الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٢٩ من سورة فاطر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه ، من إقام الصلاة ، والإنفاق مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، ( يرجون تجارة لن تبور ) أي : يرجون ثوابا عند الله لا بد من حصوله .
كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه : " إن كل تاجر من وراء تجارته ، وإنك اليوم من وراء كل تجارة " ; ولهذا قال تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) يقول تعالى ذكره: إن الذين يقرءون كتاب الله الذي أنـزله على محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) يقول: وأدوا الصلاة المفروضة لمواقيتها بحدودها، وقال: وأقاموا الصلاة بمعنى: ويقيموا الصلاة.
وقوله ( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) يقول: وتصدقوا بما أعطيناهم من الأموال سرًّا في خفاء وعلانية جهارًا، وإنما معنى ذلك أنهم يؤدون الزكاة المفروضة، ويتطوعون أيضًا بالصدقة منه بعد أداء الفرض الواجب عليهم فيه.
وقوله (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) يقول تعالى ذكره: يرجون بفعلهم ذلك تجارة لن تبور: لن تكسد ولن تهلك، من قولهم: بارت السوق إذا كسدت وبار الطعام.
وقوله (تِجَارَةً) جواب لأول الكلام.
قوله تعالى : إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبورقوله تعالى : إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية هذه آية القراء العاملين العالمين الذين يقيمون الصلاة الفرض والنفل ، وكذا في الإنفاق .
وقد مضى في مقدمة الكتاب ما ينبغي أن يتخلق به قارئ القرآن .
يرجون تجارة لن تبور [ ص: 309 ] قال أحمد بن يحيى : خبر إن يرجون .
{ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ } أي: يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها.ثم خص من التلاوة بعد ما عم، الصلاة التي هي عماد الدين، ونور المسلمين، وميزان الإيمان، وعلامة صدق الإسلام، والنفقة على الأقارب والمساكين واليتامى وغيرهم، من الزكاة والكفارات والنذور والصدقات.
{ سِرًّا وَعَلَانِيَةً } في جميع الأوقات.{ يَرْجُونَ } [بذلك] { تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } أي: لن تكسد وتفسد، بل تجارة، هي أجل التجارات وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه، وهذا فيه أنهم يخلصون بأعمالهم، وأنهم لا يرجون بها من المقاصد السيئة والنيات الفاسدة شيئا.
قوله تعالى : ( إن الذين يتلون كتاب الله ) يعني : قرأوا القرآن ( وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) لن تفسد ولن تهلك ، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب .
قال الفراء : قوله : " يرجون " جواب لقوله : " إن الذين يتلون كتاب الله " .
«إن الذين يتلون» يقرءُون «كتاب الله وأقاموا الصلاة» أداموها «وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية» زكاة وغيرها «يرجون تجارة لن تبور» تهلك.
إن الذين يقرؤون القرآن، ويعملون به، وداوموا على الصلاة في أوقاتها، وأنفقوا مما رزقناهم من أنواع النفقات الواجبة والمستحبة سرًّا وجهرًا، هؤلاء يرجون بذلك تجارة لن تكسد ولن تهلك، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه؛ ليوفيهم الله تعالى ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص، ويضاعف لهم الحسنات من فضله، إن الله غفور لسيئاتهم، شكور لحسناتهم، يثيبهم عليها الجزيل من الثواب.
ثم مدح - سبحانه - المكثرون من تلاوة كتابه ، المحافظين على أداء فرائضه فقال : ( إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله .
.
.
) .أى : إن الذين يداومون على قراءة القرآن الكريم بتدبر لمعانيه ، وعمل بتوجيهاته ، ( وَأَقَامُواْ الصلاة ) بأن أدوها فى مواقيتها بخشوع وإخلاص .( وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ) أى : وبذلوا مما رزقناكم من خيرات ، تارة فى السر وتارة فى العلانية .وجملة ( يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ) فى محل رفع خبر إن .
والمراد بالتجارة : ثواب الله - تعالى - ومغفرته .وقوله : ( تَبُورَ ) بمعنى تكسد وتهلك .يقال : بار الشئ يبور بورا وبوارا ، إذا هلك وكسد .أى : هؤلاء الذين يكثرون من قراءة القرآن الكريم ، ويؤدون ما أوجبه الله - تعالى - عليهم ، يرجون من الله - تعالى الثواب الجزيل ، والربح الدائم ، لأنهم جمعوا فى طاعتهم له - تعالى - بين الإِكثار من ذكره ، وبين العبادات البدنية والمالية .
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله ﴾ .
لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه.
وقوله: ﴿ يَتْلُونَ كتاب الله ﴾ إشارة إلى الذكر.
وقوله تعالى: ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى العمل البدني.
وقوله: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ إشارة إلى العمل المالي، وفي الآيتين حكمة بالغة، فقوله: إنما يخشى الله إشارة إلى عمل القلب، وقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَتْلُونَ ﴾ إشارة إلى عمل اللسان.
وقوله: ﴿ وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله والشفقة على خلقه، لأنا بينا أن من يعظم ملكاً إذا رأى عبداً من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم، وإلى هذا أشار بقوله: عبدي مرضت فما عدتني، فيقول العبد: كيف تمرض وأنت رب العالمين، فيقول الله مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته لوجدتني عنده، يعني التعظيم متعلق بالشفقة فحيث لا شفقة على خلق الله لا تعظيم لجانب الله.
وقوله تعالى: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ حث على الإنفاق كيفما يتهيأ، فإن تهيأ سراً فذاك ونعم وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بقوله: ﴿ سِرّا ﴾ أي صدقة ﴿ وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي زكاة، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب.
وقوله تعالى: ﴿ يَرْجُونَ تجارة لَّن تَبُورَ ﴾ إشارة إلى الإخلاص، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله، فإن غير الله بائر والتاجر فيه تجارته بائرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَتْلُونَ كتاب الله ﴾ يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم.
وعن مطرف رحمه الله: هي آية القرّاء.
عن الكلبي رحمه الله: يأخذون بما فيه.
وقيل: يعلمون ما فيه ويعملون به.
وعن السدي رحمه الله: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.
وعن عطاء: هم المؤمنون ﴿ يَرْجُونَ ﴾ خبر إن.
والتجارة: طلب الثواب بالطاعة.
و ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ ﴾ متعلق بلن تبور، أي: تجارة ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقهم عنده ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾ وهي ما استحقوه من الثواب ﴿ وَيَزِيدُهُمْ ﴾ من التفضل على المستحق.
وإن شئت جعلت ﴿ يَرْجُونَ ﴾ في موضع الحال على: وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله لهذا الغرض، وخبر إن قوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ على معنى: غفور لهم شكور لأعمالهم.
والشكر مجاز عن الإثابة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ يُداوِمُونَ عَلى قِراءَتِهِ أوْ مُتابَعَةِ ما فِيهِ حَتّى صارَتْ سِمَةً لَهم وعُنْوانًا، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ القُرْآنُ أوْ جِنْسُ كُتُبِ اللَّهِ فَيَكُونُ ثَناءً عَلى المُصَدِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ اقْتِصاصِ حالِ المُكَذِّبِينَ.
﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ كَيْفَ اتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما.
وقِيلَ السِّرُّ في المَسْنُونَةِ والعَلانِيَةُ في المَفْرُوضَةِ.
﴿ يَرْجُونَ تِجارَةً ﴾ تَحْصِيلَ ثَوابٍ بِالطّاعَةِ وهو خَبَرُ إنَّ.
﴿ لَنْ تَبُورَ ﴾ لَنْ تَكْسُدَ ولَنْ تَهْلَكَ بِالخُسْرانِ صِفَةٌ لِلتِّجارَةِ وقَوْلُهُ: ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ عِلَّةٌ لِمَدْلُولِهِ أيْ يَنْتَفِي عَنْها الكَسادُ وتُنْفَقُ عِنْدَ اللَّهِ لِيُوَفِّيَهم بِنَفاقِها أُجُورَ أعْمالِهِمْ، أوْ لِمَدْلُولِ ما عُدَّ مِنَ امْتِثالِهِمْ نَحْوَ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُوَفِّيَهم أوْ عاقِبَةً لِـ ( يَرْجُونَ ) .
﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى ما يُقابِلُ أعْمالَهم.
﴿ إنَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِفُرُطاتِهِمْ.
﴿ شَكُورٌ ﴾ لِطاعاتِهِمْ أيْ مُجازِيهِمْ عَلَيْها، وهو عِلَّةٌ لِلتَّوْفِيَةِ والزِّيادَةِ أوْ خَبَرُ إنَّ و ( يَرْجُونَ ) حالٌ مِن واوِ ( وأنْفَقُوا ) .
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)
{إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله} يداومون على تلاوة القرآن {وأقاموا الصلاة وأنفقوا من ما رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أي مسرين النفل ومعلنين الفرض يعنى لا يقتنعون بتلاوته على حلاوة العمل به {يرجون} خبران {تجارةً} هي طلب الثواب بالطاعة لَّن {تَبُورَ} لن تكسد يعني تجارة ينتفى عنها الكساد وتنفق عند الله
﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ أيْ مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ أوْ في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والمُرادُ يُنْفِقُونَ كَيْفَما اِتَّفَقَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِما، وقِيلَ السِّرُّ في الإنْفاقِ المَسْنُونِ والعَلانِيَةُ في الإنْفاقِ المَفْرُوضِ، وفي كَوْنِ الإنْفاقِ مِمّا رُزِقُوا إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَبْسُطُوا أيْدِيَهم كُلَّ البَسْطِ، ومَقامُ التَّمَدُّحِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم تَحَرَّوُا الحَلالَ الطَّيِّبَ، وقِيلَ جِيءَ بِمِن لِذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ يَخُصُّونَ الرِّزْقَ بِالحَلالِ وهو أنْسَبُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ، ومَن لا يَخُصُّهُ بِالحَلالِ يَقُولُ هو التَّعْظِيمُ والحَثُّ عَلى الإنْفاقِ.
﴿ يَرْجُونَ ﴾ بِما آتَوْا مِنَ الطّاعاتِ ﴿ تِجارَةً ﴾ أيْ مُعامَلَةً مَعَ اللَّهِ تَعالى لِنَيْلِ رِبْحِ الثَّوابِ عَلى أنَّ التِّجارَةَ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، والقَرِينَةُ حالِيَّةٌ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَبُورَ ﴾ أيْ لَنْ تَكْسُدَ، وقِيلَ لَنْ تَهْلَكَ بِالخُسْرانِ صِفَةُ تِجارَةٍ وتَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ، وجُمْلَةُ ﴿ يَرْجُونَ ﴾ إلخ عَلى ما قالَ الفَّرّاءُ وأبُو البَقاءِ خَبَرُ إنَّ، وفي إخْبارِهِ تَعالى عَنْهم بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَقْطَعُونَ بِنِفاقِ تِجارَتِهِمْ بَلْ يَأْتُونَ ما آتَوْا مِنَ الطّاعاتِ وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التِّجارَةَ مَجازًا عَنْ تَحْصِيلِ الثَّوابِ بِالطّاعَةِ وأمْرُ التَّرْشِيحِ عَلى حالِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو السُّعُودِ، ثُمَّ قالَ: والإخْبارُ بِرَجائِهِمْ مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ عِدَّةٌ قَطْعِيَّةٌ بِحُصُولِ مَرْجُوِّهِمْ.
وظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن تَفْسِيرِهِ التِّجارَةَ بِالجَنَّةِ أنَّها مَجازٌ عَنِ الرِّبْحِ، وفَسَّرَ ﴿ لَنْ تَبُورَ ﴾ بِلَنْ تَبِيدَ وهو كَما تَرى.
<div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها من الثمار الأحمر، والأصفر، والحلو، والحامض وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ يعني: خلق من الجبال جدداً يعني: جماعة الجدة.
والجدة هي الطريق التي في الجبل والجدد هي الطرائق.
فترى الطريق من البعد منها أبيض، وبعضها حمر.
وقال القتبي: الجدد الخطوط والطرق تكون في الجبال، فبعضها بيض وبعضها حمر، وبعضها غرابيب سود، وهو جمع غربيب وهو الشديد السواد.
ويقال: أسود غربيب وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ يعني: خلق من الناس والدواب وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي: كاختلاف الثمرات.
ثم استأنف فقال: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ.
ثم استأنف فقال: كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ يعني: هكذا يخشى الله من عباده العلماء.
