الآية ١١ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١١ من سورة سبأ

أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍۢ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( أن اعمل سابغات ) وهي : الدروع .

قال قتادة : وهو أول من عملها من الخلق ، وإنما كانت قبل ذلك صفائح .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا ابن سماعة ، حدثنا ابن ضمرة ، عن ابن شوذب قال : كان داود ، عليه السلام ، يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم : ألفين له ولأهله ، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحوارى .

( وقدر في السرد ) : هذا إرشاد من الله لنبيه داود ، عليه السلام ، في تعليمه صنعة الدروع .

قال مجاهد في قوله : ( وقدر في السرد ) : لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة ، ولا تغلظه فيفصمها ، واجعله بقدر .

وقال الحكم بن عتيبة : لا تغلظه فيفصم ، ولا تدقه فيقلق .

وهكذا روي عن قتادة ، وغير واحد .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : السرد : حلق الحديد .

وقال بعضهم : يقال : درع مسرودة : إذا كانت مسمورة الحلق ، واستشهد بقول الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ، عليه والسلام ، من طريق إسحاق بن بشر - وفيه كلام - عن أبي إلياس ، عن وهب بن منبه ما مضمونه : أن داود ، عليه السلام ، كان يخرج متنكرا ، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته ، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته ومعدلته ، صلوات الله وسلامه عليه .

قال وهب : حتى بعث الله ملكا في صورة رجل ، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره ، فقال : هو خير الناس لنفسه ولأمته ، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال : ما هي ؟

قال : يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين ، يعني بيت المال ، فعند ذلك نصب داود ، عليه السلام ، إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله ، فألان له الحديد ، وعلمه صنعة الدروع ، فعمل الدرع ، وهو أول من عملها ، فقال الله : ( أن اعمل سابغات وقدر في السرد ) يعني : مسامير الحلق ، قال : وكان يعمل الدرع ، فإذا ارتفع من عمله درع باعها ، فتصدق بثلثها ، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله ، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها .

وقال : إن الله أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت ، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر ، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته .

وكان شديد الاجتهاد ، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير ، وكأن قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه .

وقوله : ( واعملوا صالحا ) أي : في الذي أعطاكم الله من النعم ، ( إني بما تعملون بصير ) أي : مراقب لكم ، بصير بأعمالكم وأقوالكم ، لا يخفى علي من ذلك شيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) يقول: وعهدنا إليه أن اعمل سابغات: وهي التوامُّ الكوامل من الدروع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) دروع وكان أول من صنعها داود، إنما كان قبل ذلك صفائح.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) قال: السابغات دروع الحديد.

وقوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) اختلف أهل التأويل في السرد؛ فقال بعضهم: السرد هو مسمار حلق الدرع.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة (وَقَدِّرْ فِي السرْدِ) قال: كان يجعلها بغير نار، ولا يقرعها بحديد، ثم يسردها.

والسرد: المسامير التي في الحلق.

وقال آخرون: هو الحلق بعينها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) قال: السرد حلقه، أي: قدر تلك الحلق، قال: وقال الشاعر: أجادَ المُسَدِّي سَرْدَهَا وَأَذَالَهَا (4) قال: يقول وسعها وأجاد حلقها.

حدثنا محمد بن سعد قال ثني أَبي قال ثني عمي قال ثني أَبي عن أبيه عن ابن عباس (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) يعني بالسرد: ثقب الدروع فيسد قتيرها.

وقال بعض أهل العلم بكلام العرب: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر: وَعَلَيهِمَــا مَسْــرُودَتَانِ قَضَاهُمَــا دَاودُ أَوْ صَنَـــعُ السَّــوَابِغِ تُبَّــعُ (5) وقيل: إنما قال الله لداود (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) لأنها كانت قبل صفائح.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي قال ثنا أَبي قال ثنا خالد بن قيس عن قتادة (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) قال: كانت صفائح فأمر أن يسردها حلقًا، وعنى بقوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) : وقدر المسامير في حلق الدروع حتى يكون بمقدار لا تغلظ المسمار، وتضيق الحلقة فتفصم الحلقة، ولا توسع الحلقة وتصغر المسامير وتدقها فتسلس في الحلقة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) قال: قدر المسامير والحلق؛ لا تدق المسامير فتسلس ولا تجلها، قال محمد بن عمرو وقال الحارث: فتفصم.

حدثني علي بن سهل قال ثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) قال: لا تصغر المسمار وتعظم الحلقة فتسلس، ولا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فيفصم المسمار.

حدثني يعقوب قال ثنا ابن عيينة قال ثنا أَبي عن الحكم في قوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) قال: لا تغلظ المسمار فيفصم الحلقة ولا تدقه فيقلق.

وقوله (وَاعْمَلُوا صَالِحًا) يقول تعالى ذكره: واعمل يا داود أنت وآلك بطاعة الله (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يقول جل ثناؤه: إني بما تعمل أنت وأتباعك ذو بصر لا يخفى عليَّ منه شيء، وأنا مجازيك وإياهم على جميع ذلك.

-------------------- الهوامش : (4) البيت لكثير عزة بن عبد الرحمن الخزاعي (اللسان: ذيل) وصدره: عـلى ابـن أَبي العاص دلاص حصينة .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

قال : وذيل فلان ثوبه تذييلا: إذا طوله.

وملاء مذيل: طويل الذيل.

ويقال: وأذال فلان ثوبه إذا أطال ذيله؛ قال كثير: عـلى ابـن أَبـي العـاص .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وأذالهــــا وسردها: سمرها بالمسامير، كما يأتي في الشواهد بعده.

والمسدي: من التسديد وهي أن يجعل الدرع مضاعفة، لها سدى ولحمة.

(على التشبيه بالثوب الذي له سدى ولحمة) أو السدى: أسفل الثوب والدرع، والتسديد منه توسع أسفلها حتى لا يعوق لابسه في السير إذا كان ضيقا، وهذا الشاهد في معنى الشاهد الذي بعده.

(5) البيت من شواهد أَبي عبيدة في (معاني القرآن 198 - أ) من مصورة الجامعة على أنه يقال درع مسرودة: أي مسمورة الحلق.

وقال الفراء في (معاني القرآن، الورقة 261): وقال عز وجل: (أن اعمل سابغات): الدروع (وقدر في السرد) يقول: لا تجعل مسمار الدروع دقيقا، فيقلق، ولا غليظا، فيفصم الحلق.

وفي (اللسان: قضى): والقضاء: بمعنى العمل، ويكون بمعنى العمل، ويكون بمعنى الصنع والتقدير قال أبو ذؤيب: "وعليهما مسرودتان ...

البيت".

قال ابن السيرافي: قضاهما فرغ من عملها أو قلت: ومعنى البيت أنهما جاءا وعليهما درعان سابغتان أي طويلتان محكمتا الصنع، كأنهما من صنع داود عليه السلام، أو من صنع تبع ملك اليمن العظيم

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير .قوله تعالى : أن اعمل سابغات أي دروعا سابغات ، أي كوامل تامات واسعات ; يقال : سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه وفضل منه .

وقدر في السرد قال قتادة : كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا ; فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة .

أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه ; أي لا تقصد الحصانة فتثقل ، ولا [ ص: 242 ] الخفة فتزيل المنعة .

وقال ابن زيد : التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة ، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع ، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها .

وقال ابن عباس : التقدير الذي أمر به هو في المسمار ، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق ، ولا غليظا فيفصم الحلق .

روي ( يقصم ) بالقاف ، والفاء أيضا رواية .

( في السرد ) السرد نسج حلق الدروع ، ومنه قيل لصانع حلق الدروع : السراد والزراد ، تبدل من السين الزاي ، كما قيل : سراط وزراط .

والسرد : الخرز ، يقال : سرد يسرد إذا خرز .

والمسرد : الإشفى ، ويقال سراد ; قال الشماخ :فظلت تباعا خيلنا في بيوتكم كما تابعت سرد العنان الخوارزوالسراد : السير الذي يخرز به ; قال لبيد :يشك صفاحها بالروق شزرا كما خرج السراد من النقالويقال : قد سرد الحديث والصوم ; فالسرد فيهما أن يجيء بهما ولاء في نسق واحد ، ومنه سرد الكلام .

وفي حديثعائشة : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم ، وكان يحدث الحديث لو أراد العاد أن يعده لأحصاه .

قال سيبويه : ومنه رجل سرندى أي جريء ، قال : لأنه يمضي قدما .

وأصل ذلك في سرد الدرع ، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلقها ولاء غير مختلف .

قال لبيد :صنع الحديد مضاعفا أسراده لينال طول العيش غير مروموقال أبو ذؤيب :وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبعواعملوا صالحا أي عملا صالحا .

وهذا خطاب لداود وأهله ، كما قال : اعملوا آل داود شكرا .

إني بما تعملون بصير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن فضله عليه, أن ألان له الحديد, ليعمل الدروع السابغات, وعلمه تعالى كيفية صنعته, بأن يقدره في السرد, أي: يقدره حلقا, ويصنعه كذلك, ثم يدخل بعضها ببعض.قال تعالى: { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } ولما ذكر ما امتن به عليه وعلى آله, أمره بشكره, وأن يعملوا صالحا, ويراقبوا اللّه تعالى فيه, بإصلاحه وحفظه من المفسدات, فإنه بصير بأعمالهم, مطلع عليهم, لا يخفى عليه منها شيء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(أن اعمل سابغات ) دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض ( وقدر في السرد ) والسرد نسج الدروع ، يقال لصانعه : السراد والزراد ، يقول : قدر المسامير في حلق الدرع أي : لا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ولا غلاظا فتكسر الحلق ، ويقال : " السرد " المسمار في الحلقة ، يقال : درع مسرودة أي : مسمورة الحلق ، وقدر في السرد اجعله على القصد وقدر الحاجة ( واعملوا صالحا ) يريد : داود وآله ( إني بما تعملون بصير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وقلنا «أن اعمل» منه «سابغات» دروعا كوامل يجرها لابسها على الأرض «وقدر في السرد» أي نسج الدروع قيل لصانعها سراد، أي اجعله بحيث تتناسب حلقه «واعملوا» أي آل داود معه «صالحا إني بما تعملون بصير» فأجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أن اعمل دروعًا تامات واسعات وقدِّر المسامير في حِلَق الدروع، فلا تعمل الحلقة صغيرة فتَضْعُف، فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تجعلها كبيرة فتثقُل على لابسها، واعمل يا داود أنت وأهلك بطاعة الله، إني بما تعملون بصير لا يخفى عليَّ شيء منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

و ( أَنِ ) فى قوله : ( أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ ) مصدرية على حذف حرف الجر .

وسابغات صفة لموصوف محذوف .أى : ألنا له الحديد ، لكى يعمل منه دروعا سابغات .والدرع السابغ ، هى الدرع الواسعة التامة .

يقال : سبغ الشئ سبوغا ، إذا كان واسعا تاما كاملا .

ومنه قولهم : نعمة سابغة ، إذا كانت تامة كاملة .قال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) وقوله : ( وَقَدِّرْ فِي السرد ) والتقدير هنا بمعنى الإِحكام والإِجادة وحسن التفكير فى عمل الشئ .

والسرد : نسج الدروع وتهيئاتها لوظيفتها .أى : آتينا داود كل هذا الفضل الذى من جملته إلانة الحديد فى ديه ، وقلنا له يا داود : اصنع دروعا سابغات تامات ، وأحكم نسج هذه الدروع ، بحيث تكون فى أكمل صورة ، وأقوى هيئة .روى ان الدروع قبل عهد داود كانت تعمل بطريقة تثقل الجسم ، ولا تؤدى وظيفتها لا تثقل الجسم ولا تتعبه ، وفى الوقت نفسه تكون محكمة إحكاما تاما بحيث لا تنفذ منها الرماح ، ولا تقطعها السيوف ، وكان الأمر كله من باب الإِلهام والتعليم من الله - تعالى - لعبده داود - عليه السلام - .ثم أمر - سبحانه - داود وأهله بالعمل الصالح فقال : ( واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .أى : واعملوا عملا صالحا يرضينى ، فإنى مطلع ومحيط ومبصر لكل ما تعملونه من عمل ، وسأجازيكم عليه يوم القيامة بالجزاء الذى تستحقونه .قال القرطبى : وفى هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع ، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم .

بل ذلك زيادة فى فضلهم وفضائلهم ، إذ يحصل لهم التواضع فى أنفسهم ، والاستغناء عن غيرهم ، وكسب الحلال الخالى عن الامتنان .

وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قيل إن (أن) هاهنا للتفسير فهي مفسرة، بمعنى أي اعمل سابغات وهو تفسير ﴿ ألنا ﴾ وتحقيقه لأن يعمل، يعني ألنا له الحديد ليعمل سابغات ويمكن أن يقال ألهمناه أن اعمل وأن مع الفعل المستقبل للمصدر فيكون معناه: ألنا له الحديد وألهمناه عمل سابغات وهي الدروع الواسعة ذكر الصفة ويعلم منها الموصوف وقدر في السرد، قال المفسرون: أي لا تغلظ المسامير فيتسع الثقب ولا توسع الثقب فتقلقل المسامير فيها، ويحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد، وقوله: ﴿ وَقَدّرْ فِي السرد ﴾ أي الزرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ واعملوا صالحا ﴾ أي لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، والكسب قدروا فيه، ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله: ﴿ إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وقد ذكرنا مراراً أن من يعمل لملك شغلاً ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن العمل ويتقنه ويجتهد فيه، ثم لما ذكر المنيب الواحد ذكر منيباً آخر وهو سليمان، كما قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ياجبال ﴾ إمّا أن يكون بدلاً من ﴿ فَضْلاً ﴾ ، وإمّا من ﴿ ءاتَيْنَا ﴾ بتقدير: قولنا يا جبال.

أو: قلنا يا جبال.

وقرئ: ﴿ أوّبي ﴾ و ﴿ أوبي ﴾ من التأويب.

والأوب: أي رجعي معه التسبيح.

أو ارجعى معه في التسبيح كلما رجع فيه؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه: ومعنى تسبيح الجبال: أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح: معجزة لداود.

وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها.

وقرئ: ﴿ والطير ﴾ ، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها.

وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير.

فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: ﴿ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ تأويب الجبال معه والطير؟

قلت: كم بينهما.

ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى: من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا: إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ﴾ وجعلناه له ليناً كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة.

وقيل: لأن الحديد في يده لما أوتي من شدّة القوّة ﴿ أن اعمل سابغات ﴾ وقرئ: ﴿ صابغات ﴾ وهي الدروع الواسعة الضافية، وهو أوّل من اتخذها وكانت قبل صفائح.

وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء.

وقيل: كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه، فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته، فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع داود، فسأله؟

فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع ﴿ وَقَدَّرَ في السرد ﴾ لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق، ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

والسرد: نسج الدروع ﴿ واعملوا ﴾ الضمير لدواد وأهله ﴿ و ﴾ سخرنا ﴿ لسليمان الريح ﴾ فيمن نصب: ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع، وكذلك فيمن قرأ: الرياح، بالرفع ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك.

وقرئ: ﴿ غدوتها وروحتها ﴾ .

وعن الحسن رضي الله عنه: كان يغدو فيقيل باصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل.

ويحكى أنّ بعضهم رأي مكتوباً في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله.

القطر: النحاس المذاب من القطران.

فإن قلت: ماذا أراد بعين القطر؟

قلت: أراد بها معدن النحاس ولكنه أساله كما ألان الحديد لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين؛ فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال: ﴿ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 36] وقيل: كان يسبل في الشهر ثلاثة أيام ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِ ﴾ بأمره ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ ﴾ ومن يعدل ﴿ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ الذي أمرناه به من طاعة سليمان.

وقرئ: ﴿ يزغ ﴾ من أزاغه.

وعذاب السعير: عذاب الآخرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني.

المحاريب: المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال: سميت محاريب لأنه يحامي عليها ويذب عنها.

وقيل: هي المساجد والتماثيل: صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل فيه المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

فإن قلت: كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير؟

قلت: هذا مما يجوز أن تختلف في الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرّماً.

ويجوز أن يكون غير صور الحيوان كصور الأشجار وغيرها؛ لأنّ التمثال كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان.

أو تصوّر محذوفة الرؤوس.

وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

والجوابي: الحياض الكبار، قال: تَرُوحُ عَلَى آل الْمُحَلِّقِ جَفْنَةٌ ** كَجَابِيَةِ السَّيْحِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُ لأنّ الماء يجبى فيها، أي: يجمع.

جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالية كالدابة.

وقيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وقرئ: بحذف الياء اكتفاء بالكسرة.

كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يدعالداع ﴾ [القمر: 6] .

﴿ راسيات ﴾ ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها ﴿ اعملوا ءَالَ دَاوُودَ ﴾ حكاية ما قيل لآل داود.

وانتصب ﴿ شُكْراً ﴾ على أنه مفعول له، أي: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه.

وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدّى على طريق الشكر.

أو على الحال، أي: شاكرين.

أو على تقدير اشكروا شكرا، لأن اعملوا فيه معنى اشكروا، من حيث إنّ العمل للمنعم شكر له.

ويجوز أن ينتصب باعملوا مفعولاً به.

ومعناه: إنا سخّرنا لكم الجنّ يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكراً على طريق المشاكلة و ﴿ الشكور ﴾ المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه: قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقاداً واعترافاً وكدحاً، وأكثر أوقاته.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ من يشكر على أحواله كلها.

وعن السدي: من يشكر على الشكر.

وقيل: من يرى عجزه عن الشكر.

وعن داود أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلاّ وإنسان من آل داود قائم يصلي.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: اللَّهم اجعلني من القليل، فقال عمر ما هذا الدعاء؟

فقال الرجل: إني سمعت الله يقول: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور ﴾ فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ أيْ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ وهو ما ذُكِرَ بَعْدُ، أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةُ والكِتابُ والمَلَكُ والصَّوْتُ الحَسَنُ.

﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ أوِ النَّوْحَةَ عَلى الذَّنْبِ، وذَلِكَ إمّا بِخَلْقِ صَوْتٍ مِثْلَ صَوْتِهِ فِيها أوْ بِحَمْلِها إيّاهُ عَلى التَّسْبِيحِ إذا تَأمَّلَ ما فِيها، أوْ سِيرِي مَعَهُ حَيْثُ سارَ.

وقُرِئَ «أُوبِي» مِنَ الأوْبِ أيِ ارْجِعِي في التَّسْبِيحِ كُلَّما رَجَعَ فِيهِ، وهو بَدَلٌ مِن ( فَضْلًا ) أوْ مَن ( آتَيْنا ) بِإضْمارِ قَوْلِنا أوْ قُلْنا.

﴿ والطَّيْرَ ﴾ عُطِفَ عَلى مَحَلِّ الجِبالِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِها تَشْبِيهًا لِلْحَرَكَةِ البِنائِيَّةِ العارِضَةِ بِالحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ أوْ عَلى ( فَضْلًا )، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِـ ( أوِّبِي ) وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِهِ وكانَ الأصْلُ: ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا تَأْوِيبَ الجِبالِ والطَّيْرِ، فَبَدَّلَ بِهَذا النَّظْمَ لِما فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ وكِبْرِياءِ سُلْطانِهِ، حَيْثُ جَعَلَ الجِبالَ والطُّيُورَ كالعُقَلاءِ المُنْقادِينَ لِأمْرِهِ في نَفاذِ مَشِيئَتِهِ فِيها.

﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ جَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ إحْماءٍ وطَرْقٍ بِآلاتِهِ أوْ بِقُوَّتِهِ.

﴿ أنِ اعْمَلْ ﴾ أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ فَـ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ.

﴿ سابِغاتٍ ﴾ دُرُوعًا واسِعاتٍ، وقُرِئَ «صابِغاتٍ» وهو أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها.

﴿ وَقَدِّرْ في السَّرْدِ ﴾ وقَدِّرْ في نَسْجِها بِحَيْثُ يَتَناسَبُ حِلَقُها، أوْ قَدِّرْ مَسامِيرَها فَلا تَجْعَلْها دِقاقًا فَتُقْلِقُ ولا غِلاظًا فَتَنْخَرِقُ.

وَرَدَ بِأنَّ دُرُوعَهُ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ .

﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِداوُدَ وأهْلِهِ.

﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَأُجازِيكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أن اعمل} أن بمعنى أى أمرناه أن أعمل {سابغات} دروعاً واسعة تامة من السبوغ وهو أول من اتخذها وكان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء وقيل كان يخرج متنكراً فيسأل الناس عن نفسه ويقول لهم ماتقولون في داود فيثنون عليه فقيض الله له ملكا فى سورة آدمي فسأله على عادته فقال نعم الرجل لولا خصلة فيه وهو انه يطعم عيالهمن بيت المال فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال فعلمه صنعة الدروع وقدر في السرد لا نجعل المسامير دقاقا فنغلق ولا غلاظا فتفصم الحلق والسردنسج الدروع

{واعملوا} الضمير لداود وأهله {صالحا} خالصاً يصلح للقبول {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فأجازيكم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ﴾ أنْ مَصْدَرِيَّةٌ وهي عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ لِعَمَلِ سابِغاتٍ أوْ وأمَرْناهُ بِعَمَلِ سابِغاتٍ، والأوَّلُ أوْلى، وأجازَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، ولَمّا كانَ شَرْطُ المُفَسِّرَةِ أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ ﴿ وألَنّا ﴾ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ قَدَّرَ بَعْضُهم قَبْلَها فِعْلًا مَحْذُوفًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ لِيَصِحَّ كَوْنُها مُفَسِّرَةً، أيْ وأمَرْناهُ أنْ اِعْمَلْ أيَّ أيْ أعْمَلَ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ حَذَفَ المُفَسِّرِ لَمْ يُعْهَدْ.

والسّابِغاتُ الدُّرُوعُ وأصْلُهُ صِفَةٌ مِنَ السُّبُوغِ وهو التَّمامُ والكَمالُ فَغَلَبَ عَلى الدُّرُوعِ كالأبْطُحِ قالَ الشّاعِرُ: لا سابِغاتٍ ولا جَأْواءَ باسِلَةً تَقِي المَنُونَ لَدى اِسْتِيفاءِ آجالِ ويُقالُ سَوابِغُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: عَلَيْها أسْوَدٌ ضارِياتٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ سَوابِغُ بِيضٌ لا تُخَرِّقُها النَّبْلُ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ دُرُوعًا سابِغاتٍ، ولا يُرَدُّ هَذا نَقْصًا عَلى ما قِيلَ إنَّ الصِّفَةَ ما لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِالمَوْصُوفِ كَحائِضٍ لا يُحْذَفُ مَوْصُوفُها.

وقُرِئَ «صابِغاتٍ» بِإبْدالِ السِّينِ صادًا لِأجْلِ الغَيْنِ.

﴿ وقَدِّرْ في السَّرْدِ ﴾ السَّرْدُ نَسْجٌ في الأصْلِ كَما قالَ الرّاغِبُ خَرَزٌ ما يَخْشُنُ ويَغْلُظُ قالَ الشَّمّاخُ: فَظَلَّتْ سِراعًا خَيْلُنا في بُيُوتِكم ∗∗∗ كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ واسْتُعِيرَ لِنَظْمِ الحَدِيدِ، وفي البَحْرِ هو اِتِّباعُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ مِن جِنْسِهِ، ويُقالُ لِلدِّرْعِ مَسْرُودَةٌ لِأنَّهُ تُوبِعَ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، قالَ الشّاعِرُ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صُنْعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ ولِصانِعِها سَرّادٌ وزَرّادٌ بِإبْدالِ السِّينِ زايًا، وفَسَّرَهُ هُنا غَيْرُ واحِدٍ بِالنَّسْجِ، وقالَ: المَعْنى اِقْتَصَدَ في نَسْجِ الدُّرُوعِ بِحَيْثُ تَتَناسَبُ حِلَقُها، وابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ بِالحِلَقِ، أيِ اِجْعَلْ حِلَقَها عَلى مَقادِيرَ مُتَناسِبَةٍ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ فَلا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ صاحِبُها مِن خِلالِها، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها بِالمَسامِيرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ أيْ قَدِّرْ مَسامِيرَها فَلا تَعْمَلْها دِقاقًا ولا غِلاظًا، أيِ اِجْعَلْها عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ دِقَّةً وغَيْرَها مُناسِبَةً لِلثُّقْبِ الَّذِي هُيِّئَ لَها في الحَلْقَةِ فَإنَّها إنْ كانَتْ دَقِيقَةً اِضْطَرَبَتْ فِيها فَلَمْ تُمْسِكْ طَرَفَيْها وإنْ كانَتْ غَلِيظَةً خَرَقَتْ طَرَفَ الحَلْقَةِ المَوْضُوعَةِ فِيهِ فَلا تُمْسِكُ أيْضًا، ويُبْعِدُ هَذا أنَّ إلانَةَ الحَدِيدِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَيْثُ كانَ كالشَّمْعِ والعَجِينِ يُغْنِي عَنِ التَّسْمِيرِ فَإنَّهُ بَعْدَ جَمْعِ الحِلَقِ وإدْخالِ بَعْضِهِ في بَعْضٍ يُزالُ اِنْفِصالُ طَرَفَيْ كُلِّ حَلْقَةٍ يَمْزُجُ الطَّرَفَيْنِ كَما يَمْزُجُ طَرَفا حَلْقَةٍ مِن شَمْعٍ أوْ عَجِينٍ، والإحْكامُ بِذَلِكَ أتَمُّ مِنَ الإحْكامِ بِالتَّسْمِيرِ بَلْ لا يَبْقى مَعَهُ حاجَةٌ إلى التَّسْمِيرِ أصْلًا فَلَعَلَّهُ إنْ صَحَّ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْمَلُ الحِلَقَ مِن غَيْرِ مَزْجٍ لِطَرَفَيْ كُلٍّ فَيُسَمِّرُ لِلْإحْكامِ بَعْدَ إدْخالِ بَعْضِهِ في بَعْضٍ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ إذْ غايَةُ القُوَّةِ كَسْرُ الحَدِيدِ كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ آلَةٍ دُونَ وصْلِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، ولا يُعارِضُ ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ البِقاعِيِّ أنَّهُ قالَ: أخْبَرَنا بَعْضُ مَن رَأى ما نُسِبَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّرُوعِ أنَّهُ بِغَيْرِ مَسامِيرَ فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْ مَجْهُولٍ فَلا يُلْتَفَتُ لِمَثَلِهِ، وقِيلَ مَعْنى ( قَدِّرْ في السَّرْدِ ) لا تَصْرِفْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ فِيهِ بَلْ مِقْدارَ ما يَحْصُلُ بِهِ القُوتُ وأمّا الباقِي فاصْرِفْهُ إلى العِبادَةِ، قِيلَ وهو الأنْسَبُ بِالأمْرِ الآتِي، وحُكِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ حِلَقًا وكانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ.

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ مُلِّكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا فَيَسْألُ النّاسَ عَنْ حالِهِ فَعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ إنْسانٍ فَسَألَهُ فَقالَ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خُلَّةٌ فِيهِ فَقالَ وما هِيَ؟

قالَ: يُرْزَقُ مِن بَيْتِ المالِ ولَوْ أكَلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ تَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَأثْرى وكانَ يُنْفِقُ ثُلْثَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ وكانَ يَفْرَغُ مِنَ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ أوْ في بَعْضٍ لَيْلٍ وثَمَنُها ألْفُ دِرْهَمٍ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ شَوْذَبَ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْفَعُ في كُلِّ يَوْمٍ دِرْعًا فَيَبِيعُها بِسِتَّةِ آلافِ دِرْهَمٍ، ألْفانِ لَهُ ولِأهْلِهِ وأرْبَعَةُ آلافٍ يُطْعِمُ بِها بَنِي إسْرائِيلَ الخَبْزَ الحَوارِيَّ، وقِيلَ: كانَ يَبِيعُ الدِّرْعَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ فَيُنْفِقُ مِنها عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ ويَتَصَدَّقُ عَلى الفُقَراءِ، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَمِلَ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ دِرْعًا فَباعَها بِثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ ألْفَ دِرْهَمٍ فاسْتَغْنى عَنْ بَيْتِ المالِ.

﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ خِطابٌ لِداوُدَ وآلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ يُفْهَمُونَ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ اِلْتِزامًا مِن ذِكْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مُطْلَقًا، ولَيْسَ هو عَلى الوَجْهِ الثّانِي أمْرًا بِعَمَلِ الدُّرُوعِ خالِيَةً مِن عَيْبٍ.

﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَأُجازِيكم بِهِ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى وجْهِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يعني: أعطيناه النبوة والملك يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ يعني: سبحي مع داود.

وأصله في اللغة من الرجوع.

وإنما سمي التسبيح إياباً لأن المسبح مرة بعد مرة وقال القتبي: أصله التأويب من السير، وهو أن يسير النهار كله، كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل.

ثم قال: وَالطَّيْرَ وقرئ في الشاذ: والطير بالضم.

وقراءة العامة بالنصب.

فمن قرأ بالضم: فهو على وجهين.

أحدهما أن يكون نسقاً على أوبي، والمعنى يا جبال ارجعي بالتسبيح معه أنت والطير.

ويجوز أن يكون مرفوعاً على النداء والمعنى أيها الجبال وأيها الطير.

ومن قرأ بالنصب فلثلاث معانٍ أحدها لنزع الخافض ومعناه: أوبي معه، ومع الطير.

والثاني أنه عطف على قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا وآتيناه الطير يعني: وسخرنا له الطير.

والثالث أن النداء إذا كان على أثره اسم، فكان الأول بغير الألف واللام، والثاني بالألف واللام، فإنه في الثاني بالخيار إن شاء نصبه، وإن شاء رفعه والنصب أكثر كما قال الشاعر: ألاَ يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا ...

فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمرَ الطَّرِيقِ ورفع زيداً لأنه نداء مفرد، ونصب الضحاك بإدخال الألف واللام.

ثم قال عز وجل: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ يعني: جعلنا له الحديد مثل العجين أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ يعني: قلنا له اعمل الدروع الواسعة.

وكان قبل ذلك صفائح الحديد مضروبة.

ثم قال: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ قال السدي: السَّرْدِ المسامير التي في خلق الدرع.

وقال مجاهد: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي: لا تدق المسامير، فتقلقل في الحلقة، ولا تغلظها فتعصمها، واجعله قدراً بين ذلك.

وقال في رواية الكلبي هكذا.

وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن الدروع التي عملها داود-  - وكانت بغير مسامير، لأنها كانت معجزة له.

ولو كان محتاجاً إلى المسمار لما كان بينه وبين غيره فرق.

وقد يوجد من بقايا تلك الدروع بغير مسامير، ولكن معنى قوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي: قدر في نسخها وطولها وعرضها وضيقها وسعتها.

ويقال: قَدِّرْ في تأليفه والسرد في اللغة تقدمة الشيء إلى الشيء.

يأتي منسقاً بعضه إلى أثر بعض، متتابعاً.

ويقال: يسرد في الكلام إذا ذكره بالتأليف.

ومنه قيل لصانع الدروع: سراد وزراد، تبدل من السين الزاي.

وروي عن عائشة أنها قالت إن رسول الله  لم يكن يسرد الحديث كسردكم أي: لم يتابع في الحديث كتتابعكم.

ثم قال: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني: أدوا فرائضي وقد خاطبه بلفظ الجماعة كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] وأراد به النبي  خاصة.

ويقال: إنه أراد به داود وقومه إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني: عالم <div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ وهو النُّبُوَّةُ والزَّبُورُ وتَسْخِيرُ الجِبالِ والطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: " أُوبِي " بِضَمِّ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الواوِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقُلْنا: يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ، أيْ: رَجِّعِي مَعَهُ.

والمَعْنى: سَبِّحِي مَعَهُ ورَجِّعِي التَّسْبِيحَ.

ومَن قَرَأ: " أُوبِي "، مَعْناهُ: عُودِي في التَّسْبِيحِ مَعَهُ كُلَّما عادَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أوِّبِي " أيْ: سَبِّحِي، وأصْلُ التَّأْوِيبِ في السَّيْرِ، وهو أنْ يَسِيرَ النَّهارَ كُلَّهُ، ويَنْزِلَ لَيْلًا، فَكَأنَّهُ أرادَ: ادْأبِي النَّهارَ [كُلَّهُ] بِالتَّسْبِيحِ إلى اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والطَّيْرَ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " والطَّيْرُ " بِالرَّفْعِ.

فَأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ، فَقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ ﴿ والطَّيْرَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ نَصْبًا عَلى النِّداءِ، كَأنَّهُ قالَ: دَعَوْنا الجِبالَ والطَّيْرَ، فالطَّيْرُ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ الجِبالِ، وكُلُّ مُنادًى عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فَهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ قالَ: وأمّا الرَّفْعُ، فَمِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما: أنْ يَكُونُ نَسَقًا عَلى ما في " أوِّبِي، فالمَعْنى: يا جِبالُ رَجِّعِي التَّسْبِيحَ مَعَهُ أنْتِ والطَّيْرُ؛ والثّانِيَةُ: عَلى النِّداءِ، المَعْنى: يا جِبالُ ويا أيُّها الطَّيْرُ أوِّبِي [مَعَهُ] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الطَّيْرُ تُسَبِّحُ مَعَهُ إذا سَبَّحَ، وكانَ إذا قَرَأ لَمْ تَبْقَ دابَّةٌ إلّا اسْتَمَعَتْ لِقِراءَتِهِ وبَكَتْ لِبُكائِهِ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَقُولُ لِلْجِبالِ: سَبِّحِي، ولِلطَّيْرِ: أجِيبِي، ثُمَّ يَأْخُذُ هو في تِلاوَةِ الزَّبُورِ بَيْنَ ذَلِكَ بِصَوْتِهِ الحَسَنِ، فَلا يَرى النّاسُ مَنظَرًا أحْسَنَ مِن ذَلِكَ، ولا يَسْمَعُونَ شَيْئًا أطْيَبَ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا.

قالَ قَتادَةُ: سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الحَدِيدَ بِغَيْرِ نارٍ، فَكانَ يُسَوِّيهِ بِيَدِهِ، لا يُدْخِلُهُ النّارَ، ولا يَضْرِبُهُ بِحَدِيدَةٍ، وكانَ أوَّلَ مَن صَنَعَ الدُّرُوعَ، وكانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْمَلْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وقُلْنا لَهُ: اعْمَلْ، ويَكُونُ في مَعْنى " لِأنْ يَعْمَلَ " ﴿ سابِغاتٍ ﴾ أيْ: دُرُوعًا سابِغاتٍ، فَذَكَرَ الصِّفَةَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المَوْصُوفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ يَأْخُذُ الحَدِيدَ بِيَدِهِ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ عَجِينٌ يَعْمَلُ بِهِ ما يَشاءُ، فَيَعْمَلُ الدِّرْعَ في بَعْضِ يَوْمٍ فَيَبِيعُهُ بِمالٍ كَثِيرٍ، فَيَأْكُلُ ويَتَصَدَّقُ.

والسّابِغاتُ: الدُّرُوعُ الكَوامِلُ الَّتِي تُغَطِّي لابِسَها حَتّى تَفْضُلَ عَنْهُ فَيَجُرَّها عَلى الأرْضِ.

﴿ وَقَدِّرْ في السَّرْدِ ﴾ أيِ: اجْعَلْهُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّرْدُ: النَّسْجُ، ومِنهُ يُقالُ لِصانِعِ الدُّرُوعِ: سَرّادٌ وزَرّادٌ، تُبْدَلُ مِنَ السِّينِ الزّايُ، كَما يُقالُ: سِراطٌ وزِراطٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: السَّرْدُ في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ تَأتِي بِهِ مُتَّسِقًا بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا.

ومِنهُ قَوْلُهُمْ: سَرَدَ فُلانٌ الحَدِيثَ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَدِّلِ المِسْمارَ في الحَلْقَةِ ولا تُصَغِّرْهُ فَيَقْلَقَ، ولا تُعَظِّمْهُ فَتَنْفَصِمَ الحَلْقَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: لا تَجْعَلْ حِلَقَهُ واسِعَةً فَلا تَقِي صاحِبَها، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ خِطابٌ لِداوُدَ وآلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ ﴿ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ الضَمِيرُ في "يَرَوْا" لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وقَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ، وخَوَّفَهم مِن إحاطَتِها بِهِمُ، المَعْنى: ألَيْسَ يَرَوْنَ أمامَهم ووَراءَهم سَمائِي وأرْضِي، لا سَبِيلَ لَهم إلى فَقْدِ ذَلِكَ عن أبْصارِهِمْ، ولا عَدَمِ إحاطَتِهِ بِهِمْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ"، ﴾ أو ﴿ "نُسْقِطْ" ﴾ بِالنُونِ في الثَلاثَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ فِيهِنَّ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنِ مُصَّرِفٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ.

و"خَسْفُ الأرْضِ" هو إهْواؤُها بِهِمْ وتَهَوُّرُها وغَرَقُهم فِيها، و"الكِسَفُ" قِيلَ: هو مُفْرَدٌ اسْمِ القِطْعَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ كِسْفَةٍ، جَمْعُها عَلى مِثالِ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومَشْهُورُ جَمْعِها كِسْفٌ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ.

وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: "نَخْسِفْ بِهِمُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ فُّلانًا"، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: "اضْرِبْ مُّحَمَّدًا"، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: "أصَمَمٌ بِكَ"؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفِعْلِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ إلى إحاطَةِ السَماءِ بِالمَرْءِ، ومُماسَّةِ الأرْضِ لَهُ عَلى كُلِّ حالٍ.

و"المُنِيبُ": الراجِعُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَلامُ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا  ، أيْ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبْدِنا قَدِيمًا بِكَذا، فَلَمّا فَرَغَ التَمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رَجَعَ التَمْثِيلُ لَهم بِسَبَإٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ، والمَعْنى: قُلْنا:يا جِبالُ، و"أوِّبِي" مَعْناهُ: ارْجِعِي مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُضاعَفُ آبَ يُؤُوبُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: سَبِّحِي مَعَهُ، أيْ: يُسَبِّحُ هو وتُرَجِّعُ هي مَعَهُ التَسْبِيحَ، أيْ: تَرُدُّهُ بِالذِكْرِ، ثُمَّ ضُوعِفَ الفِعْلُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: سِيرِي مَعَهُ؛ لِأنَّ التَأْوِيبَ سَيْرُ النَهارِ، كانَ الإنْسانُ يَسِيرُ بِاللَيْلِ ثُمَّ يُرَجِّعُ السَيْرَ بِالنَهارِ، أيْ يُرَدِّدُهُ، فَكَأنَّهُ يَؤُوبُهُ، فَقِيلَ لَهُ: التَأْوِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَيْرَ بَعْدَما ∗∗∗ ∗∗∗ دَفَعْنا شُعاعَ الشَمْسِ والطَرَفُ يَجْنَحُ وقالَ مُؤَرِّجٌ: "أوِّبِي": سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.

وهَذا ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: المَعْنى: نُوحِي مَعَهُ والطَيْرُ تُساعِدُكَ عَلى ذَلِكَ، قالَ: فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ إذا نادى بِالنِياحَةِ والحَنِينِ أجابَتْهُ الجِبالُ وعَكَفَتِ الطَيْرُ عَلَيْهِ مِن فَوْقِهِ، قالَ: فَمِن حِينَئِذٍ سَمِعَ صَدى الجِبالِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُوبِي" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ، أيِ" ارْجِعِي مَعَهُ، أيْ في السَيْرِ أو في التَسْبِيحِ، وأمَرَ الجِبالَ كَما تُؤْمَرُ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ لِأنَّ جَمِيعَ ما لا يَعْقِلُ كَذَلِكَ يُؤْمَرُ، وكَذَلِكَ يُكَنّى عنهُ ويُوصَفُ، ومِنهُ المَثَلُ "يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي"، ومِنهُ ﴿ مَآرِبُ أُخْرى  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

وَقَرَأ الأعْرَجُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ - وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿ "والطَيْرَ" ﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِ قَوْلِهِ: ﴿ "يا جِبالُ"، ﴾ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو جَعْفَرٍ: "والطَيْرَ" بِالنَصْبِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى "فَضْلًا"، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "يا جِبالُ" لِأنَّ مَوْضِعَ المُنادى المُفْرَدِ نَصْبٌ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: نَصْبُها بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ مَعْناهُ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا، ورَوى قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّ الحَدِيدَ كانَ لَهُ كالشَمْعِ لا يَحْتاجُ في عَمَلِهِ إلى نارٍ، وقِيلَ: أعْطاهُ قُوَّةً يَثْنِي بِها الحَدِيدَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَقِيَ مَلَكًا - وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ يَظُنُّهُ إنْسانًا - وداوُدُ مُتَنَكِّرٌ خَرَجَ لِيَسْألَ الناسَ عن نَفْسِهِ في خَفاءٍ، فَقالَ داوُدُ لِذَلِكَ الشَخْصِ الَّذِي تَمَثَّلَ فِيهِ المَلَكُ: ما قَوْلُكَ في هَذا المَلِكِ داوُدَ؟

فَقالَ لَهُ المَلَكُ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خَلَّةٌ فِيهِ، قالَ داوُدُ: وما هِيَ؟

قالَ: يَرْتَزِقُ مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ أكَلَ مَن عَمِلَ يَدَيْهِ لَتَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَرَجَعَ فَدَعا اللهَ في أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ تَعالى صَنْعَةَ اللَبُوسِ، وألانَ لَهُ الحَدِيدَ، فَكانَ - فِيما رُوِيَ - يَصْنَعُ ما بَيْنَ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ دِرْعًا تُساوِي ألْفَ دِرْهَمٍ، حَتّى ادَّخَرَ مِنها كَثِيرًا وتَوَسَّعَتْ مَعِيشَتُهُ، وكانَ يُنْفِقُ بَيْتَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ﴾ ، قِيلَ إنَّ "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، و"السابِغاتُ": الدُرُوعُ الكاسِياتُ ذَواتُ القُفُولِ، قالَ قَتادَةُ: داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها، ودِرْعُ الحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، ودِرْعُ المَرْأةِ مُذَكَّرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدِّرْ في السَرْدِ ﴾ ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، في أيِّ شَيْءٍ هو التَقْدِيرُ مِن أشْياءِ السَرْدِ؟

إذِ السَرْدُ هو اتِّباعُ الشَيْءِ بِالشَيْءِ مِن جِنْسِهِ، قالَ الشَمّاخُ: كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ وَمِنهُ: سَرْدُ الحَدِيثِ، وقِيلَ لِلدِّرْعِ: مَسْرُودَةٌ لِأنَّها تُوبِعَتْ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗...داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وقَوْلُ دُرَيْدٍ: في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو في قَدْرِ الحَلْقَةِ، أيْ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ ولا تَقْوى الدِرْعُ عَلى الدِفاعِ، ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ لابِسُها مِن خِلالِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: التَقْدِيرُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ هو المِسْمارُ، يُرِيدُ: قَدِّرِ المَسامِيرَ والحِلَقَ، حَتّى لا تَدُقَّ المِسْمارَ فَتَسْلَسَ، ويُرْوى فَيُسَلْسِلَ، ولا تُغْلِظْهُ فَيَنْقَصِمَ، بِالقافِ - وبِالفاءِ أيْضًا رِوايَةً -، ورَوى قَتادَةُ أنَّ الدُرُوعَ كانَتْ قَبْلَهُ صَفائِحَ فَكانَتْ ثِقالًا، فَلِذَلِكَ أُمِرَ هو بِالتَقْدِيرِ فِيما يَجْمَعُ بَيْنَ الخِفَّةِ والحَصانَةِ، أيْ: قَدِّرْ ما يَأْخُذُ مِن هَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِقِسْطِهِ، أيْ: لا تَقْصِدِ الحَصانَةَ فَتُثْقِلَ، ولا الخِفَّةَ وحْدَها فَيُزِيلَ المَنَعَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ ، لَمّا كانَ الأمْرُ لَداوُدَ وآلِهِ حُكِيَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيَّ حُسْنُهُ مِن قَبِيحِهِ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ يَكُونُ جَزائِي لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى ذكر داود خفيَّة.

فقال ابن عطية: ذكر الله نعمته على داود وسليمان احتجاجاً على ما منح محمداً، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديماً.

وقال الزمخشري عند قوله: ﴿ إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ﴾ [سبأ: 9] لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كلّ شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به ا ه.

فقال الطيبي: فيه إشارة إلى بيان نظم هذه الآية بقوله: ﴿ ولقد آتينا داود منا فضلاً ﴾ لأنه كالتخلص منه إليه، لأنه من المنيبين المتفكرين في آيات الله، قال تعالى: ﴿ واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ﴾ [ص: 17] ا ه.

يريد الطيبي أن داود من أشهر المُثُل في المنيبين بما اشتهر به من انقلاب حاله بعد أن كان راعياً غليظاً إلى أن اصطفاه الله نبيئاً وملكاً صالحاً مُصْلِحاً لأمة عظيمة، فهو مَثَل المنيبين كما قال تعالى: ﴿ واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب ﴾ وقال: ﴿ فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب ﴾ [ص: 24]، فلإِنابته وتأويبه أنعم الله عليه بنعم الدنيا والآخرة وباركه وبارك نسله.

وفي ذكر فضله عبرة للناس بحسن عناية الله بالمنيبين تعريضاً بضد ذلك للذين لم يعتبروا بآيات الله، وفي هذا إيماء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بعد تكذيب قومه وضيق حاله منهم سيؤول شأنه إلى عزة عظيمة وتأسيس ملك أمة عظيمة كما آلت حال داود، وذلك الإِيماء أوضح في قوله تعالى: ﴿ اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أوّاب ﴾ الآية في سورة ص (17).

وسمَّى الطيبي هذا الانتقال إلى ذكر داود وسليمان تخلصاً، والوجه أن يسميه استطراداً أو اعتراضاً وإن كان طويلاً، فإن الرجوع إلى ذكر أحوال المشركين بعدما ذكر من قصة داود وسليمان وسبأ يرشد إلى أن إبطال أحوال أهل الشرك هي المقصود من هذه السورة كما سننبه عليه عند قوله تعالى: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ [سبأ: 20].

وتقديم التعريف بداود عليه السلام عند قوله تعالى: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ في سورة النساء (163) وعند قوله: ﴿ ومن ذريته داود ﴾ في سورة الأنعام (84).

و (مِنْ) في قوله: منا } ابتدائية متعلقة ب ﴿ آتينا ﴾ ، أي من لدنّا ومن عندنا، وذلك تشريف للفضل الذي أوتيه داود، كقوله تعالى: ﴿ رزقاً من لدنا ﴾ [القصص: 57].

وتنكير ﴿ فضلاً ﴾ لتعظيمه وهو فضل النبوءة وفضل المُلك، وفضل العناية بإصلاح الأمة، وفضل القضاء بالعدل، وفضل الشجاعة في الحرب، وفضل سَعَة النعمة عليه، وفضل إغنائه عن الناس بما ألهمه من صنع دروع الحديد، وفضل إيتائه الزبور، وإيتائه حسن الصوت، وطولَ العمر في الصلاح وغير ذلك.

وجملة ﴿ يا جبال أوبي معه ﴾ مقول قول محذوف، وحذف القول استعمال شائع، وفعل القول المحذوف جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لجملة ﴿ آتينا داود منا فضلاً ﴾ .

وفي هذا الأسلوب الذي نظمت عليه الآية من الفخامة وجلالة الخالق وعظم شأن داود مع وفرة المعاني وإيجاز الألفاظ وإفادة معنى المعية بالواو دون ما لو كانت حرف عطف.

والأمر في ﴿ أوبي معه ﴾ أمر تكوين وتسخير.

والتأويب: الترجيع، أي ترجيع الصوت، وقيل: التأويب بمعنى التسبيح لغة حبشية فهو من المعرب في اللغة العربية، وتقدم ذكر تسبيح الجبال مع داود في سورة الأنبياء.

و ﴿ الطير ﴾ منصوب بالعطف على المنادَى لأن المعطوف المعرَّف على المنادى يجوز نصبُه ورفعه، والنصب أرجح عند يونس وأبي عمرو وعيسى بن عمر والجَرْميّ وهو أوجه، ويجوز أن يكون ﴿ والطير ﴾ مفعولاً معه ل ﴿ أوبي ﴾ .

والتقدير: أوبي معه ومع الطير، فيفيد أن الطير تأوّب معه أيضاً.

وإلانة الحديد: تسخيره لأصابعه حينما يلوي حَلَق الدروع ويغمز المسامير.

و ﴿ أنْ ﴾ تفسيرية لما في ﴿ ألنا له ﴾ من معنى: أشعرناه بتسخير الحديد ليُقدم على صنعه فكان في ﴿ ألنا ﴾ معنى: وأوحينا إليه: ﴿ أن اعمل سابغات ﴾ .

و ﴿ الحديد ﴾ تراب معدني إذا صُهر بالنار امتزج بعضه ببعض ولاَنَ وأمكن تطريقه وتشكيله فإذا برد تصلب.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل كونوا حجارة أو حديداً ﴾ في سورة الإِسراء (50).

وسابغات} صفة لموصوف محذوف لظهوره من المقام إذ شاع وصف الدروع بالسابغات والسوابغ حتى استغنوا عند ذكر هذا الوصف عن ذكر الموصوف.

ومعنى ﴿ قَدِّر ﴾ اجعله على تقدير، والتقدير: جعل الشيء على مقدار مخصوص.

و ﴿ السَّرْد ﴾ صنع درع الحديد، أي تركيب حلقها ومساميرها التي تَشُدّ شقق الدرع بعضها ببعض فهي للحديد كالخياطة للثوب، والدِرع توصف بالمسرودة كما توصف بالسابغة.

قال أبو ذؤيب الهذلي: وعليهما مَسرودتان قضاهما *** داوُد أو صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ ويقال لناسج الدروع: سَرَّاد وزرّاد بالسين والزاي، وقال المعري يصف درعاً: وداوُد قين السابغات أذالها *** وتلك أضاة صانها المرء تبع فلما سخر الله له ما استصعب على غيره أتبعه بأمره بالشكر بأن يعمل صالحاً لأن الشكر يكون بالعمل الذي يرضي المشك والمنعم.

وضمير ﴿ اعملوا ﴾ لداود وآله كقوله تعالى: ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ [طه: 132] أو له وحده على وجه التعظيم.

وقوله: ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ موقع «إن» فيه موقع فاء التسبب كقول بشار: إن ذاك النجاحَ في التبكير *** وقد تقدم غير مرة.

والبصير: المطلع العليم، وهو هنا كناية عن الجزاء عن العمل الصالح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النُّبُوَّةُ.

الثّانِي: الزَّبُورُ.

الثّالِثُ: فَصْلُ القَضاءِ بِالعَدْلِ.

الرّابِعُ: الفِطْنَةُ والذَّكاءُ.

الخامِسُ: رَحْمَةُ الضُّعَفاءِ.

السّادِسُ: حُسْنُ الصَّوْتِ.

السّابِعُ: تَسْخِيرُ الجِبالِ لَهُ والطَّيْرِ.

﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَبِّحِي مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: سَيَرى مَعَهُ قالَهُ الحَسَنُ وهو مِنَ السَّيْرِ ما كانَ في النَّهارِ كُلِّهِ أوْ في اللَّيْلِ كُلِّهِ، وقِيلَ: بَلْ هو سَيْرُ النَّهارِ كُلِّهِ دُونَ اللَّيْلِ.

الثّالِثُ: ارْجِعِي إذا رَجَعَ، قالَ الشّاعِرُ يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ أيْ رُجُوعٍ بَعْدَ رُجُوعٍ.

﴿ وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ يَعْمَلُ بِهِ كَما يَعْمَلُ بِالطِّينِ لا يُدْخِلُهُ النّارَ ولا يَضْرِبُهُ بِمِطْرَقَةٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أنَّهُ سَهَّلَ لَهُ الحَدِيدَ أنْ يَعْمَلَ مِنهُ ما شاءَ وإنْ كانَ عَلى جَوْهَرِهِ وطَبْعِهِ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ لانَ لَكَ فُلانٌ إذا تَسَهَّلَ عَلَيْكَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ ﴾ أيْ دِرْعًا تامَّةً، ومِنهُ إسْباغُ النِّعْمَةِ إتْمامُها، قالَ الشّاعِرُ وأكْثَرُهم دُرُوعًا سابِغاتٍ ∗∗∗ وأمْضاهم إذا طَعَنُوا سِنانا ﴿ وَقَدِّرْ في السَّرْدِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَدِّلِ المَسامِيرَ في الحَلْقَةِ لا تُصَغِّرِ المِسْمارَ وتُعَظِّمِ الحَلْقَةَ فَيَسْلَسَ، ولا تُعَظِّمِ المِسْمارَ وتُصَغِّرِ الحَلْقَةَ فَتَنْفَصِمَ الحَلْقَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا تَجْعَلْ حَلْقَهُ واسِعَةً فَلا تَقِي صاحِبَها، قالَ قَتادَةُ: وكانَ داوُدُ أوَّلَ مَن عَمِلَها، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ صَفائِحَ.

وَفِي ﴿ السَّرْدِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّقْبُ الَّذِي في حَلْقِ الدِّرْعِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ لَبِيدٌ وما نُسِجَتْ أسْرادُ داوُدَ وابْنِهِ ∗∗∗ مُضاعِفَةً مِن نَسْجِهِ إذْ يُقاتِلُ الثّانِي: أنَّهُ المَسامِيرُ الَّتِي في حَلْقِ الدِّرْعِ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَرَدَ الكَلامَ يَسْرُدُهُ إذا تابَعَ بَيْنَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : «فِي الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سُرُدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ» .

وقالَ الهُذَلِيُّ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدَ أوْ صَنَعُ السَّوابِغَ تُبَّعُ وَحَكى ضَمْرَةُ بْنُ شَوْذَبٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَرْفَعُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا فَيَبِيعُها بِسِتَّةِ آلافِ دِرْهَمٍ، ألْفانِ لِأهْلِهِ، وأرْبَعَةُ آلافٍ يُطْعِمُ بِها بَنِي إسْرائِيلَ خُبْزَ الحِوارِيِّ.

وَحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ والفَرّاءُ أنَّ لُقْمانَ حَضَرَ داوُدَ عِنْدَ أوَّلِ دِرْعٍ عَمِلَها فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيما يُرِيدُ بِهِ ولا يَدْرِي ما يُرِيدُ، فَلَمْ يَسَلْهُ حَتّى إذا فَرَغَ مِنها داوُدُ قامَ فَلَبِسَها وقالَ: نَعِمَتْ جَنَّةُ الحَرْبِ هَذِهِ، فَقالَ لُقْمانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ.

﴿ واعْمَلُوا صالِحًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فِعْلُ جَمِيعِ الطّاعاتِ.

﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أيْ يَعْلَمُ ما تَعْمَلُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة في المنصف وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أوّبي معه ﴾ قال: سبحي معه.

وأخرج ابن جرير عن أبي ميسرة رضي الله عنه ﴿ أوّبي معه ﴾ قال: سبحي معه بلسان الحبشة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أوّبي معه ﴾ قال: سبحي.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وأبي عبد الرحمن، مثله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا جبال أوّبي معه والطير ﴾ أيضاً يعني يسبح معه الطير.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب رضي الله عنه قال: أمر الله الجبال والطير أن تسبح مع داود عليه السلام إذا سبح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ الطير ﴾ بالنصب بجملة قال: سخرنا له الطير.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وألنَّا له الحديد ﴾ قال: كالعجين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وألنَّا له الحديد ﴾ قال: ليَّن الله له الحديد فكان يسرده حلقاً بيده يعمل به كما يعمل بالطين من غير أن يدخله النار، ولا يضربه بمطرقة، وكان داود عليه السلام أول من صنعها، وإنما كانت قبل ذلك صفائح من حديد، يتحصنون بها من عدوهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألنَّا له الحديد ﴾ فيصير في يده مثل العجين.

فيصنع منه الدروع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقدر في السرد ﴾ قال: حلق الحديد.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقدر في السرد ﴾ قال: السرد المسامير التي في الحلق.

وأخرج عبد الرزاق والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقدر في السرد ﴾ قال: لا تدق المسامير.

وتوسع الحلق فتسلسل، ولا تغلظ المسامير وتضيق الحلق، فتنقصم واجعله قدراً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وقدر في السرد ﴾ قال: قدر المسامير والحلق، لا تدق المسمار فيسلسل، ولا تحلها فينقصم.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن ابن شوذب رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم؛ ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل الخبز الحواري.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ قال أبو إسحاق: (أن اعمل هاهنا في تأويل التفسير، كأنه قيل: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، ويكون بمعنى: وألنا له الحديد؛ لأن يعمل سابغات، وتصل إن بلفظ الأمر، ومثل هذا من الكلام قولك: أرسل إليه أن قم إلى فلان) (١) (٢) (٣) (٤) وقال عبد الله بن الزبير: وسابغة تغشى البنان كأنها ...

أضاة بضحضاح من الماء ظاهر.

قال أبو إسحاق: (ومعنى سابغات: أي: دروع سابغات، فذكر الصفة؛ لأنها تدل على الموصوف، ومعنى السابغ الذي يغطي بما تحته حتى يفضل) (٥) ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ يريد: دروع الحديد (٦) (٧) ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ قال أبو عبيدة: (في سردها، يقال: درع مسرودة.

وقال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما) (٨) وقال الليث: (السرد: اسم جامع للدروع وما أشبهها من عمل الخلق، ويسمى سردًا؛ لأنه يسرد فيثقب طرفا كل حلقة بالمسمار) (٩) وقال ابن، قتيبة: [والسرد: سجع المدرع] (١٠) (١١) وقال المبرد: السرد نقب المسامير، يقال: درع مسرودة (١٢) (١٣) ومن نسج داود [مصردة] (١٤) (١٥) قال الزجاج: (السرد في اللغة: مقدمة شيء إلى شيء حتى ينسق أثره في أثر بعض سابغًا، يقال: سرد فلان الحديث سردا) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال ابن عباس في رواية مجاهد: لا تدق المسامير وتوسع الحلق فيسلس، ولا يغلظ المسامير ويضيق الحلق فينقصم (٢٠) (٢١) وقال ابن قتيبة: السرد: المسامير التي في حلق الدرع (٢٢) (٢٣) وقال مقاتل: يقول قدر المسامير في الحلق، ولا تعظمه فينفصم، ولا تصغره فيسلس (٢٤) وقال أبو إسحاق: (وهو أن لا يجعل المسمار غليظًا والثقب دقيقًا، ولا يجعل المسمار دقيقًا والثقب واسعًا فيتقلقل، قدر في ذلك أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة) (٢٥) وقال مقاتل (٢٦) ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: يريدوا اشكروا الله بما هو أهله مثل قوله: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ (٢٧) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.

(٢) انظر: قول الليث في: "تاج العروس" 22/ 498 (سبغ).

انظر أيضًا: "تهذيب اللغة" 8/ 40 (سبع)، "اللسان " 8/ 432، (سبغ).

(٣) هو: أبو ذؤيب خالد بن محرث الهذلي، مشهور بكنيته، شاعر فحل من أشعر شعراء هذيل، عده ابن سلام في الطبقة الثالثة من طبقات فحول شعراء أهل الجاهلية، شاعر مخضرم قدم المدينة عند وفاة النبي -  - فأسلم وحسن إسلامه، خرج مع عبد الله بن الزبير في مغزى نحو المغرب، فمات سنة 27 هـ تقريبًا رحمه الله.

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 123، "الشعر والشعراء" ص 440، "الأعلام" 2/ 325.

(٤) هذا جزء من بيت وهو: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع.

وهو من الكامل، لأبي ذؤيب الهذلي في: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، "تهذيب اللغة" 2/ 38 "اللسان" 8/ 31 (تبع)، 8/ 209 (صنع)، "المعاني الكبير" ص 1039، "سر صناعة الإعراب" 2/ 760، قال هذا البيت يصف متبارزين.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.

(٦) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 359.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.

(٨) "مجاز القرآن" 2/ 143.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 356 (سرد)، "تاج العروس" 8/ 187 (سرد).

(١٠) ما بين المعقوين ليس في "غريب القرآن" لابن قتيبة، ويظهر أنه زيادة من النساخ؛ إذ لا معنى له والله أعلم.

(١١) "تفسير غريب القرآن" ص 354.

(١٢) في (ب): (مسرود).

(١٣) لم أقف عليه (١٤) ما بين المعقوفين زيادة في (ب)، وهو خطأ.

(١٥) البيت من المتقارب، هو للأعشى في: "ديوانه" ص 149، "مجاز القرآن" 2/ 248، "اللسان" 13/ 450 (وضن)، فقد جاءت الرواية في اللسان: موضونة بدل مسرودة، والموضونة: هي المنسوجة.

(١٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244 (١٧) في (ب): (التابع) (١٨) في (ب): (الحروف)، وهو خطأ.

(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 356، "اللسان" 3/ 211، "تاج العروس" 8/ 186.

(٢٠) في (ب): (فينقهم)، وهو خطأ.

(٢١) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 68، "تفسير الماوردي" 4/ 436، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 398.

(٢٢) لم أقف عليه.

(٢٣) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 398، "معاني القرآن" للفراء 2/ 356، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.

(٢٤) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.

(٢٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 244.

(٢٦) انظر: "تفسير مقاتل" 97 ب.

(٢٧) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَابِغَاتٍ ﴾ هو الدروع الكاسية ﴿ وَقَدِّرْ فِي السرد ﴾ معنى ﴿ السرد ﴾ هنا نسج الدروع، وتقديرها أن لا يعمل الحلقة صغيرة فتضعف ولا كبيرة فيصاب لابسها من خلالها، وقيل: لا يجعل المسمار دقيقاً ولا غليظاً ﴿ واعملوا صَالِحاً ﴾ خطاب لداود وأهله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ .

أي: علما، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ فَضْلاً ﴾ ، أي: نبوة.

وقال بعضهم: الفضل: هو الملك الذي آتاه الله.

وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير الجبال والطير والتسبيح معه، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء؛ حتى اتخذ منه ما شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو تكلفنا عدّه وإحصاءه ما قدرنا عليه.

وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ .

قيل: سبحي معه.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرَ ﴾ .

من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير.

ومن رفعها جعله على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه.

ثم اختلف في تسبيج الجبال والطير.

قال بعضهم: تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق؛ لما جعل في خلقة كل شيء الشهادة له بالوحدانية والألوهية، لكن ذكر هاهنا: أن سبحى معه، ولو كان تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان معه داود أو لم يكن؛ ولكن جائز أن يجعل الله -  - في سرّية الجبال من التسبيح ما يفهم منها داود، ولم يفهم غيره؛ على ما ذكرنا في قول النملة لسائر النمل؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]: جعل الله -  - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان؛ ففهم منها ذلك، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود؛ فعلى ذلك تسبيح الجبال والطير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ .

جعل له آية لنبوته؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه؛ حتى كان يعمل منه ما شاء، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا بالنار وأسباب أخر؛ ليكون له في ذلك آية.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، وقلنا له: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

قال بعضهم: السابغات: هي الدروع.

وقال بعضهم: هي الواسعات.

وقيل: هي الطوال.

فكأنه أمر أن يتخذ من الدروع ما يأخذ من الرأس إلى القدم ما يصلح لحرب العدوّ.

وقوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ .

قال بعضهم: كانت الدروع قبل ذلك صفائح مضروبة، فسرد نبي الله حلقها بعضها في بعض، والسرد: المسامير والحلق، يقول: قدر المسامير في الحلق: لا بدق المسامير وتوسع الحلق؛ فتسلسل، ولا تضيق الحلق وتعظم المسامير فتقصم وتكسر؛ ولكن مستوياً لتكون أحكم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ ، أي: في النسج، أي: لا تجعل المسامير دقاقاً؛ فتقلق، ولا غلاظاً؛ فتكسر الحلق؛ ومنه قيل لصانع الدروع: سرّاد، وزرّاد؛ كما يقال: صراط وسراط وزراط.

والسرد: الحرز أيضاً، وقال غيره: السرد: الخروق في طبق الحلق، وإدخال الحلق بعضها في بعض.

وقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، فيما ذكر من عمل الدروع، ويحتمل في غيره من الأعمال، ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، هو على الوعيد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ كأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح؛ كما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ، أي: تجري به الريح في غدوها مسيرة شهر، وفي رواحها مسيرة شهر، وذلك آية له، فمثلها من الآية كان لرسول الله، حيث أسري في ليلة واحدة مسيرة شهرين من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وما كان لسليمان من الملك بالأعوان من الجن والإنس كان لرسول الله  بنفسه؛ حيث قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، [فإن لم يكن] أعظم مما كان لسليمان فلا يكون دونه.

وما كان لأبيه داود من إلانة الحديد له بلا سبب وما ذكر - كان لمحمد انشقاق القمر له، وذلك أعظم في الآية مما ذكر.

وما كان لموسى من انفجار العيون من الحجر، كان لمحمد من أصابعه، حتى ذكر أنهم كانوا ألفا وأربعمائة نفر شربوا جميعاً منه ورووا؛ فذلك وإن لم يكن أعظم في الآية لا يكون دونه.

وما كان لعيسى من إحياء الله الموتى وإجرائه على يديه، كان لمحمد مقابل ذلك كلام الشاة المصلية المسمومة التي أخبرته: إني مسمومة؛ فلا تتناول مني؛ لما أراد التناول منها، فآياته كثيرة حتى لم تذكر لأحد من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - آية إلا ويمكن أن يذكر لمحمد جميعاً مقابل ذلك مثلها أو أعظم منها.

ثم يحتمل ذكر ملك سليمان وأبيه؛ لئلا يحسدوا محمداً - صلوات الله عليه - على ما أعطاه الله له من الملك والشرف؛ ليعرفوا أنه ليس هو المخصوص بالملك والشرف، ولكن له في ذلك شركاء وإخوان أعطاهم الله مثل ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ .

قيل: النحاس، وقيل: الصفر، قيل: أسيل له يعمل به ما أحبّ، كما ألين لأبيه الحديد؛ فيعمل به ما أحبّ من الدروع وغيرها بلا سبب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: بأمر ربه، أي: سخر الله الجن له، وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم فيما أحبّ، شاءوا أو كرهوا، يخرج قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التسخير له؛ فيكون الإذن كناية عن التسخير.

والثاني: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: بأمر ربه، أي: أمرهم ربهم أن يطيعوه في جميع ما يأمر وينهى.

وقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ، أي: عصاه فيما أمره ربه، ﴿ نُذِقْهُ ﴾ ، ما ذكر.

يحتمل إضافة أمره إلى نفسه؛ لما بأمره ما يستعملهم فيما يستعملهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ ﴾ .

قال بعضهم: المحاريب هي المساجد.

وقال بعضهم: هي القصور.

والمحاريب هي أشرف المواضع، ذكرت كناية عن غيرها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَمَاثِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: هي التماثيل كهيئة تماثيل الرجال، يصوّرون في المساجد تماثيل الرجال العبّاد الزهاد، والملائكة، والنبيين، والرجال المتواضعين؛ لكي إذا رآهم الناس مصوراً عبدوا عبادتهم، وتشبهوا بهم.

أو أن تكون تماثيل لا رأس لها، نحو: الأواني والكيزان ونحوها.

أو أن يكون التماثيل يومئذ غير منهي العمل بها، فأما اليوم فقد نهوا عن العمل بها؛ مخافة أن يدعو ذلك إلى عبادة غير الله؛ وكذلك غرّ إبليس قوماً حتى عبدوا الأصنام؛ وإلا ليس من الأصنام ولا فيها ما يغتر به المرء على عبادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: قصاع كالجواب، كهيئة حياض الإبل؛ حتى يجلس على القصعة الواحدة ألف وزيادة يأكلون منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ ، أي: كالجوبة من الأرض التي تحفر للماء؛ يصف عظم ذلك؛ ففيه أنهم كانوا يجتمعون في الأكل لا ينفردون به.

وقوله: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ .

أي: كانوا يتخذون له قدوراً عظاماً في الجبال التي لا تحرك من مكان، ﴿ رَّاسِيَاتٍ ﴾ ، أي: ثابتات كما ذكر، والجبال الرواسي، أي: الثوابت.

وقال بعضهم: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ : هي القدور العظام التي أفرغت إفراغاً وأكفيت - لعظمها - إكفاء، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: اعملوا لآل داود شكراً؛ لأنه ذكر أنه ليس من زمان في ليل ونهار إلا ويكون من آل داود صائم بالنهار ومصلٍّ بالليل، أو كلام نحوه؛ فأمروا بالشكر لهم.

وقال بعضهم: كأنه قال: اعملوا يا آل داود شكراً، لما أعطيتكم من الملك والفضل.

﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ﴾ .

أي: قليل من عبادي المؤمنين، والشكور كناية عن المؤمن؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، أي: لكل مؤمن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ ، أي: أذبنا له عين النحاس، والشكور هو الفعول، والفعول والفعال هما اللذان يكثران الفعل؛ فكأن الشكور هو الذي يعتقد الشكر لربه، ويشكر مع الاعتقاد؛ فيكون منه الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ .

دل هذا على أن موته كان بحضرة أهله وبمشهد منهم؛ حيث ذكر، ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ثم يذكر بعض أهل التأويل أنه سأل ربّه أن يعمّى على الجن موته؛ حتى يعلم الإنس ﴿ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ ﴾ - أعني: الجن - ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

وبعضهم يقول: سأل ربه أن يعمي على الجن موته؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس، فدأبوا حولا يعملون، فلما فرغوا من بنائه خر سليمان ميتا من عصاه، وكان متكئاً عليها.

وبعضهم يقول: لما حضره الموت - وكان على فراشه في البيت - لم يكن على عصاه؛ فقال: لا تخبروا الجن بموتي؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس - وكان بقي عمل سنة - ففعلوا، فلما فرغوا من بنائه - خرّ؛ فعند ذلك علمت الجن بموته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

في حرف ابن مسعود: ﴿ فلما قضينا عليه الموت، وهم يدأبون له حولا ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الإنس على أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدّعون علم الغيب فابتلوا بذلك.

ودل قوله: ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ على أنهم كانوا لا يدنون منه لأحد وجهين: إما لهيبته وسلطانه على الناس؛ فإن كان ذلك أطاع له كل شيء وخضعوا له: من الجن والطير والوحش وغير ذلك.

أو لما كان يكثر العبادة لله والخضوع له يتوحد ويتفرد بنفسه، لم يجترئوا أن يدنوا منه؛ وإلا لو دنوا منه لرأوا فيه آثار الموتى، اللهم إلا أن يكون ما ذكر بعضهم أنه قال لأهله: لا تخبروا أحداً بموتي، وأمرهم أن يكتموا موته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ، قيل: المنسأة: العصا، سمي: منسأة من المنسأ؛ لأنه كان بها يؤخر ما أراد تأخيره، وبها يدفع ما أراد دفعه.

ثم في إمساكه العصا أحد وجهين: لما لضعفة في نفسه؛ كان يتقوى بها في أمور ربه، أو يمسكها؛ لخضوعه لربه وطاعته له.

وفيه دلالة: أن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يشغلهم الملك وفضل الدنيا، ولا الحاجة ولا الفقر عن القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة إلى الناس، وهما شاغلان لغيرهم، وهم كانوا فريقين: [فريق] قد وسع عليهم الدنيا نحو سليمان وإبراهيم وغيرهما، وفريق قد اشتدت بهم الحاجة والفقر، وكلاهما مانعان شاغلان عن القيام بأمور الله وتبليغ الرسالة؛ ليعلم أنهم لم يأخذوا من الدنيا ما أخذوا - للدنيا،.

ولكن أخذوا للخلق، ولله قاموا فيما قاموا لذلك، لم يشغلهم ذلك عن القيام بما ذكرنا، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ أنه كان يأمرهم ويستعملهم في أمور شاقة وأعمال صعبة؛ حيث ذكر لبثهم في ذلك لبثا في العذاب المهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أن اعمل - يا داود - دروعًا واسعة تقي مقاتليك بأس عدوّهم، وصيّر المسامير مناسبة للحِلَق فلا تجعلها دقيقة بحيث لا تستقرّ فيها، ولا غليظة بحيث لا تدخل فيها، واعملوا عملًا صالحًا، إني بما تعملون بصير، لا يخفى عليَّ من أعمالكم شيء، وسأجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.yM39O"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله