تفسير الآية ١٣ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٣ من سورة سبأ

يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ وَجِفَانٍۢ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍۢ رَّاسِيَـٰتٍ ۚ ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ ١٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٣ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ) : أما المحاريب فهي البناء الحسن ، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره .

وقال مجاهد : المحاريب بنيان دون القصور .

وقال الضحاك : هي المساجد .

وقال قتادة : هي المساجد والقصور ، وقال ابن زيد : هي المساكن .

وأما التماثيل فقال عطية العوفي ، والضحاك والسدي : التماثيل : الصور .

قال مجاهد : وكانت من نحاس .

وقال قتادة : من طين وزجاج .

وقوله : ( وجفان كالجواب وقدور راسيات ) الجواب : جمع جابية ، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء ، كما قال الأعشى ميمون بن قيس : تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( كالجواب ) أي : كالجوبة من الأرض .

وقال العوفي ، عنه : كالحياض .

وكذا قال مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك وغيرهم .

والقدور الراسيات : أي الثابتات ، في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها .

كذا قال مجاهد ، والضحاك ، وغيرهما .

وقال عكرمة : أثافيها منها .

وقوله : ( اعملوا آل داود شكرا ) أي : وقلنا لهم اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين .

وشكرا : مصدر من غير الفعل ، أو أنه مفعول له ، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية ، كما قال : أفادتكم النعماء مني ثلاثة : يدي ، ولساني ، والضمير المحجبا قال أبو عبد الرحمن الحبلي : الصلاة شكر ، والصيام شكر ، وكل خير تعمله لله شكر .

وأفضل الشكر الحمد .

رواه ابن جرير .

وروى هو وابن أبي حاتم ، عن محمد بن كعب القرظي قال : الشكر تقوى الله والعمل الصالح .

وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل ، وقد كان آل داود ، عليه السلام ، كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملا .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن أبي بكر ، حدثنا جعفر - يعني : ابن سليمان - عن ثابت البناني قال : كان داود ، عليه السلام ، قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة ، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي ، فغمرتهم هذه الآية : ( اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ) .

وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما .

ولا يفر إذا لاقى " .

وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سنيد بن داود ، حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قالت أم سليمان بن داود لسليمان : يا بني ، لا تكثر النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة " .

وروى ابن أبي حاتم عن داود ، عليه السلام ، هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا ، وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا أبو يزيد فيض بن إسحاق الرقي قال : قال فضيل في قوله تعالى : ( اعملوا آل داود شكرا ) .

فقال داود : يا رب ، كيف أشكرك ، والشكر نعمة منك ؟

قال : " الآن شكرتني حين علمت أن النعمة مني " .

وقوله : ( وقليل من عبادي الشكور ) إخبار عن الواقع .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) يقول تعالى ذكره: يعمل الجن لسليمان ما يشاء من محاريب وهي جمع محراب، والمحراب: مقدم كل مسجد وبيت ومصلى، ومنه قول عدي بن زيد: كـدُمَي العـاجِ فـي المحاريبِ أو كال بيـضِ فـي الـرَّوضِ زَهـرُهُ مُسْتَنِيرُ (7) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) قال: بنيان دون القصور.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) وقصور ومساجد.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) قال: المحاريب: المساكن، وقرأ قول الله فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ .

حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي قال ثنا مروان بن معاوية عن جويبر عن الضحاك (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ) قال: المحاريب: المساجد.

وقوله (وَتَمَاثِيلَ) يعني أنهم يعملون له تماثيل من نحاس وزجاج.

كما حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (وَتَمَاثِيلَ) قال: من نحاس.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَتَمَاثِيلَ) قال: من زجاج وشبهه.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال ثنا مروان عن جويبر عن الضحاك في قول الله (وَتَمَاثِيلَ) قال: الصور.

قوله (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) يقول: وينحتون له ما يشاء من جفان كالجواب، وهي جمع جابية والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس: تـروحُ عـلَى نَـادِي المُحَـلَّقِ جَفْنَـةٌ كَجَابِيــةِ الشَّــيخِ العِـرَاقِي تَفْهَـقُ (8) وكما قال الآخر: فَصَبَّحْـــتُ جَابِيَــةً صُهَارِجــا كأنَّهــا جِــلْدُ السَّــمَاءِ خارِجــا (9) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال ثنا أَبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) يقول: كالجوبة من الأرض.

حدثني محمد بن سعد قال ثني أَبي قال ثني عمي قال ثنى أَبي عن أبيه عن ابن عباس قوله (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) يعني بالجواب: الحياض.

وحدثني يعقوب قال ثنا ابن علية عن أَبي رجاء عن الحسن (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) قال: كالحياض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) قال: حياض الإبل.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) قال: جفان كجوبة الأرض من العظم، والجوبة من الأرض: يستنقع فيها الماء.

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) كالحياض.

حدثنا عمرو قال ثنا مروان بن معاوية قال ثنا جويبر عن الضحاك (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) قال: كحياض الإبل من العظم.

وقوله (وَقُدُورٍ رَاسيَاتٍ) يقول: وقدور ثابتات لا يحركن عن أماكنهن، ولا تحول لعظمهن.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) قال: عظام.

حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) قال: عظام ثابتات الأرض لا يزلن عن أمكنتهن.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) قال: مثال الجبال من عِظمها، يعمل فيها الطعام من الكبر والعظم، لا تحرك ولا تنقل، كما قال للجبال: راسيات.

وقوله (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا) يقول تعالى ذكره: وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكرًا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها مع سائر خلقه، وتُرك ذكر: " وقلنا لهم " اكتفاء بدلالة الكلام على ما ترك منه، وأخرج قوله (شُكْرًا) مصدرا من قوله (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ) لأن معنى قوله (اعْمَلُوا) اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بالذي رضي الله، لله شكر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح، قال ثنا موسى بن عبادة عن محمد بن كعب قوله (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا) قال: الشكر تقوى الله والعمل بطاعته.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أخبرني حيوة عن زهرة بن معبد أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي (10) يقول: (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا) وأفضل الشكر الحمد.

قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا) قال: أعطاكم وعلمكم وسخر لكم ما لم يسخر لغيركم، وعلمكم منطق الطير، اشكروا له يا آل داود قال: الحمد طرف من الشكر.

وقوله (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) يقول تعالى ذكره: وقليل من عبادي المخلصو توحيدي والمفردو طاعتي وشكري على نعمتي عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال ثنا أَبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ) يقول: قليل من عبادي الموحدون توحيدهم.

-------------------- الهوامش : (7) البيت لعدي بن زيد العبادي كما قال المؤلف، وكما في شعراء النصرانية القسم الرابع 455 وقد استشهد به المؤلف في (3 / 2464) من هذا التفسير، على أن المحاريب جمع محراب، وهو مقدم موضع العبادة.

فراجعه ثمة.

(8) البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبعة القاهرة 225) وروايته: نَفَـى الـذَّمَّ عَـنْ آلِ المحـلقِ جَفْنَـةُ كَجابِيَــةِ السِّــيح العِـرَاقيِّ تَفْهَـقُ وهي رواية مشهورة كالرواية التي أوردها المؤلف.

يصف المحلق بالكرم وأن جفنته تروح على ناديه مفعمة لحما وشحما، وهي من كبير الجفان، مثل جابية الماء التي يجمع فيها الشيخ العراقي أيام يفيض النهر، لينفق منه في أيام قلة الماء، فهي جابية كبيرة.

وأما من رواه السيح، بالسين والحاء والمهملتين، فهو ما يفيض من الماء ويسيح عن الزيادة بالنهر وقد ذكر في المبرد "الكتاب الكامل" هاتين الروايتين (انظر طبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده 1 : 7) قال في تخريج رواية الشيخ: كذا ينشده أهل البصرة.

وتأويله عندهم أن العراقي إذا تمكن من الماء، ملأ جابيته، لأنه حضري ، فلا يعرف مواقع الماء ولا محاله.

قال أَبو العباسي: وسمعت أعرابية تنشد: (وهي أم الهيثم الكلابية من ولد المحلق، وهي رواية أهل الكوفة): "كجابية المسيح"، تريد: النهر يجري على جانبيه، فماؤها لا ينقطع، لأن النهر يمده.

ا .هـ.

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن: (الورقة : 198) (وجفان كالجواب): واحدها: جابية وهو الحوض الذي يجبى فيه الماء.

وقال الفراء في معاني القرآن الورقة 261 : (وجفان): وهي القصاع الكبار.

(كالجواب) الحياض التي للإبل.

وفي (اللسان: جبى): الجابية الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل.

والجابية: الحوض الضخم وأورد البيت كرواية المؤلف، ثم قال: خص العراقي، لجهله بالمياه، لأنه حضري، فإن وجدها ملأ جابية: وأعدها، ولم يدر متى يجد المياه.

(9) هذان بيتان من مشطور الرجز.

روى أولهما صاحب (اللسان: صهرج) عن الأزهري.

قال: وحوض صهارج: مطلي بالصاروخ: (النورة) والصهارج بالضم مثل الصهرج.

وأنشد الأزهري فصبحت جابية صحارجا وقد صهرجوا صهريجا.

وفاعل صحبت ضمير يعود على ما قبله، ولعله ذكر الإبل.

والرجز غير منسوب.

وقوله "كأنها جلد ..." البيت: يشبه لون الجابية أو ماءها بلون السماء في الزرقة.

وهذا البيت كالذي قبله شاهد على أن معنى الجابية الحوض الكبير الذي يجمع فيه الماء، وهو الصهارج والصهريج أيضا.

شبه جفنة المحلق بالحوض الكبير، لكرمه.

(10) الحبلي: بسكون الباء وضمها: منسوب إلى بني الحبلى، بطن من الأنصار، ثقة، توفي سنة مائة.

(عن التاج).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور .فيه ثماني مسائل :الأولى : قوله تعالى : من محاريب المحراب في اللغة : كل موضع مرتفع .

وقيل للذي يصلى فيه : محراب ; لأنه يجب أن يرفع ويعظم .

وقال الضحاك : من محاريب أي من مساجد .

وكذا قال قتادة .

وقال مجاهد : المحاريب دون القصور .

وقال أبو عبيدة : المحراب أشرف بيوت الدار .

قال [ امرؤ القيس ] :وماذا عليه أن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيالوقال عدي بن زيد :كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنيروقيل : هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة ; كما قال : إذ تسوروا المحراب وقوله : فخرج على قومه من المحراب أي أشرف عليهم .

وفي الخبر ( أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون إلى الله دائبا ، وهو على الكرسي في موكبه والمحاريب حوله ، ويقول لجنوده إذا ركب : سبحوا الله إلى ذلك العلم ، فإذا بلغوه قال : هللوه إلى ذلك العلم فإذا بلغوه قال : كبروه إلى ذلك العلم الآخر ، فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة واحدة ) .الثانية : قوله تعالى : وتماثيل جمع تمثال .

وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان .

وقيل : كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان .

وذكر [ ص: 246 ] أنها صور الأنبياء والعلماء ، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا ، قال صلى الله عليه وسلم : إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور .

أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة .

وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان ، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ( نوح ) عليه السلام .

وقيل : التماثيل طلسمات كان يعملها ، ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها ، فيعمل تمثالا للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان ، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا ما دام ذلك التمثال قائما .

وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء .

قال [ امرؤ القيس ] :ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثالوقيل : إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح .

ويقال : إن إسفنديار كان منهم ; والله أعلم .

وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما ، وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما .الثالثة : حكى مكي في الهداية له : أن فرقة تجوز التصوير ، وتحتج بهذه الآية .

قال ابن عطية : وذلك خطأ ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه .قلت : ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله ، قال النحاس : قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية ، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح .

وقال قوم : قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها ، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله ، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد ، فكان الأصلح إزالتها .الرابعة : التمثال على قسمين : حيوان وموات .

والموات على قسمين : جماد ونام ; وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه ; لعموم قوله : ( وتماثيل ) .

وفي الإسرائيليات : أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان .

فإن قيل : لا عموم لقوله : ( وتماثيل ) فإنه إثبات في نكرة ، والإثبات في النكرة لا عموم له ، إنما العموم في النفي في النكرة .

قلنا : كذلك هو ، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم ، وهو قوله : ( ما يشاء ) فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له .

فإن قيل : كيف استجاز الصور المنهي عنها ؟

قلنا : كان [ ص: 247 ] ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا ، والله أعلم .

وعن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما .الخامسة : مقتضى الأحاديث يدل أن الصور ممنوعة ، ثم جاء ( إلا ما كان رقما في ثوب ) فخص من جملة الصور ، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب : أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا .

ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه ، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها ، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز ، لقولها في النمرقة المصورة : اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فمنع منه وتوعد عليه .

وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه .

فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم ; قاله ابن العربي .السادسة : روى مسلم عن عائشة قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا .

قالت : وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير ، فكنا نلبسها .

وعنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صورة ، فتلون وجهه ، ثم تناول الستر فهتكه ، ثم قال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل .

وعنها : أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال : أخريه عني قالت : فأخرته فجعلته وسادتين .

قال بعض العلماء : ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا ; لأن محل النبوة والرسالة الكمال .

فتأمله .[ ص: 248 ] السابعة قال المزني عن الشافعي : إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح ، لم يدخل إن كانت منصوبة .

وإن كانت توطأ فلا بأس ، وإن كانت صور الشجر .

ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة .

وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء .

واستثنى بعضهم ما كان رقما في ثوب ، لحديث سهل بن حنيف .قلت : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن .

وقوله : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم ولم يستثن .

وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول : إني وكلت بثلاث : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح .

وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود .

قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون .

يدل على المنع من تصوير شيء ، أي شيء كان .

وقد قال جل وعز : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها على ما تقدم بيانه فاعلمه .الثامنة : وقد استثني من هذا الباب لعب البنات ، لما ثبت ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين ، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها ، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة .

وعنها أيضا قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي خرجهما مسلم .

قال العلماء : وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن .

ثم إنه لا بقاء لذلك ، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له ، فرخص في ذلك ، والله أعلم .[ ص: 249 ] قوله تعالى : وجفان كالجواب قال ابن عرفة : الجوابي جمع الجابية ، وهي حفيرة كالحوض .

وقال : كحياض الإبل .

وقال ابن القاسم عن مالك : كالجوبة من الأرض ، والمعنى متقارب .

وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل .

النحاس : وجفان كالجواب الأولى أن تكون بالياء ، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها ، فلما كان يقال ( جواب ) ودخلت الألف واللام أقر على حاله فحذف الياء .

وواحد الجوابي جابية ، وهي القدر العظيمة ، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع ; ومنه جبيت الخراج ، وجبيت الجراد ; أي جعلت الكساء فجمعته فيه .

إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال : الجوابي جمع جوبة ، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر .

وقال الكسائي : جبوت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته ، والجابية : الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل ، قال :تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهقويروى أيضا :نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية السيح .

.ذكره النحاس .قوله تعالى : وقدور راسيات قال سعيد بن جبير : هي قدور النحاس تكون بفارس .

وقال الضحاك : هي قدور تعمل من الجبال .

غيره : قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين ، أثافيها منها منحوتة هكذا من الجبال .

ومعنى ( راسيات ) ثوابت ، لا تحمل ولا تحرك لعظمها .

قال ابن العربي : وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان ، يصعد إليها في الجاهلية بسلم .

وعنها عبر طرفة بن العبد بقوله :كالجوابي لا تني مترعة لقرى الأضياف أو للمحتضرقال ابن العربي : ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك ، فإنهم يطبخون جميعا ويأكلون جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد .قوله تعالى : اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قد مضى معنى الشكر في ( البقرة ) وغيرها .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال : ( ثلاث من أوتيهن [ ص: 250 ] فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ) قال فقلنا : ما هن ؟

.

فقال : العدل في الرضا والغضب .

والقصد في الفقر والغنى .

وخشية الله في السر والعلانية .

خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة .

وروي أن داود عليه السلام قال : ( يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك .

وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك ) فقال : ( يا داود الآن عرفتني ) .

وقد مضى هذا المعنى في سورة ( إبراهيم ) .

وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته ، والكفران استعمالها في المعصية .

وقليل من يفعل ذلك ; لأن الخير أقل من الشر ، والطاعة أقل من المعصية ، بحسب سابق التقدير .

وقال مجاهد : لما قال الله تعالى اعملوا آل داود شكرا قال داود لسليمان : إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل ، قال : لا أقدر ، قال : فاكفني - قال الفاريابي ، أراه قال إلى صلاة الظهر - قال نعم ، فكفاه .

وقال الزهري : اعملوا آل داود شكرا أي قولوا الحمد لله .

و ( شكرا ) نصب على جهة المفعول ; أي اعملوا عملا هو الشكر .

وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده ، ويبين هذا قوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وهو المراد بقوله وقليل من عبادي الشكور .

وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى أن اشكر لي أن المراد بالشكر الصلوات الخمس .

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه ; فقالت له عائشة رضي الله عنها : أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟

فقال : أفلا أكون عبدا شكورا .

انفرد بإخراجه مسلم .

فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان ; فالشكر بالأفعال عمل الأركان ، والشكر بالأقوال عمل اللسان .

والله أعلم .قوله تعالى : وقليل من عبادي الشكور يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود ، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم .

قال ابن عطية : وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض .

وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول : اللهم اجعلني من القليل ; فقال عمر : ما هذا الدعاء ؟

فقال الرجل : أردت قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور .

فقال عمر رضي الله عنه : كل الناس أعلم منك يا عمر !

وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم [ ص: 251 ] أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك .

وقد قيل : إنه كان يأكل الرماد ويتوسده ، والأول أصح ، إذ الرماد ليس بقوت .

وروي أنه ما شبع قط ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع .

وهذا من الشكر ومن القليل ، فتأمله ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ مِنْ مَحَارِيبَ } وهو كل بناء يعقد, وتحكم به الأبنية, فهذا فيه ذكر الأبنية الفخمة، { وَتَمَاثِيلَ } أي: صور الحيوانات والجمادات, من إتقان صنعتهم, وقدرتهم على ذلك وعملهم لسليمان { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } أي: كالبرك الكبار, يعملونها لسليمان للطعام, لأنه يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه غيره ، " و " يعملون له قدورا راسيات لا تزول عن أماكنها, من عظمها.فلما ذكر منته عليهم, أمرهم بشكرها فقال: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ } وهم داود, وأولاده, وأهله, لأن المنة على الجميع, وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم.

{ شُكْرًا } للّه على ما أعطاهم, ومقابلة لما أولاهم.

{ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } فأكثرهم, لم يشكروا اللّه تعالى على ما أولاهم من نعمه, ودفع عنهم من النقم.والشكر: اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى, وتلقيها افتقارا إليها, وصرفها في طاعة اللّه تعالى, وصونها عن صرفها في المعصية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يعملون له ما يشاء من محاريب ) أي : مساجد ، والأبنية المرتفعة ، وكان مما عملوا له بيت المقدس ابتدأه داود ورفعه قدر قامة رجل ، فأوحى الله إليه إني لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي تمامه على يده ، فلما توفاه الله استخلف سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس ، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستخلصها له ، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه ، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح ، وجعلها اثني عشر ربضا ، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط ، وكانوا اثني عشر سبطا ، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقا فرقا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر ، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها ، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها ، فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله - عز وجل - ، ثم أحضر الصناعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحا وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء ، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر الثمينة وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر ، وبسط أرضه بألواح الفيروز فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد ، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر ، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله - عز وجل - ، وأن كل شيء فيه خالص لله ، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا .

وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنين ، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة ، سأل حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، فأعطاه إياه ، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وأنا أرجو أن يكون .

قد أعطاه ذلك " .

.

قالوا : فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد ، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر ، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق ، وبنى الشياطين لسليمان باليمن حصونا كثيرة [ عجيبة ] من الصخر .

قوله - عز وجل - : ) ( وتماثيل ) أي : كانوا يعملون له تماثيل ، أي : صورا من نحاس وصفر وشبة وزجاج ورخام .

وقيل : كانوا يصورون السباع والطيور .

وقيل : كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة ، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم ، كما أن عيسى كان يتخذ صورا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرا [ بإذن الله .

) ( وجفان ) أي : قصاع واحدتها جفنة ) ( كالجواب ) كالحياض التي يجبى فيها الماء ، أي : يجمع ، واحدتها جابية ، يقال : كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها ( وقدور راسيات ) ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن ، ولا ينزلن ولا يعطلن ، وكان يصعد عليها بالسلالم ، وكانت باليمن .

( اعملوا آل داود شكرا ) أي : وقلنا اعملوا آل داود شكرا ، مجازه : اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرا له على نعمه .

( وقليل من عبادي الشكور ) أي : العامل بطاعتي شكرا لنعمتي .

قيل : المراد من " آل داود " هو داود نفسه .

وقيل : داود وسليمان وأهل بيته .

وقال جعفر بن سليمان : سمعت ثابتا يقول : كان داود نبي الله عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يعملون له ما يشاء من محاريب» أبنية مرتفعة يصعد اليها بدرج «وتماثيل» جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء، أي صور من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حراما في شريعته «وجفان» جمع جفنه «كالجوابـ» ـي جمع جابية وهو حوض كبير، يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها «وقدور راسيات» ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها تتخذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم وقلنا «اعملوا» يا «آل داود» بطاعة الله «شكرا» له على ما أتاكم «وقليل من عبادي الشكور» العامل بطاعتي شكرا لنعمتي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يعمل الجن لسليمان ما يشاء من مساجد للعبادة، وصور من نحاس وزجاج، وقِصَاع كبيرة كالأحواض التي يجتمع فيها الماء، وقدور ثابتات لا تتحرك من أماكنها لعظمهن، وقلنا يا آل داود: اعملوا شكرًا لله على ما أعطاكم، وذلك بطاعته وامتثال أمره، وقليل من عبادي من يشكر الله كثيرًا، وكان داود وآله من القليل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض الأشياء التى كان الجن يعملونها لسليمان - عليه السلام - فقال : ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كالجواب وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ) .المحاريب : جمع محراب .

وهو كل مكان مرتفع ، ويطلق على المكان الذى يقف فيه الإِمام فى المسجد ، كما يطلق على الغرفة التى يصعد إليها ، وعلى أشرف أماكن البيوت .قالوا والمراد بها : اماكن العبادة ، والقصور المرتفعة .والتماثيل : جمع تمثال وقد يكون من حجر أو خشب أو نحاس أو غير ذلك .قال القرطبى ما ملخصه : والتماثيل جمع تمثال .

وهو كل ما صور على مثل صورة حيوان أو غير حيوان .

وقيل : كانت من زجاج ونحاس ورخام ، تماثيل أشياء ليست بحيوان .وذكر أنها صورة الأنبياء والعلماء ، وكانت تصور فى المساجد ليراها الناس .

فيزدادوا عبادة واجتهادا .وهذا يدل على أن ذلك كان مباحا فى زمانهم ، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم .والجِفان : جمع جَفْنَة .

وهى الآنية الكبيرة .

والجَوَاب : جمع جابية ، وهى لاحوض الكبير الذى يحبى فيه الماء ويجمع لتشرب منه الدواب .والقدور : جمع قدر .

وهو الآنية التى يطبخ فيها الطعام من نحاس أو فخار أو غيرهما .وراسيات : جمع راسية بمعنى ثابتة لاتتحرك .أى : أن الجن يعملون لسليمان - عليه السلام - ما يشاء من مساجد وقصور ، ومن صور متنوعة ، ومن قصاع كبار تشبه الأحواض الضخمة ، ومن قدور ثابتات على قواعدها ، بحيث لا تحرك لضخامتها وعظمها .وقوله - سبحانه - : ( اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ) مقول لقول محذوف .أى : أعطينا سليمان كل هذه النعم ، وقلنا له ولأهله : اعملوا يا آل دواد عملا صالحا ، شكرا لله - تعالى - على فضله وعطائه ، وقليل من عبادى هو الذى يشكرنى شكراخ الصا على نعمى وفضلى وإحسانى .وقوله ( شُكْراً ) يجوز أن يكون مفعولا لأجله .

أى : اعملوا من أجل الشكر ، أو مصدرا واقعا موقع الحال .

أى : اعملوا شاكرين .و ( قَلِيلٌ ) خبر مقدم .و ( مِّنْ عِبَادِيَ ) صفة له .

و ( الشكور ) مبتدأ مؤخر .

وهكذا يختم القرآن هذه النعم بهذا التغيب الذى يكشف عن طبيعة الناس فى كل زمان ومكان ، حتى يحملهم على أن يخالفوا أهواءهم ونفوسهم ، ويكثروا من ذلك الله - تعالى - وشكره .وحقيقة الشكر : الاعتراف بالنعمة للمنعم ، والثناء عليه لإِنعامه ، واستعمال نعمه - سبحانه - فيما خلقت له .والانسان الشكور : هو المتوفر على أداء الشكر ، الباذل قصارى جهده فى ذلك ، عن طريق قلبه ولسانه وجوارحه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب  ﴾ والتماثيل ما يكون فيها من النقوش، ثم لما ذكر البناء الذي هو المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال: ﴿ وَجِفَانٍ كالجواب ﴾ جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس ﴿ وَقُدُورٍ رسيات ﴾ ثابتات لا تنقل لكبرها، وإنما يغرف منها في تلك الجفان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية وقدم الجفان في الذكر على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل، فنقول: لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور، وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيه، وأما القدور فلا تكون فيه، ولا تحضر هناك، ولهذا قال: ﴿ رسيات ﴾ أي غير منقولات، ثم لما بين حال الجفان العظيمة، كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان.

المسألة الثانية: ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب، وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة، واستوى داود على الملك، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان الحرب يسيراً لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام.

المسألة الثالثة: لما قال عقيب قوله تعالى: ﴿ أَنِ اعمل سابغات ﴾ ﴿ اعملوا صالحاً  ﴾ ، قال عقيب ما يعمله الجن: ﴿ اعملوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكراً، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء، وقلة الاشتغال بها كما في قوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي السرد  ﴾ أي اجعله بقدر الحاجة.

المسألة الرابعة: انتصاب شكراً يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مفعولاً له كقول القائل جئتك طمعاً وعبدت الله رجاء غفرانه.

وثانيها: أن يكون مصدراً كقول القائل شكرت الله شكراً ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعوداً، وذلك لأن العمل شكر فقوله: ﴿ اعملوا ﴾ يقوم مقام قوله: ﴿ اشكروا ﴾ .

وثالثها: أن يكون مفعولاً به كقولك اضرب زيداً كما قال تعالى: ﴿ واعملوا صالحا  ﴾ لأن الشكر صالح.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشكور ﴾ إشارة إلى أن الله خفف الأمر على عباده، وذلك لأنه لما قال: ﴿ اعملوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر، فدائماً تكون نعمة الله بعد الشكر خالية عن الشكر، فقال تعالى: إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام فليس عليكم في ذلك حرج، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه تعالى أدخل الكل في قوله: ﴿ عِبَادِي ﴾ مع الإضافة إلى نفسه، وعبادي بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين، كقوله تعالى: ﴿ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان  ﴾ فإن قيل على ما ذكرتم شكر الله بتمامه لا يمكن وقوله: ﴿ قَلِيلٌ ﴾ يدل على أن في عباده من هو شاكر لأنعمه، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل فاعله، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أو نقول الشاكر التام ليس إلا من رضي الله عنه، وقال له: يا عبدي ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك وكتبت لك أنك شاكر لأنعمي بأسرها، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ياجبال ﴾ إمّا أن يكون بدلاً من ﴿ فَضْلاً ﴾ ، وإمّا من ﴿ ءاتَيْنَا ﴾ بتقدير: قولنا يا جبال.

أو: قلنا يا جبال.

وقرئ: ﴿ أوّبي ﴾ و ﴿ أوبي ﴾ من التأويب.

والأوب: أي رجعي معه التسبيح.

أو ارجعى معه في التسبيح كلما رجع فيه؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه: ومعنى تسبيح الجبال: أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح: معجزة لداود.

وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها.

وقرئ: ﴿ والطير ﴾ ، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها.

وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير.

فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: ﴿ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ تأويب الجبال معه والطير؟

قلت: كم بينهما.

ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى: من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا: إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ وجعلناه له ليناً كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة.

وقيل: لأن الحديد في يده لما أوتي من شدّة القوّة ﴿ أن اعمل سابغات ﴾ وقرئ: ﴿ صابغات ﴾ وهي الدروع الواسعة الضافية، وهو أوّل من اتخذها وكانت قبل صفائح.

وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء.

وقيل: كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه، فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته، فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع داود، فسأله؟

فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع ﴿ وَقَدَّرَ في السرد ﴾ لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق، ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

والسرد: نسج الدروع ﴿ واعملوا ﴾ الضمير لدواد وأهله ﴿ و ﴾ سخرنا ﴿ لسليمان الريح ﴾ فيمن نصب: ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع، وكذلك فيمن قرأ: الرياح، بالرفع ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك.

وقرئ: ﴿ غدوتها وروحتها ﴾ .

وعن الحسن رضي الله عنه: كان يغدو فيقيل باصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل.

ويحكى أنّ بعضهم رأي مكتوباً في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله.

القطر: النحاس المذاب من القطران.

فإن قلت: ماذا أراد بعين القطر؟

قلت: أراد بها معدن النحاس ولكنه أساله كما ألان الحديد لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين؛ فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال: ﴿ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 36] وقيل: كان يسبل في الشهر ثلاثة أيام ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ بأمره ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ ﴾ ومن يعدل ﴿ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان.

وقرئ: ﴿ يزغ ﴾ من أزاغه.

وعذاب السعير: عذاب الآخرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني.

المحاريب: المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال: سميت محاريب لأنه يحامي عليها ويذب عنها.

وقيل: هي المساجد والتماثيل: صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل فيه المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

فإن قلت: كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير؟

قلت: هذا مما يجوز أن تختلف في الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرّماً.

ويجوز أن يكون غير صور الحيوان كصور الأشجار وغيرها؛ لأنّ التمثال كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان.

أو تصوّر محذوفة الرؤوس.

وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

والجوابي: الحياض الكبار، قال: تَرُوحُ عَلَى آل الْمُحَلِّقِ جَفْنَةٌ ** كَجَابِيَةِ السَّيْحِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُ لأنّ الماء يجبى فيها، أي: يجمع.

جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالية كالدابة.

وقيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وقرئ: بحذف الياء اكتفاء بالكسرة.

كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يدعالداع ﴾ [القمر: 6] .

﴿ راسيات ﴾ ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها ﴿ اعملوا ءَالَ دَاوُودَ ﴾ حكاية ما قيل لآل داود.

وانتصب ﴿ شُكْراً ﴾ على أنه مفعول له، أي: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه.

وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدّى على طريق الشكر.

أو على الحال، أي: شاكرين.

أو على تقدير اشكروا شكرا، لأن اعملوا فيه معنى اشكروا، من حيث إنّ العمل للمنعم شكر له.

ويجوز أن ينتصب باعملوا مفعولاً به.

ومعناه: إنا سخّرنا لكم الجنّ يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكراً على طريق المشاكلة و ﴿ الشكور ﴾ المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه: قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقاداً واعترافاً وكدحاً، وأكثر أوقاته.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ من يشكر على أحواله كلها.

وعن السدي: من يشكر على الشكر.

وقيل: من يرى عجزه عن الشكر.

وعن داود أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلاّ وإنسان من آل داود قائم يصلي.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: اللَّهم اجعلني من القليل، فقال عمر ما هذا الدعاء؟

فقال الرجل: إني سمعت الله يقول: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وقُرِئَ «الرِّيحُ» بِالرَّفْعِ أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ وقُرِئَ «الرِّياحُ» .

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وبِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، وقُرِئَ «غُدْوَتُها» «وَرَوْحَتُها» .

﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ النُّحاسَ المُذابَ أسالَهُ لَهُ مِن مَعْدِنِهِ فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعَ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنًا وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ.

﴿ وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ عُطِفَ عَلى ( الرِّيحَ ) ( ومِنَ الجِنِّ ) حالٌ مُقَدَّمَةٌ، أوْ جُمْلَةٌ مِنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ بِأمْرِهِ.

﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ ﴾ ومَن يَعْدِلْ مِنهم ﴿ عَنْ أمْرِنا ﴾ عَمّا أمَرْناهُ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ «يَزُغْ» مِن أزاغَهُ.

﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ.

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ قُصُورٍ حَصِينَةٍ ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يَذُبُّ عَنْها ويُحارِبُ عَلَيْها.

﴿ وَتَماثِيلَ ﴾ وصُوَرًا هي تَماثِيلُ لِلْمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلى ما اعْتادُوا مِنَ العِباداتِ لِيَراها النّاسُ فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ مُجَدَّدٌ.

رُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.

﴿ وَجِفانٍ ﴾ وصِحافٍ.

﴿ كالجَوابِ ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعُ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ.

﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ ثابِتاتٍ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها.

﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ حِكايَةٌ عَمّا قِيلَ لَهم ( وشُكْرًا ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أيِ: اعْمَلُوا لَهُ واعْبُدُوهُ شُكْرًا، أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ العَمَلَ لَهُ شُكْرًا أوِ الوَصْفِ لَهُ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ بِهِ.

﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفّى حَقُّهُ، لِأنَّ تَوْفِيقَهُ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَتِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)

{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب} أي مساجد أو مساكن {وتماثيل} أي صور السباع والطيور وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وكان التصوير مباحاً حينئذ {وَجِفَانٍ} جمع جفنة {كالجواب} جمع جابية وهي الحياض الكبار قيل كان يقعد على الجفنة ألف رجل كالجوابي في الوصل والوقف مكي ويعقوب وسهل وافق أبو عمرو في الوصل الباقون بغير ياء اكتفاء بالكسرة {وَقُدُورٍ راسيات} ثابتات

على الاثافى

سبأ (١٥ - ١٣)

لا تنزل عنها لعظمها وقيل إنها باقية باليمين وقلنا لهم {اعملوا آل داود شكرا} أي ارحموا أهل البلاد واسألوا ربكم العافية عن الفضيل وشكرا مفعول له أو حال أي شاكرين أو اشكروا اشكر الأن اعملوا فيه معنى اشكروا من حيث إن العمل للمنعم شكر له أو مفعول به يعني إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً وسئل الجنيد عن الشكر فقال بذل المجهود بين يدي المعبود {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ} بسكون الياء حمزة وغيره بفتحها {الشكور} المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا أو اعترافا وكدحا وعن ابن عباس رضى اله عنه من يشكر على أحواله كلها وقيل من يشكر على الشكر وقيل من يرى عجزه عن الشكر وحكي عن داود عليه السلام أنه جزا ساعات اليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ جَمْعُ مِحْرابٍ وهو كَما قالَ عَطِيَّةُ: القَصْرُ، وسُمِّيَ بِاسْمِ صاحِبِهِ لِأنَّهُ يُحارِبُ غَيْرَهُ في حِمايَتِهِ، فَإنَّ المِحْرابَ في الأصْلِ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ اِسْمٌ لِمَن يُكْثِرُ الحَرْبَ ولَيْسَ مَنقُولًا مِنَ اِسْمِ الآلَةِ وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، ولِابْنِ حَيُّوسٍ: جَمَعَ الشَّجاعَةَ والخُشُوعَ لِرَبِّهِ ما أحْسَنَ المِحْرابَ في مِحْرابِهِ ويُطْلَقُ عَلى المَكانِ المَعْرُوفِ الَّذِي يَقِفُ بِحِذائِهِ الإمامُ، وهو مِمّا أُحْدِثَ في المَساجِدِ ولَمْ يَكُنْ في الصَّدْرِ الأوَّلِ كَما قالَ السُّيُوطِيُّ وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً ولِذا كَرِهَ الفُقَهاءُ الوُقُوفَ في داخِلِهِ.

وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: المَحارِيبُ المَساكِنُ، وقِيلَ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ بِالدَّرَجِ كالغُرَفِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ سُمِّيَتْ بِاسْمِ بَعْضِها تَجَوُّزًا عَلى ما قِيلَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المِحْرابَ اِسْمٌ لِحُجْرَةٍ في المَسْجِدِ يُعْبَدُ اللَّهَ تَعالى فِيها أوْ لِمَوْقِفِ الإمامِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرَها بِالقُصُورِ والمَساجِدِ مَعًا، وجُمْلَةُ ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِتَفْصِيلِ ما ذُكِرَ مِن عَمَلِهِمْ، وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا وهو كَما تَرى ﴿ وتَماثِيلَ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ صُوَرَ حَيَواناتٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صُوَرُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والصُّلَحاءِ كانَتْ تُعْمَلُ في المَساجِدِ مِن نُحاسٍ وصُفْرٍ وزُجاجٍ ورُخامٍ لِيَراها النّاسُ فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ، وكانَ اِتِّخاذُ الصُّوَرِ في ذَلِكَ الشَّرْعِ جائِزًا كَما قالَ في الآيَةِ اِتَّخَذَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَماثِيلَ مِن نُحاسٍ فَقالَ يا رَبِّ اُنْفُخْ فِيها الرُّوحَ فَإنَّها أقْوى عَلى الخِدْمَةِ فَيَنْفُخُ اللَّهُ تَعالى فِيها الرُّوحَ فَكانَتْ تَخْدِمُهُ وإسْفَنْدِيارُ مِن بَقاياهُمْ، وهَذا مِنَ العَجَبِ العُجابِ ولا يَنْبَغِي اِعْتِقادُ صِحَّتِهِ، وما هو إلّا حَدِيثُ خُرافَةٍ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّهم عَمِلُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما فَأمْرٌ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِآلاتٍ تَتَحَرَّكُ عِنْدَ الصُّعُودِ وعِنْدَ القُعُودِ فَتُحَرِّكُ الذِّراعَيْنِ والأجْنِحَةَ، وقَدِ اِنْتَهَتْ صَنائِعُ البَشَرِ إلى مَثَلِ ذَلِكَ في الغَرابَةِ، وقِيلَ: التَّماثِيلُ طَلْسَماتٌ فَتَعْمَلُ تِمْثالًا لِلتِّمْساحِ أوْ لِلذُّبابِ أوْ لِلْبَعُوضِ فَلا يَتَجاوَزُهُ المُمَثَّلُ بِهِ ما دامَ في ذَلِكَ المَكانِ، وقَدِ اُشْتُهِرَ عَمَلُ نَحْوِ ذَلِكَ عَنِ الفَلاسِفَةِ وهو مِمّا لا يَتِمُّ عِنْدَهم إلّا بِواسِطَةِ بَعْضِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، وعَلى البابِ الشَّهِيرَةِ بِبابِ الطَّلْسَمِ مِن أبْوابِ بَغْدادَ تِمْثالُ حَيَّةٍ يَزْعُمُونَ أنَّهُ لِمَنعِ الحَيّاتِ عَنِ الإيذاءِ داخِلَ بَغْدادَ ونَحْنُ قَدْ شاهَدْنا مِرارًا أُناسًا لَسَعَتْهُمُ الحَيّاتُ فَمِنهم مَن لَمْ يَتَأذَّ ومِنهم مَن تَأذّى يَسِيرًا، ولَمْ نُشاهِدْ مَوْتَ أحَدٍ مِن ذَلِكَ وقَلَّما يَسْلَمُ مَن لَسَعَتْهُ خارِجَ بَغْدادَ لَكِنْ لا نَعْتَقِدُ أنَّ لِذَلِكَ التِّمْثالِ مَدْخَلًا فِيما ذُكِرَ ونَظُنُّ أنَّ ذاكَ لِضَعْفِ الصِّنْفِ المَوْجُودِ في بَغْدادَ مِنَ الحَيّاتِ وقِلَّةِ شَرِّهِ بِالطَّبِيعَةِ، وقِيلَ كانَتِ التَّماثِيلُ صُوَرَ شَجَرٍ أوْ حَيَواناتٍ مَحْذُوفَةِ الرُّؤُوسِ مِمّا جُوِّزَ في شَرْعِنا، ولا يُحْتاجُ إلى اِلْتِزامِ ذَلِكَ إذا صَحَّ فِيهِ نَقْلٌ، فَإنَّ الحَقَّ أنَّ حُرْمَةَ تَصْوِيرِ الحَيَوانِ كامِلًا لَمْ تَكُنْ في ذَلِكَ الشَّرْعِ وإنَّما هي في شَرْعِنا ولا فَرْقَ عِنْدَنا بَيْنَ أنْ تَكُونَ الصُّورَةُ ذاتَ ظِلٍّ وأنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ كَصُورَةِ الفَرَسِ المَنقُوشَةِ عَلى كاغِدٍ أوْ جِدارٍ مَثَلًا.

وحَكى مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ أنَّ قَوْمًا أجازُوا التَّصْوِيرَ وحَكاهُ النَّحّاسُ أيْضًا، وكَذا اِبْنُ الفَرَسِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ ورَدَ في شَرْعِنا مِن تَشْدِيدِ الوَعِيدِ عَلى المُصَوِّرِينَ ما ورَدَ فَلا يُلْتَفَتْ إلى هَذا القَوْلِ ولا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ، وكَأنَّهُ إنَّما حُرِّمَتِ التَّماثِيلُ لِأنَّهُ بِمُرُورِ الزَّمانِ اِتَّخَذَها الجَهَلَةُ مِمّا يُعْبَدُ وظَنُّوا وضْعَها في المَعابِدِ لِذَلِكَ فَشاعَتْ عِبادَةُ الأصْنامِ أوْ سَدًّا لِبابِ التَّشَبُّهِ بِمُتَّخِذِي الأصْنامِ بِالكُلِّيَّةِ.

وجِفانٍ جُمَعُ جَفْنَةٍ وهي ما يُوضَعُ فِيها الطَّعامُ مُطْلَقًا كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: الجَفْنَةُ أعْظَمُ القِصاعِ ويَلِيها القَصْعَةُ وهي ما تُشْبِعُ العَشَرَةَ ويَلِيها الصَّحْفَةُ وهي ما تُشْبِعُ الخَمْسَةَ ويَلِيها المِئْكَلَةُ وهي ما تُشْبِعُ الِاثْنَيْنِ والثَّلاثَةَ ويَلِيها الصَّحِيفَةُ وهي ما تُشْبِعُ الواحِدَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ هُنا المُطْلَقُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كالجَوابِ ﴾ أيْ كالحِياضِ العِظامِ جَمْعُ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ أيِ الجَمْعِ فَهي في الأصْلِ مَجازٌ في الطَّرَفِ أوِ النِّسْبَةِ لِأنَّها يَجْبِي إلَيْها لا جابِيَةٌ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلى الإناءِ المَخْصُوصِ غَلَبَةَ الدّابَّةِ في ذَواتِ الأرْبَعِ، وجاءَ تَشْبِيهُ الجَفْنَةِ بِالجابِيَةِ في كَلامِهِمْ مِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: نَفى الذَّمَّ عَنْ آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ كَجابِيَةِ السَّيْحِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ وقَوْلُ الأفْوَهِ الأوْدِيِّ: وقُدُورٌ كالرُّبى راسِيهْ ∗∗∗ وجِفانٍ كالجَوابِي مُتْرَعَهْ وذُكِرَ في سِعَةِ جِفانِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها كانَ عَلى الواحِدَةِ مِنها ألْفُ رَجُلٍ.

وقُرِئَ «كالجَوابِي» بِياءٍ وهو الأصْلُ وحَذْفُها لِلِاجْتِزاءِ بِالكَسْرَةِ وإجْراءِ ألْ مَجْرى ما عاقَبَها وهو التَّنْوِينُ فَكَما يُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ يُحْذَفُ مَعَ ما عاقَبَهُ.

﴿ وقُدُورٍ ﴾ جَمْعُ قِدْرٍ، وهو ما يُطْبَخُ فِيهِ مِن فَخّارٍ أوْ غَيْرِهِ وهو عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ ﴿ راسِياتٍ ﴾ ثابِتاتٍ عَلى الأثافِي لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها، قالَهُ قَتادَةَ، وقِيلَ: كانَتْ عَظِيمَةً كالجِبالِ، وقُدِّمَتِ المَحارِيبُ عَلى التَّماثِيلِ لِأنَّ الصُّوَرَ تُوضَعُ في المَحارِيبِ أوْ تُنْقَشُ عَلى جُدْرانِها، وقُدِّمَتِ الجِفانُ عَلى القُدُورِ مَعَ أنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ والجِفانَ آلَةُ الأكْلِ والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ لِأنَّهُ لَمّا ذُكِرَتِ الأبْنِيَةُ المَلَكِيَّةُ ناسَبَ أنْ يُشارَ إلى عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ فِيها فَذُكِرَتِ الجِفانُ أوَّلًا لِأنَّها تَكُونُ فِيها بِخِلافِ القُدُورِ فَإنَّها لا تَحْضُرُ هُناكَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ راسِياتٍ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا، وكَأنَّهُ لَمّا بُيِّنَ حالُ الجِفانِ اِشْتاقَ الذِّهْنُ إلى حالِ القُدُورِ فَذُكِرَتْ لِلْمُناسَبَةِ.

﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوِ الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (سَخَّرْنا) المُقَدَّرِ و(آلَ) مُنادى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ و ﴿ شُكْرًا ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العَمَلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لِلشُّكْرِ لا لِلرَّجاءِ والخَوْفِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِاعْمَلُوا لِأنَّ الشُّكْرَ نَوْعٌ مِنَ العَمَلِ فَهو كَ قَعَدْتُ القُرْفُصاءَ، وقِيلَ: لِتَضْمِينِ اِعْمَلُوا مَعْنى اُشْكُرُوا، وقِيلَ: لِـ اُشْكُرُوا مَحْذُوفًا أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ بِتَأْوِيلِ اِسْمِ الفاعِلِ، أيِ اِعْمَلُوا شاكِرِينَ لِأنَّ الشُّكْرَ يَعُمُّ القَلْبَ والجَوارِحَ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اِعْمَلُوا عَمَلًا شُكْرًا أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا عَمِلُوا فالكَلامُ كَقَوْلِكَ عَمِلْتُ الطّاعَةَ، وقِيلَ: إنَّ اِعْمَلُوا أُقِيمَ مَقامَ اُشْكُرُوا مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (يَعْمَلُونَ) .

وقالَ اِبْنُ الحاجِبِ: إنَّهُ جُعِلَ مَفْعُولًا بِهِ تَجَوُّزًا، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ رَوى اِبْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا قِيلَ لَهُمُ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا، لَمْ يَأْتِ ساعَةٌ عَلى القَوْمِ إلّا ومِنهم قائِمٌ يُصَلِّي، وفي رِوايَةٍ كانَ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا وكانُوا يَتَناوَبُونَهُ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ ويُطْعِمُ أهْلَهُ خُشادَتَهُ والمَساكِينَ الدَّرْمَكَ وهو الدَّقِيقُ الحِوارِيُّ وما شَبِعَ قَطُّ، وقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ إذا شَبِعْتُ أنْ أنْسى الجِياعَ، وجَوَّزَ بَعْضُ الأفاضِلِ دُخُولَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الآلِ هُنا لِأنَّ آلَ الرَّجُلِ قَدْ يَعُمُّهُ.

ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ قالَ: قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يا رَبِّ هَلْ باتَ أحَدٌ مِن خَلْقِكَ أطْوَلَ ذِكْرًا مِنِّي فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ الضُّفْدَعَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ فَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ أُطِيقُ شُكْرَكَ وأنْتَ الَّذِي تُنْعِمُ عَلَيَّ ثُمَّ تَرْزُقُنِي عَلى النِّعْمَةِ الشُّكْرَ فالنِّعْمَةُ مِنكَ والشُّكْرُ مِنكَ فَكَيْفَ أُطِيقُ شُكْرَكَ؟

فَقالَ جَلَّ وعَلا: يا داوُدُ الآنَ عَرَفْتَنِي حَقَّ مَعْرِفَتِي.

وجاءَ في رِوايَةِ اِبْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ يا رَبِّ: كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنكَ؟

قالَ سُبْحانَهُ: الآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ النِّعَمَ مِنِّي، وكَذا ما أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ داوُدُ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الشُّكْرَ فاكْفِنِي قِيامَ النّارِ أكْفِكَ قِيامَ اللَّيْلِ، قالَ: لا أسْتَطِيعُ، قالَ: فاكْفِنِي صَلاةَ النَّهارِ فَكَفاهُ.

﴿ وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: هو الَّذِي يَشْكُرُ عَلى أحْوالِهِ كُلِّها، وفي الكَشّافِ هو المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ الباذِلُ وُسْعَهُ فِيهِ قَدْ شَغَلَ بِهِ قَلْبَهُ ولِسانَهُ وجَوارِحَهُ اِعْتِرافًا واعْتِقادًا وكَدْحًا وأكْثَرَ أوْقاتِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ هو مَن يَشْكُرُ عَلى الشُّكْرِ، وقِيلَ: مَن يُرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ لِأنَّ تَوْفِيقَهُ لِلشُّكْرِ نِعْمَةٌ يَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَةٍ، وقَدْ نَظَمَ هَذا بَعْضُهم فَقالَ: إذا كانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ في مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وإنْ طالَتِ الأيّامُ واتَّسَعَ العُمْرُ إذا مَسَّ بِالنَّعْماءِ عَمَّ سُرُورُها ∗∗∗ وإنْ مَسَّ بِالضَّرّاءِ أعْقَبَها الأجْرُ وقَدْ سَمِعْتُ آنِفًا ما رُوِيَ عَنْ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في خِطابِ آلِ داوُدَ وهو الظّاهِرُ وأنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً جِيءَ بِها إخْبارًا لِنَبِيِّنا  وفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ عَلى الشُّكْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ «عِبادِي» بِسُكُونِ الياءِ وفَتَحَها الباقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يعني: أعطيناه النبوة والملك يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ يعني: سبحي مع داود.

وأصله في اللغة من الرجوع.

وإنما سمي التسبيح إياباً لأن المسبح مرة بعد مرة وقال القتبي: أصله التأويب من السير، وهو أن يسير النهار كله، كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل.

ثم قال: وَالطَّيْرَ وقرئ في الشاذ: والطير بالضم.

وقراءة العامة بالنصب.

فمن قرأ بالضم: فهو على وجهين.

أحدهما أن يكون نسقاً على أوبي، والمعنى يا جبال ارجعي بالتسبيح معه أنت والطير.

ويجوز أن يكون مرفوعاً على النداء والمعنى أيها الجبال وأيها الطير.

ومن قرأ بالنصب فلثلاث معانٍ أحدها لنزع الخافض ومعناه: أوبي معه، ومع الطير.

والثاني أنه عطف على قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا وآتيناه الطير يعني: وسخرنا له الطير.

والثالث أن النداء إذا كان على أثره اسم، فكان الأول بغير الألف واللام، والثاني بالألف واللام، فإنه في الثاني بالخيار إن شاء نصبه، وإن شاء رفعه والنصب أكثر كما قال الشاعر: ألاَ يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا ...

فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمرَ الطَّرِيقِ ورفع زيداً لأنه نداء مفرد، ونصب الضحاك بإدخال الألف واللام.

ثم قال عز وجل: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ يعني: جعلنا له الحديد مثل العجين أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ يعني: قلنا له اعمل الدروع الواسعة.

وكان قبل ذلك صفائح الحديد مضروبة.

ثم قال: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ قال السدي: السَّرْدِ المسامير التي في خلق الدرع.

وقال مجاهد: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي: لا تدق المسامير، فتقلقل في الحلقة، ولا تغلظها فتعصمها، واجعله قدراً بين ذلك.

وقال في رواية الكلبي هكذا.

وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن الدروع التي عملها داود-  - وكانت بغير مسامير، لأنها كانت معجزة له.

ولو كان محتاجاً إلى المسمار لما كان بينه وبين غيره فرق.

وقد يوجد من بقايا تلك الدروع بغير مسامير، ولكن معنى قوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي: قدر في نسخها وطولها وعرضها وضيقها وسعتها.

ويقال: قَدِّرْ في تأليفه والسرد في اللغة تقدمة الشيء إلى الشيء.

يأتي منسقاً بعضه إلى أثر بعض، متتابعاً.

ويقال: يسرد في الكلام إذا ذكره بالتأليف.

ومنه قيل لصانع الدروع: سراد وزراد، تبدل من السين الزاي.

وروي عن عائشة أنها قالت إن رسول الله  لم يكن يسرد الحديث كسردكم أي: لم يتابع في الحديث كتتابعكم.

ثم قال: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني: أدوا فرائضي وقد خاطبه بلفظ الجماعة كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] وأراد به النبي  خاصة.

ويقال: إنه أراد به داود وقومه إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني: عالم <div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ وهو النُّبُوَّةُ والزَّبُورُ وتَسْخِيرُ الجِبالِ والطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الواوِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقُلْنا: يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ، أيْ: رَجِّعِي مَعَهُ.

والمَعْنى: سَبِّحِي مَعَهُ ورَجِّعِي التَّسْبِيحَ.

ومَن قَرَأ: " أُوبِي "، مَعْناهُ: عُودِي في التَّسْبِيحِ مَعَهُ كُلَّما عادَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أوِّبِي " أيْ: سَبِّحِي، وأصْلُ التَّأْوِيبِ في السَّيْرِ، وهو أنْ يَسِيرَ النَّهارَ كُلَّهُ، ويَنْزِلَ لَيْلًا، فَكَأنَّهُ أرادَ: ادْأبِي النَّهارَ [كُلَّهُ] بِالتَّسْبِيحِ إلى اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والطَّيْرَ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " والطَّيْرُ " بِالرَّفْعِ.

فَأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ ﴿ والطَّيْرَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ نَصْبًا عَلى النِّداءِ، كَأنَّهُ قالَ: دَعَوْنا الجِبالَ والطَّيْرَ، فالطَّيْرُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ الجِبالِ، وكُلُّ مُنادًى عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ قالَ: وأمّا الرَّفْعُ، فَمِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما: أنْ يَكُونُ نَسَقًا عَلى ما في " أوِّبِي، فالمَعْنى: يا جِبالُ رَجِّعِي التَّسْبِيحَ مَعَهُ أنْتِ والطَّيْرُ؛ والثّانِيَةُ: عَلى النِّداءِ، المَعْنى: يا جِبالُ ويا أيُّها الطَّيْرُ أوِّبِي [مَعَهُ] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ مَعَهُ إذا سَبَّحَ، وكانَ إذا قَرَأ لَمْ تَبْقَ دابَّةٌ إلّا اسْتَمَعَتْ لِقِراءَتِهِ وبَكَتْ لِبُكائِهِ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَقُولُ لِلْجِبالِ: سَبِّحِي، ولِلطَّيْرِ: أجِيبِي، ثُمَّ يَأْخُذُ هو في تِلاوَةِ الزَّبُورِ بَيْنَ ذَلِكَ بِصَوْتِهِ الحَسَنِ، فَلا يَرى النّاسُ مَنظَرًا أحْسَنَ مِن ذَلِكَ، ولا يَسْمَعُونَ شَيْئًا أطْيَبَ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا.

قالَ قَتادَةُ: سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الحَدِيدَ بِغَيْرِ نارٍ، فَكانَ يُسَوِّيهِ بِيَدِهِ، لا يُدْخِلُهُ النّارَ، ولا يَضْرِبُهُ بِحَدِيدَةٍ، وكانَ أوَّلَ مَن صَنَعَ الدُّرُوعَ، وكانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْمَلْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وقُلْنا لَهُ: اعْمَلْ، ويَكُونُ في مَعْنى " لِأنْ يَعْمَلَ " ﴿ سابِغاتٍ ﴾ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، فَذَكَرَ الصِّفَةَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المَوْصُوفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يَأْخُذُ الحَدِيدَ بِيَدِهِ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ عَجِينٌ يَعْمَلُ بِهِ ما يَشاءُ، فَيَعْمَلُ الدِّرْعَ في بَعْضِ يَوْمٍ فَيَبِيعُهُ بِمالٍ كَثِيرٍ، فَيَأْكُلُ ويَتَصَدَّقُ.

والسّابِغاتُ: الدُّرُوعُ الكَوامِلُ الَّتِي تُغَطِّي لابِسَها حَتّى تَفْضُلَ عَنْهُ فَيَجُرَّها عَلى الأرْضِ.

﴿ وَقَدِّرْ في السَّرْدِ ﴾ أيِ: اجْعَلْهُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّرْدُ: النَّسْجُ، ومِنهُ يُقالُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ: سَرّادٌ وزَرّادٌ، تُبْدَلُ مِنَ السِّينِ الزّايُ، كَما يُقالُ: سِراطٌ وزِراطٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: السَّرْدُ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ تَأتِي بِهِ مُتَّسِقًا بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا.

ومِنهُ قَوْلُهُمْ: سَرَدَ فُلانٌ الحَدِيثَ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَدِّلِ المِسْمارَ في الحَلْقَةِ ولا تُصَغِّرْهُ فَيَقْلَقَ، ولا تُعَظِّمْهُ فَتَنْفَصِمَ الحَلْقَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: لا تَجْعَلْ حِلَقَهُ واسِعَةً فَلا تَقِي صاحِبَها، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ خِطابٌ لِداوُدَ وآلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ ﴾ المَحارِيبُ: الأبْنِيَةُ العالِيَةُ الشَرِيفَةُ، قالَ قَتادَةُ: القُصُورُ والمَساجِدُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَساكِنُ، والمِحْرابُ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في البَيْتِ، والمِحْرابُ مَوْضِعُ العِبادَةِ أشْرَفُ ما يَكُونُ مِنهُ، وغَلَبَ عُرْفُ الِاسْتِعْمالِ في مَوْضِعِ وُقُوفِ الإمامِ لِشَرَفِهِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كال ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ والتَماثِيلُ، قِيلَ: كانَتْ مِن زُجاجٍ ونُحاسٍ، تَماثِيلُ أشْياءَ لَيْسَتْ بِحَيَوانٍ، وقالَ الضَحّاكُ: كانَتْ تَماثِيلَ حَيَوانٍ، وكانَ هَذا مِنَ الجائِزِ في ذَلِكَ الشَرْعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونُسِخَ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ  .

وقالَ قَوْمٌ: حُرِّمَ التَصْوِيرُ لِأنَّ الصُوَرَ كانَتْ تُعْبَدُ، وحَكى في الهِدايَةِ أنَّ فِرْقَةً كانَتْ تُجَوِّزُ التَصْوِيرَ وتَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ خَطَأٌ، وما أحْفَظُ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ مَن يُجَوِّزُهُ.

والجَوابِي جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي البِرْكَةُ الَّتِي يَجِيءُ إلَيْها الماءُ الَّذِي يَجْتَمِعُ، قالَ الراجِزُ: فَصَبَّحْتُ جابِيَةً صُهارِجا ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ جِلْدُ السَماءِ خارِجا وَقالَ مُجاهِدٌ: هي جَمْعُ جَوْبَةٍ، وهي الحُفْرَةُ العَظِيمَةُ في الأرْضِ، وفي هَذا نَظَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: نَفى الذَمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كَجابِيَةِ الشَيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ وأنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ: "تَرُوحُ عَلى آلِ المُحَلَّقِ"، ويُرْوى: "السَيْحُ" بِالسِينِ المُهْمَلَةِ، وهو الماءُ الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ ويُرْوى بِالشِينِ والخاءِ مَنقُوطَتَيْنِ فَيُقالُ أرادَ كِسْرى ويُقالُ أرادَ شَيْخًا مِن فَلّاحِي سَوادِ العِراقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وذَلِكَ أنَّهُ لِضَعْفِهِ يَدَّخِرُ الماءَ في جابِيَةٍ فَهي تَفْهَقُ أبَدًا فَشُبِّهَتِ الجَفْنَةُ بِها لِعِظَمِها وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الجَوابِي الحِياضُ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ كالجَوابِ بَغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بِغَيْرِ ياءٍ في الوَقْفِ وياءٍ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ فِيهِما.

ووَجْهُ حَذْفِ الياءِ التَخْفِيفُ والإيجازُ، وهَذا كَحَذْفِهِمْ ذَلِكَ مِنَ "القاضِ، والغازِ، والهادِ"، وأيْضًا فَلَمّا كانَتِ الألِفُ واللامُ تُعاقِبُ التَنْوِينَ وكانَتِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ وجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ ما عاقَبَتْهُ، كَما يُعْمِلُونَ الشَيْءَ أبَدًا عَمَلَ نَقِيضِهِ.

و"راسِياتٍ" مَعْناهُ: ثابِتاتٍ لِكِبَرِها، لَيْسَتْ مِمّا يُنْقُلُ ولا يُحْمَلُ، ولا يَسْتَطِيعُ عَمَلَهُ إلّا الجِنُّ، وبِالثُبُوتِ فَسَّرَها الناسُ.

ثُمَّ أُمِرُوا مَعَ هَذِهِ النِعَمِ بِأنْ يَعْمَلُوا بِالطاعاتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "شُكْرًا" ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيِ: اعْمَلُوا بِالطاعاتِ في حالِ شُكْرٍ مِنكم لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِعَمِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى جِهَةِ المَفْعُولِ، أيِ: اعْمَلُوا عَمَلًا هو الشُكْرُ، كَأنَّ الصَلاةَ والصِيامَ والعِباداتِ كُلَّها هي نَفْسُها الشُكْرُ إذْ سَدَّتْ مَسَدَّهُ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ  صَعِدَ المِنبَرَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: "ثَلاثٌ مَن أُوَتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ العَمَلَ شُكْرًا: العَدْلُ في الغَضَبِ والرِضى، والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى، وخَشْيَةُ اللهِ في السِرِّ والعَلانِيَةِ"،» ورُوِيَ «أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أُطِيقُ شُكْرَكَ عَلى نِعَمِكَ وإلْهامِي وقُدْرَتِي عَلى شُكْرِكَ نِعْمَةٌ لَكَ؟

فَقالَ: الآنَ يا داوُدُ عَرَفْتَنِي حَقَّ مَعْرِفَتِي،» وقالَ ثابِتٌ: رُوِيَ أنَّ مُصَلّى آلِ داوُدَ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن قائِمٍ يُصَلِّي لَيْلًا ونَهارًا، كانُوا يَتَناوَبُونَهُ دائِمًا، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ يَأْكُلُ الشَعِيرَ، ويُطْعِمُ أهْلَهُ الخُشْكارَ، ويُطْعِمُ المَساكِينَ الدَرْمَكَ.

ورُوِيَ أنَّهُ ما شَبِعَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أخافُ أنْ أنْسى الجِياعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِآلِ داوُدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً لِآلِ مُحَمَّدٍ  ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفِيها تَنْبِيهٌ وتَحْرِيضٌ، وسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَجُلًا يَقُولُ: اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ القَلِيلِ، فَقالَ لَهُ: ما هَذا الدُعاءُ؟

فَقالَ: أرَدْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ ﴾ ، فَقالَ عُمَرُ: كُلُّ الناسِ أعْلَمُ مِن عُمَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ  ﴾ ، والقِلَّةُ أيْضًا بِمَعْنى الخُمُولِ مِنحَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَلِهَذا الدُعاءِ مَحاسِنُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

و ﴿ يعملون له ما يشاء ﴾ جملة مبينة لجملة ﴿ يعمل بين يديه ﴾ [سبأ: 12].

و ﴿ من محاريب ﴾ بيان ل ﴿ ما يشاء ﴾ .

والمحاريب: جمع محراب، وهو الحصن الذي يحارب منه العدوُّ والمهاجِم للمدينة، أو لأنه يرمى من شرفاته بالحِراب، ثم أطلق على القصر الحصين.

وقد سمَّوْا قصور غُمدان في اليمن محاريبَ غُمدانَ.

وهذا المعنى هو المراد في هذه الآية.

ثم أطلق المحراب على الذي يُخْتَلَى فيه للعبادة فهو بمنزلة المسجد الخاص، قال تعالى: ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ﴾ وتقدم في سورة آل عمران (39).

وكان لداود محراب يجلس فيه للعبادة قال تعالى: ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ﴾ في سورة ص (21).

وأما إطلاق المحراب على الموضع من المسجد الذي يقف فيه الإِمامُ الذي يؤمّ الناس، يُجعل مثل كوة غير نافذة واصلة إلى أرض المسجد في حائط القبلة يقف الإِمام تحته، فتسمية ذلك محراباً تسمية حديثة ولم أقف على تعيين الزمن الذي ابتدئ فيه إطلاق اسم المحراب على هذا الموقف.

واتخاذ المحاريب في المساجد حدث في المائة الثانية، والمظنون أنه حدث في أولها في حياة أنس بن مالك لأنه روي عنه أنه تنزه عن الجلوس في المحاريب وكانوا يسمونه الطاقَ أو الطاقَة، وربما سموه المذبح، ولم أر أنهم سموه أيامئذ محراباً، وإنما كانوا يسمون بالمحراب موضع ذبح القربان في الكنيسة، قال عُمر بن أبي ربيعة: دُمية عند راهب قسيس *** صوَروها في مذابح المحراب والمذبح والمحراب مقتبسة من اليهود لما لا يخفى من تفرع النصرانية عن دين اليهودية.

وما حكي عن أنس بن مالك إن صحّ فإنما يُعنى به بيت للصلاة خاص.

ورأيت إطلاق المحراب على الطاقة التي في المسجد في كلام الفَراء، أي في منتصف القرن الثاني، نقل الجوهري عنه أنه قال: المحاريب صدور المجالس ومنه سمي محرابُ المسجد، لأن المحراب لم يبق حينئذٍ مطلقاً على مكان العبادة.

ومن الغلط أن جعلوا في المسجد النبوي في الموضع الذي يقرَّب أن يكون النبي يصلي فيه صورَة محراب منفصل يسمونه محراب النبي وإنما هو علامة على تحري موقفه.

والذي يظهر أن المسلمين ابتدأوا فجعلوا طاقات صغيرة علامة على القبلة لئلا يضل الداخل إلى المسجد يريد الصلاة فإن ذلك يقع كثيراً، ثم وسعوها شيئاً فشيئاً حتى صيروها في صورة نصف دهليز صغير في جدار القبلة يسع موقف الإِمام، وأحسب أن أول وضعه كان عند بناء المسجد الأموي في دمشق، ثم إن الخليفة الوليد بن عبد الملك أمر بجعله في المسجد النبوي حين وسّعه وأعاد بناءه، وذلك في مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة حسبما ذكر السمهودي في كتاب خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى}.

والتماثيل: جمع تِمثال بكسر التاء، ووزنه تِفعال لأن التاء مزيدة وهو أحد أسماء معدودة جاءت على وزن تِفعال بكسر التاء، وأما قياس هذا الباب وأكثرُه فهو بفتح التاء.

والأسماء التي جاءت على هذا الوزن منها مصادر ومنها أسماء، فأما المصادر فأكثرها بفتح التاء إلا مصدرين: تبيان، وتلقاء بمعنى اللقاء.

وأما الأسماء فورد منها على الكسر نحو من أربعة عشر اسماً منها: تِمثال، أحصاها ابن دريد، وزاد ابن العربي في «أحكام القرآن» عن شيخه الخطيب التبريزي تسعة فصارت خمسة وعشرين.

والتمثال هو الصورة الممثلة، أي المجسمة مثل شيء من الأجسام فكان النحاتون يعملون لسليمان صوراً مختلفة كصور موهومة للملائكة وللحيوان مثل الأسود، فقد كان كرسي سليمان محفوفاً بتماثيل أُسود أربعة عشر كما وصف في الإِصحاح العاشر من سفر الملوك الأول.

وكان قد جَعل في الهيكل جابية عظيمة من نحاس مصقول مرفوعة على اثنتي عشرة صورة ثور من نحاس.

ولم تكن التماثيل المجسمة محرَّمَة الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرمها الإِسلام لأن الإِسلام أمعن في قطع دَابر الإِشراك لشدة تمكن الإِشراك من نفوس العرب وغيرهم.

وكان معظم الأصنام تماثيل فحرّم الإِسلام اتخاذها لذلك، ولم يكن تحريمها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها ولكن لكونها كانت ذريعة للإِشراك.

واتفق الفقهاء على تحريم اتخاذ ما له ظلّ من تماثيل ذوات الروح إذا كانت مستكملة الأعضاء التي لا يعيش ذو الروح بدونها وعلى كراهة ما عدا ذلك مثل التماثيل المنصفة ومثل الصور التي على الجدران وعلى الأوراق والرقم في الثوب ولا ما يجلس عليه ويداس.

وحكم صنعها يتبع اتخاذها.

ووقعت الرخصة في اتخاذ صور تلعب بها البنات لفائدة اعتيادهن العمل بأمور البيت.

والجفان: جمع جفنة، وهي القصعة العظيمة التي يجفن فيها الماء.

وقدرت الجفنة في التوراة بأنها تسع أربعين بَثَّا (بالمثلثة) ولم نعرف مقدار البث عندهم ولا شك أنه مكيال.

وشبهت الجفان في عظمتها وسعتها بالجوابي.

وهي جمع: جابية وهي الحوض العظيم الواسع العميق الذي يجمع فيه الماء لسقي الأشجار والزروع، قال الأعشى: نفي الذم عن رهط المحلَّق جفنة *** كجابية الشيخ العراقي تَفْهَق أي الجفنة في سعتها كجابية الرجل العراقي، وأهل العراق أهل كروم وغروس فكانوا يجمعون الماء للسقي.

وكانت الجفان المذكورة في الهيكل المعروف عندنا بيت المقدس لأجل وضع الماء ليغلسوا فيها ما يقربونه من المحرَقات كما في الإِصحاح الرابع من سفر الأيام الثاني.

وكتب في المصحف ﴿ كالجواب ﴾ بدون ياء بعد الموحدة.

وقرأه الجمهور بدون ياء في حالي الوصل والوقف.

وقرأه ابن كثير بإثبات الياء في الحالين.

وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو بإثبات الياء في حال الوصل وبحذفها في حال الوقف.

والقدور: جمع قِدر وهي إناء يوضع فيه الطعام ليطبخ من لحم وزيت وأدهان وتوابل.

قال النابغة في النعمان بن الحارث الجُلاحي: له بِفناء البيت سوداء فخمة *** تلقَّم أوصال الجَزور العُراعر بقية قِدر من قُدور تُورثت *** لآل الجلاح كابراً بعد كابر أي تَسَع قوائم البعير إذا وضعت فيه لتطبخ مَرقاً ونحوه.

وهذه القدور هي التي يطبخ فيها لجند سليمان ولسدنة الهيكل ولخدمه وأتباعه وقد ورد ذكر القدور إجمالاً في الفقرة السادسة عشرة من الإصحاح الرابع من سفر الأيام الثاني.

والراسيات: الثابتات في الأرض التي لا تُنزل من فوق أثافيها لتداول الطبخ فيها صباحَ مساءَ.

وجملة ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ مقول قول محذوف، أي قلنا: اعملوا يا آل داود، ومفعول ﴿ اعملوا ﴾ محذوف دل عليه قوله: ﴿ شكراً ﴾ .

وتقديره: اعملوا صالحاً، كما تقدم آنفاً، عملاً لشكر الله تعالى، فانتصب ﴿ شكراً ﴾ على المفعول لأجله.

والخطاب لسليمان وآله.

وذُيل بقوله: ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ فهو من تمام المقول، وفيه حثّ على الاهتمام بالعمل الصالح.

ويجوز أن يكون هذا التذييل كلاماً جديداً جاء في القرآن، أي قلنا ذلك لآل داود فعَمل منهم قليل ولم يعمل كثير وكان سليمان من أول الفئة القليلة.

و ﴿ الشكور ﴾ : الكثيرُ الشكر.

وإذْ كان العمل شكراً أفاد أن العاملين قليل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ.

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: تَغْدُو مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَهي تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.

وَقالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيُقْبِلُ بِإصْطَخْرَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ ويَرُوحُ فَيَبِيتُ بِكابُلَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ.

﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي عَيْنٌ بِأرْضِ اليَمَنِ، قالَ السُّدِّيُّ: سَيَّلْتُ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَ عِكْرِمَةُ: سالَ لَهُ القِطْرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن صَنْعاءَ اليَمَنِ كَما يَسِيلُ الماءُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: هي عَيْنٌ بِالشّامِ.

وَفي القِطْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: الصُّفْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنهم مَن سَخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَمَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مِنهم غَيْرَ مُسَخَّرٍ.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ أيْ بِأمْرِ رَبِّهِ.

﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَمّا يَأْمُرُهُ سُلَيْمانُ، قالَهُ قَتادَةُ: لِأنَّ أمْرَ سُلَيْمانَ كانَ كَأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِن أنْبِيائِهِ.

﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ أيِ النّارِ المُسَعَّرَةِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نُذِيقُهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسَخِّرُ مِنهم إلّا الكَفّارَ فَإذا آمَنُوا أُرْسِلُوا، قالَ وكانَ مَعَ المُسَخَّرِينَ مِنهم مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن عَذابِ السَّعِيرِ فَإذا خالَفَ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ المَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها قُصُورٌ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: المَساجِدُ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ.

الثّالِثُ: المَساكِنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِحْرابُ الدّارِ أشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيها، ولا يَكُونُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ.

﴿ وَتَماثِيلَ ﴾ هي الصُّوَرُ، قالَ الحَسَنُ ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن نُحاسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِن رُخامٍ وشَبَهٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ طَواوِيسُ وعُقابًا ونُسُورًا عَلى كُرْسِيِّهِ ودَرَجاتِ سَرِيرِهِ لِكَيْ يَهابَ مِن شاهِدِها أنْ يَتَقَدَّمَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: صُوَرُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ وَجِفانٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: صِحافٌ.

﴿ كالجَوابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كالحِياضِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: كالحائِطِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عِظامٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ أثافِيَها مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ثابِتاتٌ لا يَزُلْنَ عَنْ أماكِنِهِنَّ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي لِثُبُوتِها وثُبُوتِ الأرْضِ بِها.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ القُدُورَ بِاليَمَنِ أبْقاها اللَّهُ تَعالى آيَةً وعِبْرَةً.

﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: تَقْوى اللَّهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: صَوْمُ النَّهارِ وقِيامُ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ أبِي زِيادٍ، فَلَيْسَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ إلّا وفِيها مِن آلِ داوُدَ صائِمٌ ولا ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ إلّا وفِيها مِن آلِ داوُدَ قائِمٌ.

الرّابِعُ: اعْمَلُوا مِنَ الأعْمالِ ما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ الشُّكْرَ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.

الخامِسُ: اذْكُرُوا أهْلَ البَلاءِ وسَلُوا رَبَّكُمُ العافِيَةَ.

السّادِسُ: ما حَكاهُ الفُضَيْلُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ فَقالَ داوُدُ إلَهِي كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنكَ؟

قالَهُ: الآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أنَّ النِّعَمَ مِنِّي.

﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُؤْمِنُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: المُوَحِّدُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: المُطِيعُ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

الرّابِعُ: ذاكِرُ نِعَمِهِ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  تَلا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (ثَلاثَةٌ مَن أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ آلُ داوُدَ: العَدْلُ في الرِّضا والغَضَبِ، والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى، وخَشَيَةُ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.

» وفي الفَرْقِ بَيْنَ الشّاكِرِ والشَّكُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشّاكِرَ مَن لَمْ يَتَكَرَّرْ شُكْرُهُ والشَّكُورَ مَن تَكَرَّرَ شُكْرُهُ.

الثّانِي: أنَّ الشّاكِرَ عَلى النِّعَمِ والشَّكُورَ عَلى البَلْوى.

الثّالِثُ: أنَّ الشّاكِرَ خَوْفُهُ أغْلَبُ والشَّكُورُ رَجاؤُهُ أغْلَبُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ﴾ قال: من شبه ورخام.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من محاريب ﴾ قال: بنيان دون القصور ﴿ وتماثيل ﴾ قال: من نحاس ﴿ وجِفَان ﴾ قال: صحاف ﴿ كالجوابِ ﴾ قال: الجفنة مثل الجوبة من الأرض ﴿ وقدور راسيات ﴾ قال: عظام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ المحاريب ﴾ القصور.

﴿ والتماثيل ﴾ الصور ﴿ وجفان كالجوابِ ﴾ قال: كالجوبة من الأرض.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من محاريب ﴾ قال: قصور، ومساجد ﴿ وتماثيل ﴾ قال: من رخام وشبه ﴿ وجفان كالجواب ﴾ كالحياض ﴿ وقدور راسيات ﴾ قال: ثابتات لا يزلن عن مكانهن كن يُرَيْنَ بأرض اليمن.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتماثيل ﴾ قال: اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من نحاس فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة، فنفخ الله فيها الروح، فكانت تخدمه، وكان اسفيديار من بقاياهم، فقيل لداود عليه السلام ﴿ اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ من محاريب ﴾ قال: المساجد ﴿ تماثيل ﴾ قال: الصور ﴿ وجفان كالجوابِ ﴾ قال: كحياض الإِبل العظام ﴿ وقدور راسيات ﴾ قال: قدرو عظام كانوا ينحتونها من الجبال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجفان كالجوابِ ﴾ قال: كالجوبة من الأرض ﴿ وقدور راسيات ﴾ قال: أثافيها منها.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وجفان كالجواب ﴾ قال: كالحياض الواسعة تسع الجفنة الجزور قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم.

أما سمعت طرفة بن العبد وهو يقول: كالجوابي لا هي مترعة ** لقرى الأضياف أو للمحتضر وقال أيضاً: يجبر المجروب فينا ماله ** بقباب وجفان وخدم وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وجفان كالجوابِ ﴾ قال: كالحياض ﴿ وقدور راسيات ﴾ قال: القدور العظام التي لا تحوّل من مكانها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ وقدور راسيات ﴾ قال: عظام تفرغ افراغاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ قال: إعملوا شكراً لله على ما أنعم به عليكم.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن شهاب في قوله: ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ قال: قولوا الحمد لله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: بلغنا أن داود عليه السلام جزأ الصلاة على بيوته على نسائه وولده، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي، فعمتهم هذه الآية ﴿ اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ﴾ .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال داود لسليمان عليهما السلام: قد ذكر الله الشكر فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل.

قال: لا أستطيع قال: فاكفني صلاة النهار.

فكفاه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: الشكر تقوى الله، والعمل بطاعته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟

قال: الآن شكرتني، حين علمت أن النعم مني.

وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن المغيرة بن عتبة قال: قال داود عليه السلام: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً لك مني؟

فأوحى الله إليه: نعم.

الضفدع، وأنزل الله تعالى على داود عليه السلام ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ فقال داود عليه السلام: يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر.

فالنعمة منك، والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟

قال: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي.

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم في كتاب الشكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قرأت في مَسَاءلَةِ داود عليه السلام أنه قال: أي رب كيف لي أن أشكرك، وأنا لا أصل إلى شكرك الا بنعمتك؟

قال: فأتاه الوحي: إن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟

قال: قال داود عليه السلام: إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر كله، ما قضيت حق نعمة واحدة من نعمك علي.

وأخرج ابن المنذر عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ قال: لم ينفك منهم مصلٍ.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قيل لهم ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ لم يأت على القوم ساعة إلا ومنهم يصلي.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على المنبر، وقرأ هذه الآية ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ قال: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي ما أوتي آل داود قيل: وما هن يا رسول الله؟

قال: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وذكر الله في السر والعلانية» .

وأخرجه ابن مردويه من طريق عطاء بن يسار عن حفصة رضي الله عنها مرفوعاً به وأخرجه الحكيم الترمذي من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعاً به.

وأخرجه ابن النجار في تاريخه من طريق عطاء بن يسار عن أبي ذر رضي الله عنه، مرفوعاً به.

وقال: «خشية الله في السر والعلانية» والله أعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ يقول: قليل من عبادي الموحدين توحيدهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: قال رجل عند عمر رضي الله عنه: اللهم اجعلني من القليل.

فقال عمر رضي الله عنه: ما هذا الدعاء الذي تدعو به؟

قال: إني سمعت الله يقول ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ فأنا أدعوا الله أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم من عمر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ﴾ قال مجاهد: بنياناً دون القصور (١) وقال قتادة: قصور ومساجد (٢) وقال الضحاك ومقاتل: يعني المساجد (٣) وقال ابن زيد: هي المساكن (٤) وقال أبو عبيدة: المحراب سيد البيوت (٥) وقال أبو إسحاق: أشرف موضع في الدار وفي البيت يقال له: محراب (٦) وقال المبرد: أطبقوا على أنها لا تكون إلا أن يرتقى إليها بدرج (٧) ﴿ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ  ﴾ .

وذكرنا تفسير المحراب في سورة آل عمران (٨) قوله تعالى: ﴿ وَتَمَاثِيلَ ﴾ قال المبرد: جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء (٩) (١٠) قال المفسرون: هي صورة من نحاس وزجاج ورخام كانت الجن تعلمها، قالوا: وهي سورة الأنبياء والملائكة، كانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، هذا يدل على أن التصوير كان مباحًا في ذلك الزمان (١١) قوله تعالى: ﴿ وَجِفَانٍ ﴾ جمع جفنة، وهي (١٢) (١٣) نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ...

كجابية الشيخ العراقي تفهق (١٤) قال المفسرون: يعني قصاعًا في العظم كحياض، الإبل يجلس على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها (١٥) (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ﴾ قال المفسرون: قدور عظام، لها قوائم لا يحركن عن أماكنها ولا يحركن لعظمها، ثوابت على أثافيها، تنحت من الجبال وكانت بأرض اليمن، وكان ملك سليمان ما بين كابل ومصر (١٨) ثم قال: قوله تعالى ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ لما أعطيتكم من الفضل والخير (١٩) (٢٠) قال مجاهد: لما نزلت ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ قال داود لسليمان: إن الله قد ذكر الشكر، فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل، قال: لا أستطيع.

قال: فاكفني إلى صلاة الظهر فكفاه (٢١) (١) "تفسيرمجاهد" ص 524.

(٢) انظر: "الماوردي" 4/ 438، "مجمع البيان" 8/ 598، "زاد المسير" 6/ 439.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ، "الطبري" 22/ 70.

(٤) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "المحرر الوجيز" 4/ 409.

(٥) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "تفسير القرطبي" 14/ 271.

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 246.

(٧) لم أقف على قول المبرد.

(٨) عند الآية 37.

(٩) لم أقف على هذا القول منسوبًا للمبرد، وانظر: "تهذيب اللغة" 98/ 15 (مثل)، "اللسان" 11/ 614 (مثل).

(١٠) "تهذيب اللغة" 15/ 98 (مثل).

(١١) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 438، "بحر العلوم" 3/ 68، "تفسير هود بن محكم" 3/ 391، "القرطبي" 14/ 272، "مجمع البيان" 8/ 600.

(١٢) في (أ): (وهو).

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 112، "اللسان" 13/ 89 (جفن).

(١٤) البيت من الطويل، وهو للأعشى في "ديوانه" ص 225، وانظر: منسوبًا إليه في: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 246، "الدر المصون" 5/ 435، "مجمع البيان" 8/ 596، "تفسير القرطبي" 14/ 2754 والمعنى هنا يقول: صان آل المحلق أعراضهم بالجود، ونفى عنهم الذم جفنة ضخمة تقدم للضيفان كأنها حوض الماء يمده نهر العراق.

انظر: "الديوان" ص 225.

(١٥) انظر: "بحر العلوم" 3/ 68، "مجمع البيان" 8/ 600، "تفسير القرطبي" 14/ 275، "زاد المسير" 6/ 445.

(١٦) في (ب): تقديم وتأخير (وقفًا ووصلا).

(١٧) "الحجة" 6/ 10 "الحجة في القراءات السبع" ص 293، "البحر المحيط" 8/ 528.

(١٨) انظر: "بحر العلوم" 3/ 68، "مجمع البيان" 8/ 600، "القرطبي" 14/ 276، "زاد المسير" 440/ 6.

(١٩) في (ب): (من الخير والفضل).

(٢٠) انظر: "معانى القرآن وإعرابه" 4/ 246.

(٢١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3163، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 401، "روح المعاني" 22/ 120 وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 380، وعزاه للفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّحَارِيبَ ﴾ هي القصور، وقيل: المساجد وتماثيل قيل: إنها كانت على غير صور الحيوان وقيل على صور الحيوان وكان ذلك جائزاً عندهم ﴿ كالجواب ﴾ جمع جابية وهي البركة التي يجتمع فيها الماء ﴿ رَّاسِيَاتٍ ﴾ أي ثابتات في مواضعها لعظمها ﴿ اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ حكاية ما قيل لآل داود، وانتصب شكراً على أنه مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، تقديره: شاكرين، أو مصدر من المعنى لأن العمل شكر تقديره: اشكروا شكراً، أو مفعول به ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور ﴾ يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود أو مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت؛ فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ .

وجائز أن يكون على غير هذا، وهو ما قال في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ هم أقسموا بالله: إنه لا يبعث من يموت؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي أقسموا هم: إنه يبعث، وهو قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، وكأن قسمه بما أقسم عندهم أصدق من قسمهم؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذباً قط، ولا اتهموه في شيء؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم؛ حيث قال: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ أخبر أنهم لا يكذبونك في مقالتك؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها؛ فيكون قسمه مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم رسول الله بما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ ، بالخفض، وقد قرئ ﴿ عالم الغيب ﴾ : بالرفع، و ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ : فمن خفضه، جعله صفة ونعتاً لما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ﴾ .

ومن رفعه، يجعله على الابتداء، ويجعل الكلام تامّاً بقوله: ﴿ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ .

قد قرئ برفع الزاي، وبخفضها: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، وكلاهما لغتان، والعازب في كلام العرب: الغائب.

وقال بعضهم: ﴿ لاَ يَعْزُبُ ﴾ ، أي: لا يبعد، وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ ﴾ .

وقال في الأولى ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾ : جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها المختلفة؛ لأنه أخبر عن علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يصعد فيها وما ينزل، وذلك علم جواهر الأشياء.

وقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: في الأفعال والأعمال، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء من أفعالهم وأعمالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ ألا ترى أنه ذكر على أثر ذلك الجزاء؛ حيث قال: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

أو أن يكونا واحداً، إلا أنه ذكر في الآية الأولى الداخل في الأرض والخارج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ولم يذكر في ذلك الساكن فيهما والمقيم وما يكون فيهما؛ فذكر ذلك في قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يخبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها: من الساكنة، والمقيمة، والمتحركة، والمنقلبة فيهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ .

المغفرة: هي التغطية والستر، ثم يكون الستر بوجهين: أحدهما: يستر على أعين الزلات أنفسها ألا تذكر.

والثاني: يستر بالجزاء الحسن إذا لم يجز للزلات، هذا للمؤمنين: يستر عليهم الزلات مرة بترك ذكرها، ومرة بترك الجزاء عليها.

وأما الكافر فإنه إذا جزي على سيئة فقد أُظْهِرَ وفَشَا، ولم يستر عليه.

أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ ، أي: ستر وهو أنه إذا أدخلهم الجنة، أنساهم زلاتهم؛ حتى لا يذكروا أبدا؛ لأن ذكر زلاتهم لربهم ينغص عليهم لذاتهم وتنعمهم.

وقوله: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، قيل: الكريم: الحسن.

وجائز أن يكون سماه: كريماً؛ لأن من ناله كرم وشرف، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .

يحتمل حقيقة سعيهم في آياته بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ  ﴾ : ذكر مرورهم عليها والإعراض عنها؛ فهو سعي.

وجائز على التمثيل، أي: يعملون عمل من أعجز الآيات؛ للجحود لها والتمرد والعناد، والمعجز: هو السابق، ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أي: سابقين فائتين، أي: لا تعجزونني، ولا تفوتون عني.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ .

الرجز: العذاب الأليم، أي: مؤلم، وذلك جائز في اللغة.

وقال أبو عوسجة: المعاجز: الهارب؛ يهرب؛ لكي يعجز.

وقوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ﴾ .

قال بعضهم: الذين أوتوا العلم هم المؤمنون: مؤمنو أهل الكتاب الذين أوتوا العلم على التوراة والإنجيل وغيرهما؛ يقول - والله أعلم - يعلم الذين أوتوا منافع تلك الكتب أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق، بأجمعهم جميعاً الذين أوتوا العلم بتلك الكتب؛ لما يجدون نعته وصفته فيها، يعلمون أنه هو الحق من ربّك، لكن بعضهم عاندوا ولم يؤمنوا به، وبعضهم قد آمنوا به.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ﴾ : هم أصحاب محمد - صلوت الله عليه - أي: الذين أوتوا منافع ما أنزل إليك، هم يعلمون أنه هو الحق من ربك، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا يعلم ذلك.

وفي حرف ابن مسعود ﴿ ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل الذي أنزل إليك من ربّك هو الحق ﴾ ، يعني: القرآن.

وقوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ يحتمل: يدعو، ويحتمل ﴿ وَيَهْدِيۤ ﴾ ، أي: يبين لهم ﴿ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ﴾ .

كان بعضهم يقول لبعض: ﴿ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

قوله: ﴿ إِذَا مُزِّقْتُمْ ﴾ يحتمل أن قالوا: النبي؛ يقول: إذا تفرقت جوارحكم وأعضاؤكم تكونوا خلقاً جديداً، فإن كان على هذا فهو - والله أعلم - كان من أهل الدهر ذلك القول؛ لأنهم يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بفنائه؛ لأن أهل مكة كانوا فريقين: فرقة تذهب مذهب أهل الدهر، وفرقة يقولون بحدث العالم، ويقرون بفنائه، لكنهم ينكرون إحياءه بعد الفناء، فإن كان ذلك من هؤلاء؛ فيكون قوله: ﴿ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ ، أي: إذا ذهبت أجسادكم، وفنيت اللحوم والعظام، وكنتم رماداً ورفاتا ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ، أي: تكونون خلقا جديدا، يخرج ذلك منهم على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم وعقولهم، أي: لا يكون ذلك.

أو على التعجب: أن كيف يكون ذلك؟!

فقال عند ذلك: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ : يقولون: أفترى محمد على الله كذبا أم به جنون؟

إذ لم نسمع ذلك من أحد من قبل، ولا رأينا ذلك أنه كان ما ذكر، فرد الله ذلك عليهم وقال: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: بالبعث والإحياء بعد الموت - هم المفترون على الله، هم ﴿ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ ﴾ .

جزاء قولهم: أم به جنون؟

يقول: بل هم في ضلال بعيد، الضلال البعيد: كأنه هو الذي لا يرجع إلى الهدى أبداً؛ فتكون الآية في قوم: علم الله أنهم يختمون على الضلال، ولا يؤمنون أبداً؛ فيكون في ذلك دلالة إثبات الرسالة.

وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : قد ذكرنا قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ؛ ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ  ﴾ ، ونحوه أنه يخرج على وجهين: أحدهما: قد رأوا على الخبر.

والثاني: على الأمر: أن انظروا ﴿ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ثم يقول بعضهم لبعض: حيثما قدم الإنسان رأى بين يديه من السماء مثل السماء [التي] يرى خلفه، وكذلك الأرض.

وقتادة يقول: لينظروا كيف أحاطت بهم السماء والأرض، وهما واحد.

﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ﴾ ، كما خسفنا بمن كان قبلهم، ﴿ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

أي: عذاباً من السماء؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد، يذكر هذا على أثر قولهم: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ﴾ ، أي: لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ لعرفوا أنه رسول الله، وأنه صادق، وأن ما يقول: إنه بعث بعد الموت، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون، ولكن عن علم وعقل ومعرفة؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها وغلظها وشدتها، وكذلك الأرض، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف؛ وإسقاط السماء على من يشاء أن يسقط.

أو يقول: لو نظروا، لعرفوا أنه لم ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثاً باطلا؛ ولكن أنشأهما على الحكمة، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء بعد الموت ومصيرهم إليه، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة، والله أعلم ما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴾ .

المنيب، قيل: هو المطيع لله، وقيل: هو المقبل على أمر الله.

والمنيب كأنه هو المؤمن؛ لأنه هو المصدق بالآيات، فإذا كان المؤمن هو المصدق بالآيات، فيكون هو المنتفع بها، فيكون الآية [له].

وأما المكذب بها فلا ينتفع بها؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يعمل هؤلاء الجن لسليمان ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور، وما يشاء من صور، وما يشاء من قصاع مثل حياض الماء الكبيرة، وقدور الطبخ الثابتات فلا يُحرَّكْنَ لعِظَمِهِن، وقلنا لهم: اعملوا - يا آل داود - شكرَا لله على ما أنعم به عليكم، وقليل من عبادي الشكور لي على ما أنعمت عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.5DekY"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده