تفسير الآية ٢٤ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٢٤ من سورة فاطر

إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ ٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٤ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ) أي : بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين ، ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) أي : وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر ، وأزاح عنهم العلل ، كما قال تعالى : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) [ الرعد : 7 ] ، وكما قال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ) الآية [ النحل : 136 ] ، والآيات في هذا كثيرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (24) يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) يا محمد &; 20-460 &; (بِالْحَقِّ) وهو الإيمان بالله وشرائع الدين التي افترضها على عباده (بَشِيرًا) يقول: مبشرًا بالجنة من صدقك وقبل منك ما جئت به من عند الله من النصيحة (وَنَذِيرًا) تنذر الناس مَن كذبك ورد عليك ما جئت به من عند الله من النصيحة ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) يقول: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ) كل أمة كان لها رسول.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير .قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا أي بشيرا بالجنة أهل طاعته ، ونذيرا بالنار أهل معصيته .

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير أي سلف فيها نبي .

قال ابن ( جريج ) : إلا العرب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ } أي: مجرد إرسالنا إياك بالحق، لأن اللّه تعالى بعثك على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل، واندراس من العلم، وضرورة عظيمة إلى بعثك، فبعثك اللّه رحمة للعالمين.وكذلك ما بعثناك به من الدين القويم، والصراط المستقيم، حق لا باطل، وكذلك ما أرسلناك به، من هذا القرآن العظيم، وما اشتمل عليه من الذكر الحكيم، حق وصدق.

{ بَشِيرًا } لمن أطاعك، بثواب اللّه العاجل والآجل، { وَنَذِيرًا } لمن عصاك، بعقاب اللّه العاجل والآجل، ولست ببدع من الرسل.فما { مِنْ أُمَّةٍ } من الأمم الماضية والقرون الخالية { إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ } يقيم عليهم حجة اللّه { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة ) ما من أمة فيما مضى ) ( إلا خلا ) سلف ( فيها نذير ) نبي منذر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا أرسلناك بالحق» بالهدى «بشيرا» من أجاب إليه «ونذيرا» من لم يجب إليه «وإن» ما «من أمة إلا خلا» سلف «فيها نذير» نبي ينذرها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما يستوي الأعمى عن دين الله، والبصير الذي أبصر طريق الحق واتبعه، وما تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا الظل ولا الريح الحارة، وما يستوي أحياء القلوب بالإيمان، وأموات القلوب بالكفر.

إن الله يسمع مَن يشاء سماع فَهْم وقَبول، وما أنت -أيها الرسول- بمسمع مَن في القبور، فكما لا تُسمع الموتى في قبورهم فكذلك لا تُسمع هؤلاء الكفار لموت قلوبهم، إن أنت إلا نذير لهم غضب الله وعقابه.

إنا أرسلناك بالحق، وهو الإيمان بالله وشرائع الدين، مبشرًا بالجنة مَن صدَّقك وعمل بهديك، ومحذرًا مَن كذَّبك وعصاك النار.

وما من أمة من الأمم إلا جاءها نذير يحذرها عاقبة كفرها وضلالها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ ) - أيها الرسول الكريم - إرسالاً ملتبساً ( بالحق ) الذى لا يحوم حوله الباطل ( بَشِيراً وَنَذِيراً ) أى : أرسلناك بالحق مبشراً المؤمنين بحسن الثواب ، ومنذراً الكافرين بأشد ألوان العقاب .( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ) أى : وما من أمة من الأمم الماضية ، وإلا وجاءها نذير ينذرها من سوء عاقبة الكفر ، ويدعوها إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - .فمن أفراد هذه الأمة من أطاعوا هذا النذير فسعدوا وفازوا ، ومنهم من استحب العمى على الهدى ، والكفر على الإِيمان فشقوا وخابوا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ لما قال: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ بين أنه ليس نذيراً من تلقاء نفسه إنما هو نذير بإذن الله وإرساله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ تقريراً لأمرين أحدهما: لتسلية قلبه حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملاً لتأذي القوم وثانيهما: إلزام القوم قبوله فإنه ليس بدعاً من الرسل وإنما هو مثل غيره يدعى ما ادعاه الرسل ويقرره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بالحق ﴾ حال من أحد الضميرين، يعني: محقاً أو محقين، أو صفة للمصدر، أي: إرسالاً مصحوباً بالحق.

أو صلة لبشير ونذير على: بشيراً بالوعد الحق، ونذيراً بالوعيد الحق ﴿ وإن من أُمة إلا خلا فيها نذير ﴾ .

والأمّة الجماعة الكثيرة.

قال الله تعالى: ﴿ وجد عليه أمّة من الناس ﴾ [القصص: 23] ، ويقال لأهل كل عصر: أمّة، وفي حدود المتكلمين: الأمّة هم المصدقون بالرسول صلى الله عليه وسلم دون المبعوث إليهم، وهم الذين يعتبر إجماعهم، والمراد ههنا: أهل العصر.

فإن قلت: كم من أمّة في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ولم يخل فيها نذير؟

قلت: إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما؟

قلت: لما كانت النذارة مشفوعة بالبشارة لا محالة، دلّ ذكرها على ذكرها، لا سيما قد اشتملت الآية على ذكرهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ مُحِقِّينَ أوْ مُحِقًّا، أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ أيْ بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.

﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ ﴾ أهْلِ عَصْرٍ.

﴿ إلا خَلا ﴾ مَضى.

﴿ فِيها نَذِيرٌ ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُ عَنْهُ، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النِّذارَةَ قَرِينَةُ البِشارَةِ سِيَّما وقَدْ قُرِنَ بِهِ مِن قَبْلُ، أوْ لِأنَّ الإنْذارَ هو الأهَمُّ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا أرسلناك بالحق} حال من أحد الضميرين يعني محقاً أو محقين أو صفة للمصدر أي إرسالاً مصحوباً بالحق {بَشِيراً} بالوعد {وَنَذِيرًا} بالوعيد {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} وما من أمة قبل أمتك والأمة الجماعة الكثيرة وجد عليه أمة من الناس ويقال لأهل كل عصر أمة والمراد هنا أهل العصر وقد كانت آثار الذارة باقية فيما بين عيسى ومحمد عليهما السلام فلم تخل تلك الأمم من نذير وحين اندرست آثار نذارة عيسى عليه السلام بعث محمد عليه السلام {إِلاَّ خَلاَ} مضى {فِيهَا نذير} يخوفهم وخاصة الطغيان وسوء عاقبة الكفران واكتفى بالنذير عن البشير فى آخر الآية بعد ما ذكرهما لأن النذارة مشفوعة بالبشارة فدل ذكر النذارة على ذكر البشارة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تَبْلُغَ وتُنْذِرَ، فَإنْ كانَ المُنْذِرُ مِمَّنْ أرادَ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ سَمِعَ واهْتَدى، وإنْ كانَ مِمَّنْ أرادَ سُبْحانَهُ ضَلالَهُ وطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَما عَلَيْكَ مِنهُ تَبِعَةٌ.

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ مُحِقِّينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوْ مُحِقًّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أوْ إرْسالًا مَصْحُوبًا بِالحَقِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ بَشِيرًا ﴾ ومُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَذِيرًا ﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المُقابِلِ عَلى مُقابِلِهِ، أيْ بَشِيرًا بِالوَعْدِ الحَقِّ ونَذِيرًا بِالوَعِيدِ الحَقِّ.

﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ ﴾ أيْ ما مِن جَماعَةٍ كَثِيرَةِ أهْلِ عَصْرٍ وأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ ﴿ إلا خَلا ﴾ مَضى ﴿ فِيها نَذِيرٌ ﴾ مِن نَبِيٍّ أوْ عالِمٍ يُنْذِرُها، والِاكْتِفاءُ بِذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النِّذارَةَ قَرِيبَةُ البِشارَةِ لا سِيَّما وقَدِ اِقْتَرَنا آنِفًا مَعَ أنَّ الإنْذارَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وقِيلَ خَصَّ النَّذِيرَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ البِشارَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالسَّمْعِ فَهو مِن خَصائِصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالبَشِيرُ نَبِيٌّ أوْ ناقِلٌ عَنْهُ بِخِلافِ النِّذارَةِ فَإنَّهُ تَكُونُ سَمْعًا وعَقْلًا، فَلِذا وُجِّهَ النَّذِيرُ في كُلِّ أُمَّةٍ، وفِيهِ بَحْثٌ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ  ﴾ عَلى في البَهائِمِ وسائِرِ الحَيَواناتِ أنْبِياءُ أوْ عُلَماءُ يُنْذِرُونَ، والِاسْتِدْلالُ بِذَلِكَ باطِلٌ لا يَكادُ نَفْيُ بُطْلانِهِ عَلى أحَدٍ حَتّى عَلى البَهائِمِ، ولَمْ نَسْمَعِ القَوْلَ بِنُبُوَّةٍ فَرْدٍ مِنَ البَهائِمِ ونَحْوِها إلّا عَنِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ومَن تابَعَهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ كُفْرٌ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني: طيّب هيّن شربه.

ويقال: سلس في حلقه، حلو في شرابه سائِغٌ يعني: شهياً.

ويقال: يسوغه الشراب وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ يعني: الشديد الذي شيب بضرب إلى المرارة وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا يعني: السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ من المالح حِلْيَةً وهي اللؤلؤ تَلْبَسُونَها يعني: تستعملونها، وتلبسون نساءكم.

وهذا المثل لأصحاب النبيّ  مع الكفار يعني: وما يستوي الذين صدقوا والذين كذبوا.

ومن كل يظهر شيء من الصلاح يعني: يلد الكافر المسلم مثل ما أولد الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد، وأبو جهل عكرمة بن أبي جهل.

قوله: وَتَرَى الْفُلْكَ يعني: السفن مَواخِرَ يعني: تذهب وتجيء فِيهِ يعني: في البحر لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني: لكي تشكروا رب هذه النعمة.

يقال في اللغة مخر يمخر إذا شقّ الماء.

يعني: أن السفينة تشق الماء في حال جريها.

يقال: مخرت السفينة إذا جرت وشقت الماء في جريها.

ثم قال عز وجل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وقد ذكرناه وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذلّل الشمس والقمر لبني آدم.

كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى أقصى منازلها في الغروب، لأنها تغرب كل ليلة في موضع.

وهو قوله عز وجل: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [المعارج: 30] ويقال: إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى يعني: يجريان دائماً إلى يوم القيامة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: هذا الذي فعل لكم هذا الفعل هو ربكم وخالقكم لَهُ الْمُلْكُ فاعرفوا توحيده، وادعوه ولا تدعوا غيره وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: من دون الله الأوثان وما يعبدونهم مِن دُونِ الله مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ يعني: لا يقدرون أن يعطوكم ولا ينفعوكم بمقدار القطمير.

والقطمير قشر النواة الأبيض الذي يكون بين النوى والتمر.

وقال مجاهد: القطمير لفاف النوى.

ثم قال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ يعني: ولو كانوا بحال يسمعون أيضاً فلا يجيبونكم، ولا يكشفون عنكم شيئاً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ يعني: يتبرؤون من عبادتكم.

ويقولون: مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ.

يقول الله تعالى لمحمد  : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يعني: لا يخبرك من عمل الآخرة مثل الرب تبارك وتعالى.

ويقال: لا يخبرك أحد مثل الرب بأن هذا الذي ذكر عن الأصنام أنهم يتبرؤون عن عبادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا فلا شك في وقوعه.

يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ الآية: آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى الله- تعالى- في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها لاَ يَسْتَغني عنه طرفة عين وهو به ٨٣ أمستغن عن كل أحدٍ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ/ الْحَمِيدُ أي: المحمود بالإطلاق.

وقوله: بِعَزِيزٍ أي: بمُمْتَنِعٍ وتَزِرُ تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ وازِرَةٌ لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت مُثْقَلَةٌ، واسم كانَ مضمرٌ تقديره: ولو كان الداعي.

ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ.

ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية.

ثم توعد بعد ذلك بقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.

قال ع «١» : وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.

وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)

إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)

وقوله سبحانه: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ.

والْحَرُورُ: شدة الحر.

قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار والْحَرُورُ يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار.

وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ، وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه.

وقوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه: أن دعوةَ الله تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ فهو ممن بلغته لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلّم، وبِالْبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ: شيء واحد لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ.

وقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ...

الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال:

جُدَدٌ في جمع «جديد» ، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع جُدَدْتَ الشيء إذا قطعتَه، انتهى.

وقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى لكنّ كلام العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال سودَ غرابيبُ، وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ» «١» يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ.

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ، أي: خلق مختلِفَ ألوانهُ.

وقوله تعالى: كَذلِكَ يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين.

ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ

٨٣ ب الْعُلَماءُ، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، / وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: «١» «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية» وقال صلى الله عليه وسلّم «رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ الله» «٢» .

وقال الرَّبِيع بن أنس: مِنْ لم يخشَ الله فليسَ بعالمٍ «٣» ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما «٤» ، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور: «رأس الحكمة خشيةُ الله» وقال ابن مسعود «٥» : كفى بخشيةِ الله علماً، وبالاغترارِ به جهلاً.

وقال مجاهد والشعبي «٦» : إنما العالمَ مَنْ يخْشَى الله.

وإِنَّما في هذه الآية تحضيض لِلعلمَاء لاَ للحصر.

قال ابن عطاء الله في «الحِكم» : العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ وإلا فَعَلَيْكَ.

وقال في «التنوير» : اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السُّنَّة فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية.

انتهى.

قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم» : واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة.

انتهى.

وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره رضي الله عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ يَعْنِي نَسْلَهُ ﴿ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا، ذُكُورًا وإناثًا؛ قالَ قَتادَةُ: زَوَّجَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ﴾ أيْ: ما يَطُولُ عُمُرُ أحَدٍ ﴿ وَلا يُنْقَصُ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ: " يَنْقُصُ " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ القافِ ﴿ مِن عُمُرِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ عَنْ آخَرَ، فالمَعْنى: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ آخَرَ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ في آخَرِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما كُنِّيَ عَنْهُ كَأنَّهُ الأوَّلُ، لِأنَّ لَفْظَ الثّانِي لَوْ ظَهَرَ كانَ كالأوَّلِ،كَأنَّهُ قالَ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِ مُعَمَّرٍ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ؛ والمَعْنى: ونِصْفٌ آخَرُ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُعَمَّرِ المَذْكُورِ؛ فالمَعْنى: ما يَذْهَبُ مِن عُمُرِ هَذا المُعَمَّرِ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ إلّا وذَلِكَ مَكْتُوبٌ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَكْتُوبٌ في أوَّلِ الكِتابِ: عُمُرُهُ كَذا وكَذا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ: ذَهَبَ يَوْمٌ، ذَهَبَ يَوْمانِ، ذَهَبَتْ ثَلاثَةٌ، إلى أنْ يَنْقَطِعَ عُمُرُهُ؛ وهَذا المَعْنى في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ في آخَرِينَ.

فَأمّا الكِتابُ، فَهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى كِتابَةِ الآجالِ.

والثّانِي: إلى زِيادَةِ العُمُرِ ونُقْصانِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ ﴾ يَعْنِي العَذْبَ والمِلْحَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها قَدْ سَبَقَ بَيانُها [الفَرْقانِ: ٥٣، النَّحْلِ: ١٤، آلِ عِمْرانَ: ٢٧، الرَّعْدِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ﴾ لِأنَّهم جَمادٌ ﴿ وَلَوْ سَمِعُوا ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهم أسْماعًا ﴿ ما اسْتَجابُوا لَكُمْ ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إجابَةٌ ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ أيْ: يَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَتِكم ﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِالأشْياءِ، يَعْنِي نَفْسَهُ عَزَّ وجَلَّ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا أخْبَرَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيَكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللهِ واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ هَذِهِ آيَةُ مَوْعِظَةٍ وتَذْكِيرٍ، والإنْسانُ فَقِيرٌ إلى اللهِ تَعالى في دَقائِقِ الأُمُورِ وجَلائِلِها، لا يَسْتَغْنِي عنهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وهو بِهِ مُسْتَغْنٍ عن كُلِّ واحِدٍ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الناسِ، وعن كُلِّ شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، و"الحَمِيدُ": المَحْمُودُ بِالإطْلاقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "بِعَزِيزٍ" ﴾ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ.

و"تَزِرُ" مَعْناهُ: تَحَمُلُ الوِزْرَ الثَقِيلَ، وهَذِهِ الآيَةُ في الذُنُوبِ والآثامِ والجَرائِمِ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وسَبَبُها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِقَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وعَلَيَّ وِزْرُكُمْ، فَحَكَمَ اللهُ تَعالى بِأنَّها لا يَحْمِلُها أحَدٌ عن أحَدٍ، ومَن تَطَرَّقَ مِنَ الحُكّامِ إلى أخْذِ قَرِيبٍ بِقَرِيبِهِ في جَرِيمَةٍ - كَفِعْلِ زِيادٍ ونَحْوِهِ - فَإنَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَأْخُوذَ رُبَّما أعانَ المُجْرِمَ بِمُؤازَرَةٍ ومُواصَلَةٍ، أوِ اطِّلاعٍ عَلى حالِهِ وتَقْرِيرٍ لَها، فَهو قَدْ أخَذَ مِنَ الجُرْمِ بِنَصِيبٍ، وهَذا هو المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالَهُمْ  ﴾ ، لِأنَّهم أغْوَوْهُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ  : « "مَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ، ومَن سَنَّ سَنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها بَعْدَهُ"،» وأُنِّثَتْ ﴿ "وازِرَةٌ" ﴾ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ النَفْسِ، وعَلى ذَلِكَ أُجْرِيَتْ ﴿ "مُثْقَلَةٌ".

﴾ والحِمْلُ: ما كانَ عَلى الظَهْرِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعارُ لِلْمَعانِي كالذُنُوبِ ونَحْوِها، فَيُجْعَلُ كُلُّ مَحْمُولٍ مُتَّصِلًا بِالظَهْرِ، كَما يُجْعَلُ كُلُّ اكْتِسابٍ مَنسُوبًا إلى اليَدِ.

واسْمُ "كانَ" مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَوْ كانَ الداعِي.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنَّهُ إنَّما يُنْذِرُ أهْلَ الخَشْيَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُمْنَحُونَ العَلَمَ، أيْ: إنَّما يَنْتَفِعُ بِالإنْذارِ هُمْ، وإلّا فَلِنِذارَةِ جَمِيعِ العالَمِ بَعْثَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالغَيْبِ" ﴾ أيْ: وهو بِحال غَيْبَةٍ عنهُ، إنَّما هي رِسالَةٌ، ثُمَّ خَصَّصَ مِنَ الأعْمالِ إقامَةَ الصَلاةِ تَنْبِيهًا عَلَيْها وتَشْرِيفًا لَها.

ثُمَّ حَضَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى التَزَكِّي؛ بِأنْ رَجّى عَلَيْهِ غايَةَ التَرْجِيَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمِنِ ازَّكّى فَإنَّما يَزَّكّى لِنَفْسِهِ".

ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ عِبارَةٍ مُقَصِّرَةٌ عن تَبْيِينِ فَصاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ كِتابُ اللهِ كُلُّهُ، ولَكِنْ يَظْهَرُ الأمْرُ لَنا نَحْنُ في مَواضِعَ أكْثَرَ مِنهُ في مَواضِعَ بِحَسْبِ تَقْصِيرِنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وتنويه به وبالإِسلام.

وفيه دفع توهم أن يكون قصره على النذارة قصراً حقيقاً لتبيّن أن قصره على النذارة بالنسبة للمشركين الذين شابَه حالُهم حالَ أصحاب القبور، أي أن رسالتك تجمع بشارة ونذارة؛ فالبشارة لمن قَبِل الهدى، والنذارة لمن أعرض عنه، وكل ذلك حقّ لأن الجزاء على حسب القبول، فهي رسالة ملابسة للحق ووضع الأشياء مواضعها.

فقوله: ﴿ بالحق ﴾ إما حال من ضمير المتكلم في ﴿ أرسلناك ﴾ أي مُحقّين غير لاَعبين، أو من كاف الخطاب، أي مُحِقّاً أنتَ غير كاذب، أو صفةٌ لمصدر محذوف، أي إرسالاً ملابساً بالحق لا يشوبه شيء من الباطل.

وتقدم نظير هذه الجملة في سورة البقرة.

وقوله: ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ إبطال لاستبعاد المشركين أن يرسل الله إلى الناس بشراً منهم، فإن تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدّهم عن التصديق به، فلذلك أُتبعت دلائل الرسالة بإبطال الشبهة الحاجبة على حدّ قوله تعالى: ﴿ قل ما كنت بدعاً من الرسل ﴾ [الأحقاف: 9].

وأيضاً في ذلك تسفيه لأحلامهم إذ رضُوا أن يكونوا دون غيرهم من الأمم التي شُرّفت بالرسالة.

ووجه الاقتصار على وصف النذير هنا دون الجمع بينه وبين وصف البشير هو مراعاة العموم الذي في قوله: ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ ، فإن من الأمم من لم تحصل لها بشارة لأنها لم يؤمن منها أحد، ففي الحديث: «عُرضت عليّ الأمم فجَعَل النبي يمرّ معه الرهط، والنبي يمرّ معه الرجل الواحد، والنبي يمرّ وحده» الحديث، فإن الأنبياء الذين مرّوا وحدهم هم الأنبياء الذين لم يستجب لهم أحد من قومهم، وقد يكون عدم ذكر وصف البشارة للاكتفاء بذكر قرينة اكتفاء بدلالة ما قبله عليه، وأُوثر وصف النذير بالذكر لأنه أشد مناسبة لمقام خطاب المكذبين.

ومعنى الأمة هنا: الجذم العظيم من أهل نسب ينتهي إلى جدّ واحد جامع لقبائل كثيرة لها مواطن متجاورة مثل أمة الفُرس وأمة الروم وأمة الصين وأمة الهند وأمة اليونان وأمة إسرائيل وأمة العرب وأمة البرْبر؛ فما من أمة من هؤلاء إلا وقد سبق فيها نذير، أي رسول أو نبيء يُنذرهم بالمهلكات وعذاب الآخرة.

فمن المنذِرين من علمناهم، ومنهم من أنذروا وانقرضوا ولم يبق خبرهم قال تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصُصْ عليك ﴾ [غافر: 78].

والحكمة في الإِنذار أن لا يبقى الضلال رائجاً وأن يتخول الله عباده بالدعوة إلى الحق سواء عملوا بها أو لم يعملوا فإنها لا تخلو من أثر صالح فيهم.

وإنما لم يسم القرآن إلا الأنبياء والرسل الذين كانوا في الأمم الساميّة القاطنة في بلاد العرب وما جاورها لأن القرآن حين نزوله ابتدأ بخطاب العرب ولهم علم بهؤلاء الأقوام فقد علموا أخبارهم وشهدوا آثارهم فكان الاعتبار بهم أوقع، ولو ذكرت لهم رسل أمم لا يعرفونهم لكان إخبارهم عنهم مجرد حكاية ولم يكن فيه استدلال واعتبار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ أيْ لا تَحْمِلُ نَفْسٌ ما تَحْمِلُهُ نَفْسٌ أُخْرى مِن ذُنُوبِها، ومِنهُ الوَزِيرُ لِأنَّهُ يَحْمِلُ أثْقالَ المُلْكِ بِتَدْبِيرِهِ.

﴿ وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مُثْقَلَةٌ بِالذُّنُوبِ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي قَدْ أثْقَلَتْها ذُنُوبُها إذا دَعَتْ يَوْمَ القِيامَةِ مَن يَتَحَمَّلُ الذُّنُوبَ عَنْها لَمْ تَجِدِ مَن يَتَحَمَّلُ عَنْها شَيْئًا مِن ذُنُوبِها.

﴿ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ﴾ ولَوْ كانَ المَدْعُوُّ إلى التَّحَمُّلِ قَرِيبًا مُناسِبًا، ولَوْ تَحَمَّلَهُ عَنْها ما قُبِلَ تَحَمُّلُهُ، لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في السِّرِّ حَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: في التَّصْدِيقِ بِالآخِرَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَخْشَوْنَهُ في ضَمائِرِ القُلُوبِ كَما يَخْشَوْنَهُ في ظَواهِرِ الأفْعالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ﴾ أي ما قبلوا ذلك منكم ﴿ ويوم القيامة يكفرون بشرككم ﴾ قال: لا يرضون، ولا يقرون به ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ والله هو الخبير أنه سيكون هذا من أمرهم يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ قال: هي الآلهة.

لا تسمع دعاء من دعاها وعبدها من دون الله تعالى ﴿ ولو سمعوا ما استجابوا لكم ﴾ قال: ولو سمعت الآلهة دعاءكم ما استجابوا لكم بشيء من الخير ﴿ ويوم القيامة يكفرون بشرككم ﴾ قال: بعبادتكم إياهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ قال ابن عباس: وما من أمة من خلقي إلا وقد بعثت فيها نبيًّا (١) وقال مقاتل: يقول: ما مر أمة فيما مضى إلا جاءهم رسول (٢) وقال ابن قتيبة: خلا فيها نذير سلف فيها نبي (٣) (١) لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس.

وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 452، "المحرر الوجيز" 4/ 436، "مجمع البيان" 8/ 634.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.

(٣) "تفسير غريب القرآن" ص 361.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ معناه أن الله قد بعث إلى كل أمة نبياً يقيم عليهم الحجة، فإن قيل: كيف ذلك وقد كان بين الأنبياء فترات وأزمنة طويلة؟

ألا ترى أن بين عيسى ومحمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم ستمائة سنة لم يبعث فيها نبي؟

فالجواب أن دعوة عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم فقامت عليهم الحجة.

فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ ؟

[السجدة: 3] فالجواب أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم، وأيضاً فإن المراد بقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست ببدع فلا ينبغي أن تنكر، لأن الله أرسله كما أرسل من قبله والمراد بقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ [السجدة: 3] أنهم محتاجون إلى الإنذار، لكونهم لم يتقدم من ينذرهم فاختلف سياق الكلام فلا تعارض بينهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .

أي: كذلك يحيي الموتى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ .

قال بعضهم: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، فلله العزة جميعاً، أي: فبعبادة الله وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن عنده اطلبوا ذلك عند الله من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ ﴾ أي: العزة والتعزيز ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ ، أي: فبالله يكون عز الدنيا والآخرة [لا] بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  ﴾ ، وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته، فمن عنده اطلبوا لا من عند من تعبدون دونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ .

اختلف فيه: قال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو الوعد الحسن، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك الإنجاز الوعدَ الحسنَ وعدٌ.

قال بعضهم: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك [إلا] لله.

وقال قائلون: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ ﴾ هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، ﴿ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ أي: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح.

وبعض أهل التأويل: [قال:] يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة.

وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما ذكرنا من الوجوه.

وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات.

وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياه؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي حيث قال: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ ، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ .

﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة التقدير.

وقوله: ﴿ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

أي: قدركم أيضاً مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء.

أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك أصلنا ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ ، أي: خلقكم من ذلك ذكراً وأنثى ليسكن بعضه إلى بعض، أو جعلكم أزواجاً أصنافاً.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ والله الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجاً ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ ﴾ من أول ما تحمل إلى آخر ما تنتهون إليه ﴿ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ﴾ السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، وأنها تضع كذا في وقت كذا، يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه كان كله بذلك التقدير الذي كان منه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، أي: إلا كان ذلك كله في الكتاب مبيناً هكذا مطولا.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ﴾ أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو يعمر إلى أجله الذي كتب له، ثم قال: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ كل يوم وكل ساعة حتى ينتهي إلى آخر أجله ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ : في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن يخلقه.

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ قال صاحب هذا [التأويل:] إن كتاب الآجال حين كتبه الله في اللوح المحفوظ على الله هين.

وقال آخر قريباً من هذا في قوله: ﴿ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ في جري الليل والنهار والساعات ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ ، وذلك أن الله -  - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى إليه، فإذا جرى عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن قُضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهون إليه.

﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على الله بغير كتاب يسير هين.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ ، أي: أن علم ما ذكر وتقديره من أول ما أنشأهم وتغيير أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، أي: لا يخفى عليه.

وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ .

فيه وجوه من المعتبر: أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز؛ دل هنالك داراً يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع [الدنيا] وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك يدل على البعث.

والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ذلك؛ إذ من أنشأ شيئاً لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرّاً مالحاً أجاجاً ما لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشأه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئاً لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أنشأ ماء أجاجا مالحاً لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك.

والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج والعذب السائغ جميعاً اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطري أن يفسد من ساعته.

ويذكرهم أيضاً عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.

والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: ﴿ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ﴾ يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشأها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء.

أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل السيئ.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَوَاخِرَ ﴾ تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، وتستقبل إحداهما الأخرى.

وقال بعضهم: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله؛ إذ قد تكتسب ولا يكون منه شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ .

يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ لأنهم كانوا فرقاً ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة إثبات الصانع وتوحيده، وفيها دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة: أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد وقدر واحد، من أوّل ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعاً مدبراً أنشأ ودبر كل شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأساً على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما أراد [هذا إثباته أراد] الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضاً؛ فدل اتساق ما ذكرنا وجريانه على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وبالله القوة.

ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعباً باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء.

فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم.

وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله [الله] لا الأصنام التي عبدتم دونه، وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه لا يملكون ما ذكر؟!

حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يسفه أحلامهم في عبادة من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن الله على علم منهم: أن ذلك كله من الله، وهو المالك لذلك.

ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي: لو سمعوا دعاءكم ما يملكون إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ ﴾ أي: تعبدوهم ﴿ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ ﴾ ، أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم.

أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ ﴾ ينكرون يوم القيامة أن يكونوا شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ...

﴾ الآية [مريم: 82]، وقوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في الصدق والحق.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ وجهان من اللطف: أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر.

أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر.

وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ذهب النور وجاءت الظلمة [كانت الظلمة] هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوباً مقهرواً في يد صاحبه يجيء ألا يقدر على استنقاذ نفسه من يده أبداً، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم بعضاً وقهر بعضهم بعضاً أن يهلك ولا يتخلص منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير الذي ذكرنا؛ دل أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وبالله الحول والقوة.

والقتبي يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة.

وأبو عوسجة يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين نواتها، واحدة وجمعه سواء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا بعثناك -أيها الرسول- بالحق الذي لا مرية فيه، مبشرًا للمؤمنين بما أعدّ الله لهم من الثواب الكريم، ومنذرًا للكافرين مما أعدّ لهم من العذاب الأليم، وما من أمة من الأمم السابقة إلا سلف فيها رسول من عند الله ينذرها من عذابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.OVzKA"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله