الآية ١٢ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٢ من سورة سبأ

وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌۭ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌۭ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ۖ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود ، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان ، من تسخير الريح له تحمل بساطه ، غدوها شهر ورواحها شهر .

قال الحسن البصري : كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغذى بها ، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل ، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع ، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع .

وقوله : ( وأسلنا له عين القطر ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء الخراساني ، وقتادة ، والسدي ، ومالك عن زيد بن أسلم ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد : القطر : النحاس .

قال قتادة : وكانت باليمن ، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ، عليه السلام .

قال السدي : وإنما أسيلت له ثلاثة أيام .

وقوله : ( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ) أي : وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله ، أي : بقدره ، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك .

( ومن يزغ منهم عن أمرنا ) أي : ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ( نذقه من عذاب السعير ) وهو الحريق .

وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا فقال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير ، عن أبي ثعلبة الخشني ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الجن على ثلاثة أصناف : صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء ، وصنف حيات وكلاب ، وصنف يحلون ويظعنون " .

رفعه غريب جدا .

وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا حرملة ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني بكر بن مضر ، عن محمد ، عن ابن أنعم أنه قال : الجن ثلاثة : صنف لهم الثواب وعليهم العقاب ، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض ، وصنف حيات وكلاب .

قال بكر بن مضر : ولا أعلم إلا أنه قال : حدثني أن الإنس ثلاثة : صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة .

وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا .

وصنف في صور الناس على قلوب الشياطين .

وقال أيضا : حدثنا أبي : حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا سلمة - يعني ابن الفضل - عن إسماعيل ، عن الحسن قال : الجن ولد إبليس ، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون ، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله ، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) اختلفت القراء في قراءة قوله (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ) فقرأته عامة قراء الأمصار (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ) بنصب الريح، بمعنى: ولقد آتينا داود منا فضلا وسخرنا لسليمان الريحَ.

وقرأ ذلك عاصم: (وَلِسُلَيْمِانَ الرِّيحُ) رفعًا بحرف الصفة إذ لم يظهر الناصب.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا النصب لإجماع الحجة من القراء عليه.

وقوله (غُدُوُّهَا شَهْرٌ) يقول تعالى ذكره: وسخرنا لسليمان الريح، غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) قال: تغدو مسيرة شهر وتروح مسيرة شهر، قال: مسيرة شهرين في يوم.

حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن أَبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) قال: ذكر لي أن منـزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان؛ إما من الجن وإما من الإنس: نحن نـزلناه وما بنيناه، ومبنيًّا وجدناه، غدونا من إصطخر فقِلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام.

حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) قال: كان له مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت تركب فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك المركب هم والعصار (6) فإذا ارتفع أتت الريح رخاء فسارت به وساروا معه، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر، ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، ولا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش والجنود.

حدثنا ابن بشار قال ثنا أَبو عامر قال ثنا قرة عن الحسن في قوله (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) قال: كان يغدو فيقيل في إصطخر، ثم يروح منها فيكون رواحها بكابل.

حدثنا ابن بشار قال ثنا حماد قال ثنا قرة عن الحسن بمثله.

وقوله (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) يقول: وأذبنا له عين النحاس، وأجريناها له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) عين النحاس كانت بأرض اليمن، وإنما ينتفع اليوم بما أخرج الله لسليمان.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) قال: الصِّفر سال كما يسيل الماء، يعمل به كما كان يعمل العجين في اللبن.

حدثني علي قال: ثنا أَبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) يقول: النحاس.

حدثني محمد بن سعد قال: ثني أَبي قال: ثني عمي قال: ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس قوله (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) يعني: عين النحاس أسيلت.

وقوله (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) يقول تعالى ذكره: ومن الجن من يطيعه ويأتمر بأمره وينتهى لنهيه؛ فيعمل بين يديه ما يأمره طاعة له بإذن ربه، يقول: بأمر الله بذلك، وتسخيره إياه له (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) يقول: ومن يزل ويعدل من الجن عن أمرنا الذي أمرناه من طاعة سليمان (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) في الآخرة، وذلك عذاب نار جهنم الموقدة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة، وقوله (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا) أي: يعدل منهم عن أمرنا عمَّا أمره به سليمان (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) .

--------------------- الهوامش : (6) في (اللسان: عصر)، الإعصار والعصار (ككتاب) أن تهيج الريح فترفعه.

والعصار: الغبار الشديد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير .قوله تعالى : ولسليمان الريح قال الزجاج : التقدير وسخرنا لسليمان الريح .

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه : الريح بالرفع على الابتداء ، والمعنى له تسخير الريح ، أو بالاستقرار ، أي ولسليمان الريح ثابتة ، وفيه ذلك المعنى الأول .

فإن قال قائل : إذا قلت أعطيت زيدا درهما ولعمرو دينار ; فرفعته ، فلم يكن فيه معنى الأول ، وجاز أن يكون لم تعطه الدينار .

وقيل : الأمر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى ; لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل .

غدوها شهر ورواحها شهر أي مسيرة شهر .

قال الحسن : كان يغدو من دمشق فيقيل بإصطخر ، وبينهما مسيرة شهر للمسرع ، ثم يروح من إصطخر ويبيت بكابل ، وبينهما شهر للمسرع .

قال السدي : كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين .

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي ، ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه ، وجلس سفلة الإنس مما يليهم ، وجلس رؤساء الإنس مما يلي سفلة الإنس ، وجلس سفلة الجن مما يليهم ، وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه ، ثم تقلهم الريح ، والطير تظلهم من الشمس ، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر ، فيبيت ببيت المقدس ، ثم قرأ ابن عباس : غدوها شهر ورواحها شهر .وقال وهب بن منبه : ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه كتبه بعض صحابة سليمان ; إما من الجن وإما من الإنس - : نحن نزلنا وما بنيناه ، ومبنيا وجدناه ، غدونا من إصطخر فقلناه ، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام .

وقال الحسن : شغلت سليمان الخيل حتى فاتته صلاة العصر ، فعقر الخيل فأبدله الله خيرا منها وأسرع ، أبدله الريح تجري بأمره حيث شاء ، غدوها شهر ورواحها شهر .

وقال ابن زيد : كان مستقر سليمان بمدينة تدمر ، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر .

وفيه يقول النابغة :[ ص: 244 ]إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن إني قد أذنت لهميبنون تدمر بالصفاح والعمد فمن أطاعك فانفعه بطاعتهكما أطاعك وادلله على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبةتنهى الظلوم ولا تقعد على ضمدووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يشكر ، أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام :ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح إلى الأوطان من أرض تدمرإذا نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدو لآخرأناس شروا لله طوعا نفوسهم بنصر ابن داود النبي المطهرلهم في معالي الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوما فمن خير معشرمتى يركبوا الريح المطيعة أسرعت مبادرة عن شهرها لم تقصرتظلهم طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنفرقوله تعالى : وأسلنا له عين القطر القطر : النحاس ; عن ابن عباس وغيره .

أسيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء ، وكانت بأرض اليمن ، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله ، وكان لا يذوب ، ومن وقته ذاب ; وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان .

قال قتادة : أسال الله عينا يستعملها فيما يريد .

وقيل لعكرمة : إلى أين سالت ؟

فقال : لا أدري !

وقال ابن عباس ومجاهد والسدي : أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن .

قال القشيري : وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حده ، ولعله وهم من الناقل ; إذ في رواية عن مجاهد : أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها ; وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدة .

والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عينا تسيل كعيون المياه ، دلالة على نبوته وقال الخليل : القطر : النحاس المذاب .قلت : دليله قراءة من قرأ : ( من قطر آن ) .

ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه أي بأمره ومن يزغ منهم عن أمرنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان .

نذقه من عذاب السعير أي في الآخرة ، قاله أكثر المفسرين .

وقيل ذلك في الدنيا ، وذلك أن الله تعالى وكل بهم فيما روى السدي - ملكا بيده سوط من نار ، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط [ ص: 245 ] ضربة من حيث لا يراه فأحرقته .

و ( من ) في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل .

ويجوز أن يكون في موضع رفع ، كما تقدم في الريح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر فضله على داود عليه السلام, ذكر فضله على ابنه سليمان, عليه الصلاة والسلام, وأن اللّه سخر له الريح تجري بأمره, وتحمله, وتحمل جميع ما معه, وتقطع المسافة البعيدة جدا, في مدة يسيرة, فتسير في اليوم, مسيرة شهرين.

{ غُدُوُّهَا شَهْرٌ } أي: أول النهار إلى الزوال { وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } من الزوال, إلى آخر النهار { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } أي: سخرنا له عين النحاس, وسهلنا له الأسباب, في استخراج ما يستخرج منها من الأواني وغيرها.وسخر اللّه له أيضا, الشياطين والجن, لا يقدرون أن يستعصوا عن أمره, { وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } وأعمالهم كل ما شاء سليمان, عملوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولسليمان الريح ) أي : وسخرنا لسليمان الريح ، وقرأ أبو بكر عن عاصم : الريح بالرفع أي : له تسخير الريح ( غدوها شهر ورواحها شهر ) أي : سير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر ، وسير رواحها مسيرة شهر ، وكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين .

قال الحسن : كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر ، ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع .

وقيل : إنه كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند .

( وأسلنا له عين القطر ) أي : أذبنا له عين النحاس ، و " القطر " : النحاس .

قال أهل التفسير : أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء ، وكان بأرض اليمن ، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان .

( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ) بأمر ربه ، قال ابن عباس : سخر الله الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به ( ومن يزغ ) أي : يعدل ) ( منهم ) من الجن ) ( عن أمرنا ) الذي أمرنا به من طاعة سليمان ( نذقه من عذاب السعير ) في الآخرة ، وقال بعضهم : في الدنيا وذلك أن الله - عز وجل - وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» سخرنا «لسليمان الريح» وقراءة الرفع بتقدير تسخير «غدوها» مسيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال «شهر ورواحها» سيرها من الزوال إلى الغروب «شهر» أي مسيرته «وأسلنا» أذبنا «له عين القطر» أي النحاس فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان «ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن» بأمر «ربه ومن يزغ» يعدل «منهم عن أمرنا» له بطاعته «نذقه من عذاب السعير» النار في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة تحرقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وسخَّرنا لسليمان الريح تجري من أول النهار إلى انتصافه مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر بالسير المعتاد، وأسلنا له النحاس كما يسيل الماء، يعمل به ما يشاء، وسخَّرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان نذقه من عذاب النار المستعرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هذا ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه داود من فضل ، أما نبيه سليمان بن داود ، فقد أعطاه - سبحانه - أفضالا أخرى ، عبر عنها فى قوله - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ) .والغدوة والغداة : أول النهار إلى الزوال .

والرواح من الزوال إلى الغروب .والمعنى : وسخرنا لنبينا سليمان بن داود - عليهما السلام - الريح ، تجرى بأمره فى الغدوة الواحدة مسيرة شهر ، وتعود بأمره فى الروحة الواحدة مسيرة شهر .

أى : أنها لسرعتها تقطع فى مقدار الغدوة الواحدة ما يقطعه الناس فى شهر من الزامن ، وكذلك الحال بالنسبة للروحة الواحدة ، وهى فى كل مرة تسير بأمر سليمان ، ووفق إرادته التى منحه الله - تعالى - إياها .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا ) وقوله - سبحانه - : ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ) ثم بين - تعالى - نعمة ثانية من النعم التى أنعم بها على سليمان فقال : ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر ) .والقطر : هو النحاس المذاب .

مأخوذ من قطَر الشئ يَقْطُر قَطْراً وقطَرانا ، إذا سال .أى : كما ألنا لداود الحديد ، أسلنا لابنه سليمان النحاس وجعلناه مذابا ، فكان يستعمله فى قضاء مصالحه ، كما يستعمل الماء ، وهذا كله بفضلنا وقدرتنا .ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة أنعم بها على سليمان - عليه السلام - فقال : ( وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) .أى : وسخرنا له من الجن من يكونون فى خدمته ، ومن يعملون بين يديه ما يريده منهم ، وهذا كله بأمرنا ومشيئتنا وقدرتنا .( وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ) أى : من ينحرف من هؤلاء الجن عما أمرناه به من طاعة سليمان ، ( نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير ) أى : ننزل به عذابنا الأليم ، الذى يذله ويخزيه فى الدنيا والآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ ولسليمان الريح ﴾ بالرفع وبالنصب وجه الرفع ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت لسليمان الريح ووجه النصب ولسليمان سخرنا الريح وللرفع وجه آخر وهو أن يقال معناه: ﴿ ولسليمان الريح ﴾ كما يقال لزيد الدار، وذلك لأن الريح كانت له كالمملوك المختص به يأمرها بما يريد حيث يريد.

المسألة الثانية: الواو للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفاً لجملة إسمية على جملة فعلية وهو لا يجوز أولا يحسن فكيف هذا فنقول لما بين حال داود كأنه تعالى قال ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح، وأما على النصب فعلى قولنا: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ كأنه قال: وألنا لداود الحديد وسخرنا لسليمان الريح.

المسألة الثالثة: المسخر لسليمان كانت ريحاً مخصوصة لا هذه الرياح، فإنها المنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فما قرأ أحد الرياح.

المسألة الرابعة: قال بعض الناس: المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  ﴾ ، وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها فيسبح، ومن تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح وقوله: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ﴾ ثلاثون فرسخاً لأن من يخرج للتفرج في أكثر الأمر لا يسير أكثر من فرسخ ويرجع كذلك، وقوله في حق داود: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ وقوله في حق سليمان: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر ﴾ أنهم استخرجوا تذويب الحديد والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما والشياطين أي أناساً أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا ضعف اعتقاده وعدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة.

المسألة الخامسة: أقول قوله تعالى: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال  ﴾ وقوله: ﴿ ولسليمان الريح عَاصِفَةً  ﴾ لو قال قائل ما الحكمة في أن الله تعالى قال في الأنبياء: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال ﴾ وفي هذه السورة قال: ﴿ يا جبال أَوّبِي مَعَهُ  ﴾ وقال في الريح هناك وهاهنا: ﴿ ولسليمان ﴾ تقول الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لي وهو أن على قولنا: ﴿ أَوّبِي مَعَهُ ﴾ سيري فالجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها، فلم يقل الريح مع سليمان، بل سليمان كان مع الريح ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر ﴾ أي النحاس ﴿ وَمِنَ الجن ﴾ أي سخرنا له من الجن، وهذا ينبئ عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره وهو الظاهر.

واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان، وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر الله أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا: ﴿ أَوّبِى ﴾ أي سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضاً، والطير من جنس تسخير الجن لأنهما لا يجتمعان مع الإنسان؛ الطير لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن، فإن الإنسان يتقي مواضع الجن، والجن يطلب أبداً اصطياد الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر الله أن صار الطير لا ينفر من داود بل يستأنس به ويطلبه، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وهاهنا لطيفة: وهي أن الآدمي ينبغي أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ  وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ  ﴾ فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى: وهي أن الله تعالى قال هاهنا: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ بلفظ الرب وقال: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ولم يقل عن أمر ربه، وذلك لأن الرب لفظ ينبئ عن الرحمة، فعندما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال: ﴿ رَبِهِ ﴾ وعندما كانت الإشارة إلى تعذيبهم قال: ﴿ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى: ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما: أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم بما في الآخرة من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ياجبال ﴾ إمّا أن يكون بدلاً من ﴿ فَضْلاً ﴾ ، وإمّا من ﴿ ءاتَيْنَا ﴾ بتقدير: قولنا يا جبال.

أو: قلنا يا جبال.

وقرئ: ﴿ أوّبي ﴾ و ﴿ أوبي ﴾ من التأويب.

والأوب: أي رجعي معه التسبيح.

أو ارجعى معه في التسبيح كلما رجع فيه؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه: ومعنى تسبيح الجبال: أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح: معجزة لداود.

وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها.

وقرئ: ﴿ والطير ﴾ ، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها.

وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير.

فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: ﴿ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ تأويب الجبال معه والطير؟

قلت: كم بينهما.

ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى: من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا: إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ وجعلناه له ليناً كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة.

وقيل: لأن الحديد في يده لما أوتي من شدّة القوّة ﴿ أن اعمل سابغات ﴾ وقرئ: ﴿ صابغات ﴾ وهي الدروع الواسعة الضافية، وهو أوّل من اتخذها وكانت قبل صفائح.

وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء.

وقيل: كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه، فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته، فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع داود، فسأله؟

فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع ﴿ وَقَدَّرَ في السرد ﴾ لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق، ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

والسرد: نسج الدروع ﴿ واعملوا ﴾ الضمير لدواد وأهله ﴿ و ﴾ سخرنا ﴿ لسليمان الريح ﴾ فيمن نصب: ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع، وكذلك فيمن قرأ: الرياح، بالرفع ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك.

وقرئ: ﴿ غدوتها وروحتها ﴾ .

وعن الحسن رضي الله عنه: كان يغدو فيقيل باصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل.

ويحكى أنّ بعضهم رأي مكتوباً في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله.

القطر: النحاس المذاب من القطران.

فإن قلت: ماذا أراد بعين القطر؟

قلت: أراد بها معدن النحاس ولكنه أساله كما ألان الحديد لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين؛ فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال: ﴿ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 36] وقيل: كان يسبل في الشهر ثلاثة أيام ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ بأمره ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ ﴾ ومن يعدل ﴿ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان.

وقرئ: ﴿ يزغ ﴾ من أزاغه.

وعذاب السعير: عذاب الآخرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني.

المحاريب: المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال: سميت محاريب لأنه يحامي عليها ويذب عنها.

وقيل: هي المساجد والتماثيل: صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل فيه المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

فإن قلت: كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير؟

قلت: هذا مما يجوز أن تختلف في الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرّماً.

ويجوز أن يكون غير صور الحيوان كصور الأشجار وغيرها؛ لأنّ التمثال كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان.

أو تصوّر محذوفة الرؤوس.

وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

والجوابي: الحياض الكبار، قال: تَرُوحُ عَلَى آل الْمُحَلِّقِ جَفْنَةٌ ** كَجَابِيَةِ السَّيْحِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُ لأنّ الماء يجبى فيها، أي: يجمع.

جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالية كالدابة.

وقيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وقرئ: بحذف الياء اكتفاء بالكسرة.

كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يدعالداع ﴾ [القمر: 6] .

﴿ راسيات ﴾ ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها ﴿ اعملوا ءَالَ دَاوُودَ ﴾ حكاية ما قيل لآل داود.

وانتصب ﴿ شُكْراً ﴾ على أنه مفعول له، أي: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه.

وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدّى على طريق الشكر.

أو على الحال، أي: شاكرين.

أو على تقدير اشكروا شكرا، لأن اعملوا فيه معنى اشكروا، من حيث إنّ العمل للمنعم شكر له.

ويجوز أن ينتصب باعملوا مفعولاً به.

ومعناه: إنا سخّرنا لكم الجنّ يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكراً على طريق المشاكلة و ﴿ الشكور ﴾ المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه: قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقاداً واعترافاً وكدحاً، وأكثر أوقاته.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ من يشكر على أحواله كلها.

وعن السدي: من يشكر على الشكر.

وقيل: من يرى عجزه عن الشكر.

وعن داود أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلاّ وإنسان من آل داود قائم يصلي.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: اللَّهم اجعلني من القليل، فقال عمر ما هذا الدعاء؟

فقال الرجل: إني سمعت الله يقول: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لَهُ الرِّيحَ، وقُرِئَ «الرِّيحُ» بِالرَّفْعِ أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ وقُرِئَ «الرِّياحُ» .

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وبِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، وقُرِئَ «غُدْوَتُها» «وَرَوْحَتُها» .

﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ النُّحاسَ المُذابَ أسالَهُ لَهُ مِن مَعْدِنِهِ فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعَ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ عَيْنًا وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ.

﴿ وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ عُطِفَ عَلى ( الرِّيحَ ) ( ومِنَ الجِنِّ ) حالٌ مُقَدَّمَةٌ، أوْ جُمْلَةٌ مِنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ بِأمْرِهِ.

﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ ﴾ ومَن يَعْدِلْ مِنهم ﴿ عَنْ أمْرِنا ﴾ عَمّا أمَرْناهُ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ «يَزُغْ» مِن أزاغَهُ.

﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ عَذابِ الآخِرَةِ.

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ قُصُورٍ حَصِينَةٍ ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها يَذُبُّ عَنْها ويُحارِبُ عَلَيْها.

﴿ وَتَماثِيلَ ﴾ وصُوَرًا هي تَماثِيلُ لِلْمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلى ما اعْتادُوا مِنَ العِباداتِ لِيَراها النّاسُ فَيَعْبُدُوا نَحْوَ عِبادَتِهِمْ وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ مُجَدَّدٌ.

رُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ لَهُ ذِراعَيْهِما وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.

﴿ وَجِفانٍ ﴾ وصِحافٍ.

﴿ كالجَوابِ ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعُ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ.

﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ ثابِتاتٍ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها.

﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ حِكايَةٌ عَمّا قِيلَ لَهم ( وشُكْرًا ) نُصِبَ عَلى العِلَّةِ أيِ: اعْمَلُوا لَهُ واعْبُدُوهُ شُكْرًا، أوِ المَصْدَرِ لِأنَّ العَمَلَ لَهُ شُكْرًا أوِ الوَصْفِ لَهُ أوِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ بِهِ.

﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفّى حَقُّهُ، لِأنَّ تَوْفِيقَهُ الشُّكْرَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَتِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولسليمان الريح} أي وسخرنا لسليمان الريح وهي الصبار ورفع الريح أبو بكر وحماد والفضل أي ولسليمان الريح مسخرة {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك وكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر فارس وبينهما مسيرة شهر ويروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وقيل كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر} أي معدن النحاس فالقطر النحاس وهو الصفر ولكنه أساله وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام كما يسيل الماء وكان قبل سليمان لا يذوب وسماه عين القطر باسم ما آل إليه {وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ} من في موضع نصب أي وسخرنا من الجن من يعمل {بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ} بأمر ربه {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ} ومن يعدل منهم {عَنْ أَمْرِنَا} الذي أمرنا به من طاعة سليمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير} عذاب الآخرة وقيل كان معه ملك بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان عليه السلام ضربه ضربة أحرقته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ، وقِيلَ ﴿ لِسُلَيْمانَ ﴾ عَطْفٌ عَلى لَهُ في ( ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ) والرِّيحُ عَطْفٌ عَلى ﴿ الحَدِيدَ ﴾ وإلانَةُ الرِّيحِ عِبارَةٌ عَنْ تَسْخِيرِها.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «اَلرِّيحُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و ﴿ لِسُلَيْمانَ ﴾ خَبَرُهُ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ولِسُلَيْمانَ تَسْخِيرُ الرِّيحِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ومُتَعَلِّقُ الجارِّ كَوْنٌ خاصٌّ هو الخَبَرُ ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةً، وعِنْدِي أنَّ الجُمْلَةَ عَلى القِراءَتَيْنِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ إلخ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقالَ اِبْنُ الشَّيْخِ: العَطْفُ عَلى القِراءَةِ الأُولى عَلى ( ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ) وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّةٌ وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ العِطْفُ عَلى اِسْمِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّتْ عَلَيْها تِلْكَ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ لا عَلَيْها لِلتَّخالُفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَكَرْنا لِداوُدَ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ فَإنَّها كانَتْ لَهُ كالمَمْلُوكِ المُخْتَصِّ بِالمالِكِ يَأْمُرُها بِما يُرِيدُ ويَسِيرُ عَلَيْها حَيْثُما يَشاءُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ ومَعَ سُلَيْمانَ الرِّيحُ لِأنَّ حَرَكَتَها لَيْسَتْ بِحَرَكَةِ سُلَيْمانَ بَلْ هي تَتَحَرَّكُ بِنَفْسِها وتَحَرُّكُ سُلَيْمانَ وجُنُودِهِ بِحَرَكَتِها وتَسِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شاءَ وهَذا عَلى خِلافِ تَأْوِيبِ الجِبالِ فَإنَّهُ كانَ تَبَعًا لِتَأْوِيبِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذا جِيءَ هُناكَ بِ مَعَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسٍ «اَلرِّياحُ» بِالرَّفْعِ جَمْعًا ﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ أيْ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وجَرْيُها بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن ( الرِّيحَ ) ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في الخَبَرِ لِأنَّ الغُدُوَّ والرَّواحَ لَيْسَ نَفْسَ الشَّهْرِ وإنَّما يَكُونانِ فِيهِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ في المُبْتَدَأِ كَما فَعَلَ مَكِّيٌّ حَيْثُ قالَ: أيْ مَسِيرُ غُدُوِّها مَسِيرَةُ شَهْرٍ ومَسِيرُ رَواحِها كَذَلِكَ لِما لا يَخْفى، وقالَ اِبْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: الفائِدَةُ في إعادَةِ لَفْظِ الشَّهْرِ الإعْلامُ بِمِقْدارِ زَمَنِ الغُدُوِّ وزَمَنِ الرَّواحِ والألْفاظُ الَّتِي تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِلْمَقادِيرِ لا يَحْسُنُ فِيها الإضْمارُ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ زِنَةُ هَذا مِثْقالٌ وزِنَةُ هَذا مِثْقالٌ فَلا يَحْسُنُ الإضْمارُ كَما لا يَحْسُنُ في التَّمْيِيزِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ فالضَّمِيرُ إنَّما يَكُونُ لِما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّتِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وجَبَ العُدُولُ إلى الظّاهِرِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا أكْرَمْتَ رَجُلًا وكَسَوْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِخُصُوصِهِ لَكانَتِ العِبارَةُ أكْرَمْتُ رَجُلًا وكَسَوْتُهُ، ولَوْ أكْرَمْتَ رَجُلًا وكَسَوْتَ رَجُلًا آخَرَ لَكانَتِ العِبارَةُ أكْرَمْتُ رَجُلًا وكَسَوْتُ رَجُلًا، فَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَذا في حَواشِي الطِّيبِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما هو الغالِبُ، وإلّا فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ  ﴾ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الإعْلامِ بِزَمَنِ الغُدُوِّ لِيُقاسَ عَلَيْهِ زَمَنَ الرَّواحِ لِأنَّ الرِّيحَ كَثِيرًا ما تَسْكُنُ أوْ تَضْعُفُ حَرَكَتُها بِالعَشِيِّ، فَدَفَعَ بِالتَّنْصِيصِ عَلى بَيانِ زَمَنِ الرَّواحِ تَوَهُّمُ اِخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ، قالَ قَتادَةُ كانَتِ الرِّيحُ تَقْطَعُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الغُدُوِّ إلى الزَّوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وفي الرَّواحِ مِن بَعْدِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْدُو مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَقِيلُ بِقَلْعَةِ خُراسانَ.

وقَدْ ذُكِرَ حَدِيثُ هَذِهِ الرِّيحِ في بَعْضِ الأشْعارِ القَدِيمَةِ قالَ وهْبُ ونَقَلَهُ عَنْهُ في البَحْرِ: وجَدْتُ أبْياتًا مَنقُورَةً في صَخْرَةٍ بِأرْضٍ كَسْكُرَ لِبَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهِيَ: ونَحْنُ ولا حَوْلَ سِوى حَوْلِ رَبِّنا نَرُوحُ مِنَ الأوْطانِ مِن أرْضِ تَدْمُرِ إذا نَحْنُ رُحْنا كانَ رَيْثُ رَواحِنا ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ والغُدُوُّ لِآخِرِ أُناسٌ شَرَوْا لِلَّهِ طَوْعًا نُفُوسَهم ∗∗∗ بِنْصِرِ اِبْنِ داوُدَ النَّبِيِّ المُطَهَّرِ لَهم في مَعالِي الدِّينِ فَضْلٌ ورِفْعَةٌ ∗∗∗ وإنْ نُسِبُوا يَوْمًا فَمِن خَيْرِ مَعْشَرِ مَتى تَرْكَبُ الرِّيحَ المُطِيعَةَ أسْرَعَتْ ∗∗∗ مُبادِرَةً عَنْ شَهْرِها لَمْ تُقَصِّرِ تُظِلُّهم طَيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ مَتى رَفْرَفَتْ مِن فَوْقِهِمْ لَمْ تُنَفِّرِ وذَكَرَ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْتَقَرُّهُ تَدْمُرَ وأنَّ الجِنَّ قَدْ بَنَتْها لَهُ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأشْقَرِ، وقالَ: وفِيهِ يَقُولُ النّابِغَةُ: إلّا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاصْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وجَيْشُ الجِنِّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ اِنْتَهى، وما ذَكَرَهُ في تَدْمُرَ هو المَشْهُورُ عِنْدَ العامَّةِ وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَّعالِبِيُّ في تَفْسِيرِهِ مَعَ الأبْياتِ المَذْكُورَةِ لَكِنْ في القامُوسِ تَدْمُرَ كَتَنْصُرَ بِنْتِ حَسّانَ بْنِ أُذَيْنَةَ بِها سُمِّيَتْ مَدِينَتُها وهو ظاهِرٌ في المُخالَفَةِ، ولَعَلَّ التَّعْوِيلَ عَلى ما فِيهِ إنْ لَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «غَدْوَتُها» «ورَوْحَتُها» عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ غَدا وراحَ.

﴿ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ أيِ النُّحاسِ الذّائِبِ مِن قَطَرَ يَقْطُرُ قَطْرًا وقَطْرانًا بِسُكُونِ الطّاءِ وفَتْحِها، وقِيلَ الفِلِزّاتُ النُّحاسُ والحَدِيدُ وغَيْرُهُما، وعَلى الأوَّلِ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ، وأُرِيدَ بِعَيْنِ القِطْرِ مَعْدِنُ النُّحاسِ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أسالَهُ كَما ألانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ فَنَبَعَ كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ عَيْنَ القِطْرِ بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الجَلْبِيُّ أنَّ نِسْبَةَ الإسالَةِ إلى العَيْنِ مَجازِيَّةٌ كَما في جَرْيِ النَّهْرِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: إنْ كانَتِ العَيْنُ هُنا بِمَعْنى الماءِ المَعِينِ أيِ الجارِي، وإضافَتُها كَما في لُجَيْنِ الماءِ فَلا تَجُوزُ في النِّسْبَةِ وإنَّما هو مِن مَجازِ الأوَّلِ عَلى أنَّ العَيْنَ مَنبَعُ الماءِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ اه، فَتَأمَّلْ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: القِطْرُ النُّحاسُ وعَيْنٌ بِمَعْنى ذاتٍ، ومَعْنى أسَلْنا أذَبْنا فالمَعْنى أذَبْنا لَهُ النُّحاسَ عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ ولَمْ يَلِنْ ولا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ والظّاهِرُ المُؤَيَّدُ بِالآثارِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ في مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الماءِ.

أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أسالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ القِطْرَ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَسِيلُ كَما يَسِيلُ الماءُ قِيلَ: إلى أيْنَ؟

قالَ: لا أدْرِي.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: سِيلَتْ لَهُ عَيْنٌ مِن نُحاسٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وفي البَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ قالُوا، أُجْرِيَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ وكانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ النُّحاسَ سالَ مِن صَنْعاءَ وقِيلَ: كانَ يَسِيلُ في الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ.

﴿ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( مَن ) في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُقَدَّمًا مِن ( مَن ) وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفٍ عَلى ﴿ الرِّيحَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( مِنَ الجِنِّ ) عَطْفًا عَلى الرِّيحِ عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ ( ومَن يَعْمَلْ ) بَدَلٌ مِنهُ وهو تَكَلُّفٌ ويَعْمَلُ إمّا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ يُفَسِّرُهُ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ تَفْصِيلًا بَعْدَ الإجْمالِ، وهو أوْقَعُ في النَّفْسِ ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا ﴾ أيْ ومَن يَعْدِلْ مِنهم عَمّا أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ «يُزِغْ» بِضَمِّ الياءِ مِن أزاغَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ مَن يَمِلْ ويَصْرِفْ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ، وقِيلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ ﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ أيْ عَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ تَعْذِيبُهُ في الدُّنْيا.

رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ كُلَّ ما اِسْتَعْصى عَلَيْهِ جِنِّيٌّ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كانَ يَحْرُقُ مَن يُخالِفُهُ، واحْتِراقُ الجِنِّيِّ مَعَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فَإنَّهُ عِنْدَنا لَيْسَ نارًا مَحْضَةً وإنَّما النّارُ أغْلَبُ العَناصِرِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ قرأ عاصم في رواية أبي بكر الرِّيحَ بالضم وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب فمعناه: وَسَخَّرْنَا لسليمان الريح كما اتفقوا في سورة الأنبياء وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ مسخرة تكون رفعاً على معنى الخبر.

ثم قال: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ تسير به الريح عند الغداة مسيرة شهر فتحمله مع جنوده من بيت المقدس إلى اصطخر.

وَرَواحُها شَهْرٌ يعني: تسير به عند آخر النهار مسيرة شهر من اصطخر إلى بيت المقدس، واصطخر عند بلاد فارس.

وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ يعني: أجرينا له عين الصفر المذاب.

يقال: تسيل له في كل شهر ثلاثة أيام يعمل بها ما أحب.

وروى سفيان عن الأعمش قال: سيلت له كما سيل الماء ويقال جرى له عين النحاس في اليمن.

وقال شهر بن حوشب: جرى له عين النحاس من صنعاء وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: وسخرنا لسليمان مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني: بأمر ربه وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا يعني: من يعصِ سليمان فيما أمره نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ قال بعضهم: كان معه ملك، ومعه سوط من عذاب السعير.

فإذا خالف سليمان أحد الشياطين ضربه بذلك السوط.

وقال مقاتل: يعني: به عذاب الوقود في الآخرة.

قوله عز وجل: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ يعني: ما يشاء سليمان مِنْ مَحارِيبَ يعني: المساجد.

ويقال: الغرف.

وَتَماثِيلَ يعني: على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره.

ويقال: ويجعلون صوراً للأنبياء ليستزيد الناس رغبة في الإسلام.

ثم قال: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ يعني: قصاعاً كالحياض الكبيرة.

ويجلس على القصعة الواحدة ألف رجل أو أقل أو أكثر.

الجابية في اللغة: الحوض الكبير وجماعته جواب.

قرأ ابن كثير: كالجوابي بالياء في الوقف والوصل جميعاً.

وقرأ أبو عمرو: وبالياء في الوصل والباقون: بغير ياء.

فمن قرأ بالياء فلأنه الأصل ومن حذف فلاكتفائه بكسر الياء.

قوله: وَقُدُورٍ راسِياتٍ يعني: ثابتات في الأرض لا تزول من مكانها، وكان يتخذ القدور من الجبال.

قال مقاتل: كان ملكه ما بين مصر وبابل.

وقال بعضهم: جميع الأرض.

ثم قال: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً يعني: يا آل داود لما أعطيتكم من الفضل.

ويقال: معناه اعملوا عملاً تؤدوا بذلك شكر نعمتي وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ والشكور هو المبالغة في الشكر.

وهو من كان عادته الشكر في الأحوال كلها.

ومثل هذا في الناس قليل.

وهذا معنى قوله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وروي عن أبي العالية أنه قال هو شكر الشكر يعني: إذا شكر النعمة يعلم أن ذلك الشكر بتوفيق الله عز وجل.

ويشكر لذلك الشكر، وهذا في الناس قليل.

ثم قال عز وجل: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ يعني: على سليمان- عليه الصلاة والسلام- فكان سليمان يبني في بيت المقدس، فرأى أن ذلك لا يتم إلا بالجن.

فأمرهم بالعمل وقال لأهله: لا تخبروهم بموتي.

فكان قائماً في الصلاة، متكئاً على عصاه، وكان سليمان- عليه الصلاة والسلام- يطول الصلاة.

فكان الجن إذا حضروا، رأوه قائماً فرجعوا ويقولون: إنه قائم يصلي فيقبلون على أعمالهم.

وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: كان سليمان-  - إذا مرّ بشجرة يعني: بشيء من نبات الأرض قال لها: ما شأنك؟

فتخبره الشجرة أنها وكذا وكذا، ولمنفعة كذا وكذا، فيدفعها إلى الناس حتى ينتفعوا بها.

فمر بشجرة فقال لها: ما اسمك يا شجرة؟

فقالت: أنا خرنوبة.

فقال: ما شأنك؟

قالت: أنا لخراب المسجد.

فتعصى سليمان منها عصا، فكانت الجن يقولون للإنس: إنا نعلم الغيب.

وإن سليمان سأل الله عز وجل أن يخفي موته.

فلما قضى الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى سليمان الموت لم تدر الجن ولا الإنس ولا أحد كيف مات، ولم يطلع أحد على موته.

والجن تعمل بأشد ما كانوا عليه، حتى خرّ سليمان-  - فنظروا كيف مات فلم يدروا، فنظروا إلى العصا فرأوا العصا قد أكلت يعني: قد أكل منها، وفي العصا أرضة.

فنظروا إلى أين أكلت الأرضة من العصا.

فجعلوه علماً، ثم ردوا الأرضة فيها فأكلت شهراً، ثم نظروا كم أكلت في ذلك الشهر، ثم قاسوها بما أكلت من قبل.

فكان لموته اثنا عشر شهراً.

فتبيّن للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

فقالت الجن: إن لها علينا حقاً.

يعني: الأرضة فهم يبلغونها الماء فلا يزال لها طينة رطبة فذلك قوله: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ يعني: ما دلّ على موت سليمان إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ يعني: الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ يعني: عصاه.

قرأ نافع وأبو عمرو مِنْسَأَتَهُ بلا همز.

وقرأ الباقون بالهمز.

فمن قرأ بالهمز فهو من نسأ ينسأ إذا زجر الدابة، ثم تسمى عصاه منسأة لأنه يزجر بها الدَّابَة.

ومن قرأ بغير همز فقد حذف الهمزة للتخفيف وكلاهما جائز.

فَلَمَّا خَرَّ يعني: سقط-  - تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ علم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب.

ويقال: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ يعني: ظهر لهم: أنهم لو علموا الغيب يعني: أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ فتفرقوا عن ذلك.

قرأ حمزة: مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ بسكون الياء.

وقرأ الباقون: بالنصب وهما لغتان وكلاهما جائز.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: تَغْدُو مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ، وتَرُوحُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى آخِرِ النَّهارِ، فَهي تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.

قالَ الحَسَنُ: لَمّا شَغَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ الخَيْلُ عَنِ الصَّلاةِ فَعَقَرَها، أبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها وأسْرَعَ وهي الرِّيحُ، فَكانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصَطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: القِطْرُ: النُّحاسُ، وهو الصُّفْرُ، أُذِيبَ مُذْ ذاكَ وكانَ قَبْلَ سُلَيْمانَ لا يَذُوبُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أجْرى اللَّهُ لِسُلَيْمانَ عَيْنَ الصُّفْرِ حَتّى صَنَعَ مِنها ما أرادَ مِن غَيْرِ نارٍ، كَما أُلِينَ لِداوُدَ الحَدِيدُ بِغَيْرِ نارٍ، فَبَقِيَتْ تَجْرِي ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ كَجَرْيِ الماءِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ مِمّا أُعْطِي سُلَيْمانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الجِنِّ ﴾ المَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ الجِنِّ ﴿ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ؛ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لَهُ، وأمَرَهم بِطاعَتِهِ؛ والكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يُسَخَّرْ لَهُ ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: يَعْدِلْ ﴿ عَنْ أمْرِنا ﴾ لَهُ بِطاعَةِ سُلَيْمانَ ﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ ؛ وهَلْ هَذا في الدُّنْيا، أمْ في الآخِرَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مَعَ سُلَيْمانَ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، فَمَن زاغَ مِنَ الجِنِّ ضَرَبَهُ المَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّالِثُ: المَساجِدُ والقُصُورُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وأمّا التَّماثِيلُ، فَهي الصُّوَرُ؛ قالَ الحَسَنُ: ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً؛ ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ كالطَّواوِيسِ والعُقْبانِ والنُّسُورِ عَلى كُرْسِيِّهِ ودَرَجاتِ سَرِيرِهِ لِكَيْ يَهابَها مَن أرادَ الدُّنُوَّ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ صُوَرُ النَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ لِكَيْ يَراهُمُ النّاسُ مُصَوَّرِينَ، فَيَعْبُدُوا مِثْلَ عِبادَتِهِمْ ويَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي ما كانُوا يَعْمَلُونَها مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ النُّحاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ الرُّخامِ والشَّبَهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِفانٍ كالجَوابِ ﴾ الجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ؛ والجَوابِي؛ جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ يُجْبى فِيهِ الماءُ، أيْ: يُجْمَعُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " كالجَوابِي " بِياءٍ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُثْبِتُ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وأبُو عَمْرٍو يُثْبِتُها في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ بِغَيْرِ ياءٍ، وكانَ الأصْلُ الوَقْفَ بِالياءِ، إلّا أنَّ الكَسْرَةَ تَنُوبُ عَنْها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَصْنَعُونَ [لَهُ] القِصاعَ كَحِياضِ الإبِلِ، يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ أيْ: ثَوابِتُ؛ يُقالُ: رَسا يَرْسُو: إذا ثَبَتَ.

وَفِي عِلَّةِ ثُبُوتِها في مَكانِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ أثافِيَّها مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها لا تُنْزَلُ لِعِظَمِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتِ القُدُورُ كالجِبالِ لا تُحَرَّكُ مِن أماكِنِها، يَأْكُلُ مِنَ القِدْرِ ألْفُ رَجُلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ المَعْنى: وقُلْنا: اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ﴾ يَعْنِي عَلى سُلَيْمانَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الإنْسُ تَقُولُ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي يَكُونُ في غَدٍ، فَوَقَفَ سُلَيْمانُ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، فَماتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَوْلًا والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ ولا تَعْلَمُ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضُ عَصا سُلَيْمانَ، فَخَرَّ فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ، وعَلِمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ.

وَقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُعَمِّيَ عَلى الجِنِّ مَوْتَهُ، فَأخْفاهُ اللَّهُ عَنْهم حَوْلًا.

وَفِي سَبَبِ سُؤالِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّ الجِنَّ كانُوا يَقُولُونَ لِلْإنْسِ: إنَّنا نَعْلَمُ الغَيْبَ، فَأرادَ تَكْذِيبَهم.

والثّانِي: لِأنَّهُ كانَ قَدْ بَقِيَ مِن عِمارَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَقِيَّةٌ.

فَأمّا ﴿ دابَّةُ الأرْضِ ﴾ فَهِيَ: الأرَضَةُ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " دابَّةُ الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ.

والمِنسَأةُ: العَصا.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمِّيَتْ مِنسَأةً، لِأنَّهُ يُنْسَأُ بِها، أيْ: يُطْرَدُ ويُزْجَرُ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ لا يَهْمِزُونَ المِنسَأةَ، وتَمِيمٌ وفُصَحاءُ قَيْسٍ يَهْمِزُونَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا خَرَّ ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ، وانْكَشَفَ لِلنّاسِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، ولَوْ عَلِمُوا ﴿ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ ﴾ أيْ: ما عَمِلُوا مُسَخَّرِينَ وهو مَيِّتٌ وهم يَظُنُّونَهُ حَيًّا.

وقِيلَ: تَبَيَّنَتِ الجِنُّ، أيْ: عَلِمَتْ، لِأنَّها كانَتْ تَتَوَهَّمُ بِاسْتِراقِها السَّمْعَ أنَّها تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَعَلِمَتْ حِينَئِذٍ خَطَأها في ظَنِّها.

ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " تُبُيِّنَتْ " بِرَفْعِ التّاءِ والباءِ وكَسْرِ الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومِنَ يَزِغْ مِنهم عن أمْرِنا نُذِقْهُ مَن عَذابِ السَعِيرِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: عَقَرَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ الخَيْلَ أسَفًا عَلى ما فَوَّتَتْهُ مِن فَضْلِ وقْتِ صَلاةِ العَصْرِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ تَعالى خَيْرًا مِنها وأسْرَعَ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِيحَ" تَجْرِي بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: ولِسُلَيْمانَ سَخَّرَنا الرِيحَ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - والأعْرَجُ: "الرِيحُ" بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: تَسَخَّرَتِ الرِيحُ، أو عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ولِسُلَيْمانَ تَسْخِيرُ الرِيحِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِسُلَيْمانَ الرِياحُ"، وكَذَلِكَ جُمِعَ في كُلِّ القُرْآنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: إنَّها كانَتْ تَقْطَعُ بِهِ في الغُدُوِّ إلى قُرْبِ الزَوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ يَخْرُجُ مِنَ الشامِ مِن مُسْتَقَرِّهِ بِتَدْمُرَ الَّتِي بَنَتْها لَهُ الجِنُّ بِالصِفاحِ والعُمُدِ فَيَقِيلُ في إصْطَخَرَ، ويَرُوحُ مِنها فَيَبِيتُ في كابُلَ مِن أرْضِ خُراسانَ، ونَحْوُ هَذا، وكانَتِ الأعاصِيرُ تُقِلُّ بِساطَهُ وتَحْمِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُخاءِ، وكانَ هَذا البِساطُ يَحْمِلُ - فِيما رُوِيَ - أرْبَعَةَ آلافِ فارِسٍ وما يُشْبِهُها مِنَ الرِجالِ والعَدَدِ ويَتَّسِعُ لَهُمْ، ورُوِيَ أكْثَرُ مِن هَذا بِكَثِيرٍ، ولَكِنَّ عَدَمَ صِحَّتِهِ مَعَ بُعْدِ شِبْهِهِ أوجَبَ اخْتِصارَهُ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « ["خَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ"]» وما كانَ سُلَيْمانُ لِيَعْدُوَ الخَيْرَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["غَدْوَتُها شَهْرٌ ورَوْحَتُها شَهْرٌ"]، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا أرادَ قَوْمًا لَمْ يُشْعَرْ بِهِ حَتّى يُظِلَّهم في جَوِّ السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُ كانَتْ تَسِيلُ لَهُ بِاليَمَنِ عَيْنٌ جارِيَةٌ مِن نُحاسٍ يُصْنَعُ لَهُ مِنها جَمِيعُ ما أحَبَّ، والقِطْرُ: النُحاسُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القِطْرُ: الفِلِزُّ كُلُّهُ، النُحاسُ والحَدِيدُ وما جَرى مَجْراهُ، كانَ يَسِيلُ لَهُ مِنهُ عُيُونٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْنى ﴿ "وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ": ﴾ أذَبْنا لَهُ النُحاسَ، عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ، قالُوا: وكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ لِسُلَيْمانَ وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ، و"عَيْنَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى المُذابِ، وقالُوا: لَمْ يَلِنِ النُحاسُ ولا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ ﴾ يَحْتَمِلُ أنَّ "مَن" تَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الإتْباعِ لِما تَقَدَّمَ بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"يَزِغْ" مَعْناهُ: يَمِلْ، أيْ يَنْحَرِفُ عاصِيًا، وقالَ: ﴿ عن أمْرِنا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "عن إرادَتِنا" لِأنَّهُ لا يَقَعُ في العالَمِ شَيْءٌ يُخالِفُ الإرادَةَ، ويَقَعُ ما يُخالِفُ الأمْرَ.

قالَ الضَحّاكُ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَمَن يَزِغْ عن أمْرِنا" بِغَيْرٍ "مِنهُمْ".

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن عَذابِ السَعِيرِ ﴾ قِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ قَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَلَكٌ وبِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارِ السَعِيرِ، فَمَن عَصى ضَرَبَهُ فَأحْرَقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف فضيلة سليمان على فضيلة داود للاعتبار بما أوتيه سليمان من فضل كرامةً لأبيه على إنابته ولسليمان على نشأته الصالحة عند أبيه، فالعطف على ﴿ لقد آتينا داود منا فضلاً ﴾ [سبأ: 10] والمناسبة مثل مناسبة ذكر داود فإن سليمان كان موصوفاً بالإِنابة قال تعالى: ﴿ ثم أناب ﴾ في سورة ص (34).

والريح } عطف على ﴿ الحديد ﴾ في قوله: ﴿ وألنا له الحديد ﴾ [سبأ: 10] بتقدير فعل يدل عليه ﴿ وألنا ﴾ .

والتقدير: وسخرنا لسليمان الريح على نحو قول الشاعر: مُتَقَلِّداً سيفاً ورُمْحاً *** أي وحاملاً رمحاً.

واللام في قوله: ﴿ لسليمان ﴾ لام التقوية أنه لما حذف الفعل لدلالة ما تقدم عليه قرن مفعوله الأول بلام التقوية لأن الاحتياج إلى لام التقوية عند حذف الفعل أشد من الاحتياج إليها عند تأخير الفعل عن المفعول.

و ﴿ الريح ﴾ مفعول ثان.

ومعنى تسخيره الريح: خلق ريح تلائم سيرَ سفائنه للغزو أو التجارة، فجعل الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحاً موسمية تهبّ شهراً مشرّقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، وتهبّ شهراً مغرّبة لترجع سفنه إلى شواطئ فلسطين كما قال تعالى: ﴿ ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ﴾ في سورة الأنبياء (81).

فأطلق الغدوّ على الانصراف والانطلاق من المكان تشبيهاً بخروج الماشية للرعي في الصباح وهو وقت خروجها، أو تشبيهاً بغدّو الناس في الصباح.

وأطلق الرواح على الرجوع من النهمة التي يخرج لها كقول ابن أبي ربيعة: أمِن آللِ نعم أنتَ غاد فمُبكِرُ *** غداةَ غَدٍ أمْ رائح فمؤخِّرُ لأن عرفهم أن رواح الماشية يكون في المساء فهو مشتق من راح إذا رجع إلى مقره.

وقرأ الجمهور ولسليمان الريح } بلفظ إفراد ﴿ الريح ﴾ وبنصب ﴿ الريح ﴾ على أنه معطوف على ﴿ الحديد ﴾ في قوله: ﴿ وألنا له الحديد ﴾ [سبأ: 10].

وقرأ أبو بكر عن عاصم برفع ﴿ الريحُ ﴾ على أنه من عطف الجمل و ﴿ الريحُ ﴾ مبتدأ و ﴿ لسليمان ﴾ خبر مقدم.

وقرأه أبو جعفر ﴿ الرياح ﴾ بصيغة الجمع منصوباً.

و ﴿ القِطْر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء النحاس المُذاب.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ في سورة الكهف (96).

والإِسالة: جعل الشيء سائلاً، أي مائعاً منبطحاً في الأرض كمسيل الوادي.

وعين القطر} ليست عيناً حقيقة ولكنها مستعارة لمصب ما يصهر في مصانعه من النحاس حتى يكون النحاس المذاب سائلاً خارجاً من فساقي ونحوها من الأنابيب كما يخرج الماء من العين لشدة إصهار النحاس وتَوالي إصهاره فلا يزال يسيل ليصنع له آنية وأسلحة ودَرقاً، وما ذلك إلا بإذابة وإصهار خارقيْن للمعتاد بقوة إلهية، شبه الإِصهار بالكهرباء أو بالألسنة النارية الزرقاء، وذلك ما لم يؤته مَلك من ملوك زمانه.

ويجوز أن يكون السيلان مستعاراً لكثرة القِطر كثرة تشبه كثرة ماء العيون والأنهار كقول كُثيّر: وسالتْ بأعناق المَطي الأباطح *** ويكون ﴿ أسلنا ﴾ أيضاً ترشيحاً لاستعارة اسم العين لمعنى مُذاب القطر، ووجه الشبه الكثرة.

وقوله: ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ فقوله: ﴿ من يعمل بين يديه ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ بإذن ربّه ﴾ خبر.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ من الجن ﴾ بيان لإِبهام ﴿ مَن ﴾ قدم على المبيَّن للاهتمام به لغرابته، وهو في موضع الحال.

ولك أن تجعل ﴿ من يعمل ﴾ عطفاً على ﴿ الريح ﴾ في قوله: ﴿ ولسليمان الريح ﴾ أي سَخرنا له من يعمل بين يديه من الجن، وتجعلَ جملة ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.

ومعنى ﴿ يعمل بين يديه ﴾ يخدمه ويطيعه.

يقال: أنا بين يديك، أي مطيع، ولا يقتضي هذا أن يكون عملتُه الجنّ وحدهم بل يقتضي أن منهم عملة، وفي آية النمل (17) ﴿ من الجن والإِنس والطير ﴾ والزيغ: تجاوز الحد والطريق، والمعنى: من يَعْص أمرنا الجاري على لسان سليمان.

وذِكر الجن في جند سليمان عليه السلام تقدم في سورة النمل.

و ﴿ عذاب السعير ﴾ : عذاب النار تشبيه، أي عذاباً كعذاب السعير، أي كعذاب جهنم، وأما عذاب جهنم فإنما يكون حقيقة يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ﴾ أيْ وسَخَّرَنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ.

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: تَغْدُو مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَهي تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.

وَقالَ الحَسَنُ: كانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيُقْبِلُ بِإصْطَخْرَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ ويَرُوحُ فَيَبِيتُ بِكابُلَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ.

﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي عَيْنٌ بِأرْضِ اليَمَنِ، قالَ السُّدِّيُّ: سَيَّلْتُ لَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَ عِكْرِمَةُ: سالَ لَهُ القِطْرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن صَنْعاءَ اليَمَنِ كَما يَسِيلُ الماءُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: هي عَيْنٌ بِالشّامِ.

وَفي القِطْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: الصُّفْرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنهم مَن سَخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَمَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مِنهم غَيْرَ مُسَخَّرٍ.

﴿ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ أيْ بِأمْرِ رَبِّهِ.

﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَمّا يَأْمُرُهُ سُلَيْمانُ، قالَهُ قَتادَةُ: لِأنَّ أمْرَ سُلَيْمانَ كانَ كَأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِكَوْنِهِ نَبِيًّا مِن أنْبِيائِهِ.

﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ أيِ النّارِ المُسَعَّرَةِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نُذِيقُهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسَخِّرُ مِنهم إلّا الكَفّارَ فَإذا آمَنُوا أُرْسِلُوا، قالَ وكانَ مَعَ المُسَخَّرِينَ مِنهم مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن عَذابِ السَّعِيرِ فَإذا خالَفَ سُلَيْمانَ ضَرَبَهُ المَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها قُصُورٌ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّانِي: المَساجِدُ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ.

الثّالِثُ: المَساكِنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِحْرابُ الدّارِ أشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيها، ولا يَكُونُ إلّا أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ.

﴿ وَتَماثِيلَ ﴾ هي الصُّوَرُ، قالَ الحَسَنُ ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مِن نُحاسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مِن رُخامٍ وشَبَهٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ طَواوِيسُ وعُقابًا ونُسُورًا عَلى كُرْسِيِّهِ ودَرَجاتِ سَرِيرِهِ لِكَيْ يَهابَ مِن شاهِدِها أنْ يَتَقَدَّمَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: صُوَرُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قَبْلَهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ وَجِفانٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: صِحافٌ.

﴿ كالجَوابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كالحِياضِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: كالجَوْبَةِ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: كالحائِطِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عِظامٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ أثافِيَها مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ثابِتاتٌ لا يَزُلْنَ عَنْ أماكِنِهِنَّ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي لِثُبُوتِها وثُبُوتِ الأرْضِ بِها.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ القُدُورَ بِاليَمَنِ أبْقاها اللَّهُ تَعالى آيَةً وعِبْرَةً.

﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: تَقْوى اللَّهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: صَوْمُ النَّهارِ وقِيامُ اللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ أبِي زِيادٍ، فَلَيْسَ ساعَةٌ مِن نَهارٍ إلّا وفِيها مِن آلِ داوُدَ صائِمٌ ولا ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ إلّا وفِيها مِن آلِ داوُدَ قائِمٌ.

الرّابِعُ: اعْمَلُوا مِنَ الأعْمالِ ما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْهِ الشُّكْرَ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.

الخامِسُ: اذْكُرُوا أهْلَ البَلاءِ وسَلُوا رَبَّكُمُ العافِيَةَ.

السّادِسُ: ما حَكاهُ الفُضَيْلُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ فَقالَ داوُدُ إلَهِي كَيْفَ أشْكُرُكَ والشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنكَ؟

قالَهُ: الآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أنَّ النِّعَمَ مِنِّي.

﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: المُؤْمِنُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: المُوَحِّدُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: المُطِيعُ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

الرّابِعُ: ذاكِرُ نِعَمِهِ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  تَلا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: (ثَلاثَةٌ مَن أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ آلُ داوُدَ: العَدْلُ في الرِّضا والغَضَبِ، والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنى، وخَشَيَةُ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.

» وفي الفَرْقِ بَيْنَ الشّاكِرِ والشَّكُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشّاكِرَ مَن لَمْ يَتَكَرَّرْ شُكْرُهُ والشَّكُورَ مَن تَكَرَّرَ شُكْرُهُ.

الثّانِي: أنَّ الشّاكِرَ عَلى النِّعَمِ والشَّكُورَ عَلى البَلْوى.

الثّالِثُ: أنَّ الشّاكِرَ خَوْفُهُ أغْلَبُ والشَّكُورُ رَجاؤُهُ أغْلَبُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ولسليمان الريح ﴾ رفع الحاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر ﴾ قال: تغدو مسيرة شهر، وتروح مسيرة شهر في يوم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الريح مسيرها شهران في يوم.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: إن سليمان عليه السلام لما شغلته الخيل فأتته صلاة العصر غضب لله، فعقر الخيل، فأبدله الله مكانها خيراً منها، وأسرع الريح تجري بأمره كيف شاء، فكان غُدُوُّها شهراً، ورواحها شهراً، وكان يغدو من ايليا فيقيل بقريرا، ويروح من قريرا فيبيت بكابل.

وأخرج الخطيب في رواية مالك عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يركب الريح من اصطخر، فيتغدى ببيت المقدس، ثم يعود فيتعشى باصطخر.

وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ قال: كان سليمان عليه السلام يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر، ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة خراسان.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ قال: النحاس.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ قال: أعطاه الله عيناً من صفر، تسيل كما يسيل الماء قال: وهل تعرف العرف ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: فألقى في مراجل من حديد ** قدور القطر ليس من البرام وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ قال: عين النحاس كانت باليمن، وان ما يصنع الناس اليوم مما أخرج الله لسليمان عليه السلام.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ قال: أسال الله تعالى له القطر ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل: إلى أين؟

قال: لا أدري.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: سيلت له عين من نحاس ثلاثة أيام.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ القطر ﴾ النحاس.

لم يقدر عليها أحد بعد سليمان عليه السلام، وإنما يعمل الناس بعد فيما كان أعطى سليمان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ عين القطر ﴾ قال: الصفر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ليس كل الجن سخر له كما تسمعون ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا ﴾ قال: يعدل عما يأمره سليمان عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ومن يزغ منهم عن أمرنا ﴾ قال: من الجن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ﴾ قال الفراء: (نصب الريح على: وسخرنا لسليمان الريح، وهي منصوبة في الأنبياء ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً  ﴾ أضمر وسخرنا، ورفع عاصم: ولسليمان الريح، لما لم يظهر التسخير، وأنشد: ورأيتما لمجاشع نعما ....

وبني أبية جاملا (١) (٢) يريد رأيتم لبني أبية، فلما لم يظهر (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال أبو علي: (وجه النصب أن الريح حملت على التسخير في قوله ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ  ﴾ كذلك ينبغي أن تحمل هنا عليه، ووجه الرفع أن الريح إذا سخرت لسليمان، جاز أن يقال: له الريح على معنى: له تسخير (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ غُدُوُّهَا ﴾ أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له شهر، أي: مسيرة شهر، وعلى هذا التقدير قوله: ﴿ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ أي: سير رواحها سير شهر.

قال الحسن: (كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر (١٠) (١١) (١٢) وقال السدي: كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب.

وهذا قول جماعة المفسرين (١٣) قوله تعالى: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ﴾ أي: أذبنا له عين النحاس.

وقال ابن عباس والسدي وشهر بن حوشب ومجاهد ومقاتل: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كمجرى الماء في صنعاء، يعمل بها ما أحب كما يعمل بالطين، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان (١٤) وقوله: ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ ﴾ أي: سخرنا له من الجن.

﴿ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ أي: بأمر ربه.

قال مقاتل: يعني رب سليمان (١٥) قال ابن عباس: سخرهم وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم به (١٦) ﴿ وَمَنْ يَزِغْ ﴾ أي: ومن يعدل.

﴿ مِنْهُمْ ﴾ من الجن.

﴿ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ لهم بطاعة سليمان.

﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ قال مقاتل: يعني الوقود في الآخرة.

وهو قول أكثر المفسرين.

وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ الوقود.

وهذا القول على هذا الإطلاق يحتمل ما قال بعضهم: إن هذا العذاب لمن زاغ عن أمر سليمان كان في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكَّلَ ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ من الجن عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته (١٧) (١) هكذا في النسخ!

وهو خطأ، والصواب: جامل.

(٢) البيت من الكامل، ولم أهتد إلى قائله، وهو بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 2/ 356 - 401، "ديوان الأدب" 1/ 358.

والجامل: جماعة الجمال والنوق، اللسان (جمل) 11/ 124، والرغب: كل ما اتسع فقد رغب رغبًا، "اللسان" (رغب) 1/ 424.

(٣) في النسخ: (يضمر)، والتصحيح من "معاني القرآن" للفراء.

(٤) "معاني القرآن" 2/ 356.

(٥) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.

(٦) في (أ): (الوحد).

(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 245.

(٨) في (ب): (التسخير).

(٩) "الحجة" 6/ 10.

(١٠) اصطخر: بالكسر وسكون الخاء المعجمة، والنسبة إليها اصطخري، بلدة بفارس، وهي من أعيان حصون فارس، وبها كانت قبل الإسلام خزائن الملوك، ومن أشهر مدنها: البيضاء، ومائتين، ويزد وغير ذلك، ينسب إليها جماعة وافرة من أهل العلم.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 211.

(١١) (كابل) بضم الباء الموحدة ولام، من ثغور طخارستان، ولها من المدن: واذان وخواش وخشك وجزه، غزاها المسلمون في أيام بني مروان وافتتحوها، قلت: هي عاصمة جمهورية أفغانستان اليوم.

انظر: "معجم البلدان" 4/ 426.

(١٢) انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 437، "المحرر الوجيز" 4/ 408، "مجمع البيان" 8/ 598، "البحر المحيط" 8/ 526، "تفسير القرطبي" 14/ 269.

(١٣) انظر: المصادر السابقة.

(١٤) انظر: "تفسير الماوردي" 437/ 4، "مجمع البيان" 8/ 598، "تفسير القرطبي" 14/ 270، "زاد المسير" 6/ 438.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.

(١٦) انظر: "مجمع البيان" 8/ 598، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 429.

(١٧) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 438، "مجمع البيان" 8/ 598، "زاد المسير" 6/ 439.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الريح ﴾ بالنصب على تقدير وسخرنا، وقرئ بالرفع رواية أبي بكر عن عاصم على الابتداء ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ أي كانت تسير به بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي مسيرة شهر فكان يجلس على سريره وكان من خشب، يحمل فيها روي أربعة آلاف فارس، فترفعه الريح ثم تحمله ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر ﴾ قال ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين من نحاس، يصنع منها ما أحب، والقِطر: النحاس، وقيل: القطر الحديد والنحاس وما جرى مجرى ذلك: كان يسيل له منه أربعة عيون، وقيل: المعنى أن الله أذاب له النحاس بغير نار كما صنع بالحديد لداود ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير ﴾ يعني نار الآخرة، وقيل: كان معه ملك يضربهم بسوط من نار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ .

أي: علما، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ فَضْلاً ﴾ ، أي: نبوة.

وقال بعضهم: الفضل: هو الملك الذي آتاه الله.

وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير الجبال والطير والتسبيح معه، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء؛ حتى اتخذ منه ما شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو تكلفنا عدّه وإحصاءه ما قدرنا عليه.

وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ .

قيل: سبحي معه.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرَ ﴾ .

من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير.

ومن رفعها جعله على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه.

ثم اختلف في تسبيج الجبال والطير.

قال بعضهم: تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق؛ لما جعل في خلقة كل شيء الشهادة له بالوحدانية والألوهية، لكن ذكر هاهنا: أن سبحى معه، ولو كان تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان معه داود أو لم يكن؛ ولكن جائز أن يجعل الله -  - في سرّية الجبال من التسبيح ما يفهم منها داود، ولم يفهم غيره؛ على ما ذكرنا في قول النملة لسائر النمل؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]: جعل الله -  - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان؛ ففهم منها ذلك، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود؛ فعلى ذلك تسبيح الجبال والطير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ .

جعل له آية لنبوته؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه؛ حتى كان يعمل منه ما شاء، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا بالنار وأسباب أخر؛ ليكون له في ذلك آية.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، وقلنا له: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

قال بعضهم: السابغات: هي الدروع.

وقال بعضهم: هي الواسعات.

وقيل: هي الطوال.

فكأنه أمر أن يتخذ من الدروع ما يأخذ من الرأس إلى القدم ما يصلح لحرب العدوّ.

وقوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ .

قال بعضهم: كانت الدروع قبل ذلك صفائح مضروبة، فسرد نبي الله حلقها بعضها في بعض، والسرد: المسامير والحلق، يقول: قدر المسامير في الحلق: لا بدق المسامير وتوسع الحلق؛ فتسلسل، ولا تضيق الحلق وتعظم المسامير فتقصم وتكسر؛ ولكن مستوياً لتكون أحكم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ ، أي: في النسج، أي: لا تجعل المسامير دقاقاً؛ فتقلق، ولا غلاظاً؛ فتكسر الحلق؛ ومنه قيل لصانع الدروع: سرّاد، وزرّاد؛ كما يقال: صراط وسراط وزراط.

والسرد: الحرز أيضاً، وقال غيره: السرد: الخروق في طبق الحلق، وإدخال الحلق بعضها في بعض.

وقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، فيما ذكر من عمل الدروع، ويحتمل في غيره من الأعمال، ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، هو على الوعيد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ كأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح؛ كما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ، أي: تجري به الريح في غدوها مسيرة شهر، وفي رواحها مسيرة شهر، وذلك آية له، فمثلها من الآية كان لرسول الله، حيث أسري في ليلة واحدة مسيرة شهرين من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وما كان لسليمان من الملك بالأعوان من الجن والإنس كان لرسول الله  بنفسه؛ حيث قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، [فإن لم يكن] أعظم مما كان لسليمان فلا يكون دونه.

وما كان لأبيه داود من إلانة الحديد له بلا سبب وما ذكر - كان لمحمد انشقاق القمر له، وذلك أعظم في الآية مما ذكر.

وما كان لموسى من انفجار العيون من الحجر، كان لمحمد من أصابعه، حتى ذكر أنهم كانوا ألفا وأربعمائة نفر شربوا جميعاً منه ورووا؛ فذلك وإن لم يكن أعظم في الآية لا يكون دونه.

وما كان لعيسى من إحياء الله الموتى وإجرائه على يديه، كان لمحمد مقابل ذلك كلام الشاة المصلية المسمومة التي أخبرته: إني مسمومة؛ فلا تتناول مني؛ لما أراد التناول منها، فآياته كثيرة حتى لم تذكر لأحد من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - آية إلا ويمكن أن يذكر لمحمد جميعاً مقابل ذلك مثلها أو أعظم منها.

ثم يحتمل ذكر ملك سليمان وأبيه؛ لئلا يحسدوا محمداً - صلوات الله عليه - على ما أعطاه الله له من الملك والشرف؛ ليعرفوا أنه ليس هو المخصوص بالملك والشرف، ولكن له في ذلك شركاء وإخوان أعطاهم الله مثل ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ .

قيل: النحاس، وقيل: الصفر، قيل: أسيل له يعمل به ما أحبّ، كما ألين لأبيه الحديد؛ فيعمل به ما أحبّ من الدروع وغيرها بلا سبب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: بأمر ربه، أي: سخر الله الجن له، وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم فيما أحبّ، شاءوا أو كرهوا، يخرج قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التسخير له؛ فيكون الإذن كناية عن التسخير.

والثاني: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: بأمر ربه، أي: أمرهم ربهم أن يطيعوه في جميع ما يأمر وينهى.

وقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ، أي: عصاه فيما أمره ربه، ﴿ نُذِقْهُ ﴾ ، ما ذكر.

يحتمل إضافة أمره إلى نفسه؛ لما بأمره ما يستعملهم فيما يستعملهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ ﴾ .

قال بعضهم: المحاريب هي المساجد.

وقال بعضهم: هي القصور.

والمحاريب هي أشرف المواضع، ذكرت كناية عن غيرها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَمَاثِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: هي التماثيل كهيئة تماثيل الرجال، يصوّرون في المساجد تماثيل الرجال العبّاد الزهاد، والملائكة، والنبيين، والرجال المتواضعين؛ لكي إذا رآهم الناس مصوراً عبدوا عبادتهم، وتشبهوا بهم.

أو أن تكون تماثيل لا رأس لها، نحو: الأواني والكيزان ونحوها.

أو أن يكون التماثيل يومئذ غير منهي العمل بها، فأما اليوم فقد نهوا عن العمل بها؛ مخافة أن يدعو ذلك إلى عبادة غير الله؛ وكذلك غرّ إبليس قوماً حتى عبدوا الأصنام؛ وإلا ليس من الأصنام ولا فيها ما يغتر به المرء على عبادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: قصاع كالجواب، كهيئة حياض الإبل؛ حتى يجلس على القصعة الواحدة ألف وزيادة يأكلون منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ ، أي: كالجوبة من الأرض التي تحفر للماء؛ يصف عظم ذلك؛ ففيه أنهم كانوا يجتمعون في الأكل لا ينفردون به.

وقوله: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ .

أي: كانوا يتخذون له قدوراً عظاماً في الجبال التي لا تحرك من مكان، ﴿ رَّاسِيَاتٍ ﴾ ، أي: ثابتات كما ذكر، والجبال الرواسي، أي: الثوابت.

وقال بعضهم: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ : هي القدور العظام التي أفرغت إفراغاً وأكفيت - لعظمها - إكفاء، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: اعملوا لآل داود شكراً؛ لأنه ذكر أنه ليس من زمان في ليل ونهار إلا ويكون من آل داود صائم بالنهار ومصلٍّ بالليل، أو كلام نحوه؛ فأمروا بالشكر لهم.

وقال بعضهم: كأنه قال: اعملوا يا آل داود شكراً، لما أعطيتكم من الملك والفضل.

﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ﴾ .

أي: قليل من عبادي المؤمنين، والشكور كناية عن المؤمن؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، أي: لكل مؤمن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ ، أي: أذبنا له عين النحاس، والشكور هو الفعول، والفعول والفعال هما اللذان يكثران الفعل؛ فكأن الشكور هو الذي يعتقد الشكر لربه، ويشكر مع الاعتقاد؛ فيكون منه الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ .

دل هذا على أن موته كان بحضرة أهله وبمشهد منهم؛ حيث ذكر، ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ثم يذكر بعض أهل التأويل أنه سأل ربّه أن يعمّى على الجن موته؛ حتى يعلم الإنس ﴿ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ ﴾ - أعني: الجن - ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

وبعضهم يقول: سأل ربه أن يعمي على الجن موته؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس، فدأبوا حولا يعملون، فلما فرغوا من بنائه خر سليمان ميتا من عصاه، وكان متكئاً عليها.

وبعضهم يقول: لما حضره الموت - وكان على فراشه في البيت - لم يكن على عصاه؛ فقال: لا تخبروا الجن بموتي؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس - وكان بقي عمل سنة - ففعلوا، فلما فرغوا من بنائه - خرّ؛ فعند ذلك علمت الجن بموته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

في حرف ابن مسعود: ﴿ فلما قضينا عليه الموت، وهم يدأبون له حولا ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الإنس على أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدّعون علم الغيب فابتلوا بذلك.

ودل قوله: ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ على أنهم كانوا لا يدنون منه لأحد وجهين: إما لهيبته وسلطانه على الناس؛ فإن كان ذلك أطاع له كل شيء وخضعوا له: من الجن والطير والوحش وغير ذلك.

أو لما كان يكثر العبادة لله والخضوع له يتوحد ويتفرد بنفسه، لم يجترئوا أن يدنوا منه؛ وإلا لو دنوا منه لرأوا فيه آثار الموتى، اللهم إلا أن يكون ما ذكر بعضهم أنه قال لأهله: لا تخبروا أحداً بموتي، وأمرهم أن يكتموا موته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ، قيل: المنسأة: العصا، سمي: منسأة من المنسأ؛ لأنه كان بها يؤخر ما أراد تأخيره، وبها يدفع ما أراد دفعه.

ثم في إمساكه العصا أحد وجهين: لما لضعفة في نفسه؛ كان يتقوى بها في أمور ربه، أو يمسكها؛ لخضوعه لربه وطاعته له.

وفيه دلالة: أن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يشغلهم الملك وفضل الدنيا، ولا الحاجة ولا الفقر عن القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة إلى الناس، وهما شاغلان لغيرهم، وهم كانوا فريقين: [فريق] قد وسع عليهم الدنيا نحو سليمان وإبراهيم وغيرهما، وفريق قد اشتدت بهم الحاجة والفقر، وكلاهما مانعان شاغلان عن القيام بأمور الله وتبليغ الرسالة؛ ليعلم أنهم لم يأخذوا من الدنيا ما أخذوا - للدنيا،.

ولكن أخذوا للخلق، ولله قاموا فيما قاموا لذلك، لم يشغلهم ذلك عن القيام بما ذكرنا، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ أنه كان يأمرهم ويستعملهم في أمور شاقة وأعمال صعبة؛ حيث ذكر لبثهم في ذلك لبثا في العذاب المهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وسخرنا لسليمان بن داود  الريح، تسير في الصباح مسافة شهر، وتسير في المساء مسافة شهر، وسيلنا له عين النحاس ليصنع من النحاس ما يشاء، وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بأمر ربه، والذي يميل من الجن عمَّا أمرناه به من العمل نُذِيقُه من عذاب النار الملتهبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.m1azZ"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد