الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٢٥ من سورة فاطر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تبارك وتعالى : ( وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ) وهي : المعجزات الباهرات ، والأدلة القاطعات ، ( وبالزبر ) وهي الكتب ، ( وبالكتاب المنير ) أي : الواضح البين .
وقوله ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول تعالى ذكره مسليًا نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما يلقى من مشركي قومه من التكذيب: وإن يكذبك يا محمد مشركو قومك فقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات، يقول: بحجج من الله واضحة، وبالزبر يقول: وجاءتهم بالكتب من عند الله.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ) أي: الكتب.
وقوله (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) يقول: وجاءهم من الله الكتاب المنير لمن تأمله وتدبره أنه الحق.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) يضعف الشيء وهو واحد.
قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنيرقوله تعالى : وإن يكذبوك يعني كفار قريش .
فقد كذب الذين من قبلهم أنبياءهم ، يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم .
جاءتهم رسلهم بالبينات أي بالمعجزات الظاهرات والشرائع الواضحات .
( وبالزبر ) أي الكتب المكتوبة .
وبالكتاب المنير أي الواضح .
وكرر ( الزبر ) [ ص: 306 ] و ( الكتاب ) ، وهما واحد لاختلاف اللفظين .
وقيل : يرجع ( البينات ) و ( الزبر ) و ( الكتاب ) إلى معنى واحد ، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب .
أي: وإن يكذبك أيها الرسول، هؤلاء المشركون، فلست أول رسول كذب، { فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } الدالات على الحق، وعلى صدقهم فيما أخبروهم به، { وَبالزُّبُرِ } أي: الكتب المكتوبة، المجموع فيها كثير من الأحكام، { وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ } أي: المضيء في أخباره الصادقة، وأحكامه العادلة، فلم يكن تكذيبهم إياهم ناشئا عن اشتباه، أو قصور بما جاءتهم به الرسل، بل بسبب ظلمهم وعنادهم.
( وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير ) الواضح كرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد .
«وإن يكذبوك» أي أهل مكة «فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات» المعجزات «وبالزبر» كصحف إبراهيم «وبالكتاب المنير» هو التوراة والإنجيل، فاصبر كما صبروا.
وإن يكذبك هؤلاء المشركون فقد كذَّب الذين مِن قبلهم رسلهم الذين جاؤوهم بالمعجزات الواضحات الدالة على نبوتهم، وجاؤوهم بالكتب المجموع فيها كثير من الأحكام، وبالكتاب المنير الموضح لطريق الخير والشر.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية أخرى فقال : ( وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ .
.
.
) .أى : وإن يكذبك قومك يا محمد فلا تحزن ، فإن الأقوام السابقين قد كذبوا إخوانك الين أرسلسناهم إليهم ، كما كذبك قومك .وإن هؤلاء السابقين قد ( جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات ) أى : بالمعجزات الواضحات ( وبالزبر ) أى : وبالكتب المنزلة من عند الله - تعالى - جمع زبور وهو المكتوب ، كصحف إبراهيم وموسى .( وبالكتاب المنير ) أى : وبالكتاب الساطع فى براهينه وحججه ، كالتوراة التى أنزلناها على موسى ، والإِنجيل الذى أنزلناه على عيسى .قال الشوكانى : قيل : الكتاب المنير داخل تحت الزبر ، وتحت البينات ، والعطف لتغير المفهومات ، وإن كانت متحدة فى الصدق .
والأولى تخصيص البينات بالمعجزات .
والزبر بالكتب التى فيها مواعظ ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام .
يعني أنت جئتهم بالبينة والكتاب فكذبوك وآذوك وغيرك أيضاً أتاهم بمثل ذلك وفعلوا بهم ما فعلوا بك وصبروا على ما كذبوا فكذلك نلزمهم بأن من تقدم من الرسل لم يعلم كونهم رسلاً إلا بالمعجزات البينات وقد آتيناها محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ وبالزبر وبالكتاب المنير ﴾ والكل آتيناها محمداً، فهو رسول مثل الرسل يلزمهم قبوله كما لزم قبول موسى وعيسى عليهم السلام أجمعين، وهذا يكون تقريراً مع أهل الكتاب، واعلم أنه تعالى ذكر أموراً ثلاثة أولها البينات، وذلك لأن كل رسول فلابد له من معجزة وهي أدنى الدرجات، ثم قد ينزل عليه كتاب يكون فيه مواعظ وتنبيهات وإن لم يكن فيه نسخ وأحكام مشروعة شرعاً ناسخاً، ومن ينزل عليه مثله أعلى مرتبة ممن لا ينزل عليه ذلك وقد تنسخ شريعته الشرائع وينزل عليه كتاب فيه أحكام على وفق الحكمة الإلهية، ومن يكون كذلك فهو من أولي العزم فقال الرسل تبين رسالتهم بالبينات وإن كانوا أعلى مرتبة فبالزبر، وإن كانوا أعلى فبالكتاب والنبي آتيناه الكل فهو رسول أشرف من الكل لكون كتابه أتم وأكمل من كل كتاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بالبينات ﴾ بالشواهد على صحة النبوّة وهي المعجزات ﴿ وبالزبر ﴾ وبالصحف ﴿ وبالكتاب المنير ﴾ نحو التوراة والإنجيل والزبور.
لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً، وإن كان بعضها في جميعهم: وهي البينات، وبعضها في بعضهم: وهي الزبر والكتاب.
وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ) بِالمُعْجِزاتِ الشّاهِدَةِ عَلى نُبُوَّتِهِمْ.
﴿ وَبِالزُّبُرِ ﴾ كَصُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ وَبِالكِتابِ المُنِيرِ ﴾ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ دُونَ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما واحِدٌ والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ.
﴿ ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ إنْكارِي بِالعُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
فاطر (٢٨ - ٢٥)
رسلهم {جاءتهم رسلهم} حال وقد مضمرة {بالبينات} بالمعجزات {وبالزبر} وبالصحف {وبالكتاب المنير} أى التوراة والانجيل والزبور لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ الأُمَمِ العاتِيَةِ فَلا تَحْزَنْ مِن تَكْذِيبِ هَؤُلاءِ إيّاكَ.
﴿ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا بِدُونِ تَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِتَقْدِيرِها، أيْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيما يَدَّعُونَ ﴿ وبِالزُّبُرِ ﴾ كَصُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وبِالكِتابِ المُنِيرِ ﴾ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى إرادَةِ التَّفْصِيلِ يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم جاءَ بِهَذا وبَعْضَهم جاءَ بِهَذا لا عَلى إرادَةِ الجَمْعِ، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ جاءَ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ كِتابٌ، وعَدَدُ الرُّسُلِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن عَدَدِ الكُتُبِ كَما هو مَعْرُوفٌ، ومَآلُ هَذا إلى مَنعِ الخُلُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزُّبُرِ والكِتابِ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتُغايِرِ العُنْوانَيْنِ لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ يعني: أنتم محتاجون إلى ما عنده.
ويقال: أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ في رزقه ومغفرته وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الْغَنِيُّ عن عبادتكم الْحَمِيدُ في فعله وسلطانه.
وهذا كما قال في آية أخرى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [محمد: 38] لأن كل واحد يحتاج إليه.
لأن أحداً لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان، والأمير ما لم يكن له خدم وأعوان، لا يقدر على الإمارة.
وكذلك التاجر يحتاج إلى المكارين، والله عز وجل غني عن الأعوانِ وغيره.
ثم قال عز وجل: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني: يهلككم ويميتكم وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أفضل منكم وأطوع لله وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني: شديد وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى.
ويقال: لا تحمل بالطوع ولكن يحمل عليها إذا كان له خصماً.
ثم قال: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها يعني: الذي أثقلته الذنوب والأوزار، إن لو دعا أحداً، ليحمل عنه بعض أوزاره، لا يحمل من وزره شيئاً.
وإن كان ذا قرابة لا يحمل من وزره.
وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه، عن عكرمة قال: إن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني إني كنت لك والداً فيثني عليه خيراً.
فيقول: يا بني قد احتجت إلى مثقال ذرة.
وفي رواية أخرى: إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى.
فيقول له ولده: ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق.
إني أخاف مثل الذي تخوفت.
ثم يتعلق بزوجته فيقول لها: إني كنت لك زوجاً في الدنيا فيثني عليها خيراً ويقول: إني طلبت إليك حسنة واحدة لعلي أنجو بها مما ترين.
فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق.
إني أخاف مثل الذي تخوفت فذلك قوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى.
ثم قال: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يعني: إنما تخوف بالقرآن الذين يخافون ربهم بالغيب.
يعني: آمنوا بالله وهم في غيب منه وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: يقيمون الصلاة.
وكان النبيّ يُنذر المؤمنين والكافرين.
ولكن الذين يخشون ربهم هم الذين يقبلون الإنذار فكأنه أنذرهم خاصة.
ثم قال: وَمَنْ تَزَكَّى يعني: توحد.
ويقال: تطهر نفسه من الشرك.
ويقال: من صلح فإنما صلاحه لنفسه يثاب عليه في الآخرة.
ويقال: من يعطي الزكاة فإنما ثوابه لنفسه.
فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فيجازيهم بعملهم.
قوله عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى يعني: الكافر الأعمى عن الهدى وَالْبَصِيرُ يعني: المؤمن وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ يعني: الكفر والإيمان وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ يعني: الجنة والنار وَلَا الْحَرُورُ هو استقرار الحر وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ قال القتبي: مثل الأعمى والبصير كالكافر والمسلم، والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان، والظل والحرور مثل الجنة والنار، وما يستوى الاحياء ولا الأموات مثل العقلاء والجهال.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ يعني: يفقه من يشاء وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يعني: لا تقدر أن تفقه الأموات وهم الكفار إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ يعني: ما أنت إلا رسول إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن.
ويقال: لبيان الحق بَشِيراً وَنَذِيراً وقد ذكرناه وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ يعني: وما من أمة فيما مضى إلا فيهم نذير.
يعني: إلا جاءهم رسول.
ثم قال: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي وَبِالزُّبُرِ يعني: بالكتب، وبأخبار من كان قبلهم وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ يعني: المضيء.
الكتاب هو نعت لما سبق ذكره من البينات والزبر ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين كذبوهم فعاقبتهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يعني: كيف كان إنكاري وتغييري عليهم ثم ذكر خلقه ليعتبروا به ويوحدوه: <div class="verse-tafsir"
قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» : العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك.
وقال- رحمه الله-: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً.
انتهى.
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ...
الآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية «١» القُرَّاء.
قال ع «٢» : وهذا على أنْ يَتْلُونَ بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون، صَحَّ معنى الآية وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقات ووجوه البرّ ولَنْ تَبُورَ معناه: لن تكسد.
ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم كما قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] .
ت: وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا.
وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك/، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «يصفّ النّاس ٨٤ أصفوفا» .
وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فسقيتك شربة؟
قال: فيشفع له.
ويمرّ
﴿ يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ﴾ أيِ: المُحْتاجُونَ إلَيْهِ ﴿ واللَّهُ هو الغَنِيُّ ﴾ عَنْ عِبادَتِكم ﴿ الحَمِيدُ ﴾ عِنْدَ خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [إبْراهِيمَ: ١٩، الأنْعامِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ﴾ أيْ: نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِالذُّنُوبِ ﴿ إلى حِمْلِها ﴾ الَّذِي حَمَلَتْ مِنَ الخَطايا ﴿ لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ﴾ الَّذِي تَدْعُوهُ ﴿ ذا قُرْبى ﴾ ذا قَرابَةٍ ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَهُ ولَمْ يَرَوْهُ؛ والمَعْنى: إنَّما تَنْفَعُ بِإنْذارِكَ أهْلَ الخَشْيَةِ، فَكَأنَّكَ تُنْذِرُهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِمَكانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالِانْتِفاعِ، ﴿ وَمَن تَزَكّى ﴾ أيْ: تَطَهَّرَ مِنَ الشَّرَكِ والفَواحِشِ، وفَعَلَ الخَيْرَ ﴿ فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: فَصَلاحُهُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ فَيَجْزِي بِالأعْمالِ.
﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنَ والمُشْرِكَ ﴿ وَلا الظُّلُماتُ ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ والضَّلالاتِ ﴿ وَلا النُّورُ ﴾ الهُدى والإيمانُ، ﴿ وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ظِلُّ اللَّيْلِ وسَمُومُ النَّهارِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: الظِّلُّ: الجَنَّةُ، والحَرُورُ: النّارُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الفَرّاءُ: الحَرُورُ بِمَنزِلَةِ السَّمُومِ، وهي الرِّياحُ الحارَّةُ.
والحَرُورُ تَكُونُ بِالنَّهارِ وبِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ لا تَكُونُ إلّا بِالنَّهارِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَرُورُ تَكُونُ بِالنَّهارِ مَعَ الشَّمْسِ، وكانَ رُؤْبَةُ يَقُولُ: الحَرُورُ بِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ بِالنَّهارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الأحْياءَ: المُؤْمِنُونَ، والأمْواتَ: الكُفّارُ.
والثّانِي: أنَّ الأحْياءَ: العُقَلاءُ، والأمْواتَ: الجُهّالُ.
وَفِي " لا " المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
والثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ لِاسْتِواءِ أحَدِ المَذْكُورَيْنِ مَعَ الآخَرِ.
قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ أمْثالٌ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، يَقُولُ: كَما لا تَسْتَوِي هَذِهِ الأشْياءُ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يُفْهِمُ مَن يُرِيدُ إفْهامَهُ ﴿ وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: " بِمُسْمِعِ مَن " عَلى الإضافَةِ؛ يَعْنِي الكَفّارَ، شَبَّهَهم بِالمَوْتى، ﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: نُسِخَ مَعْناها بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ أيْ: ما مِن أُمَّةٍ إلّا قَدْ جاءَها رَسُولٌ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٤، الحَجِّ: ٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أثْبَتَ فِيها الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، ووافَقَهُ في الوَصْلِ ورْشٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ﴿ وَلا الظُلُماتُ ولا النُورُ ﴾ ﴿ وَلا الظِلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ ﴿ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ ﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ ﴾ ﴿ ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ مَضَمُونُ هَذِهِ الآيَةِ طَعْنٌ عَلى الكَفَرَةِ، وتَمْثِيلٌ لَهم بِالعُمْيِ والظُلُماتِ، وتَمْثِيلُ المُؤْمِنِينَ - بِإزائِهِمْ - بِالبُصَراءِ والأنْوارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا النُورُ ﴾ ودُخُولُ "لا" فِيها وفِيما بَعْدَها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ التَكْرارِ، كَأنَّهُ قالَ: "وَلا الظُلُماتُ والنُورُ، ولا النُورُ والظُلُماتُ"، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الأوائِلِ عَنِ الثَوانِي، ودَلَّ مَذْكُورُ الآيَةِ عَلى مَتْرُوكِهِ.
و"الحَرُورُ" شِدَّةُ حَرِّ الشَمْسِ، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: الحَرُورُ بِاللَيْلِ والسَمُومُ بِالنَهارِ، ولَيْسَ كَما قالَ، وإنَّما الأمْرُ كَما حَكى الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: إنَّ السَمُومَ يَخْتَصُّ بِالنَهارِ، والحَرُورُ يُقالُ في حَرِّ اللَيْلِ وفي حَرِّ النَهارِ، وتَأوَّلَ قَوْمٌ الظِلَّ في هَذِهِ الآيَةِ: الجَنَّةَ، والحَرُورَ: جَهَنَّمَ.
وَشَبَّهَ المُؤْمِنِينَ بِالأحْياءِ، والكَفَرَةَ بِالأمْواتِ، مِن حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ الذِكْرَ ولا يُقْبَلُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ الأمْرَ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: " إنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ "، وقَوْله " وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ".
وهَذا تَمْثِيلٌ بِما يُحِسُّهُ البَشَرُ ويُشاهِدُونَهُ، فَهم يَرَوْنَ أنَّ المَيِّتَ الَّذِي في القَبْرِ لا يَسْمَعُ، وأمّا الأرْواحُ فَلا تَرِدُ؛ إذْ تَتَضَمَّنُ الأحادِيثُ أنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ في شَجَرٍ عِنْدَ العَرْشِ وفي قَنادِيلَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّ أرْواحَ الكَفَرَةِ في سِجِّينٍ ونَحْوِهُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الأرْواحَ عِنْدَ القُبُورِ، فَرُبَّما سَمِعَتْ، وكَذَلِكَ أهْلُ قَلِيبِ بَدْرٍ إنَّما سَمِعَتْ أرْواحُهُمْ، وكَذَلِكَ سَماعُ المَيِّتِ خَفْقَ النِعالِ، إنَّما هو بَرَدِّ رُوحِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ لِقاءِ المَلَكَيْنِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا تُعارُضُ حَدِيثَ القَلِيبِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى رَدَّ عَلى أُولَئِكَ أرْواحَهم لِيُوَبِّخَهُمْ، وهَذا عَلى قَوْلِ عُمَرَ وابْنِهِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما - وهو الصَحِيحُ -: «إنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهُمْ"،» وأمّا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَمَذْهَبُها أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يُسْمِعْهُمْ، وأنَّهُ إنَّما قَصَدَ تَوْبِيخَ الأحْياءِ مِنَ الكَفَرَةِ، وجَعَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ أصْلًا، واحْتَجَّتْ بِها، فَمَثَّلَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَفَرَةَ بِالأشْخاصِ الَّتِي في القُبُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِمُسْمِعِ مِن" عَلى الإضافَةِ.
ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ أنْتَ إلا نَذِيرٌ ﴾ ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ ذَلِكَ، والهِدايَةُ والإضْلالُ إلى اللهِ تَعالى.
و"بَشِيرًا" مَعْناهُ: بِالنَعِيمِ الدائِمِ لِمَن آمَنَ، و"نَذِيرًا" مَعْناهُ: مِنَ العَذابِ الألِيمِ لِمَن كَفَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ مَعْناهُ: إنَّ دَعْوَةَ اللهِ تَعالى قَدْ عَمَّتْ جَمِيعَ الخَلْقِ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تُباشِرْهُ النِذارَةُ فَهو مِمَّنْ بَلَغَتْهُ؛ لِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بُعِثَ إلى بَنِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَنْقَطِعْ إلى وقْتِ مُحَمَّدٍ ، والآياتُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مَعْناهُ: نَذِيرٌ مُباشِرٌ، وما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن فَرْضِ أصْحابِ الفَتَراتِ ونَحْوِهِمْ فَإنَّما ذَلِكَ بِالفَرْضِ لا أنَّهُ تُوجِدُ أُمَّةٌ لَمْ تُعْلَمْ أنَّ في الأرْضِ دَعْوَةً إلى عِبادَةِ اللهِ.
ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ بِما سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ، و"البَيِّناتِ" و"الزُبُرِ" و"الكِتابِ المُنِيرِ" شَيْءٌ واحِدٌ، لَكِنَّهُ أكَّدَ أوصافَهُ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وذَكَرَهُ بِجِهاتِهِ.
و"الزُبُرُ" مِن: زَبَرْتُ الكِتابَ إذا كَتَبْتُهُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ قُرَيْشًا بِذِكْرِهِ أخَذَ الأُمَمِ الكافِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أعقب الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بتسليته على تكذيب قومه وتأنيسه بأن تلك سنة الرسل مع أممهم.
وإذ قد كان سياق الحديث في شأن الأمم جعلت التسلية في هذه الآية بحال الأمم مع رسلهم عكس ما في آية آل عمران (184): ﴿ فإن كذبوك فقد كذّب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير ﴾ لأن سياق آية آل عمران كان في ردّ محاولة أهل الكتاب إفحام الرسول لأن قبلها ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ﴾ [آل عمران: 183].
وقد خولف أيضاً في هذه الآية أسلوب آية آل عمران إذ قرن كل من «الزبر والكتاب المنير» هنا بالباء، وجُرّدا منها في آية آل عمران وذلك لأن آية آل عمران جرت في سياق زعم اليهود أن لا تقبل معجزة رسول إلا معجزة قُربان تأكله النار، فقيل في التفرد ببهتانهم: قد كُذّبت الرسل الذين جاء الواحد منهم بأصناف المعجزات مثل عيسى عليه السلام ومن معجزاتهم قرابين تأكلها النار فكذبتموهم، فترك إعادة الباء هنالك إشارة إلى أن الرُسل جاءوا بالأنواع الثلاثة.
ولما كان المقام هنا لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ناسب أن يذكر ابتلاء الرسل بتكذيب أممهم على اختلاف أحوال الرسل؛ فمنهم الذين أتَوا بآيات، أي خوارق عادات فقط مثل صالح وهود ولوط، ومنهم من أتوا بالزبر وهي المواعظ التي يؤمر بكتابتها وزَبرها، أي تخطيطها لتكون محفوظة وتردد على الألسن كزبور داود وكتب أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل مثل أرمياء وإيلياء، ومنهم من جاءوا بالكتاب المنير، يعني كتاب الشرائع مثل إبراهيم وموسى وعيسى، فذكر الباء مشير إلى توزيع أصناف المعجزات على أصناف الرسل.
فزبور إبراهيم صُحُفه المذكورة في قوله تعالى: ﴿ صحف إبراهيم وموسى ﴾ [الأعلى: 19].
وزبور موسى كلامه في المواعظ الذي ليس فيه تبليغ عن الله مثل دعائه الذي دعا به في قادش المذكور في الإِصحاح التاسع من سفر التثنية، ووصيته في عَبر الأردن التي في الإِصحاح السابع والعشرين من السفر المذكور، ومثل نشيده الوعظي الذي نطق به وأمر بني إسرائيل بحفظه والترنّم به في الإِصحاح الثاني والثلاثين منه، ومثل الدعاء الذي بارك به أسباط إسرائيل في عَربات مُؤاب في آخر حياته في الإِصحاح الثالث والثلاثين منه.
وزبور عيسى أقواله المأثورة في الأناجيل مما لم يكن منسوباً إلى الوحي.
فالضمير في «جاءوا» للرسل وهو على التوزيع، أي جاء مجموعهم بهذه الأصناف من الآيات، ولا يلزم أن يجيء كل فرد منهم بجميعها كما يقال بنو فلان قتلوا فلاناً.
وجواب ﴿ إن يكذبوك ﴾ محذوف دلت عليه علته وهي قوله: ﴿ فقد كذبت رسل من قبلك ﴾ [فاطر: 4].
والتقدير: إن يكذبوك فلا تحزن، ولا تحسبهم مفلِتين من العقاب على ذلك إذ قد كذب الأقوام الذين جاءتهم رسل من قبل هؤلاء وقد عاقبناهم على تكذيبهم.
فالفاء في قوله: ﴿ فقد كذب الذين من قبلهم ﴾ فاء فصيحة أو تفريع على المحذوف.
وجملة ﴿ جاءتهم ﴾ صلة ﴿ الذين ﴾ ، و ﴿ من قبلهم ﴾ في موضع الحال من اسم الموصول مقدّم عليه أو متعلق ب ﴿ جاءتهم ﴾ .
و ﴿ ثمّ ﴾ عاطفة جملة ﴿ أخذت ﴾ على جملة ﴿ جاءتهم ﴾ أي ثمّ أخذتهم، وأُظهر ﴿ الذين كفروا ﴾ في موضع ضمير الغيبة للإِيماء إلى أن أخذهم لأجل ما تضمنته صلة الموصول من أنهم كفروا.
والأخذ مستعار للاستئصال والإِفناء؛ شبه إهلاكهم جزاءً على تكذيبهم بإتلاف المغيرين على عدوّهم يقتلونهم ويغنمون أموالهم فتبقى ديارهم بَلْقَعاً كأنهم أخذوا منها.
و (كيف) استفهام مستعمل في التعجيب من حالهم وهو مفرع بالفاء على ﴿ أخذت الذين كفروا ﴾ ، والمعنى: أخذتهم أخذاً عجيباً كيف ترون أعجوبته.
وأصل (كيف) أن يستفهم به عن الحال فلما استعمل في التعجيب من حال أخذهم لزم أن يكون حالهم معروفاً، أي يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم وكلّ من بلغتْه أخبارهم فعلى تلك المعرفة المشهورة بني التعجيب.
والنَّكير: اسم لشدة الإِنكار، وهو هنا كناية عن شدة العقاب لأن الإِنكار يستلزم الجزاء على الفعل المنكر بالعقاب.
وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً ولرعاية الفواصل في الوقف لأن الفواصل يعتبر فيها الوقت، وتقدم في سبأ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما لا يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ، ولا تَسْتَوِي الظُّلُماتُ ولا النُّورُ، ولا يَسْتَوِي الظِّلُّ ولا الحَرُورُ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ والكافِرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أيْ عَمى القَلْبِ بِالكُفْرِ وبَصَرُهُ بِالإيمانِ، ولا تَسْتَوِي ظُلُماتُ الكُفْرِ ونُورُ الإيمانِ، ولا يَسْتَوِي ظِلُّ الجَنَّةِ وحَرُورُ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والحَرُورُ الرِّيحُ الحارَّةُ كالسَّمُومِ، قالَ الفَرّاءُ: الحَرُورُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والسَّمُومِ لا يَكُونُ إلّا بِالنَّهارِ.
وَقالَ الأخْفَشُ: الحَرُورُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ شَمْسِ النَّهارِ، والسَّمُومُ يَكُونُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
قالَ قُطْرُبٌ: الحَرُورُ الحَرُّ، والظِّلُّ البَرْدُ.
وَمَعْنى الكَلامِ: أنَّهُ لا يَسْتَوِي الجَنَّةُ والنّارُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما أنَّهُ لا يَسْتَوِي الأحْياءُ والأمْواتُ فَكَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ والكافِرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الأحْياءَ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أحْياهُمُ الإيمانُ.
والأمْواتُ الكُفّارُ الَّذِينَ أماتَهُمُ الكُفْرُ وهَذا مُقْتَضى قَوْلِ السُّدِّيِّ.
الثّالِثُ: أنَّ الأحْياءَ العُقَلاءُ، والأمْواتَ الجُهّالُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وفي لا في هَذا المَوْضِعِ وفِيما قَبْلَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
الثّانِي: أنَّها نافِيَةٌ لِاسْتِواءِ أحَدِهِما بِالآخَرِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ يَهْدِي مَن يَشاءُ.
﴿ وَما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، كَما أنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى في القُبُورِ كَذَلِكَ لا تُسْمِعُ الكافِرَ.
الثّانِي: أنَّ الكافِرَ قَدْ أماتَهُ الكُفْرُ حَتّى أقْبَرَهُ في كُفْرِهِ فَلِذَلِكَ لا يُسْمَعُ، وقِيلَ إنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ الإخْبارُ أنَّ بَيْنَ الخَيْرِ فُرُوقًا، كَما أنَّ بَيْنَ الشَّرِّ فُرُوقًا، لِيَطْلُبَ مِن دَرَجاتِ الخَيْرِ أعْلاها ولا يَحْتَقِرُ مِن دَرَجاتِ الشَّرِّ أدْناها، وهو الظّاهِرُ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ بُشْرى بِالجَنَّةِ.
﴿ وَنَذِيرًا ﴾ مِنَ النّارِ.
﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ أيْ سَلَفَ فِيها نَبِيٌّ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إلّا العَرَبَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في حجة الوداع ألا لا يجني جان إلا على نفسه.
لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده» .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته قال لأبي: «ابنك هذا؟
قال: أي ورب الكعبة قال: أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه.
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها ﴾ قال: إن تدع نفس مثقلة من الخطايا ذا قرابة أو غير ذي قرابة ﴿ لا يحمل ﴾ عنها من خطاياها شيء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ﴾ يكون عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ﴾ كنحو ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إن الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن، يوم القيامة فيقول له: يا مؤمن إن لي عندك يداً قد عرفت كيف كنت في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه حتى يرده إلى منزلة دون منزلة وهو في النار.
وأن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟
فيثني خيراً فيقول: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى، فيقول له ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت؟
ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوّف مثل الذي تخوّفت، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً.
ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة أي زوج كنت لك؟
فتثني خيراً فيقول لها: فإني أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين.
قالت: ما أيسر ما طلبت!
ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوّف مثل الذي تخوّفت.
يقول الله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها....
﴾ .
ويقول الله: ﴿ يوم لا يجزي والد عن ولده ﴾ [ لقمان: 133] و ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه...
﴾ [ عبس: 34] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإن تدع مثقلة إلى حملها ﴾ أي إلى ذنوبها ﴿ لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ﴾ قال: قرابة قريبة لا يحمل من ذنوبه شيئاً، ويحمل عليها غيرها من ذنوبها شيئاً ﴿ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ أي يخشون النار، والحساب.
وفي قوله: ﴿ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ﴾ أي من عمل عملاً صالحاً فإنما يعمل لنفسه.
وفي قوله: ﴿ وما يستوي...
﴾ .
قال: خلق فضل بعضه على بعض، فأما المؤمن فعبد حي الأثر، حي البصر، حي النية، حي العمل.
والكافر عبد ميت الأثر، ميت البصر، ميت القلب، ميت العمل.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير....
﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن يقول: كما لا يستوي هذا وهذا، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير...
﴾ قال: الكافر والمؤمن ﴿ ولا الظلمات ﴾ قال: الكفر ﴿ ولا النور ﴾ قال: الايمان ﴿ ولا الظل ﴾ قال: الجنة ﴿ ولا الحرور ﴾ قال: النار ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ قال: المؤمن والكافر ﴿ إن الله يسمع من يشاء ﴾ قال: يهدي من يشاء.
وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ [ الروم: 52] ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على القتلى يوم بدر ويقول: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً يا فلان ابن فلان.
ألم تكفر بربك؟
ألم تكذب نبيك؟
ألم تقطع رحمك؟
فقالوا: يا رسول الله أيسمعون ما نقول؟
قال: ما أنتم بأسمع منهم لما أقول.
فأنزل الله: ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ ومثل ضربة الله للكفار أنهم لا يسمعون لقوله» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور ﴾ فكذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع.
وفي قوله: ﴿ وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير ﴾ يقول كل أمة قد كان لها رسول جاءها من الله.
وفي قوله: ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ﴾ قال: يعزي نبيه ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير، ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير ﴾ قال: شديد والله لقد عجل لهم عقوبة الدنيا ثم صيرهم إلى النار.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي ﴿ نَكِيرِ ﴾ ذكر في سبأ ﴿ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ يريد الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان، وقيل: يريد الأنواع والأول أظهر لذكره البيض والحمر والسود بعد ذلك.
وفي الوجهين دليل على أن الله تعالى فاعل مختار، يخلف ما يشاء ويختار.
وفيه ردّ على الطبائعيين الدهريين لأن الطبيعة لا يصدر عنها ولا نوع واحد ﴿ جُدَدٌ ﴾ جمع جدة وهي الخطط والطرائق في الجبال ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب وهو الشديد السواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر لقصد التأكيد، ولأن ذلك كثيراً ما يأتي في كلام العرب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .
فيه وجوه من الدلالة: أحدها: أنه إنما أمركم ونهاكم وامتحنكم بأنواع المحن لحاجتكم وفقركم إليه، لا لحاجة وفقر له في ذلك، فإن ائتمرتموه وأطعتموه، فإلى أنفسكم ترجع منفعة ذلك، وإن عصيتم فعلى أنفسكم يلحق ضرر ذلك؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ .
والثاني: يقول: تعلمون أن فقركم وحاجتكم إلى الله، لا إلى الأصنام التي تعبدونها واتخذتموها آلهة، فكيف صرفتم العبادة والشكر إلى من تعلمون أنكم لا تحتاجون إليه ولا تفتقرون؟!
والثالث: يأمرهم بقطع أطماعهم من الخلق؛ لأنه خاطب الكل وأخبر أنكم جميعاً فقراء إلى الله الطامع والمطموع فيه، فاقطعوا طمعكم ورجاءكم عن الخلق، واطمعوا ذلك من الله؛ فإنه الغني الحميد والخلق جميعاً فقراء إليه، يؤيسهم عن الطمع والرجاء من الخلق، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
يخبر عن غناه وقدرته، لو شاء أذهبكم لتعلمون أنه لم ينشئكم، ولا أمركم، ولا نهاكم؛ لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن لحاجة أنفسكم.
وقوله: ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: لا يعز ولا يثقل عليه ذهابكم وفناؤكم؛ لأنه لم ينشئكم لحاجة نفسه فذهابكم وفناؤكم وبقاؤكم عليه واحد.
والثاني: لا يصعب عليه ولا يعز إذهابكم وإحداثكم، ولا يعجزه شيء، يخبر عن قدرته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ﴾ .
كأن هذا صلة قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...
﴾ الآية [العنكبوت: 12]، يؤيسهم ليقطعوا أطماعهم يومئذ عن تناصر بعضهم بعضاً، وتحمل بعضهم مؤن بعض وشفاعة بعضهم بعضاً، على ما كانوا يفعلون في الدنيا كان ينصر بعضهم بعضاً في الدنيا إذا أصابهم شيء؛ ويفدي بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم بعضاً، كانوا يحتالون مثل هذا الحيل في الدنيا؛ ليدفعوا عن المتصلين بهم الضرر، فأخبر أن ليس لهم ذلك في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ [و] مثله كثير، يؤيسهم عن أن يكون لهم في الآخرة ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: إنما ينتفع بالإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب، فأما [من] لا يخشى ربه فإنه لا ينتفع به، وإلا كان منذر من اتبع الذكرى ومن لم يتبع، ومن خشي ربه ومن لم يخش.
والثاني: كأنه يقول: إنك تنذر غير الذي اتبع الذكر وغير الذي خشي، فإنما يتبع إنذارك ويقبله الذي خشي ربه واتبع ذكره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ﴾ ، أي: من عمل خيراً، فإنما يعمل لنفسه.
أو من جاء بالتوحيد والأعمال الصالحة فإنما يصلح أمره وعمله يثاب عليه.
﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع فائدة تخصيص ذكر المصير إليه والمرجع إليه في ذلك اليوم، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت.
وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ ﴾ .
ضرب هذا المثل يخرج على وجوه: أحدها: شبه الأصنام التي كانوا يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة؛ لأنها كذلك عميان موتى لا نور فيها؛ يقول: والله إنكم تعلمون أن الذين تعبدون من دون الله عميان لا بصر لهم ولا نور ولا حياة ولا شيء من ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع، فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله ؟!
وبالله الهداية والعصمة.
والثاني: شبه أولئك الكفرة بالعميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر؛ لأن لهم بصرا يبصرون وهم أحياء فيقولون: نحن البصراء والأحياء، وأنتم العميان والأموات، وما ذكر، لكن شبههم بالعميان والموتى؛ لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حجة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى يهوون ذلك، وللمؤمنين في عبادتهم الله حجة وبرهان، فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير حيّ نور، ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميت.
والثالث: يذكر هذا دلالة على البعث؛ لأنهم يعلمون أن الخلق ليس كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبصراء وفيهم الأحياء والأموات وفيهم ما ذكر، وقد استووا جميعاً في منافع هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بدّ من دار أخرى سوى هذه يفرق بينهم؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ .
دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ إنما أراد به الكافر، ثم أخبر أن رسوله لا يسمع لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك؛ إذ لو كان بيانا مبينا أو دعاء على ما يقوله المعتزلة، لكان يسمع ويبين ويقدر على ذلك، فإذ لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله لطفاً وشيئاً لم يعطهم، فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا وآمنوا؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ ، ولو كان بياناً على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحبّ وقد أحب فلم يهتد؛ دل أن عند الله شيئاً لو أعطى ذلك لاهتدى، ولم يكن ذلك عند رسوله وهو التوفيق والعصمة، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أعطى كل كافر ما به يهتدي لكنه لم يهتد.
ثم لا يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ على القسر والقهر دل أنه لا يحتمل.
وقوله: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ليس عليك إلا الإنذار باللسان؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وأنت لا تؤاخذ بتركهم قبول الإنذار؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...
﴾ الآية [النور: 54].
ويحتمل الإنذار بالسيف بأمره إياه بالقتال معهم حتى يؤمنوا، وإن كان على هذا فهو يحتمل النسخ؛ يؤمر بالقتال في وقت، ولا يؤمر في وقت، وأمّا النذارة باللسان فهو لا يحتمل النسخ أبداً.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالتوحيد، أي: أرسلناك لتدعو الناس إلى توحيد الله، أو أرسلناك بالحق، أي: بالحق الذي لله عليهم وما لبعض على بعض.
أو ﴿ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: للحق وهو البعث الذي هو كائن لا محالة.
وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
أي: بشيراً بالجنة لمن آمن بالله وأجابك، ونذيراً بالنار لمن عصاه وخالف أمره وترك إجابته، هذا يدل على أنه لم يرد في قوله: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ أنه نذير خاصة ليس ببشير.
وقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ .
قال بعضهم: ليس من أصناف الخلق وجواهرهم على اختلاف جواهرهم وأصنافهم إلا وقد خلا لهم نذير؛ ليأمر وينهى ويمنع ويبيح؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 38]، أخبر أن الخلق على اختلاف أصنافهم وجواهرهم أمم أمثالهم البشر، فيتحملون ما يتحمل البشر من الأمر والنهي والنذارة والبشارة.
وقال بعضهم: ذلك راجع إلى الجن والإنس خاصة ليس إلى الكل؛ لأنهما هما المخصوصان بالخطاب والنطق والعقل وغير ذلك، وفيهما ظهر بعث الرسل والنذر، ولم يظهر ذلك في غيرهما، فكأنه قال: وإن من أمة من هذين من القرون إلا خلا فيها نذير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .
يعزي رسوله ويصبره على تكذيب قومه إياه، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، قد كذب إخوانك الذين من قبل بعد ما جاءوا بالبينات والزبر، أي: بالكتب المنيرة إليهم مع ما جاءهم بذلك فكذبوهم، فصبروا على تكذيبهم، فاصبر أنت أيضاً على تكذيب قومك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
أي: ثم أخذت الذين كذبوا رسلهم بالتكذيب فآخذ قومك على تكذيبهم إليك أيضاً، يذكر هذا له ليصبره على ذلك وينفي حزنه على تكذيبهم إياه.
أو يذكره زجراً لقومه على تكذيبهم إياه؛ فينزل بهم من العذاب ما نزل بأولئك بالتكذيب.
وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
قال بعضهم: فكيف كان إنكاري، وقال بعضهم: عذابي.
ودل قوله: ﴿ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ \[على\] قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: منير السماوات بما سمى الكتاب في غير آي من القرآن: نوراً، هو نور بما ينير القلوب والصدور.
<div class="verse-tafsir"
وإن يكذبك قومك -أيها الرسول- فاصبر، فلست أول رسول كذبه قومه، فقد كذبت الأمم السابقة لهؤلاء رسلَهم مثل عاد وثمود وقوم لوط، جاءتهم رسلهم من عند الله بالحجج الواضحة الدالة على صدقهم، وجاءتهم رسلهم بالصحف، وبالكتاب المنير لمن تدبره وتأمله.
<div class="verse-tafsir" id="91.ObgBd"