يعني: إن العلماء يعلمون خلق الله تعالى ويتفكرون في خلقه، ويعملون ثوابه وعقابه فيخشونه، ويعلمون بالطاعة طمعاً لثوابه، ويمتنعون عن المعاصي خشية عقابه.
وقال مقاتل: أشد الناس خشية أعلمهم بالله تعالى.
فيها تقديم.
وروى سفيان عن بعض المشيخة، عن النبيّ أنه سئل: يا رسول الله أينا أعلم؟
فقال: «أَخْشَاكُمْ لله تَعَالَى إنَّمَا يخشى الله من عباده العُلَمَاءُ» قالوا: يا رسول الله فأيُّ الأصحاب أفضل؟
قال: «الذي إذا ذكرت أَعَانَكَ، وإذا نَسِيتَ ذَكَّرَكَ» .
قالوا: فأي الأصحاب شر؟
قال: «الذي إذا ذكرت لَمْ يُعِنْكَ، وإذا أُنْسِيتَ لَمْ يُذَكِّرْكَ» .
قالوا: فأيُّ الناس شر؟
قال: «اللُّهُمَّ اغْفِرْ لِلعُلَمَاءِ.
وَالعَالِمُ إذا فَسَدَ فَسدَ النَّاسُ» .
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ لمن تاب.
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ يعني: يقرءون القرآن.
ويقال: معناه يتبعون كتاب الله تعالى.
يقال: تلا يتلوا إذا تبعه كقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) [الشمس: 2] وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلوات في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني: تصدقوا مما أعطيناهم من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ يعني: لن تهلك ولن تخسر.
ومعناه: يَرْجُونَ تِجارَةً رابحة وهي الجنة مكان الحياة الدنيا.
ثم قال عز وجل: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ يعني: يوفر ثواب أعمالهم وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه من الجزاء، والثواب في الجنة.
ويقال: مِنْ فَضْلِهِ يعني: من تفضله إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ لأعمالهم اليسيرة.
والشكر على ثلاثة أوجه.
الشكر ممن يكون دونه الطاعة لأمره وترك مخالفته.
والشكر ممن هو شكله يكون الجزاء والمكافأة.
والشكر ممن فوقه يكون رضى منه باليسير.
<div class="verse-tafsir"
قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» : العلم النافعُ ما زَهَّدَك في دنياك، ورغَّبك في أخراك، وزادَ في خوفِك وتَقْواك، وبعثَك على طاعةِ مولاك، وصَفَّاك مِن كَدَرِ هَوَاك.
وقال- رحمه الله-: العلومُ النافعةُ ما كانتْ لِلْهِمَمِ رافعةً، وللأهواءِ قامِعةً، وللشكوكِ صَارِفةً دافعةً.
انتهى.
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ...
الآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية «١» القُرَّاء.
قال ع «٢» : وهذا على أنْ يَتْلُونَ بمعنى: يقرؤون، وإنْ جَعَلناه بمعنى: يتبعون، صَحَّ معنى الآية وكانت في القُرَّاء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامةُ الصلاة، أي: بجميع شروطها، والنفقةُ هي في الصدقات ووجوه البرّ ولَنْ تَبُورَ معناه: لن تكسد.
ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قالت فرقة: هو تَضْعِيفُ الحسناتِ، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله عز وجل، وإما أن يجعلَهم شَافِعينَ في غيرهم كما قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] .
ت: وَقَدْ خَرَّجَ أبو نُعَيْمٍ بإسناده عن الثَّورِي عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعةُ لِمَنْ وَجَبَتْ له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا.
وخَرَّج ابنُ مَاجَه في «سُنَنه» عن أنس بن مالك/، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «يصفّ النّاس ٨٤ أصفوفا» .
وقال ابن نُمير: أهُلُ الجَنَّةِ- فَيَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني، فسقيتك شربة؟
قال: فيشفع له.
ويمرّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي قُرّاءَ القُرْآنِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِقِراءَةِ القُرْآنِ؛ وكانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يَتْلُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَقْرَؤُونَ.
والثّانِي: يَتَّبِعُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ بِمَعْنى ويُقِيمُونَ، وهو إدامَتُها لِمَواقِيتِها وحُدُودِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْجُونَ تِجارَةً ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ ﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: يَرْجُونَ بِفِعْلِهِمْ هَذا تِجارَةً لَنْ تَفْسُدَ ولَنْ تَهْلَكَ ولَنْ تَكْسُدَ ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ أيْ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سِوى الثَّوابِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ.
فَأمّا الشَّكُورُ، فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو الَّذِي يَشْكُرُ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعَةِ، فَيُثِيبُ عَلَيْهِ الكَثِيرَ مِنَ الثَّوابِ، ويُعْطِي الجَزِيلَ مِنَ النِّعْمَةِ، ويَرْضى بِاليَسِيرِ مِنَ الشُّكْرِ؛ ومَعْنى الشُّكْرِ المُضافِ إلَيْهِ: الرِّضى بِيَسِيرِ الطّاعَةِ مِنَ العَبْدِ، والقَبُولُ لَهُ، وإعْظامُ الثَّوابِ عَلَيْهِ؛ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِالشَّكُورِ تَرْغِيبَ الخَلْقِ في الطّاعَةِ قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ، لِئَلّا يَسْتَقِلُّوا القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ، ولا يَتْرُكُوا اليَسِيرَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ: "هَذِهِ آيَةُ القُرّاءِ"، وهَذا عَلى أنَّ "يَتْلُونَ" بِمَعْنى: يَقْرَأُونَ، وإنْ جَعَلْناها بِمَعْنى: يَتَّبِعُونَ، صَحَّ مَعْنى الآيَةِ، وكانَتْ في القُرّاءِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِأوصافِ الآيَةِ، و"كِتابَ اللهِ" هو القُرْآنُ، و"إقامَةُ الصَلاةِ" إقامَتُها بِجَمِيعِ شُرُوطِها، و"النَفَقَةُ" هي في الصَدَقاتِ ووُجُوهِ البِرِّ، فالسِرُّ مِن ذَلِكَ هو التَطَوُّعُ، والعَلانِيَةُ هو المَفْرُوضُ، و"يَرْجُونَ" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ "إنَّ"، و"تَبُورَ" مَعْناها: تَكْسُدُ ويَتَعَذَّرُ رِبْحُها، ويُقالُ: "نَعُوذُ بِاللهِ مِن بَوارِ الأيِّمِ".
واللامُ في ﴿ "لِيُوَفِّيَهُمْ" ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: وعَدَهم بِألا تَبُورُ إنْ فَعَلُواْ ذَلِكَ كُلَّهُ وأطاعُوهُ، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيَزِيدَهُمْ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَضْعِيفُ الحَسَناتِ مِنَ العَشْرِ إلى السَبْعِمِائَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ - عَلى هَذا - هي المُجازاةُ مُقابَلَةً.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ التَضْعِيفَ داخِلٌ في تَوْفِيَةِ الأُجُورِ، وأمّا الزِيادَةُ مِن فَضْلِهِ فَهِيَ؛ إمّا النَظَرُ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ وإمّا الشَفاعَةُ في غَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: مُتَجاوِزٌ عَنِ الذُنُوبِ ساتِرٌ لَها، و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مَجازٍ عَلى اليَسِيرِ مِنَ الطاعَةِ، مُقَرِّبٌ لِعَبْدِهِ بِهِ.
ثُمَّ ثَبَّتَ تَعالى أمْرَ نَبِيِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ هو التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف لبيان جملة ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ [فاطر: 28] الآية، فالذين يتلون كتاب الله هم المراد بالعلماء، وقد تخلّص إلى بيان فوز المؤمنين الذين اتَّبعوا الذكر وخشوا الرحمان بالغيب فإن حالهم مضادّ لحال الذين لم يسمعوا القرآن وكانوا عند تذكيرهم به كحال أهل القبور لا يسمعون شيئاً.
فبعد أن أثنى عليهم ثناء إجمالياً بقوله تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ ، وأجمل حسن جزائهم بذكر صفة ﴿ غفور ﴾ [فاطر: 28] ولذلك ختمت هذه الآية بقوله: ﴿ إنه غفور شكور ﴾ فُصِّل ذلك الثناء وذكرت آثاره ومنافعه.
فالمراد ب ﴿ الذين يتلون كتاب الله ﴾ المؤمنون به لأنهم اشتهروا بذلك وعُرفوا به وهم المراد بالعلماء.
قال تعالى: ﴿ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴾ [العنكبوت: 49].
وهو أيضاً كناية عن إيمانهم لأنه لا يتلو الكتاب إلا من صدّق به وتلقاه باعتناء.
وتضمن هذا أنهم يكتسبون من العلم الشرعي من العقائد والأخلاق والتكاليف، فقد أشعر الفعل المضارع بتجدد تلاوتهم فإن نزول القرآن متجدد فكلما نزل منه مقدار تلقوه وتدارسوه.
وكتاب الله القرآن وعدل عن اسمه العلم إلى اسم الجنس المضاف لاسم الجلالة لما في إضافته إليه من تعظيم شأنه.
وأتبع ما هو علامة قبول الإِيمان والعلم به بعلامة أخرى وهي إقامة الصلاة كما تقدم في سورة البقرة (2) ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴾ فإنها أعظم الأعمال البدنية، ثم أتبعت بعمل عظيم من الأعمال في المال وهي الإِنفاق، والمراد بالإِنفاق حيثما أطلق في القرآن هو الصدقات واجبها ومستحبها وما ورد الإِنفاق في السور المكية إلا والمراد به الصدقات المستحبة إذ لم تكن الزكاة قد فرضت أيامئذ؛ على أنه قد تكون الصدقة مفروضة دون نُصب ولا تَحديد ثم حدِّدت بالنصب والمقادير.
وجيء في جانب إقامة الصلاة والإِنفاق بفعل المضي لأن فرض الصلاة والصدقة قد تقرر وعملوا به فلا تجدد فيه، وامتثال الذي كلفوا به يقتضي أنهم مداومون عليه.
وقوله: مما رزقناهم} إدماج للامتنان وإيماء إلى أنه إنفاق شكر على نعمة الله عليهم بالرزق فهم يعطون منه أهل الحاجة.
ووقع الالتفات من الغيبة من قوله: ﴿ كتاب الله ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿ مما رزقناهم ﴾ لأنه المناسب للامتنان.
وانتصب ﴿ سراً وعلانية ﴾ على الصفة لمصدر ﴿ أنفقوا ﴾ محذوففٍ، أي إنفاق سر وإنفاق علانية والمصدر مبين للنوع.
والمعنى: أنهم لا يريدون من الإِنفاق إلا مرضاة الله تعالى لا يراءون به، فهم ينفقون حيث لا يراهم أحد وينفقون بمرأى من الناس فلا يصدهم مشاهدة الناس عن الإِنفاق.
وفي تقديم السر إشارة إلى أنه أفضل لانقطاع شائبة الرياء منه، وذكر العلانية للإِشارة إلى أنهم لا يصدهم مرأى المشركين عن الإِنفاق فهم قد أعلنوا بالإِيمان وشرائعه حبّ من حبّ أو كره من كره.
و ﴿ يرجون تجارة ﴾ هو خبر ﴿ إن ﴾ .
والخبر مستعمل في إنشاء التبشير كأنه قيل: لِيرجُوا تجارة، وزاده التعليلُ بقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ﴾ قرينةً على إرادة التبشير.
والتجارة مستعارة لأعمالهم من تلاوة وصلاة وإنفاق.
ووجه الشبه مشابهة ترتب الثواب على أعمالهم بترتب الربح على التجارة.
والمعنى: ليرجوا أن تكون أعمالهم كتجارة رابحة.
والبوار: الهلاك.
وهلاك التجارة: خسارة التاجر.
فمعنى ﴿ لن تبور ﴾ أنها رابحة.
و ﴿ لن تبور ﴾ صفة ﴿ تجارة ﴾ .
والمعنى: أنهم يرجون عدم بوار التجارة.
فالصفة مناط التبشير والرجاء لا أصل التجارة لأن مشابهة العمل الفظيع لعمل التاجر شيء معلوم.
و ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق ب ﴿ يرجون ﴾ ، أي بشرناهم بذلك وقدَّرناه لهم لنوفيهم أجورهم.
ووقع الالتفات من التكلم في قوله: ﴿ مما رزقناهم ﴾ إلى الغيبة رجوعاً إلى سياق الغيبة من قوله: ﴿ يتلون كتاب الله ﴾ أي ليوفي الله الذين يتلون كتابه.
والتوفية: جعل الشيء وافِياً، أي تامّاً لا نقيصة فيه ولا غبن.
وأسْجلَ عليهم الفضل بأنه يزيدهم على ما تستحقه أعمالهم ثواباً من فضله، أي كرمه، وهو مضاعفة الحسنات الواردة في قوله تعالى: ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ [البقرة: 261] الآية.
وذيل هذا الوعد بما يحققه وهو أن الغفران والشكران من شأنه، فإنّ من صفاته الغفور الشكور، أي الكثير المغفرة والشديد الشكر.
فالمغفرة تأتي على تقصير العباد المطيعين، فإن طاعة الله الحقّ التي هي بالقلب والعمل والخواطر لا يبلغ حق الوفاء بها إلا المعصوم ولكن الله تجاوز عن الأمة فيما حدّثت به أنفسها، وفيما همت به ولم تفعله، وفي اللمم، وفي محو الذنوب الماضية بالتوبة، والشكر كناية عن مضاعفة الحسنات على أعمالهم فهو شكر بالعمل لأن الذي يجازي على عمل المجزيّ بجزاء وافر يدل جزاؤه على أنه حمد للفاعل فعله.
وأكد هذا الخبر بحرف التأكيد زيادة في تحقيقه، ولما في التأكيد من الإِيذان بكون ذلك علة لتوفية الأجور والزيادة فيها.
وفي الآية ما يشمل ثواب قُرَّاء القرآن، فإنهم يصدق عنهم أنهم من الذين يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة ولو لم يصاحبهم التدبر في القرآن فإن للتلاوة حظها من الثواب والتنوّر بأنوار كلام الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنْ تَفْسَدَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: لَنْ تَكْسُدَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى والأوَّلُ أشْبَهُ لِقَوْلِ الشّاعِرِ يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذا أنا بُورُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ ﴾ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ.
﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُفْسَحُ لَهم في قُبُورِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: يُشَفِّعُهم فِيمَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ أبُو وائِلٍ.
الثّالِثُ: يُضاعِفُ لَهم حَسَناتِهِمْ، وهو مَأْثُورٌ.
الرّابِعُ: غَفْرُ الكَثِيرِ وشُكْرُ اليَسِيرِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ عَلى اجْتِنابِ المَعاصِي ﴿ إنَّهُ غَفُورٌ ﴾ لِلذَّنَبِ.
﴿ شَكُورٌ ﴾ لِلطّاعَةِ.
وَوَصْفُهُ بِأنَّهُ شَكُورٌ مَجازٌ ومَعْناهُ أنْ يُقابِلَ بِالإحْسانِ مُقابَلَةَ الشَّكُورِ لِأنَّهُ يُقابِلُ عَلى اليَسِيرِ بِأضْعافِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس؛ أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، نزلت فيه ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ قال: الجنة ﴿ لن تبور ﴾ لا تبيد ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ ولدينا مزيد ﴾ [ ق: 35] ﴿ إنه غفور ﴾ قال: لذنوبهم ﴿ شكور ﴾ لحسناتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يرجون تجارة لن تبور ﴾ قال: لن تهلك.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة...
﴾ .
قال كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ قال مقاتل وأبو عبيدة: لن تهلك (١) وقال أبو إسحاق: لن تفسد ولن تكسد (٢) ﴿ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ في مواضع.
قال ابن عباس في قوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ : يعني الجنة (٣) ﴿ يَرْجُونَ ﴾ قال الفراء: (هو جواب لقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ * يَرْجُونَ ﴾ (٤) (٥) وقوله: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ ﴾ متعلق بما ذكر من قوله: ﴿ يَتْلُونَ ﴾ ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ ﴿ وَأَنْفَقُوا ﴾ ليوفيهم، أي: فعلوا ما فعلوا ليوفيهم الله جزاء أعمالهم بالثواب.
(١) انظر: "تفسير مقاتل" 10 ب، "مجاز القرآن" 2/ 155.
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 269.
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس.
وقد ذكره هود في "تفسيره" 3/ 417 ولم ينسبه.
(٤) في (أ): (ويقيمون)، بدلًا من (وأقاموا).
(٥) انظر: "معاني القرآن" 2/ 269.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله ﴾ أي يقرأون القرآن وقيل: معنى ﴿ يَتْلُونَ ﴾ : يتبعون والخبر ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً ﴾ أو محذوف ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي لن تكسد ويعني بالتجارة طلب الثواب ﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ توفية الأجور، وهو ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة التضعيف فوق ذلك، وقيل: الزيادة النظر إلى وجه الله ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ تقدم في البقرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.
الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.
الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.
التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.
والمخاطب إما كل أحد أو النبي لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.
اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.
والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.
وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.
واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.
قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.
والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.
يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.
ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.
وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.
وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.
وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.
وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.
وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.
وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.
ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.
ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.
قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.
وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.
ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟
وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.
وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.
وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.
وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.
وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.
وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.
قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.
وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.
ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.
وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.
والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.
ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.
ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.
رابعها: عن علي : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.
فقيل له: كيف ذاك؟
قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.
خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.
سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.
وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.
وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.
قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.
وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ﴾ إلى قوله ﴿ حرير ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.
وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.
وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.
قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.
وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.
والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.
وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.
والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.
واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.
وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.
ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.
وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.
وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.
وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.
قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.
عن النبي "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.
وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.
وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي .
وقيل: الشيب.
فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله .
ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.
وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.
وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.
وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.
ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.
والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.
وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.
قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.
وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.
سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟
فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.
وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.
أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.
﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.
عن النبي "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .
وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".
وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.
وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.
وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.
والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.
خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.
العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.
ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.
ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.
ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.
وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة: أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طباع هذه الثمرات على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائماً موافقاً طباع جميع الخلائق من البشر والدواب والطير والوحش وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيرَهُ، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله سبباً لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سبباً لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سبباً لها على الاستعانة به والتقوية، بل إعلاماً للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان على الاستعانة وجعله سبباً له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سبباً للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من فضل الله.
والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدّى بذلك الشكر عليها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضاً مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة.
وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، وكذلك: ﴿ وَغَرَابِيبُ ﴾ جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو [قول] القتبي وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال.
وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، [و] الجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، أي: خططت، [و] يقال: ثوب جديد وثياب جدد، ﴿ وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ ﴾ أي: طرائق مختلفة ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود.
يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه شيء.
أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم وصعب عليهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الذي يحقّ على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله.
والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأمّا من [لم] يعلم بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ ﴾ \[المؤمنون: 57\] ونحوه.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ﴾ عباده من جملة المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، المصدقون عذابه ونقمته، فأمّا من لم يؤمن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل.
وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم بالله، والخشية: قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ .
قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين.
وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب المؤمنين.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة.
أو أن يكون قوله: ﴿ يَتْلُونَ كِتَابَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال؛ كقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ ، أي: ينفقون على كل حال.
ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ ، أي: يتصدقون الصدقة ظاهراً وباطناً، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبداً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ .
سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفاً منه وإحساناً، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ، وذلك ليس في الحقيقة أجراً لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجراً لهم، لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاماً منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيباً منه الخلق في ذلك وتحريضاً لهم على ذلك، والله أعلم.
﴿ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ على ذلك أيضاً.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ غَفُورٌ ﴾ أي: ستور لمساويهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسناً لا مسيئاً.
أو ﴿ غَفُورٌ ﴾ : يتجاوز عن مساوئهم، ﴿ شَكُورٌ ﴾ : يقبل اليسير من العمل القليل منهم [و] يجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ .
قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ لَّن تَبُورَ ﴾ أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهي بائرة: إذا كسدت.
﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ﴾ : من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته [حقه] كله.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين يقرؤون كتاب الله الذي أنزلناه على رسولنا ويعملون بما فيه، وأتموا الصلاة على أحسن وجه، وأنفقوا مما رزقناهم على سبيل الزكاة وغيرها خُفْيَةً وَجَهْرًا، يرجون بتلك الأعمال تجارة عند الله لن تكسد.
<div class="verse-tafsir" id="91.RO5DK"