تأويلات أهل السنة سورة سبأ

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة سبأ

تفسيرُ سورةِ سبأ كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 84 دقيقة قراءة

تفسير سورة سبأ كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ١ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ٢

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: حمد نفسه بما صنع إلى خلقه.

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على التعليم لخلقه: الحمد له، والثناء عليه؛ لآلائه وإحسانه إلى خلقه: ما لولا تعليمه إياهم الحمد له والثناء عليه لم يعرفوا ذلك.

والثاني: حمد نفسه؛ لما لم ير في وسع الخلق القيام بغاية الحمد له والثناء عليه على آلائه وأياديه، فتولى ذلك بنفسه، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ ؛ فقالوا: قد عرفنا السلام عليك؛ فكيف الصلاة عليك؟

فقال: "أن تقولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد..." آلى آخره؛ فهذا تفويض الصلاة إلى الله والدعاء له أن يصلي هو عليه دونهم؛ فهو - والله أعلم - كأنه لم ير فيهم وسع القيام بحقيقة الصلاة عليه، ولا بغاية الثناء؛ فأمرهم أن يفوضوا ذلك إليه؛ ليكون هو القاضي لذلك عنهم؛ فعلى ذلك الحمد لله.

وأصل الحمد له: هو الثناء عليه بجميع محامده وإحسانه بأسمائه الحسنى، والشكر له على جميع نعمائه وآلائه.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه قال - والله أعلم -: الحمد لله له ملك السماوات والأرض، وهو المستحق لذلك، لا الأصنام التي عبدتموها وسميتموها: آلهة.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: يحمد أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؛ كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ  ﴾ ، ونحوه، يحمده أولياؤه في الآخرة؛ ويحمده أولياؤه في الأولى؛ كقوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: له الحمد في إنشاء الآخرة؛ لأن إنشاء الدنيا وما فيها إنما كان حكمة بإنشاء الآخرة، ولو لم يكن إنشاء الآخرة لكان خلق ذلك كله عبثاً باطلا؛ فأنشأ الآخرة حتى صار إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق حكمة؛ فأخبر أن له الحمد على إنشاء ما صار له إنشاء الدنيا حكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ .

قد تقدم معنى الحكيم والخبير في غير موضع، وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، وهو الواضع كل شيء موضعه.

والفلاسفة يقولون: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً، وهو ما ذكرنا.

أو الحكيم؛ لما أحكم كل شيء وأتقنه، حتى شهد على وحدانيته، ودلّ على إلهيته.

وقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ .

يخبر أن الأرض مع كثافتها وغلظها لا تحجب عنه ما يدخل فيها وما يخرج منها، وكذلك السماء مع صلابتها وشدّتها لا تحجب عنه شيئا كما يحجب عن الخلائق.

أو يخبر أن كثرة ما يدخل في الأرض ويخرج منها وازدحامه، وكثرة ما ينزل من السماء من الأمطار وما يعرج إليه من الدعوات والملائكة - لا يشغله عن العلم بالآخر، كما يشغل الخلائق؛ لأنه عالم بذاته لا بسبب، والخلق عالمون بأسباب؛ فعلمهم بسبب يشغلهم عن الأسباب الأخر؛ فأما الله -  - يتعالى عن أن يشغله شيء، أو يحجب عنه شيء، ﴿ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَآ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍۢ مُّبِينٍۢ ٣ لِّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٤ وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌۭ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌۭ ٥ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٦ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ٧ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ ٨ أَفَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّكُلِّ عَبْدٍۢ مُّنِيبٍۢ ٩

قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت؛ فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

وجائز أن يكون على غير هذا، وهو ما قال في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ هم أقسموا بالله: إنه لا يبعث من يموت؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي أقسموا هم: إنه يبعث، وهو قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، وكأن قسمه بما أقسم عندهم أصدق من قسمهم؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذباً قط، ولا اتهموه في شيء؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم؛ حيث قال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ أخبر أنهم لا يكذبونك في مقالتك؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها؛ فيكون قسمه مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم رسول الله بما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، بالخفض، وقد قرئ ﴿ عالم الغيب ﴾ : بالرفع، و ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ : فمن خفضه، جعله صفة ونعتاً لما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ .

ومن رفعه، يجعله على الابتداء، ويجعل الكلام تامّاً بقوله: ﴿ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ .

قد قرئ برفع الزاي، وبخفضها: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، وكلاهما لغتان، والعازب في كلام العرب: الغائب.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، أي: لا يبعد، وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ ﴾ .

وقال في الأولى ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ : جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها المختلفة؛ لأنه أخبر عن علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يصعد فيها وما ينزل، وذلك علم جواهر الأشياء.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: في الأفعال والأعمال، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء من أفعالهم وأعمالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ ألا ترى أنه ذكر على أثر ذلك الجزاء؛ حيث قال: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

أو أن يكونا واحداً، إلا أنه ذكر في الآية الأولى الداخل في الأرض والخارج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ولم يذكر في ذلك الساكن فيهما والمقيم وما يكون فيهما؛ فذكر ذلك في قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يخبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها: من الساكنة، والمقيمة، والمتحركة، والمنقلبة فيهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .

المغفرة: هي التغطية والستر، ثم يكون الستر بوجهين: أحدهما: يستر على أعين الزلات أنفسها ألا تذكر.

والثاني: يستر بالجزاء الحسن إذا لم يجز للزلات، هذا للمؤمنين: يستر عليهم الزلات مرة بترك ذكرها، ومرة بترك الجزاء عليها.

وأما الكافر فإنه إذا جزي على سيئة فقد أُظْهِرَ وفَشَا، ولم يستر عليه.

أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ ، أي: ستر وهو أنه إذا أدخلهم الجنة، أنساهم زلاتهم؛ حتى لا يذكروا أبدا؛ لأن ذكر زلاتهم لربهم ينغص عليهم لذاتهم وتنعمهم.

وقوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قيل: الكريم: الحسن.

وجائز أن يكون سماه: كريماً؛ لأن من ناله كرم وشرف، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .

يحتمل حقيقة سعيهم في آياته بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ  ﴾ : ذكر مرورهم عليها والإعراض عنها؛ فهو سعي.

وجائز على التمثيل، أي: يعملون عمل من أعجز الآيات؛ للجحود لها والتمرد والعناد، والمعجز: هو السابق، ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: سابقين فائتين، أي: لا تعجزونني، ولا تفوتون عني.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ .

الرجز: العذاب الأليم، أي: مؤلم، وذلك جائز في اللغة.

وقال أبو عوسجة: المعاجز: الهارب؛ يهرب؛ لكي يعجز.

وقوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ﴾ .

قال بعضهم: الذين أوتوا العلم هم المؤمنون: مؤمنو أهل الكتاب الذين أوتوا العلم على التوراة والإنجيل وغيرهما؛ يقول - والله أعلم - يعلم الذين أوتوا منافع تلك الكتب أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق، بأجمعهم جميعاً الذين أوتوا العلم بتلك الكتب؛ لما يجدون نعته وصفته فيها، يعلمون أنه هو الحق من ربّك، لكن بعضهم عاندوا ولم يؤمنوا به، وبعضهم قد آمنوا به.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ : هم أصحاب محمد - صلوت الله عليه - أي: الذين أوتوا منافع ما أنزل إليك، هم يعلمون أنه هو الحق من ربك، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا يعلم ذلك.

وفي حرف ابن مسعود ﴿ ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل الذي أنزل إليك من ربّك هو الحق ﴾ ، يعني: القرآن.

وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: يدعو، ويحتمل ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ ، أي: يبين لهم ﴿ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ .

كان بعضهم يقول لبعض: ﴿ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

قوله: ﴿ إِذَا مُزِّقْتُمْ ﴾ يحتمل أن قالوا: النبي؛ يقول: إذا تفرقت جوارحكم وأعضاؤكم تكونوا خلقاً جديداً، فإن كان على هذا فهو - والله أعلم - كان من أهل الدهر ذلك القول؛ لأنهم يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بفنائه؛ لأن أهل مكة كانوا فريقين: فرقة تذهب مذهب أهل الدهر، وفرقة يقولون بحدث العالم، ويقرون بفنائه، لكنهم ينكرون إحياءه بعد الفناء، فإن كان ذلك من هؤلاء؛ فيكون قوله: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ ، أي: إذا ذهبت أجسادكم، وفنيت اللحوم والعظام، وكنتم رماداً ورفاتا ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أي: تكونون خلقا جديدا، يخرج ذلك منهم على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم وعقولهم، أي: لا يكون ذلك.

أو على التعجب: أن كيف يكون ذلك؟!

فقال عند ذلك: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ : يقولون: أفترى محمد على الله كذبا أم به جنون؟

إذ لم نسمع ذلك من أحد من قبل، ولا رأينا ذلك أنه كان ما ذكر، فرد الله ذلك عليهم وقال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: بالبعث والإحياء بعد الموت - هم المفترون على الله، هم ﴿ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ ﴾ .

جزاء قولهم: أم به جنون؟

يقول: بل هم في ضلال بعيد، الضلال البعيد: كأنه هو الذي لا يرجع إلى الهدى أبداً؛ فتكون الآية في قوم: علم الله أنهم يختمون على الضلال، ولا يؤمنون أبداً؛ فيكون في ذلك دلالة إثبات الرسالة.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : قد ذكرنا قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ؛ ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ  ﴾ ، ونحوه أنه يخرج على وجهين: أحدهما: قد رأوا على الخبر.

والثاني: على الأمر: أن انظروا ﴿ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ثم يقول بعضهم لبعض: حيثما قدم الإنسان رأى بين يديه من السماء مثل السماء [التي] يرى خلفه، وكذلك الأرض.

وقتادة يقول: لينظروا كيف أحاطت بهم السماء والأرض، وهما واحد.

﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، كما خسفنا بمن كان قبلهم، ﴿ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أي: عذاباً من السماء؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد، يذكر هذا على أثر قولهم: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ لعرفوا أنه رسول الله، وأنه صادق، وأن ما يقول: إنه بعث بعد الموت، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون، ولكن عن علم وعقل ومعرفة؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها وغلظها وشدتها، وكذلك الأرض، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف؛ وإسقاط السماء على من يشاء أن يسقط.

أو يقول: لو نظروا، لعرفوا أنه لم ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثاً باطلا؛ ولكن أنشأهما على الحكمة، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء بعد الموت ومصيرهم إليه، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة، والله أعلم ما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ .

المنيب، قيل: هو المطيع لله، وقيل: هو المقبل على أمر الله.

والمنيب كأنه هو المؤمن؛ لأنه هو المصدق بالآيات، فإذا كان المؤمن هو المصدق بالآيات، فيكون هو المنتفع بها، فيكون الآية [له].

وأما المكذب بها فلا ينتفع بها؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضْلًۭا ۖ يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُۥ وَٱلطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ١٠ أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍۢ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١١ وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ۖ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢ يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ وَجِفَانٍۢ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ١٣ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُۥ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ١٤

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ .

أي: علما، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ فَضْلاً ﴾ ، أي: نبوة.

وقال بعضهم: الفضل: هو الملك الذي آتاه الله.

وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير الجبال والطير والتسبيح معه، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء؛ حتى اتخذ منه ما شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو تكلفنا عدّه وإحصاءه ما قدرنا عليه.

وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ .

قيل: سبحي معه.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرَ ﴾ .

من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير.

ومن رفعها جعله على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه.

ثم اختلف في تسبيج الجبال والطير.

قال بعضهم: تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق؛ لما جعل في خلقة كل شيء الشهادة له بالوحدانية والألوهية، لكن ذكر هاهنا: أن سبحى معه، ولو كان تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان معه داود أو لم يكن؛ ولكن جائز أن يجعل الله -  - في سرّية الجبال من التسبيح ما يفهم منها داود، ولم يفهم غيره؛ على ما ذكرنا في قول النملة لسائر النمل؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]: جعل الله -  - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان؛ ففهم منها ذلك، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود؛ فعلى ذلك تسبيح الجبال والطير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ .

جعل له آية لنبوته؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه؛ حتى كان يعمل منه ما شاء، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا بالنار وأسباب أخر؛ ليكون له في ذلك آية.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، وقلنا له: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

قال بعضهم: السابغات: هي الدروع.

وقال بعضهم: هي الواسعات.

وقيل: هي الطوال.

فكأنه أمر أن يتخذ من الدروع ما يأخذ من الرأس إلى القدم ما يصلح لحرب العدوّ.

وقوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ .

قال بعضهم: كانت الدروع قبل ذلك صفائح مضروبة، فسرد نبي الله حلقها بعضها في بعض، والسرد: المسامير والحلق، يقول: قدر المسامير في الحلق: لا بدق المسامير وتوسع الحلق؛ فتسلسل، ولا تضيق الحلق وتعظم المسامير فتقصم وتكسر؛ ولكن مستوياً لتكون أحكم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ ، أي: في النسج، أي: لا تجعل المسامير دقاقاً؛ فتقلق، ولا غلاظاً؛ فتكسر الحلق؛ ومنه قيل لصانع الدروع: سرّاد، وزرّاد؛ كما يقال: صراط وسراط وزراط.

والسرد: الحرز أيضاً، وقال غيره: السرد: الخروق في طبق الحلق، وإدخال الحلق بعضها في بعض.

وقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، فيما ذكر من عمل الدروع، ويحتمل في غيره من الأعمال، ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، هو على الوعيد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ كأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح؛ كما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ، أي: تجري به الريح في غدوها مسيرة شهر، وفي رواحها مسيرة شهر، وذلك آية له، فمثلها من الآية كان لرسول الله، حيث أسري في ليلة واحدة مسيرة شهرين من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وما كان لسليمان من الملك بالأعوان من الجن والإنس كان لرسول الله  بنفسه؛ حيث قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، [فإن لم يكن] أعظم مما كان لسليمان فلا يكون دونه.

وما كان لأبيه داود من إلانة الحديد له بلا سبب وما ذكر - كان لمحمد انشقاق القمر له، وذلك أعظم في الآية مما ذكر.

وما كان لموسى من انفجار العيون من الحجر، كان لمحمد من أصابعه، حتى ذكر أنهم كانوا ألفا وأربعمائة نفر شربوا جميعاً منه ورووا؛ فذلك وإن لم يكن أعظم في الآية لا يكون دونه.

وما كان لعيسى من إحياء الله الموتى وإجرائه على يديه، كان لمحمد مقابل ذلك كلام الشاة المصلية المسمومة التي أخبرته: إني مسمومة؛ فلا تتناول مني؛ لما أراد التناول منها، فآياته كثيرة حتى لم تذكر لأحد من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - آية إلا ويمكن أن يذكر لمحمد جميعاً مقابل ذلك مثلها أو أعظم منها.

ثم يحتمل ذكر ملك سليمان وأبيه؛ لئلا يحسدوا محمداً - صلوات الله عليه - على ما أعطاه الله له من الملك والشرف؛ ليعرفوا أنه ليس هو المخصوص بالملك والشرف، ولكن له في ذلك شركاء وإخوان أعطاهم الله مثل ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ .

قيل: النحاس، وقيل: الصفر، قيل: أسيل له يعمل به ما أحبّ، كما ألين لأبيه الحديد؛ فيعمل به ما أحبّ من الدروع وغيرها بلا سبب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: بأمر ربه، أي: سخر الله الجن له، وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم فيما أحبّ، شاءوا أو كرهوا، يخرج قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التسخير له؛ فيكون الإذن كناية عن التسخير.

والثاني: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: بأمر ربه، أي: أمرهم ربهم أن يطيعوه في جميع ما يأمر وينهى.

وقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ، أي: عصاه فيما أمره ربه، ﴿ نُذِقْهُ ﴾ ، ما ذكر.

يحتمل إضافة أمره إلى نفسه؛ لما بأمره ما يستعملهم فيما يستعملهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ ﴾ .

قال بعضهم: المحاريب هي المساجد.

وقال بعضهم: هي القصور.

والمحاريب هي أشرف المواضع، ذكرت كناية عن غيرها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَمَاثِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: هي التماثيل كهيئة تماثيل الرجال، يصوّرون في المساجد تماثيل الرجال العبّاد الزهاد، والملائكة، والنبيين، والرجال المتواضعين؛ لكي إذا رآهم الناس مصوراً عبدوا عبادتهم، وتشبهوا بهم.

أو أن تكون تماثيل لا رأس لها، نحو: الأواني والكيزان ونحوها.

أو أن يكون التماثيل يومئذ غير منهي العمل بها، فأما اليوم فقد نهوا عن العمل بها؛ مخافة أن يدعو ذلك إلى عبادة غير الله؛ وكذلك غرّ إبليس قوماً حتى عبدوا الأصنام؛ وإلا ليس من الأصنام ولا فيها ما يغتر به المرء على عبادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: قصاع كالجواب، كهيئة حياض الإبل؛ حتى يجلس على القصعة الواحدة ألف وزيادة يأكلون منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ ، أي: كالجوبة من الأرض التي تحفر للماء؛ يصف عظم ذلك؛ ففيه أنهم كانوا يجتمعون في الأكل لا ينفردون به.

وقوله: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ .

أي: كانوا يتخذون له قدوراً عظاماً في الجبال التي لا تحرك من مكان، ﴿ رَّاسِيَاتٍ ﴾ ، أي: ثابتات كما ذكر، والجبال الرواسي، أي: الثوابت.

وقال بعضهم: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ : هي القدور العظام التي أفرغت إفراغاً وأكفيت - لعظمها - إكفاء، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: اعملوا لآل داود شكراً؛ لأنه ذكر أنه ليس من زمان في ليل ونهار إلا ويكون من آل داود صائم بالنهار ومصلٍّ بالليل، أو كلام نحوه؛ فأمروا بالشكر لهم.

وقال بعضهم: كأنه قال: اعملوا يا آل داود شكراً، لما أعطيتكم من الملك والفضل.

﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ﴾ .

أي: قليل من عبادي المؤمنين، والشكور كناية عن المؤمن؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، أي: لكل مؤمن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ ، أي: أذبنا له عين النحاس، والشكور هو الفعول، والفعول والفعال هما اللذان يكثران الفعل؛ فكأن الشكور هو الذي يعتقد الشكر لربه، ويشكر مع الاعتقاد؛ فيكون منه الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ .

دل هذا على أن موته كان بحضرة أهله وبمشهد منهم؛ حيث ذكر، ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ثم يذكر بعض أهل التأويل أنه سأل ربّه أن يعمّى على الجن موته؛ حتى يعلم الإنس ﴿ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ ﴾ - أعني: الجن - ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

وبعضهم يقول: سأل ربه أن يعمي على الجن موته؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس، فدأبوا حولا يعملون، فلما فرغوا من بنائه خر سليمان ميتا من عصاه، وكان متكئاً عليها.

وبعضهم يقول: لما حضره الموت - وكان على فراشه في البيت - لم يكن على عصاه؛ فقال: لا تخبروا الجن بموتي؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس - وكان بقي عمل سنة - ففعلوا، فلما فرغوا من بنائه - خرّ؛ فعند ذلك علمت الجن بموته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

في حرف ابن مسعود: ﴿ فلما قضينا عليه الموت، وهم يدأبون له حولا ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الإنس على أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدّعون علم الغيب فابتلوا بذلك.

ودل قوله: ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ على أنهم كانوا لا يدنون منه لأحد وجهين: إما لهيبته وسلطانه على الناس؛ فإن كان ذلك أطاع له كل شيء وخضعوا له: من الجن والطير والوحش وغير ذلك.

أو لما كان يكثر العبادة لله والخضوع له يتوحد ويتفرد بنفسه، لم يجترئوا أن يدنوا منه؛ وإلا لو دنوا منه لرأوا فيه آثار الموتى، اللهم إلا أن يكون ما ذكر بعضهم أنه قال لأهله: لا تخبروا أحداً بموتي، وأمرهم أن يكتموا موته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ، قيل: المنسأة: العصا، سمي: منسأة من المنسأ؛ لأنه كان بها يؤخر ما أراد تأخيره، وبها يدفع ما أراد دفعه.

ثم في إمساكه العصا أحد وجهين: لما لضعفة في نفسه؛ كان يتقوى بها في أمور ربه، أو يمسكها؛ لخضوعه لربه وطاعته له.

وفيه دلالة: أن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يشغلهم الملك وفضل الدنيا، ولا الحاجة ولا الفقر عن القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة إلى الناس، وهما شاغلان لغيرهم، وهم كانوا فريقين: [فريق] قد وسع عليهم الدنيا نحو سليمان وإبراهيم وغيرهما، وفريق قد اشتدت بهم الحاجة والفقر، وكلاهما مانعان شاغلان عن القيام بأمور الله وتبليغ الرسالة؛ ليعلم أنهم لم يأخذوا من الدنيا ما أخذوا - للدنيا،.

ولكن أخذوا للخلق، ولله قاموا فيما قاموا لذلك، لم يشغلهم ذلك عن القيام بما ذكرنا، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ أنه كان يأمرهم ويستعملهم في أمور شاقة وأعمال صعبة؛ حيث ذكر لبثهم في ذلك لبثا في العذاب المهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ ١٥ فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍۢ وَأَثْلٍۢ وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ ١٦ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِمَا كَفَرُوا۟ ۖ وَهَلْ نُجَـٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ ١٧ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا قُرًۭى ظَـٰهِرَةًۭ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ۖ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨ فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ ١٩ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٠ وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّۢ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ ٢١

قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ﴾ .

يحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم: الجنتين اللتين ذكرهما: إحداهما عن اليمين، والأخرى عن الشمال، ويكون لهم فيها عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم عليهما؛ والحمد له، والثناء عليه في تلك النعم.

أو يذكرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته؛ فيحملهم ذلك على الخوف في العواقب، والعقاب على خلافه، ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا.

أو أن يكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل سعة وخصب، وكل ألوان الفواكه والجواهر، على غير مؤنة تلحقهم؛ لأنه قال في غير آي من القرآن: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ فأخبر هاهنا لهم أن لهم في تبديل جنتيهم جنتين آية لو اعتبروا واتعظوا؛ فلا يقع لهم الحاجة إلى النظر في آثار من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم أكثر؛ لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم، ثم غير ذلك وبدّل عليهم، وما تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم؛ لأن أصلهم قد هلكوا، وهذا على المشاهدة والمعاينة.

وقوله: ﴿ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ .

قيل: عن يمين الوادي وشماله، ويحتمل: عن يمين الطريق وشماله؛ فتكون عن يمينهم وشمالهم.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ .

كأنه قالت لهم الرسل: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ ؛ إذ ذكر أنه بعث فيهم كذا كذا رسولا.

ثم وصف بلدة سبأ أنها طيبة؛ حيث قال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ : يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها.

وقوله: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: إن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم وأنعم عليكم رب غفور لذنوبكم.

أو يقال: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم إذا صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه.

ذكر أن المرأة منهم كانت تحمل المكتل على رأسها، والمغزل بيدها، فتدخل البستان؛ فتمتلئ مكتلها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمس شيئاً بيدها؛ لكثرة ريعها ونزلها، والله أعلم.

ثم ذكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانت لهم، وبم كان التبديل؟

وهو ما قال: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ﴾ .

قال بعضهم: كان أهل سبأ إذا مطروا يأتيهم السيل من مسيرة شهر أياماً كثيرة، فعمدوا فسدّوا العرم، وهو الوادي ما بين الجنتين، بالصخرة والقبو، وجعلوا عليه الأبواب، فلما عصوا ربهم، فأعرضوا عنه، وكفروا نعمه؛ فسلط الله عليهم - على ذلك السدّ الذي بنوا الفأرة؛ فنقبت الردم، فغشي الماء أرضهم؛ فعقر أشجارهم، وأباد أنعامهم، ودفن محاريثهم، وذهب بجناتهم.

ومنهم من يقول: ﴿ ٱلْعَرِمِ ﴾ : وهو المسنَّاة، واحدها: عرمة، فذهب السيل الذي أرسل عليهم بالمسناة؛ فيبست جناتهم، وأبدل لهم مكان الثمار والأعناب ما ذكر من الخمط والأثل والسدر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ .

الأكل القليل هو الثمر، والخمط: الأراك.

وقال بعضهم: شجر العضاة، وهي شجر ذات شوك، والأثل، قيل: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر هو معروف عندهم.

وقال أبو عوسجة قريباً من ذلك، قال: الأكل: الحمل، والخمط عندي: السدر وحمله، [و] قال: الخمط: الريح الطيبة، وتقول: هذا شجر له خمطة، أي: ريح طيبة، والخمط: أن تأخذ شيئاً من هنا وثمة، وتخلطه، والأثل: شجر أيضاً لا حمل فيه.

والزجاج يقول: الأثل هو الثمرة التي فيها المرارة تذهب تلك المرارة بطعمها، أو كلام نحوه.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ ﴾ .

أخبر أنه جزاهم بما كفروا نعمه، ولم يشكروا ربهم عليها.

وقوله: ﴿ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ ﴾ ، لله في نعمه.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ .

قيل: متواصلة بعضها ببعض من أرضهم إلى الشام، على كل ميل قرية وسوق وكل شيء فيها.

﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ من الجوع والعطش والسباع وكل ما يخاف منه.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من القرى الظاهرة كان لهم مع الجنان التي ذكرنا بدءاً؛ فيكون هذا موصولا بالأول؛ فلما لم يشكروا ربهم في ذلك كله - أبدل لهم الكل بما ذكر.

وجائز أن يكون لا على الصلة بالأول؛ ولكن على ما ذكر بعض أهل التأويل: أنه لما غيّر عليهم ذلك وأبدل - ضاق بهم الأمر؛ فمشوا إلى رسلهم، فقالوا: ادعوا ربكم فليردّ علينا ما ذهب عنا، ونعطيكم ميثاقا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، فدعوه، فردّ الله عليهم، وجعل لهم ما ذكر من قرى ظاهرة؛ فذكّرهم الرسل [ما] وعدوا ربهم؛ فأبوا؛ فغيّر ذلك.

وسبأ: "ذكر أن رجلا سأل رسول الله  فقال: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ أجبل هو أم أرض؟

قال: فقال: له: لم يكن جبلا ولا أرضاً، ولكن كان رجلا من العرب ولد عشر قبائل: فأمّا ست فتيامنوا وأما أربع فتشاءموا" وقال بعضهم: كان سبأ رجلا اسمه: سبأ، وسبأ هم الذين ذكرهم الله في سورة النمل.

وقال بعضهم: هو اسم قرية.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ - دلالة خلق الأفعال؛ لأنه أخبر أنه جعل بينهم وبين القرى المباركة قرى ظاهرة، والقرى: ما اتخذها أهلها، ثم أخبر أنه جعل ذلك، والجعل منه خلق؛ دل أنه خلق أفعال العباد، وأخبر - أيضاً - أنه قدر السير فيها، والسير هو فعل العباد، والتقدير هو الخلق أيضاً؛ دل أنه خلق سيرهم، وخلق اتخاذهم القرى، وذلك على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد.

وقوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: قرى متواصلة بعضها ببعض، يسيرون من قرية إلى قرية، وينزلون فيها من غير أن تقع لهم الحاجة أو يلحقهم مؤنة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ نعمها بينة.

وقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، أي: قدرنا فيها السير؛ لتسيروا فيها.

أو على الأمر، أي: قدرنا فيها السير، وقلنا لهم: سيروا فيما أنعم الله عليكم، وتقلبوا فيها ليالي وأياماً آمنين من الجوع والعدو وكل آفة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ أي: جعلنا ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً.

وقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ .

فيه لغات من خمسة أوجه: أحدها: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ .

و[الثاني]: ﴿ بَعِّدْ ﴾ ، كلاهما على الدعاء والسؤال.

والثالث و[الرابع]: ﴿ بَعُدَ ﴾ و ﴿ بَعَّدَ ﴾ .

قال أبو معاذ: ولولا تغيير الكتابة لكان يجوز "بُوعِدَ".

ومن قرأه ﴿ ربنا بَاعَدَ ﴾ على الخبر، وكذلك ﴿ بَعَّدَ ﴾ ، ومن قرأه ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ يخرج على الشكاية عما بعد من أسفارهم.

فأمّا على السؤال والدعاء فهو - والله أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما أنعم الله عليهم؛ ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا  ﴾ ، وما ذكروا، فعلى ذلك هؤلاء.

ومن قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ على الشكاية - شكا إلى ربّه لما ذهب عنهم السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة.

وأمّا قوله: ﴿ بَاعَد ﴾ على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: [فيهم] من سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله.

وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما يشبه ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .

أي: أهلكناهم كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم.

وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.

﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ .

أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبراً وعظات لكل مؤمن.

أو آيات لكل صبار على طاعة الله وأمره، شكور لنعمه.

أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم الله.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في الاعتقاد له.

والثاني: في المعاملة.

يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه، والمعاملة: أن يصبر على ذلك، ويشكر له في نعمه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ .

اختلف في ظنه: قال بعضهم: ظن بهم ظنا، فوافق ظنه فيهم حين قال: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ من عصمت مني، وما قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً  وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، فقد صدق ما ظن فيهم.

وقال بعضهم: ﴿ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ ، وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، وخلق آدم من طين، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب الطين؛ فمن ثمة صدق ظنه؛ فقال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ .

يقول الله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ .

ثم استثنى عباده المخلصين فقال: ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يعني: عباده المخلصين؛ فإنهم لم يتبعوه، الذين قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ  ﴾ .

وقال قائلون: ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، الذين هم [مؤمنون] في الحقيقة، فأمّا من كان عندكم من المؤمنين في الظاهر فقد اتبعوه؛ لأنه لا كل مؤمن عندنا هو في الحقيقة مؤمن.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ فيما دعاهم إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ .

قال الحسن: والله ما ضربهم بالسيف، ولا طعنهم بالرمح، ولا أكرههم، على شيء، وما كان منه إلا غرور أو أمانيُّ ووسوسة دعاهم إليها، فأجابوه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ ، أي: حجة، ليس له حجة عليهم، أي: لم يمكن من الحجة؛ ولكن إنما مكن لهم الوساوس والتمويهات، ثم جعل الله للمؤمنين مقابل ذلك حججا يدفعون بها شبهه وتمويهاته.

وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: ليعلم كائنا ما قد علمه غائبا عنهم.

والثالث: يكني بالعلم [عن] معلومه، أي: ليكون المعلوم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ أي: الموقن به، وذلك كثير في القرآن.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ﴾ .

من الإيمان والشرك وغيره من الأعمال، حفيظ عالم به.

<div class="verse-tafsir"

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍۢ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍۢ ٢٢ وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ٢٣ ۞ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٢٤ قُل لَّا تُسْـَٔلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٢٥ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ٢٦ قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِۦ شُرَكَآءَ ۖ كَلَّا ۚ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٢٧

قوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

أنهم آلهة: الملائكة والأصنام ومن عبدوهم من دونه: هل يملكون لكم شيئاً من دفع ضر أو جرّ نفع؟!

فيقول: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر؛ فكيف تسمونها: آلهة.

أو أن يقول: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أنها آلهة؛ فليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع وغيره؛ كقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ  ﴾ ؛ فالجواب لذلك أن يقولوا: لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر؛ فكيف يذكرون ما ذكر؟!

يذكر - والله أعلم - سفههم وفرطهم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتسميتهم إياها آلهة.

﴿ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا ﴾ .

يعني: في خلق السماوات والأرض، وحفظهما، من تعبدون من دونه.

﴿ مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ ﴾ .

أي: من عون في ذلك؛ فكيف سميتموها: آلهة وشركاء في العبادة.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لا يملك أحد الشفاعة إلا لمن أذن الله بالشفاعة له، فهو لم يأذن بالشفاعة لأحد من الكفرة؛ فذكر هذا - والله أعلم -: لقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ولقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

أو يذكر أن من ترجون منهم الشفاعة بالمحل الذي ذكرهم من الخوف والفزع؛ فكيف ترجون شفاعتهم؟!

كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ  ﴾ .

أو لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا أكبر؛ فكيف يملكون الشفاعة لكم؟!

أو نحوه من الكلام، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .

ليس لهذا الحرف في ذا الموضع صلة يوصل بها، ولا تقدم بعطف عليه، وعلى الابتداء: لا يستقيم؛ فبعض أهل التأويل يقول: كان بين عيسى ومحمد فترة زمان طويل لا يجري فيها الرسل، فلما بعث الله محمدا، وكلم جبريل بالرسالة إلى محمد، سمع الملائكة ذلك؛ فظنوا أنها الساعة قامت؛ فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل جعل كلما يمرّ بهم جلّى عنهم وكشف؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ ، أي: الوحي.

وقال بعضهم: كان الوحي إذا نزل من السماء نزل كأنه سلسلة على صخرة، قال: فيفزع الملائكة بذلك؛ فيخرون سجداً، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قال: إذا انجلى عن قلوبهم ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قيل: جلّى وكشف الغطاء.

قال الكسائي: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ ﴾ مشتقة من الفزع؛ كما تقول: هيبه عن قلبه وفرقه وفزع كله واحد.

ومن قرأ: ﴿ فُرِّغَ ﴾ ، بالراء: أخرج وترك فارغا من الخوف والشغل، وهي قراءة ابن مسعود.

قال بعضهم - في قوله: ﴿ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ يقول: يخبرون بالأمر الذي جاءوا به، ولا يقولون إلا الحق، لا يزيدون ولا ينقصون.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: لا يملكون إنشاء ذرة في السماوات والأرض، ﴿ وَمَا لَهُمْ ﴾ في إنشائها ﴿ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ ﴾ في إنشاء ذلك من عون؛ فكيف تعبدونهم وتسمونهم آلهة؟!.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ﴾ .

ذلك الفزع منهم وذلك القول منهم في القيامة؛ فزعوا لقيامها، وقد قرئ ﴿ حتى إذا فَزَّعَ ﴾ ، بنصب الفاء، أي: حتى إذا فزع الله، أي: كشف الله عن قلوبهم الفزع، وجلا ذلك عنهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

هذا في الظاهر وإن كان استفهاماً فهو على التقرير والإيجاب؛ لأنا قد ذكرنا: أن كل استفهام كان من الله، فهو على التقرير والإيجاب.

ثم لو كان ذلك ممن يكون منه الاستفهام، لكان جواب قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقولون: الله يرزقنا؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...

 ﴾ ، ثم قال في آخره: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فيقول لهم: فإذا علمتم أن الله هو رازقكم، فكيف صرفتم عبادتكم عنه إلى من تعلمون أنه لا يملك شيئاً من رزقكم؟!

كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ  ﴾ ؛ إنه لا يملك [غيره] شيئاً من رزقكم.

ذكر في حرف ابن مسعود: ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض قالوا الله قال إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ .

وقال بعضهم في قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ من المطر ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ النبات؟

فإن أجابوك، فقالوا: الله، وإلا فقل: الله يفعل ذلك بكم؛ فكيف تعبدون غيره.

﴿ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى ﴾ .

يقول ذلك رسول الله لأهل مكة: إنا لعلى هدى أو إنكم لعلى هدى، وإنا أو إياكم لفي ضلال مبين.

وقال بعضهم: معناه: وإنا على هدى وإنكم لفي ضلال مبين، ولكن ليس هذا في ظاهر هذا الكلام.

وجائز أن يكون هذا على تعريض الشتم لهم بالضلال، والكناية لذلك كما يقول الرجل لآخر في حديث أو خبر يجري بينهما: إن أحدنا لكاذب في ذلك، أي: أنت كاذب في ذلك، لكنه تعريض منه بذلك ليس بتصريح.

وقال قتادة: هذا قول محمد وأصحابه لأهل الشرك: والله ما نحن وأنتم على أمر واحد، والله إن أحد الفريقين لمهتد، والفريق الآخر في ضلال مبين، فأنتم تعلمون أنا على هدى؛ لما أقمنا من الدلائل والحجج والبراهين على ذلك، وأنتم لا.

وقال بعضهم: قال ذلك؛ لأن كفار مكة قالوا للنبي وأصحابه: تعالوا ننظر في معايشنا: من أفضل دينا: أنحن أم أنتم؟

فعلى ذلك يكون في الآخرة؛ فردّ الله ذلك عليهم في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...

﴾ الآية [الجاثية: 21].

وقوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قال ذلك؛ لأنهم كانوا يعيرون رسول الله ويوبخونه في طعنه الأصنام التي عبدوها، وذكره إياها بالسوء، وما يدعون عليه من الافتراء بأنه رسول الله، فيقول لهم: ﴿ لاَّ تُسْأَلُونَ ﴾ أنتم ﴿ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ نحن، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وهو كقوله في سورة هود: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ .

أو أن يكون قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ، أي: عما دنَّا من الدين.

أو عما عملنا من الأعمال، ﴿ وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أنتم عما تدينون من الدين؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  ﴾ ، وإنما يقال هذا بعد ظهور العناد والمكابرة، فأمّا عند الابتداء فلا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - صلة ما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، وصلة قوله: ﴿ قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ﴾ ؛ كأنهم قالوا لرسول الله وأصحابه: إنا لعلى هدى، وأنتم على ضلال مبين؛ فقال عند ذلك جواباً لهم: ﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ﴾ أي: يجمع بيننا، ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ ﴾ ، أي: يقضي بيننا بالحق: من منّا على الهدى؟

ومن منا على الضلال نحن أو أنتم؟

﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: وهو الحاكم العليم: ما ظهر وما بطن حقيقة، والمفاتحة هي المحاكمة، يقال: هلم حتى نفاتحك إلى فلان، أي: نحاكمك، وذلك جائز في اللغة.

ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يكشف كل خفي منا وكل ستير وباطن؛ فيجعله ظاهر بيننا؛ ليظهر الذي من هو على الحق من الباطل؟

والهدى من الضلال؟

﴿ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، أي: الكاشف المظهر العليم، يعلم الظاهر والباطن جميعاً، والإعلان والإسرار جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في تسميتكم الأصنام: آلهة.

أو أروني الذين ألحقتم به شركاء في العبادة.

وجائز أن يكون قال ذلك للذين عبدوا الملائكة وأشركوا فيها؛ كأن فيه إضمارا، يقول: أروني الذين ألحقتم به شركاء: هل خلقوا شيئاً؟

أم هل رزقوا؟

أم هل أحيوا؟

أم هل أماتوا؟

فإذا عرفتم أنهم لم يخلقوا، ولم يرزقوا، ولا يقدرون ذلك، وعلمتم أن الله هو خالق ذلك كله، وهو الرزاق؛ فكيف أشركتم من لا يملك ذلك في ألوهيته؟

﴿ كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ ﴾ .

منهم من يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّاً على قولهم: شركاء، أي: ليسوا بشركائي؛ بل هو المتفرد الواحد الحكيم.

ومنهم من يقول: هو ردّ على قوله: هل خلقوا شيئاً؟

أم هل رزقوا شيئاً؟!

يقول: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، أي: لم يخلقوا ولم يرزقوا؛ بل هو الله المتفرد بذلك، والله الموفق.

قال أبو عوسجة: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : ذهب.

وقال القتبي: ﴿ فُزِّعَ ﴾ : خفف.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٢٨ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٩ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍۢ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةًۭ وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ٣٠ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلَا بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لَوْلَآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ٣١ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوٓا۟ أَنَحْنُ صَدَدْنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ٣٢ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلْأَغْلَـٰلَ فِىٓ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٣٣

قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ ، يا محمد، ﴿ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً ﴾ ، بالجنة لمن اتبعه، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ بالنار لمن خالفه وعصاه.

وقوله: ﴿ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، قال بعضهم، أي: ما أرسلناك إلا جامعاً للناس إلى الهدى داعياً إليه.

ومنهم [من] يقول: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، أي: ما أرسلناك إلا إلى الناس جميعاً إلى العرب والعجم، وإلى إلإنس والجن، ليس كسائر الأنبياء؛ إنما أرسلوا إلى قوم دون قوم، وإلى بلدة دون بلدة.

وكذلك روي عن نبي الله  أنه قال: "أعطيت أربعاً لم يعطهن نبي قبلي: أحدها (ما ذكرنا): بعثت إلى الناس جميعاً عامة: إلى الأحمر والأسود، والعرب والعجم، والثاني: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، وأرعب لنا عدوّنا مسيرة شهرين، وأحلت لي الغنائم" وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لا يصدّقون، ويحتمل لا يعلمون، أي: لا ينتفعون بما يعلمون، ولا يعملون.

أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا إلى الحجج والآيات [التي] قد مكن لهم: لو نظروا علموا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

هذا القول منهم إنما يقولون على الاستهزاء والسخرية، ليس على الاسترشاد على أنه لا يكون ذلك، وأنه كذب؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ : أخبر أن أولئك يستعجلون بها؛ لتركهم الإيمان بها استهزاء منه، والذين آمنوا خائفون منها؛ لإيمانهم بها أنها كائنة لا محالة، لكن الله -  - لم يجبهم بما يجاب المستهزئ؛ ولكن أجابهم بما يجاب المسترشد؛ بلطفه وكرمه وجوده حيث قال: ﴿ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ ﴾ .

أي: لكم ميعاد [اليوم] الذي وعدكم محمد أنه كائن لا محالة، وهو يوم ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مسئول إذا كان سائله سؤال استهزاء أن يجيبه جواب ما يجاب المسترشد، لا ما يجاب المستهزئ، ولا يدع علمه وحكمته لسفه السفيه، ولا لهزأ الهازئ، ولكنه يحفظ حكمته وعلمه وعقله، ولا يشتغل بجواب مثله، وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

فإن كان على طلب التأخير وطلب التقديم، ففيه تعيير وتوبيخ لهم؛ كأنه يقول: ليس لكم من الخطر والقدر والمنزلة ما يؤخر لكم ما تستأخرون أو يقدم لكم ما تستقدمون.

وإن كان على تحقيق ترك التأخير وترك التقديم، كأنه يقول: ميعادكم يوم لا تملكون تأخيره إذا جاء، ولا تقديمه عن وقته ولا رفعه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

كأن هذا القول منهم - والله أعلم - خرج عن مخاصمة وقعت بينهم وبين المؤمنين في شأن القرآن أو في شأن محمد؛ فتحاكموا إلى [أهل] الكتاب على اتفاق منهم على ما في كتبهم، فلما خرج ذلك على موافقة قول المؤمنين، ومخالفة قول أولئك - قالوا عند ذلك: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، وإلا على الابتداء من غير تنازع وخصومة كان بينهم في ذلك مستقيم.

ويذكر بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: أن رهطا بعثهم قريش إلى المدينة إلى رؤساء اليهود؛ يسألونهم عن محمد وبعثه؛ فأخبروهم أنه كائن وأنه مبعوث، فلما رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم قد عرفوه، وهو عندهم في التوراة والإنجيل - فعند ذلك قالوا ما قالوا ثم كأنه اشتد ذلك على رسول الله  وثقل عليه؛ فقال له على التعزية والتصبير على ذلك: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

أي: محبوسون عند ربهم، أي: على محاسبة ما كان منهم من العناد والمكابرة والتكذيب، أي: لو رأيتهم ما فيهم من الذل والهوان والخضوع لرحمتهم ولأخذتك الرأفة لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

أي: يلوم بعضهم بعضا؛ فيقولون ما ذكر.

﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ ﴾ ، أي: السفلة والأتباع، ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ ، أي: القادة منهم والرؤساء، ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ ﴾ فيما صرفتمونا عن دين الله وصددتمونا عنه، ﴿ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ به تابعين له؛ لأنهم كانوا يصدرون لآرائهم ويقبلون قولهم؛ لما هم كانوا أهل شرف ومعرفة، والسفلة لا، فيقولون: لولا أنتم لكنا نتبع رأي أنفسنا، فنؤمن به، لكن قلتم لنا: إنه كذب، وإنه افتراء، وإنه سحر؛ فنحن صدقناكم في ذلك.

﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ ﴾ هو على التقدير: أي: لم نصدّكم، وإن كان ظاهره استفهاماً، ولكن أنتم بأنفسكم تركتم اتباعه؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يقولون للأتباع: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\] أخبروا أنه بشر مثلهم، ثم أخبروهم: أنكم إذا أطعتم بشراً مثلكم إذاً تكونوا خاسرين، ونحن بشر، فكيف اتبعتمونا وأطعتمونا؟.

﴿ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ .

في اتباعكم بما اتبعتموه.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: لولا تلبيسكم علينا وتمويهكم أن الرسل كذبة، وأنهم سحرة فيما يقولون ويدعون، وأنهم يفترون على الله - وإلا لكنا مؤمنين.

والثاني: لولا منعكم إيانا عن النظر والتفكر في أمورهم، والتأمل في الحجج والآيات لكنا مؤمنين؛ هذا قول الأتباع للرؤساء.

ثم أجاب لهم الرؤساء فقالوا: ﴿ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ ، يقولون - والله أعلم -: إن صددناكم ومنعناكم عن اتباعهم ظاهراً وعلانية؛ فمتى منعناكم سرّاً من غير أن نطلع ونعلم نحن بذلك.

أو ما ذكرنا من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 34\]، وقد عرفتم أنا بشر مثلكم فأطعتمونا وتركتم طاعة الرسل؛ لأنهم بشر؛ فأجاب لهم الأتباع فقالوا: ﴿ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ ، بل يمكركم إيانا، وقولكم في الليل والنهار: إنهم كذبة سحرة، وخداعكم إيانا، وإنهم بشر مثلكم؛ تركنا اتباعهم؛ ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً ﴾ .

أو يقولون: بل مكركم في الليل والنهار ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: من تخويفكم إيانا وتهييبكم لنا من الأخذ على البغتة والغفلة - تركنا اتباعهم في السر إذا ظهر وبلغكم الخبر به.

هذه مناظرات أهل الكفر فيما بينهم يومئذ، وردّ بعضهم على بعض، ولعن بعضهم على بعض؛ يذكرها في الدنيا، ليلزمهم الحجة، وألا يقولوا يومئذ: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

فإن قيل: إنهم كانوا لا يؤمنون بهذا القرآن ولا بالبعث؛ فكيف يلزمهم ذلك، وهم لا يستمعون له؟!.

قيل: إنهم قد مكنوا من الاستمتاع والنظر فيه؛ فيلزمهم الحجة، وإن لم يستمعوا له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

قال بعضهم: أسروا الرؤساء الندامة؛ بصرف الأتباع وصرف أنفسهم عن دين الله واتباع الرسل لما رأوا العذاب.

وقيل: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ : الأتباع والرؤساء جميعاً.

وقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ ، قال [بعضهم]: من الإسرار والإخفاء، أخفى بعضهم من بعض.

وقال بعضهم: أخفى الكفرة الندامة عن المؤمنين.

وقال القتبي: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ ، أي: أظهروا، وهو من الأضداد، يقال: أسررت الشيء: أخفيته وأظهرته.

وأما غيره من أهل التأويل فإنهم قالوا: هو من الإخفاء.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

الأغلال: جماعة الغل: وهو ما يجعل في اليد، ثم يشد اليد إلى العنق.

﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: لا يجزون إلا جزاء عملهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ٣٤ وَقَالُوا۟ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَٰلًۭا وَأَوْلَـٰدًۭا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٦ وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ٣٨ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥ ۚ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩

قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: المترف: المتكبر.

وقال آخرون: المترف هو الذي يجمع أصناف المال مع العناد والتكبر.

وقال بعضهم: المترفون هم الرؤساء منهم.

وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح له في الدين، ولا شك أن هؤلاء المترفين إنما قالوا لما قالوا وفعلوا ما فعلوا؛ لسعتهم وبسطهم في المال؛ فلو لم يكن ذلك لهم - ما فعلوا ذلك، دل أن المنع لهم عن ذلك أصلح لهم من البسط، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ ﴾ ، المترف ما ذكر.

[و]قال بعضهم: المتكبر المتجبر.

وقال بعضهم: المترف: الذي يجمع مع الكبر والعناد الأموال.

وقال بعضهم: ﴿ مُتْرَفُوهَآ ﴾ : أغنياؤها، وكله واحد، وهم رؤساؤها.

وفيه ردّ قول المعتزلة في الأصلح، على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ .

يخرج قولهم ذلك لوجهين: أحدهما: قالوا ذلك: إنا إذا أوتينا في الدنيا الأموال والأولاد؛ فلا يعذبنا في الآخرة على ما تزعمون.

أو أن يقولوا ذلك: إنك لو كنت بعثت رسولا على ما تزعم، فنحن أولى بالرسالة منك؛ لأنا أكثر أموالا وأولاداً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .

هذا أيضاً ينقض على المعتزلة ومن يقول بأن الله لا يبسط على أحد الرزق؛ إذا لم يكن في البسط إصلاح له وخير، وكذلك لا يقتر على أحد ذلك إذا لم يكن في التقتير خير له.

وعندنا: يبسط الرزق لمن يشاء وإن لم يكن خيراً له، وكذلك يقتر على من يشاء، وإن كان شرّاً له؛ على ما نطق ظاهر الآية، ليس عليه حفظ الأصلح لهم ولا الخير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما تركوا النظر والتفكر، في أسباب العلم ليعلموا؛ فلا يعذرون لما مكن لهم العلم به.

وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ قالوا ذلك؛ لما لم يروا في الحكمة أن يحسن أحد إلى عدوه، والسعة هي من الفضل والإحسان، ثم رأوا لأنفسهم ذلك، ظنوا أنهم أولياء الله، وأن الرسل حيث ضيقت عليهم الدنيا إنما ضيقت عليهم الدنيا؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله؛ لذلك قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .

وهذا القول منهم لإنكارهم البعث: فإن كانوا مقرين به، لكانوا لا يقولون ذلك، ويعلمون أن السعة في الدنيا والضيق فيها بحق الامتحان، وأما إذا كان بعث ودار أخرى للجزاء - ففي الحكمة أن يجزى الولي جزاء الولاية، والمسيء من العدو جزاء الإساءة والعداوة.

وأما الدار التي هي دار امتحان وابتلاء فيجوز ذلك بحق الامتحان في الحكمة؛ وكذلك خرج على الجواب لهم؛ حيث قال: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ، أي: يبسط الرزق لا لفضل وقدر له ونعمة عنده، ويقتر على من يشاء لا لعداوة وجناية كانت منه إليه بحق الامتحان؛ ألا ترى أنه قد وسع على بعض المؤمنين، وضيق على بعض أولئك؛ فظهر أن التوسيع لأهل السعة ليس لفضل لهم وقدر، أو نعمة كانت لهم عنده حتى يكون ذلك منه مكافأة لذلك، وكذلك التضييق لأهل التضييق: لم يكن لخيانة أو إساءة كانت منهم إليه لما ذكر؛ ولكن لما ذكرنا؛ ألا ترى أنهم إذا رأوا أنه وسع على بعض وقتر على بعض - هلا علموا أنه يملك أن يوسع على من قتر عليه، ويقتر على من وسع عليه، فيكون في ذلك لهم ترغيب في التوحيد واختيار له، وتحذير عن الكفر وعمّا هم فيه؛ إذ يملك التقتير على من وسع عليه والتوسيع على من قتر عليه؛ فيبطل هذا كله قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً...

﴾ الآية، ويبين أن التقتير والتوسيع ليس لفضل ولا لقدر ولا لنعمة ولا لخيانة ولا لذنب؛ ولكن للامتحان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾ .

ولكن ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

أي: ذلك الذي يقرب عندنا زلفى من أتى به، سواء كان له مال وولد أو لم يكن.

﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ .

من الناس من احتج بتفضيل الغناء على الفقر بهذه الآية، يقول: أخبر أن لهم جزاء الضعف إذا آمنوا وعملوا الصالحات بالأموال التي أعطاهم، وأما الفقير فليس له ذلك؛ إذ ليس له عنده ما يضاعف له، أو كلام يشبه هذا.

وأما عندنا: أن قوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ لهم جزاء الضعف للصالحات والحسنات التي عملوها؛ لأن الله وعد أن يجزي لكل من عمل بحسنة أو صالحة - عشر أمثالها، وذلك جزاء الضعف له، وذلك للغني والفقير جميعاً.

وذكرنا في غير موضع أن التكلم في فضل الغناء على الفقر والفقر على الغناء كلام لا معنى له؛ لأنهما شيئان لا صنع لأحد في ذلك يمتحنان في تلك الأحوال: أحدهما بالشكر، والآخر بالصبر؛ فمن وفي بما امتحن هو في تلك الحال، فهو أفضل ممن لم يَفِ بذلك، وبه يستوجب الفضل إن استوجب، فأمّا بنفس تلك الحال فلا، لكن من يفضل الغناء على الفقر يذهب إلى أن الله -  - سمى الضيق: بلاء وشرّاً في غير موضع من القرآن، وسمى السعة: خيراً ونعمة وحسنة في غير موضع، ولا شك أن الخير والحسنة أفضل وأحمد من الشرّ والسيئة؛ فلو لم يكن هذا شرّاً وسيئة في الحقيقة - لم يسمه بذلك، و[لو لم يكن] هذا خيرا - لم يسمه.

ومن يقول بتفضيل الفقر يذهب إلى أن الغني إذا أعطى وبذل إنما استوجب ذلك الفضل؛ لما يفقر نفسه ويحوج، وأصله ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ .

من صاحبه النعمة، ويحزنه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .

أي: يسعون في آياتنا سعي من يكون معاجزا، لا سعي من لا يكون، وهو ما قال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، أي: يعملون عمل من يحسب أنه يسبق، لا عمل من لا يسبق، وهو كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ لا أحد يقصد قصد مخادعة الله؛ لعلمه أنه لا يخادع؛ ولكن كأنه قال: يعملون عمل من يخادع الله، لا عمل من يعلم أنه لا يخادع؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ : إنما كان سعيهم في الآيات في آيات الوحدانية أو آيات النعمة أو آيات الرسالة؛ ليسقطوا عن أنفسهم مؤنة ذلك، وقبولها، والعمل بها.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ .

قال القتبي: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ : لم يرد فيما يرى أهل النظر - والله أعلم - أنهم يجازون عن الواحد بواحد مثله ولا اثنين، وكيف يكون هذا والله يقول: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ و ﴿ خَيْرٌ مِّنْهَا  ﴾ ؟!

ولكنه أراد: ﴿ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ ﴾ : إنما هو مثله يضم إلى مثل إلى ما بلغ، وكأن الضعف: الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة، ويجوز أن يجعل الضعف في معنى جميع، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً  ﴾ ، أي: جَعَلْتَ مثله.

وخبط مضاعف، أي: قد ضم إليه خبط آخر قد قتلا.

قال: ﴿ زُلْفَىٰ ﴾ هي الدنوّ، يقال: تزلفت إليه ومنه، أزلفته: أدنيته.

وقال القتبي: أي: قربة ومنزلة عندنا، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾ ذكر الأموال والأولاد، ثم ذكر ﴿ ٱلَّتِي ﴾ بالتأنيث؛ قال بعضهم: هذا من مقاديم الكلام؛ كأنه قال: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم، ولولا ذلك لغلب فعل الآدميين، فعل الأموال.

قال أبو معاذ: يجوز أن تجمع الأموال والأولاد، ثم تقول: "التي"؛ لأنك تقول: ذهبت الأموال وهلكت الأولاد؛ كقوله: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا  ﴾ ، و ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ  ﴾ ونحوه كثير من القرآن؛ فعلى ذلك عند الجمع.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: ﴿ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ : في الدنيا والآخرة؛ لأن ما أنفق العبد لو كان الله أخلفه له في الدنيا ما أحصى أحدكم ماله، ولا يجد مكاناً يجعله فيه، أو كلام هذا معناه.

وقال آخر: كل نفقة كانت في طاعة الله فإن الله يخلفها في الدنيا، أو يدّخرها لوليّه في الآخرة.

ومجاهد يقول: إذا أصاب أحدكم مالا، فليقصد في النفقة، ولا يتأولنّ قوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ ؛ فإن الرزق مقسوم.

وقال بعضهم: ﴿ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ إذا كانت في غير إسراف ولا تقتير.

وهذه التأويلات كلها ضعيفة؛ لأن الآية كانت - والله أعلم - في منع أولئك الإنفاق؛ مخافة الفقر وخشية الإملاق؛ لأنها نزلت على أثر قول الرجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ ، يقول - والله أعلم - تعلمون أن الله هو الباسط لكم والموسع عليكم وعلى الخلق كله الرزق، وهو المقتر أيضاً على من شاء التقتير عليه، فإذا كنتم تعلمون أنه هو الفاعل لذلك؛ فكيف تمتنعون عن الإنفاق خشية الفقر؟!

فهو القادر على البسط والخلف لما أنفقتم، وهو القادر على التقتير من غير إنفاق كان منكم.

أو أن يذكر هذا؛ ليقطعوا أطماعهم عن الخلق من الناس والبذل لهم، على ما ينفق الرجل من النفقة؛ فيطمع من الناس البرّ له والمكافأة لما أنفق؛ فيقول: اقطعوا الطمع من الناس فيما تنفقون؛ فإن الله هو المخلف لذلك لا الناس.

ويحتمل ما قال ابن عباس: إنه يخلف في الآخرة؛ إذ لو أعطى لكل رجل أنفق في الدنيا خلفاً - ما أحصى أحدكم ماله، ولا أين يجعله؟

[يكون] هذا هكذا إذا كان الخلف من نوع ما أنفق وأعطى، فأمّا إذا جاز أن يكون الخلف من نوع ما أنفق، ومن غير نوعه: من نحو ما يدفع عن المرء وعن المتصلين له من أنواع البلايا والشدائد، ويعطيه من أنواع النعم من السلامة له في نفسه ودينه والصحة وغير ذلك مما لا يحصى، فذلك كله بدل وخلف عما أنفق، وذلك أنه إذا علم في سابق علمه أنه ينفق جعل ذلك في الأصل خلفاً عما أنفق؛ وعلى ذلك يخرج ما روي: "أن صلة الرحم تزيد في العمر" : إذا علم أنه يصل رحمه زاد في عمره في الأصل ما لو يعلم أنه لا يصل رحمه، لكان يجعل عمره دون ذلك؛ فعلى ذلك الأول.

وروي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "وكل معروف صدقة، وما أنفق المرء على نفسه وأهله، أو وقى به عرضه فهو له صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن؛ فعلى الله خلفها ضامنا، إلا نفقة في معصية أو نفقة في بنيان" ، أي: لا يحتاج إليه.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَهَـٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٤٠ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ٤١ فَٱلْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍۢ نَّفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ : الملائكة ومن عندهم، ثم نقول للملائكة: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ؛ لأنه قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ .

ليس قول الملائكة فيما خاطبهم ربهم لما خوطبوا بقوله: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ؛ حيث قالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ؛ لأنه قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ؛ فجوابهم أن يقولوا: بلى أو لا، فأما أن يكون قولهم: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ أعلم منا - ﴿ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ...

﴾ الآية - جواباً لذلك؛ فلا يحتمل إلا أن يقال: إن أولئك الكفرة ادعوا على الملائكة الأمر لهم بالعبادة إياهم دون الله؛ فهنالك يحتمل أن يقول: أهؤلاء عن أمركم عبدوكم؛ فعند ذلك قالو: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ، ونحن براء منهم، ما أمرناهم بعبادتنا، وأنت أعلم منا، بل كانوا يعبدون الجن؛ بل كانوا أطاعوا أمر الجن والشياطين في ذلك؛ إذ لو كنا أمرناهم بذلك - لم نكن أولياءك، ولا كنت أنت ولينا من دونهم، وهذا كما يقول لعيسى؛ حيث قال الله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقد كان علم - جل وعلا - أنه لم يقل ذلك، ولكن كأن أولئك ادّعوا عليه الأمر والقول لهم في ذلك، فذكر ذلك لعيسى؛ تعييراً لهم وتوبيخاً على صنيعهم، وإظهاراً لكذبهم في دعواهم؛ فعلى ذلك الأول يحتمل أن يخرج على ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴾ .

هم كانوا لا يقصدون عبادة الجن؛ ولكن لما بأمرهم كانوا يعبدون ما يعبدون؛ نسب العبادة إليهم كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ وهو كقول إبراهيم: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ، وهم كانوا لا يقصدون بعبادتهم الشيطان، لكنهم لما عبدوا من دونه بأمر الشيطان - نسب العبادة إليه؛ كأنهم عبدوه.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ .

أي: لا يملك يوم القيامة ما أملوا أو طمعوا من عبادتهم لأولئك من التقريب لهم إلى الله زلفى، والشفاعة لهم عنده؛ لقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ يقول: لا يملك بعضكم لبعض ما أملوا أو طمعوا من عبادتهم لأولئك.

﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .

أي: كنتم تكذبون الرسل بما أوعدكم بها في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍۢ قَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّا رَجُلٌۭ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا۟ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌۭ مُّفْتَرًۭى ۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٤٣ وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّن كُتُبٍۢ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍۢ ٤٤ وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا۟ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ فَكَذَّبُوا۟ رُسُلِى ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٥ ۞ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍۢ ٤٦ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍۢ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌۭ ٤٧ قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ ٤٨ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ ٥٠

قوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ .

قد ذكرنا الآيات والبينات في غير موضع.

وقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ ﴾ : كل رسول [يريد] أن يصد قومه عما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأوثان، لكن هذا القول من أولئك الرؤساء إغراء للأتباع على الرسل، يقولون: ألا ترون أن واحداً قد خالف الآباء في دينهم، ويريد أن يصدّكم عن دين آبائكم.

و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ .

أي: ما يدعو محمد إليه ليس إلا إفك مفترى.

و ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ ، أي: ما جاء للحق وهو القرآن والتوحيد من البيان والإيضاح له أنه الحق، وأنه من عند الله جاء، وهو الآيات والبراهين التي جاءت له أنه حق وأنه من عند الله جاء، لا أنه مفترى وإفك وسحر ما تزعمون، ولم تزعموا، ولم يزل طعن أولئك الكفرة في الآيات والحجج: بأنها سحر، وأنها إفك، وأنها مفترى، يلبسون بذلك على أولئك الأتباع والسفلة، ويموهون عليهم ويغرون؛ لئلا يتبعوه، ويستسلموا لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ ﴾ ، وهو - والله أعلم - صلة ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ ﴾ وقالوا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول - والله أعلم - جواباً لقولهم: ﴿ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ﴾ فتخبرهم أن ما يقول محمد إفك مفترى، ولا أرسلنا إليهم أيضاً من قبله رسولا يخبرهم: أنه كذب مفترى، وظهور الكذب في القول والخبر إنما يكون بأحد هذين الأمرين إما بكتاب أو نبي، وهم لا يؤمنون بكتاب ولا نبي، فكيف يدعون عليه الكذب والافتراء؟!

يخبر عن سفههم وقلة عقولهم وعنادهم بعدما خصهم - عز وجل - وفضلهم على غيرهم من البشر؛ حيث بعث الرسول منهم ومن أنفسهم، والكتاب على لسانهم وبلغتهم بعد قسمهم: إنه لو بعث إليهم نذيراً ورسولا اتبعوه حيث قالوا: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ  ﴾ لم يؤمنوا به، ولم يعرفوا منة الله عليهم وخصوصيتهم فيما خصهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ ﴾ .

يذكر رسوله ويصبره على تكذيب أولئك له، يقول: قد كذب الذين كانوا من قبلهم رسلهم، لست أنت بأول مكذب بل كذب إخوانك من قبل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لم يبلغ هؤلاء الذين كذبوك عشر أولئك في القوة والغناء والفضل والعلم والأتباع والأعوان وغير ذلك مع ما كانوا كذلك لم يقوموا في دفع العذاب الذي نزل بهم بالتكذيب عن أنفسهم، فقومك الذين هم دون أولئك بما ذكروا أحق ألا يقوموا لدفع العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم بالتكذيب.

وقوله: ﴿ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: أليس وجدوا عذابي حقّاً.

قال الزجاج: هو "نكيرى" بالياء، لكن طرحت الياء؛ لأنه آخر الآية وختمها، فأبقيت الكسرة علامة لها أو كلام يشبه هذا.

قال أبو عوسجة: نكيري: عقوبتي.

وقال القتبي: أي: إنكاري.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: بكلمة الإخلاص والتوحيد.

وقال بعضهم: أي: بطاعة الله.

وقال بعضهم: ﴿ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: بكلمة واحدة؛ كقول الرجل لصاحبه: أكلمك كلمة واحدة، واسمع مني كلمة.

لكن الواحدة التي وعظهم بها عندنا ما ذكر على أثره حيث قال: ﴿ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ﴾ جميعاً ﴿ وَفُرَادَىٰ ﴾ وتتفكروا وتنظروا فيما بينكم: هل رأى أحد منكم به جنوناً قط؟

وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي ﴿ وَفُرَادَىٰ ﴾ ، أي: تفكير واحد.

وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي؛ فإن ذلك ما دل على أن النبي ليس بمجنون، ولا كذاب على ما تزعمون.

ثم كان الذي حملهم على أن نسبوه إلى الجنون وجوهاً: أحدها: أنهم رأوه قد خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانوا يقتلون من خالفهم على الغضب في أدنى شيء بلا أعوان ولا أتباع له، فقالوا: لا يخاطر بهذا إلا من به جنون؛ فنسبوه إلى الجنون.

والثاني: أنهم رأوه قد خالف دينهم ودين آبائهم جملة من بينهم، فقالوا: لا يحتمل أن يصيب ديناً بعقله من بين الكل لا يصيب أحد ذلك، فاتهموه في العقل.

والثالث: أنه كان في حال صغره وصباه، لم يروه اشتغل بشيء من اللعب وخالط الصبيان في شيء من أمورهم، بل اعتزلهم من حال صباه إلى آن الوقت الذي بلغ، فقالوا: إن به جنوناً وإلا لم يعتزل الناس كل هذا الاعتزال.

ثم أخبر أنكم لو تفكرتم ونظرتم ثم عرفتم أن ليس بصاحبكم جنون: ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ أي: ما هو ﴿ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ في الآخرة إن عصيتم، أي رسول الله إليكم ونذير مبين، [بين] يدي عذاب شديد في الآخرة إن عصيتم عوقبتم في الآخرة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: ألا يتفكر الرجل منكم وحده أو مع صاحبه، فينظر أن في خلق السماوات والأرض وما بينهما الذي خلق هذه الأشياء وحده أنه واحد لا شريك له، وأن محمداً لصادق في قوله بأن الله واحد لا شريك له، وما به جنون إن هو إلا نذير.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سأل، قال بعضهم: إنه  سأل قومه أن يودّوا قرابته وألاَّ يؤذوهم؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ ، وما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً  ﴾ يقول: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ ﴾ يعني: المودة في القربى ﴿ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، أي: الذي سألتكم هو لكم وهو المودة في القربى واتخاذ السبيل إلى ربي، والثاني: قوله: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، أي: لم أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم أجراً منكم، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عليكم عن الإجابة؛ كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

أي: ما أجري إلا على الله.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

بأني نذير وما بي جنون.

أو هو على كل شيء شهيد بأني لم أسألكم عليه أجراً.

أو على كل شيء من صنيعكم شهيد عالم به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يقضي بالحق، أو ﴿ يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يتكلم بالوحي ويلقيه.

وقوله: ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

كل شيء غاب عن الخلق، وقد ذكر في غير موضع.

وقوله: ﴿ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ...

﴾ الآية، اختلف فيه: قال بعضهم: ما يبدئ الأوثان والأصنام التي عبدوها ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ ، أي: لا تخلق شيئاً ولا تحييه ولا تميته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ ﴾ الشيطان الخلق فيخلقهم ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ خلقهم في الآخرة فيبعثهم بعد الموت، بل الله يفعل ذلك.

أو أن يكون قوله: ﴿ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: حجج الحق، ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، وما أبدأ الباطل، أي: لا يقذف بحجج الحق علام الغيوب: قال بعضهم: هو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ...

﴾ إلى آخر الآية [الأنبياء: 18]، قال: يزهق الباطل ويثبت الحق، أي: نقذف بالحق على الباطل فيهلك الباطل ويثبت الحق، وهو أيضاً ما ذكر: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ ﴾ ، بكسر اللام ونصبها كلاهما لغتان.

قال الكسائي: تقول العرب: ضَلَّ يَضَلُّ ضلالة، وضَلَّ يَضِلُّ بالخفض والنصب جميعاً.

ثم قوله: ﴿ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: إن ضللت فإنما يكون ضرر ضلالي على نفسي، لا يكون على الله من ذلك شيء؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ .

والثاني: إن ضللت فإنما يكون ذلك على نفسي، ولا يكون على أنفسكم من ضلالي شيء؛ كقوله: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ ، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ ، هذا يخرج أيضاً على وجهين: أحدهما: وإن اهتديت إلى طاعة الله وشرائع الدين فبما يوحي إليّ ربي في ذلك، أي: فبوحيه اهتديت إلى ذلك.

والثاني: وإن اهتديت إلى دينه وهدايته فبتوفيقه إياي وعصمته اهتديت، أضاف الهداية إلى الله والضلال إلى نفسه، فهو لما ذكرنا أن كان من الله إليه لطف في ذلك ليس ذلك في الضلال، وعلى قول المعتزلة يجيء أن يكون المعنى فيها واحداً؛ لأنهم يقولون: إنه لا يكون من الله سوى [الأمر] والنهي؛ فلا يكون منه إليه في الهداية إلا كما كان منه إليه في الضلال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ أي: مجيب للداعي؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...

﴾ الآية [البقرة: 186].

وقال بعضهم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لمقالتكم لمحمد، حيث قالوا له: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، ﴿ قَرِيبٌ ﴾ ، أي: مجيب له.

وقيل: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ الدعاء ﴿ قَرِيبٌ ﴾ الإجابة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ فَزِعُوا۟ فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا۟ مِن مَّكَانٍۢ قَرِيبٍۢ ٥١ وَقَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ٥٢ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ٥٣ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ فِى شَكٍّۢ مُّرِيبٍۭ ٥٤

قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: وذلك أنهم بعثوا بعثين قاصدين تخريب الكعبة، فلما بلغوا البيداء خسف أحدهما والآخر ينظر وينفلت منهم مخبر، فيحول وجهه في فقاه فيخبرهم بما لقوا؛ وذلك قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ ﴾ من الخسف والعذاب ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ عن عذاب الله ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ .

أو من تحت أقدامهم يخسف بهم الأرض؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ من تخريب الكعبة كما فعل بأشياعهم من قبل، وهم أصحاب الفيل؛ وعلى ذلك روي عن أم سلمة عن النبي  : "أنه يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فلا ينفلت منهم إلا واحد يخبر عنهم، قالت: يا رسول الله، وإن كان فيهم المكره؟

قال رسول الله  : يبعثون على نياتهم" وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ ﴾ وهو عند الموت يفزعون منه، ولا فوت لهم عنه، ﴿ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ أي: على المكان.

والحسن يقول: ﴿ فَزِعُواْ ﴾ من القبور ﴿ فَلاَ فَوْتَ ﴾ يقول: أخذوا عند ذلك وهو المكان القريب.

وقال بعضهم: ذلك عند القيامة يفزعون عند معاينتهم العذاب، وأفزعهم ذلك ولا يفوتون الله.

﴿ وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ ﴾ .

وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

﴾ الآية [غافر: 84]؛ وكقول فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ أنهم سألوا الرجعة والرد أن ينالوه من مكان بعيد؛ قالوا: من الآخرة إلى الدنيا.

وقال بعضهم: أي: لا سبيل لهم إلى الإيمان في ذلك الوقت، وقد كفروا به من قبل في حال الدعة والرخاء فلم يؤمنوا.

وقال بعضهم: ﴿ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: من حيث لا ينال ولا يكون؛ فذلك البعيد؛ كقول الله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، أي: من حيث لا يكون أبداً ليس على إرادة حقيقة المكان.

وقتادة يقول: هو عند الموت وعند نزول العذاب بهم، ليس من أحد بلغ ذلك الوقت إلا وهو يؤمن ويتمنى الإيمان لكن لا ينفع؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 158] على ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ .

قال بعضهم: معناه - والله أعلم -: وذلك أنهم كانوا في الدنيا يشكون في الآخرة، ويكفرون بالغيب، ويرجمون بالظن.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: يتكلمون بالإيمان من مكان تباعد عنهم، فلا يقبل منهم، وقد غاب عنهم الإيمان عند نزول العذاب، فلم يقدروا عليه، ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ ، من قبول التوبة والإيمان عند نزول العذاب بهم، أو عند معاينتهم إياه، كما فعل بأشياعهم من قبل، يقول: كما عذب أوائلهم من الأمم الخالية من قبل هؤلاء؛ لأنهم كانوا في شك من العذاب أو البعث والقيامة مريب.

وقال بعضهم: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ من أهل أو مال أو زهرة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ : هو قولهم: هو ساحر هو شاعر كاهن.

والتناوش عند عامة أهل التأويل: التناول.

وقال بعضهم: الرجعة والردّ إلى الدنيا.

قال أبو عوسجة: التناوش: التناول من موضع بعيد لا يكون من قريب.

والقتبي يقول: ﴿ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ ﴾ ، أي: تناول ما أرادوا بلوغه وإدراك ما طلبوا من التوبة من الموضع الذي لا يقبل فيه التوبة.

قال أبو معاذ والزجاج: الناش في كلام العرب: الطلب، تقول: ناشت إليه، أي: طلبت منه، لكن هذا ليس من باب التناوش.

وقوله: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ .

هو ما ذكرنا من اختلافهم: منهم من قال: بين الإيمان والتوبة، ومنهم من قال: بين شهواتهم التي كانت لهم في الدنيا، لكن كأنه على الإيمان والتوبة، فإنما حيل بينهم وبين القبول للإيمان والتوبة، وإلا نفس الفعل قد أتوا به، وإن كان على الشهوات فهو على حقيقة حيلولة الفعل، وكذلك إن كان على تخريب البيت على ما يقوله بعض أهل التأويل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ بِأَشْيَاعِهِم ﴾ : أمثالهم وأشباههم، فهو - والله أعلم - بأشباههم وأمثالهم في التكذيب والجحود.

وقال بعضهم: هو من شيعة الرجل.

وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ ﴾ ، من العذاب بأنه غير نازل بهم.

وقال [بعضهم]: إنهم كانوا في شك من البعث والإحياء بعد الممات وشكهم وريبهم؛ لما استبعدوا الإحياء بعد الهلاك وبعدما صاروا رماداً، فمن هذه الحجة أنكروا، ثم لم يروا خلق الشيء للفناء خاصة، لا لعاقبة وحكمة، فارتابوا في ذلك، والله أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله