بِقَبْضِها،» قالَ جَعْفَرٌ إنَّما يَتَصَفَّحُهم عِنْدَ مَواقِيتِ الصَّلَواتِ.

﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى جَزائِهِ.

الثّانِي: إلى أنْ لا يَمْلِكَ لَكم أحَدٌ ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأها ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: أما رأيت القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: اما إن آست القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: صورته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ فجعل الكلب في خلقه حسناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: أحسن بخلق كل شيء القبيح والحسن، والحيات والعقارب، وكل شيء مما خلق، وغيره لا يحسن شيئاً من ذلك.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أحسن كل شيء خلقه ﴾ قال: اتقن.

لم يركب الإِنسان في صورة الحمار، ولا الحمار في صورة الإِنسان.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه فقال: يا رسول الله إني أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عمرو بن زرارة إن الله أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين» .

وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: «أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل ازاره فقال له: ارفع ازارك فقال: يا رسول الله إني أحنف: تصطك ركبتاي قال: ارفع ازارك كل خلق الله حسن» .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبدأ خلق الإِنسان من طين ﴾ قال: آدم ﴿ ثم جعل نسله ﴾ قال: ولده ﴿ من سلالة ﴾ من بني آدم ﴿ من ماء مهين ﴾ قال: ضعيف نطفة الرجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ جعل نسله ﴾ قال: ذريته ﴿ من سلالة ﴾ هي الماء ﴿ ثم سواه ﴾ يعني ذريته.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من سلالة ﴾ قال: ماء يسل من الإِنسان ﴿ من ماء مهين ﴾ قال: ضعيف.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ أئذا ضللنا ﴾ قال: هلكنا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول ﴿ أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد ﴾ كيف نعاد ونرجع كما كنا؟

وأخبرت أن الذي قال: ﴿ أئذا ضللنا ﴾ أبيُّ بن خلف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: يريد أئذا صرنا (١) (٢) وقال مجاهد ومقاتل: (هلكنا في الأرض وصرنا ترابًا) (٣) وقال السدي: بليت أجسادنا في التراب (٤) (٥) (٦) وقال أبو إسحاق: صرنا ترابًا (٧) (٨) وقال ابن قتيبة: (بطلنا) (٩) (١٠) (١١) قال المخبِّل (١٢) أضلت بنو قيس (١٣) (١٤) يعني: دفنته.

وقال النابغة: فتاه مضلوه بعين جليةٍ (١٥) يريد مضليه: دافنيه.

وقوله تعالى: ﴿ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أنكروا أن يعاد خلقهم جديدًا بعد الموت.

قال ابن عباس: أنكروا قدرة سيدهم  (١٦) قال أبو علي: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وذلك أن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: أتعاد [أئذا ضللنا] (١٧) (١٨) قال الله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾ يعني بالبعث [كافرون] (١٩) (٢٠) (١) في (أ): (وصرنا).

(٢) لم أقف على من نسبه لابن عباس.

وقد ذكره الطبري 97/ 21، النحاس في "معاني القرآن" 5/ 302، "الماوردي" 4/ 356 عن مجاهد وقتادة.

(٣) انظر: المصادر السابقة، "تفسير مجاهد" 510، "تفسير مقاتل" 84 ب.

(٤) لم أقف على من نسبه للسدي، وقد ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 331.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 131.

(٦) في (ب): (همدنا في التراب الأرض)، وهو خطأ.

(٧) في (ب): (التراب).

(٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 205.

(٩) انظر: " تفسير غريب القرآن" ص 346،"تأويل مشكل القرآن" ص 457.

(١٠) هذه الكلمة في جميع النسخ، والذي يظهر أنها خطأ، إذ لا معنى لها هنا حسب فهمي، والله أعلم.

(١١) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 462 وما بعدها: (ضل)، "اللسان" 11/ 390 (ضلل)، "الاعتماد في نظائر الظاء والضاد" ص 25.

(١٢) هو: أبو يزيد بن مالك بن ربيعة بن عوف السعدي، من بني أنف الناقة من تميم.

ذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول شعراء الجاهلية، وهو من مخضرمي الجاهلية والإسلام، مات في خلافة عمر أو عثمان  ما.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 143، "شرح اختيار المفضل" 1/ 533، "معجم الشعراء" ص 177.

(١٣) في (ب): (بنو).

(١٤) البيت من الطويل للمخبل في "ديوانه" ص 318، "تهذيب اللغة" 11/ 465، "اللسان" 11/ 395.

(١٥) صدر بيت من الطويل، وعجزه: وغودر بالجولان حزم ونائل وهو في الديوان وفي المصادر التي ورد فيها: فآب، وفي نسخ المخطوط: فتاه.

انظر: "ديوانه" ص 121، "تهذيب اللغة" 11/ 465، "اللسان" 11/ 395، "الدر المصون" 5/ 396.

يريد بقوله: بعين جلية، أي بخبر صادق أنه مات، انظر: "اللسان" 11/ 395.

(١٦) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.

وقد ذكر نحوه الطبري 21/ 97 عن قتادة، ==والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 513، والثعالبي في "جواهر الحسان في تفسير القرآن" 3/ 213 غير منسوب لأحد.

(١٧) ما بين المعقوفين طمس في (ب).

(١٨) انظر: "الحجة" 5/ 462، والكلام فيها: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله:؟

أئنا لفي خلق جديد؟

وكأن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: تعاد إذا ضللنا ..

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٠) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.

وانظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض ﴾ أي تلفنا وصرنا تراباً، ومعنى هذا الكلام المحكي عن الكفار استبعاد البعث، والعامل في إذا معنى قولهم: إنا لفي خلق جديد تقديره: نبعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

هذا القول منهم في الظاهر يخرج على الاستفهام والسؤال: أئنا نبعث ونخلق خلقاً جديداً؟

وعلى الإيجاب والتحقيق: إنا نبعث لا محالة؛ فلا يلحقهم بذلك لائمة ولا تعيير لو كان على ظاهر المخرج منهم، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكاراً للبعث؛ دليله ما قال على أثره: ﴿ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾ ؛ وإلا ظاهر ذلك القول منهم على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما: استفهاماً، أو إيجاباً، وهو ما أخبر عن المنافقين؛ حيث قال: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ : هذا القول منهم حق وصدق، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك لم ينفع ذلك لهم؛ حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك القول منهم في الظاهر ما ذكرنا، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكاراً للبعث وجحوداً.

وقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ .

هذا الحرف في الظاهر ليس هو بصلة للأول؛ لأنه إنما يقال عن سؤال سابق في توفي الخلق وقبض أرواحهم: أنه من؟

فيقال عند ذلك: يتوفاكم ذلك ملك الموت.

وجائز أن يكون على الصلة بالأول؛ لأنهم أنكروا البعث وإحياءه إياهم من التراب؛ لما لا يرون لله القدرة على ذلك؛ فيذكر أنه مكن وأقدر عبدا من عبيده على قبض أرواح جميع الخلائق من المشرق إلى المغرب، من غير أن يعلمه أحد أن كيف يقبض؟

وكيف يمكن له ذلك؟

فيخبر أن من قدر على هذا يقدر على إحياء الخلق بعدما صاروا تراباً ورماداً بل قادر على ما شاء، كيف شاء، متى شاء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.

ثم قوله: ﴿ يَتَوَفَّاكُم ﴾ يحتمل من توفى العدد: يجعلهم وفاء لعدِّها؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  ﴾ .

وجائز أن يكون التوفي من الاستيفاء ووفاء التمام، أي: يستوفى الروح كله؛ حتى لا يبقى في الجسد منه شيء.

ثم في الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أن ملك الموت يتوفاهم ويميتهم، وقد أخبر أنه خلق الموت والحياة؛ فدل أن جميع ما يفعل العباد هو خلق.

وقال القتبي: ﴿ ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: بطلنا وصرنا تراباً.

وقال غيره: هلكنا.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ضَلَلْنَا ﴾ بالضاد: إذا صرنا في القبور وبلينا فيها.

ويقال: ضللنا بالكسر من الضلال، ويقال: ضللت شيء كذا وكذا: إذا لم تدر أين ذهب؟

ويقال: ضللنا - بالضاد -: وهو من ضل اللحم، أي: أنتن.

وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لو ترى - يا محمد - ما نزل بالمجرمين يومئذ من العذاب، وما هم فيه من الحال الشديدة والهوان؛ بالتكذيب الذي كان منهم وإساءتهم إليك - لرحمتهم ولم تتكلف مكافأة إساءتهم وتكذيبهم؛ لعظم ما نزل [بهم] من العذاب والشدائد.

﴿ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ ندامة وحسرة وحزناً على ما كان منهم، على مثل هذا يخرج التأويل؛ وإلا ليس في ظاهر الآية جواب قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ فجوابه ما ذكرنا، أو نحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ أَبْصَرْنَا ﴾ : بالحجج والبراهين عياناً بعدما كنا أبصرناها في الأولى بالدلالة، ﴿ وَسَمِعْنَا ﴾ ، أي: قبلنا وأجبنا؛ ﴿ فَٱرْجِعْنَا ﴾ إلى الأولى أو المحنة، ﴿ نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ .

والثاني: ربنا أبصرنا صدق الرسل، وأيقنا بما وعدنا في الدنيا وسمعنا سماع إيقان وعيان، فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ .

أي: لو شئنا لآتينا كل نفس ما عندنا من اللطف: الذي لو كان منهم الاختيار لذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف؛ لما لم نعلم منهم كون ذلك الاختيار.

وعلى قول المعتزلة: شاء أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها لكنها لم تهتد؛ فقولهم مخالف للآية؛ لأنهم يقولون: شاء أن تهتدي كل نفس، وآتى كل نفس ما به تهتدي، لكنها لم تهتد، ولكنهم يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة الجبر والقسر.

فيقال لهم: زعمتم أنه قد شاء أن يهتدوا، وآتاهم ما به يهتدون فلم يهتدوا ولم تنفذ مشيئته؛ فأنى يقدر ويملك أن يشاء مشيئة تقهرهم وتجبرهم حتى يهتدوا؟!

وكيف يؤمن على ذلك؟!

فذلك بعيد على قولكم؛ فيقال لهم - أيضاً -: إن الإيمان والتوحيد في حال القهر والقسر لا يكون إيمانا؛ لأن القهر والجبر يرفع الفعل عن فاعله ويحوله عنه، فكيف تأويلكم على هذا؟!

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ .

أي: لكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ويحدث ما يستوجبون به جهنم، وهو ما علم أنهم يختارون الردّ والتكذيب.

وقوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .

في هذه الآية دلالة: أنه عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جنهم بعد قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ : خص الإنسان والجن فيما يملأ بهما جهنم.

فإن قيل: إنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ .

قيل: هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم، وليسوا هم بأصحابها فيما ينتهي إليهم العذاب، ولله أن يجعل ويمتحن من يشاء على تعذيب من شاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ ﴾ .

النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو؛ لأنه لا كلفة تلزم في حال السهو والغفلة.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به، وتكذيبهم ورد الحجج والآيات لذلك.

والثاني: ﴿ نَسِيتُمْ ﴾ ، أي: جعلتم ذلك كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.

والثالث: ﴿ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ﴾ ، أي: نجزيكم جزاء نسيانكم وترككم، أي: يجعلكم كالمنسي عن رحمته وفضله لا يكترث ولا يعبأ بكم؛ كما جعلتم أنتم آياته وحججه وما دعاكم إليه كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.

والرابع: وتضييعكم، ويجوز تسمية الجزاء باسم أصله وأوله، وإن لم يكن الثاني في الحقيقة سيئة ولا اعتداء؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وتعتقدون المذهب للخلود والأبد؛ لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب ويختاره للأبد؛ فعلى ذلك جعل تعذيبهم في النار للأبد، وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين، فإنما يرتكب عند شدة الحاجة وغلبة الشهوة في وقت ارتكابه لا للأبد؛ لذلك افترقا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال المشركون المكذبون بالبعث: إذا متنا ومتنا في الأرض، وصارت أجسامنا ترابًا، فهل نُبْعث أحياء من جديد؟!

لا يعقل ذلك، بل هم في واقع أمرهم كافرون بالبعث لا يؤمنون به.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ke3N2"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله