الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٢٨ من سورة فاطر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٨ من سورة فاطر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله تعالى : ( ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ) أي : [ و ] كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب - وهو : كل ما دب على قوائم - والأنعام ، من باب عطف الخاص على العام .
كذلك هي مختلفة أيضا ، فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد ، وصقالبة وروم في غاية البياض ، والعرب بين ذلك ، والهنود دون ذلك; ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى : ( واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) [ الروم : 22 ] .
وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان ، حتى في الجنس الواحد ، بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان ، بل الحيوان الواحد يكون أبلق ، فيه من هذا اللون وهذا اللون ، فتبارك الله أحسن الخالقين .
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا الفضل بن سهل ، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح ، حدثنا زياد بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أيصبغ ربك ؟
قال : " نعم صبغا لا ينفض ، أحمر وأصفر وأبيض " .
وروي مرسلا وموقوفا ، والله أعلم .
ولهذا قال تعالى بعد هذا : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) أي : إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به; لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى - كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل ، كانت الخشية له أعظم وأكثر .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) قال : الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير .
وقال ابن لهيعة ، عن ابن أبي عمرة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : العالم بالرحمن من لم يشرك به شيئا ، وأحل حلاله ، وحرم حرامه ، وحفظ وصيته ، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله .
وقال سعيد بن جبير : الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل .
وقال الحسن البصري : العالم من خشي الرحمن بالغيب ، ورغب فيما رغب الله فيه ، وزهد فيما سخط الله فيه ، ثم تلا الحسن : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ) .
وعن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، أنه قال : ليس العلم عن كثرة الحديث ، ولكن العلم عن كثرة الخشية .
وقال أحمد بن صالح المصري ، عن ابن وهب ، عن مالك قال : إن العلم ليس بكثرة الرواية ، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب .
قال أحمد بن صالح المصري : معناه : أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية ، وأما العلم الذي فرض الله ، عز وجل ، أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة ، وما جاء عن الصحابة ، رضي الله عنهم ، ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله : " نور " يريد به فهم العلم ، ومعرفة معانيه .
وقال سفيان الثوري ، عن أبي حيان [ التميمي ] ، عن رجل قال : كان يقال : العلماء ثلاثة : عالم بالله عالم بأمر الله ، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله .
فالعالم بالله وبأمر الله : الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض .
والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله : الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض .
والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله : الذي يعلم الحدود والفرائض ، ولا يخشى الله عز وجل .
وقوله ( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ) كما من الثمرات والجبال مختلف ألوانه بالحمرة والبياض والسواد والصفرة، وغير ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ) أحمر وأخضر وأصفر ( وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ ) أي: طرائق بيض ( وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا ) أي: جبال حمر وبيض (وَغَرَابِيبُ سُودٌ) هو الأسود يعني لونه كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ ) طرائق بيض وحمر وسود، وكذلك الناس مختلف ألوانهم.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان، عن جويبر عن الضحاك قوله ( وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ ) قال: هي طرائق حمر وسود.
وقوله ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) يقول تعالى ذكره: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء، بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد، لأن من علم ذلك أيقن بعقابه على معصيته؛ فخافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) قال: كان يقال: كفى بالرهبة علمًا.
وقوله (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) يقول تعالى ذكره: إن الله عزيز في انتقامه ممن كفر به غفور لذنوب من آمن به وأطاعه.
" كذلك " هنا تمام الكلام ; أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته ; فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية ، كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إنما يخشى الله من عباده العلماء قال : الذين علموا أن الله على كل شيء قدير .
وقال الربيع بن أنس من لم يخش الله تعالى فليس بعالم .
وقال مجاهد : إنما العالم من خشي الله عز وجل .
وعن ابن مسعود : كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلا .
وقيل لسعد بن إبراهيم : من أفقه أهل المدينة ؟
قال أتقاهم لربه عز وجل .
وعن مجاهد قال : إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل .
وعن علي رضي الله عنه قال : إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى ، ولم يؤمنهم من عذاب الله ، ولم يدع القرآن [ ص: 308 ] رغبة عنه إلى غيره ; إنه لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا علم لا فقه فيه ، ولا قراءة لا تدبر فيها .
وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، ثم تلا هذه الآية : إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضيه والنون في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير الخبر مرسل .
قال الدارمي : وحدثني أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال حدثني عمي جرير بن زيد أنه سمع تبيعا يحدث عن كعب قال : إني لأجد نعت قوم يتعلمون لغير العمل ، ويتفقهون لغير العبادة ، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، ويلبسون جلود الضأن ، قلوبهم أمر من الصبر ; فبي يغترون ، وإياي يخادعون ، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران .
خرجه الترمذي مرفوعا من حديث أبي الدرداء وقد كتبناه في مقدمة الكتاب .
الزمخشري : فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ ( إنما يخشى الله ) بالرفع ( من عباده العلماء ) بالنصب ، وهو عمر بن عبد العزيز .
وتحكى عن أبي حنيفة .
قلت : الخشية في هذه القراءة استعارة ، والمعنى : إنما يجلهم ويعظمهم كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده .
إن الله عزيز غفور تعليل لوجوب الخشية ، لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم ، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم .
والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى .
ومن ذلك: الناس والدواب، والأنعام، فيها من اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل من أصل واحد ومادة واحدة.فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة اللّه تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة اللّه تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم.وذلك أيضا، دليل على سعة علم اللّه تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ينتفع بها من يخشى اللّه تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها.ولهذا قال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } فكل من كان باللّه أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية اللّه، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية اللّه، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } كامل العزة، ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات.{ غَفُورٌ } لذنوب التائبين.
( ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ) ذكر الكناية لأجل " من " وقيل : رد الكناية إلى ما في الإضمار ، مجازه : ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه ) ( كذلك ) يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال ، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) قال ابن عباس : يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عمر بن حفص ، أخبرنا الأعمش ، أخبرنا مسلم ، عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها : صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فرخص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فخطب فحمد الله ثم قال : " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية " .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " .
وقال مسروق : كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا .
وقال رجل للشعبي : أفتني أيها العالم ، فقال الشعبي : إنما العالم من خشي الله - عز وجل - .
( إن الله عزيز غفور ) أي : عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده .
«ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك» كاختلاف الثمار والجبال «إنما يخشى الله من عباده العلماءُ» بخلاف الجهال ككفار مكة «إن الله عزيز» في ملكه «غفور» لذنوب عباده المؤمنين.
وخلقنا من الناس والدواب والإبل والبقر والغنم ما هو مختلف ألوانه كذلك، فمن ذلك الأحمر والأبيض والأسود وغير ذلك كاختلاف ألوان الثمار والجبال.
إنما يخشى اللهَ ويتقي عقابه بطاعته واجتناب معصيته العلماءُ به سبحانه، وبصفاته، وبشرعه، وقدرته على كل شيء، ومنها اختلاف هذه المخلوقات مع اتحاد سببها، ويتدبرون ما فيها من عظات وعبر.
إن الله عزيز قويٌّ لا يغالَب، غفور يثيب أهل الطاعة، ويعفو عنهم.
ثم بين - سبحانه - أن هذا الاختلاف ليس مقصوراً على الجبال فقال : ( وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ..
.
) .وقوله : ( مُخْتَلِفٌ ) صفة لموصوف محذوف .
وقوله ( كَذَلِكَ ) صفة - أيضاً - لمصدر محذوف ، معمول لمخلتف .أى : ليس اختلاف الألوان مقصوراً على قطع الجبال وطرقها وأجزائها ، بل - أيضاً - من الناس والدواب والأنعام ، أصناف وأنواع مختلفة ألوانها اختلافاً ، كذلك الاختلاف الكائن فى قطع الجبال ، وفى أنواع الثمار .وإنما ذكر - سبحانه - هنا اختلاف الألوان فى هذه الأشياء ، لأن هذا الاختلاف من اعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - وعلى بديع صنعه .ثم بين - سبحانه - هنا اختلاف الألوان فى هذه الأشياء ، لأن هذا الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - وعلى بديع صنعه .ثم بين - سبحانه - أولى الناس بخشية فقال : ( إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ) أى : إنما يخاف الله - تعالى - ويخشاه ، العالمون بما يليق بذاته وصفاته ، من تقديس وطاعة وإخلاص فى العبادة ، أما الجاهلون بذاته وصفاته - تعالى - ، فلا يخشونه ولا يخافون عقابه ، لانطماس بصائرهم ، واستحوذ الشيطان عليهم ، وكفى بهذه الجملة الكريمة مدحاً للعلماء ، حيث قصر - سبحانه - خشيته عليهم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول فى هذا الكلام أو أخر؟
قلت : لا بد من ذلك ، فإنك إذا قدمت اسم الله ، وأخرت العلماء ، كان المعنى .
إن الذين يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم ، وإذا علمت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله ، كقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ) وهما معنيان مختلفان .فإن قلت : ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟قلت : لما قال ( أَلَمْ تَرَ ) بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء ، وعدد آيات الله ، وأعلام قدرته ، وآثار صنعته .
.
أتبع ذلك بقوله : ( إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ) كأنه قال : إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته ، وعلمه كنه علمه .وعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به " .وقوله : ( إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ ) تعليل لوجوب الخشية ، لدلالته على أنه يعاقب على المعصية ، ويغفر الذنوب لمن تاب من عباده توبة نصوحاً .
ثم قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ .
وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفي تفسيرها مسائل: المسألة الأولى: ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ وذكر الدليل المتقدم على طريقة الإخبار وقال: ﴿ والله الذي أَرْسَلَ الرياح ﴾ وفيه وجهان الأول: أن انزال الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشيء الظاهر جداً كما أن من أبصر الهلال وهو خفي جداً، فقال له غيره أين هو، فإنه يقول له في الموضع الفلاني، فإن لم يره، يقول له الحق معك إنه خفي وأنت معذور، وإذا كان بارزاً يقول له أما تراه هذا هو ظاهراً والثاني: وهو أنه ذكره بعدما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات، فقال له أنت صرت بصيراً بما ذكرناه ولم يبق لك عذر، ألا ترى هذه الآية.
المسألة الثانية: المخاطب من هو يحتمل وجهين: أحدهما: النبي صلى الله عليه وسلم وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم، كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد ومنعهم من الفساد ولا ينفعهم الإرشاد، يقول لغيره اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة والآخر: أن لا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول، بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاماً آخر فيترك التفكر فيما كان فيه من النصيحة.
المسألة الثالثة: هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء الواحد ممرات مختلفة وفيه لطائف الأولى: قال أنزل وقال أخرجنا.
وقد ذكرنا فائدته ونعيدها فنقول: قال الله تعالى: ﴿ الم تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ ﴾ فإن كان جاهلاً يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له، فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى المتكلم ووجه آخر: هو أن الله تعالى لما قال: ﴿ أَنَّ الله أَنزَلَ ﴾ علم الله بدليل، وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى فصار من الحاضرين، فقال له أخرجنا لقربه ووجه ثالث: الإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم وما دونه بصيغة الغائب.
اللطيفة الثانية: قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدواب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ ﴾ .
كأن قائلاً قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع.
ألا ترى أن بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران وغيره، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا بإرادة الله وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض، والجدد جمع جدة وهي الخطة أو الطريقة، فإن قيل الواو في: ﴿ وَمِنَ الجبال ﴾ ما تقديرها؟
نقول هي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان، وفي الأشياء الكائنات من الجبال جدد بيض دالة على القدرة، رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ثانيهما: أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال.
قال الزمخشري: أراد ذو جدد واللطيفة الثالثة: ذكر الجبال ولم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر: ﴿ وَفِي الأرض قِطَعٌ متجاورات ﴾ مع أن هذا الدليل مثل ذلك، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول: ﴿ أَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ ﴾ كان نفس إخراج الثمار دليلاً على القدرة ثم زاد عليه بياناً، وقال مختلفاً كذلك في الجبال في نفسها دليل للقدرة والإرادة، لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار، ثم زاده بياناً وقال: ﴿ جدد بيض ﴾ ، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دلائل.
المسألة الرابعة: ﴿ مختلف ألوانها ﴾ ، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص، وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص، وكذلك الأحمر، ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى، وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود، بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغاً غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف.
المسألة الخامسة: قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود، يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخراً فكيف جاء غرابيب سود؟
نقول قال الزمخشري: غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب، ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمراً ومظهراً، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير، ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس والدواب والأنعام ﴾ استدلالاً آخر على قدرته وإرادته، وكأن الله تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه وهو عالم المركبات قسمين: حيوان وغير حيوان، وغير الحيوان إما نبات وإما معدن، والنبات أشرف، وأشار إليه بقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ ﴾ ثم ذكر المعدن بقوله: ﴿ وَمِنَ الجبال ﴾ ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال: ﴿ وَمِنَ الناس ﴾ ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها، أو لأن الدابة في العرف تطلق على الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره، وقوله: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ القول فيه كما أنها في أنفسها دلائل، كذلك في اختلافها دلائل.
وأما قوله: ﴿ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ فذكر لكون الإنسان من جملة المذكورين، وكون التذكير أعلى وأولى.
ثم قال تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ﴾ .
الخشية بقدر معرفة المخشي، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه.
وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد، لأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم ﴾ فبين أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم.
فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل، نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في علمه، فإن من يراه يقول: لو علم لعمل.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ ذكر ما يوجب الخوف والرجاء، فكونه عزيزاً ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفوراً لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ.
وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع الله، معناها إنما يعظم ويبجل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلْوَانُهَا ﴾ أجناسها من الرمّان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها.
والجدد: الخطط والطرائق.
قال لبيد: أَوْ مَذْهَبْ جُدَد عَلَى أَلْوَاحِهِ ويقال: جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ معطوف على بيض أو على جدد، كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد غرابيب.
وعن عكرمة رضي الله عنه: هي الجبال الطوال السود.
فإن قلت: الغربيب تأكيد للأسود.
يقال: أسود غربيب، وأسود حلكوك: وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه.
ومنه الغراب: ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق وما أشبه ذلك.
قلت: وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة: وَالْمُؤْمِنُ العَائِذَاتِ الطَّيْرِ وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدلّ على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً، ولا بدّ من تقدير حذف المضاف في قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ ﴾ بمعنى: ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال: ثمرات مختلفاً ألوانها ﴿ وَمِنَ الناس والدواب والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه ﴾ يعني: ومنهم بعض مختلف ألوانه.
وقرئ: ﴿ ألوانها ﴾ ، وقرأ الزهري: ﴿ جدد ﴾ ، بالضم: جمع جديدة، وهي الجدّة.
يقال: جديدة وجدد وجدائد، كسفينة وسفن وسفائن.
وقد فسر بها قول أبي ذؤيب يصف حمار وحش: جُونُ السَّرَاةِ لَهُ جَدَائِدُ ارْبَعُ وروي عنه: جدد، بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض.
وقرئ: ﴿ والدواب ﴾ مخففاً ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: ﴿ ولا الضألين ﴾ لأنّ كل واحد منهما فرار من التقاء الساكنين، فحرك ذاك أوّلهما، وحذف هذا أخرهما.
وقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الثمرات والجبال.
والمراد: العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقل كان آمن.
وفي الحديث: «أَعلمُكُم بِاللَّهِ أَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» وعن مسروق: كفى بالمرء علماً أن يخشى، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه.
وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله.
وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه.
فإن قلت: هل يختلف المعنى إذا قدّم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟
قلت: لابد من ذلك، فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى: أنّ الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله ﴾ [الأحزاب: 39] وهما معنيان مختلفان.
فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟
قلت: لما قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء، وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدلّ به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك: ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَرجُو أَنْ أكونَ أتقاكُم للَّهِ وأَعْلَمَكُمْ بِهِ» فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة؟
قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجلّ المهيب المخشي من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة، وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب: حقه أن يخشى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ﴾ أجْناسُها وأصْنافُها عَلى أنَّ كُلًّا مِنها ذُو أصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ، أوْ هَيْئاتُها مِنَ الصُّفْرَةِ والخُضْرَةِ ونَحْوِهِما.
﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ ﴾ أيْ ذُو جُدَدٍ أيْ خُطَطٍ وطَرائِقَ يُقالُ جُدَّةُ الحِمارِ لِلْخُطَّةِ السَّوْداءِ عَلى ظَهْرِهِ، وقُرِئَ «جُدُدٌ» بِالضَّمِّ جَمْعُ جَدِيدَةٍ بِمَعْنى الجِدَّةِ وجَدَدٌ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الطَّرِيقُ الواضِحُ.
﴿ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها ﴾ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ.
﴿ وَغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ عُطِفَ عَلى ( بِيضٌ ) أوْ عَلى ( جُدَدٌ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الجِبالِ ذُو جُدَدٍ مُخْتَلِفَةِ اللَّوْنِ ومِنها ( غَرابِيبُ ) مُتَّحِدَةُ اللَّوْنِ، وهو تَأْكِيدٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ فَإنَّ الغِرْبِيبَ تَأْكِيدٌ لِلْأسْوَدِ ومِن حَقِّ التَّأْكِيدِ أنْ يَتْبَعَ المُؤَكَّدَ ونَظِيرُ ذَلِكَ في الصِّفَةِ قَوْلُ النّابِغَةِ: والمُؤْمِنُ العائِذاتُ الطَّيْرُ يَمْسَحُها وَفِي مِثْلِهِ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْرِيرِ بِاعْتِبارِ الإضْمارِ والإظْهارِ.
﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ كاخْتِلافِ الثِّمارِ والجِبالِ.
﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ إذْ شَرْطُ الخَشْيَةِ مَعْرِفَةُ المَخْشِيِّ والعِلْمُ بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَمَن كانَ أعْلَمَ بِهِ كانَ أخْشى مِنهُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنِّي أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ» ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أفْعالِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ الفاعِلِيَّةِ ولَوْ أُخِّرَ انْعَكَسَ الأمْرُ.
وقُرِئَ بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ ونَصْبِ العُلَماءِ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّعْظِيمِ فَإنَّ المُعْظِّمَ يَكُونُ مَهِيبًا.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ مُعاقِبٌ لِلْمُصِرِّ عَلى طُغْيانِهِ غَفُورٌ لِلتّائِبِ عَنْ عِصْيانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه} يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه {كذلك} أي كاختلاف الثمرات والجبال ولما قال أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته ابتع ذلك {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي العلماء به الذين علموه بصفاته فعظموه ومن ازداد علماً به ازداد منه خوفاً ومن كان علمه به أقل كان آمن وفي الحديث أعلمكم بالله أشدكم له خشية وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن ان معناه ان الذين يخشون من عباده العلماء دون غيرهم ولو عكس لكان المعنى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله ولا يخشون
أحدا إلا الله وبينهما تغاير ففي الأول بيان أن الخاشين هم العلماء وفي الثاني بيان أن المخشي منه هو الله تعالى وقرأ أبو حنيفة وابن عبد العزيز وابن سرين رضى الله عنهم إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء والخشية في هذه القراءة استعارة والمعنى إنما يعظم
فاطر (٣٢ - ٢٨)
الله من عباده العلماء {إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ} تعليل لوجوب الخشية لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم والمعاقب المنيب حقه أن يخشى
﴿ ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ أيْ ومِنهم بَعْضٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ أوْ بَعْضُهم مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ عَلى ما ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وحُكْمُها حُكْمُها.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ إيرادَ الجُمْلَتَيْنِ اِسْمِيَّتَيْنِ مَعَ مُشارَكَتِهِما لِما قَبْلَهُما مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في الِاسْتِشْهادِ بِمَضْمُونِها عَلى تَبايُنِ النّاسِ في الأحْوالِ الباطِنَةِ لِما أنَّ اِخْتِلافَ الجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ فِيما ذُكِرَ مِنَ الألْوانِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا إخْراجُ الثَّمَراتِ المُخْتَلِفَةِ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا حادِثًا عُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، ثُمَّ لَمّا كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ عُلِّقَ بِهِ الرُّؤْيَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُنْبِئِ عَنِ الحَمْلِ عَلَيْها والتَّرْغِيبِ فِيها بِخِلافِ أحْوالِ الجِبالِ والنّاسِ وغَيْرِهِما فَإنَّها مُشاهَدَةٌ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّأمُّلِ، فَلِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ التَّعْلِيقِ بِالرُّؤْيَةِ، فَتَدَبَّرْ اه.
وما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ تَعْلِيقِ الرُّؤْيَةِ مُخالِفٌ لِما في البَحْرِ حَيْثُ قالَ: وهَذا اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولا يَكُونُ إلّا في الشَّيْءِ الظّاهِرِ جِدًّا فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «والدَّوابُ» بِتَخْفِيفِ الباءِ مُبالَغَةً في الهَرَبِ مِنَ اِلْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما هَمَزَ بَعْضُهم ﴿ ولا الضّالِّينَ ﴾ لِذَلِكَ.
وقَرَأ اِبْنُ السَّمَيْقَعِ «ألْوانُها»، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ مُخْتَلِفٍ المُؤَكَّدِ والتَّقْدِيرُ مُخْتَلِفٌ اِخْتِلافًا كائِنًا كَذَلِكَ، أيْ كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ والجِبالِ فَهو مِن تَمامِ الكَلامِ قَبْلَهُ والوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنٌ بِإجْماعِ أهْلِ الأداءِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ تَكْمِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ ﴾ بِتَعْيِينِ مَن يَخْشاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ النّاسِ بَعْدَ الإيماءِ إلى بَيانِ شَرَفِ الخَشْيَةِ ورَداءَةِ ضِدِّها وتَوَعُّدِ المُتَّصِفِينَ بِهِ وتَقْرِيرِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ المُسْتَدْعِي لِلْخَشْيَةِ عَلى ما نَقُولُ أوْ بَعْدَ بَيانِ اِخْتِلافِ طَبَقاتِ النّاسِ وتَبايُنِ مَراتِبِهِمْ، إمّا في الأوْصافِ المَعْنَوِيَّةِ فَبِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ وإمّا في الأوْصافِ الصُّورِيَّةِ فَبِطْرِيقِ التَّصْرِيحِ تَوْفِيَةً لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حَقَّها اللّائِقَ بِها مِنَ البَيانِ، وقِيلَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما بُيِّنَ ولُخِّصَ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ ﴾ إلخ وسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ مِن بابِ العَرَبِ لا تَخْفِرُ الذِّمَمَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي الخَشْيَةَ ويُناسِبُها، وهو تَخَلُّصٌ إلى ذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى مَعَ إفادَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ نَفَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ وأنَّ لَكَ بِهِمْ غُنْيَةٌ عَنْ هَؤُلاءِ المُصِرِّينَ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والرَّفْعُ أظْهَرُ لِيَكُونَ مِن فَصْلِ الخِطابِ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ خارِجًا مَخْرَجَ السَّبَبِ، أيْ كَذَلِكَ الِاعْتِبارُ والنَّظَرُ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى واخْتِلافِ ألْوانِها يَخْشى اللَّهَ العُلَماءُ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ إنَّما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وبِأنَّ الوَقْفَ عَلى كَذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ الأداءِ جَمِيعًا، وارْتَضاهُ الخَفاجِيُّ وقالَ: وبِهِ ظَهَرَ ضَعْفُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى الأمْرُ كَذَلِكَ أيْ كَما بُيِّنَ ولُخِّصَ عَلى أنَّهُ تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى عَمَلُ ما بَعْدَ إنَّما فِيما قَبْلَها وإجْماعُ أهْلِ الأداءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إنْ سُلِّمَ لا يَظْهَرُ بِهِ ضَعْفُ ذَلِكَ، وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ ما يُشْعِرُ بِتَعَلُّقِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ بِما بَعْدَهُ.
أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ كَما اِخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأنْعامُ تَخْتَلِفُ النّاسُ في خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ والأظْهَرُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وما قِيلَ أدَقُّ وألْطَفُ.
والمُرادُ بِالعُلَماءِ العالِمُونَ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما يَلِيقُ بِهِ مِن صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ وأفْعالِهِ الحَمِيدَةِ وسائِرِ شُؤُونِهِ الجَمِيلَةِ لا العارِفُونَ بِالنَّحْوِ والصَّرْفِ مَثَلًا، فَمَدارُ الخَشْيَةِ ذَلِكَ العِلْمُ لا هَذِهِ المَعْرِفَةُ فَكُلُّ مَن كانَ أعْلَمَ بِهِ تَعالى كانَ أخْشى.
رَوى الدّارِمِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يا رَبِّ أيُّ عِبادِكَ أحْكَمُ؟
قالَ الَّذِي يَحْكُمُ لِلنّاسِ كَما يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، قالَ: يا رَبِّ أيُّ عِبادِكَ أغْنى؟
قالَ: أرْضاهم بِما قَسَّمْتُ لَهُ، قالَ: يا رَبِّ أيْ عِبادِكَ أخْشى؟
قالَ: أعْلَمَهم بِي، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««أنا أخْشاكم لِلَّهِ وأتْقاكم لَهُ»».
ولِكَوْنِهِ المَدارَ ذُكِرَتِ الخَشْيَةُ بَعْدَ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، ولِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَسَّرَ اِبْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ ﴿ العُلَماءُ ﴾ في الآيَةِ بِاَلَّذِينِ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الخاشِينَ والإخْبارُ بِأنَّهُمُ العُلَماءُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ المَخْشِيِّ والإخْبارَ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهَ ﴾ والمَقامُ لا يَقْتَضِيهِ بَلْ يَقْتَضِي الأوَّلَ لِيَكُونَ تَعْرِيضًا بِالمُنْذِرِينَ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ وأنَّهم جُهَلاءُ بِاَللَّهِ تَعالى وبِصِفاتِهِ ولِذَلِكَ لا يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى ولا يَخافُونَ عِقابَهُ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم إفادَةَ ( إنَّما ) هُنا لِلْحَصْرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما قُرِآ «إنَّما يَخْشى اللَّهُ» بِالرَّفْعِ «اَلْعُلَماءَ» بِالنَّصْبِ وطَعَنَ صاحِبُ النَّشْرِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لَعَلَّها لا تَصِحُّ عَنْهُما، وقَدْ رَأيْنا كُتُبًا في الشَّواذِّ ولَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ القِراءَةَ وإنَّما ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ وذَكَرَها عَنْ أبِي حَيْوَةَ أبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُنادَةَ في كِتابِهِ الكامِلِ وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ التَّعْظِيمِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ فَإنَّ المُعَظَّمَ يَكُونُ مَهِيبًا، وقِيلَ الخَشْيَةُ تَرِدُ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ كَقَوْلِهِ: خَشِيتُ بَنِي عَمِّي فَلَمْ أرَ مِثْلَهُمْ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخَشْيَةِ لِأنَّ العِزَّةَ دالَّةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ، ولا يُوصَفُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إلّا القادِرُ عَلى العُقُوبَةِ، وقِيلَ ذُكِرَ ( غَفُورٌ ) مِن بابِ التَّكْمِيلِ نَظِيرَ ما في بَيْتِ الغَنَوِيِّ المَذْكُورِ آنِفًا.
والآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الخَشْيَةُ حَتّى عُرِفَتْ فِيهِ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ أيْ يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ حَتّى صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا كَما يُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ المُضارِعِ ووُقُوعُهُ صِلَةً واخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ القُرْآنُ فَقَدْ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في حُصَيْنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ القُرَشِيِّ، ثُمَّ إنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَلِذا قالَ السُّدِّيُّ في التّالِينَ: هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ أيْ عامَّةً وهو الأرْجَحُ، ويَدْخُلُ الأصْحابُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: مَعْنى يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يَتَّبِعُونَهُ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ يَتْلُو مِن تَلاهُ إذا تَبِعَهُ أوْ حَمَلَ التِّلاوَةَ المَعْرُوفَةَ عَلى العَمَلِ لِأنَّها لَيْسَ فِيها كَثِيرُ نَفْعٍ دُونَهُ، وقَدْ ورَدَ: ««رُبَّ قارِئٍ لِلْقُرْآنِ والقُرْآنُ يَلْعَنَهُ»».
ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِاخْتِيارِ المَعْنى المُتَبادَرِ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الخَشْيَةَ وهي عَمَلُ القَلْبِ ذَكَرَ بَعْدَها عِلْمَ اللِّسانِ والجَوارِحِ والعِبادَةِ المالِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى جِنْسُ كُتُبِهِ عَزَّ وجَلَّ الصّادِقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اِقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ ﴾ إلخ والمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبَيانِ ما لَهم حَثُّ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى اِتِّباعِهِمْ وأنْ يَفْعَلُوا نَحْوَ ما فَعَلُوا، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْجَهُ كَما لا يَخْفى، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ يعني: أنتم محتاجون إلى ما عنده.
ويقال: أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ في رزقه ومغفرته وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الْغَنِيُّ عن عبادتكم الْحَمِيدُ في فعله وسلطانه.
وهذا كما قال في آية أخرى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [محمد: 38] لأن كل واحد يحتاج إليه.
لأن أحداً لا يقدر أن يصلح أمره إلا بالأعوان، والأمير ما لم يكن له خدم وأعوان، لا يقدر على الإمارة.
وكذلك التاجر يحتاج إلى المكارين، والله عز وجل غني عن الأعوانِ وغيره.
ثم قال عز وجل: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعني: يهلككم ويميتكم وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أفضل منكم وأطوع لله وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني: شديد وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى.
ويقال: لا تحمل بالطوع ولكن يحمل عليها إذا كان له خصماً.
ثم قال: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها يعني: الذي أثقلته الذنوب والأوزار، إن لو دعا أحداً، ليحمل عنه بعض أوزاره، لا يحمل من وزره شيئاً.
وإن كان ذا قرابة لا يحمل من وزره.
وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه، عن عكرمة قال: إن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول: يا بني إني كنت لك والداً فيثني عليه خيراً.
فيقول: يا بني قد احتجت إلى مثقال ذرة.
وفي رواية أخرى: إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى.
فيقول له ولده: ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق.
إني أخاف مثل الذي تخوفت.
ثم يتعلق بزوجته فيقول لها: إني كنت لك زوجاً في الدنيا فيثني عليها خيراً ويقول: إني طلبت إليك حسنة واحدة لعلي أنجو بها مما ترين.
فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق.
إني أخاف مثل الذي تخوفت فذلك قوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى.
ثم قال: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ يعني: إنما تخوف بالقرآن الذين يخافون ربهم بالغيب.
يعني: آمنوا بالله وهم في غيب منه وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: يقيمون الصلاة.
وكان النبيّ يُنذر المؤمنين والكافرين.
ولكن الذين يخشون ربهم هم الذين يقبلون الإنذار فكأنه أنذرهم خاصة.
ثم قال: وَمَنْ تَزَكَّى يعني: توحد.
ويقال: تطهر نفسه من الشرك.
ويقال: من صلح فإنما صلاحه لنفسه يثاب عليه في الآخرة.
ويقال: من يعطي الزكاة فإنما ثوابه لنفسه.
فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فيجازيهم بعملهم.
قوله عز وجل: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى يعني: الكافر الأعمى عن الهدى وَالْبَصِيرُ يعني: المؤمن وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ يعني: الكفر والإيمان وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ يعني: الجنة والنار وَلَا الْحَرُورُ هو استقرار الحر وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ قال القتبي: مثل الأعمى والبصير كالكافر والمسلم، والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان، والظل والحرور مثل الجنة والنار، وما يستوى الاحياء ولا الأموات مثل العقلاء والجهال.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ يعني: يفقه من يشاء وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يعني: لا تقدر أن تفقه الأموات وهم الكفار إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ يعني: ما أنت إلا رسول إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ يعني: بالقرآن.
ويقال: لبيان الحق بَشِيراً وَنَذِيراً وقد ذكرناه وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ يعني: وما من أمة فيما مضى إلا فيهم نذير.
يعني: إلا جاءهم رسول.
ثم قال: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي وَبِالزُّبُرِ يعني: بالكتب، وبأخبار من كان قبلهم وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ يعني: المضيء.
الكتاب هو نعت لما سبق ذكره من البينات والزبر ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: الذين كذبوهم فعاقبتهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يعني: كيف كان إنكاري وتغييري عليهم ثم ذكر خلقه ليعتبروا به ويوحدوه: <div class="verse-tafsir"
الخبيرُ الصادقُ الخبر، ونَبَأَ بهذا فلا شك في وقوعه.
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ الآية: آيةُ وعظٍ وتذكيرٍ، والإنسان فقيرٌ إلى الله- تعالى- في دقائقِ الأمورِ وجلائِلها لاَ يَسْتَغني عنه طرفة عين وهو به ٨٣ أمستغن عن كل أحدٍ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ/ الْحَمِيدُ أي: المحمود بالإطلاق.
وقوله: بِعَزِيزٍ أي: بمُمْتَنِعٍ وتَزِرُ تَحْمِلُ، وهذه الآية في الذنوب، وأُنِّثَتْ وازِرَةٌ لأنه ذهبَ بها مذهبَ النفسِ وعلى ذلك أُجريت مُثْقَلَةٌ، واسم كانَ مضمرٌ تقديره: ولو كان الداعي.
ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخَشْيَةَ.
ثم حض على التزكي بأن رجَّى عليه غايةَ الترجية.
ثم توعد بعد ذلك بقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
قال ع «١» : وكلُّ عبارةٍ فهي مقصِّرة عن تفسير هذه الآيةِ، وكذلك كتابُ اللهِ كلُّه، ولكن يظهر الأمرُ لنا نحنُ في مواضعَ أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣)
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)
وقوله سبحانه: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الآية: مُضَمَّنٌ هذه الآية الطعنُ على الكفرة وتمثيلُهم بالعمي والظلماتِ وتمثيلُ المؤمنِينَ بإزائهم بالبُصَرَاءِ والأنوارِ.
والْحَرُورُ: شدة الحر.
قال الفراء وغيره: إن السُّمُومَ يختص بالنَّهار والْحَرُورُ يقالُ فِي حِرِّ الليلِ وحرٍّ النهار.
وتَأَوَّلَ قومٌ الظلَّ في هذه الآية الجنةَ والحرورَ جهنمَ، وشبَّه المؤمنين بالأحياء، والكَفَرَةَ بالأمْوَاتِ من حيثُ لا يفهمون الذكر ولا يُقْبلُون عليه.
وقوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ تمثيلٌ بما يُحِسُّه البشرُ ويَعْهَدُه جميعاً من أن الميتَ الشخصَ الذي في القبر لا يسمعُ، وأما الأرواحُ فلا نقول إنها في القبر، بل تَتَضَمَّنُ الأحاديثُ أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش، وفي قناديلَ وغير ذلك، وأن أرواح الكفرةِ في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت، وكذلك أهل قَلِيبِ بَدْرٍ إنما سمعت أرواحهم فلا تعارض بين الآيةِ وحديث القُليبِ.
وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ معناه: أن دعوةَ الله تعالى قد عمَّت جميعَ الخلق، وإنْ كان فيهم مَنْ لَمْ تُبَاشِرْه النِّذَارَةُ فهو ممن بلغته لأَن آدم بُعِثَ إلى بَنِيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلّم، وبِالْبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ: شيء واحد لكنه أكد أوصافَ بعضِها ببعضٍ.
وقوله تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ...
الآية: جمع «جُدَّة» وهي: الطريقةُ تكون من الأرض والجبلُ كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، وحكى أبو عبيدةَ في بعض كتبه: أنه يقال:
جُدَدٌ في جمع «جديد» ، ولا معنى لمدخلِ الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجُدَدَ القِطَع جُدَدْتَ الشيء إذا قطعتَه، انتهى.
وقوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ لفظان لمعنى واحدٍ، وقَدَّمَ الوصفَ الأبلغَ، وكان حقُّه أن يتأخرَ، وكذلك هو في المعنى لكنّ كلام العربِ الفصيحَ يأتي كثيراً عَلى هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من الجبال سودَ غرابيبُ، وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الْغَرِبيبَ» «١» يعني: الذي يَخْضُبُ بالسَّوَادِ.
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ، أي: خلق مختلِفَ ألوانهُ.
وقوله تعالى: كَذلِكَ يحتمل أن يكونَ من الكلامِ الأول فيجيءُ الوقْفُ عليهِ حَسَناً، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من المفسرين.
ويحتملُ أنْ يكونَ مِن الكَلامِ الثَّانِي خَرَجَ مخرج السببِ كأنّه قال: كما جاءتْ القدرةُ في هذا كلِّه كذلك إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ
٨٣ ب الْعُلَماءُ، أي: المحصلون لهذه العبرَ، الناظرون فيها، / وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم: «١» «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية» وقال صلى الله عليه وسلّم «رَأْسُ الحِكْمَة مَخَافَةُ الله» «٢» .
وقال الرَّبِيع بن أنس: مِنْ لم يخشَ الله فليسَ بعالمٍ «٣» ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: كفى بالزهدِ عِلما «٤» ، ويقال: إن فاتحةَ الزَّبور: «رأس الحكمة خشيةُ الله» وقال ابن مسعود «٥» : كفى بخشيةِ الله علماً، وبالاغترارِ به جهلاً.
وقال مجاهد والشعبي «٦» : إنما العالمَ مَنْ يخْشَى الله.
وإِنَّما في هذه الآية تحضيض لِلعلمَاء لاَ للحصر.
قال ابن عطاء الله في «الحِكم» : العلمْ النافعُ هُو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ وإلا فَعَلَيْكَ.
وقال في «التنوير» : اعلم أنَّ العلْمَ حيثُ ما تكرَّر في الكتابِ العزيز أو في السُّنَّة فإِنما المرادُ به العِلْمُ النافِعُ الذي تقارنُهُ الخشيةُ وتَكْتَنِفُه المخَافَةُ: قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فبَيَّنَ سبحانه أنَّ الخشيةَ تُلازِمُ العلمَ، وفُهِمَ من هذا أن العلماءَ إنما هم أهل الخشية.
انتهى.
قال ابن عَبَاد في «شرح الحكم» : واعلم أن العلمَ النافعَ المتفقَ عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبَه إلى الخوفِ، والخشيةِ، وملازمةِ التَّواضُع، والذَّلَّةِ، والتخلُّقِ بأخلاق الإيمان، إلى ما يَتْبَعُ ذلك من بُغْضِ الدنيا، والزَّهَادَةِ فيها، وإيثارِ الآخرة عليها، ولزوم الأدَب بين يَدَيْ الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العَلِيَّةِ والمَنَاحِي السَّنِيَّة.
انتهى.
وهذه المعاني كلها مُحَصَّلة في كتب الغزالي وغيره رضي الله عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ ﴾ أيْ: ومِمّا خَلَقْنا مِنَ الجِبالِ جُدَدٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الجُدَدُ: الخُطُوطُ والطَّرائِقُ تَكُونُ في الجِبالِ، فَبَعْضُها بِيضٌ، وبَعْضُها حُمْرٌ، وبَعْضُها غَرابِيبُ سُودٍ، والغَرابِيبُ جَمْعُ غِرْبِيبٍ، وهو الشَّدِيدُ السَّوادِ، يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وتَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، يَقُولُ: مِنَ الجِبالِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ، ﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ.
قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وسُودٌ غَرابِيبُ، لِأنَّهُ يُقالُ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، وَقَلَّما يُقالُ: غِرْبِيبٌ أسْوَدُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ومِنَ الجِبالِ غَرابِيبُ سُودٌ، وهي ذَواتُ الصَّخْرِ الأسْوَدِ.
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الغِرْبِيبُ: الأسْوَدُ، أحْسَبُ أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الغُرابِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالغَرابِيبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الطَّرائِقُ السُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الأوْدِيَةُ السُّودُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الجِبالُ السُّودُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ يَعْنِي العُلَماءَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّما يَخافُنِي مِن خَلْقِي مَن عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطانِي.
وقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ: العالِمُ مَن خافَ اللَّهَ.
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَن لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ والدَوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "ألَمْ تَرَ" ﴾ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وكُلُّ تَوْقِيفٍ في القُرْآنِ عَلى رُؤْيَةٍ فَهي رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ بِها تَقُومُ، ولَكِنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ لا تَتَرَكَّبُ البَتَّةَ إلّا عَلى حاسَّةٍ، فَأحْيانًا تَكُونُ الحاسَّةُ البَصَرَ، وقَدْ تَكُونُ غَيْرَهُ، وهَذا يُعْرَفُ بِحَسْبِ الشَيْءِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ، و"أنَّ" سادَّةٌ مُسَدَّ المَفْعُولَيْنِ الَّذِينَ لِلرُّؤْيَةِ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ "أنَّ" مَعَ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ في قَوْلِكَ: رَأيْتُ وظَنَنْتُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَكَ ذَلِكَ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ كَما هي "أنَّ" ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّ المَفْعُولَ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً حَقًّا؟
ورَجَعَ مِن خِطابٍ بِذِكْرِ الغائِبِ إلى المُتَكَلِّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِأنَّها أهْيَبُ في العِبارَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ألْوانُها" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الصُفْرَةَ والحُمْرَةَ والبَياضَ والسَوادَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا اطِّرادُ ذِكْرِ هَذِهِ الألْوانِ فِيما بَعْدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والمُعْتَبِرُ فِيهِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أكْثَرُ عَدَدًا.
و"جُدَدٌ" جَمْعُ جُدَّةٍ، وهي الطَرِيقَةُ تَكُونُ مِنَ الأرْضِ والجَبَلِ كالقِطْعَةِ العَظِيمَةِ المُتَّصِلَةِ طُولًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ سَراتَهُ وجُدَّةَ ظَهْرِهِ ∗∗∗ كَنائِنُ يَجْرِي بَيْنَهُنَّ دَلِيصُ وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ في بَعْضِ كُتُبِهِ أنَّهُ يُقالُ: "جُدَدٌ" في جَمْعِ جَدِيدٍ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الجَدِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: [جَدَدٌ] بِفَتْحِ الجِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ لَفْظانِ لِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ النَبِيُّ : « "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ الشَيْخَ الغِرْبِيبَ"،» أيِ الَّذِي يَخَضِبُ بِالسَوادِ، وقَدَّمَ الوَصْفَ الأبْلَغَ وكانَ حَقَّهُ أنْ يَتَأخَّرَ، وكَذَلِكَ هو في المَعْنى، لَكِنَّ كَلامَ العَرَبِ الفَصِيحَ يَأْتِي كَثِيرًا عَلى هَذا النَحْوِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ إلَيْهِ يَعُودُ الضَمِيرُ، تَقْدِيرُهُ: "والأنْعامِ خَلْقٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ"، والدَوابُّ يَعُمُّ الناسَ، والأنْعامَ ولَكِنْ ذُكِرا تَنْبِيهًا مِنهُما.
وقَوْلُهُ: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ فَيَجِيءُ الوَقْفُ عَلَيْهِ حَسَنًا، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الكَلامِ الثانِي، يَخْرُجُ مَخْرَجَ السَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: كَما جاءَتِ القُدْرَةُ في هَذا كُلِّهِ إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ، أيِ المُحَصِّلُونَ لِهَذِهِ العِبَرِ، الناظِرُونَ فِيها.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الخَشْيَةُ رَأْسُ العَلَمِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ وعْظِيَّةٌ لا تَثْبُتُ عِنْدَ النَقْدِ، بَلِ الصَحِيحُ المُطَّرِدُ أنْ يُقالَ: العِلْمُ رَأْسُ الخَشْيَةِ وسَبَبُها، والَّذِي ورَدَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "خَشْيَةُ اللهِ رَأسُ كُلِّ حِكْمَةٍ"،» وقالَ: « "رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللهِ"،» فَهَذا هو الكَلامُ المُنِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَفى بِالزُهْدِ عِلْمًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: "كَفى بِالمَرْءِ عِلْمًا أنْ يَخْشى اللهَ"، وقالَ تَعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى ﴾ ، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أعْلَمُكم بِاللهِ أشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً"،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "مَن لَمْ يُخْشَ اللهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ"، ويُقالُ: إنَّ فاتِحَةَ الزَبُورِ: "رَأْسُ الحِكْمَةِ خَشْيَةُ اللهِ" وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَفى بِخَشْيَةِ اللهِ عِلْمًا، وبِالِاغْتِرارِ بِهِ جَهْلًا"، وقالَ مُجاهِدٌ والشَعْبِيُّ: "إنَّما العالِمُ مَن يَخْشى اللهَ"، و[إنَّما] في هَذِهِ الآيَةِ لِتَخْصِيصِ العُلَماءِ لا لِلْحَصْرِ، وهي لَفْظَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وتَأْتِي أيْضًا دُونَهُ، وإنَّما يُعْلَمُ ذَلِكَ بِحَسْبِ المَعْنى الَّذِي جاءَتْ فِيهِ، فَإذا قُلْتَ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ، وقُلْتَ: إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ، بانٍ لَكَ الفَرْقُ فَتَأمَّلْهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها دَلِيلٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، والقَصْدُ بِها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ الناس والدوآب والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ .
موقعه كموقع قوله: ﴿ ومن الجبال جدد ﴾ [فاطر: 27]، ولا يلزم أن يكون مسوغ الابتداء بالنكرة غير مفيد معنى آخر فإن تقديم الخبر هنا سوغ الابتداء بالنكرة.
واختلاف ألوان الناس منه اختلاف عام وهو ألوان أصناف البشر وهي الأبيض والأسود والأصفر والأحمر حسب الاصطلاح الجغرافي.
وللعرب في كلامهم تقسيم آخر لألوان أصناف البشر، وقد تقدم عند قوله: ﴿ واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴾ في سورة الروم (22).
ومن} تبعيضية.
والمعنى: أن المختلف ألوانه بعض من الناس، ومجموع المختلفات كله هو الناس كلهم وكذلك الدواب والأنعام، وهو نظم دقيق دعا إليه الإِيجاز.
وجيء في جملة ﴿ ومن الجبال جدد ﴾ [فاطر: 27] و ﴿ من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ﴾ بالاسمية دون الفعلية كما في الجملة السابقة لأن اختلاف ألوان الجبال والحيوان الدال على اختلاف أحوال الإِيجاد اختلافاً دائماً لا يتغير وإنما يحصل مرة واحدة عند الخلق وعند تولد النسل.
﴿ مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله ﴾ .
الأظهر عندي أن ﴿ كذلك ﴾ ابتداء كلام يتنزل منزلة الإِخبار بالنتيجة عقب ذكر الدليل.
والمعنى: كذلك أمر الاختلاف في ظواهر الأشياء المشاهد في اختلاف ألوانها وهو توطئة لما يرد بعده من تفصيل الاستنتاج بقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده ﴾ أي إنما يخشى الله من البشر المختلفة ألوانهم العلماء منهم، فجملة ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ مستأنفة عن جملة ﴿ كذلك ﴾ .
وإذا علم ذلك دل بالالتزام على أن غير العلماء لا تتأتّى منهم خشية الله فدلّ على أن البشر في أحوال قلوبهم ومداركهم مختلفون.
وهذا مثل قوله: ﴿ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ [فاطر: 18].
وأوثر هذا الأسلوب في الدلالة تخلصاً للتنويه بأهل العلم والإِيمان لينتقل إلى تفصيل ذلك بقوله: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله ﴾ [فاطر: 29] الآية...
فقوله: ﴿ كذلك ﴾ خبر لمبتدأ محذوف دل عليه المقام.
والتقدير: كذلك الاختلاف، أو كذلك الأمر على نحو قوله تعالى في سورة الكهف (91): ﴿ كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً ﴾ وهو من فصل الخطاب كما علمت هنالك ولذلك يحسن الوقف على ما قبله ويستأنف ما بعده.
وأما جعل كذلك} من توابع الكلام السابق فلا يناسب نظم القرآن لضعفه.
والقصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ قصر إضافي، أي لا يخشاه الجهال، وهم أهل الشرك فإن من أخص أوصافهم أنهم أهل الجاهلية، أي عدم العلم؛ فالمؤمنون يومئذٍ هم العلماء، والمشركون جاهلون نفيت عنهم خشية الله.
ثم إن العلماء في مراتب الخشية متفاوتون في الدرجات تفاوتاً كثيراً.
وتقديم مفعول ﴿ يخشى ﴾ على فاعله لأن المحصور فيهم خشية الله هم العلماء فوجب تأخيره على سنة تأخير المحصور فيه.
والمراد بالعلماء: العلماء بالله وبالشريعة، وعلى حسب مقدار العلم في ذلك تقْوَى الخشية؛ فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه معرفة على وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله، ذلك لأن العالم بالشريعة لا تلتبس عليه حقائق الأسماء الشرعية فهو يفهم مواقعها حق الفهم ويرعاها في مواقعها ويعلم عواقبها من خير أو شر، فهو يأتي ويدع من الأعمال ما فيه مراد الله ومقصدُ شرعه، فإنْ هو خالف ما دعت إليه الشريعة في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات لداعي شهوة أو هوى أو تعجل نفع دنيوي كان في حال المخالفة موقناً أنه مورَّط فيما لا تحمد عقباه، فذلك الإِيقان لا يلبث أن ينصرف به عن الاسترسال في المخالفة بالإِقلاع أو الإِقلال.
وغير العالم إن اهتدى بالعلماء فسعيه مثل سعي العلماء وخشيته متولدة عن خشية العلماء.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد «والعلم دليل على الخيرات وقائد إليها، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به وأكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة».
وجملة ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ تكميل للدلالة على استغناء الله تعالى عن إيمان المشركين ولكنه يريد لهم الخير.
ولما كان في هذا الوصف ضرب من الإِعراض عنهم مما قد يحدث يأساً في نفوس المقاربين منهم، أُلِّفَتْ قلوبهم بإتباع وصف ﴿ عزيز ﴾ ، بوصف ﴿ غفور ﴾ أي فهو يقبل التوبة منهم إن تابوا إلى ما دعاهم الله إليه على أن في صفة ﴿ غفور ﴾ حظاً عظيماً لأحد طرفي القصر وهم العلماء، أي غفور لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها ﴾ وفِيهِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وطَعُومُها ورَوائِحُها، فاقْتَصَرَ مِنها عَلى ذِكْرِ اللَّوْنِ لِأنَّهُ أظْهَرَها ﴿ وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجُدَدَ القِطَعُ مَأْخُوذٌ مِن جَدَدْتُ الشَّيْءَ إذا قَطَعْتَهُ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّها الخُطَطُ واحِدَتُها جُدَّةٌ مِثْلَ مُدَّةٌ ومُدَدٌ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ كَأنَّهُ أسْفَعُ الخَدَّيْنِ ذُو جُدَدٍ طاوٍ ويَرْتَعُ بَعْدَ الصَّيْفِ عُرْيانا ﴿ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ﴾ والغِرْبِيبُ الشَّدِيدُ السَّوادِ الَّذِي لَوْنُهُ كَلَوْنِ الغُرابِ.
وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ « (إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الشَّيْخَ الغِرْبِيبَ)» يَعْنِي الَّذِي يُخَضِّبُ بِالسَّوادِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ العَيْنُ طامِعَةٌ واليَدُ سابِحَةٌ ∗∗∗ والرِّجْلُ لافِحَةٌ والوَجْهُ غِرْبِيبُ وَقِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ سُودٌ غَرابِيبُ.
وَفِي المُرادِ بِالغَرابِيبِ السُّودِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الجِبالُ السُّودُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: الطَّرائِفُ السُّودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: الأوْدِيَةُ السُّودُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَلِكَ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ أبْيَضَ وأحْمَرَ وأسْوَدَ.
الثّانِي: يَعْنِي بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ أيْ كَما اخْتَلَفَ ألْوانُ الثِّمارِ والجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ أحْوالُ العِبادِ في الخَشْيَةِ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ يَعْنِي بِالعُلَماءِ الَّذِينَ يَخافُونَ.
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَن لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ بِعالِمٍ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُتَّقُونَ سادَةٌ، والعُلَماءُ قادَةٌ.
وَقِيلَ: فاتِحَةُ الزَّبُورِ الحِكْمَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ﴾ قال: أحمر وأصفر ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ﴾ أي جبال حمر ﴿ وغرابيب سود ﴾ والغرابيب السود يعني لونه كما اختلفت ألوان هذه الجبال، وألوان الناس والدواب والأنعام كذلك ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: كان يقال كفى بالرهبة علماً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثمرات مختلفاً ألوانها ﴾ قال: الأبيض، والأحمر، والأسود وفي قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق بيض يعني الألوان.
وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك؟
قال: نعم.
صبغاً لا ينقض.
أحمر.
وأصفر.
وأبيض» .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ جدد ﴾ قال: طرائق.
طريقة بيضاء، وطريقة خضراء.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت الشاعر وهو يقول: قد غادر السبع في صفحاتها جدداً ** كأنها طرق لاحت على أكم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق بيض ﴿ وغرابيب سود ﴾ قال: جبال سود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الغرابيب الأسود الشديد السواد.
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ مختلفاً ألوانها ﴾ قال: منها الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، وكذلك ألوان الناس منهم الأحمر والأسود والأبيض، وكذلك الدواب، والأنعام.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد ﴾ قال: طرائق تكون في الجبل بيض وحمر، فتلك الجدد ﴿ وغرابيب سود ﴾ قال: جبال سود ﴿ ومن الناس والدواب والأنعام...
﴾ .
قال: كذلك اختلاف الناس والدواب والأنعام، كاختلاف الجبال.
ثم قال: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ فلا فضل لما قبلها.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن الجبال جدد بيض ﴾ قال: طرائق مختلفة، كذلك اختلاف ما ذكر من اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام، كذلك كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله كذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: الخشية والايمان والطاعة والتشتت في الألوان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: العلماء بالله الذين يخافونه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية.
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال: العالم من خشي الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ قال: أعلمهم بالله أشدهم له خشية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال: كان يقال العلماء ثلاثة.
عالم بالله، وعالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله.
فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله، ويعلم الحدود والفرائض.
والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: الإِيمان من خشي الله بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما أسخط الله.
ثم تلا ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كفى بخشية الله علماً، وكفى باغترار المرء جهلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الفقيه من يخاف الله.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن العباس العمي قال: بلغني أن داود عليه السلام قال: سبحانك!
تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك.
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم علمان: علم في القلب، فذاك العلم النافع.
وعلم على اللسان، فتلك حجة الله على خلقه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخاباً، ولا صياحاً، ولا حديداً.
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال: أقبلت مع عكرمة أقود ابن عباس رضي الله عنهما بعدما ذهب بصره حتى دخل المسجد الحرام، فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة فقال: أمل بي إلى حلقة المراء، فانطلقت به حتى أتاهم، فسلم عليهم، فارادوه على الجلوس، فأبى عليهم وقال: انتسبوا إليّ أعرفكم فانتسبوا إليه فقال: أما علمتم أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، إنهم لهم الفصحاء، النطقاء، النبلاء، العلماء بأيام الله، غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم من ذلك، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الراكية، فأين أنتم منهم؟
ثم تولى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلان.
وأخرج الخطيب فيه أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة حكم كلها قال: ما عاقبت من عصى الله فيك مثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً أنت تجد لها في الخير محملاً، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به.
من كتم سره كانت الخيرة في يده، وعليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك، ولا تعرض فيما لا يعني، ولا تسأل عما لم يكن، فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلب حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك، ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله، ولا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، وذل عند الطاعة، واستعصم عند المعصية، واستشر الذين يخشون الله، فإن الله تعالى يقول ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.
ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ثم قال إن الله وملائكته، وأهل السماء، وأهل الأرض، والنون في البحر، ليصلون، على معلمي الخير» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾ قال الزجاج: المعنى: وفيما خلقنا مختلفًا ألوانه من الناس والدواب والأنعام، خلق مختلف ألوانه كاختلاف الثمرات والجبال (١) ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ قال الكلبي ومقاتل: في هذه الآية تقديم وتأخير (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: عزيز في ملكه، غفور لذنوب المؤمنين (٨) (١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.
(٢) لم أقف على قول الكلبي.
انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.
(٣) انظر: "القرطبي" 14/ 343، "زاد المسير" 6/ 486، انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 199 ب.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 103 ب.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "القرطبي" 14/ 343، "المحرر الوجيز" 4/ 437.
وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 20 وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود.
(٧) انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 437، "زاد المسير" 6/ 486.
وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 21 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد.
(٨) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 367، "تفسير مقاتل" 103 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَلِكَ ﴾ يتعلق بما قبله فيتم الوقف عليه والمعنى: أن من الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، مثل الجبال المختلف ألوانها، والثمرات المختلف ألوانها، وذلك كله استدلال على قدرة الله وإرادته.
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ يعني العلماء بالله وصفاته وشرائعه علماً يوجب لهم الخشية من عذابه وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدكم له خشية» لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه وإذا لم يعرفه لم يخف منه فلذلك خص العلماء بالخشية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ غير الله ﴾ بالجر: يزيد وحمزة وعليّ.
الآخرون: بالرفع حملاً على المحل ﴿ فلا تذهب ﴾ من الإذهاب ﴿ نفسك ﴾ منصوباً: يزيد.
الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ﴿ نفسك ﴾ مرفوعاً: ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا ينقص ﴾ بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد.
الباقون: بالعكس.
﴿ من عمره ﴾ باختلاس الضمة: عباس ﴿ والذين يدعون ﴾ على الغيبة: قتيبة.
الوقوف: ﴿ ورباع ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ لها ﴾ ج ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى ﴿ تؤفكون ﴾ ه ﴿ قبلك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ عدوّاً ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ط لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ.
﴿ شديد ﴾ ه ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط لحذف الجواب ﴿ حسرات ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ النشور ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ يرفعه ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يبور ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ أجاج ﴾ ط ﴿ تلبسونها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ قطمير ﴾ ه ﴿ دعاءكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بشرككم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ط لاستئناف الشرط ﴿ قربى ﴾ ط ﴿ الصلاة ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ والبصير ﴾ ه لا ﴿ ولا النور ﴾ ه لا ﴿ ولا الحرور ﴾ ه ج للطول والتكرار ﴿ الأموات ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ إلا نذير ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ط ﴿ نذير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه.
التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة.
و ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ وقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ و ﴿ أولي أجنحة ﴾ اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل.
وعن رسول الله أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج وله ستمائة جناح.
وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير.
ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب.
قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ ﴿ فالمدبرات أمرا ﴾ ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء ﴾ والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة.
ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ﴿ وما يفتح الله للناس ﴾ الآية.
وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله ﴿ من رحمة ﴾ والإطلاق في قوله ﴿ وما يمسك ﴾ فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة.
ومن جهة قوله ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار ﴿ وهو العزيز ﴾ الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل.
وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها.
وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم.
وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم.
ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ وإلى نعمة الإبقاء بقوله ﴿ يرزقكم ﴾ وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟
قال جار الله: إن جعلت ﴿ يرزقكم ﴾ كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل.
وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً.
وقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ جملة مفصولة لا محل لها مثل ﴿ يرزقكم ﴾ في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت.
وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ الآية.
والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى.
ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله ﴿ يا أيها الناس ﴾ وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان.
وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله ﴿ إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً ﴾ لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه.
ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال ﴿ إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ﴾ ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجر كبير ﴾ عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ﴿ أفمن زين له سوء عمله ﴾ من الفريقين كمن لم يزين له.
ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى.
ثم أنتج من ذلك قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال.
ثم رتب على عدم الاستقلال قوله ﴿ فلا تذهب ﴾ أي فلا تهلك ﴿ نفسك ﴾ و ﴿ عليهم ﴾ صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ ﴿ ـ مجسرات ﴾ المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته.
وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر.
وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله ﴿ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴾ يدل عليه.
ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك.
ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله ﴿ والله الذي أرسل ﴾ وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم.
وقوله ﴿ فتثير ﴾ بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال ﴿ فسقناه ﴾ كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة.
ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر.
وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ﴿ فلله العزة ﴾ خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية.
وأما في قوله ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة.
ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال ﴿ إليه يصعد ﴾ أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام.
وفاعل قوله ﴿ يرفعه ﴾ إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح.
عن النبي "الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه" .
وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر.
ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول.
وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ﴾ جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر.
ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً ﴿ والله خلقكم من تراب ﴾ وفيه إشارة إلى خلق آدم ﴿ ثمن من نطفة ﴾ وفيه إشارة إلى خلق أولاده.
ومعنى ﴿ أزواجاً ﴾ أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً.
ثم أشار إلى كمال علمه بقوله ﴿ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ﴾ ثم بين نفوذ إرادته بقوله ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه.
وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي.
وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه ﴿ إلا في كتاب ﴾ وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية.
وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي أنه قال "إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار" .
ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك".
وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة.
وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين.
وذلك في علم الله.
﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها ﴿ على الله يسير ﴾ .
ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال ﴿ وما يستوي البحران ﴾ الآية.
على الأوّل يكون قوله ﴿ ومن كل تأكلون ﴾ إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين.
ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ إلى آخر قوله و ﴿ وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله ﴾ والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله ﴿ يولج الليل ﴾ إلى قوله ﴿ أجل مسمى ﴾ قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق.
وقوله ﴿ ربكم له الملك ﴾ خبران آخران، ويجوز أن يكون ﴿ الله ربكم ﴾ خبرين و ﴿ له الملك ﴾ جملة مبتدأه واقعة في طبقات.
قوله ﴿ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ﴾ وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها.
قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و ﴿ ربكم ﴾ خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره.
وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام.
قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟
وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً.
والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع.
مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني.
تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم.
ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله ﴿ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ﴾ لأنهم جماد ولو فرض سماعهم ﴿ ما استجابوا لكم ﴾ لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً ﴿ ويوم القيامة ﴾ ايضاً ﴿ يكفرون بشرككم ﴾ قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ﴿ ولا ينبئك ﴾ أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع ﴿ مثل خبير ﴾ ببواطن الأمور.
والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به.
وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله .
ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال ﴿ يأيها الناس أنتم الفقراء ﴾ ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه.
وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا.
ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله ﴿ والله هو الغنيّ ﴾ وقابل قوله ﴿ إلى الله ﴾ بقوله ﴿ الحميد ﴾ لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم.
ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم".
وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ﴿ ولا تزر وازرة ﴾ يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها.
ولا ينافي في هذا قوله ﴿ وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم ﴾ لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها.
ثم زاد في التهويل بقوله ﴿ وإن تدع مثقلة ﴾ أي نفس ذات حمل ﴿ لا يحمل منه شيء ﴾ فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع.
ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ ولو كان ﴾ أي المدعوّ ﴿ ذا قربى ﴾ فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً.
ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم.
ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي ﴿ وإلى الله المصير ﴾ لكل فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق.
ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً ﴿ ولا الظلمات ولا النور ﴾ وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ.
ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور.
قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم.
وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب.
وههنا مسائل.
الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله ﴿ وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل.
الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى.
الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل.
والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد ، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه.
ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه.
ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال ﴿ وما يستوي الأحياء ﴾ أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله.
والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين.
الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور.
وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة.
وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد.
الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر.
ثم سلى ورسوله بقوله ﴿ إن الله يسمع ﴾ الآية.
فقد مرّ نظيره في قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ وإنما اقتصر على قوله ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾ وكذا في قوله ﴿ إلا خلا فيها نذير ﴾ لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله.
والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة.
ثم زاد في التسلية بقوله ﴿ وإن يكذبوك ﴾ وقد مر مثله في آخر "آل عمران".
وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال ﴿ وإن يكذبوك فقد كذب ﴾ فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .
فيه وجوه من الدلالة: أحدها: أنه إنما أمركم ونهاكم وامتحنكم بأنواع المحن لحاجتكم وفقركم إليه، لا لحاجة وفقر له في ذلك، فإن ائتمرتموه وأطعتموه، فإلى أنفسكم ترجع منفعة ذلك، وإن عصيتم فعلى أنفسكم يلحق ضرر ذلك؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ .
والثاني: يقول: تعلمون أن فقركم وحاجتكم إلى الله، لا إلى الأصنام التي تعبدونها واتخذتموها آلهة، فكيف صرفتم العبادة والشكر إلى من تعلمون أنكم لا تحتاجون إليه ولا تفتقرون؟!
والثالث: يأمرهم بقطع أطماعهم من الخلق؛ لأنه خاطب الكل وأخبر أنكم جميعاً فقراء إلى الله الطامع والمطموع فيه، فاقطعوا طمعكم ورجاءكم عن الخلق، واطمعوا ذلك من الله؛ فإنه الغني الحميد والخلق جميعاً فقراء إليه، يؤيسهم عن الطمع والرجاء من الخلق، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
يخبر عن غناه وقدرته، لو شاء أذهبكم لتعلمون أنه لم ينشئكم، ولا أمركم، ولا نهاكم؛ لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن لحاجة أنفسكم.
وقوله: ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: لا يعز ولا يثقل عليه ذهابكم وفناؤكم؛ لأنه لم ينشئكم لحاجة نفسه فذهابكم وفناؤكم وبقاؤكم عليه واحد.
والثاني: لا يصعب عليه ولا يعز إذهابكم وإحداثكم، ولا يعجزه شيء، يخبر عن قدرته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ﴾ .
كأن هذا صلة قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...
﴾ الآية [العنكبوت: 12]، يؤيسهم ليقطعوا أطماعهم يومئذ عن تناصر بعضهم بعضاً، وتحمل بعضهم مؤن بعض وشفاعة بعضهم بعضاً، على ما كانوا يفعلون في الدنيا كان ينصر بعضهم بعضاً في الدنيا إذا أصابهم شيء؛ ويفدي بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم بعضاً، كانوا يحتالون مثل هذا الحيل في الدنيا؛ ليدفعوا عن المتصلين بهم الضرر، فأخبر أن ليس لهم ذلك في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ﴾ [و] مثله كثير، يؤيسهم عن أن يكون لهم في الآخرة ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: إنما ينتفع بالإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب، فأما [من] لا يخشى ربه فإنه لا ينتفع به، وإلا كان منذر من اتبع الذكرى ومن لم يتبع، ومن خشي ربه ومن لم يخش.
والثاني: كأنه يقول: إنك تنذر غير الذي اتبع الذكر وغير الذي خشي، فإنما يتبع إنذارك ويقبله الذي خشي ربه واتبع ذكره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ﴾ ، أي: من عمل خيراً، فإنما يعمل لنفسه.
أو من جاء بالتوحيد والأعمال الصالحة فإنما يصلح أمره وعمله يثاب عليه.
﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع فائدة تخصيص ذكر المصير إليه والمرجع إليه في ذلك اليوم، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت.
وقوله: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ * وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ * وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ ﴾ .
ضرب هذا المثل يخرج على وجوه: أحدها: شبه الأصنام التي كانوا يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة؛ لأنها كذلك عميان موتى لا نور فيها؛ يقول: والله إنكم تعلمون أن الذين تعبدون من دون الله عميان لا بصر لهم ولا نور ولا حياة ولا شيء من ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع، فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله ؟!
وبالله الهداية والعصمة.
والثاني: شبه أولئك الكفرة بالعميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر؛ لأن لهم بصرا يبصرون وهم أحياء فيقولون: نحن البصراء والأحياء، وأنتم العميان والأموات، وما ذكر، لكن شبههم بالعميان والموتى؛ لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حجة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى يهوون ذلك، وللمؤمنين في عبادتهم الله حجة وبرهان، فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير حيّ نور، ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميت.
والثالث: يذكر هذا دلالة على البعث؛ لأنهم يعلمون أن الخلق ليس كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبصراء وفيهم الأحياء والأموات وفيهم ما ذكر، وقد استووا جميعاً في منافع هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع، فلا بدّ من دار أخرى سوى هذه يفرق بينهم؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ .
دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ على أن قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ ﴾ إنما أراد به الكافر، ثم أخبر أن رسوله لا يسمع لما لا يقدر على ذلك، وليس عنده ذلك؛ إذ لو كان بيانا مبينا أو دعاء على ما يقوله المعتزلة، لكان يسمع ويبين ويقدر على ذلك، فإذ لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله لطفاً وشيئاً لم يعطهم، فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا وآمنوا؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ ، ولو كان بياناً على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحبّ وقد أحب فلم يهتد؛ دل أن عند الله شيئاً لو أعطى ذلك لاهتدى، ولم يكن ذلك عند رسوله وهو التوفيق والعصمة، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أعطى كل كافر ما به يهتدي لكنه لم يهتد.
ثم لا يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ﴾ على القسر والقهر دل أنه لا يحتمل.
وقوله: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ليس عليك إلا الإنذار باللسان؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وأنت لا تؤاخذ بتركهم قبول الإنذار؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...
﴾ الآية [الأنعام: 52]، وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...
﴾ الآية [النور: 54].
ويحتمل الإنذار بالسيف بأمره إياه بالقتال معهم حتى يؤمنوا، وإن كان على هذا فهو يحتمل النسخ؛ يؤمر بالقتال في وقت، ولا يؤمر في وقت، وأمّا النذارة باللسان فهو لا يحتمل النسخ أبداً.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالتوحيد، أي: أرسلناك لتدعو الناس إلى توحيد الله، أو أرسلناك بالحق، أي: بالحق الذي لله عليهم وما لبعض على بعض.
أو ﴿ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: للحق وهو البعث الذي هو كائن لا محالة.
وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
أي: بشيراً بالجنة لمن آمن بالله وأجابك، ونذيراً بالنار لمن عصاه وخالف أمره وترك إجابته، هذا يدل على أنه لم يرد في قوله: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ أنه نذير خاصة ليس ببشير.
وقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ .
قال بعضهم: ليس من أصناف الخلق وجواهرهم على اختلاف جواهرهم وأصنافهم إلا وقد خلا لهم نذير؛ ليأمر وينهى ويمنع ويبيح؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 38]، أخبر أن الخلق على اختلاف أصنافهم وجواهرهم أمم أمثالهم البشر، فيتحملون ما يتحمل البشر من الأمر والنهي والنذارة والبشارة.
وقال بعضهم: ذلك راجع إلى الجن والإنس خاصة ليس إلى الكل؛ لأنهما هما المخصوصان بالخطاب والنطق والعقل وغير ذلك، وفيهما ظهر بعث الرسل والنذر، ولم يظهر ذلك في غيرهما، فكأنه قال: وإن من أمة من هذين من القرون إلا خلا فيها نذير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .
يعزي رسوله ويصبره على تكذيب قومه إياه، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، قد كذب إخوانك الذين من قبل بعد ما جاءوا بالبينات والزبر، أي: بالكتب المنيرة إليهم مع ما جاءهم بذلك فكذبوهم، فصبروا على تكذيبهم، فاصبر أنت أيضاً على تكذيب قومك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
أي: ثم أخذت الذين كذبوا رسلهم بالتكذيب فآخذ قومك على تكذيبهم إليك أيضاً، يذكر هذا له ليصبره على ذلك وينفي حزنه على تكذيبهم إياه.
أو يذكره زجراً لقومه على تكذيبهم إياه؛ فينزل بهم من العذاب ما نزل بأولئك بالتكذيب.
وقوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
قال بعضهم: فكيف كان إنكاري، وقال بعضهم: عذابي.
ودل قوله: ﴿ وَبِٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ \[على\] قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: منير السماوات بما سمى الكتاب في غير آي من القرآن: نوراً، هو نور بما ينير القلوب والصدور.
<div class="verse-tafsir"
ومن الناس، ومن الدواب، ومن الأنعام (الإبل، والبقر، والغنم) مختلف ألوانه مثل ذلك المذكور، إنما يعظم مقام الله تعالى ويخشاه العالمون به سبحانه؛ لأنهم عرفوا صفاته وشرعه ودلائل قدرته، إن الله عزيز لا يغالبه أحد، غفور لذنوب من تاب من عباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.nGYg9"