الآية ١٦ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ١٦ من سورة سبأ

فَأَعْرَضُوا۟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـٰهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍۢ وَأَثْلٍۢ وَشَىْءٍۢ مِّن سِدْرٍۢ قَلِيلٍۢ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فأعرضوا ) أي : عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم ، وعدلوا إلى عبادة الشمس ، كما قال هدهد سليمان : ( وجئتك من سبإ بنبإ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ) [ النمل : 22 ، 24 ] .

وقال محمد بن إسحاق ، عن وهب بن منبه : بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا .

وقال السدي : أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي ، والله أعلم .

وقوله : ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) : قيل : المراد بالعرم المياه .

وقيل : الوادي .

وقيل : الجرذ .

وقيل : الماء الغزير .

فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته ، مثل : " مسجد الجامع " .

و " سعيد كرز " حكى ذلك السهيلي .

وذكر غير واحد منهم ابن عباس ، ووهب بن منبه ، وقتادة ، والضحاك; أن الله ، عز وجل ، لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم ، بعث على السد دابة من الأرض ، يقال لها : " الجرذ " نقبته - قال وهب بن منبه : وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان ، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير ، وولجت إلى السد فنقبته ، فانهار عليهم .

وقال قتادة وغيره : الجرذ : هو الخلد ، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى ، وجاءت أيام السيول ، صدم الماء البناء فسقط ، فانساب الماء في أسفل الوادي ، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك ، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال ، فيبست وتحطمت ، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة ، كما قال الله وتعالى : ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ) .

قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء الخراساني ، والحسن ، وقتادة ، والسدي : وهو الأراك ، وأكلة البرير .

( وأثل ) : قال العوفي ، عن ابن عباس : هو الطرفاء .

وقال غيره : هو شجر يشبه الطرفاء .

وقيل : هو السمر .

فالله أعلم .

وقوله : ( وشيء من سدر قليل ) : لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال : ( وشيء من سدر قليل ) ، فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه ، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة ، والظلال العميقة والأنهار الجارية ، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل .

وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله ، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) يقول تعالى ذكره: فأعرضت سبأ عن طاعة ربها وصدت عن اتباع ما دعتها إليه رسلها من أنه خالقها.

كما حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال ثني محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه اليماني قال: لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًّا فكذبوهم ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) يقول تعالى ذكره: فثقبنا عليهم حين أعرضوا عن تصديق رسلنا سدهم الذي كان يحبس عنهم السيول.

والعرم المسناة التي تحبس الماء، واحدها عرمة، وإياه عنى الأعشى بقوله: فَفِـــي ذَاكَ للْمُؤْتَسِـــي أُسْــوَةٌ وَمَــأْرِبُ عَفَّــى عليــه العَــرِمْ رِجـــامٌ بَنَتْـــهُ لَهُــمْ حِــمْيَرٌ إذا جَـــاءَ مــاؤهُمُ لــمْ يَــرمْ (1) وكان العرم فيما ذكر مما بنته بلقيس.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال ثني وهب بن جرير قال ثنا أَبي قال سمعت المغيرة بن حكيم قال: لما ملكت بلقيس، جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم، قال فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ملكها وانطلقت إلى قصر لها وتركتهم، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها، فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت: إنكم لا تطيعونني وليست لكم عقول، ولا تطيعوني، قالوا: فإنا نطيعك، وإنا لم نجد فينا خيرًا بعدك، فجاءت فأمرت بواديهم، فسد بالعرم.

قال أحمد قال وهب قال أبي: فسألت المغيرة بن حكيم عن العرم فقال: هو بكلام حمير المسنَّاة فسدت ما بين الجبلين فحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبوابًا بعضها فوق بعض وبنت من دونه بركة ضخمة، فجعلت فيها اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم، فلما جاء المطر احتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة، وأمرت بالبعر فألقي فيها فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البعر في الماء حتى خرج جميعًا معًا، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان.

حدثنا أحمد بن عمر البصري قال ثنا أَبو صالح بن زريق قال أخبرنا شريك عن أَبي إسحاق عن أَبي ميسرة في قوله ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) قال: المسناة بلحن اليمن.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (سَيْلَ الْعَرِمِ) قال: شديد، وقيل: إن العرم اسم وادٍ كان لهؤلاء القوم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) قال: وادٍ كان باليمن، كان يسيل إلى مكة، وكانوا يسقون وينتهي سيلهم إليه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) ذُكر لنا أن سيل العرم وادٍ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة وجعلوا عليه أبوابا، وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعنوا به من مائه شيئا.

حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) وادٍ يدعى العرم، وكان إذا مطر سالت أودية اليمن إلى العرم، واجتمع إليه الماء فعمدت سبأ إلى العرم فسدوا ما بين الجبلين، فحجزوه بالصخر والقار، فانسد زمانًا من الدهر، لا يرجون الماء، يقول: لا يخافون.

وقال آخرون: العرم صفة للمسناة التي كانت لهم وليس باسم لها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال ثنا أَبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله (سَيْلَ الْعَرِمِ) يقول: الشديد، وكان السبب الذي سبب الله لإرسال ذلك السيل عليهم فيما ذُكر لي جُرذًا ابتعثه الله على سدهم، فثقب فيه ثقبًا.

ثم اختلف أهل العلم في صفة ما حدث عن ذلك الثقب مما كان فيه خراب جنتيهم.

فقال بعضهم: كان صفة ذلك أن السيل لما وجد عملا في السد عمل فيه، ثم فاض الماء على جناتهم؛ فغرقها وخرب أرضهم وديارهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة قال ثني محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه اليماني قال: كان لهم، يعني لسبأ، سد، قد كانوا بنوه بنيانًا أبدًا، وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم، أنه إنما يخرب عليهم سدهم ذلك فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التغريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر فساورتها، حتى استأخرت عنها أي الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فغلغلت في السد فحفرت فيه حتى وهنته للسيل وهم لا يدرون، فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها فلم يبق منها إلا ما ذكره الله، فلما تفرقوا نـزلوا على كهانة عمران بن عامر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: لما ترك القوم أمر الله بعث الله عليهم جُرذًا يسمى الخُلْد، فثقبه من أسفله حتى غرق به جناتهم، وخرب به أرضهم عقوبة بأعمالهم.

حدثنا عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك يقول: لما طغوا وبغوا، يعني سبأ، بعث الله عليهم جرذا فخرق عليهم السد فأغرقهم الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: بعث الله عليه جرذا وسلطه على الذي كان يحبس الماء الذي يسقيها، فأخرب في أفواه تلك الحجارة وكل شيء منها من رصاص وغيره، حتى تركها حجارة، ثم بعث الله سيل العرم، فاقتلع ذلك السد وما كان يحبس، واقتلع تلك الجنتين، فذهب بهما، وقرأ ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ) قال: ذهب بتلك القرى والجنتين.

وقال آخرون: كانت صفة ذلك أن الماء الذي كانوا يعمرون به جناتهم سال إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، فبذلك خربت جناتهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بعث الله عليهم، يعني على العرم، دابة من الأرض فثقبت فيه ثقبًا، فسال ذلك الماء إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، وأبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أُكُل خَمْط، وذلك حين عصوا، وبطروا المعيشة.

والقول الأول أشبه بما دل عليه ظاهر التنـزيل، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه أرسل عليهم سيل العرم، ولا يكون إرسال ذلك عليهم إلا بإسالته عليهم، أو على جناتهم وأرضهم لا بصرفه عنهم.

وقوله ( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) يقول تعالى ذكره: وجعلنا لهم مكان بساتينهم من الفواكه والثمار بساتين من جنى ثمر الأراك، والأراك هو الخمط.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال ثنا أَبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قال: أبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، والخمط: الأراك.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية عن أَبي رجاء قال سمعت الحسن يقول في قوله (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) قال: أراه قال: الخمط: الأراك.

حدثني محمد بن عمارة قال ثني عبد الله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن أَبي يحيى عن مجاهد (أُكُلٍ خَمْطٍ) قال: الخمط: الأراك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) قال: الأراك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) والخمط: الأراك، وأكله: بريره.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) قال: بدلهم الله بجنان الفواكه والأعناب، إذ أصبحت جناتهم خمطًا وهو الأراك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ) قال: أذهب تلك القرى والجنتين، وأبدلهم الذي أخبرك ذواتي أكل خمط، قال: فالخمط: الأراك، قال: جعل مكان العنب أراكًا، والفاكهة أثلا وشيئًا من سدر قليل.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار بتنوين " أكُلٍ" غير أَبي عمرو، فإنه يضيفها إلى الخمط بمعنى ذواتي ثمر خمط.

وأما الذين لم يضيفوا ذلك إلى الخمط وينونون الأكل، فإنهم جعلوا الخمط هو الأكل، فردوه عليه في إعرابه.

وبضم الألف والكاف من الأكل قرأت قراء الأمصار، غير نافع، فإنه كان يخفف منها.

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه (ذَوَاتَيْ أُكُل) بضم الألف والكاف لإجماع الحجة من القراء عليه، وبتنوين أكل لاستفاضة القراءة بذلك في قراء الأمصار، من غير أن أرى خطأ قراءة من قرأ ذلك بإضافته إلى الخمط، وذلك في إضافته وترك إضافته، نظير قول العرب في بستان فلان أعنابُ كرمٍ وأعنابٌ كرم، فتضيف أحيانًا الأعناب إلى الكرم لأنها منه، وتنون أحيانًا، ثم تترجم بالكرم عنها، إذ كانت الأعناب ثمر الكرم.

وأما الأثل: فإنه يقال له: الطَّرفاء، وقيل: شجر شبيه بالطرفاء غير أنه أعظم منها، وقيل: إنها السَّمُر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس (وَأَثْلٍ) قال: الأثل: الطرفاء.

وقوله (وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) يقول: ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل.

وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثني سعيد، عن قتادة ( ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) قال: بينما شجر القوم خير الشجر، إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم.

------------------------ الهوامش: (1) البيتان للأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة ص 43) من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب، من المتقارب.

وفيه: "وقفى" في موضع "عفى" و "رخام" بالخاء، في موضع "رجام" بالجيم.

وفي بعض نسخ الديوان: "مواره" في موضع "ماؤه".

قال الفراء: وقوله: (سيل العرم) كانت مسناة تحبس الماء، على ثلاثة أبواب منها.

فيسقون من ذلك الماء من الباب الأول (الأعلى) ثم الثاني (الأوسط) ثم الآخر (الأسفل) ، فلا ينفذ حتى يثوب الماء من السنة المقبلة.

وكانوا أنعم قوم عيشا، فلما أعرضوا وجحدوا الرسل، بثق الله عليهم تلك المسناة، فغرقت أرضهم، ودفن بيوتهم الرمل.

والبيتان من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن، وروايته: "قفى" في موضع "عفى" وهو بمعناه.

و "رخام" بالخاء في موضع رجام، والرجام: الصخور العظيمة، جمع رجمة.

توضع على القبر ونحوه.

وفسر قوله "لم يرم": أي حبسه.

والضمير راجع إلى الماء.

وقال في قوله تعالى: (سيل العرم): واحدها عرمة، وهي بناء مثل المشان، يحبس بها الماء فيشرف به على الماء في وسط الأرض، ويترك فيه سبل للسفينة.

فتلك العرمات.

واحدها عرمة.

ا هـ .

وفي (اللسان: سني) المسناة: العرم.

وفي (اللسان: عرم) العرم يفتح الراء وكسرها، وكذلك واحدها، وهو العرمة: والعرم سد يعترض به الوادي.

والجمع عرم.

وقيل العرم: وجمع لا واحد له.

وقال أبو حنيفة: العزم الأحباس تبنى في أوساط الأودية.

ا .

هـ .

وهي ما نسميه اليوم: خزانات أو قناطر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .قوله تعالى : ( فأعرضوا ) يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين قال السدي ووهب : بعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم .

قال القشيري : وكان لهم رئيس يلقب بالحمار ، وكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر ; ولهذا يقال : أكفر من حمار .

وقال الجوهري : وقولهم ( أكفر من حمار ) هو رجل من عاد مات له أولاد فكفر كفرا عظيما ، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر ، فإن أجابه وإلا قتله .

ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرقوا في البلاد ; على ما يأتي بيانه .

ولهذا قيل في المثل : ( تفرقوا أيادي سبأ ) .

وقيل : الأوس والخزرج منهم .

فأرسلنا عليهم سيل العرم و ( العرم ) فيما روي عن ابن عباس : السد ؛ فالتقدير : سيل السد العرم .

وقال عطاء : ( العرم ) اسم الوادي .

قتادة : ( العرم ) وادي سبأ ; كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية ، قيل من البحر وأودية اليمن ; فردموا ردما بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم ; فأخصبوا وكثرت أموالهم ، فلما كذبوا الرسل سلط الله عليهم الفأر فنقب الردم .

قال وهب : كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة ; فلما جاء ما أراد الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض [ ص: 258 ] تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عن الصخرة ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السد حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون ; فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ السد وفاض الماء على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم .

وقال الزجاج : ( العرم ) اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم ، وهو الذي يقال له الخلد - وقاله قتادة أيضا - فنسب السيل إليه لأنه بسببه .

وقد قال ابن الأعرابي أيضا : ( العرم ) من أسماء الفأر .

وقال مجاهد وابن أبي نجيح : ( العرم ) ماء أحمر أرسله الله تعالى في السد فشقه وهدمه .وعن ابن عباس أيضا أن ( العرم ) المطر الشديد .

وقيل ( العرم ) بسكون الراء .

وعن الضحاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام .

وقال عمرو بن شرحبيل : ( العرم ) المسناة ; وقاله الجوهري ، قال : ولا واحد لها من لفظها ، ويقال واحدها عرمة .

وقال محمد بن يزيد : ( العرم ) كل شيء حاجز بين شيئين ، وهو الذي يسمى السكر ، وهو جمع عرمة .

النحاس : وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مسناة فهو العرم ، والمسناة هي التي يسميها أهل مصر الجسر ; فكانوا يفتحونها إذا شاءوا فإذا رويت جنتاهم سدوها .

قال الهروي : المسناة الضفيرة تبنى للسيل ترده ، سميت مسناة لأن فيها مفاتح الماء .

وروي أن العرم سد بنته بلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام ، وهو المسناة بلغة حمير ، بنته بالصخر والقار ، وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض ، وهو مشتق من العرامة وهي الشدة ، ومنه : رجل عارم ، أي شديد ، وعرمت العظم أعرمه وأعرمه عرما إذا عرقته ، وكذلك عرمت الإبل الشجر أي نالت منه .

والعرام بالضم : العراق من العظم والشجر .

وتعرمت العظم تعرقته .

وصبي عارم بين العرام ( بالضم ) أي شرس .

وقد عرم يعرم ويعرم عرامة ( بالفتح ) .

والعرم العارم ; عن الجوهري .قوله تعالى : وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وقرأ أبو عمرو ( أكل خمط ) بغير تنوين مضافا .

قال أهل التفسير والخليل : الخمط الأراك .

الجوهري : الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل .

وقال أبو عبيدة : هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة .

الزجاج : كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله .

المبرد : الخمط كل ما تغير إلى ما لا يشتهى .

واللبن خمط إذا حمض .

والأولى عنده في القراءة ذواتي أكل خمط بالتنوين على أنه نعت ل ( أكل ) أو بدل منه ; لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده ، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة .

وقال الأخفش : والإضافة أحسن في كلام العرب ; نحو قولهم : ثوب خز .

والخمط : اللبن الحامض ، وذكر أبو عبيد أن اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلب ولم يتغير طعمه فهو سامط ; وإن أخذ شيئا من الريح فهو خامط وخميط ، فإن أخذ شيئا من طعم فهو ممحل ، فإذا كان فيه طعم الحلاوة فهو فوهة .

وتخمط الفحل : هدر .

وتخمط فلان أي غضب وتكبر .[ ص: 259 ] وتخمط البحر أي التطم .

وخمطت الشاة أخمطها خمطا : إذا نزعت جلدها وشويتها فهي خميط ، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي سميط .

والخمطة : الخمر التي قد أخذت ريح الإدراك كريح التفاح ولم تدرك بعد .

ويقال هي الحامضة ; قاله الجوهري .

وقال القتبي في أدب الكاتب .

يقال للحامضة خمطة ، ويقال : الخمطة التي قد أخذت شيئا من الريح ; وأنشد :عقار كماء النيء ليست بخمطة ولا خلة يكوي الشروب شهابها( وأثل ) قال الفراء : هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا ; ومنه اتخذ منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب ، وورقه كورق الطرفاء ، الواحدة أثلة والجمع أثلات .

وقال الحسن : الأثل الخشب .

قتادة : هو ضرب من الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفيد .

وقيل هو السمر .

وقال أبو عبيدة : هو شجر النضار .

النضار : الذهب .

والنضار : خشب يعمل منه قصاع ، ومنه : قدح نضار .

وشيء من سدر قليل قال الفراء : هو السمر ; ذكره النحاس .

وقال الأزهري : السدر من الشجر سدران : بري لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمر عفص لا يؤكل ، وهو الذي يسمى الضال .

والثاني : سدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب .

قال قتادة : بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم ، فأهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر .

القشيري : وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستانا ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة ، وهو كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها .

ويحتمل أن يرجع قوله ( قليل ) إلى جملة ما ذكر من الخمط والأثل والسدر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأعرضوا عن المنعم, وعن عبادته, وبطروا النعمة, وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا, أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى, التي كان السير فيها متيسرا.{ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بكفرهم باللّه وبنعمته, فعاقبهم اللّه تعالى بهذه النعمة, التي أطغتهم, فأبادها عليهم, فأرسل عليها سيل العرم.أي: السيل المتوعر, الذي خرب سدهم, وأتلف جناتهم, وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة, والأشجار المثمرة, وصار بدلها أشجار لا نفع فيها, ولهذا قال: { وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ } أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا { خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } وهذا كله شجر معروف, وهذا من جنس عملهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأعرضوا ) قال وهب : فأرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم ، وقالوا : ما نعرف لله - عز وجل - علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع ، فذلك قوله تعالى : ( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ) و " العرم " : جمع عرمة ، وهي السكر الذي يحبس به الماء .

وقال ابن الأعرابي : " العرم " السيل الذي لا يطاق ، وقيل : كان ماء أحمر ، أرسله الله عليهم من حيث شاء ، وقيل : " العرم " : الوادي ، وأصله من العرامة ، وهي الشدة والقوة .

وقال ابن عباس ، ووهب ، وغيرهما : كان ذلك السد بنته بلقيس ، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم ، فأمرت بواديهم فسد بالعرم ، وهو المسناة بلغة حمير ، فسدت بين الجبلين بالصخر والقار وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض ، وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء ، وإذا استغنوا سدوها ، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن ، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة ، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقسمه بينهم على ذلك ، فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء جناتهم وخرب أرضهم .

قال وهب : وكان مما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة ، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله - عز وجل - بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة ، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فثقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل ، وهم لا يدرون بذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قطع السد ، وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل ، ففرقوا وتمزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب ، يقولون : صار بنو فلان أيدي سبأ وأيادي سبأ ، أي : تفرقوا وتبددوا ، فذلك قوله تعالى : ( فأرسلنا عليهم سيل العرم ) ( وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ) قرأ العامة بالتنوين ، وقرأ أهل البصرة : " أكل خمط " بالإضافة ، الأكل : الثمر ، والخمط : الأراك وثمره يقال له : البرير ، هذا قول أكثر المفسرين .

وقال المبرد والزجاج : كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط .

وقال ابن الأعرابي : الخمط : ثمر شجرة يقال له فسوة الضبع ، على صورة الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به ، فمن جعل الخمط اسما للمأكول فالتنوين في " أكل " حسن ، ومن جعله أصلا وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة ، والتنوين سائغ ، تقول العرب : في بستان فلان أعناب كرم ، يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه .

( وأثل وشيء من سدر قليل ) فالأثل هو الطرفاء ، وقيل : هو شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه ، والسدر شجر معروف ، وهو شجر النبق ينتفع بورقه لغسل الرأس ويغرس في البساتين ، ولم يكن هذا من ذلك ، بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيء .

قال قتادة : كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأعرضوا» عن شكره وكفروا «فأرسلنا عليهم سيل العرم» جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته، أي سيل واديهم الممسوك بما ذكر فأغرق جنتيهم وأموالهم «وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي» تثنية ذوات مفرد على الأصل «أُكُلٍ خَمْطِ» مرِّ بشع بإضافة أكل بمعنى مأكول وتركها ويعطف عليه «وأثل وشيء من سدر قليل».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأعرضوا عن أمر الله وشكره وكذبوا الرسل، فأرسلنا عليهم السيل الجارف الشديد الذي خرَّب السد وأغرق البساتين، وبدَّلناهم بجنتيهم المثمرتين جنتين ذواتَيْ أكل خمط، وهو الثمر المر الكريه الطعم، وأثْل وهو شجر شبيه بالطَّرْفاء لا ثمر له، وقليل من شجر النَّبْق كثير الشوك.

ذلك التبديل من خير إلى شر بسبب كفرهم، وعدم شكرهم نِعَمَ الله، وما نعاقب بهذا العقاب الشديد إلا الجَحود المبالغ في الكفر، يجازى بفعله مثلا بمثل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما أصابهم بسبب جحودهم وبطرهم فقال : ( فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ) .والعرم : اسم للوادى الذى كان يأتى منه السيل .

وقيل : هو المطر الشديد الذى لا يطاق .فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة .

أى : أرسلنا عليهم السيل الشديد المدمر .ويرى بعضهم أن المراد بالعرم : السدود التى كانت مبنية لحجز الماء من خلفها ، ويأخذون منها لزروعهم على قدر حاجتهم ، فلما أصيبوا بالترف والجحود تركوا العناية بإصلاح هذه السدود ، فتصدعت ، واجتاحت المياه آراضيهم فأفسدتها ، واكتسبت مساكنهم ، فتفرقوا عنها ، ومزقوا شر ممزق ، وضرب بهم الأمثال التى منها قولهم : تفرقوا أيدى سبأ .

وهو مثل بضرب لمن تفرق شملهم تفرقا لا الاجتماع لهم معه .وهذا ما حدث لقبيلة سبأ فقد تفرق بعضهم غلى المدينة المنورة كالأوس والخزرج ، وذهب بعضهم إلى عمان كالأزد ، وذهب بعضهم إلى الشام كقبيلة غسان .وقوله : ( ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) الأكل : هو الثمر ، ومنه قوله - تعالى - : ( فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ) أى : ثمرها .

والخمط : هو ثمر الأراك أو هو النبت المر الذى لا يمكن أكله .و ( الأثل ) هو نوع من الشجر يشبه شجر الطرفاء .

أو هو نوع من الشجر كثير الشوك و ( السدر ) هو ما يعرف بالنبق .

أو هو نوع من الثمار التى يقل الانتفاع بها .والمعنى : فأعرض أهل سبأ عن شكرنا وطاعتنا .

.

فكانت نتيجة ذلك ، أن أرسلنا عليهم السيل الجارف ، الذى احتج أراضهيم ، فأفسد مزارعهم ، وأجلاهم عن ديارهم ، ومزقهم شر ممزق .

.

وبدلناهم بالجنان اليانعة التى كانوا يعيشون فيها ، بساتين أخرى قد ذهبت ثمارها الطيبة اللذيذة ، وحلت محلها ثمار مرة لا تؤكل ، وتناثرت فىأما كنهم الأشجار التى لا تسمن ولا تغنى من جوع ، بدلا من تلك الأشجار التى كانت تحمل لهم ما لذ وما طاب ، وعظم نفعه .فالمقصود من الآية الكريمة ببيان أن الجحود والبطر ، يؤديان إلى الخراب والدمار ، وإلى زوال النعم وتحويلها إلى نقم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فبين كمال ظلمهم بالإعراض بعض إبانة الآية كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا  ﴾ ثم بين كيفية الانتقام منهم كما قال: ﴿ إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ  ﴾ وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلاً غرق أموالهم وخرب دورهم، وفي العرم وجوه: أحدها: أنه الجرذ الذي سبب خراب السكر، وذلك من حيث إن بلقيس كانت قد عمدت إلى جبال بينها شعب فسدت الشعب حتى كانت مياه الأمطار والعيون تجتمع فيها وتصير كالبحر وجعلت لها أبواباً ثلاثة مرتبة بعضها فوق بعض وكانت الأبواب يفتح بعضها بعد بعض.

فنقب الجرذ السكر، وخرب السكر بسببه وانقلب البحر عليهم.

وثانيها: أن العرم اسم السكر وهو جمع العرمة وهي الحجارة ثالثها: اسم للوادي الذي خرج منه الماء وقوله: ﴿ وبدلناهم بِجَنَّتيهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ بين به دوام الخراب، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة بسبب العمارة فإذا تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ببعض وتنبت المفسدات فيها فتقل الثمار وتكثر الأشجار، والخمط كل شجرة لها شوك أو كل شجرة ثمرتها مرة، أو كل شجرة ثمرتها لا تؤكل، والأثل نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمرة إلا في بعض الأوقات، يكون عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه، والسدر معروف وقال فيه قليل لأنه كان أحسن أشجارهم فقلله الله، ثم بين الله أن ذلك كان مجازاة لهم على كفرانهم فقال: ﴿ ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجازي ﴾ أي لا نجازي بذلك الجزاء ﴿ إِلاَّ الكفور ﴾ قال بعضهم المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله تعالى: ﴿ ذلك جزيناهم ﴾ يدل على أن الجزاء يستعمل في النقمة، ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين، يؤخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر.

وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدئ بالنعم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ لِسَبَإٍ ﴾ بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفاً.

ومسكنهم: بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم.

وقرئ: ﴿ مساكنهم ﴾ و ﴿ جَنَّتَانِ ﴾ بدل من آية.

أو خبر مبتدإ محذوف، تقديره: الآية جنتان.

وفي الرفع معنى المدح، تدلّ عليه قراءة من قرأ: ﴿ جنتين ﴾ ، بالنصب على المدح.

فإن قلت: ما معنى كونهما؟

آية، قلت: لم يجعل الجنتين في أنفسهما آية، وإنما جعل قصتهما، وأنّ أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما الخمط والأثل: آية، وعبرة لهم، ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم.

ويجوز أن تجعلهما آية، أي: علامة دالة على الله، وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره، فإن قلت: كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب قرية من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت؟

قلت: لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها.

كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال: جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴿ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ ﴾ إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ولما قال: ﴿ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ ﴾ ﴿ واشكروا لَهُ ﴾ أتبعه قوله: ﴿ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ يعني: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت أخصب البلاد وأطيبها: تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر، فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر ﴿ طَيّبَةً ﴾ لم تكن سبخة.

وقيل: لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية.

وقرئ: ﴿ بلدة طيبة ورباً غفوراً ﴾ بالنصب على المدح.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد ﴿ العرم ﴾ الجرذ الذي نقب عليهم السكر، ضربت لهم بلقيس الملكة بسدّ ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقاً على مقدار ما يحتاجون إليه من سقيهم، فلما طغوا قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبياً يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة سلط الله على سدّهم الخُلد فنقبه من أسفله فغرّقهم.

وقيل: العرم جمع عرمة، وهي الحجارة المركومة.

ويقال للكدس من الطعام، عرمة: والمراد: المسناة التي عقدوها سكراً: وقيل: العرم اسم الوادي، وقيل: العرم المطر الشديد.

وقرئ: ﴿ العرم ﴾ بسكون الراء.

وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

وقرئ: ﴿ أكل ﴾ بالضم والسكون، وبالتنوين والإضافة، والأكل: الثمر.

والخمط: شجر الأراك: وعن أبي عبيدة: كل شجر ذي شوك.

وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله.

والأثل: شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً.

ووجه من نون: أن أصله ذواتي أكل أكل خمط.

فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

ومن أضاف وهو أبو عمر وحده، فلأن أكل الخمط في معنى البرير، كأنه قيل: ذواتي برير.

والأثل والسدر: معطوفان على أكل، لا على خمط لأن الأثل لا أكل له.

وقرئ: ﴿ وأثلاً ﴾ وشيئاً.

بالنصب عطفاً على جنتين.

وتسمية البدل جنتين، لأجل المشاكلة وفيه: ضرب من التهكم.

وعن الحسن رحمه الله: قلل السدر: لأنه أكرم ما بدلوا.

وقرئ: ﴿ وهل يجازي ﴾ و ﴿ هل نجازي ﴾ بالنون.

و ﴿ هل يجازي ﴾ والفاعل الله وحده.

و ﴿ هل يجزي ﴾ ؛ والمعنى: أن مثل هذا الجزاء لا يستحقه إلاّ الكافر، وهو العقاب العاجل، وقيل: المؤمن تكفر سيآته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء، ووجه آخر: وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: ﴿ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ ﴾ بمعنى: عاقبناهم بكفرهم.

قيل: ﴿ وهل يجازى إلا الكفور ﴾ بمعنى: وهل يعاقب؟

وهو الوجه الصحيح؛ وليس لقائل أن يقول: لم قيل: وهل يجازى إلاّ الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للكافر والمؤمن، لأنه لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه.

ألا ترى أنك لو قلت: جزيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلاّ الكافر والمؤمن: لم يصحّ ولم يسد كلاماً، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحل، وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ عَنِ الشُّكْرِ.

﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ أيِ الصَّعْبُ مِن عَرِمَ الرَّجُلُ فَهو عارِمٌ، وعَرِمَ إذا شَرِسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، أوِ المَطَرُ الشَّدِيدُ أوِ الجُرَذُ، أضافَ إلَيْهِ الـ ( سَيْلَ ) لِأنَّهُ نَقَبَ عَلَيْهِمْ سَكْرًا ضَرَبَتْهُ لَهم بَلْقِيسُ فَحَقَنَتْ بِهِ ماءَ الشَّجَرِ وتَرَكَتْ فِيهِ ثُقْبًا عَلى مِقْدارِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أوِ المُسْناةُ الَّتِي عَقَدَتْ سَكْرًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ عَرْمَةٍ وهي الحِجارَةُ المَرْكُومَةُ، وقِيلَ اسْمُ وادٍ جاءَ السَّيْلُ مِن قِبَلِهِ وكانَ ذَلِكَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ ثَمَرٍ بَشِعٍ فَإنَّ الخَمْطَ كُلُّ نَبْتٍ أُخِذَ طُعْمًا مِن مَرارَةٍ، وقِيلَ الأراكُ أوْ كُلُّ شَجَرٍ لا شَوْكَ لَهُ، والتَّقْدِيرُ أكَلَ أكْلَ خَمْطٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ.

﴿ وَأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى ( أُكُلٍ ) لا عَلى ( خَمْطٍ )، فَإنَّ الأثْلَ هو الطَّرْفاءُ ولا ثَمَرَ لَهُ، وقُرِئا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ( جَنَّتَيْنِ ) ووُصِفَ السِّدْرُ بِالقِلَّةِ فَإنْ جَناهُ وهو النَّبْقُ مِمّا يَطِيبُ أكْلُهُ ولِذَلِكَ يُغْرَسُ في البَساتِينِ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ ( جَنَّتَيْنِ ) لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «ذَواتَيْ أُكُلِ» بِغَيْرِ تَنْوِينِ اللّامِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ بِتَخْفِيفِ ( أُكُلٍ ) .

﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا ﴾ بِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ أوْ بِكُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ، إذْ رُوِيَ أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَذَّبُوهم، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّعْظِيمِ لا لِلتَّخْصِيصِ.

( وهَلْ يُجازى إلا الكَفُورُ ) وهَلْ يُجازى بِمِثْلِ ما فَعَلْنا بِهِمْ إلّا البَلِيغُ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ ( نُجازِي ) بِالنُّونِ و ( الكَفُورَ ) بِالنَّصْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فأعرضوا} عن دعوة أنبيائهم فكذبوهم وقالوا مانعرف لله علينا نعمة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم} أي المطر الشديد أو العرم اسم الوادي أو هو الجرذ الذي نقب عليهم السّكر لما طغوا سلط الله عليهم الجرذ فنقبه من أسفله فغرقهم {وبدلناهم بِجَنَّتَيْهِمْ} المذكورتين {جَنَّتَيْنِ} وتسمية البدل جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام كقوله وَجَزَاء سَيّئَةٍ سيئة مثلها {ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ} الأكل الثمر يثقل ويخفف وهو قراءة نافع ومكي والخمط شجر الأراك وقيل كل شجر ذي شوك {وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} الأثل شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً ووجه من نون الاكل وهو غير أبى عمر وان أصله ذواتى أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم امضاف إليه مقامه أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل ذواتى أكل بشع ووجه أبى عمرو أن أكل الخمط في معنى البرير وهو ثمر الأراك إذا كان غضاً فكأنه قيل ذواتي برير والأثل والسدر معطوفان على أَكَلَ لا على خَمْطٍ لأن الأثل لا أكل له وعن الحسن قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا لأنه يكون في الجنان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ أيْ عَنِ الشُّكْرِ كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَدْخُلُ فِيهِ الإعْراضُ عَنِ الإيمانِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الكُفْرِ والكُفْرانِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: أعْرَضُوا عَمّا جاءَ بِهِ إلَيْهِمْ أنْبِياؤُهُمُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ حَيْثُ دَعَوْهم إلى اللَّهِ تَعالى وذَكَّرُوهم نِعَمَهُ سُبْحانَهُ فَكَذَّبُوهم وقالُوا ما نَعْرِفُ لِلَّهِ نِعْمَةً.

﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ أيِ الصَّعْبِ مِن عَرِمِ الرَّجُلِ، مُثَلَّثُ الرّاءِ فَهو عارِمٌ وعَرِمٌ إذا شَرُسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، وفي مَعْناهُ ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالشَّدِيدِ، وإضافَةُ السَّيْلِ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، ومَن أباها مِنَ النُّحاةِ قالَ التَّقْدِيرُ (سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ).

وقِيلَ: العَرِمُ المَطَرُ الشَّدِيدُ والإضافَةُ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: هو اِسْمٌ لِلْجُرَذِ الَّذِي نَقَّبَ عَلَيْهِمْ سَدَّهم فَصارَ سَبَبًا لِتَسَلُّطِ السَّيْلِ عَلَيْهِمْ وهو الفارُ الأعْمى الَّذِي يُقالُ لَهُ الخُلْدُ، وإضافَةُ السَّيْلِ إلَيْهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وقالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: العَرِمُ المُسَنّاةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقالَ الأخْفَشُ، هو بِهَذا المَعْنى عَرَبِيٌّ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عُرْمَةٍ وهي كُلُّ ما بُنِيَ أوْ سَنَمٌ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ لِذَلِكَ البِناءِ بِلُغَةِ الحِجازِ المُسَنّاةُ، والإضافَةُ كَما في سابِقِهِ والمُلابَسَةُ في هَذا أقْوى، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ هو اِسْمُ الوادِي الَّذِي كانَ يَأْتِي السَّيْلُ مِنهُ وبُنِيَ السَّدُّ فِيهِ، ووَجْهُ إضافَةِ السَّيْلِ إلَيْهِ ظاهِرٌ، وقَرَأ عَزْرَةُ بْنُ الوَرْدِ فِيما حَكى اِبْنُ خالَوَيْهِ «اَلْعَرْمِ» بِإسْكانِ الرّاءِ تَخْفِيفًا كَقَوْلِهِمْ في الكَبِدِ الكَبْدُ.

رُوِيَ أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا مَلَكَتِ اِقْتَتَلَ قَوْمُها عَلى ماءِ وادِيهِمْ فَتَرَكَتْ مُلْكَها وسَكَنَتْ قَصْرَها وراوَدُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ فَأبَتْ، فَقالُوا: لَتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلُنَّكِ فَقالَتْ لَهُمْ: أنْتُمْ لا عُقُولَ لَكم ولا تُطِيعُونِي، فَقالُوا: نُطِيعُكِ فَرَجَعَتْ إلى وادِيهِمْ، وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُمُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَأمَرَتْ فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسَنّاةٍ بِالصَّخْرِ والقارِ وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً مِنها اِثْنا عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، وكانَ الماءُ يَخْرُجُ لَهم بِالسَّوِيَّةِ إلى أنْ كانَ مِن شَأْنِها مَعَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ.

وقِيلَ: الَّذِي بَنى لَهُمُ السَّدَّ هو حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَّةِ، وقِيلَ بَناهُ لُقْمانُ الأكْبَرُ بْنُ عادٍ ورَصَفَ أحْجارَهُ بِالرَّصاصِ والحَدِيدِ وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، ولَمْ يَزالُوا في أرْغَدِ عَيْشٍ وأخْصَبِ أرْضٍ حَتّى أنَّ المَرْأةَ تَخْرُجُ وعَلى رَأْسِها المِكْتَلُ فَتَعْمَلُ بِيَدَيْها وتَسِيرُ فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِمّا يَتَساقَطُ مِن أشْجارِ بَساتِينِهِمْ إلى أنْ أعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَذَّبُوا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَدِّهِمُ الخُلْدَ فَوالَدَ فِيهِ فَخَرَقَهُ فَأرْسَلَ سُبْحانَهُ سَيْلًا عَظِيمًا فَحَمَلَ السَّدَّ وذَهَبَ بِالجَنانِ وكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ إنَّهُ أذْهَبَ السَّدَّ فاخْتَلَّ أمْرُ قِسْمَةِ الماءِ ووُصُولِهِ إلى جِنانِهِمْ فَيَبِسَتْ وهَلَكَتْ، وكانَ ذَلِكَ السَّيْلُ عَلى ما قِيلَ في مُلْكِ ذِي الأذْعارِ بْنِ حَسّانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ نَبِيِّنا  وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ بَحْثٌ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ الإعْراضَ كانَ عَمّا جاءَهم مِن أنْبِيائِهِمُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَرِيبٍ.

﴿ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ ﴾ أيْ أذْهَبْنا جَنَّتَيْهِمْ وأتَيْنا بَدَلَها ﴿ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ ﴾ أيْ ثَمَرٍ ﴿ خَمْطٍ ﴾ أيْ حامِضٍ أوْ مُرٍّ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ الخَمْطُ الأراكُ، ويُقالُ لِثَمَرِهِ مُطْلَقًا أوْ إذا اِسْوَدَّ وبَلَغَ البَرْبَرَ، وقِيلَ شَجَرُ الغَضا ولا أعْلَمُ هَلْ لَهُ ثَمَرٌ أمْ لا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَجَرَةٍ مَرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ، وقالَ اِبْنُ الأعْرابِيِّ: هو ثَمَرُ شَجَرَةٍ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ وتُسَمّى تِلْكَ الشَّجَرَةُ عَلى ما قِيلَ بِفَسْوَةِ الضَّبْعِ، وهو عَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِأُكُلِ والأمْرُ في ذَلِكَ ظاهِرٌ، وعَلى الأخِيرِ عَطْفُ بَيانٍ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لَهُ في النَّكِراتِ، وقِيلَ بَدَلٌ وعَلى ما بَيْنَهُما الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أكْلُ أُكُلٍ خَمْطٍ، وذَلِكَ المُضافُ بَدَلٌ مِن أُكُلٍ أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، ولَمّا حُذِفَ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وأُعْرِبَ بِإعْرابِهِ كَما في البَحْرِ، وقِيلَ هو بِتَقْدِيرِ أُكُلٍ ذِي خَمْطٍ، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن بابِ يُعْجِبُنِي القَمَرُ فَلَكُهُ وهو كَما تَرى، ومُنِعَ جَعْلُهُ وصْفًا مِن غَيْرِ ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ لِأنَّ الثَّمَرَ لا يُوصَفُ بِالشَّجَرِ لا لِأنَّ الوَصْفَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ لا يَطَّرِدُ، وإنْ جاءَ مِنهُ شَيْءٌ نَحْوَ مَرَرْتُ بِقاعٍ عَرْفَجٍ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «أُكُلِ خَمْطٍ» بِالإضافَةِ وهو مِن بابِ (ثَوْبُ خَزٍّ)، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ «أُكْلٍ» بِسُكُونِ الكافِ والتَّنْوِينِ.

﴿ وأثْلٍ ﴾ ضَرْبٌ مِنَ الطَّرْفاءِ عَلى ما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ اللُّغَوِيُّ في كِتابِ النَّباتِ لَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالطَّرْفاءِ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ قَوْلًا أنَّهُ السَّمُرُ وهو عَطْفٌ عَلى ( أُكُلٍ ) ولَمْ يُجَوِّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى ﴿ خَمْطٍ ﴾ مُعَلِّلًا بِأنَّ الأثْلَ لا ثَمَرَ لَهُ، والأطِبّاءُ كَداوُدَ الأنْطاكِيِّ وغَيْرِهِ يَذْكُرُونَ لَهُ ثَمَرًا كالحِمَّصِ يَنْكَسِرُ عَنْ حَبٍّ صِغارٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ويُفَسِّرُونَ الأثْلَ بِالعَظِيمِ مِنَ الطَّرْفاءِ ويَقُولُونَ في الطَّرْفاءِ هو بَرِّيٌّ لا ثَمَرَ لَهُ وبُسْتانِيٌّ لَهُ ثَمَرٌ لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: لا يُعْتَمَدُ عَلى الكُتُبِ الطِّبِّيَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ونَحْنُ قَدْ حَقَّقْنا أنَّ لِلْأثْلِ ثَمَرًا.

وكَذا لِصِنْفٍ مِنَ الطَّرْفاءِ إلّا أنَّ ثَمَرَهُما لا يُؤْكَلُ ولَعَلَّ مُرادَ النّافِي نَفْيُ ثَمَرَةٍ تُؤْكَلُ، والأطِبّاءُ يَعُدُّونَ ما تُخْرِجُهُ الشَّجَرُ غَيْرَ الوَرَقِ ونَحْوِهِ ثَمَرَةً أُكِلَتْ أمْ لا، ومِثْلُهُ في العَطْفِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ وحَكى الفُضَيْلُ بْنُ إبْراهِيمَ أنَّهُ قُرِئَ «أثْلًا وشَيْئًا» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿ جَنَّتَيْنِ ﴾ .

والسِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ سِدْرانِ سِدْرٌ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغَسُولِ ولَهُ ثَمَرَةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَّ وسِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ اِنْتَهى.

واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا فَقِيلَ الثّانِي، ووُصِفَ بِقَلِيلٍ لَفْظًا ومَعْنًى أوْ مَعْنًى فَقَطْ، وذَلِكَ إذا كانَ نَعْتًا لِشَيْءٍ المُبَيَّنِ بِهِ، لِأنَّ ثَمَرَهُ مِمّا يَطِيبُ أُكُلُهُ فَجُعِلَ قَلِيلًا فِيما بَدَّلُوا بِهِ لِأنَّهُ لَوْ كَثُرَ كانَ نِعْمَةً لا نِقْمَةً، وإنَّما أُوتُوهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعَمِ الزّائِلَةِ لِتَكُونَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الأوَّلُ حَتْمًا لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ، ولَمْ يَذْكُرْ نُكْتَةَ الوَصْفِ بِالقَلِيلِ عَلَيْهِ.

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الوَصْفِ بِهِ مُطْلَقًا إنَّ السِّدْرَ لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ العَرَبِ ولِذا نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى وُجُودِهِ في الجَنَّةِ والبُسْتانِيُّ مِنهُ لا يُخْفى نَفْعُهُ، والبَرِيُّ يَسْتَظِلُّ بِهِ أبْناءُ السَّبِيلِ ويَأْنَسُونَ بِهِ، ولَهم فِيهِ مَنافِعُ أُخْرى ويَسْتَأْنِسُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ بِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  مَن قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ في النّارِ».

وبِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في مَرَضِ مَوْتِهِ: اُخْرُجْ يا عَلِيُّ فَقُلْ عَنِ اللَّهِ لا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَعَنَ اللَّهُ مَن يَقْطَعُ السِّدْرَ»».

وفِي مَعْناهُما عِدَّةُ أخْبارٍ لَها عِدَّةُ طُرُقٍ، والكُلُّ فِيما أرى مَحْمُولٌ عَلى ما إذا كانَ القَطْعُ عَبَثًا، ولَوْ كانَ السِّدْرُ في مِلْكِهِ، وقِيلَ في ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِسِدْرِ المَدِينَةِ، وإنَّما نُهِيَ عَنْ قَطْعِهِ لِيَكُونَ إنْسًا وظِلًّا لِمَن يُهاجِرُ إلَيْها، وقِيلَ بِسِدْرِ الفَلاةِ لِيَسْتَظِلَّ بِهِ أبْناءُ السَّبِيلِ والحَيَوانِ، وقِيلَ بِسِدْرِ مَكَّةَ لِأنَّها حَرَمٌ، وقِيلَ بِما إذا كانَ في مِلْكِ الغَيْرِ وكانَ القَطْعُ بِغَيْرِ حَقِّ، والكُلُّ كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فَفي التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ ما يُشِيرُ إلى أنَّ لَهُ شَأْنًا فَلَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما آلَ إلَيْهِ حالُ أُولَئِكَ المُعْرِضِينَ وما بَدَّلُوا بِجَنَّتَيْهِمْ أتى جَلَّ وعَلا بِما يَتَضَمَّنُ الإيذانَ بِحَقارَةِ ما عُوِّضُوا بِهِ وهو مِمّا لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ العَرَبِ أعْنِي السِّدْرَ وقِلَّتَهُ، والإيذانُ بِالقِلَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا الإيذانُ بِالحَقارَةِ فَمِن ذِكْرِ شَيْءٍ والعُدُولِ عَنْ أنْ يُقالَ (وسِدْرٍ قَلِيلٍ) مَعَ أنَّهُ الأخْصَرُ الأوْفَقُ بِما قَبْلَهُ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى غايَةِ اِنْعِكاسِ الحالِ حَيْثُ أوْمَأ الكَلامُ إلى أنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا بَعْدَ إذْهابِ جَنَّتَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا لِجِنْسِهِ شَأْنٌ عِنْدَ العَرَبِ إلّا السِّدْرَ وما أُوتُوهُ مِن هَذا الجِنْسِ حَقِيرٌ قَلِيلٌ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ مَعَ أنَّهُ ما سَمِعْتَ لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ قرئ بالنصب والكسر.

وقد ذكرناه من قبل.

فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله أرضاً والأول أشبه.

لأنه روي عن النبيّ  أنه سئل عن سبأ.

فقال: «هُوَ اسمُ رَجُلٍ» .

ويقال: هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هي من قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبياً- عليهم السلام- إلى ثلاث عشر قرية باليمن اتبع بعضهم بعضاً، حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ.

وقرية أخرى، فأتوهم فذكروهم نعم الله عز وجل وخوفوهم عقابه.

وروى أسباط عن السدي قال: كانت أرضهم أرضاً خصيبة، وكانت المرأة تخرج على رأسها مكتلاً فلا ترجع حتى تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها، وكان الماء يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين، وكانوا قد ردموا ردماً بين جبلين فحبسوا الماء، وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم.

ويقال: كان لهم وادي.

وكان للوادي ثلاث درفات.

فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة العليا، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى، وإذا قلّ الماء فتحوا الدرفة السفلى.

فأخصبوا، وكثرت أموالهم، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا.

فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم، بعث الله عز وجل عليهم جرذاً، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه.

وكان كاهناً فقال: ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة.

فدعى ابن أخ له فقال: إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني.

فقل: أي عم أعطني ميراثي من أبي.

فإني سأقول: وهل ترك أبوك شيئاً؟

فأردد علي وكذبني.

فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني.

فقال: أي عم ما كنت لأفعل هذا بك؟

قال: بلى.

فلما رأى لعمه في ذلك هوًى.

قال: أفعل ما تأمرني، ففعل.

فقال عمران بن عامر: لله علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي.

فلما عرفوا منه الجد قال هذا: أعطيك كذا.

فنظر إلى أجودهم صفقة.

فقال: عجل إليَّ مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها، فعجل إليه ماله، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم، وتفرقوا في البلدان.

فذلك قوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ قرأ الكسائي: فِي مَسْكَنِهِمْ بكسر الكاف والنون.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: مَسْكَنِهِمْ بنصب الكاف وكسر النون.

وقرأ الباقون: مساكنهم بالألف.

والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع.

والمساكين جمع مسكين.

وقد قيل: المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم آيَةٌ أي: علامة ظاهرة لوحدانيتي جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ يعني: بستانان عن يمين الوادي، وعن شماله.

وإنما أراد بالبستان البساتين.

ويقال: بساتين عن يمين الطريق، وبساتين عن شماله.

فأرسل الله تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ يعني: من فضل ربكم وَاشْكُرُوا لَهُ فيما رزقكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ يعني: هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة وَرَبٌّ غَفُورٌ لمن تاب من الشرك فَأَعْرَضُوا عن الإيمان.

وقالوا: من ذا الذي يأخذ منا النعم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ والعرم هو اسم لذلك الوادي.

ويقال: اسم للمنشأة.

ويقال: هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء.

وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها، وندت أنعامهم، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ يعني: أبدلهم الله تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك وَأَثْلٍ يعني: الطرفاء وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ والسدر كانوا يستظلون في ظله، ويأكلون من ثمره.

وقرأ أبو عمرو: أُكُلٍ بكسر اللام بغير تنوين.

وقرأ الباقون: بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد ذَواتَيْ ثمر يؤكل ثم قال: خَمْطٍ بدلاً من أكل.

والمعنى: ذواتي خمط وأكله ثمرة.

ومن قرأ: بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط.

والخمط هو الأراك في اللغة المعروفة.

وقال بعضهم: كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله فهو خمط.

ثم قال: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ يعني: ذلك الذي أصابهم عقوبة لهم عاقبناهم بِما كَفَرُوا أي: بكفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ يعني: وهل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى.

ويقال: الْكَفُورَ الكافر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَهَلْ نُجازِي بالنون وكسر الزاي إِلَّا الْكَفُورَ بالنصب.

وقرأ الباقون يجازي بالياء وفتح الزاي إِلَّا الْكَفُورَ بالضم.

فمن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.

والكفور ينصب لوقوع الفعل عليه.

ومن قرأ يجازى بالياء فهو على فعل ما لم يسم فاعله.

يعني: هل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى.

ويقال: هل يجازي الله.

ومعنى الآية: أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات، وأما الكافر فإنه يحبط عمله كله، فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [محمد: 1] أي: أبطل أعمالهم وأحبطها، فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ( لِقَدٍّ كانَ لِسَبَإ في مَساكِنِهِمْ آيَة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " في مَساكِنِهِمْ " .

وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " مَسْكَنِهِمْ " بِفَتْحِ الكافِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " مَسْكِنِهِمْ " بِكَسْرِ الكافِ، وهي لُغَةٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِسَبَإٍ هاهُنا: القَبِيلَةُ الَّتِي هم مِن أوْلادِ سَبَإ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (النَّمْلِ: ٢٢) الخِلافَ في هَذا، وأنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: هو اسْمُ بَلَدٍ، ولَيْسَ بِاسْمِ رَجُلٍ.

وذَكَرَ الزَّجّاجُ في هَذا المَكانِ أنَّ مَن قَرَأ: " لِسَبَأ " بِالفَتْحِ وتَرْكِ الصَّرْفِ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، ومَن صَرَفَ وكَسَرَ ونَوَّنَ، جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ واسْمًا لِرَجُلٍ؛ وكُلٌّ جائِزٌ حَسَنٌ.

و ﴿ آيَةٌ ﴾ رَفْعٌ، اسْمُ " كانَ "، و ﴿ جَنَّتانِ ﴾ رَفْعٌ عَلى نَوْعَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن " آيَةٌ "، والثّانِي: عَلى إضْمارٍ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: " آيَةٌ "، قِيلَ: الآيَةُ جَنَّتانِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ العُلَماءُ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا مَلَكَتْ [قَوْمَها] جَعَلَ قَوْمُها يَقْتَتِلُونَ عَلى ماءِ وادِيهِمْ، فَجَعَلَتْ تَنْهاهم فَلا يُطِيعُونَها، فَتَرَكَتْ مُلْكَها وانْطَلَقَتْ إلى قَصْرِها فَنَزَلْتُهُ، فَلَمّا كَثُرَ الشَّرُّ بَيْنَهم ونَدِمُوا، أتَوْها فَأرادُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فَأبَتْ، فَقالُوا: لِتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقالَتْ: إنَّكم لا تُطِيعُونَنِي ولَيْسَتْ لَكم عُقُولٌ، فَقالُوا: فَإنّا نُطِيعُكِ، فَجاءَتْ إلى وادِيهِمْ- وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ أيّامٍ- فَأمَرَتْ بِهِ، فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسَنّاةٍ، وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ، وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً وجَعَلَتْ فِيها اثْنَيْ عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، فَكانَ الماءُ يَخْرُجُ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، إلى أنْ كانَ مِن شَأْنِها مَعَ سُلَيْمانَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ [النَّمْلِ: ٢٩- ٤٤]، وبَقُوا بَعْدَها عَلى حالِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّما بَنَوْا ذَلِكَ البُنْيانَ لِئَلّا يَغْشى السَّيْلُ أمْوالَهم فَيُهْلِكَها، فَكانُوا يَفْتَحُونَ مِن أبْوابِ السَّدِّ ما يُرِيدُونَ، فَيَأْخُذُونَ مِنَ الماءِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وكانَتْ لَهم جَنَّتانِ عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وعَنْ شِمالِهِ، فَأخْصَبَتْ أرْضُهُمْ، وكَثُرَتْ فَواكِهُهُمْ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَمُرُّ بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ والمِكْتَلُ عَلى رَأْسِها، فَتَرْجِعُ وقَدِ امْتَلَأ مِنَ الثَّمَرِ ولا تَمَسُّ بِيَدِها شَيْئًا مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ [يُرى] في بَلَدِهِمْ حَيَّةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ، ويَمُرُّ الغَرِيبُ بِبَلْدَتِهِمْ وفي ثِيابِهِ القَمْلُ، فَيَمُوتُ القَمْلُ لِطِيبِ هَوائِها.

وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ أيْ: هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، أوْ بَلْدَتُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ولَمْ تَكُنْ سَبِخَةً ولا فِيها ما يُؤْذِي ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ أيْ: واللَّهُ رَبٌّ غَفُورٌ، وكانَتْ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَرْيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، ولَمْ يُقِرُّوا بِنِعَمِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأعْرَضُوا ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، وكَذَّبُوا أنْبِياءَهم ﴿ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ العَرِمَ: الشَّدِيدُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرِمُ: السَّيْلُ الَّذِي لا يُطاقُ.

والثّانِي: [أنَّهُ] اسْمُ الوادِي، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَنّاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو مَيْسَرَةَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرِمُ: جَمْعُ عِرَمَةٍ، وهِيَ: السِّكْرُ والمُسَنّاةُ.

والرّابِعُ: أنَّ العَرِمَ: الجُرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمُ السِّكْرَ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي صِفَةِ إرْسالِ هَذا السَّيْلِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلى سِكْرِهِمْ دابَّةً مِنَ الأرْضِ فَنَقَبَتْ فِيهِ نَقْبًا، فَسالَ ذَلِكَ الماءُ إلى مَوْضِعٍ غَيْرِ المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا يُسَمّى الخُلْدَ- والخُلْدُ: الفَأْرُ الأعْمى- فَنَقَبَهُ مِن أسْفَلِهِ، فَأغْرَقَ اللَّهُ [بِهِ] جَنّاتِهِمْ، وخَرَّبَ بِهِ أرْضَهم.

والثّانِي: أنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ ماءً أحْمَرَ، أرْسَلَهُ في السَّدِّ فَنَسَفَهُ وهَدَمَهُ وحَفَرَ الوادِيَ، ولَمْ يَكُنِ الماءُ أحْمَرَ مِنَ السَّدِّ، وإنَّما كانَ سَيْلًا أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي اللَّتَيْنِ تُطْعِمانِ الفَواكِهَ ﴿ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أُكُلٍ " بِالتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: " أُكُلِ " بِالإضافَةِ.

وخَفَّفَ الكافَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وثَقَّلَها الباقُونَ.

أمّا الأُكُلُ، فَهو الثَّمَرُ.

وَفِي المُرادِ بِـ الخَمْطِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأراكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ؛ فَعَلى هَذا، أُكُلُهُ: ثَمَرُهُ؛ ويُسَمّى ثَمَرُ الأراكِ: البَرِيرَ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَجَرَةٍ ذاتِ شَوْكٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ نَبْتٍ قَدْ أخَذَ طَعْمًا مِنَ المَرارَةِ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ، الخَمْطُ: اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ، فَيَحْسُنُ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن نَوَّنَ الأُكُلَ؛ وعَلى ما قَبْلَهُ، هو اسْمُ شَجَرَةٍ، والأُكُلُ ثَمَرُها، فَيَحْسُنُ قِراءَةُ مَن أضافَ.

فَأمّا الأثْلُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الطَّرْفاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّمُرَ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَجَرٌ يُشْبِهُ الطُّرَفاءَ إلّا أنَّهُ أعْظَمُ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ، وتَقْدِيرُهُ: وشَيْءٌ قَلِيلٌ مِن سِدْرٍ، وهو شَجَرُ النَّبْقِ.

والمَعْنى أنَّهُ كانَ الخَمْطُ والأثْلُ في جَنَّتَيْهِمْ أكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ.

قالَ قَتادَةُ: بَيْنا شَجَرُهم مِن خَيْرِ الشَّجَرِ، إذْ صَيَّرَهُ اللَّهُ مِن شَرِّ الشَّجَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهُمْ ﴾ أيْ: ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم ﴿ بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: قَدْ يُجازى المُؤْمِنُ والكافِرُ، فَما مَعْنى هَذا التَّخْصِيصِ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُؤْمِنَ يُجْزى ولا يُجازى، فَيُقالُ في أفْصَحِ اللُّغَةِ: جَزى اللَّهُ المُؤْمِنَ، ولا يُقالُ: جازاهُ، لِأنَّ " جازاهُ " بِمَعْنى كافَأهُ، فالكافِرُ يُجازى بِسَيِّئَتِهِ مِثْلَها، مُكافَأةً لَهُ، والمُؤْمِنُ يُزادُ في الثَّوابِ ويُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ تُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ، فَهو يُجازى بِجَمِيعِ الذُّنُوبِ، والمُؤْمِنُ قَدْ أحْبَطَتْ حَسَناتُهُ سَيِّئاتِهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وقالَ طاوُوسٌ: الكافِرُ يُجازى ولا يُغْفَرُ لَهُ، والمُؤْمِنُ لا يُناقَشُ الحِسابَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ﴾ ؛ والمَعْنى: كانَ مِن قِصَصِهِمْ أنّا جَعَلْنا بَيْنَهم ﴿ وَبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها ﴾ وهِيَ: قُرى الشّامِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ فِيها [الأنْبِياءِ: ٧١] هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وحَكى ابْنُ السّائِبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْلَكَ جَنَّتَيْهِمْ قالُوا لِلرُّسُلِ: قَدْ عَرَفْنا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْنا، فَلَئِنْ رَدَّ إلَيْنا ما كُنّا عَلَيْهِ لَنَعْبُدَنَّهُ عِبادَةً شَدِيدَةً، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ، وجَعَلَ لَهم قُرًى ظاهِرَةً فَعادُوا إلى الفَسادِ وقالُوا: باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا، فَمُزِّقُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُرًى ظاهِرَةً ﴾ أيْ: مُتَواصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ ﴿ وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَغْدُونَ فَيَقِيلُونَ في قَرْيَةٍ، ويَرُوحُونَ فَيَبِيتُونَ في قَرْيَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ ما بَيْنَ القَرْيَةِ والقَرْيَةِ مِقْدارًا واحِدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سِيرُوا فِيها ﴾ والمَعْنى: وقُلْنا لَهُمْ: سِيرُوا فِيها ﴿ لَيالِيَ وأيّامًا ﴾ أيْ: لَيْلًا ونَهارًا ﴿ آمِنِينَ ﴾ مِن مَخاوِفِ السَّفَرِ مِن جُوعٍ أوْ عَطَشٍ أوْ سَبُعٍ أوْ تَعَبٍ.

وكانُوا يَسِيرُونَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ في أمانٍ، فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ ومَلُّوها كَما مَلَّ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ والسَّلْوى فَقالُوا رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَعِّدْ " بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وكَسْرِها.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " باعِدْ " بِألِفٍ وكَسْرِ العَيْنِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقِراءَتَيْنِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم قالُوا: لَوْ كانَتْ جَنّاتُنا أبْعَدَ مِمّا هِيَ، كانَ أجْدَرَ أنْ يُشْتَهى جَناها.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا ذَكَّرَتْهُمُ الرُّسُلُ نِعَمَ اللَّهِ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ نِعْمَةً، وَسَألُوا اللَّهَ أنْ يُباعِدَ بَيْنَ أسْفارِهِمْ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ: [ " رَبُّنا " بِرَفْعِ الباءِ] " باعَدَ " بِفَتْحِ العَيْنِ والدّالِ، جَعَلَهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ لِلنّاسِ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِمْ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [السُّلَمِيُّ]، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بَعُدَ " بِرَفْعِ العَيْنِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ الدّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، عَلى طَرِيقِ الشِّكايَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " بُوعِدَ " بِرَفْعِ الباءِ وبِواوٍ ساكِنَةٍ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ.

والثّانِي: بِقَوْلِهِمْ " بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا " .

﴿ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ﴾ لِمَن بَعْدَهم يَتَحَدَّثُونَ بِما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أيْ: فَرَّقْناهم في كُلِّ وجْهٍ مِنَ البِلادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا غَرَّقَ مَكانَهم وأذْهَبَ جَنَّتَيْهِمْ تَبَدَّدُوا في البِلادِ، فَصارَتِ العَرَبُ تَتَمَثَّلُ في الفِرْقَةِ بِسَبَأٍ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ: فِيما فُعِلَ بِهِمْ ﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ: لَعِبَرًا ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ ﴾ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ ﴿ شَكُورٍ ﴾ لِنِعَمِهِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ " عَلَيْهِمْ " بِمَعْنى " فِيهِمْ "، وَصِدْقُهُ في ظَنِّهِ أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ أنَّهم يَتَّبِعُونَهُ إذْ أغْواهُمْ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ.

وإنَّما قالَ: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ بِالظَّنِّ، لا بِالعِلْمِ، فَمَن قَرَأ: " صَدَّقَ " بِتَشْدِيدِ الدّالِ، فالمَعْنى: حَقَّقَ ما ظَنَّهُ فِيهِمْ بِما فُعِلَ بِهِمْ؛ ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى: صَدَقَ عَلَيْهِمْ في ظَنِّهِ بِهِمْ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ سَبَإٍ.

والثّانِي: سائِرُ المُطِيعِينَ لِإبْلِيسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢ قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما ضَرَبَهم بِعَصًا ولا قَهْرَهم عَلى شَيْءٍ إلّا أنَّهُ دَعاهم إلى الأمانِيِّ والغُرُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ: ما كانَ تَسْلِيطُنا إيّاهُ إلّا لِنَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشّاكِّينَ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: " إلّا لِيُعْلَمَ " بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: " لِيَعْلَمَ " بِفَتْحِ الياءِ.

وَفِي المُرادِ بِعِلْمِهِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ ٍ قَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ (العَنْكَبُوتِ: ٣) .

﴿ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الشَّكِّ والإيمانِ ﴿ حَفِيظٌ ﴾ ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والحَفِيظُ بِمَعْنى الحافِظِ.

قالَ الخَطّابِيُّ: وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كالقَدِيرِ، والعَلِيمِ، فَهو يَحْفَظُ السَّماواتِ والأرْضَ بِما فِيها لِتَبْقى مُدَّةَ بَقائِها، ويَحْفَظَ عِبادَهُ مِنَ المَهالِكِ، ويَحْفَظَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ، ويَعْلَمَ نِيّاتِهِمْ، ويَحْفَظَ أوْلِياءَهُ عَنْ مُواقَعَةِ الذُّنُوبِ، ويَحْرُسُهم مِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ﴿ فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ هَذا مَثَلٌ لِقُرَيْشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُسُلَ فَكَفَرُوا وأعْرَضُوا فانْتَقَمَ اللهُ مِنهُمْ، أيْ: فَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم.

وسَبَإٍ: هُنا أرادَ بِهِ القَبِيلَ، واخْتُلِفَ، لِمَ سُمِّيَ القَبِيلُ بِذَلِكَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّ القَبِيلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في كِتابِ الرُمّانِيِّ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ، فَسُمِّيَ القَبِيلُ بِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ هُوَ أبًا لِلْقَبِيلِ كُلِّهِمْ، قِيلَ: هو ابْنُ يَشْجُبِ بْنِ يَعْرُبَ، ورُوِيَ في هَذا القَوْلِ حَدِيثٌ «أنَّ النَبِيَّ  سَألَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عن سَبَإٍ، ما هُوَ؟

فَقالَ: "هُوَ اسْمُ رَجُلٍ مِنهُ تَناسَلَتْ قَبائِلُ اليَمَنِ".» وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "لِسَبَإٍ" بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ مَكْسُورَةٍ، عَلى مَعْنى الحَيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لِسَبَأ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرِ مَصْرُوفٍ، عَلى مَعْنى القَبِيلَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مَساكِنَهُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فِي مَسْكِنِهِمْ" بِكَسْرِ الكافِ، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وعَلْقَمَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ حَسَنٌ أيْضًا، لَكِنَّ هَذا كَما قالُوا: "مَسْجِدٌ"، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَرى هَذا اسْمَ البَيْتِ، ولَيْسَ مَوْضِعَ السُجُودِ، قالَ: هي لُغَةُ الناسِ اليَوْمَ، والفَتْحُ هي لُغَةُ الحِجازِ، وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ: "مَسْكَنَهُمْ" بِفَتْحِ الكافِ، عَلى المَصْدَرِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهي قِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ، وهَذا الإفْرادُ هو كَما قالَ الشاعِرُ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَخِفُّوا وَكَما قالَ الآخَرُ: قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ و"آيَةٌ" مَعْناها: عِبْرَةٌ وعَلامَةٌ عَلى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِهِ، و"جَنَّتانِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عن يَمِينٍ وشِمالٍ ﴾ ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي جَنَّتانِ، وهي جُمْلَةٌ بِمَعْنى: هَذِهِ حالُهُمْ، والبَدَلُ مِن "آيَةٌ" ضَعِيفٌ، وقَدْ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["آيَةٌ جَنَّتَيْنِ"] بِالنَصْبِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في ناحِيَةِ اليَمَنِ وادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وكانَتْ حُقَّتا الوادِي عِنْدَ أوَّلِ الجَبَلَيْنِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِن حِجارَةٍ مِنَ الجَبَلِ فارْتَدَعَ الماءُ فِيهِ وصارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وأخَذَ الماءُ مِن جَنْبَتَيْها فَمَشى مُرْتَفِعًا يَسْقِي جَنّاتِ جَنْبَتَيِ الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بَلْقِيسُ، وقِيلَ: بَناهُ حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَةِ كُلِّها، وكانُوا بِهَذِهِ الحالِ في أرْغَدِ نِعَمٍ، وكانَتْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ قُرًى ظاهِرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مِنَ اليَمَنِ إلى الشامِ، وكانُوا أرْبابَ تِلْكَ البِلادِ في ذَلِكَ الزَمانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ["كُلُوا"]﴾ فِيهِ حَذْفٌ، كَأنَّهُ قالَ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، و["طَيِّبَةٌ"] مَعْناهُ: كَرِيمَةُ التُرْبَةِ، حَسَنَةُ الهَواءِ، رَغْدَةٌ مِنَ النِعَمِ، سَلِيمَةُ مِنَ الهَوامِّ والمَضارِّ، هَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ ذَلِكَ الوادِي - فِيما رُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَدْخُلُهُ بَرْغُوثٌ ولا قَمْلَةٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ الضارِّ، وإذا جاءَ بِهِ أحَدٌ مِن سَفَرٍ سَقَطَ عِنْدَ أوَّلِ الوادِي، ورُوِيَ أنَّ الماشِيَ بِمِكْتَلٍ فَوْقَ رَأْسِهِ بَيْنَ أشْجارِهِ كانَ يَمْتَلِئُ مِكْتَلُهُ دُونَ أنْ يَمُدَّ يَدًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والشُرْبِ والتَوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلَدِ والغُفْرانِ مِنَ الرَبِّ مَعَ الإيمانِ هي مِن قَوْلِ الأنْبِياءِ لَهم.

وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: ["بَلْدَةً طَيِّبَةً ورَبًّا غَفُورًا"] بِالنَصْبِ في الكُلِّ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِمْ وأعْرَضُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ السَدِّ جَرادًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ وخَرَّقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأرْسَلَ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي فَحَمَلَ ذَلِكَ السَدَّ، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجَنّاتِ وكَثِيرًا مِنَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا خُرِقَ السَدُّ كانَ ذَلِكَ سَبَبُ يُبْسِ الجَنّاتِ فَهَلَكَتْ بِهَذا الوَجْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ صَرَّفَ الماءَ مِن مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا فَتَعَطَّلَ سَقْيُ الجَنّاتِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظَةِ ﴿ ["العَرِمِ"]،﴾ فَقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عَرِمَةٍ، وهو كُلُّ ما بُنِيَ أو سُنِّمَ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ ذَلِكَ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ: المُسَنّاةُ.

كَأنَّها الجُسُورُ والسِدادُ ونَحْوُها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: وفي ذَلِكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَأْرَبُ عَضَّ عَلَيْها العَرِمْ رِخامٌ بَناهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اسْمُ وادِي ذَلِكَ الماءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ السَدُّ يُبْنى لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: إنَّ سَيْلَ ذَلِكَ الوادِي أبَدًا كانَ يَصِلُ إلى مَكَّةَ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرِمُ: الشَدِيدُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ، مِنَ العَرامَةِ، والإضافَةُ إلى الصِفَةِ مُبالَغَةٌ، وهي كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَرِمُ: اسْمُ الجُرَذِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقِيلَ: العَرِمُ: صِفَةٌ لِلْمَطَرِ الشَدِيدِ الَّذِي كانَ عِنْدَ ذَلِكَ السَيْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾ قَوْلٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ واسْتِعارَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّ البَدَلَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ لَمْ يَكُنْ جَنّاتٍ، لَكِنَّ هَذا كَما تَقُولُ لِمَن جُرِّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وضُرِبَ ظَهْرُهُ: "هَذا الضَرْبُ ثَوْبٌ صالِحٌ لَكَ"، ونَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَواتَيْ" ﴾ تَثْنِيَةُ "ذاتٍ".

و"الخَمْطُ": شَجَرُ الأراكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "الخَمْطُ" كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وثَمَرَتُهُ كَرِيهَةُ الطَعْمِ بِمَرارَةٍ، أو حُمَّصَةٌ، أو نَحْوُهُ، ومِنهُ: تَخَمَّطَ اللَبَنُ: إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ.

و"الأثْلُ" ضَرْبٌ مِنَ الطَرْفاءِ، هَذا هو الصَحِيحُ، وكَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ في كِتابِ النَباتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هو شَجَرٌ شَبِيهٌ بِالطَرْفاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ السَمُرُ.

و"السِدْرُ" مَعْرُوفٌ، ولَهُ نَبَقٌ شَبِيهُ العُنّابِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ في الطَعْمِ بِكَثِيرٍ.

و"لِلْخَمْطِ" ثَمَرٌ غَثٌّ هو البَرِيرُ، و"لِلْأثْلِ" ثَمَرٌ قَلِيلُ الغِناءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَعْمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ: "أُكْلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ، ورُوِيَ أيْضًا عن أبِي عَمْرٍو سُكُونُ الكافِ، وهُما بِمَعْنى الجَنى والثَمَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها  ﴾ أيْ: جَناها.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَنْوِينِ ﴿ "أُكُلٍ" ﴾ وصِفَتِهُ "خَمْطٍ" وما بَعْدَهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: البَدَلُ هَذا لا يَحْسُنُ؛ لِأنَّ "الخَمْطَ" لَيْسَ بِالأكْلِ، و"الأكْلُ" لَيْسَ بِالخَمْطِ نَفْسِهِ، والصِفَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَمْطَ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَطْفُ البَيانِ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ "الأُكُلَ" هَذِهِ الشَجَرَةَ ومِنها، ويُحَسِّنُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أنَّ هَذا الِاسْمَ قَدْ جاءَ مَجِيءَ الصِفَةِ في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: عُقارٌ كَماءِ النِيءِ لَيْسَتْ بِخَمْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا خَلَّةٍ يَكْوِي الشَرُوبَ شِهابُها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ "أكْلٍ" إلى "خَمْطٍ" وبِضَمِّ الكافِ، أيْ: "أُكُلِ خَمْطٍ"، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهَلْ نُجازِي ﴾ ، أيْ: يُناقَشُ ويُعارَضُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، قَدْرًا بِقَدْرٍ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هو بِتَفَضُّلٍ وتَضْعِيفٍ، وأمّا الَّذِي لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ فَهو الكَفُورُ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ طاوُسُ: هي المُناقَشَةُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ المُؤْمِنُ ذا ذُنُوبٍ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ ولا يُجازى، والكافِرُ يُجازى ولا بُدَّ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُجازى" بِالياءِ وفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُجازِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ ﴿ "الكَفُورَ" ﴾ بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَهَلْ يُجْزى"، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّهُ قَرَأ "يُجْزِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ.

قالَ الزَجّاجُ: يُقالُ: جَزَيْتُ في الخَيْرِ، وجازَيْتُ في الشَرِّ.

فَتُرَجِّحُ هَذِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ واشكروا له ﴾ [سبأ: 15] وقع اعتراضاً بين أجزاء القصة التي بقيتها قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى ﴾ [سبأ: 18] الخ.

وهو اعتراض بالفاء مثل قوله تعالى: ﴿ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ﴾ وتقدم في سورة الأنفال (14).

والإِعراض يقتضي سبق دعوة رسول أو نبيء، والمعنى: أعرضوا عن الاستجابة لدعوة التوحيد بالعود إلى عبادة الشمس بعد أن أقلعوا في زمن سليمان وبلقيس، فلعل بلقيس كانت حولتهم من عبادة الشمس فقد كانت الأمم تتبع أديان ملوكهم، وقد قيل إن بلقيس لم تعمر بعد زيارة سليمان إلا بضع سنين.

والإِرسال: الإطلاق وهو ضد الحبس، وتعديته بحرف (على) مؤذنة بأنه إرسال نقمة فإن سيل العرم كان محبوساً بالسد في مأرب فكانوا يرسلون منه بمقدار ما يَسقون جناتهم، فلما كفروا بالله بعد الدعوة للتوحيد قدر الله لهم عقاباً بأن قدر أسباب انهدام السد فاندفع ما فيه من الماء فكان لهم غرقاً وإتلافاً للأنعام والأشجار، ثم أعقبه جفاف باختلال نظام تساقط الأمطار وانعدام الماء وقت الحاجة إليه، وهذا جزاء على إعراضهم وشركهم.

والعرم } يجوز أن يكون وصفاً من العرامة وهي الشدة والكثرة فتكون إضافة «السيل» إلى ﴿ العرم ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة.

ويجوز أن يكون ﴿ العرم ﴾ اسماً للسيل الذي كان ينصبّ في السد فتكون الإِضافة من إضافة المسمى إلى الاسم، أي السيْل العرم.

وكانت للسيول والأودية في بلاد العرب أسماء كقولهم: سيل مهزور ومذينيب الذي كانت تسقى به حدائق المدينة، ويَدل على هذا المعنى قول الأعشى: ومأرب عفى علَيها العَرم *** وقيل: ﴿ العرم ﴾ اسم جمع عرَمَة بوزن شَجرة، وقيل لا واحد له من لفظه وهو ما بني ليمسك الماء لغة يمنية وحبشية.

وهي المسناة بلغة أهل الحجاز، والمسناة بوزن مفعلة التي هي اسم الآلة مشتق من سنيت بمعنى سَقيت، ومنه سميت الساقية سانية وهي الدلو المستقى به والإِضافة على هذين أصيلة.

والمعنى: أرسلنا السيل الذي كان مخزوناً في السدّ.

وكان لأهل سبأ سدّ عظيم قرب بلاد مأرب يعرف بسد مأْرب (ومأرب من كور اليمن) وكان أعظم السداد في بلاد اليمن التي كانت فيها سداد كثيرة متفرقة وكانوا جعلوا هذه السداد لخزن الماء الذي تأتي به السيول في وقت نزول الأمطار في الشتاء والربيع ليسقوا منها المزارع والجنات في وقت انحباس الأمطار في الصيف والخريف فكانوا يعمدون إلى ممرات السيول من بين الجبال فيبنون في ممر الماء سوراً من صخور يبنونها بناء محكماً يصبون في الشقوق التي بين الصخور القَار حتى تلتئم فينحبس الماء الذي يسقط هنالك حتى إذا امتلأ الخَزَّان جعلوا بجانبيه جوابي عظيمة يصب فيها الماء الذي يفيض من أعلى السد فيقيمون من ذلك ما يستطيعون من توفير الماء المختزَن.

وكان سدّ مأرب الذي يُحفظ فيه ﴿ سيل العرم ﴾ شَرع في بنائه سبأ أول ملوك هذه الأمة ولم يتمه فأتمه ابنه حِمير.

وأما ما يقال من أن بلقيس بنته فذلك اشتباه إذ لعل بلقيس بنت حوله خزانات أخرى فرعية أو رممت بناءه ترميماً أطلق عليه اسم البناء، فقد كانوا يتعهدون تلك السداد بالإِصلاح والترميم كل سنة حتى تبقى تجاه قوة السيول الساقطة فيها.

وكانوا يجعلون للسد منافذ مغلقة يزيلون عنها السَّكْر إذا أرادوا إرسال الماء إلى الجنات على نوبات يرسل عندها الماء إلى الجهات المتفرقة التي تسقى منه إذ جعلوا جناتهم حول السد مجتمعة.

وكان يصب في سد مأرب سبعون وادياً.

وجعلوا هذا السد بين جبلين يعرف كلاهما بالبَلَق فهما البلَق الأَيمن والبلق الأَيسر.

وأعظم الأودية التي كانت تَصبّ فيه اسمه «إذنه» فقالوا: إن الأودية كانت تأتي إلى سبأ من الشحْر وأودية اليمن.

وهذا السد حائط طُوله من الشرق إلى الغرب ثمانمائة ذراع وارتفاعه بضع عشرة ذراعاً وعرضه مائة وخمسون ذراعاً.

وقد شاهده الحَسَن الهمداني ووصفه في كتابه المسمى ب«الإِكليل» وهو من أهل أوائل القرن الرابع بما سمعت حاصله.

ووصفه الرحالة (أرنو) الفرنسي سنة 1883 والرحالة (غلازر) الفرنسي.

ولا يعرف وقت انهدام هذا السد ولا أسباب ذلك.

والظاهر أن سبب انهدامه اشتغال ملوكهم بحروب داخلية بينهم ألهتهم عن تفقد ترميمه حتى تخرب، أو يكون قد خربه بعض من حاربهم من أعدائهم، وأما ما يذكر في القصص من أن السد خربته الجرذان فذلك من الخرافات.

وفي ﴿ العرم ﴾ قال النابغة الجعدي: من سَبَإِ الحاضرين مأرب إذ *** يبنون من دون سيله العَرِما والتبديل: تعويض شيء بآخر وهو يتعدى إلى المأخوذ بنفسه وإلى المبذول بالباء وهي باء العوض كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ في سورة النساء (2).

فالمعنى: أعطيناهم أشجار خَمْط وأثْل وسِدر عوضاً عن جنتيهم، أي صارت بلادهم شَعْراء قاحلة ليس فيها إلا شجر العِضاه والبادية، وفيما بين هذين الحالين أحوال عظيمة انتابتهم فقاسوا العطش وفقدان الثمار حتى اضطروا إلى مفارقة تلك الديار، فلما كانت هذه النهاية دالة على تلك الأحوال طوي ذكر ما قبلها واقتصر على وبدّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتيْ أكل خمط} إلى آخره.

وإطلاق اسم الجنتين على هذه المنابت مشاكلة للتهكم كقول عمرو بن كلثوم: قريناكم فعجلنا قِراكم *** قبيل الصُبح مِرداة طحونا وقوله تعالى: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [الانشقاق: 24].

وقد وصف الأعشى هذه الحالة بدءاً ونهاية بقوله: وفي ذاكَ للمؤنسي عِبرة *** ومأْرب عَفى عليها العرم رخام بنته لهم حِمير *** إذا جاء مَوَّاره لم يَرم فأروى الزروع وأعنابها *** على سَعة ماؤهم إذا قُسم فعاشوا بذلك في غبطة *** فحاربهم جارف منهزم فطار القيول وقيلاتها *** ببهماء فيها سراب يطِم فطاروا سراعاً وما يقدرو *** ن منه لشرب صُبيّ فُطِم والخَمْط: شَجر الأراك.

ويطلق الخمط على الشيء المُرّ.

والأثل: شجر عظيم من شجر العضاه يشبه الطرفاء.

والسدر: شجر من العضاه أيضاً له شَوْك يشبه شجر العناب.

وكلها تنبت في الفيافي.

والسدر: أكثرها ظلاً وأنفعها لأنه يغسل بورقه مع الماء فينظف وفيه رائحة حسنة ولذلك وصف هنا بالقليل لإِفادة أن معظم شجرهم لا فائدة منه، وزيد تقليله قلة بذكر كلمة ﴿ شَيء ﴾ المؤذنة في ذاتها بالقلة.

يقال: شيء من كذا، إذا كان قليلاً.

وفي القرآن: ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ [يوسف: 67].

والأُكل بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف: المأكول.

قرأه نافع وابن كثير بضم الهمزة وسكون الكاف.

وقرأه باقي العشرة بضم الكاف.

وقرأ الجمهور ﴿ أكل ﴾ بالتنوين مجروراً فإذا كان ﴿ خمط ﴾ مراداً به الشجر المسمّى بالخمط، فلا يجوز أن يكون ﴿ خمط ﴾ صفة ل ﴿ أكل ﴾ لأن الخمط شجر، ولا أن يكون بدلاً من ﴿ أكل ﴾ كذلك، ولا عطف بيان كما قدره أبو علي لأن عطف البيان كالبدل المطابق، فتعين أن يكون ﴿ خمط ﴾ هنا صفة يقال: شيء خَامط إذا كان مُرًّا.

وقرأه أبو عمرو ويعقوب ﴿ أكل ﴾ بالإِضافة إلى ﴿ خمط ﴾ ، فالخمط إِذَن مراد به شجر الأراك، وأُكله ثمره وهو البَرير وهو مرّ الطعم.

ومعنى ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ﴿ أُكل ﴾ ف (ذوات) جمع (ذَات) التي بمعنى صَاحبة، وهي مؤنث (ذو) بمعنى صاحب، وأصل ذات ذَواة بهاء التأنيث مثل نَواة ووزنها فَعَلة بفتحتين ولامها واو، فأصلها ذَوَوَه فلما تحركت الواو إثر فتحة قلبت ألفاً ثم خففوها في حال الإِفراد بحذف العين فقالوا: ذات فوزنها فَلَتْ أو فَلَهْ.

قال الجوهري: أصل التاء في ذات هاء مثل نَواة لأنك إذا وقفت عليها في الواحد قلت: ذاه بالهاء، ولكنهم لما وصلوها بما بعدها بالإِضافة صارت تاء.

ويدل لكون أصلها هاء أنه إذا صُغر يقال ذُويَّة بهاء التأنيث ا ه.

ولم يبين أيمة اللغة وجه هذا الإِبدال ولعله لكون الكلمة بنيت على حرف واحد وألف هي مَدّة الفتحة فكان النطق بالهاء بعدهما ثقيلاً في حال الوقف، ثم لما ثنّوْها ردُّوها إلى أصلها لأن التثنية تردُّ الأشياء إلى أصولها فقالوا: ذَوَاتَا كذا، وحذفت النون للزوم إضافته، وأصله: ذَوَيات.

فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ووزنه فَعَلَتَان وصار وزنه بعد القلب فعاتان وإذا جمعوها عادوا إلى الحذف فقالوا ذوات كذا بمعنى صاحبتات، وأصله ذويات فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فأصل وزن ذوات فَعَلاَت ثم صار وزنه بعد القلب فَعَات، وهو مما أُلحق بجمع المؤنث السالم لأن تاءه في المفرد أصلها هاء، وأما تاؤه في الجمع فهي تاء صارت عوضاً عن الهاء التي في المفرد على سُنة الجمع بألف وتاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

وَقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ في سَبَإٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ أرْضٍ بِاليَمَنِ يُقالُ لَها مَأْرِبَ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّانِي: اسْمُ قَبِيلَةٍ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا هَلْ هو اسْمُ امْرَأةٍ أوْ رَجُلٍ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ امْرَأةٍ نُسِبَتِ القَبِيلَةُ إلَيْها لِأنَّها أُمُّهم.

الثّانِي: أنَّهُ رَجُلٌ.

رُوِيَ أنَّ فَرْوَةَ الغُطَيْفِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ سَبَأٍ ما هُوَ؟

أبْلَدٌ أمْ رَجُلٌ أمِ امْرَأةٌ؟

فَقالَ: (بَلْ رَجُلٌ ولَدَ عَشَرَةً، فَسَكَنَ اليَمَنَ مِنهم سِتَّةٌ والشّامَ أرْبَعَةٌ أمّا اليَمانِيُّونَ فَمَذْحِجٌ وكِنْدَهُ والأزْدُ والأشْعَرِيُّونَ وأنَمارُ وحِمْيَرُ وأمّا الشّامِيُّونَ فَلَخْمٌ وخِذامُ وغَسّانُ وعامِلَةُ.

وَذَكَرَ أهْلُ النَّسَبِ أنَّهُ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ.

قالَ السُّدِّيُّ: بُعِثَ إلى سَبَأٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا.

وَأمّا ﴿ جَنَّتانِ ﴾ فَقالَ سُفْيانُ وُجِدَ فِيهِما قَصْرانِ مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِهِما: نَحْنُ بُنِينا سالِمَيْنِ، في سَبْعِينَ خَرِيفًا دائِبَيْنِ، وعَلى الآخَرِ: نَحْنُ بُنِينا صُرْواحَ، مَقِيلٌ ومَراحُ، وكانَتْ إحْدى الجَنَّتَيْنِ عَنْ يَمِينِ الوادِي والأُخْرى عَنْ شِمالِهِ.

وَفي الآيَةِ الَّتِي لِسَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في قَرْيَتِهِمْ بَعُوضَةٌ قَطُّ ولا ذُبابَةٌ ولا بُرْغُوثٌ ولا حَيَّةٌ ولا عَقْرَبٌ وإنَّ الرَّكْبَ لَيَأْتُونَ في ثِيابِهِمُ القَمْلُ والدَّوابُّ فَتَمُوتُ تِلْكَ الدَّوابُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ الآيَةَ هي الجَنَّتانِ كانَتِ المَرْأةُ تَمْشِي فِيهِما وعَلى رَأْسِها مِكْتَلٌ فَيَمْتَلِئُ وما مَسَّتْهُ بِيَدِها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ ﴾ يَعْنِي الَّذِي رَزَقَكم مِن جَنَّتِكم.

﴿ واشْكُرُوا لَهُ ﴾ يَعْنِي عَلى ما رَزَقَكم.

﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هي صَنْعاءُ.

وَيَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ أرْضَها ولَيْسَتْ بِسَبِخَةٍ.

الثّانِي: لِأنَّها لَيْسَ بِها هَوامُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟

فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده، أرسل في أثري، فردني فقالادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ، أرض أم امرأة؟

قال: ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فَتَيَامَنَ منهم ستة، وتشاءَمَ منهم أربعة، فاما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة.

وأما الذين تيامنوا فالازد، والاشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار.

فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟

قال: الذين منهم خثعم، وبجيلة» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو، أو امرأة، أم أرض؟

فقال: بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمْيَر.

وأما الشاميون فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان» .

وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ لقد كان لسبإ ﴾ بالخفض منوّنة مهموزة ﴿ في مساكنهم ﴾ على الجماع بالألف.

وأخرج الفريابي عن يحيى بن وثاب أنه يقرأها ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تمر ومكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فتمتلئ فاكهة وما مسته بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها: الجرذ، فنقب عليهم، فغرقهم، فما بقي منهم الا أثل، وشيء من سدر قليل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإٍ في مساكنهم...

﴾ .

قال لم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن ركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموت تلك الدواب، وإن كان الإِنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسة، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئاً بيده.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بلدة طيبة ورب غفور ﴾ قال: هذه البلد طيبة، وربكم غفور لذنوبكم.

وفي قوله: ﴿ فاعرضوا ﴾ قال: بطر القوم أمر الله، وكفروا نعمته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان أهل سبأ أعطوا ما لم يعطه أحد من أهل زمانهم، فكانت المرأة تخرج على رأسها المكتل فتريد حاجتها، فلا تبلغ مكانها الذي تريد حتى يمتلئ مِكْتَلُهَا من أنواع الفاكهة، فأجمعوا ذلك فكذبوا رسلهم، وقد كان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقر في واديهم، فيجمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكانوا قد حفروه بمسناة- وهم يسمون المسناة العرم- وكانوا يفتحون إذا شاءوا من ذلك الماء، فيسقون جنانهم إذا شاءوا، فلما غضب الله عليهم، وأذن في هلاكهم، دخل رجل إلى جنته- وهو عمرو بن عامر فيما بلغنا، وكان كاهناً- فنظر إلى جرذة تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال: ما نقلت هذه أولادها من هاهنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، ويقدر أنها خرقت ذلك العرم، فنقبت نقباً، فسال ذلك النقب ماء إلى جنته، فأمر عمرو بن عامر بذلك النقب فسد، فأصبح وقد انفجر بأعظم ما كان، فأمر به أيضاً فسد، ثم انفجر بأعظم ما كان، فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه فقال: إذا أنا جلست العشية في نادي قومي فائتني فقل: علام تحبس علي مالي؟

فإني سأقول ليس لك عندي مال، ولا ترك أبوك شيئاً، وإنك لكاذب.

فإذا أنا كذبتك فكذبني وأردد عليّ مثل ما قلت لك، فإذا فعلت ذلك فإني سأشتمك، فاشتمني.

فإذا أنت شتمتني لطمتك، فإذا أنا لطمتك فقم فالطمني.

قال: ما كنت لاستقبلك بذلك يا عم!

قال: بلى.

فافعل فإني أريد بها صلاحك، وصلاح أهل بيتك فقال الفتى: نعم.

حيث عرف هوىعمه فجاء فقال ما أمر به حتى لطمه فتناوله الفتى فلطمه فقال الشيخ: يا معشر بني فلان الطم فيكم؟

لا سكنت في بلد لطمني فيه فلان أبداً، من يبتاع مني.

فلما عرف القوم منه الجد أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطية، فأوجب له البيع، فدعا بالمال، فنقده وتحمل هو وبنوه من ليلته، فتفرقوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان في سبأ كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، وكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، أنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقر، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالاً: إذا كان غداً وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا نهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني، قال: يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل حتى هيأه على ذلك، فلما أصبحوا، واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا.

..

فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني عليَّ بالشفرة قالوا: وما تصنع بالشفرة؟

قال: اذبحه قالوا: تذبح ابنك الطمه واصنع ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، فأرسلوا إلى أخواله فاعلموهم بذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه قالوا: فلتموتن قبل أن تدعوه قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أريد أن أقيم ببلد يحال بيني وبين إبني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره، وأرضه، وعقاره.

فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم أن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وجملاً شديداً، وسفراً فليلحق بعمان ومن أراد منكم الخمر، والخمير، والعصير، فليلحق ببصرى.

ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قوم، فخرج أهل عمان إلى عمان، وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس، والخزرج، وبنو كعب بن عمرو، إلى يثرب، فلما كانوا ببطن نخل قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبتغي به بدلاً فأقاموا، فذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ...

﴾ .

قال: كان لهم مجلس مشيد بالمرمر، فأتاهم ناس من النصارى فقالوا: أشكروا الله الذي أعطاكم هذا قالوا: ومن أعطاناه؟

إنما كان لآبائنا فورثناه، فسمع ذلك ذو يزن فعرف أنه سيكون لكلمتهم تلك خبر فقال لابنه: كلامك علي حرام إن لم تأت غداً وأنا في مجلس قومي فتصك وجهي، ففعل ذلك فقال: لا أقيم بأرض فعل هذا ابني بي فيها، إلا من يبتاع مني مالي، فابتدره الناس، فابتاعوه فبعث الله جرذاً أعمى يقال له الخلد من جرذان عمى، فلم يزل يحفر السد حتى خرقه فانهدم وذهب الماء بالجنتين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وكان لهم سد كانوا قد بنوه بنياناً أبداً وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم أنه إنما يخرب سدهم ذلك فارة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت بالسد، فحفرت فيه حتى رققته للسيل وهم لا يدرون، فلما أن جاء السيل وجد عللاً، فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر عن الله تبارك وتعالى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: كانت أودية اليمن تسيل إلى وادي سبأ، وهو واد بين جبلين، فعمد أهل سبأ فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وتركوا ما شاءوا لجناتهم، فعاشوا بذلك زماناً من الدهر، ثم إنهم عتوا وعملوا بالمعاصي، فبعث الله على ذلك السد جرذاً فنقبه عليهم، فعرض الله مساكنهم وجناتهم، وبدلهم بمكان جنتيهم جنتين خمط والخمط الأراك ﴿ وأثل ﴾ الاثل القصير من الشجر الذي يصنعون منه الأقداح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: الشديد.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه ﴿ سيل العرم ﴾ قال: المنساة بلحن اليمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ قال: ﴿ العرم ﴾ بالحبشة وهي المنساة التي يجتمع فيها الماء ثم ينشف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: ﴿ العرم ﴾ اسم الوادي.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ سيل العرم ﴾ قال: وادٍ كان باليمن كان يسيل إلى مكة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: وادي سبأ يدعى ﴿ العرم ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيل العرم ﴾ السد ماء أحمر أرسله الله في السد، فشقه وهدمه، وحفر الوادي عن الجنتين، فارتفعا وغار عنهما الماء، فيبستا ولم يكن الماء الأحمر من السد، كان شيئاً أرسله الله عليهم.

وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الخمط الأراك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أرسله الله عليهم.

وفي قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: (الخمط) الأراك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك ﴿ وأثل ﴾ قال: الطرفاء.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ أكل خمط ﴾ قال: الأراك قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر يقول: ما معول فود تراعى بعينها ** أغن غضيض الطرف من خلل الخمط وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأثل ﴾ قال (الاثل) شجر لا يأكلها شيء وإنما هي حطب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ﴿ الخمط ﴾ الاراك و(الاثل) النضار و ﴿ السدر ﴾ النبق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لقد كان لسبإ في مساكنهم...

﴾ .

قال: قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، قال الله: ﴿ فأعرضوا ﴾ قال: ترك القوم أمر الله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ ذكر لنا ﴿ العرم ﴾ وادي سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وجعلوا عليه أبواباً وكانوا يأخذون من مائة ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعبأوا به من مائه، فلما تركوا أمر الله بعث الله عليهم جرذاً، فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غَرَّقَ الله به حروثَهم، وخَرَّبَ به أراضيهم عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ﴾ والخمط الأراك و ﴿ أكل ﴾ بربرة و ﴿ أثل وشيء من سدر قليل ﴾ بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر عقوبة بأعمالهم قال الله: ﴿ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ﴾ إن الله إذا أراد بعبد كرامة أو خيراً تقبل حسناته، وإذا أراد بعبد هواناً أمسك عليه بذنبه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الخمط هو الأراك.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي مالك، مثله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: تلك المناقشة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ﴿ وهل نجازي إلا الكفور ﴾ قال: هو المناقشة في الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، وهو الكافر لا يغفر له.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حيوة وكان من أصحاب علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والمنغص في اللذة قيل: وما المنغص؟

قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ قال: هي قرى الشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كان فيما بين اليمن إلى الشام قرى متواصلة و ﴿ القرى التي باركنا فيها ﴾ الشام.

كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلئ من كل الثمار.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي ملكية في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ﴾ قال: كانت قراهم متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وثمرهم متدل فبطروا.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ قال: دانينا فيها السير.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم ﴾ يعني بين مساكنهم ﴿ وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ يعني الأرض المقدسة (قرى) فيما بين منازلهم والأرض المقدسة ﴿ ظاهرة ﴾ يعني عامرة مخصبة ﴿ وقدرنا فيها السير ﴾ يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ﴿ سيروا فيها ﴾ يعني إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من الأرض المقدسة.

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ظاهرة ﴾ قال: قرى بالشام.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين ﴾ قال: لا يخافون جوعاً ولا ظمأ، إنما يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، أهل جنة ونهر حتى ذكر لنا: أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، فيمتلئ قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ فمزقوا ﴿ كل ممزق ﴾ وجعلوا أحاديث.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ قال: قالوا يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسير على نجائبنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بعِّد بين أسفارنا ﴾ مثقلة قال: لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكوا ما أصابهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ قالوا ربنا بَعِّدْ بين أسفارنا ﴾ مثقلة على معنى فعِّل.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ بنصب الباء، ورفع العين.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ ربنا ﴾ بالنصب ﴿ باعد ﴾ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومزقناهم كل ممزق ﴾ قال: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان.

فمزقهم الله كل ممزق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور...

﴾ قال: مطرف في قوله: ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.

وأخرج عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لكل صبار شكور ﴾ قال: ﴿ صبار ﴾ في الكريهة ﴿ شكور ﴾ عند الحسنة.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر رضي الله عنه قال: الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله.

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قال: يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم.

قال: يا رب كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟

قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» .

وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان والدارمي وابن حبان عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر كان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر كان خيراً» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت للمؤمن أن أعطي قال الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه» .

وأخرج البيهقي في الشعب وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نظر في الدين إلى من هو فوقه، وفي الدنيا إلى من هو تحته، كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن نظر في الدين إلى من هو تحته، ونظر في الدنيا إلى من هو فوقه، لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً» والله سبحانه وتعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَأَعْرَضُوا ﴾ قال مقاتل: عن الحق (١) وقال ابن عباس: يريد فكفروا وكذبوا أنبيائهم (٢) ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ﴾ قال المفسرون: كان الماء يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردمًا بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكان يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذًا نقب ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم ففرقها، ودفن السيل بيوتهم (٣) ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ﴾ .

واختلفوا في العرم ما هو؟

فأكثر المفسرين على أن العرم: السكر (٤) (٥) قال السدي وأبو ميسرة: أهل اليمن يسمون المسناة العرم (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) إذ يبنون دون سيله العرما وقال مقاتل: العرم اسم الوادي (١١) وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وحكى أبو إسحاق في العرم قولين آخرين: أحدهما: أن العرم اسم الجرذ الذي بنوا (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) قوله تعالى: ﴿ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد اللتين كان فيهما الفواكه والثمار.

﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد الأراك.

وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي، قالوا: الخمط: الأراك (٢٠) (٢١) وقال أبو عبيدة: الأكل الجني، والخمط: كل شجرة [ثمرة] (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو الحسن: (في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا، مثل: دار آجر، وثوب خز.

قال: و ﴿ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ بالتنوين، ليس بالجيد في العربية) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) قال أبو إسحاق: (يقال لكل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله: خمط) (٣٣) ومنه قيل للبن إذا أحمض: خمط (٣٤) قوله: ﴿ وَأَثْلٍ ﴾ قال مقاتل: يعني شجرة تشبه الطرف، يتخذ منه الأقداح (٣٥) وقال الفراء: الأثل شبه بالطرف، إلا أنه أعظم منه طولا (٣٦) قال الأزهري: (هو يشبه الطرف إلا أنه أكرم منه، تسوى منه الأقداح الصفر الجياد، ومنه اتخذ منبر النبي -  -، وللأثل أصول غليظة يسوى منها الأبواب وغيرها، وورقه عبل كورق الطرف) (٣٧) قال ابن الأعرابي: والأثيل منبت الأراك (٣٨) قوله: ﴿ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ قال الأزهري: (السدر من الشجر سدران: أحدهما: سدر بري لا ينتفع بثمره، ولا يصلح ورقه للغسول، وربما خمط للراعية، وله ثمر عفص لا يؤكل، والعرب تسميه الضال.

والجنس الثاني من السدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول، يشبه شجر العناب إلا أن ثمره أصفر مر يتفكه به) (٣٩) وقال الفراء: ذكروا أنه الثمر (٤٠) (٤١) وقال السدي: هذا السدر قليل، يعني: أن الخمط والأثل كانا أكثر في جنتيهم من السدر (٤٢) (٤٣) (١) المصدر السابق.

(٢) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 360.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "القرطبي" 14/ 285، "مجمع البيان" 8/ 605.

(٤) قال في "اللسان" 4/ 375: سكر النهر يسكره سكرًا، سد فاه، وكل شق سد فقد سكر، والسكر ما سد به، والسكر: أيضًا المسناة.

اهـ والمسناة بلغة أهل اليمن.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "تفسير القرطبي" 14/ 285، "زاد المسير" 6/ 445، "معاني القرآن" النحاس 5/ 407.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 79، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "البحر المحيط" 8/ 533، ولم أقف على من نسبه للسدي.

(٧) "معاني القرآن" 2/ 358.

(٨) "تفسير غريب القرآن" ص 355.

(٩) "الكامل" 3/ 1033.

(١٠) هو النابغة الجعدي، وقد سبق التعريف به، وتخريج البيت كذلك.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390 مادة: (عرم).

(١٣) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).

(١٤) ذكر المفسرون تفسير ابن عباس للعرم بأنه الشديد.

انظر: "تفسير الطبري" 22/ 80، "المحرر الوجيز" 4/ 414، "زاد المسير" 6/ 445.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.

(١٦) هكذا في النسخ!

وهو خطأ، إذ الصواب: الجرذ الذي ثقب السكر عليهم.

انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.

(١٧) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 391.

(١٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 248.

(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 390، "اللسان" 2/ 395.

(٢٠) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "القرطبي" 14/ 286، "زاد المسير" 6/ 446.

(٢١) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "زاد المسير" 6/ 446 والبرير: هو ثمر الأراك.

انظر: "اللسان".

(٢٢) ما بين المعقوفين لعلها زيادة من النساخ، إذ ليست من كلام أبي عبيدة.

(٢٣) "مجاز القرآن" 2/ 147.

(٢٤) " تفسير غريب القرآن" ص 356.

(٢٥) في (ب): (الجنا).

(٢٦) في (ب): (أن).

(٢٧) في (ب): (وإذا كان) زيادة كان، وهو خطأ.

(٢٨) انظر: "علل القراءات" 2/ 551 "مجمع البيان" 8/ 603، "البحر المحيط" 8/ 536.

(٢٩) انظر: "مجمع البيان" 8/ 603، "تفسير القرطبي" 14/ 287.

(٣٠) لم أقف عليه.

وقد ذكره النحاس في "إعراب القرآن" ص 664، وأنه اختيار المبرد.

(٣١) انظر: "تفسير الطبري" 22/ 81، "تفسير هود بن محكم" 3/ 394، "بحر العلوم" 3/ 70، "زاد المسير" 6/ 446.

(٣٢) انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 260، "اللسان" 7/ 296، "روح المعاني" 22/ 127.

(٣٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 249.

(٣٤) انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 286، "إعراب القرآن" للنحاس ص 464.

(٣٥) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.

(٣٦) "معاني القرآن" 2/ 359.

(٣٧) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 132.

(٣٨) انظر: قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 15/ 131.

(٣٩) انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 353.

(٤٠) هكذا في النسخ!

ولعل الصواب: السمر، واحدته سمرة.

"معاني القرآن" 2/ 359.

(٤١) انظر: "تفسير مقاتل" 98 ب.

(٤٢) لم أقف عليه منسوبًا للسدي.

وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 491، و"الطبرسي في مجمع البيان" 8/ 605، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 446، بدون نسبة.

(٤٣) انظر: المصادر السابقة، و"تفسير القرطبي" 14/ 287.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَعْرَضُواْ ﴾ أي أعرضوا عن شكر الله، أو عن طاعة الأنبياء ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم ﴾ كان لهم سدّ يمسك الماء ليرتفع فتسقى به الجنتان، فأرسل الله على السد الجرذ، وهي دويبة خربته فيبست الجنتان، وقيل: لما خرب السدّ حمل السيل الجنتين وكثيراً من الناس، واختلف في معنى العرم: فقيل هو السدح، وقيل هو اسم ذلك الوادي بعينه، وقيل معناه الشديد، فكأنه صفة للسيل من العرامة، وقيل هو الجرذ الذي خرب السدّ، وقيل: المطر الشديد ﴿ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ الأكل بضم الهمزة المأكول، والخمط شجر الأراك، وقيل: كل شجرة ذات شوك، والأثل شجر ثشبه الطرفا والسدر شجر معروف، وإعراب خمط بدل من أكل، أو عطف بيان وقرئ بالإضافة وأثل عطف على الأكل لا على خمط، لأن الأثل لا أكل له، والمعنى أنه لما أهلكت الجنتان المذكورتان قيل: أبدلهم الله منها جنتين بضد وصفهما في الحسن والأرزاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ﴾ .

يحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم: الجنتين اللتين ذكرهما: إحداهما عن اليمين، والأخرى عن الشمال، ويكون لهم فيها عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم عليهما؛ والحمد له، والثناء عليه في تلك النعم.

أو يذكرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته؛ فيحملهم ذلك على الخوف في العواقب، والعقاب على خلافه، ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا.

أو أن يكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل سعة وخصب، وكل ألوان الفواكه والجواهر، على غير مؤنة تلحقهم؛ لأنه قال في غير آي من القرآن: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ  ﴾ فأخبر هاهنا لهم أن لهم في تبديل جنتيهم جنتين آية لو اعتبروا واتعظوا؛ فلا يقع لهم الحاجة إلى النظر في آثار من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم أكثر؛ لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم، ثم غير ذلك وبدّل عليهم، وما تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم؛ لأن أصلهم قد هلكوا، وهذا على المشاهدة والمعاينة.

وقوله: ﴿ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ .

قيل: عن يمين الوادي وشماله، ويحتمل: عن يمين الطريق وشماله؛ فتكون عن يمينهم وشمالهم.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ .

كأنه قالت لهم الرسل: ﴿ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ﴾ ؛ إذ ذكر أنه بعث فيهم كذا كذا رسولا.

ثم وصف بلدة سبأ أنها طيبة؛ حيث قال: ﴿ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ﴾ : يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها.

وقوله: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: إن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم وأنعم عليكم رب غفور لذنوبكم.

أو يقال: ﴿ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ ، أي: ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم إذا صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه.

ذكر أن المرأة منهم كانت تحمل المكتل على رأسها، والمغزل بيدها، فتدخل البستان؛ فتمتلئ مكتلها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمس شيئاً بيدها؛ لكثرة ريعها ونزلها، والله أعلم.

ثم ذكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانت لهم، وبم كان التبديل؟

وهو ما قال: ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ﴾ .

قال بعضهم: كان أهل سبأ إذا مطروا يأتيهم السيل من مسيرة شهر أياماً كثيرة، فعمدوا فسدّوا العرم، وهو الوادي ما بين الجنتين، بالصخرة والقبو، وجعلوا عليه الأبواب، فلما عصوا ربهم، فأعرضوا عنه، وكفروا نعمه؛ فسلط الله عليهم - على ذلك السدّ الذي بنوا الفأرة؛ فنقبت الردم، فغشي الماء أرضهم؛ فعقر أشجارهم، وأباد أنعامهم، ودفن محاريثهم، وذهب بجناتهم.

ومنهم من يقول: ﴿ ٱلْعَرِمِ ﴾ : وهو المسنَّاة، واحدها: عرمة، فذهب السيل الذي أرسل عليهم بالمسناة؛ فيبست جناتهم، وأبدل لهم مكان الثمار والأعناب ما ذكر من الخمط والأثل والسدر؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ .

الأكل القليل هو الثمر، والخمط: الأراك.

وقال بعضهم: شجر العضاة، وهي شجر ذات شوك، والأثل، قيل: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر هو معروف عندهم.

وقال أبو عوسجة قريباً من ذلك، قال: الأكل: الحمل، والخمط عندي: السدر وحمله، [و] قال: الخمط: الريح الطيبة، وتقول: هذا شجر له خمطة، أي: ريح طيبة، والخمط: أن تأخذ شيئاً من هنا وثمة، وتخلطه، والأثل: شجر أيضاً لا حمل فيه.

والزجاج يقول: الأثل هو الثمرة التي فيها المرارة تذهب تلك المرارة بطعمها، أو كلام نحوه.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ ﴾ .

أخبر أنه جزاهم بما كفروا نعمه، ولم يشكروا ربهم عليها.

وقوله: ﴿ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ ﴾ ، لله في نعمه.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ .

قيل: متواصلة بعضها ببعض من أرضهم إلى الشام، على كل ميل قرية وسوق وكل شيء فيها.

﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ من الجوع والعطش والسباع وكل ما يخاف منه.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من القرى الظاهرة كان لهم مع الجنان التي ذكرنا بدءاً؛ فيكون هذا موصولا بالأول؛ فلما لم يشكروا ربهم في ذلك كله - أبدل لهم الكل بما ذكر.

وجائز أن يكون لا على الصلة بالأول؛ ولكن على ما ذكر بعض أهل التأويل: أنه لما غيّر عليهم ذلك وأبدل - ضاق بهم الأمر؛ فمشوا إلى رسلهم، فقالوا: ادعوا ربكم فليردّ علينا ما ذهب عنا، ونعطيكم ميثاقا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، فدعوه، فردّ الله عليهم، وجعل لهم ما ذكر من قرى ظاهرة؛ فذكّرهم الرسل [ما] وعدوا ربهم؛ فأبوا؛ فغيّر ذلك.

وسبأ: "ذكر أن رجلا سأل رسول الله  فقال: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ أجبل هو أم أرض؟

قال: فقال: له: لم يكن جبلا ولا أرضاً، ولكن كان رجلا من العرب ولد عشر قبائل: فأمّا ست فتيامنوا وأما أربع فتشاءموا" وقال بعضهم: كان سبأ رجلا اسمه: سبأ، وسبأ هم الذين ذكرهم الله في سورة النمل.

وقال بعضهم: هو اسم قرية.

وفي قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ - دلالة خلق الأفعال؛ لأنه أخبر أنه جعل بينهم وبين القرى المباركة قرى ظاهرة، والقرى: ما اتخذها أهلها، ثم أخبر أنه جعل ذلك، والجعل منه خلق؛ دل أنه خلق أفعال العباد، وأخبر - أيضاً - أنه قدر السير فيها، والسير هو فعل العباد، والتقدير هو الخلق أيضاً؛ دل أنه خلق سيرهم، وخلق اتخاذهم القرى، وذلك على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد.

وقوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ ، قال عامة أهل التأويل: قرى متواصلة بعضها ببعض، يسيرون من قرية إلى قرية، وينزلون فيها من غير أن تقع لهم الحاجة أو يلحقهم مؤنة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ قُرًى ظَاهِرَةً ﴾ نعمها بينة.

وقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ ، أي: قدرنا فيها السير؛ لتسيروا فيها.

أو على الأمر، أي: قدرنا فيها السير، وقلنا لهم: سيروا فيما أنعم الله عليكم، وتقلبوا فيها ليالي وأياماً آمنين من الجوع والعدو وكل آفة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ﴾ أي: جعلنا ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً.

وقوله: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ .

فيه لغات من خمسة أوجه: أحدها: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ .

و[الثاني]: ﴿ بَعِّدْ ﴾ ، كلاهما على الدعاء والسؤال.

والثالث و[الرابع]: ﴿ بَعُدَ ﴾ و ﴿ بَعَّدَ ﴾ .

قال أبو معاذ: ولولا تغيير الكتابة لكان يجوز "بُوعِدَ".

ومن قرأه ﴿ ربنا بَاعَدَ ﴾ على الخبر، وكذلك ﴿ بَعَّدَ ﴾ ، ومن قرأه ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ يخرج على الشكاية عما بعد من أسفارهم.

فأمّا على السؤال والدعاء فهو - والله أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما أنعم الله عليهم؛ ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا  ﴾ ، وما ذكروا، فعلى ذلك هؤلاء.

ومن قرأ ﴿ بَعُدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ على الشكاية - شكا إلى ربّه لما ذهب عنهم السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة.

وأمّا قوله: ﴿ بَاعَد ﴾ على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: [فيهم] من سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله.

وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما يشبه ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ .

أي: أهلكناهم كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم.

وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.

﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ .

أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبراً وعظات لكل مؤمن.

أو آيات لكل صبار على طاعة الله وأمره، شكور لنعمه.

أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم الله.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: في الاعتقاد له.

والثاني: في المعاملة.

يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه، والمعاملة: أن يصبر على ذلك، ويشكر له في نعمه.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ .

اختلف في ظنه: قال بعضهم: ظن بهم ظنا، فوافق ظنه فيهم حين قال: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ من عصمت مني، وما قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً  وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، فقد صدق ما ظن فيهم.

وقال بعضهم: ﴿ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ ، وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، وخلق آدم من طين، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب الطين؛ فمن ثمة صدق ظنه؛ فقال: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ .

يقول الله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ .

ثم استثنى عباده المخلصين فقال: ﴿ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يعني: عباده المخلصين؛ فإنهم لم يتبعوه، الذين قال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ  ﴾ .

وقال قائلون: ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة؛ كأنه قال: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، الذين هم [مؤمنون] في الحقيقة، فأمّا من كان عندكم من المؤمنين في الظاهر فقد اتبعوه؛ لأنه لا كل مؤمن عندنا هو في الحقيقة مؤمن.

أو أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّبَعُوهُ ﴾ فيما دعاهم إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ .

قال الحسن: والله ما ضربهم بالسيف، ولا طعنهم بالرمح، ولا أكرههم، على شيء، وما كان منه إلا غرور أو أمانيُّ ووسوسة دعاهم إليها، فأجابوه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ ، أي: حجة، ليس له حجة عليهم، أي: لم يمكن من الحجة؛ ولكن إنما مكن لهم الوساوس والتمويهات، ثم جعل الله للمؤمنين مقابل ذلك حججا يدفعون بها شبهه وتمويهاته.

وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ﴾ .

هذا يخرج على وجوه: أحدها: ليعلم كائنا ما قد علمه غائبا عنهم.

والثالث: يكني بالعلم [عن] معلومه، أي: ليكون المعلوم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ أي: الموقن به، وذلك كثير في القرآن.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ ﴾ .

من الإيمان والشرك وغيره من الأعمال، حفيظ عالم به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأعرضوا عن شكر الله والإيمان برسله، فعاقبناهم بتبديل نعمهم نقمًا، فأرسلنا عليهم سيلًا جارفًا خرّب سدهم وأغرق مزارعهم، وبذلنا هم ببُسْتَانَيْهم بُسْتَانَين مُثْمرين بالثمر المر، وفيهما شجر الأثل غير المثمر، وشيء قليل من السِّدْر.

<div class="verse-tafsir" id="91.XZKB7"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر