تفسير الآية ١ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١ من سورة سبأ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 26 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهي مكية يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة; لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة ، المالك لجميع ذلك ، الحاكم في جميع ذلك ، كما قال : ( وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) [ القصص : 70 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) أي : الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه ، كما قال : ( وإن لنا للآخرة والأولى ) [ الليل : 13 ] .

ثم قال : ( وله الحمد في الآخرة ) ، فهو المعبود أبدا ، المحمود على طول المدى .

وقال : ( وهو الحكيم ) أي : في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ، ( الخبير ) الذي لا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عنه شيء .

وقال مالك عن الزهري : خبير بخلقه ، حكيم بأمره; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يقول تعالى ذكره: الشكر الكامل والحمد التام كله للمعبود الذي هو مالك جميع ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع دون كل ما يعبدونه، ودون كل شيء سواه لا مالك لشيء من ذلك غيره، فالمعنى الذي هو مالك جميعه (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ) يقول: وله الشكر الكامل في الآخرة كالذي هو له ذلك في الدنيا العاجلة؛ لأن منه النعم كلها على كل من في السماوات والأرض في الدنيا، ومنه يكون ذلك في الآخرة فالحمد لله خالصا دون ما سواه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة لأن النعم كلها من قبله لا يشركه فيها أحد من دونه وهو الحكيم في تدبيره خلقه وصرفه إياهم في تقديره، خبير بهم وبما يصلحهم، وبما عملوا وما هم عاملون، محيط بجميع ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) حكيم في أمره، خبير بخلقه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيمسورة سبأمكية في قول الجميع ، إلا آية واحدة اختلف فيها ، وهي قوله تعالى : ويرى الذين أوتوا العلم الآية .

فقالت فرقة : هي مكية ، والمراد المؤمنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; قاله ابن عباس .

وقالت فرقة : هي مدنية ، والمراد بالمؤمنين من أسلم بالمدينة ; كعبد الله بن سلام وغيره ; قاله مقاتل .

وقال قتادة : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم المؤمنون به كائنا من كان .

وهي أربع وخمسون آية .قوله تعالى : الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير .قوله تعالى : الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض الذي في موضع خفض على النعت أو البدل .

ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني .

وحكى سيبويه ( الحمد لله أهل الحمد ) بالرفع والنصب والخفض .

والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله ; إذ النعم كلها منه .

وقد مضى الكلام فيه في أول الفاتحة .

وله الحمد في الآخرة قيل : هو قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده .

وقيل : هو قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا ، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى .

وهو الحكيم في فعله .

الخبير بأمر خلقه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحمد: الثناء بالصفات الحميدة, والأفعال الحسنة, فللّه تعالى الحمد, لأن جميع صفاته, يحمد عليها, لكونها صفات كمال, وأفعاله, يحمد عليها, لأنها دائرة بين الفضل الذي يحمد عليه ويشكر, والعدل الذي يحمد عليه ويعترف بحكمته فيه.وحمد نفسه هنا, على أن { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } ملكا وعبيدا, يتصرف فيهم بحمده.

{ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ } لأن في الآخرة, يظهر من حمده, والثناء عليه, ما لا يكون في الدنيا، فإذا قضى اللّه تعالى بين الخلائق كلهم, ورأى الناس والخلق كلهم, ما حكم به, وكمال عدله وقسطه, وحكمته فيه, حمدوه كلهم على ذلك، حتى أهل العقاب ما دخلوا النار, إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده, وأن هذا من جراء أعمالهم, وأنه عادل في حكمه بعقابهم.وأما ظهور حمده في دار النعيم والثواب, فذلك شيء قد تواردت به الأخبار, وتوافق عليه الدليل السمعي والعقلي، فإنهم في الجنة, يرون من توالي نعم اللّه, وإدرار خيره, وكثرة بركاته, وسعة عطاياه, التي لم يبق في قلوب أهل الجنة أمنية, ولا إرادة, إلا وقد أعطي فوق ما تمنى وأراد، بل يعطون من الخير ما لم تتعلق به أمانيهم, ولم يخطر بقلوبهم.فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال, مع أن في الجنة تضمحل العوارض والقواطع, التي تقطع عن معرفة اللّه ومحبته والثناء عليه, ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيم, وألذ عليهم من كل لذة، ولهذا إذا رأوا اللّه تعالى, وسمعوا كلامه عند خطابه لهم, أذهلهم ذلك عن كل نعيم, ويكون الذكر لهم في الجنة, كالنَّفس, متواصلا في جميع الأوقات، هذا إذا أضفت ذلك إلى أنه يظهر لأهل الجنة في الجنة كل وقت من عظمة ربهم, وجلاله, وجماله, وسعة كماله, ما يوجب لهم كمال الحمد, والثناء عليه.{ وَهُوَ الْحَكِيمُ } في ملكه وتدبيره, الحكيم في أمره ونهيه.

{ الْخَبِيرُ } المطلع على سرائر الأمور وخفاياها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) ملكا وخلقا ( وله الحمد في الآخرة ) كما هو له في الدنيا ، لأن النعم في الدارين كلها منه .

وقيل : الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى : " وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " ( فاطر - 34 ) ، و " الحمد لله الذي صدقنا وعده " ( الزمر - 74 ) .

( وهو الحكيم الخبير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الحمد لله» حمد تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد وهو الوصف بالجميل لله تعالى «الذي له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا «وله الحمد في الآخرة» كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة «وهو الحكيم» في فعله «الخبير» في خلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، الذي له ملك ما في السموات وما في الأرض، وله الثناء التام في الآخرة، وهو الحكيم في فعله، الخبير بشؤون خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة ( سبأ ) بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين ، وهى أن المستحق للحمد المطلق ، والثناء الكامل ، هو الله رب العالمين .والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصدر عن اختيار من نعمة أو غيرها .و ( أل ) فى الحمد للاستغراق ، بمعنى أن المستحق لجيمع المحامد ، ولكافة ألوان الثناء ، هو الله - تعالى - .وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة عليه وحده - سبحانه - ، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء ، فهو صادر عنه ، ومرجعه إليه ، إذ هو الخالق لكل شئ ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم ، هو فى الحقيقة حمد له - لأنه - سحبانه - هو الذى وفقهم لذلك ، وأعانهم عليه .وقد اختار - سبحانه - افتتاح هذه السورة بصفة الحمد ، دون المدح أو الشكر ، لأنه وسط بينهما ، إذ المدح أعم من الحمد ، لأن المدح يكون للعاقبل وغيره ، فقد يمدح الإِنسان لعقله ، وتمدح اللؤلؤة لجماها ، أما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر عنه من إحسان .والحمد أخص من الشكر ، لأن الشكر من أجل نعمه وصلت إليك أما الحمد فيكون من أجل نعمة وصلت إليك أو إلى غيرك .وفى القرآن الكريم خمس سور اشتركت فى الافتتاح بقوله - تعالى - : ( الحمد للَّهِ .

.

) وهى سورة الفاتحة ، والأنعام ، وسبأ وفاطر .ولكن لكل سورة من هذه السور ، منهج خاص فى بيان أسباب الحمد لله - تعالى - وحده .وقد أحسن القرطبى - رحمه الله - عندما قال : فإن قيل : قد افتتح غيرها أى : سورة الأنعام - بالحمد لله ، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟

فالجواب أن لكل واحد منه معنى فى موضعه ، لا يؤدى عن غيره ، من أجل عقده بالنعم المختلفة ، و - أيضا - فلما فيه من الحجة فى هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون .والمعنى : الحمد الكامل الشامل لله - تعالى - وحده ، لأنه هو ، الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض ، خلقا وملكا وتصرفا ، بحيث لا يخرج شئ فيهما عن إرادته ومشيئته .وقوله : وله الحمد فى الآخرة ، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا ، بل يشمل الدنيا والآخرة .فالمؤمنون فى الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان ، ويحمدونه فى الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض ، ويقولون : ( الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ) قال صاحب الكشاف : ولما قال - سبحانه - : الحمد لله ، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية ، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا ، تقول : احمد أخاك الذى كساك وحملك ، تريد : احمده على كسوته وحملانه .ولما قال : ( وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ) علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب .وقال الآلوسى : والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل ، أن الأول على نهج العبادة ، والثانى على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد فى الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس .وقال الجمل : فإن قلت : الحمد مدح للنفس ، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق ، فما وجه ذلك؟فالجواب : ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق ، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله ، على افعال العباد .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَهُوَ الحكيم الخبير ) أى : وهو - تعالى - الذى أحكم أمور الدارين ، ودبرها بحكمته ، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم ، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

السور المفتتحة بالحمد خمس سور سورتان منها في النصف الأول وهما الأنعام والكهف وسورتان في الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة والخامسة وهي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولاً برحمته وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم فلنا حالتان الابتداء والإعادة وفي كل حالة له تعالى علينا نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ويدل عليه قوله تعالى فيه: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ  ﴾ إشارة إلى الإيجاد الأول وقال في السورة الثانية وهي الكهف ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا  قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا  ﴾ إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع ينقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ولو وقعت المنازعات في المشتبهات وأدى إلى التقاتل والتفاني، ثم قال في هذه السورة ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي الأخرة ﴾ وقال في الملائكة: ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ إشارة إلى نعمة الإبقاء ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلى يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين كما قال تعالى: ﴿ وتتلقاهم الملئكة  ﴾ وقال تعالى عنهم: ﴿ سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين  ﴾ وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ إشارة إلى النعمة العاجلة وقوله: ﴿ مالك يَوْمِ الدين  ﴾ إشارة إلى النعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام، ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: الحمد شكر والشكر على النعمة والله تعالى جعل ما في السموات وما في الأرض لنفسه بقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يبين أنه لنا حتى يجب الشكر نقول جواباً عنه الحمد يفارق الشكر في معنى وهو أن الحمد أعم فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم على الحامد أصلاً، فإن الإنسان يحسن منه أن يقول في حق عالم لم يجتمع به أصلاً أنه عالم عامل بارع كامل فيقال له إنه يحمد فلاناً ولا يقال إنه يشكره إلا إذا ذكر نعمه أو ذكره على نعمه فالله تعالى محمود في الأزل لاتصافه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال ومشكور ولا يزال على ما أبدى من الكرم وأسدى من النعم فلا يلزم ذكر النعمة للحمد بل يكفي ذكر العظمة وفي كونه مالك ما في السموات وما في الأرض عظمة كاملة فله الحمد على أنا نقول قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يوجب شكراً أتم مما يوجبه قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض  ﴾ وذلك لأن ما في السموات والأرض إذا كان لله ونحن المنتفعون به لا هو، يوجب ذلك شكراً لا يوجبه كون ذلك لنا.

المسألة الثانية: قد ذكرتم أن الحمد هاهنا إشارة إلى النعمة التي في الآخرة، فلم ذكر الله السموات والأرض؟

فنقول نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض، ثم قال: ﴿ وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ﴾ ليقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها وفناء العاجلة ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ الحكيم الخبير ﴾ إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء بالحكمة والخير، والحكمة صفة ثابتة لله لا يمكن زوالها فيمكن منه إيجاد أمثال هذه مرة أخرى في الآخرة.

المسألة الثالثة: الحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن من يعلم أمراً ولم يأت بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، فالفاعل الذي فعله على وفق العلم هو الحكيم، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها فقوله: (حَكِيمٌ) أي في الابتداء يخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء يعلم ماذا يصدر من المخلوق وما لا يصدر إلى ماذا يكون مصير كل أحد فهو حكيم في الابتداء خبير في الانتهاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وفي التَّحْرِيرِ هي مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ  ﴾ ورَوى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكَةَ المُرادِيِّ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ  فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أُقاتِلُ مَن أدْبَرَ مِن قَوْمِي،» الحَدِيثَ، وفِيهِ وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما سَبَأٌ؟

الحَدِيثَ، قالَ اِبْنُ الحَصّارِ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ مُهاجَرَةَ فَرْوَةَ بَعْدَ إسْلامِ ثَقِيفٍ سَنَةَ تِسْعٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وأُنْزِلَ حِكايَةً عَمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ قَبْلَ هِجْرَتِهِ فَلا يَأْبى كَوْنَها مَكِّيَّةً.

وآياتُها خَمْسٌ وخَمْسُونَ في الشّامِيِّ وأرْبَعٌ وخَمْسُونَ في الباقِينَ، وما قِيلَ خَمْسٌ وأرْبَعُونَ سَهْوٌ مِن قَلَمِ النّاسِخِ، ووَجْهُ اِتِّصالِها بِما قَبْلَها أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اللَّهِ تَعالى في مُفْتَتَحِها مِمّا يُناسِبُ الحِكَمَ الَّتِي في مُخْتَتَمِ ما قَبْلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ  ﴾ الخ.

وأيْضًا قَدْ أُشِيرَ فِيما تَقَدَّمَ إلى سُؤالِ الكُفّارِ عَنِ السّاعَةِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ وهاهُنا قَدْ حُكِيَ عَنْهم إنْكارُها صَرِيحًا والطَّعْنُ بِمَن يَقُولُ بِالمَعادِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وذُكِرَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ما لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ، وفي البَحْرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ لَمّا سَمِعُوا ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ﴾ كَأنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ ويَتَخَوَّفُنا بِالبَعْثِ، واَللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا ولا نُبْعَثُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ، ومِن هَذا ظَهَرَتِ المُناسِبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ واَلَّتِي قَبْلَها، اِنْتَهى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا بِالإيجادِ والإعْدامِ والإحْياءِ والإماتَةِ جَمِيعَ ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهُ هَذا العالَمُ بِالأسْرِ، ووَصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ عَلى ما قالَهُ أبُو السُّعُودِ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحَمْدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الحَقِيقَةِ عِنْدَ أرْبابِ التَّحْقِيقِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ اِخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِ المَخْلُوقاتِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ بِبَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى واسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَوْنُ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى لَيْسَ لَها في حَدِّ ذاتِها اِسْتِحْقاقُ الوُجُودِ فَضْلًا عَمّا عَداهُ مِن صِفاتِها بَلْ كُلُّ ذَلِكَ نِعَمٌ فائِضَةٌ عَلَيْها مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَما هَذا شَأْنُهُ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ اِسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الَّذِي مَدارُهُ الجَمِيلُ الصّادِرُ عَنِ القادِرِ بِالِاخْتِيارِ فَظَهَرَ اِخْتِصاصُ جَمِيعِ أفْرادِهِ بِهِ تَعالى، وفي الوَصْفِ بِما ذُكِرَ أيْضًا إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا حَيْثُ عَقَّبَ الحَمْدَ بِما تَضَمَّنَ جَمِيعَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَيَكُونُ الكَلامُ نَظِيرَ قَوْلِكَ: اِحْمَدْ أخاكَ الَّذِي حَمَلَكَ وكَساكَ، فَإنَّكَ تُرِيدُ بِهِ اِحْمَدْهُ عَلى حُمْلانِهِ وكُسْوَتِهِ.

وفِي عَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ ﴾ عَلى الصِّلَةِ كَما هو الظّاهِرُ إيذانٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ لِيَتَلاءَمَ الكَلامُ، وفي تَقْيِيدِ الحَمْدُ فِيهِ بِأنَّ مَحَلَّهُ الآخِرَةُ إيذانٌ بِأنَّ مَحَلَّ الحَمْدِ الأوَّلِ الدُّنْيا لِذَلِكَ أيْضًا فَتُفِيدُ الجُمْلَتانِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا فِيها، وأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى المَحْمُودُ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ وأصْلُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ إلخ في الدُّنْيا ولَهُ ما في الآخِرَةِ والحَمْدُ فِيها، فَأُثْبِتَ في كُلٍّ مِنهُما ما حُذِفَ مِنَ الآخَرِ، وقالَ أبُو السُّعُودِ: إنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ لِاخْتِصاصِ الحَمْدِ الأُخْرَوِيِّ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اِخْتِصاصِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ ( في الآخِرَةِ ) مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الحَمْدِ أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَهُ) مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وإطْلاقُهُ عَنْ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالمَحْمُودِ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ عَنِ التَّعْيِينِ كَما اِكْتَفى فِيما سَبَقَ بِذِكْرِ كَوْنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا عَنْ ذِكْرِ كَوْنِ الحَمْدِ فِيها أيْضًا بَلْ لِيَعُمَّ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ  ﴾ وما يَكُونُ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِها مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ أيْ لِما جَزاؤُهُ هَذا النَّعِيمُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ إلى الذِّهْنِ هو ما قُرِّرَ أوَّلًا، والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ مَعَ كَوْنِ نِعَمِ الدُّنْيا ونِعَمِ الآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ أنَّ الأوَّلَ عَلى نَهْجِ العِبادَةِ والثّانِي عَلى وجْهِ التَّلَذُّذِ والِاغْتِباطِ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ الأوَّلَ واجِبٌ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ مُتَفَضَّلٍ بِها، والثّانِي لَيْسَ بِواجِبٍ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الإيصالِ إلى مُسْتَحِقِّها - مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ المُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الإيصالِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهم لِأنَّ ما يُعْطِي اللَّهُ تَعالى العِبادَ في الآخِرَةِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى الجَزاءِ عِنْدَهم بَلْ بَعْضُ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ وبَعْضُهُ أجْرٌ.

وتَقْدِيمُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِتَأْكِيدِ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ عَلى ما هو الشّائِعُ اِعْتِناءً بِشَأْنِ نِعَمِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: لِلِاخْتِصاصِ لِأنَّ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ قَدْ تَكُونُ بِواسِطَةِ مَن يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأجْلِها ولا كَذَلِكَ نِعَمُ الآخِرَةِ، وكَأنَّهُ أرادَ لِتَأْكِيدِ الِاخْتِصاصِ أوْ بَنى الأمْرَ عَلى أنَّ الِاخْتِصاصَ المُسْتَفادَ مِنَ اللّامِ بِمَعْنى المُلابَسَةِ التّامَّةِ لا الحَصْرِ كَما فَصَّلَهُ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ، وأمّا أنَّهُ أرادَ لِاخْتِصاصِ الِاخْتِصاصِ فَكَما تَرى، ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ: ولا كَذَلِكَ نِعَمُ الآخِرَةِ ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا  ﴾ فَتَأمَّلْ.

﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أمْرَ الدّارَيْنِ ودَبَّرَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ العالِمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ ومَكْنُوناتِها، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ عِلْمُهُ تَعالى بِغَيْرِها، وعَمَّمَ بَعْضُهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، وما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ مِن أنَّ الخِبْرَةَ تَخْتَصُّ بِالبَواطِنِ لِأنَّها مِن خَبَرَ الأرْضَ إذا شَقَّها، وفي هَذِهِ الفاصِلَةِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى كَما يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُنْعِمٌ يَسْتَحِقُّهُ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَنعُوتٌ بِالكَمالِ الِاخْتِيارِيِّ، وتَكْمِيلُ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى مُنْعِمًا أيْضًا بِأنَّهُ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ وعَنْ عِلْمٍ بِمَوْضِعِ الِاسْتِحْقاقِ والِاسْتِيجابِ لا كَمَن يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُنْعِمٌ مَجازًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتحت السورة ب ﴿ الحمد لله ﴾ للتنبيه على أن السورة تتضمن من دلائل تفرده بالإِلهية واتصافه بصفات العظمة ما يقتضي إنشاء الحمد له والإِخبار باختصاصه به.

فجملة ﴿ الحمد لله ﴾ هنا يجوز كونها إخباراً بأن جنس الحمد مستحَق لله تعالى فتكون الّلام في قوله: ﴿ لله ﴾ لام الملك.

ويجوز أن تكون إنشاء ثناء على الله على وَجه تعليم الناس أن يخصوه بالحمد فتكون اللام للتبيين لأن معنى الكلام: أحمد الله.

وقد تقدم الكلام على ﴿ الحمد لله ﴾ في سورة الفاتحة (2)، وتقدم الكلام على تعقيبه باسم الموصول في أول سورة الأنعام وأول سورة الكهف.

وهذه إحدى سور خمس مفتتحة ب ﴿ الحمد لله ﴾ وهنّ كلها مكية وقد وضعت في ترتيب القرآن في أوله ووسطه، والربع الأخير، فكانت أرباع القرآن مفتتحة بالحمد لله كان ذلك بتوفيق من الله أو توقيف.

واقتضاء صلة الموصول أن ما في السماوات والأرض ملك لله تعالى يجعل هذه الصلة صالحة لتكون علة لإِنشاء الثناء عليه لأن مِلكه لما في السماوات وما في الأرض ملك حقيقي لأن سببه إيجادُ تلك المملوكات وذلك الإِيجادُ عمل جميل يستحق صاحبه الحمد، وأيضاً هو يتضمن نعماً جمة.

وهي أيضاً تقتضي حمد المنعِم، لأن الحمد يكون للفضائل وللفواضِل؛ فما في السموات فإن منه مهابط أنوار حقيقية ومعنوية، فيها هدى حسِّي ونفساني، وإليه معارجَ للنفوس في مراتب الكمالات التي بها استقامة السِيَر، وإزالةُ الغِيَر، ونزول الغيوث بالمطر.

وما في الأرض منه مسارح أنظار المتفكرين، ومنابت أرزاق المرتزقين، وميادين نفوس السائرين.

وفي هذه الصلة تعريض بكفران المشركين الذين حمدوا أشياء ليس لها في هذه العوالم أدنى تأثير ولا لَها بما تحتوي عليه أدنى شعور، ونَسُوا حمد مالكها وسائر ما في السماوات والأرض.

وجملة ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ عطف على الصلة، أي والذي له الحمد في الآخرة، وهذا إنباء بأنه مالكُ الأمر كله في الآخرة.

وفي هذا التحميد براعة استهلال الغرض من السورة.

وتقديم المجرور لإِفادة الحصر، أي لا حمد في الآخرة إلا له، فلا تتوجه النفوس إلى حمد غيره لأن الناس يومئذٍ في عالم الحق فلا تلتبس عليهم الصور.

واعلم أن جملة: ﴿ الحمد لله ﴾ وإن اقتضت قصر الحمد عليه تعالى قصراً مجازياً للمبالغة كما تقدم في سورة الفاتحة بناء على أن حمد غير الله للاعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه، فلما شاع ذلك في جملة ﴿ الحمد لله ﴾ وأريد إفادة أن الحمد لله مقصور عليه تعالى في الآخرة حقيقة غيرت صيغة الحمد المألوفة إلى صيغة ﴿ له الحمد ﴾ لهذا الاعتبار، وهذا نظير معنى قوله تعالى: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ [غافر: 16]، فالمعنى: أن قصر الحمد عليه في الآخرة أحق لأن التصرفات يومئذٍ مقصورة عليه لا يلتبس فيها تصرفُ غيرهِ بتصرفه.

ولما نيط حمده في الدنيا والآخرة بما اقتضى مرجعَ التصرفات إليه في الدارين أعقب ذلك بصفتي ﴿ الحكيم الخبير ﴾ ، لأن الذي أوجد أحوال النشأتين هو العظيم الحكمة الخبير بدقائق الأشياء وأسرارها.

فالحكمة: إتقان التصرف بالإِيجاد وضده، والخبرة تقتضي العلم بأوائل الأمور وعواقبها.

والقرن بين الصفتين هنا لأن كل واحدة تدلّ على معنى أصلي ومعنى لزومي، وهما مختلفان، فالمعنى الأصلي للحكيم أنه متقن التصرف والصنع لأن الحكيم مشتق من الإِحكام وهو الإِتقان، وهو يستلزم العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والخبير هو العليم بدقائق الأشياء وظواهرها بالأولى بحيث لا يفوته شيء منها، وهو يستلزم التمكن من تصريفها، ففي التتميم بهذين الوصفين إيماء إلى أن المقصود من الجملة قبله استحماق الذين أقبلوا في شؤونهم على آلهة باطلة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: له كل ذلك خلقًا وملكًا.

﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد حيث لا يحمد أحد (١) (٢) ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ قال ابن عباس: حكيم في خلقه أن يميتهم ثم يحييهم، الخبير لمن أطاعه ومن عصاه (٣) وقال قتادة: حكيم في أمره خبير بخلقه (٤) (١) في (أ): (أحدًا)، وهو خطأ؛ لأنه نائب فاعل.

ولم أقف على القول منسوبًا لابن عباس.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 96 ب.

(٣) لم أقف عليه.

وهكذا جاء في النسخ!

ولعل الصواب: الخبير لمن أطاعه؛ لأنه يتعدى بالباء.

(٤) ذكره الماوردي 4/ 432 غيرمنسوب لأحد، والمؤلف في "الوسيط" 3/ 486.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَهُ الحمد فِي الآخرة ﴾ يحتمل أن يكون الحمد الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، وعلى هذا حمله الزمخشري، ويحتمل عندي أن يكون الحمد الأول للعموم والاستغراق، فجمع الحمد في الدنيا والآخرة، ثم جرد منه الحمد في الآخرة كقوله: ﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68] ثم أن الحمد في الآخرة يحتمل أن يريد به الجنس أو يريد به قوله: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ [يونس: 10] أو ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ [الزمر: 74].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الحمد لله الذي له كل ما في السماوات وكل ما في الأرض، خلقًا وملكًا وتدبيرًا، وله سبحانه الثناء في الآخرة، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير بأحوال عباد، لا يخفى عليه منها شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.j1OW9"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر