تفسير الآية ١٥ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٥ من سورة سبأ

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍۢ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌۭ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍۢ وَشِمَالٍۢ ۖ كُلُوا۟ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌۭ طَيِّبَةٌۭ وَرَبٌّ غَفُورٌۭ ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 96 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٥ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها ، وكانت التبابعة منهم ، وبلقيس - صاحبة سليمان - منهم ، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم ، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم .

وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ، ويشكروه بتوحيده وعبادته ، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به ، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ ، شذر مذر ، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة .

قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، عن عبد الرحمن بن وعلة قال : سمعت ابن عباس يقول : إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ : ما هو ؟

رجل أم امرأة أم أرض ؟

قال : " بل هو رجل ، ولد عشرة ، فسكن اليمن منهم ستة ، وبالشام منهم أربعة ، فأما اليمانيون : فمذحج ، وكندة ، والأزد ، والأشعريون ، وأنمار ، وحمير .

وأما الشامية فلخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان .

ورواه عبد ، عن الحسن بن موسى ، عن ابن لهيعة به .

وهذا إسناد حسن ، ولم يخرجوه ، [ وقد روي من طرق متعددة ] .

وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب " القصد والأمم ، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم " ، من حديث ابن لهيعة ، عن علقمة بن وعلة ، عن ابن عباس فذكر نحوه .

وقد روي نحوه من وجه آخر .

وقال [ الإمام ] أحمد أيضا وعبد بن حميد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي ، عن يحيى بن هانئ بن عروة ، عن فروة بن مسيك قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، أقاتل بمقبل قومي مدبرهم ؟

قال : " نعم ، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم " .

فلما وليت دعاني فقال : " لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام " .

فقلت : يا رسول الله ، أرأيت سبأ; أواد هو ، أو رجل ، أو ما هو ؟

قال : " [ لا ] ، بل رجل من العرب ، ولد له عشرة فتيامن ستة وتشاءم أربعة ، تيامن الأزد ، والأشعريون ، وحمير ، وكندة ، ومذحج ، وأنمار الذين يقال لهم : بجيلة وخثعم .

وتشاءم لخم ، وجذام ، وعاملة ، وغسان " .

وهذا أيضا إسناد جيد وإن كان فيه أبو جناب الكلبي ، وقد تكلموا فيه .

لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب ، عن العنقزي ، عن أسباط بن نصر ، عن يحيى بن هانئ المرادي ، عن عمه أو عن أبيه - يشك أسباط - قال : قدم فروة بن مسيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكره .

طريق أخرى لهذا الحديث : قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، حدثني ابن لهيعة ، عن توبة بن نمر ، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال : كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بأفريقية فقال يوما : ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها .

فقال علي بن رباح : كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية ، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام ، أفأقاتلهم ؟

فقال : " ما أمرت فيهم بشيء بعد " .

فأنزلت هذه الآية : ( لقد كان لسبإ في مسكنهم آية ) الآيات ، فقال له رجل : يا رسول الله ، ما سبأ ؟

فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ : ما هو ؟

أبلد ، أم رجل ، أم امرأة ؟

قال : " بل رجل ، ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة ، والشام أربعة ، أما اليمانيون : فمذحج ، وكندة ، والأزد ، والأشعريون ، وأنمار ، وحمير غير ما حلها .

وأما الشام : فلخم ، وجذام ، وغسان ، وعاملة " .

فيه غرابة من حيث ذكر [ نزول ] الآية بالمدينة ، والسورة مكية كلها ، والله أعلم .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو أسامة ، حدثني الحسن بن الحكم ، حدثنا أبو سبرة النخعي ، عن فروة بن مسيك الغطيفي قال : قال رجل : يا رسول الله ، أخبرني عن سبأ : ما هو ؟

أرض ، أم امرأة ؟

قال : " ليس بأرض ولا امرأة ، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد ، فتيامن ستة وتشاءم أربعة ، فأما الذين تشاءموا : فلخم وجذام وعاملة وغسان ، وأما الذين تيامنوا : فكندة ، والأشعريون ، والأزد ، ومذحج ، وحمير ، وأنمار " .

فقال رجل : ما أنمار ؟

قال : " الذين منهم خثعم وبجيلة " .

ورواه الترمذي في جامعه ، عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة ، فذكره أبسط من هذا ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب .

وقال أبو عمر بن عبد البر : حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثنا ابن كثير - هو عثمان بن كثير - عن الليث بن سعد ، عن موسى بن علي ، عن يزيد بن حصين ، عن تميم الداري ; أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ ، فذكر مثله ، فقوي هذا الحديث وحسن .

قال علماء النسب ، منهم محمد بن إسحاق : اسم سبأ : عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان .

وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب ، وكان يقال له : الرائش; لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه ، فسمي الرائش ، والعرب تسمي المال : ريشا ورياشا .

وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم ، وقال في ذلك شعرا : سيملك بعدنا ملكا عظيما نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك يدينون العباد بغير ذام ويملك بعدهم منا ملوك يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي تقي خبتة خير الأنام وسمي أحمدا يا ليت أني أعمر بعد مبعثه بعام فأعضده وأحبوه بنصري بكل مدجج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه ومن يلقاه يبلغه سلامي ذكر ذلك الهمداني في كتاب " الإكليل " .

واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح ، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق .

والثاني : أنه من سلالة عابر ، وهو هود ، عليه الصلاة والسلام ، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا .

والثالث : أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، عليهما السلام ، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا .

وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري ، رحمه الله ، في كتابه [ المسمى ] : " الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة " .

ومعنى قوله عليه السلام : " كان رجلا من العرب " يعني : العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل ، عليه السلام ، من سلالة سام بن نوح .

وعلى القول الثالث : كان من سلالة الخليل ، عليه السلام ، وليس هذا بالمشهور عندهم ، والله أعلم .

ولكن في صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من " أسلم " ينتضلون ، فقال : " ارموا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا " .

فأسلم قبيلة من الأنصار ، والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد ، حين بعث الله عليهم سيل العرم ، ونزلت طائفة منهم بالشام ، وإنما قيل لهم : غسان بماء نزلوا عليه قيل : باليمن .

وقيل : إنه قريب من المشلل ، كما قال حسان بن ثابت : إما سألت فإنا معشر نجب الأزد نسبتنا ، والماء غسان ومعنى قوله : " ولد له عشرة من العرب " أي : كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن ، لا أنهم ولدوا من صلبه ، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر ، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب .

ومعنى قوله : " فتيامن منهم ستة ، وتشاءم منهم أربعة " أي : بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم ، منهم من أقام ببلادهم ، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها ، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم ، فعمد ملوكهم الأقادم ، فبنوا بينهما سدا عظيما محكما حتى ارتفع الماء ، وحكم على حافات ذينك الجبلين ، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن ، كما ذكر غير واحد من السلف ، منهم قتادة : أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل ، وهو الذي تخترف فيه الثمار ، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف ، لكثرته ونضجه واستوائه ، وكان هذا السد بمأرب : بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل ، ويعرف بسد مأرب .

وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث ، ولا شيء من الهوام ، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم ، ليوحدوه ويعبدوه ، كما قال تعالى : ( لقد كان لسبإ في مسكنهم آية ) ، ثم فسرها بقوله : ( جنتان عن يمين وشمال ) أي : من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك ، ( كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور ) أي : غفور لكم إن استمررتم على التوحيد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) يقول تعالى ذكره: لقد كان لولد سبأ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها.

وسبأ عن رسول الله اسم أَبي اليمن.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب قال ثنا وكيع عن أَبي حيان الكلبي عن يحيى بن هانئ عن عروة المرادي عن رجل منهم يقال له: فروة بن مسيك قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما كان؟

رجلا كان أو امرأة، أو جبلا أو دواب؟

فقال: " لا كان رجلا من العرب وله عشرة أولاد؛ فتيمن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيمنوا منهم فكندة وحمير والأزد والأشعريون ومذحج وأنمار الذين منها خثعم وبُجَيلة، وأما الذين تشاءموا؛ فعاملة وجُذام ولخم وغسَّان " .

حدثنا أَبو كريب قال ثنا أَبو أسامة قال ثني الحسن بن الحكم قال ثنا أبو سَبْرة النخَعي عن فروة بن مسيك القُطَيْعي قال: قال رجل يا رسول الله: أخبرني عن سبأ ما هو؟

أرض أو امرأة؟

قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولَدَ عشرة من الولد؛ فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجُذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار "، فقال رجل: ما أنمار؟

قال: " الذين منهم خثعم وبجيلة " .

حدثنا أَبو كريب قال ثنا العَنْقزي قال أخبرنى أسباط بن نصر عن يحيى بن هانئ المرادي عن أبيه أو عن عمه (أسباطٌ شك) قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: يا رسول الله أخبرني عن سبأ أجبلا كان أو أرضًا؟

فقال: " لم يكن جبلا ولا أرضًا ولكنه كان رجلا من العرب ولد عشرة قبائل ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: " وأنمار الذين يقولون منهم بجيلة وخثعم " .

فإن كان الأمر كما روي عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أن سبأ رجل، كان الإجراء فيه وغير الإجراء معتدلين، أما الإجراء فعلى أنه اسم رجل معروف، وأما ترك الإجراء فعلى أنه اسم قبيلة أو أرض.

وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء.

واختلفت القراء في قراءة قوله (فِي مسكنهم) فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين (فِي مِسِاكِنِهِمْ) على الجماع، بمعنى منازل آل سبأ.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين (فِي مَسْكِنِهِمْ) على التوحيد، وبكسر الكاف، وهي لغة لأهل اليمن فيما ذكر لي.

وقرأ حمزة (مَسْكَنِهِمْ) على التوحيد وفتح الكاف.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن كل ذلك قراءات متقاربات المعنى، فبأي ذلك قرأ القارىء فمصيب.

وقوله (آيَةٌ) قد بينا معناها قبل.

وأما قوله (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) فإنه يعني: بستانان كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله.

وكان من صنفهما فيما ذُكر لنا ما حدثنا محمد بن بشار قال ثنا سليمان قال ثنا أَبو هلال قال سمعت قتادة في قوله ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ) قال: كانت جنتان بين جبلين فكانت المرأة تخرج مكتلها على رأسها فتمشي بين جبلين، فيمتلىء مكتلها، وما مست بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة، يقال لها " جُرَذ " فنقبت عليهم فغرقتهم، فما بقي لهم إلا أَثْل، وشيء من سدر قليل.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ...) إلى قوله فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ قال: ولم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وإن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القُمَّل والدواب، فما هم إلا أن ينظروا إلى بيوتهم، فتموت الدواب، قال: وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسه فيخرج حين يخرج، وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة ولم يتناول منها شيئا بيده، قال: والسّدُّ يسقيها.

ورفعت الجنتان في قوله (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) ترجمة عن الآية، لأن معنى الكلام: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية هي جنتان عن أيمانهم وشمائلهم.

وقوله (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ) الذي يرزقكم من هاتين الجنتين من زروعهما وأثمارهما، (وَاشْكُرُوا لَهُ) على ما أنعم به عليكم من رزقه ذلك، وإلى هذا منتهى الخبر، ثم ابتدأ الخبر عن البلدة فقيل: هذه بلدة طيبة أي ليست بسبخة، ولكنها كما ذكرنا من صفتها عن عبد الرحمن بن زيد أن كانت كما وصفها به ابن زيد من أنه لم يكن فيها شيء مؤذٍ؛ الهمج والدبيب والهوام (وَرَبٌّ غَفُورٌ) يقول: ورب غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) وربكم غفور لذنوبكم، قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور .قوله تعالى : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه اسم حي ، وهو في الأصل اسم رجل ; جاء بذلك التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم روى الترمذي قال : حدثنا أبو كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعي قال حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك المرادي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ; فأذن لي في قتالهم وأمرني ; فلما خرجت من عنده سأل عني : ما فعل الغطيفي ؟

فأخبر أني قد سرت ، قال : فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال : ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك ; قال : وأنزل في سبأ ما أنزل ; فقال رجل : يا رسول الله ، وما سبأ ؟

أرض أو امرأة ؟

قال : ليس بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة .

فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة .

وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار .

فقال رجل : يا رسول الله وما أنمار ؟

قال : الذين منهم خثعم وبجيلة .

وروي هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( لسبأ ) بغير صرف ، جعله اسما للقبيلة ، وهو اختيار أبي عبيد ، واستدل على أنه اسم قبيلة بأن بعده ( في مساكنهم ) .

النحاس : ولو كان كما قال لكان في مساكنها .

وقد مضى في ( النمل ) زيادة بيان لهذا المعنى .

وقال الشاعر في الصرف :[ ص: 256 ]الواردون وتيم في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميسوقال آخر في غير الصرف :من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيلها العرماوقرأ قنبل وأبو حنيفة والجحدري ( لسبأ ) بإسكان الهمزة .

( في مساكنهم ) قراءة العامة على الجمع ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ; لأن لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد .

وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص ( مسكنهم ) موحدا ، إلا أنهم فتحوا الكاف .

وقرأ يحيى والأعمش والكسائي موحدا كذلك ، إلا أنهم كسروا الكاف .

قال النحاس : والساكن في هذا أبين ; لأنه يجمع اللفظ والمعنى ، فإذا قلت ( مسكنهم ) كان فيه تقديران : أحدهما : أن يكون واحدا يؤدي عن الجمع .

والآخر : أن يكون مصدرا لا يثنى ولا يجمع ; كما قال الله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فجاء بالسمع موحدا .

وكذا مقعد صدق و ( مسكن ) مثل مسجد ، خارج عن القياس ، ولا يوجد مثله إلا سماعا .

( آية ) اسم كان ، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم ، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك ، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها ، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر .جنتان يجوز أن يكون بدلا من ( آية ) ، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف ، فيوقف على هذا الوجه على آية وليس بتمام .

قال الزجاج : أي الآية جنتان ، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف .

وقال الفراء : رفع تفسيرا للآية ، ويجوز أن تنصب ( آية ) على أنها خبر كان ، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضا في غير القرآن .

وقال عبد الرحمن بن زيد : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غيرها من الهوام ، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب .

وقيل : إن الآية هي الجنتان ، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مكتل فيمتلئ من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها ; قاله قتادة .

وروي أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن .

قال سفيان : وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما : نحن بنينا سلحين في سبعين خريفا دائبين ، وعلى الآخر مكتوب : نحن بنينا صرواح ، مقيل ومراح ; فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله .

قال القشيري : ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة ; أي كانت بلادهم ذات بساتين [ ص: 257 ] وأشجار وثمار ; تستتر الناس بظلالها .

كلوا من رزق ربكم أي قيل لهم كلوا ، ولم يكن ثم أمر ، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم .

وقيل : أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لكم ذلك ; أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة .

من رزق ربكم أي من ثمار الجنتين .

( واشكروا له ) يعني على ما رزقكم .

بلدة طيبة هذا كلام مستأنف ; أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار .

وقيل : غير سبخة .

وقيل : طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها .

قال مجاهد : هي صنعاء .

ورب غفور أي والمنعم بها عليكم رب غفور يستر ذنوبكم ، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه .

وقيل : إنما ذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام .

وقد مضى القول في هذا في أول ( البقرة ) .

وقيل : إنما امتن عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن, ومسكنهم بلدة يقال لها "مأرب" ومن نعم اللّه ولطفه بالناس عموما, وبالعرب خصوصا, أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين, ممن كان يجاور العرب, ويشاهد آثاره, ويتناقل الناس أخباره, ليكون ذلك أدعى إلى التصديق, وأقرب للموعظة فقال: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ } أي: محلهم الذي يسكنون فيه { آيَةٌ } والآية هنا: ما أدرَّ اللّه عليهم من النعم, وصرف عنهم من النقم, الذي يقتضي ذلك منهم, أن يعبدوا اللّه ويشكروه.

ثم فسر الآية بقوله { جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } وكان لهم واد عظيم, تأتيه سيول كثيرة, وكانوا بنوا سدا محكما, يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه, فيجتمع هناك ماء عظيم, فيفرقونه على بساتينهم, التي عن يمين ذلك الوادي وشماله.

وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان, من الثمار ما يكفيهم, ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم اللّه بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.ومنها: أن اللّه جعل بلدهم, بلدة طيبة, لحسن هوائها, وقلة وخمها, وحصول الرزق الرغد فيها.ومنها: أن اللّه تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم وَيرحمهم, ولهذا قال: { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } ومنها: أن اللّه لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة, - الظاهر أنها: قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف, وقيل: إنها الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها, بغاية السهولة, من الأمن, وعدم الخوف, وتواصل القرى بينهم وبينها, بحيث لا يكون عليهم مشقة, بحمل الزاد والمزاد.ولهذا قال: { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } أي: [سيرا] مقدرا يعرفونه, ويحكمون عليه, بحيث لا يتيهون عنه { لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ } أي: مطمئنين في السير, في تلك الليالي والأيام, غير خائفين.

وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم, أن أمنهم من الخوف.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( لقد كان لسبإ في مسكنهم ) روى أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك العطيفي ، قال : قال رجل : يا رسول الله أخبرني عن سبأ كان رجلا أو امرأة أو أرضا ؟

قال : " كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد ، تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة ، فأما الذين تيامنوا : فكندة ، والأشعريون ، وأزد ، ومذحج ، وأنمار ، وحمير ، فقال رجل : وما أنمار ؟

قال الذين منهم خثعم وبجيلة : وأما الذين تشاءموا : فعاملة ، وجذام ، ولخم ، وغسان ، وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان " .

( في مسكنهم ) قرأ حمزة ، وحفص : " مسكنهم " بفتح الكاف ، على الواحد ، وقرأ الكسائي بكسر الكاف ، وقرأ الآخرون : " مساكنهم " على الجمع ، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن ) ( آية ) دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ثم فسر الآية فقال : ) ( جنتان ) أي : هي جنتان بستانان ( عن يمين وشمال ) أي : عن يمين الوادي وشماله .

وقيل : عن يمين من أتاهم وشماله ، وكان لهم واد قيل أحاطت الجنتان بذلك الوادي ) ( كلوا ) أي : وقيل لهم كلوا ( من رزق ربكم ) يعني : من ثمار الجنتين ، قال السدي ومقاتل : كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين فيمتلىء مكتلها من أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئا بيدها ( واشكروا له ) أي : على ما رزقكم من النعمة ، والمعنى : اعملوا بطاعته ( بلدة طيبة ) أي : أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة ، قال ابن زيد : لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ، وكان الرجل يمر ببلدهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كله من طيب الهواء ، فذلك قوله تعالى : ( بلدة طيبة ) أي : طيبة الهواء ( ورب غفور ) قال مقاتل : وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور للذنوب .

)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد كان لسبأ» بالصرف وعدمه قبيلة سميت باسم جد لهم من العرب «في مسكنهم» باليمن «آية» دالة على قدرة الله تعالى «جنتان» بدل «عن يمين وشمال» من يمين واديهم وشماله وقيل لهم: «كلوا من رزق ربكم واشكروا له» على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ «بلدة طيبة» ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها «و» الله «رب غفور».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد كان لقبيلة سبأ بـ "اليمن" في مسكنهم دلالة على قدرتنا: بستانان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم، واشكروا له نعمه عليكم؛ فإن بلدتكم كريمة التربة حسنة الهواء، وربكم غفور لكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما النموذج الأول الذى جاء فى أعقاب سابقه - فقد ساقه - سبحانه - لسوء عاقبة الجاحدين ، متمثلا فى قصة قبيلة سبأ وكيف أنهم قابلوا نعم الهل بالبطر ، فمحقها - سبحانه - من بين أيديهم وفى شأنهم يقول - عز وجل - : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ .

.

.

وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ) .و ( لِسَبَإٍ ) فى الأصل اسم لرجل ، وهو : سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ، وهو أول ملك من ملوك اليمن .

.والمراد به هنا : الحى أو القبيلة المسماة باسمه ، فيصرف على الأول ويترك صرفه على الثانى .وكانوا يسكنون بمأْرِب باليمن ، على مسيرة ثلاثة أيام من صنعاء وكانت أرضهم مخصبة ذات بساتين وأشجار متنوعة ، وزاد خيرهم ونعيمهم بعد أن اقاموا سدا ، ليأخذوا من مياه الأمطار على قدر حاجتهم ، وكان هذا السد يعرف بسد مأرب ، ولكنهم لم يشكروا الله - تعالى - على هذه النعم ، فسلبها - سبحانه - منهم .قال ابن كثير : كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها ، وكانت التبابعة منهم ، وبلقيس منهم ، وكانوا فى نعمة وغبطة ، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ، ويشكروه بتوحيده وعبابدته فكانوا كذلك ما شاء الله ، ثم أرعضوا عما أمروه به ، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق فى البلاد .أخرج الإِمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال : " إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ : ما هو؟

رجل أم امرأة أم أرض؟

فقال صلى الله عليه وسلم : بل هو رجل .

كانله عشرة اولاد ، سكن اليمن منهم ستة ، وهم : مَذْحِجْ ، وكِنْدَه ، والأزد ، والأشعريون ، وأنمار ، وحِميْر .

وسكن الشام منهم أربعة وهم : لَخْم ، وجُذَام ، وعامِلَةُ ، وغسَّان " .وإنما سمى " سبأ " لأنه أول من سبأ فى العرب - أى : جمع السبايا - ، وكان يقال له الرائش ، لأنه أول من غنم فى الغزو فأعطى قومه ، فسمى الرائش ، والعرب تسمى المال - ريشا ورياشا ، وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى زمانه المتقدم .والمعنى : والله لقد كان لقبيلة سبأ فى مساكنهم التى يعيشون فيها ( آيَةٌ ) بينة واضحة ، وعلامة ظاهرة تدل على قدرة الله - تعالى - وعلى فضله على خلقه وعلى وجوب شكره على نعمه ، وعلى سوء عقابة الجاحدين لهذه النعم .فالمراد بالآية : العلامة الواضحة الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وبديع صنعه ، ووجوب شكره ، والتحير من معصيته .ثم وضح - سبحانه - هه الآية فقال : ( جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ) أى : كانت لأهل سبأ طائفتان من البساتين والجنان : طائفة من يمين بلدهم ، وطائفة أخرى عن شماله .وهذه البساتين المحيطة بهم كانت زاخرة بما لذ وطاب من الثمار .قالوا : كانت المرأة تمشى تحت أشجار تلك البساتين وعلى رأسها المكتل ، يمتلئ من أنواع الفواكه التى تتساقط فى مكتلها دون جهد منها .ولفظ ( جَنَّتَانِ ) مرفوع على البدل من ( آيَةٌ ) أو على أنه مبتدأ ، وخبره قوله : ( عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ) .وقوله - تعالى - : ( كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ ..

) مقول لقول محذوف .أى : وقلنا لهم على ألسنة رسلنا ، وعلى ألسنة الصالحين منهم ، كلوا من الأرزاق الكريمة ، والثمار الطيبة ، التى أنعم بها ربكم عليكم ، واشكروا له - سبحانه - هذا العطاء ، فإنكم إذا شكرتموه زادكم من فضله وإحسانه .وقوله : ( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) كلام مستأنلف لبيان موجبات الشكر .أى : هذه البلدة التى تسكنونها بلدة طيبة لاشتمالها على كل ما تحتاجونه من خيرات ، وربكم الذى أعطاكم هذه النعم ، رب واسع المغفرة والرحمة لمن تاب إليه وأناب ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده بفضله وإحسانه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بين الله حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين بأنعمه، بحكاية أهل سبأ، وفي سبأ قراءتان بالفتح على أنه اسم بقعة وبالجر مع التنوين على أنه اسم قبيلة وهو الأظهر، لأن الله جعل الآية لسبأ والفاهم هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل وقوله: ﴿ ءَايَةٌ ﴾ أي من فضل ربهم، ثم بينها بذكر بدله بقوله: ﴿ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ قال الزمخشري أية آية في جنتين، مع أن بعض بلاد العراق فيها آلاف من الجنان؟

وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتان أو عن يمين بلدهم وشمالها جماعتان من الجنات، ولاتصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة، قوله: ﴿ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ ﴾ إشارة إلى تكميل النعم عليهم حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض، وقوله: ﴿ واشكروا لَهُ ﴾ بيان أيضاً لكمال النعمة، فإن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة، ثم لما بين حالهم في مساكنهم وبساتينهم وأكلهم أتم بيان النعمة بأن بين أن لا غائلة عليه ولا تبعة في المآل في الدنيا، فقال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ ﴾ أي طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا وخم، وقال: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أي لا عقاب عليه ولا عذاب في الآخرة، فعند هذا بان كمال النعمة حيث كانت لذة حالية خالية عن المفاسد المآلية.

ثم انه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ فلما قضى عليه الموت ﴾ ودابة الأرض: الأرضة، وهي الدويبة التي يقال لها السرفة والأرض فعلها، فأضيفت إليه.

يقال: أرضت الخشبة أرضاً.

إذا أكلتها الأرضة.

وقرئ بفتح الراء، من أرضت الخشبة أرضاً، وهو من باب فعلته ففعل، كقولك: أكلت القوادح الأسنان أكلاً.

فأكلت أكلاً والمنسأة: العصا.

لأنه ينسأ بها، أي: يطرد ويؤخر وقرئ: بفتح الميم وبتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً وكلاهما ليس بقياس، ولكن إخراج الهمزة بين بين هو التخفيف القياسي.

ومنساءته على مفعالة، كما يقال في الميضأة ميضاءة.

ومن سأته، أي: من طرف عصاه، سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وفيها لغتان، كقولهم: قحة وقحة، وقرئ: ﴿ أكلت منسأته ﴾ ﴿ تَبَيَّنَتِ الجن ﴾ من تبين الشيء إذا ظهر وتجلّى.

و ﴿ أَن ﴾ مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال، كقولك: تبين زيد جهله: والظهور له في المعنى، أي: ظهر أنّ الجن ﴿ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِي العذاب ﴾ أو علم الجن كلهم علماً بيناً- بعد التباس الأمر على عامّتهم وضعفتهم وتوهّمهم- أنّ كبارهم يصدّقون في ادعائهم علم الغيب أو علم المدّعون علم الغيب منهم عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما أريد التهكم بهم كما تتهكم بمدّعي الباطل إذا دحضت حجته وظهر إبطاله بقولك: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبيناً.

وقرئ: ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول، على أنّ المتبين في المعنى هو ﴿ أَن ﴾ مع ما في صلتها، لأنه بدل.

وفي قراءة أبيّ: تبينت الإنس.

وعن الضحاك: تباينت الأنس بمعنى تعارفت وتعالمت.

والضمير في ﴿ كَانُواْ ﴾ للجن في قوله: ﴿ وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب؛ ما لبثوا.

وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿ تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ﴾ .

روي أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها: لأي شيء أنت؟

فتقول لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة، فسألها، فقالت: نبت لخراب هذا المسجد: فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له وقال: اللَّهم عم عن الجن موتي، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموّهون على الإنس أنهم يعلمون الغيب، وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني، فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة؛ فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يصلي متكئاً على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها؛ وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلّى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلاّ احترق فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر فإذا سليمان قد خرّ ميتاً، ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقداراً، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حياً، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنة، وروي أنّ داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام، فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه، ليبطل دعواهم علم الغيب.

روي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها؛ فلم يجسر أحد بعدُ أن يدنوا منه، وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة: ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ﴾ أيْ عَلى سُلَيْمانَ.

﴿ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ ﴾ ما دَلَّ الجِنُّ وقِيلَ آلُهُ.

﴿ إلا دابَّةُ الأرْضِ ﴾ أيِ الأرَضَةُ أُضِيفَتْ إلى فِعْلِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو تَأثُّرُ الخَشَبَةِ مِن فِعْلِها يُقالُ: أرْضَتِ الأرَضَةُ الخَشَبَةَ أرَضًا فَأرْضَتْ أرَضًا مِثْلَ أكَلَتِ القَوادِحُ الأسْنانَ أكْلًا فَأكَلَتْ أكْلًا.

﴿ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ ﴾ عَصاهُ مِن نَسَأتِ البَعِيرُ إذا طَرَدَتْهُ لِأنَّها يُطْرَدُ بِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ قَلْبًا وحَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ إذِ القِياسُ إخْراجُها بَيْنَ بَيْنَ، و «مِنساءَتَهُ» عَلى مِفْعالَةٍ كَمِيضاءَةٍ في مَيْضَأةٍ و «مِن سَأتِهِ» أيْ طَرَفُ عَصاهُ مُسْتَعارٌ مِن سَأتِ القَوْسِ، وفِيهِ لُغَتانِ كَما في قِحَةٍ وقُحَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو مِنسَأتَهُ بِألِفٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ وابْنُ ذَكْوانَ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وحَمْزَةُ إذا وقَفَ جَعَلَها بَيْنَ بَيْنَ.

﴿ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ ﴾ عَلِمَتِ الجِنُّ بَعْدَ التِباسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.

﴿ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ ﴾ أنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ كَما يَزْعُمُونَ لَعَلِمُوا مَوْتَهُ حِينَما وقَعَ فَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ حَوْلًا في تَسْخِيرِهِ إلى أنْ خَرَّ، أوْ ظَهَرَتِ الجِنُّ وأنَّ بِما في حَيِّزِهِ بَدَلٌ مِنهُ أيْ ظَهَرَ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ.

وذَلِكَ أنَّ داوُدَ أسَّسَ بَيْتَ المَقْدِسِ في مَوْضِعِ فُسْطاطِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَماتَ قَبْلَ تَمامِهِ، فَوَصّى بِهِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَعْمَلَ الجِنَّ فِيهِ فَلَمْ يَتِمَّ بَعْدَ إذْ دَنا أجَلُهُ وأُعْلِمَ بِهِ، فَأرادَ أنْ يُعَمِّيَ عَلَيْهِمْ مَوْتَهُ لِيُتِمُّوهُ فَدَعاهم فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِن قَوارِيرَ لَيْسَ لَهُ بابٌ، فَقامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ فَقُبِضَ رُوحُهُ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى أكَلَتْها الأرَضَةُ فَخَرَّ ثُمَّ فَتَحُوا عَنْهُ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا وقْتَ مَوْتِهِ، فَوَضَعُوا الأرَضَةَ عَلى العَصا فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً مِقْدارًا فَحَسَبُوا عَلى ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ سَنَةٍ، وكانَ عُمُرُهُ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً ومَلَكَ وهو ابْنُ ثَلاثَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وابْتَدَأ عِمارَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأرْبَعٍ مَضَيْنَ مِن مُلْكِهِ.

﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ﴾ لِأوْلادِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، ومَنَعَ الصَّرْفَ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو لِأنَّهُ صارَ اسْمَ القَبِيلَةِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَلْبُ هَمْزَتِهِ ألِفًا ولَعَلَّهُ أخْرَجَهُ بَيْنَ بَيْنَ فَلْمْ يُؤَدِّهِ الرّاوِي كَما وجَبَ.

( في مَساكِنِهِمْ ) في مَواضِعِ سُكْناهم، وهي بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرَبٌ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالإفْرادِ والفَتْحِ، والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ حَمْلًا عَلى ما شَذَّ مِنَ القِياسِ كالمَسْجِدِ والمَطْلَعِ.

﴿ آيَةٌ ﴾ عَلامَةٌ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ مَجازٌ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ مُعاضَدَةٌ لِلْبُرْهانِ السّابِقِ كَما في قِصَّتَيْ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿ جَنَّتانِ ﴾ بَدَلٌ مِن ( آيَةٌ ) أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الآيَةُ جَنَّتانِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والمُرادُ جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ.

﴿ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ﴾ جَماعَةٌ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما في تَقارُبِها وتَضامِّهِما كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ، أوْ بُسْتانا كُلِّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وعَنْ شِمالِهِ.

﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ ﴾ حِكايَةٌ لِما قالَ لَهم نَبِيُّهم، أوْ لِسانُ الحالِ أوْ دَلالَةٌ بِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ.

﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِلدَّلالَةِ عَلى مُوجِبِ الشُّكْرِ، أيْ هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ فُرُطاتِ مَن يَشْكُرُهُ.

وقُرِئَ ( الكُلَّ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.

قِيلَ كانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأطْيَبَها لَمْ يَكُنْ فِيها عاهَةٌ ولا هامَّةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} بالصرف بتأويل الحي وبعدمه أبو عمر وبتأويل القبيلة {فِى مَسْكَنِهِمْ} حمزة وحفص مَسْكَنِهِمْ علي وخلف وهو موضع سكناهم وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن أو مسكن كل واحد منهم غيرهم مساكنهم {آية} اسم كان {جنتان} بدل من آية أو خبر مبتدأ محذوف تقديره الآية جنتان ومعنى كونهما آية أن أهلها لما أعرضوا عن شكر الله سلبهم الله النعمة ليعتبروا أو يتعظموا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط العم أو جعلهما آية أي علامة دالة على قدرة الله وإحسانه ووجوب شكره {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين فى

سبأ (١٨ - ١٥)

تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بساتين البلاد العامرة أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله {كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ واشكروا لَهُ} حكاية لما قال أنبياء الله المبعوثون إليهم أو لما قال لهم لسان الجمال أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك ولما أمرهم بذلك أتبعه قوله {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره قال ابن عباس كانت سبأ على ثلاث فراسخ من صنعاء وكانت أخصب البلاد تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من الثمر وطيبها ليس فيها

بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ومن يمر بها من الغرباء يموت قمله لطيب هوائها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ﴾ لَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ تَعالى ذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَوْعِظَةً لِقُرَيْشٍ وتَحْذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِالنِّعَمِ وأعْرَضَ عَنِ المُنْعِمِ، وسَبَأٌ في الأصْلِ اِسْمُ رَجُلٍ وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ والجِيمِ كَيَنْصُرَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ  فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ سَبَأٍ أرَجُلٌ هو أمِ اِمْرَأةٌ؟

فَقالَ: هو رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ ولَدَ عَشَرَةً تَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا فالأزْدُ وكِنْدَةُ ومُذْحِجُ والأشْعَرِيُّونَ وأنْمارُ ومِنهم بُجَيْلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا فَعامِلَةُ وغَسّانُ ولَخْمٌ وجُذامٌ».

وفِي شَرْحِ قَصِيدَةِ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ عَبْدُونَ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرُونَ الحَضْرَمِيِّ البُسْتِيِّ أنَّ سَبَأ بْنَ يَشْجُبَ أوَّلُ مُلُوكِ اليَمَنِ في قَوْلٍ واسْمُهُ عَبْدُ شَمْسٍ، وإنَّما سُمِّيَ سَبَأً لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبى السَّبْيَ مِن ولَدِ قَحْطانَ، وكانَ مُلْكُهُ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعًا وثَمانِينَ سَنَةً ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الحَيُّ، ومَنَعَ الصَّرْفَ عَنْهُ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِاعْتِبارِ جَعْلِهِ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ فَفِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ، وقَرَأ قُنْبُلٌ بِإسْكانِ الهَمْزَةِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ، وعَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ قَلْبُ هَمْزَتِهِ ألِفًا ولَعَلَّهُ سَكَّنَها أوَّلًا بِنِيَّةِ الوَقْفِ كَقُنْبُلٍ ثُمَّ قَلَبَها ألِفًا والهَمْزَةُ إذا سُكِّنَتْ يَطَّرِدُ قَلْبُها مِن جِنْسِ حَرَكَةِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: لَعَلَّهُ أخْرَجَها بَيْنَ بَيْنَ فَلَمْ يُؤَدِّهِ الرّاوِي كَما وجَبَ، والمُرادُ بِسَبَأٍ هُنا إمّا الحَيُّ أوِ القَبِيلَةُ وإمّا الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعْتَ وعَلَيْهِ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لَقَدْ كانَ في أوْلادِ سَبَأٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ البَلَدُ وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي مَسْكَنِهِمْ ﴾ لِأهْلِها أوَّلَها مُرادًا بِها الحَيُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ والأمْرُ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ظاهِرٌ، والمِسْكِينُ اِسْمُ مَكانٍ أيْ في مَحَلِّ سُكْناهم وهو كالدّارِ يُطْلَقُ عَلى المَأْوى لِلْجَمِيعِ وإنْ كانَ قُطْرًا واسِعًا كَما تُسَمّى الدُّنْيا دارًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى المَصْدَرِ أيْ في سُكْناهم لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ وقَدْ أُفْرِدَ في هَذِهِ القِراءَةِ وجُعِلَ المُفْرَدُ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا، وقَوْلِهِ: قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ، يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ اِنْتَهى.

وبِما ذَكَرْنا لا تَبْقى حاجَةٌ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، واسْمُ ذَلِكَ المَكانِ مَأْرِبُ كَمَنزِلٍ، وهي مِن بِلادِ اليَمَنِ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وعَلْقَمَةُ «مَسْكِنِهِمْ» بِكَسْرِ الكافِ عَلى خِلافِ القِياسِ كَمَسْجِدٍ ومَطْلِعٍ، لِأنَّ ما ضُمَّتْ عَيْنُ مُضارِعِهِ أوْ فُتِحَتْ قِياسُ المَفْعَلِ مِنهُ زَمانًا ومَكانًا ومَصْدَرًا الفَتْحُ لا غَيْرَ، وقالَ أبُو الحَسَنِ كَسْرُ الكافِ لُغَةٌ فاشِيَةٌ وهي لُغَةُ النّاسِ اليَوْمَ والفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ «مَساكِنِهِمْ» جَمْعًا أيْ في مَواضِعِ سُكْناهم ﴿ آيَةٌ ﴾ أيْ عَلامَةٌ دالَّةٌ بِمُلاحَظَةِ أخَواتِها السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ مُجازٍ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ وهي اِسْمُ كانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنَّتانِ ﴾ بَدَلٌ مِنها عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وصَرَّحَ بِهِ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي جَنَّتانِ ولا يُشْتَرَطُ في البَدَلِ المُطابَقَةُ إفْرادًا وغَيْرَهُ، وكَذا الخَبَرُ إذا كانَ غَيْرَ مُشْتَقٍّ ولَمْ يَمْنَعِ المَعْنى مِنَ اِتِّحادِهِ مَعَ المُبْتَدَأِ، ولَعَلَّ وجْهُ تَوْحِيدِ الآيَةِ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً  ﴾ ولا حاجَةَ إلى اِعْتِبارِ مُضافٍ مُفْرَدٍ مَحْذُوفٍ هو البَدَلُ أوِ الخَبَرُ في الحَقِيقَةِ أيْ قِصَّةُ جَنَّتَيْنِ، وذَهَباِبْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ وجْهَ البَدَلِيَّةِ ولَمْ يَذْكُرِ الجِهَةَ إلى أنَّ ﴿ جَنَّتانِ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ﴾ ولا يَظْهَرُ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِها إلّا أنِ اِعْتَقَدَ أنَّ ثَمَّ صِفَةً مَحْذُوفَةً، أيْ جَنَّتانِ لَهم أوْ جَنَّتانِ عَظِيمَتانِ وعَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ يَبْقى الكَلامُ مُتَلَفِّتًا عَمّا قَبْلَهُ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «جَنَّتَيْنِ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّ آيَةً اِسْمُ كانَ و«جَنَّتَيْنِ» الخَبَرُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالجَنَّتَيْنِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ جَماعَةٌ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ، وإطْلاقُ الجَنَّةِ عَلى كُلِّ جَماعَةٍ لِأنَّها لِتَقارُبِ أفْرادِها وتَضامِّها كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ كَما تَكُونُ بِلادُ الرِّيفِ العامِرَةُ وبَساتِينُها، وقِيلَ: أُرِيدُ بُسْتانًا كُلُّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وشَمالِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ  ﴾ قِيلَ: ولَمْ تُجْمَعْ لِئَلّا يَلْزَمُ أنَّ لِكُلِّ مَسْكَنِ رَجُلٍ جَنَّةً واحِدَةً لِمُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ ﴾ يَدْفَعُ ذَلِكَ لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى كُلِّ مَسْكَنٍ إلّا أنَّها لَوْ جُمِعَتْ أوْهَمَ أنَّ لِكُلِّ مَسْكَنٍ جَنّاتٍ عَنْ يَمِينٍ وجَناتٍ عَنْ شِمالٍ، هَذا لا مَحْذُورَ فِيهِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ثُمَّ أنَّهُ قِيلَ إنَّ في فِيما سَبَقَ بِمَعْنى عِنْدَ فَإنَّ المَساكِنَ مَحْفُوفَةٌ بِالجَنَّتَيْنِ لا ظَرْفَ لَهُما، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا فَإنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُجْعَلُ فِيهِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ القُرْبِ ولِكُلِّ جِهَةٍ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالمَساكِنِ أوِ المَسْكَنِ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِبَلَدِهِمُ المَحْفُوفَةِ بِالجَنَّتَيْنِ أوْ لِمَحِلِّ كُلٍّ مِنهُمُ المَحْفُوفَةِ بِهِما لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْوِيلِ أصْلًا فَلا تَغْفُلْ.

﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ، أيْ قالَ لَهم نَبِيُّهم كُلُوا الخ، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) قِيلَ: إنَّ مَساكِنَهم كانَتْ ثَلاثَ عَشَرَةَ قَرْيَةً في كُلِّ قَرْيَةٍ نَبِيٌّ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم الخ، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً وإنَّما هو قَوْلٌ بِلِسانِ الحالِ.

﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أيْ هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ فُرُطاتٌ مَن يَشْكُرُهُ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ، ومَعْنى (طَيِّبَةٌ) زَكِيَّةٌ مُسْتَلَذَّةٌ.

يُرْوى أنَّها كانَتْ لَطِيفَةَ الهَواءُ حَسَنَةَ التُّرْبَةِ لا تَحْدُثُ فِيها عاهَةٌ ولا يَكُونُ فِيها هامَّةٌ حَتّى أنَّ الغَرِيبَ إذا حَلَّها وفي ثِيابِهِ قَمْلٌ أوْ بَراغِيثُ ماتَتْ، وقِيلَ: المُرادُ بِطَيِّبِها صِحَّةُ هَوائِها وعُذُوبَةُ مائِها ووُفُورُ نُزْهَتِها وأنَّهُ لَيْسَ فِيها حَرٌّ يُؤْذِي في الصَّيْفِ ولا بَرْدٌ يُؤْذِي في الشِّتاءِ.

وقَرَأ رُوَيْسٌ بِنَصْبِ «بَلْدَةً» وجَمِيعُ ما بَعْدَها وذَلِكَ عَلى المَدْحِ والوَصْفِيَّةِ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: بِتَقْدِيرِ اُسْكُنُوا بَلْدَةً طَيِّبَةً واعْبُدُوا رَبًّا غَفُورًا ومِنَ الِاتِّفاقاتِ النّادِرَةِ أنَّ لَفْظَ بَلْدَةٍ طَيِّبَةٍ بِحِسابِ الجُمَلِ واعْتِبارِ هاءِ التَّأْنِيثِ بِأرْبَعِمِائَةٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأُدَباءِ وقَعَ تارِيخًا لِفَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ وكانَتْ نُزْهَةَ بِلادِ الرُّومِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ قرأ عاصم في رواية أبي بكر الرِّيحَ بالضم وقرأ الباقون بالنصب.

فمن قرأ بالنصب فمعناه: وَسَخَّرْنَا لسليمان الريح كما اتفقوا في سورة الأنبياء وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ مسخرة تكون رفعاً على معنى الخبر.

ثم قال: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ تسير به الريح عند الغداة مسيرة شهر فتحمله مع جنوده من بيت المقدس إلى اصطخر.

وَرَواحُها شَهْرٌ يعني: تسير به عند آخر النهار مسيرة شهر من اصطخر إلى بيت المقدس، واصطخر عند بلاد فارس.

وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ يعني: أجرينا له عين الصفر المذاب.

يقال: تسيل له في كل شهر ثلاثة أيام يعمل بها ما أحب.

وروى سفيان عن الأعمش قال: سيلت له كما سيل الماء ويقال جرى له عين النحاس في اليمن.

وقال شهر بن حوشب: جرى له عين النحاس من صنعاء وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: وسخرنا لسليمان مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ يعني: بأمر ربه وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا يعني: من يعصِ سليمان فيما أمره نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ قال بعضهم: كان معه ملك، ومعه سوط من عذاب السعير.

فإذا خالف سليمان أحد الشياطين ضربه بذلك السوط.

وقال مقاتل: يعني: به عذاب الوقود في الآخرة.

قوله عز وجل: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ يعني: ما يشاء سليمان مِنْ مَحارِيبَ يعني: المساجد.

ويقال: الغرف.

وَتَماثِيلَ يعني: على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره.

ويقال: ويجعلون صوراً للأنبياء ليستزيد الناس رغبة في الإسلام.

ثم قال: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ يعني: قصاعاً كالحياض الكبيرة.

ويجلس على القصعة الواحدة ألف رجل أو أقل أو أكثر.

الجابية في اللغة: الحوض الكبير وجماعته جواب.

قرأ ابن كثير: كالجوابي بالياء في الوقف والوصل جميعاً.

وقرأ أبو عمرو: وبالياء في الوصل والباقون: بغير ياء.

فمن قرأ بالياء فلأنه الأصل ومن حذف فلاكتفائه بكسر الياء.

قوله: وَقُدُورٍ راسِياتٍ يعني: ثابتات في الأرض لا تزول من مكانها، وكان يتخذ القدور من الجبال.

قال مقاتل: كان ملكه ما بين مصر وبابل.

وقال بعضهم: جميع الأرض.

ثم قال: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً يعني: يا آل داود لما أعطيتكم من الفضل.

ويقال: معناه اعملوا عملاً تؤدوا بذلك شكر نعمتي وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ والشكور هو المبالغة في الشكر.

وهو من كان عادته الشكر في الأحوال كلها.

ومثل هذا في الناس قليل.

وهذا معنى قوله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وروي عن أبي العالية أنه قال هو شكر الشكر يعني: إذا شكر النعمة يعلم أن ذلك الشكر بتوفيق الله عز وجل.

ويشكر لذلك الشكر، وهذا في الناس قليل.

ثم قال عز وجل: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ يعني: على سليمان- عليه الصلاة والسلام- فكان سليمان يبني في بيت المقدس، فرأى أن ذلك لا يتم إلا بالجن.

فأمرهم بالعمل وقال لأهله: لا تخبروهم بموتي.

فكان قائماً في الصلاة، متكئاً على عصاه، وكان سليمان- عليه الصلاة والسلام- يطول الصلاة.

فكان الجن إذا حضروا، رأوه قائماً فرجعوا ويقولون: إنه قائم يصلي فيقبلون على أعمالهم.

وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: كان سليمان-  - إذا مرّ بشجرة يعني: بشيء من نبات الأرض قال لها: ما شأنك؟

فتخبره الشجرة أنها وكذا وكذا، ولمنفعة كذا وكذا، فيدفعها إلى الناس حتى ينتفعوا بها.

فمر بشجرة فقال لها: ما اسمك يا شجرة؟

فقالت: أنا خرنوبة.

فقال: ما شأنك؟

قالت: أنا لخراب المسجد.

فتعصى سليمان منها عصا، فكانت الجن يقولون للإنس: إنا نعلم الغيب.

وإن سليمان سأل الله عز وجل أن يخفي موته.

فلما قضى الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى سليمان الموت لم تدر الجن ولا الإنس ولا أحد كيف مات، ولم يطلع أحد على موته.

والجن تعمل بأشد ما كانوا عليه، حتى خرّ سليمان-  - فنظروا كيف مات فلم يدروا، فنظروا إلى العصا فرأوا العصا قد أكلت يعني: قد أكل منها، وفي العصا أرضة.

فنظروا إلى أين أكلت الأرضة من العصا.

فجعلوه علماً، ثم ردوا الأرضة فيها فأكلت شهراً، ثم نظروا كم أكلت في ذلك الشهر، ثم قاسوها بما أكلت من قبل.

فكان لموته اثنا عشر شهراً.

فتبيّن للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

فقالت الجن: إن لها علينا حقاً.

يعني: الأرضة فهم يبلغونها الماء فلا يزال لها طينة رطبة فذلك قوله: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ يعني: ما دلّ على موت سليمان إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ يعني: الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ يعني: عصاه.

قرأ نافع وأبو عمرو مِنْسَأَتَهُ بلا همز.

وقرأ الباقون بالهمز.

فمن قرأ بالهمز فهو من نسأ ينسأ إذا زجر الدابة، ثم تسمى عصاه منسأة لأنه يزجر بها الدَّابَة.

ومن قرأ بغير همز فقد حذف الهمزة للتخفيف وكلاهما جائز.

فَلَمَّا خَرَّ يعني: سقط-  - تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ علم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب.

ويقال: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ يعني: ظهر لهم: أنهم لو علموا الغيب يعني: أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ فتفرقوا عن ذلك.

قرأ حمزة: مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ بسكون الياء.

وقرأ الباقون: بالنصب وهما لغتان وكلاهما جائز.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ غُدُوُّها شَهْرٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: تَغْدُو مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى نِصْفِ النَّهارِ، وتَرُوحُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إلى آخِرِ النَّهارِ، فَهي تَسِيرُ في اليَوْمِ الواحِدِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ.

قالَ الحَسَنُ: لَمّا شَغَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ الخَيْلُ عَنِ الصَّلاةِ فَعَقَرَها، أبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنها وأسْرَعَ وهي الرِّيحُ، فَكانَ يَغْدُو مِن دِمَشْقَ فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصَطَخْرَ فَيَبِيتُ بِكابُلَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْمُسْرِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: القِطْرُ: النُّحاسُ، وهو الصُّفْرُ، أُذِيبَ مُذْ ذاكَ وكانَ قَبْلَ سُلَيْمانَ لا يَذُوبُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أجْرى اللَّهُ لِسُلَيْمانَ عَيْنَ الصُّفْرِ حَتّى صَنَعَ مِنها ما أرادَ مِن غَيْرِ نارٍ، كَما أُلِينَ لِداوُدَ الحَدِيدُ بِغَيْرِ نارٍ، فَبَقِيَتْ تَجْرِي ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ كَجَرْيِ الماءِ؛ وإنَّما يَعْمَلُ النّاسُ اليَوْمَ مِمّا أُعْطِي سُلَيْمانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الجِنِّ ﴾ المَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ الجِنِّ ﴿ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ؛ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لَهُ، وأمَرَهم بِطاعَتِهِ؛ والكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يُسَخَّرْ لَهُ ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنهُمْ ﴾ أيْ: يَعْدِلْ ﴿ عَنْ أمْرِنا ﴾ لَهُ بِطاعَةِ سُلَيْمانَ ﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ ﴾ ؛ وهَلْ هَذا في الدُّنْيا، أمْ في الآخِرَةِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مَعَ سُلَيْمانَ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ، فَمَن زاغَ مِنَ الجِنِّ ضَرَبَهُ المَلَكُ بِذَلِكَ السَّوْطِ.

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: القُصُورُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّالِثُ: المَساجِدُ والقُصُورُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وأمّا التَّماثِيلُ، فَهي الصُّوَرُ؛ قالَ الحَسَنُ: ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمَةً؛ ثُمَّ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ كالطَّواوِيسِ والعُقْبانِ والنُّسُورِ عَلى كُرْسِيِّهِ ودَرَجاتِ سَرِيرِهِ لِكَيْ يَهابَها مَن أرادَ الدُّنُوَّ مِنهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ صُوَرُ النَّبِيِّينَ والمَلائِكَةِ لِكَيْ يَراهُمُ النّاسُ مُصَوَّرِينَ، فَيَعْبُدُوا مِثْلَ عِبادَتِهِمْ ويَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَفِي ما كانُوا يَعْمَلُونَها مِنهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِنَ النُّحاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: مِنَ الرُّخامِ والشَّبَهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِفانٍ كالجَوابِ ﴾ الجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ؛ والجَوابِي؛ جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ يُجْبى فِيهِ الماءُ، أيْ: يُجْمَعُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " كالجَوابِي " بِياءٍ، إلّا أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُثْبِتُ الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وأبُو عَمْرٍو يُثْبِتُها في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ بِغَيْرِ ياءٍ، وكانَ الأصْلُ الوَقْفَ بِالياءِ، إلّا أنَّ الكَسْرَةَ تَنُوبُ عَنْها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا يَصْنَعُونَ [لَهُ] القِصاعَ كَحِياضِ الإبِلِ، يَجْتَمِعُ عَلى القَصْعَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُدُورٍ راسِياتٍ ﴾ أيْ: ثَوابِتُ؛ يُقالُ: رَسا يَرْسُو: إذا ثَبَتَ.

وَفِي عِلَّةِ ثُبُوتِها في مَكانِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ أثافِيَّها مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها لا تُنْزَلُ لِعِظَمِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتِ القُدُورُ كالجِبالِ لا تُحَرَّكُ مِن أماكِنِها، يَأْكُلُ مِنَ القِدْرِ ألْفُ رَجُلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا ﴾ المَعْنى: وقُلْنا: اعْمَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما آتاكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ﴾ يَعْنِي عَلى سُلَيْمانَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الإنْسُ تَقُولُ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي يَكُونُ في غَدٍ، فَوَقَفَ سُلَيْمانُ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، فَماتَ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ حَوْلًا والجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ ولا تَعْلَمُ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضُ عَصا سُلَيْمانَ، فَخَرَّ فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ، وعَلِمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ.

وَقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُعَمِّيَ عَلى الجِنِّ مَوْتَهُ، فَأخْفاهُ اللَّهُ عَنْهم حَوْلًا.

وَفِي سَبَبِ سُؤالِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّ الجِنَّ كانُوا يَقُولُونَ لِلْإنْسِ: إنَّنا نَعْلَمُ الغَيْبَ، فَأرادَ تَكْذِيبَهم.

والثّانِي: لِأنَّهُ كانَ قَدْ بَقِيَ مِن عِمارَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بَقِيَّةٌ.

فَأمّا ﴿ دابَّةُ الأرْضِ ﴾ فَهِيَ: الأرَضَةُ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " دابَّةُ الأرَضِ " بِفَتْحِ الرّاءِ.

والمِنسَأةُ: العَصا.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمِّيَتْ مِنسَأةً، لِأنَّهُ يُنْسَأُ بِها، أيْ: يُطْرَدُ ويُزْجَرُ.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ لا يَهْمِزُونَ المِنسَأةَ، وتَمِيمٌ وفُصَحاءُ قَيْسٍ يَهْمِزُونَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا خَرَّ ﴾ أيْ: سَقَطَ ﴿ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ، وانْكَشَفَ لِلنّاسِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، ولَوْ عَلِمُوا ﴿ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ ﴾ أيْ: ما عَمِلُوا مُسَخَّرِينَ وهو مَيِّتٌ وهم يَظُنُّونَهُ حَيًّا.

وقِيلَ: تَبَيَّنَتِ الجِنُّ، أيْ: عَلِمَتْ، لِأنَّها كانَتْ تَتَوَهَّمُ بِاسْتِراقِها السَّمْعَ أنَّها تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَعَلِمَتْ حِينَئِذٍ خَطَأها في ظَنِّها.

ورَوى رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " تُبُيِّنَتْ " بِرَفْعِ التّاءِ والباءِ وكَسْرِ الياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"قَضَيْنا" بِمَعْنى: أنَفَذْنا وأخْرَجْناهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ، وإلّا فالقَضاءُ الأخِيرُ بِهِ مُتَقَدِّمٌ في الأزَلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِهِما أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَتَعَبَّدُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ يَنْبُتُ في مِحْرابِهِ كُلَّ سَنَةٍ شَجَرَةٌ، فَكانَ يَسْألُها عن مَنافِعِها ومَضارِّها وسائِرِ شَأْنِها فَتُخْبِرُهُ، ويَأْمُرُ بِها فَتُقْلَعُ فَتُصْرَفُ في مَنافِعِها، أو تُغْرَسُ لِتَتَناسَلَ، فَلَمّا كانَ عِنْدَ مَوْتِهِ خَرَجَتْ شَجَرَةٌ فَقالَ لَها: ما أنْتِ؟

فَقالَتْ: أنا الخَرُّوبُ، خَرَجْتُ لِخَرابِ مُلْكِكَ هَذا، فَقالَ: ما كانَ اللهُ لِيُخَرِّبَهُ وأنا حَيٌّ، ولَكِنَّهُ لا شَكَّ حُضُورُ أجَلِي، فاسْتَعَدَّ عَلَيْهِ السَلامُ وغَرَسَها، وصَنَعَ مِنها عَصًا لِنَفْسِهِ، وجَدَّ في عِبادَتِهِ، وجاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، فَرُوِيَ أنَّهُ أمَرَ الجِنَّ حِينَئِذٍ فَصُنِعَتْ لَهُ قُبَّةٌ مِن زُجاجٍ تَشِفُّ، وحَصَلَ فِيها يَتَعَبَّدُ، ولَمْ يَجْعَلْ لَها بابًا، وتَوَكَّأ عَلى عَصاهُ عَلى وضْعٍ يَتَماسَكُ مَعَهُ وإنْ ماتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ  عَلى تِلْكَ الحالَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ اسْتَعَدَّ في تِلْكَ القُبَّةِ بِزادِ سَنَةٍ، وكانَ الجِنُّ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ يَتَغَذّى بِاللَيْلِ، وكانُوا لا يَقْرَبُونَ مِنَ القُبَّةِ، ولا يَدْخُلُونَ مِن كُوًى كانَتْ في أعالِيها، ومَن رامَ ذَلِكَ مِنهُمُ احْتَرَقَ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، هَذا في المُدَّةِ الَّتِي كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في القُبَّةِ، فَلَمّا ماتَ بَقِيَتْ تِلْكَ الهَيْبَةُ عَلى الجِنِّ، ورُوِيَ أنَّ القُبَّةَ كانَ لَها بابٌ، وأنَّ سُلَيْمانَ أمَرَ بَعْضَ أهْلِهِ بِكِتْمانِ مَوْتِهِ عَلى الجِنِّ والإنْسِ، وأنْ يُتْرَكَ عَلى حالِهِ تِلْكَ سَنَةً، وكانَ غَرَضُهُ في هَذِهِ السَنَةِ أنْ يَعْمَلَ الجِنُّ عَمَلًا كانَ قَدْ بُدِئَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ وقُدِّرَ أنَّهُ بَقِيَ مِنهُ عَمَلُ سَنَةٍ، فَأحَبَّ الفَراغَ مِنهُ، فَلَمّا مَضى لِمَوْتِهِ سَنَةٌ خَرَّ عن عَصاهُ، والعَصا قَدْ أكَلَتْهُ الأرَضُ، وهي الدُودَةُ الَّتِي تَأْكُلُ العُودَ، فَرَأتِ الجِنُّ انْحِدارَهُ، فَتَوَهَّمَتْ مَوْتَهُ، فَجاءَ جَسُورٌ مِنهم فَقَرُبَ فَلَمْ يَحْتَرِقْ، ثُمَّ خَطَرَ فَعادَ فَقَرُبَ أكْثَرَ، ثُمَّ قَرُبَ حَتّى دَخَلَ مِن بَعْضِ تِلْكَ الكُوى فَوَجَدَ سُلَيْمانَ مَيِّتًا فَأخْبَرَ بِمَوْتِهِ، فَنُظِرَ ذَلِكَ الأجَلُ فَقُدِّرَ أنَّهُ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: جُعِلَتِ الأرَضَةُ فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً، ثُمَّ قِيسَ ذَلِكَ بِأكْلِها في العَصا فَعُلِمَ أنَّها أكَلَتْ مُنْذُ سَنَةٍ، فَهَكَذا كانَتْ دَلالَةُ دابَّةِ الأرْضِ عَلى مَوْتِهِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ: في هَذِهِ القَصَصِ إكْثارٌ عُمْدَتُهُ ما ذَكَرْناهُ.

وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ﴿ دابَّةُ الأرْضِ ﴾ : سُوسَةُ العُودِ، وهي الأرَضَةُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "الأرَضُ" بِفَتْحِ الراءِ، جَمْعُ أرَضَةٍ، فَهَذا يُقَوِّي ذَلِكَ التَأْوِيلَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ دابَّةُ الأرْضِ ﴾ : حَيَوانٌ مِنَ الأرْضِ، شَأْنُهُ أنْ يَأْكُلَ العُودَ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ، ولَيْسَتِ السُوسَةُ مِن دَوابِّ الأرْضِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها أبُو حاتِمٍ اللُغَوِيُّ: "الأرْضِ" هُنا مَصْدَرُ "أُرِضَتِ الأثْوابُ والخَشَبُ" إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ، كَأنَّهُ قالَ: دابَّةُ الأكْلِ الَّذِي هو بِتِلْكَ الصُورَةِ، عَلى جِهَةِ التَسَوُّسِ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "أكَلَتْ مِنسَأتَهُ"، والمِنسَأةُ هي العَصا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا دَبَبْتَ عَلى المِنساةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عنكَ اللهْوُ والغَزَلُ وكَذا قَرَأتْ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، مِنها أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، قالَ أبُو عَمْرٍو: لا أعْرِفُ لَها اشْتِقاقًا، فَأنا لا أهْمِزُها؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ مِمّا يُهْمَزُ فَقَدِ احْتَطْتُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِي هَمْزُ ما لا يُهْمَزُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها الهَمْزُ، وهي مِنَ المِنسَأةِ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن: "نَسَأْتَ الإبِلَ والغَنَمَ والناقَةَ" إذا سُقْتَها، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: أمُونٍ كَعِيدانِ الإرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ وَيُرْوى: "وَعنسٍ" كَألْواحٍ وخُفِّفَتْ هَمْزَتُها جُمْلَةً، وكانَ القِياسُ أنْ تَخَفَّفَ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ عَلى الأصْلِ بِالهَمْزِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "مَنساتَهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِنسَأْتَهُ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهَذا لا وجْهَ لَهُ إلّا التَخْفِيفَ في تَسْكِينِ المُتَحَرِّكِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِن سَأتِهِ" بِفَصْلِ "مِن" وكَسْرِ التاءِ في " سَأتِهِ"، وهَذِهِ تَنْحُو إلى: سِيَةِ القَوْسِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سِيَةٌ وساةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن سَأتِهِ" ثُمَّ سَكَّنَ الهَمْزَةَ، ومَعْناها: مِن طَرَفِ عَصاهُ، أنْزَلَ العَصا مَنزِلَةَ القَوْسِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَمُتْ إلّا في سَفَرٍ مُضْطَجِعًا، ولَكِنَّهُ كانَ في بَيْتٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، وأكَلَتِ الأرَضَةُ عَتَبَةَ البابِ حَتّى خَرَّ البَيْتُ فَعُلِمَ مَوْتُهُ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَبَيَّنَتِ الجِنُّ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، أيْ: بانَ أمْرُها، كَأنَّهُ قالَ: افْتَضَحَتِ الجِنُّ، أيْ لِلْإنْسِ، هَذا تَأْوِيلٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ ﴾ بِمَعْنى: عَلِمَتِ الجِنُّ وتَحَقَّقَتْ، ويُرِيدُ بِالجِنُّ: جُمْهُورَهم والفَعَلَةُ مِنهم والخَدَمَةُ، ويُرِيدُ بِالضَمِيرِ في "كانُوا" رُؤَساءَهم وكِبارَهُمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ لِأتْباعِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ويُوهِمُونَهم ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَتَبَيَّنُ الأتْباعُ أنَّ الرُؤُوسَ لَوْ كانُوا عالِمِينَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا.

و"أنْ" - عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ - بَدَلٌ مِنَ "الجِنُّ"، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مَفْعُولَةٌ مَحْضَةٌ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "تُبُيِّنَتِ الجِنُّ" عَلى الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: تَبَيَّنَها الناسُ، و"أنْ" - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - بَدَلٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مِنَ القِراءَةِ الأُولى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّ "أنْ" في هَذِهِ الآيَةِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي مُؤْذِنَةٌ بِجَوابِ ما تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي مَعْناهُ التَحَقُّقُ واليَقِينُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي هِيَ: تَبَيَّنْتُ وتَحَقَّقْتُ وعَلِمْتُ وتَيَقَّنْتُ ونَحْوَها تَحِلُّ مَحَلَّ القَسَمِ في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أنْ لَوْ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: واللهِ لَوْ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ: ﴿ "ما لَبِثُوا" ﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - جَوابُ ما تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ لا جَوابُ "لَوْ"، وعَلى الأقْوالِ الأُوَلِ جَوابُ "لَوْ"، وفي كِتابِ النَحّاسِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَقْرَأُ بِنَصْبِ [الجِنَّ] أيْ: تَبَيَّنَتِ الإنْسُ الجِنَّ، و ﴿ العَذابِ المُهِينِ ﴾ هو العَمَلُ في تِلْكَ السُخْرَةِ، والمَعْنى أنَّ الجِنَّ لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ الغَيْبَ لَما خَفِيَ عَلَيْها أمْرُ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْها بِدَوامِها في الخِدْمَةِ الصَعْبَةِ وهو مَيِّتٌ، فالمُهِينِ: المُذِلِّ، مِنَ الهَوانِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وفي بَعْضِ القِراءاتِ ["فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا"]، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكِ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما لا صِحَّةَ لَهُ، ولا تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ القُرْآنِ، وفي مَعانِيهِ بَعْدُ، فاخْتَصَرْتُهُ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرَّ خبرُ سليمان عليه السلام إلى ذكر سبأ لما بين مُلك سليمان وبين مملكة سبأ من الاتصال بسبب قصة «بلقيس»، ولأن في حال أهل سبأ مضادة لأحوال داود وسليمان، إذ كان هذان مثلاً في إسباغ النعمة على الشاكرين، وكان أولئك مثلاً لسلب النعمة عن الكافرين، وفيهم موعظة للمشركين إذ كانوا في بحبوحة من النعمة فلما جاءهم رسول من المُنعِم عليهم يذكرهم بربهم ويوقظهم بأنهم خاطئون إذ عبدوا غيره، كذّبوه وأعرضوا عن النظر في دلالة تلك النعمة على المنعِم المتفرد بالإلهية.

وقال ابن عطية عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا داود منا فضلاً ﴾ [سبأ: 10] «لمّا فرغ التمثيل لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم (أي للمشركين أي لحالهم) بسبإ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتوّ» ا ه.

فهذه القصة تمثيل أمة بأمة، وبلاد بأخرى، وذلك من قياس وعبرِه.

وهي فائدة تدوين التاريخ وتقلبات الأمم كما قال تعالى: ﴿ ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللَّه فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ﴾ [النحل: 112، 113] فسوَق هذه القصة تعريض بأشباه سبأ.

والمعنى: لقد كان لسبأ في حال مساكنهم ونظام بلادهم آية.

والآية هنا: الأمارة والدلالة بتبدل الأحوال وتقلب الأزمان، فهي آية على تصرف الله ونعمته عليهم فلم يهتدوا بتلك الآية فأشركوا به، وقد كان في إنعامه عليهم ما هو دليل على وجوده ثم على وحدانيته.

والتأكيد بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين بالتعريض بهذه القصة منزلةَ من يتردد في ذلك لعدم اتعاظهم بحال قوم من أهل بلادهم، وتجريد ﴿ كان ﴾ من تأنيث الفعل لأن اسمها غير حقيقي للتأنيث ولوقوع الفصل بالمجرور.

واللام في ﴿ لسبأ ﴾ متعلق ب ﴿ آية ﴾ .

والمساكن: البلاد التي يسكنونها بقرينة قوله: ﴿ جنتان عن يمين وشمال ﴾ والمساكن: ديار السكنى.

وتقدم الكلام على سبأ عند قوله: ﴿ وجئتك من سبأ ﴾ في سورة النمل (22).

واسم سبأ يطلق على الأمة كما هنا وعلى بلادهم كما في آية النمل وتقدم تفصيله.

وقرأ الجمهور في مساكنهم } بصيغة جمع مسكن.

وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف بلفظ المفرد ﴿ في مسكنهم ﴾ إلا أن حمزة وحفصاً فتَحَا الكاف، والكسائي وخلف كسرا الكاف وهو خارج عن القياس لأنه مضارع غير مكسور العين فحق اسم المكان منه فتح العين.

وشذ نحو قولهم: مسجد لبيت الصلاة.

و ﴿ جنتان ﴾ بدل من ﴿ آية ﴾ باعتبار تكملته بما اتصل به من المتعلق والقول المقدر.

و ﴿ جنتان ﴾ تشبيه بليغ، أي في مساكنهم شبيه جنتين في أنه مغترس أشجاراً ذاتتِ ثمر متصل بعضها ببعض مثل ما يعرف من حال الجنات، وتثنية جنتين باعتبار أن ما على يمين السَّائر كجنة، وما على يسَاره كجنة.

وقيل: كان لكل رجل منهم في مَسكنه، أي داره جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن شماله فكانوا يتفيؤون ظِلالهما في الصباح والمساء ويجتنون ثمارهما من نخيل وأعناب وغيرها، فيكون معنى التركيب على التوزيع، أي: لكل مسكن جنتان، كقولهم: ركِب القومُ دوابهم، وهذا مناسب لقوله: ﴿ في مساكنهم ﴾ دون أن يقول في بلادهم، أو ديارهم، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت محفوفة على يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافون فيها ويستثمروها مثل غوطة دمشق، وهذا يناسب قوله بعدُ ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ﴾ [سبأ: 16] لأن ظاهره أن المبدل به جنتان اثنتان، إلا أن تجعله على التوزيع من مقابلة المتعدد بالمتعدد.

والمعنى: أنهم كانوا أهل جنّات مغروسة أشجاراً مثمرة وأعناباً.

وكانت مدينتهم مأرب (بهمزة ساكنة بعد الميم) وهي بين صنعاء وحضرموت، قبل، كان السائر في طرائقها لو وضع على رأسه مكتلاً لوجده قد ملئ ثماراً مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها.

ولعل في هذا القول شيئاً من المبالغة إلا أنها تؤذن بوفرة.

وكان ذلك بسبب تدبير ألهمهم الله إياه في اختزان المياه النازلة في مواسم المطر بما بنوا من السد العظيم في مأرب.

وجملة ﴿ كلوا من رزق ربكم ﴾ مقول قول إما من دلالة لسان الحال كما في قوله: امتلأ الحوض وقال قَطْني *** وإما أُبلغوه على ألسنة أنبياء بعثوا منهم، قيل: بعث فيهم اثنا عشر نبيئاً، أي مثل تُبع أسعد، فقد نقل أنه كان نبيئاً كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وقوم تبع ﴾ [ق: 14] أو غيره، قال تعالى: ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ [غافر: 78]، أو من غيرهم مما قاله سليمان بلقيس أو مما قاله الصالحون من رسل سليمان إلى سبأ، وفي جعل ﴿ جنتان ﴾ في نظم الكلام بدلاً عن آية كناية عن طيب تربة بلادهم.

قيل: كانوا يزرعون ثلاث مرات في كل عام.

والطيِّبة: الحسنة في جنسها الملائمة لمزاولها ومستثمرها قال تعالى: ﴿ وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف ﴾ [يونس: 22] وقال: ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ [النحل: 97] وقال: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ [الأعراف: 58] وقال: ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ [آل عمران: 38].

وفي حديث أبي طلحة في صدقته بحائط (بئرحاء): «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب».

والطيّب ضد الخبيث قال تعالى: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ [النساء: 2] وقال: ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ﴾ [الأعراف: 157].

واشتقاقه من الطِيب بكسر الطاء بوزن فِعْل وهو الشيء الذي تعبق منه رائحة لذيذة.

وجملة ﴿ بلدة طيبة ﴾ من تمام القول وهي مستأنفة في الكلام المقول، أي بلدةٌ لكم طيبة، وتنكير ﴿ بلدة ﴾ للتعظيم.

و ﴿ بلدة ﴾ مبتدأ و ﴿ طيبة ﴾ نعت ل ﴿ بلدة ﴾ ، وخبره محذوف، تقديره: لكم، وعُدل عن إضافة ﴿ بلدة ﴾ إلى ضميرهم لتكون الجملة خفيفة على اللسان فتكون بمنزلة المثَل.

وجملة ﴿ ورب غفور ﴾ عطف على جملة ﴿ بلدة طيبة ﴾ .

وتنكير ﴿ رب ﴾ للتعظيم.

وهو مبتدأ محذوف الخبر على وزان ﴿ بلدة طيبة ﴾ ، والتقدير: ورب لكم، أي ربكم غفور.

والعدول عن إضافة ﴿ رب ﴾ لضمير المخاطبين إلى تنكير ﴿ رب ﴾ وتقديرِ لام الاختصاص لقصد تشريفهم بهذا الاختصاص ولتكون الجملة على وزان التي قبلها طلباً للتخفيف ولتحصل المزاوجة بين الفقرتين فتسيرا مسير المثل.

ومعنى ﴿ غفور ﴾ : متجاوز عنكم، أي عن كفرهم الذي كانوا عليه قبل إيمان (بلقيس) بدين سليمان عليه السلام، ولا يُعلم مقدار مدة بقائهم على الإِيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ﴾ الآيَةَ.

رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ سُلَيْمانَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يُصَلِّي صَلاةً إلّا وجَدَ شَجَرَةً ثّابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ لَها: ما اسْمُكِ؟

فَتَقُولُ: كَذا كَذا، فَيَقُولُ لِمَ أنْتِ؟

فَتَقُولُ لِكَذا وكَذا، فَصَلّى يَوْمًا فَإذا شَجَرَةٌ ثابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ لَها ما اسْمُكِ؟

فَقالَتِ: الخَرُّوبُ فَقالَ: لِمَ أنْتِ؟

فَقالَتْ لِخَرابِ هَذا البَيْتِ.

» فَقالَ سُلَيْمانُ اللَّهُمَّ أغُمَّ عَلى الجِنِّ مَوْتِي حَتّى يَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ كانُوا لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، قالَ: فَهَيَّأ عَصًا ثُمَّ تَوَكَّأ عَلَيْها حَوْلًا وهم لا يَعْلَمُونَ، قالَ ثُمَّ أكَلَتْها الأرَضَةُ فَسَقَطَ فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ مَوْتَهُ فَشَكَرَتِ الجِنَّةُ ذَلِكَ لِلْأرَضَةِ فَإنَّما كانُوا يَأْتُونَها بِالماءِ، قالَ السُّدِّيُّ: والطِّينُ، ألَمْ تَرَ إلى الطِّينِ الَّذِي يَكُونُ في جَوْفِ الخَشَبِ فَإنَّما هو مِمّا تَأْتِيها بِهِ الشَّياطِينُ شُكْرًا: قالَ وقَدَّرُوا مِقْدارَ أكْلِها العَصا فَكانَ مِقْدارَ سِنَةٍ.

وَفي ﴿ دابَّةُ الأرْضِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الأرَضَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقَدْ قُرِئَ دابَّةُ الأرَضِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو واحِدُ الأرَضَةِ.

الثّانِي: أنَّها دابَّةٌ تَأْكُلُ العِيدانَ يُقالُ لَها القادِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والمِنسَأةُ العَصا، قالَ الشّاعِرُ: إذا دَبَبْتَ عَلى المِنسَأةِ مِن هَرَمٍ فَقَدْ تَباعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ والغَزَلُ وَأصْلُها مَأْخُوذٌ مِن نَسَأْتُ الغَنَمِ إذا سُقْتَها، وقالَ السُّدِّيُّ هي العَصا بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وَفِي دَلالَتِها لِلْجِنَّةِ عَلى مَوْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُها: وهو المَشْهُورُ المَرْفُوعُ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّ سُلَيْمانَ وقَفَ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ فَماتَ وبَقِيَ عَلى حالِهِ قائِمًا عَلى عَصاهُ سَنَةً والجِنُّ لا تَعْلَمُ بِمَوْتِهِ، وقَدْ كانَ سَألَ اللَّهَ أنْ لا يَعْلَمُوا بِمَوْتِهِ حَتّى مَضى عَلَيْهِ سَنَةً.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ سُؤالِهِ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الجِنَّ كانُوا يَذْكُرُونَ لِلْإنْسِ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وهَذا مَأْثُورٌ.

الثّانِي: لِأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أسَّسَ بَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ ماتَ فَبَناهُ سُلَيْمانُ بَعْدَهُ وسَخَّرَ الجِنَّ في عَمَلِهِ، وقَدْ كانَ بَقِيَ مِن إتْمامِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِناءَ سَنَةٍ فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ألّا يَعْلَمَ الجِنُّ بِمَوْتِهِ حَتّى يُتِمُّوا البِناءَ فَأتَمُّوهُ.

ثُمَّ دَلَّتْهم دابَّةُ الأرْضِ في أكْلِ مِنسَأتِهِ عَلى مَوْتِهِ بَعْدَ سَنَةٍ مِن مَوْتِهِ لِأنَّهُ سَقَطَ عَنْها حِينَ أكَلَتْها الأرَضَةُ فَعَلِمَتِ الجِنُّ أنَّهُ قَدْ ماتَ.

والقَوْلُ الثّانِي: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما قَبَضَ نَبِيَّهُ سُلَيْمانَ إلّا عَلى فِراشِهِ وكانَ البابُ في وجْهِهِ مُغْلَقًا عَلى عادَتِهِ في عِبادَتِهِ فَلَمّا كانَ بَعْدَ سَنَةٍ أكَلَتِ الأرَضَةُ العَتَبَةَ فَخَرَّ البابُ ساقِطًا فَتَبَيَّنَتِ الجِنُّ ذَلِكَ.

قالَ: وكانَ سُلَيْمانُ يَعْتَمِدُ عَلى العَتَبَةِ إذا جَلَسَ.

﴿ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ ﴾ والشَّياطِينُ ومَن كانُوا مُسَخَّرِينَ في العَمَلِ.

﴿ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ ﴾ الثّانِي: تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ سَنَةً.

وَرَوى سُفْيانُ عَنْ عُمَرَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ التِّلاوَةَ: (فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ سَنَةً ) الثّالِثُ: أنَّ الجِنَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ شُبْهَةٌ تَوَهَّمُوا بِها أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنُوا أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ.

وَحُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِناءَ بَيْتِ المَقْدِسِ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِن مُلْكِهِ واسْتَكْمَلَ بِناءَهُ في السَّنَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِهِ وقَرَّبَ بَعْدَ فَراغِهِ مِنهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ ثَوْرٍ ومِائَةً وعِشْرِينَ ألْفَ شاةٍ، واتَّخَذَ اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ مِن بِنائِهِ عِيدًا، وقامَ عَلى الصَّخْرَةِ رافِعًا يَدَيْهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ فَقالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ وهَبْتَ لِي هَذا السُّلْطانَ وقَوَّيْتَنِي عَلى بِناءِ هَذا المَسْجِدِ فَأوْزِعْنِي [أنْ] أشْكُرَكَ عَلى ما أنْعَمْتَ عَلَيَّ، وتَوَفَّنِي عَلى مِلَّتِكَ، ولا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ لِمَن دَخَلَ هَذا المَسْجِدَ خَمْسَ خِصالٍ: لا يَدْخُلُهُ مُذْنِبٌ دَخَلَ لِلتَّوْبَةِ إلّا غَفَرْتَ لَهُ وتُبْتَ عَلَيْهِ، ولا خائِفٌ إلّا أمَّنْتَهُ، ولا سَقِيمٌ إلّا شَفَيْتَهُ، ولا فَقِيرٌ إلّا أُغْنِيَتَهُ، والخامِسُ ألّا تَصْرِفَ نَظَرَكَ عَمَّنْ دَخَلَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، إلّا مَن أرادَ إلْحادًا أوْ ظُلْمًا يا رَبَّ العالَمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يخلو في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، ويدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوماً يصبح فيه الا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها ما اسمك؟

فتقول: الشجرة اسمي كذا وكذا...

فيقول لها: لأي شيء نبت؟

فتقول: نبت لكذا وكذا...

فيأمر بها فتقطع.

فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء قالت: نَبَتُّ دواءً لكذا وكذا..

فيجعلها لذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخرنوبة قال لها: لأي شيء نبت؟

قالت: نبت لخراب هذا المسجد فقال سليمان عليه السلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي!

أنت الذي على وجهك هلاكي، وخراب بيت المقدس، فنزعها فغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئاً على عصا، فمات ولا تعلم به الشياطين في ذلك، وهم يعملون له مخافة أن يخرج فيعاقبهم.

وكانت الشياطين حول المحراب يجتمعون، وكان المحراب له كواً من بين يديه ومن خلفه، وكان الشيطان المريد الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليداً؟

إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان الا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع صوته، ثم عاد فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط ميتاً، فأخبر الناس: أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، فوجدوا منسأته- وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوم وليلة، ثم حبسوا على نحو ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة.

وهي في قراءة ابن مسعود ﴿ فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً ﴾ فأبقين الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان عليه السلام، ولما لبثوا في العذاب سنة يعملون له، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين أتيناك بأطيب الشراب، ولكننا ننقل إليك الطين والماء فهم ينقلون إليها حيث كانت، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو مما يأتيها الشياطين شكراً لها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ دابة الأرض تأكل منسأته ﴾ عصاه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لبث سليمان عليه السلام على عصاه حولاً بعدما مات، ثم خر على رأس الحول، فأخذت الإِنس عصا مثل عصاه، ودابة مثل دابته، فأرسلوها عليها فأكلتها في سنة.

وكان ابن عباس يقرأ ﴿ فلما خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإِنس إن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة ﴾ قال سفيان: وفي قراءة ابن مسعود ﴿ وهم يدأبون له حولاً ﴾ .

وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن السني في الطب النبوي وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟

فتقول: كذا وكذا.

فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء نبتت.

فصلى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟

قالت: الخرنوب.

قال: لأي شيء أنتِ؟

قالت: لخراب هذا البيت فقال سليمان عليه السلام: اللهم عم عن الجن موتي حين يعلم الإِنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فأخذ عصا، فتوكأ عليها وقبضه الله وهو متكئ، فمكث حيناً ميتاً والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فسقطت، فعلموا عند ذلك بموته، فتبينت الإِنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين.

وكان ابن عباس يقرأها كذلك، فشكرت الجن الأرضة، فأينما كانت يأتونها بالماء» .

وأخرج البزار والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس.

موقوفاً.

وأخرج الديلمي عن زيد بن أرقم.

مرفوعاً.

يقول الله «أني تفضلت على عبادي بثلاث: ألقيت الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزتها الملوك كما يكنزون الذهب والفضة.

وألقيت النتن على الجسد، ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه، وأسليت الحزين، ولولا ذلك لذهب التسلي» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجن تخبر الإِنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، فابتلوا بموت سليمان عليه الصلاة والسلام، فمات فلبث سنة على عصاه وهم لا يشعرون بموته، وهم مسخرون تلك السنة، ويعملون دائبين ﴿ فلما خر تبينت الجن ﴾ وفي بعض القراءة «فلما خر تبينت الإِنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين» وقد لبثوا يدأبون ويعملون له حولاً بعد موته.

وأخرج عبد بن حميد من طريق قيس بن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الإِنس تقول في زمن سليمان عليه السلام: أن الجن تعلم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام، مكث قائماً على عصاه ميتاً حولاً والجن تعمل بقيامه «فلما خر تبينت الإِنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين» كان ابن عباس رضي الله عنهما كذلك يقرأها قال قيس بن سعد رضي الله عنه: وهي قراءة أُبيّ بن كعب رضي الله عنه كذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي فاعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشيطاين، فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس عليه باب، فقام يصلي، فاتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت عليه السلام، فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فراراً من الموت قال: والجن تعمل بين يديه، وينظرون يحسبون أنه حي، فبعث الله ﴿ دابة الأرض ﴾ دابة تأكل العيدان يقال لها: القادح فدخلت فيها، فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعف وثقل عليها، فخر ميتاً فلما رأت ذلك الجن انفضوا وذهبوا.

فذلك قوله: ﴿ ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما رد الله الخاتم إليه لم يصلِّ صلاة الصبح يوماً إلا نظر وراءه، فإذا هو بشجرة خضراء تهتز فيقول: يا شجرة أما يأكلنك جن، ولا إنس، ولا طير، ولا هوام، ولا بهائم، فتقول: إني لم أجعل رزقاً لشيء، ولكن دواء من كذا..

ودواء من كذا..

فقام الإِنس والجن يقطعونها ويجعلونها في الدواء، فصلى الصبح ذات يوم والتفت، فإذا بشجرة وراءه قال: ما أنت يا شجرة؟

قالت: أنا الخرنوبة قال: والله ما الخرنوبة إلا خراب بيت المقدس، والله لا يخرب ما كنت حياً ولكني أموت، فدعا بحنوط فتحنط وتكفن، ثم جلس على كرسيه، ثم جمع كفيه على طرف عصاه، ثم جعلها تحت ذقنه ومات، فمكث الجن سنة يحسبونه أنه حي، وكانت لا ترفع أبصارها إليه، وبعث الله الارضة، فأكلت طرف العصا، فخر منكباً على وجهه، فعلمت الجن أنه قد مات.

فذلك قوله: ﴿ تبينت الجن ﴾ ولقد كانت الجن تعلم أنها لا تعلم الغيب، ولكن في القراءة الأولى ﴿ تبينت الإِنس أن لو كانت الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بلغت نصف العصا، فتركوها في النصف الباقي، فأكلتها في حول فقالوا: مات عام أول.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مكث سليمان بن داود عليه السلام حولاً على عصاه متكئاً حتى أكلتها الأرضة فَخرَّ.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا دابة الأرض تأكل منسأته ﴾ قال: عصاه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: الأرضة أكلت عصاه حتى خرَّ.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ تأكل منسأته ﴾ قال: العصا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أنه سئل عن (المنسأة) قال: هي العصا، وأنشد فيها شعراً قاله عبد المطلب: أمن أجل حبل لا أبالك صدته ** بمنسأة قد جر حبلك أحبلا وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه قال: (المنسأة) العصا بلسان الحبشة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ ﴾ ذكر الكلام والقراءة في سبأ في سورة النمل (١) (٢) (٣) وقال مقاتل: هو رجل من يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال: سبأ بن يشجب، والمراد بسبأ هاهنا: القبيلة (٤) قوله: (في مساكنهم) وقرئ: مسكنهم، على الواحد، بفتح الكاف وبكسرة (٥) قال أبو علي: (الوجه الجمع؛ ليكون اللفظ موافقًا للمعنى؛ لأن لكل (٦) (٧) (٨) ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ  ﴾ أي: مواضع قعود، ألا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود، وهذا التأويل أشبه من أن يحمله على الآخر الذي لا يكاد يجيء إلا في شعر، وأما كسر الكاف؛ فاسم المكان والمصدر من هذا الجنس الذي هو فعل يفعل مفتوحًا، مثل: المحشر ونحوه، وقد يشذ عن القياس المطرد، هكذا وكالمسجد، وسيبويه يحملها على أنه اسم البيت وليس المكان، من فعل يفعل، وكذلك المطلع، والقياس: الفتح) (٩) وقال أبو الحسن: المسكن بكسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم، والفتح لغة أهل الحجاز، وهي اليوم قليلة (١٠) وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة (١١) قال المفسرون: وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن (١٢) من سبأَ الحاضرينَ مأربَ إذْ ...

يبنونَ من دونِ سيلهِ العَرِما (١٣) ﴿ آيَةٌ ﴾ أي: علامة تدلهم على قدرة الله، وأن المنعم عليهم هو الله، ثم ذكر تلك الآية فقال: ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ .

قال الفراء: جنتان مرفوعتان؛ لأنهما تفسير للآية (١٤) (١٥) قوله تعالى: ﴿ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ أي: يمنة وسرة.

قال مقاتل: عن يمين الوادي وعن شماله (١٦) وقال الآخرون: عن يمين من أتاهما وشماله (١٧) وقال الفراء: أراد عن أيمانهم وشمائلهم (١٨) قوله: ﴿ كُلُوا ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: قيل لهم ذلك (١٩) وقوله: ﴿ مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ ﴾ يعني: ثمار الجنتين.

قال السدي وأهل التفسير: كانت المرأة تخرج، فتحمل مكتلًا على رأسها وتمر في البستان فتملأ مكتلها من ألوان الفاكهة، من غير أن تمس شيئًا بيدها (٢٠) قوله: ﴿ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته إذ أنعم عليكم بما أنعم، وهاهنا تم الكلام.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ .

قال أبو إسحاق: المعنى: هذه بلدة طيبة (٢١) قال مقاتل: أرض سبأ بلدة طيبة؛ لأنها أخرجت ثمارها (٢٢) (٢٣) وقال ابن زيد: ليس فيها شيء مؤذ، من بعوضة أو ذباب.

قال: ولم يكن يرى في بلدهم بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب، ويمر الغريب في بلدهم وفي ثيابه القمل فتموت كلها.

وعلى هذا طيبها: طيب هوائها (٢٤) قوله: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أي: والله رب غفور.

قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فإما رزقكم رب غفور للذنوب (٢٥) (١) عند قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ﴾ آية: 22.

قال: قرئ من سبأ بالإجراء والتنوين.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو غير مجرى.

قال الفراء: من أجراه فلأنه فيما ذكروا رجل.

(٢) هو: فروة بن مسيك، وقيل: مسيكة بن الحرث بن سلمة المرادي القطيعي، أبو عمر، له صحبة، وقد على النبي -  - سنة عشر من الهجرة، فأسلم، فبعثه على == مراد وزبيد ومذحج، وقد روى عن النبي -  -، وروى عنه الشعبي وأبو سبرة النخعي وغيرهم.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 194، "الإصابة" 3/ 200.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 76، "تفسير الماوردي" 4/ 203، "مجمع البيان" 8/ 604.

وأخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 316، من حديث ابن عباس إلا أنه قال: سأل رجل النبي -  -، والترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 39، وقال: هذا حديث غريب حسن، رقم الحديث (3275)، والحاكم في "المستدرك" في تفسير سورة سبأ 2/ 424، وصححه ووافقه عليه الذهبي.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.

(٥) انظر: "النشر" 2/ 350، "حجة القراءات" ص 585.

(٦) في (ب): (كل)، وهو خطأ.

(٧) في (ب): (مسكن).

(٨) في (ب): (مسكنهم).

(٩) "الحجة" 6/ 12 - 14.

(١٠) انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 533.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 357.

(١٢) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 238.

(١٣) البيت من المنسرح، وهو للنابغة الجعدي في "ديوانه" ص 134، "الكتاب" 3/ 253، "جمهرة اللغة" ص 773، "سمط الآلئ" ص 18، "اللسان" 1/ 396 مادة: (عرم).

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 358.

(١٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.

(١٧) انظر: "بحر العلوم" 3/ 70، "مجمع العلوم" 8/ 604، "تفسير القرطبي" 14/ 248.

(١٨) "معاني القرآن" 3/ 358.

(١٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248 (٢٠) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عن السدي، وابن أبي حاتم 10/ 3165 عنه كذلك، و"تفسير الطبري" 22/ 77 عن قتادة، والطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 604، ولم ينسبه.

(٢١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.

(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 98 أ.

(٢٣) "معاني القرآن" 2/ 358.

(٢٤) أخرجه ابن أبى حاتم في "تفسيره" 10/ 3165 عن ابن زيد، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 490 عنه كذلك.

(٢٥) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ﴾ سبأ: قبيلة من العرب سميت باسم أبيها الذي تناسلت منه، وقيل: باسم أمها، وقيل: باسم موضعها، والأول أشهر، لأنه ورد في الحديث وكانت مساكنهم بين الشام واليمن ﴿ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ كان لهم واد، وكانت الجنتان عن يمينه وشماله، وجنتان بدل من آية أو مبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ كُلُواْ ﴾ تقديره: قيل: لهم كلوا من رزق ربكم، قالت لهم ذلك الأنبياء، وروي أنهم بعث لهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ أي كثيرة الأرزاق طيبة الهواء سليمة من الهوام.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ﴾ .

أي: علما، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ فَضْلاً ﴾ ، أي: نبوة.

وقال بعضهم: الفضل: هو الملك الذي آتاه الله.

وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير الجبال والطير والتسبيح معه، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء؛ حتى اتخذ منه ما شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو تكلفنا عدّه وإحصاءه ما قدرنا عليه.

وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ .

قيل: سبحي معه.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرَ ﴾ .

من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير.

ومن رفعها جعله على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه.

ثم اختلف في تسبيج الجبال والطير.

قال بعضهم: تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق؛ لما جعل في خلقة كل شيء الشهادة له بالوحدانية والألوهية، لكن ذكر هاهنا: أن سبحى معه، ولو كان تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان معه داود أو لم يكن؛ ولكن جائز أن يجعل الله -  - في سرّية الجبال من التسبيح ما يفهم منها داود، ولم يفهم غيره؛ على ما ذكرنا في قول النملة لسائر النمل؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]: جعل الله -  - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان؛ ففهم منها ذلك، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود؛ فعلى ذلك تسبيح الجبال والطير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ .

جعل له آية لنبوته؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه؛ حتى كان يعمل منه ما شاء، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا بالنار وأسباب أخر؛ ليكون له في ذلك آية.

وقوله: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

كأنه قال: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، وقلنا له: ﴿ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ﴾ .

قال بعضهم: السابغات: هي الدروع.

وقال بعضهم: هي الواسعات.

وقيل: هي الطوال.

فكأنه أمر أن يتخذ من الدروع ما يأخذ من الرأس إلى القدم ما يصلح لحرب العدوّ.

وقوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ .

قال بعضهم: كانت الدروع قبل ذلك صفائح مضروبة، فسرد نبي الله حلقها بعضها في بعض، والسرد: المسامير والحلق، يقول: قدر المسامير في الحلق: لا بدق المسامير وتوسع الحلق؛ فتسلسل، ولا تضيق الحلق وتعظم المسامير فتقصم وتكسر؛ ولكن مستوياً لتكون أحكم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ﴾ ، أي: في النسج، أي: لا تجعل المسامير دقاقاً؛ فتقلق، ولا غلاظاً؛ فتكسر الحلق؛ ومنه قيل لصانع الدروع: سرّاد، وزرّاد؛ كما يقال: صراط وسراط وزراط.

والسرد: الحرز أيضاً، وقال غيره: السرد: الخروق في طبق الحلق، وإدخال الحلق بعضها في بعض.

وقوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، فيما ذكر من عمل الدروع، ويحتمل في غيره من الأعمال، ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، هو على الوعيد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ كأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح؛ كما ذكرنا في آية أخرى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ ، أي: تجري به الريح في غدوها مسيرة شهر، وفي رواحها مسيرة شهر، وذلك آية له، فمثلها من الآية كان لرسول الله، حيث أسري في ليلة واحدة مسيرة شهرين من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وما كان لسليمان من الملك بالأعوان من الجن والإنس كان لرسول الله  بنفسه؛ حيث قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، [فإن لم يكن] أعظم مما كان لسليمان فلا يكون دونه.

وما كان لأبيه داود من إلانة الحديد له بلا سبب وما ذكر - كان لمحمد انشقاق القمر له، وذلك أعظم في الآية مما ذكر.

وما كان لموسى من انفجار العيون من الحجر، كان لمحمد من أصابعه، حتى ذكر أنهم كانوا ألفا وأربعمائة نفر شربوا جميعاً منه ورووا؛ فذلك وإن لم يكن أعظم في الآية لا يكون دونه.

وما كان لعيسى من إحياء الله الموتى وإجرائه على يديه، كان لمحمد مقابل ذلك كلام الشاة المصلية المسمومة التي أخبرته: إني مسمومة؛ فلا تتناول مني؛ لما أراد التناول منها، فآياته كثيرة حتى لم تذكر لأحد من الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - آية إلا ويمكن أن يذكر لمحمد جميعاً مقابل ذلك مثلها أو أعظم منها.

ثم يحتمل ذكر ملك سليمان وأبيه؛ لئلا يحسدوا محمداً - صلوات الله عليه - على ما أعطاه الله له من الملك والشرف؛ ليعرفوا أنه ليس هو المخصوص بالملك والشرف، ولكن له في ذلك شركاء وإخوان أعطاهم الله مثل ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ .

قيل: النحاس، وقيل: الصفر، قيل: أسيل له يعمل به ما أحبّ، كما ألين لأبيه الحديد؛ فيعمل به ما أحبّ من الدروع وغيرها بلا سبب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: بأمر ربه، أي: سخر الله الجن له، وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم فيما أحبّ، شاءوا أو كرهوا، يخرج قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التسخير له؛ فيكون الإذن كناية عن التسخير.

والثاني: ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: بأمر ربه، أي: أمرهم ربهم أن يطيعوه في جميع ما يأمر وينهى.

وقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ، أي: عصاه فيما أمره ربه، ﴿ نُذِقْهُ ﴾ ، ما ذكر.

يحتمل إضافة أمره إلى نفسه؛ لما بأمره ما يستعملهم فيما يستعملهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ ﴾ .

قال بعضهم: المحاريب هي المساجد.

وقال بعضهم: هي القصور.

والمحاريب هي أشرف المواضع، ذكرت كناية عن غيرها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَمَاثِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: هي التماثيل كهيئة تماثيل الرجال، يصوّرون في المساجد تماثيل الرجال العبّاد الزهاد، والملائكة، والنبيين، والرجال المتواضعين؛ لكي إذا رآهم الناس مصوراً عبدوا عبادتهم، وتشبهوا بهم.

أو أن تكون تماثيل لا رأس لها، نحو: الأواني والكيزان ونحوها.

أو أن يكون التماثيل يومئذ غير منهي العمل بها، فأما اليوم فقد نهوا عن العمل بها؛ مخافة أن يدعو ذلك إلى عبادة غير الله؛ وكذلك غرّ إبليس قوماً حتى عبدوا الأصنام؛ وإلا ليس من الأصنام ولا فيها ما يغتر به المرء على عبادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: قصاع كالجواب، كهيئة حياض الإبل؛ حتى يجلس على القصعة الواحدة ألف وزيادة يأكلون منها.

وقال بعضهم: ﴿ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ﴾ ، أي: كالجوبة من الأرض التي تحفر للماء؛ يصف عظم ذلك؛ ففيه أنهم كانوا يجتمعون في الأكل لا ينفردون به.

وقوله: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ .

أي: كانوا يتخذون له قدوراً عظاماً في الجبال التي لا تحرك من مكان، ﴿ رَّاسِيَاتٍ ﴾ ، أي: ثابتات كما ذكر، والجبال الرواسي، أي: الثوابت.

وقال بعضهم: ﴿ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ : هي القدور العظام التي أفرغت إفراغاً وأكفيت - لعظمها - إكفاء، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ .

قال بعضهم: أي: اعملوا لآل داود شكراً؛ لأنه ذكر أنه ليس من زمان في ليل ونهار إلا ويكون من آل داود صائم بالنهار ومصلٍّ بالليل، أو كلام نحوه؛ فأمروا بالشكر لهم.

وقال بعضهم: كأنه قال: اعملوا يا آل داود شكراً، لما أعطيتكم من الملك والفضل.

﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ﴾ .

أي: قليل من عبادي المؤمنين، والشكور كناية عن المؤمن؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ ، أي: لكل مؤمن، والله أعلم.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ﴾ ، أي: أذبنا له عين النحاس، والشكور هو الفعول، والفعول والفعال هما اللذان يكثران الفعل؛ فكأن الشكور هو الذي يعتقد الشكر لربه، ويشكر مع الاعتقاد؛ فيكون منه الاعتقاد والمعاملة جميعاً.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ .

دل هذا على أن موته كان بحضرة أهله وبمشهد منهم؛ حيث ذكر، ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ثم يذكر بعض أهل التأويل أنه سأل ربّه أن يعمّى على الجن موته؛ حتى يعلم الإنس ﴿ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ ﴾ - أعني: الجن - ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

وبعضهم يقول: سأل ربه أن يعمي على الجن موته؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس، فدأبوا حولا يعملون، فلما فرغوا من بنائه خر سليمان ميتا من عصاه، وكان متكئاً عليها.

وبعضهم يقول: لما حضره الموت - وكان على فراشه في البيت - لم يكن على عصاه؛ فقال: لا تخبروا الجن بموتي؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس - وكان بقي عمل سنة - ففعلوا، فلما فرغوا من بنائه - خرّ؛ فعند ذلك علمت الجن بموته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ .

في حرف ابن مسعود: ﴿ فلما قضينا عليه الموت، وهم يدأبون له حولا ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الإنس على أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ ؛ لأنهم كانوا يدّعون علم الغيب فابتلوا بذلك.

ودل قوله: ﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ ﴾ على أنهم كانوا لا يدنون منه لأحد وجهين: إما لهيبته وسلطانه على الناس؛ فإن كان ذلك أطاع له كل شيء وخضعوا له: من الجن والطير والوحش وغير ذلك.

أو لما كان يكثر العبادة لله والخضوع له يتوحد ويتفرد بنفسه، لم يجترئوا أن يدنوا منه؛ وإلا لو دنوا منه لرأوا فيه آثار الموتى، اللهم إلا أن يكون ما ذكر بعضهم أنه قال لأهله: لا تخبروا أحداً بموتي، وأمرهم أن يكتموا موته.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ﴾ ، قيل: المنسأة: العصا، سمي: منسأة من المنسأ؛ لأنه كان بها يؤخر ما أراد تأخيره، وبها يدفع ما أراد دفعه.

ثم في إمساكه العصا أحد وجهين: لما لضعفة في نفسه؛ كان يتقوى بها في أمور ربه، أو يمسكها؛ لخضوعه لربه وطاعته له.

وفيه دلالة: أن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يشغلهم الملك وفضل الدنيا، ولا الحاجة ولا الفقر عن القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة إلى الناس، وهما شاغلان لغيرهم، وهم كانوا فريقين: [فريق] قد وسع عليهم الدنيا نحو سليمان وإبراهيم وغيرهما، وفريق قد اشتدت بهم الحاجة والفقر، وكلاهما مانعان شاغلان عن القيام بأمور الله وتبليغ الرسالة؛ ليعلم أنهم لم يأخذوا من الدنيا ما أخذوا - للدنيا،.

ولكن أخذوا للخلق، ولله قاموا فيما قاموا لذلك، لم يشغلهم ذلك عن القيام بما ذكرنا، والله أعلم.

ودل قوله: ﴿ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ ﴾ أنه كان يأمرهم ويستعملهم في أمور شاقة وأعمال صعبة؛ حيث ذكر لبثهم في ذلك لبثا في العذاب المهين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد كان لقبيلة سبأ في مسكنهم الذي كانوا يسكنون فيه علامة ظاهرة على قدرة الله وإنعامه عليهم؛ وهي جنتان: إحداهما عن اليمين، والثانية عن الشمال وقلنا لهم: كلوا من رزق ربكم، واشكروه على نعمه؛ هذه بلدة طيبة، وهذا الله رب غفور يغفر ذنوب من تاب إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.jKvkV"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر