تفسير الآية ٣ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٣ من سورة الزمر

أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَـٰذِبٌۭ كَفَّارٌۭ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( ألا لله الدين الخالص ) أي : لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله ، وحده لا شريك له .

وقال قتادة في قوله : ( ألا لله الدين الخالص ) شهادة أن لا إله إلا الله .

ثم أخبر تعالى عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون : ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) أي : إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم ، فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ; ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم ، وما ينوبهم من أمر الدنيا ، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به .

قال قتادة ، والسدي ، ومالك عن زيد بن أسلم ، وابن زيد : ( إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) أي : ليشفعوا لنا ، ويقربونا عنده منزلة .

ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم : " لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك " .

وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه ، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، بردها والنهي عنها ، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له ، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم ، لم يأذن الله فيه ولا رضي به ، بل أبغضه ونهى عنه : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) [ النحل : 36 ] ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] .

وأخبر أن الملائكة التي في السماوات من المقربين وغيرهم ، كلهم عبيد خاضعون لله ، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى ، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم ، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ، ( فلا تضربوا لله الأمثال ) [ النحل : 74 ] ، تعالى الله عن ذلك .

وقوله : ( إن الله يحكم بينهم ) أي : يوم القيامة ، ( في ما هم فيه يختلفون ) أي : سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ، ويجزي كل عامل بعمله ، ( ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) [ سبأ : 41 ، 40 ] .

وقوله : ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) أي : لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله ، وقلبه كفار يجحد بآياته [ وحججه ] وبراهينه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) يقول تعالى ذكره: ألا لله العبادة والطاعة وحده لا شريك له, خالصة لا شرك لأحد معه فيها, فلا ينبغي ذلك لأحد, لأن كل ما دونه ملكه, وعلى المملوك طاعة مالكه لا من لا يملك منه شيئا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) يقول تعالى ذكره: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يَتَوَلَّوْنَهُم, ويعبدونهم من دون الله, يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زُلْفَى, قربة ومنـزلة, وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا، وهي فيما ذُكر في قراءة أبي: " ما نَعْبُدُكُمْ", وفي قراءة عبد الله: ( قالوا ما نعبدهم ) وإنما حسن ذلك لأن الحكاية إذا كانت بالقول مضمرا كان أو ظاهرا, جعل الغائب أحيانا كالمخاطب, ويترك أخرى كالغائب, وقد بيَّنت ذلك في موضعه فيما مضى.

حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: هي في قراءة عبد الله: "قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ".

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) قال: قريش تقوله للأوثان, ومن قبلهم يقوله للملائكة ولعيسى ابن مريم ولعزَير.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا ليقرّبونا, إلا ليشفعُوا لنا عند الله.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) قال: هي منـزلة.

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) .

وقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) قال: قالوا هم شفعاؤنا عند الله, وهم الذين يقربوننا إلى الله زلفى يوم القيامة للأوثان, والزلفى: القُرَب.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن الله يفصل بين هؤلاء الأحزاب الذين اتخذوا في الدنيا من دون الله أولياء يوم القيامة, فيما هم فيه يختلفون في الدنيا من عبادتهم ما كانوا يعبدون فيها, بأن يصليهم جميعا جهنم, إلا من أخلص الدين لله, فوحده, ولم يشرك به شيئا.

يقول تعالى ذكره: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ) إلى الحق ودينه الإسلام, والإقرار بوحدانيته, فيوفقه له ( مَنْ هُوَ كَاذِبٌ ) مفتر على الله, يتقول عليه الباطل, ويضيف إليه ما ليس من صفته, ويزعم أن له ولدا افتراء عليه, كفار لنعمه, جحودا لربوبيته.

القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ألا لله الدين الخالص أي الذي لا يشوبه شيء .

وفي حديث الحسن عن أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله إني أتصدق بالشيء وأصنع الشيء أريد به وجه الله وثناء الناس .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفس محمد بيده لا يقبل الله شيئا شورك فيه ، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا لله الدين الخالص وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " و [ النساء ] و [ الكهف ] مستوفى .الثانية : قال ابن العربي : هذه الآية دليل على وجوب النية في كل عمل ، وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان ، خلافا لأبي حنيفة والوليد بن مسلم عن مالك اللذين يقولان إن الوضوء يكفي من غير نية ، وما كان ليكون من الإيمان شطرا ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية .قوله تعالى : والذين اتخذوا من دونه أولياء يعني الأصنام ، والخبر محذوف .

أي قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى قال قتادة : كانوا إذا قيل لهم من ربكم وخالقكم ؟

ومن خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء ؟

قالوا : الله ، فيقال لهم : ما معنى عبادتكم الأصنام ؟

قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى ، ويشفعوا لنا عنده .

قال الكلبي : جواب هذا الكلام في الأحقاف فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة والزلفى القربة ، أي : ليقربونا إليه تقريبا ، فوضع زلفى في موضع المصدر .

وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس [ ص: 209 ] ومجاهد " والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " وفي حرف أبي ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله زلفى ) ذكره النحاس .

قال : والحكاية في هذا بينة .إن الله يحكم بينهم أي بين أهل الأديان يوم القيامة فيجازي كلا بما يستحق .

إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار أي من سبق له القضاء بالكفر لم يهتد ، أي : للدين الذي ارتضاه وهو دين الإسلام ، كما قال الله تعالى : ورضيت لكم الإسلام دينا وفي هذا رد على القدرية وغيرهم على ما تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده.وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة.

فإن اللّه بريء منه، وليس للّه فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به فقال: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، [معتذرين] عن أنفسهم وقائلين: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } أي: لترفع حوائجنا للّه، وتشفع لنا عنده، وإلا، فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئا.أي: فهؤلاء، قد تركوا ما أمر اللّه به من الإخلاص، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن اللّه تعالى كذلك.وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم، عقلا ونقلا وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم.

فيحتاج من يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج من يعطفهم عليه [ويسترحمه لهم] ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر.وأما الرب تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط.وجميع الشفعاء يخافونه، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها.فبهذه الفروق يعلم جهل المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه.ويعلم أيضا الحكمة في كون الشرك لا يغفره اللّه تعالى، لأنه يتضمن القدح في اللّه تعالى، ولهذا قال حاكما بين الفريقين، المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين-: { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وقد علم أن حكمه أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم، ومن يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة، ومأواه النار.

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي } أي: لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم { مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } أي: وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه اللّه الآيات، فيجحدها ويكفر بها ويكذب، فهذا أنَّى له الهدى وقد سد على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع اللّه على قلبه، فهو لا يؤمن؟\"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألا لله الدين الخالص ) قال قتادة : شهادة أن لا إله إلا الله .

وقيل : لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل : الدين الخالص من الشرك هو لله .

( والذين اتخذوا من دونه ) أي : من دون الله ، ) ( أولياء ) يعني : الأصنام ، ( ما نعبدهم ) أي قالوا : ما نعبدهم ، ( إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وكذلك قرأ ابن مسعود ، وابن عباس .

قال قتادة : وذلك أنهم إذا قيل لهم : من ربكم ، ومن خلقكم ، ومن خلق السماوات والأرض ؟

قالوا : الله ، فيقال لهم : فما معنى عبادتكم الأوثان ؟

قالوا : ليقربونا إلى الله زلفى ، أي : قربى ، وهو اسم أقيم في مقام المصدر ، كأنه قال : إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله ، ( إن الله يحكم بينهم ) يوم القيامة ( في ما هم فيه يختلفون ) من أمر الدين ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) لا يرشد لدينه من كذب فقال : إن الآلهة تشفع وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذبا وكفرا

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألا الله الدين الخالص» لا يستحقه غيره «والذين اتخذوا من دونه» الأصنام «أولياء» وهم كفار مكة قالوا «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» قربى مصدر بمعنى تقريبا «إن الله يحكم بينهم» وبين المسلمين «في ما هم فيه يختلفون» من أمر الدين فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار «إن الله لا يهدي من هو كاذب» في نسبة الولد إليه «كفار» بعبادته غيره الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألا لله وحده الطاعة التامة السالمة من الشرك، والذين أشركوا مع الله غيره واتخذوا من دونه أولياء، قالوا: ما نعبد تلك الآلهة مع الله إلا لتشفع لنا عند الله، وتقربنا عنده منزلة، فكفروا بذلك؛ لأن العبادة والشفاعة لله وحده، إن الله يفصل بين المؤمنين المخلصين والمشركين مع الله غيره يوم القيامة فيما يختلفون فيه من عبادتهم، فيجازي كلا بما يستحق.

إن الله لا يوفق للهداية إلى الصراط المستقيم من هو مفترٍ على الله، كَفَّار بآياته وحججه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة ( أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ) مؤكدة ومقررة لمضمون ما قبلها من وجوب إفراد العبادة والطاعة لله - تعالى - : وزادها تأكيداً وتقريراً لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح ( ألا ) واشتمالها على أسلوب القصر .أى : ألا إن الله - تعالى - وحده - وليس لأحد سواه - الدين الخالص من شوائب الشرك والرياء .

والعبادة لوجهه وحده ، والخضوع لقدرته التى لا يعجزها شئ .ثم بين - سبحانه - ما عليه المشركون من ضلال فقال : ( والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ .

.

)فالمراد بالموصول المشركون ، ومحله الرفقع على الابتداء ، وخبره قوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) وجملة ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ) فى محل نصب على الحال بتقدير القول ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل .

والزلفى : اسم أقيم مقام المصدر الذى يتلاقى معه فى المعنى ، والمأخوذ من قوله ( لِيُقَرِّبُونَآ ) .أى : لله - تعالى - وحده الدين الخالص ، والمشركون الذين اتخذوا معبودات باطلة ليعبدوها من دون الله ، كانوا يقولون فى الرد على من ينهاهم عن ذلك : إننا لا نعبد هذه المعبودات إلا من أجل أن نتوسل بها ، لكى تقربنا إلى الله قربى ، ولتكون شفيعة لنا عنده حتى يرفع عنا البلاء والمحن .( إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) أى : بين هؤلاء المشركون وبين غيرهم من المؤمنين الذين أخلصوا لله - تعالى -العبادة والطاعة ( فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) من أمر التوحيد والشرك ، بأن يجازى المؤمنين بحسن الثواب ، ويجازى الكافرين بسوء العقاب .( إِنَّ الله ) - تعالى - ( لاَ يَهْدِي ) أى : لا يوفق للاهتداء للحق ( مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) .أى : من كان دائم الكذب على دين الله ، شديد الجحود لآيات الله وبراهينه الدالة على وحدانيته ، وعلى أنه لا رب لهذا الكون سواه .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ أيْ ألا هو الَّذِي وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِأنْ يُخْلَصَ لَهُ الطّاعَةُ، فَإنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ والِاطِّلاعِ عَلى الأسْرارِ والضَّمائِرِ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُتَّخِذِينَ مِنَ الكَفَرَةِ والمُتَّخِذِينَ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى والأصْنامِ عَلى حَذْفِ الرّاجِعِ وإضْمارِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ المُساقِ عَلَيْهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عَلى الأوَّلِ.

﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ وهو مُتَعَيِّنٌ عَلى الثّانِي، وعَلى هَذا يَكُونُ القَوْلُ المُضْمَرُ بِما في حَيِّزِهِ حالًا أوْ بَدَلًا مِنَ الصِّلَةِ وزُلْفى مَصْدَرٌ أوْ حالٌ، وقُرِئَ: «قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ» و «ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ» حِكايَةً لِما خاطَبُوا بِهِ آلِهَتَهم و «نُعْبُدُهُمْ» بِضَمِّ النُّونِ اتِّباعًا.

﴿ فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِنَ الدِّينِ بِإدْخالِ المُحِقِّ الجَنَّةَ والمُبْطِلِ النّارَ والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ ومُقابِلِيهِمْ، وقِيلَ لَهم ولِمَعْبُودِيهِمْ فَإنَّهم يَرْجُونَ شَفاعَتَهم وهم يَلْعَنُونَها.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ لا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ.

﴿ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ فَإنَّهُما فاقِدا البَصِيرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص} أي هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر لاطلاعه على الغيوب والأسرار وعن قتادة الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله وعن الحسن الإسلام {والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي آلهة وهو مبتدأ محذوف الخبر تقديره والذين

عبدوا الأصنام يقولون {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى} مصدر أي تقريباً {إِنَّ الله يَحْكُمُ بينهم} بين المسلمين والمشركين {فيما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} قيل كان المسلمون إذا قالوا لهم من خلق السموات والأرض قالوا الله فإذا قالوا لهم فما لكم تعبدون الأصنام قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى والمعنى أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ} أي لا يهدي من هو في علمه أنه يختار الكفر يعني لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر ولكنه يخذله وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء بنات الله ولذا عقبه محتجاً عليهم بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِاخْتِصاصِ الدِّينِ بِهِ تَعالى، أيْ ألا هو سُبْحانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخَصَّ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ تَعالى، لِأنَّ المُتَفَرِّدَ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاطِّلاعُ عَلى السَّرائِرِ والضَّمائِرِ، وهي عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ووُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، وفي الإتْيانِ بِألا، واسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ، وإظْهارِ الجَلالَةِ والدِّينِ، ووَصْفِهِ بِالخالِصِ، والتَّقْدِيمِ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ مَعَ اللّامِ المَوْضُوعَةِ لَهُ عِنْدَ بَعْضٍ ما لا يَخْفى مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِالدِّينِ الَّذِي هو أساسُ كُلِّ خَيْرٍ، قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِجَعْلِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، وقالَ: بِتَغايُرِ دِلالَتَيِ الجُمْلَتَيْنِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا.

ورَدَّ بِذَلِكَ زَعْمَ إباءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ صِحَّةَ تَخْرِيجِ الفَرّاءِ.

والحُقُّ أنَّهُ تَخْرِيجٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَفي الكَشْفِ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا ﴾ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: فَلِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ، ثُمَّ تُرِكَ إلى: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ مُبالَغَةً لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أقْوى الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ صُدِّرَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ زِيادَةً عَلى زِيادَةٍ وتَحْقِيقًا بِأنَّ غَيْرَ الخالِصِ كالعَدَمِ، فَلَوْ قُدِّرَ الِاسْتِئْنافُ التَّعْلِيلِيُّ أوَّلًا مِن دُونِ الوَصْفِ المَطْلُوبِ الَّذِي هو الأصْلُ في العِلَّةِ، ومِن دُونِ حَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْفائِدَةِ المَذْكُورَةِ، كانَ كَلامًا مُتَنافِرًا، ويَلْزَمُ زِيادَةُ التَّنافُرِ مِن وصْفِ الدِّينِ بِالخُلُوصِ ثانِيًا لِدِلالَتِهِ عَلى العِيِّ في الأوَّلِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا الوَصْفِ حَتّى يُجْعَلَ مِن بابِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، وأمّا جَعْلُهُ تَأْكِيدًا فَلا وجْهَ لَهُ لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ، ولِأنَّ حَرْفَ التَّنْبِيهِ لا يَحْسُنُ مَوْقِعُها حِينَئِذٍ، فَإنَّها يُؤْتى بِها في ابْتِداءِ الِاسْتِئْنافِ المُضادِّ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ اهـ.

ونَصَّ العَلّامَةُ الثّانِي أيْضًا عَلى أنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا لِلْأُولى فاسِدٌ عِنْدَ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسالِيبِ الكَلامِ وصِياغاتِ المَعانِي، فَفِيها ما يَنْبُو عَنْهُ مَقامُ التَّأْكِيدِ، ولا يَكادُ يَقْتَرِنُ بِهِ المُؤَكَّدُ، لَكِنَّ في قَوْلِ صاحِبِ الكَشْفِ: لَيْسَ في الأوَّلِ ما يُرْشِدُ إلى وصْفِ الخُلُوصِ حَتّى يُجْعَلَ مِن بابِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بَحْثًا إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾ عَلى مَعْنى الدِّينِ الكامِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَمالَ الدِّينِ بِكَوْنِهِ خالِصًا، فَيَكُونُ في الأوَّلِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا الوَصْفِ، نَعَمْ، وُهِّنَ ذَلِكَ التَّخْرِيجُ عَلى حالِهِ قَبْلَ هَذا البَحْثِ أمْ لَمْ يُقْبَلْ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الدِّينُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ (بِمُخْلِصًا) الواقِعِ حالًا، والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيِ الدِّينُ مِنكَ أوْ تَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ أيْ دِينُكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ وصْفُ الدِّينِ بِالإخْلاصِ، وهو وصْفُ صاحِبِهِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ، وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإخْلاصِ بِالعِبادَةِ، وكَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ، فَهَلْ لَنا مِن أجْرٍ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لا، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُعْطِي التِماسَ الذِّكْرِ، فَهَلْ لَنا أجْرٌ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ إلّا مَن أخْلَصَ لَهُ“، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ » ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ في الآيَةِ الطّاعَةُ لا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن أنَّهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ الإسْلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ إلَخْ، تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ لِيُعْلَمَ مِنهُ حَقِّيَّةُ الإخْلاصِ وبُطْلانُ تَرْكِهِ، وفِيهِ مِن تَرْغِيبِ المُخْلِصِينَ وتَرْهِيبِ غَيْرِهِمْ ما لا يَخْفى، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ عامِرٍ، وكِنانَةَ، وبَنِي سَلِمَةَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، ويَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فالمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَنْهُمْ، أوْ عِبارَةٌ عَمّا يَعُمُّهُمْ، وأضْرابَهم مِن عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ الأوْلِياءُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ باطِلٍ، كالمَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والأصْنامِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ المُصَدَّرَةُ بِأنْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ مِن واوِ ﴿ اتَّخَذُوا ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إشْراكِهِمْ وعَدَمِ خُلُوصِ دِينِهِمْ، أيِ اتَّخَذُوا قائِلِينَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ: قالُوا، ويَكُونَ بَدَلًا مِنَ ﴿ اتَّخَذُوا ﴾ وأنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ ذَلِكَ، ويَكُونَ هو الخَبَرَ لِلْمَوْصُولِ، والجُمْلَةُ الآتِيَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ حِكايَةِ ما ذُكِرَ: فَماذا يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ؟

فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم إلَخْ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ، نَعَمْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ قالُوا: ﴿ ما نَعْبُدُهُمْ ﴾ الآيَةَ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ البَدَلِيَّةُ أوِ الخَبَرِيَّةُ، وقَدِ اعْتَرَضَ البَدَلِيَّةَ صاحِبُ الكَشْفِ، بِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ الإبْدالِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعادَةُ الحُكْمِ لِكَوْنِ الأوَّلِ غَيْرَ وافٍ بِالغَرَضِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، لا سِيَّما وحَذْفُ البَدَلِ ضَعِيفٌ، بَلْ يُنافِي في الغَرَضِ مِنَ الإتْيانِ بِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، ”وزلفى“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ، أيْ والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَعالى تَقْرِيبًا.

وقُرِئَ ”نُعْبِدُهُمْ“ بِضَمِّ النُّونِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ وبَيْنَ خُصَمائِهِمُ الَّذِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ لِلدِّينِ، وقَدْ حُذِفَ لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ ، عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، أيْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، وبَيْنَ غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النّابِغَةِ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلَ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ المُتَّخَذَيْنِ، وكَذا الكَلامُ في ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ أنَّهُ تَعالى يَفْصِلُ الخُصُومَةَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُخْلِصِينَ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإشْراكِ، وادَّعى كُلٌّ صِحَّةَ ما اتَّصَفَ بِهِ، بِإدْخالِ المُخْلِصِينَ المُوَحِّدِينَ الجَنَّةَ وإدْخالِ المُشْرِكِينَ النّارَ أوْ يُمَيِّزُهم سُبْحانَهُ تَمْيِيزًا يُعْلَمُ مِنهُ حالُ ما تَنازَعُوا فِيهِ بِذَلِكَ، والمَعْنى عَلى الثّانِي أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ بَيْنَ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ فِيما يَخْتَلِفُونَ حَيْثُ يَرْجُو العابِدُونَ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَتَبَرَّؤُونَ مِنهُمْ، ويَلْعَنُونَهُمْ، قالًا أوْ حالًا بِإدْخالِ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ المَعْبُودِينَ الجَنَّةَ، وإدْخالِ العابِدِينَ، ومَن لَيْسَ لَهُ أهْلِيَّةُ دُخُولِ الجَنَّةِ مِمَّنْ عُبِدَ كالأصْنامِ النّارَ، وإدْخالِ الأصْنامِ النّارَ لَيْسَ لِتَعْذِيبِها بَلْ لِتَعْذِيبِ عَبَدَتِها بِها، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُضْعِفُهُ.

وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ المَوْصُولِ السّابِقِ عِبارَةً عَنِ المَعْبُودِينَ عَلى حَذْفِ العائِدِ إلَيْهِ وإضْمارِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَعْوِيلًا عَلى دِلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفى، إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَبَدَتِهِمْ فِيما الفَرِيقانِ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، حَيْثُ يَرْجُو العَبَدَةُ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَلْعَنُوهم بِإدْخالِ ما هو مِنهم أهْلٌ لِلْجَنَّةِ الجَنَّةَ وإدْخالُ العَبَدَةِ مَعَ أصْنامِهِمُ النّارَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفاتِ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، كَيْفَ لا، ولَيْسَ فِيما ذُكِرَ مِن طَلَبِ الشَّفاعَةِ واللَّعْنِ مادَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيها الفَرِيقانِ اخْتِلافًا مُحْوِجًا إلى الحُكْمِ والفَصْلِ، فَإنَّما ذاكَ ما بَيْنَ فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ في الدُّنْيا مِنَ الاخْتِلافِ في الدِّينِ الباقِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

وقُرِئَ: ”ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا“ حِكايَةً لِما خاطَبُوا بِهِ آلِهَتَهم ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ لا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ الَّذِي هو طَرِيقُ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ ﴿ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ ومُوجِبٌ سَيِّئُ اسْتِعْدادِهِ، لِأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لِلِاهْتِداءِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَفِيضُ عَلى القَوابِلِ إلّا حَسَبَ القابِلِيّاتِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ، وهَذا هو الَّذِي حَتَّمَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِسَيِّئِ اسْتِعْدادِهِ بِالمُوافاةِ عَلى الضَّلالِ، قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: لا يَهْدِي إلى الجَنَّةِ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ في الدُّنْيا.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ مِمَّنْ هو كاذِبٌ كَفّارٌ قِيلَ: مَن يَعُمُّ أُولَئِكَ المُحَدَّثَ عَنْهم وغَيْرَهُمْ، وقِيلَ: أُولَئِكَ المُحَدَّثُ عَنْهم وكَذِبَهم في دَعْواهُمُ اسْتِحْقاقَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ، أوْ قَوْلُهم في بَعْضِ مَنِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ أنَّ المُتَّخَذَ ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَمَن هو كاذِبٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ أيِ المُتَّخِذِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ والكُفْرِ، وجُعِلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرَ ”كَذّابٌ كَفّارٌ“، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”كَذُوبٌ كَفُورٌ“، وحَمَلُوا الكاذِبَ هُنا عَلى الرّاسِخِ في الكَذِبِ لِهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، وكَذا حَمَلُوا الكُفْرَ عَلى كُفْرِ النِّعَمِ دُونَ الكُفْرِ في الِاعْتِقادِ لِقِراءَةِ زَيْدٍ، وذَكَرَ الإمامُ فِيهِ احْتِمالَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُمَرِ وهَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهِيَ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ  ﴾ الآياتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ إلى آخَرِ السُورَةِ هو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ فِيها: مَدَنِيٌ سَبْعُ آياتٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ ﴾ ﴿ ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفى إنَّ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا تَنْزِيلٌ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "تَنْزِيلَ" بِنَصْبِ اللامِ.

و"الكِتابِ" في قَوْلِهِ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ، ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللهِ مِنَ الكُتُبِ، كَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشارِعَةَ إنَّما تَنْزِيلُها مِنَ اللهِ، وجَعَلَ هَذا الإخْبارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ ، و"العَزِيزِ" في قُدْرَتِهِ، و"الحَكِيمِ" في ابْتِداعِهِ.

و"الكِتابَ" الثانِي هو القُرْآنُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: مُتَضَمِّنًا الحَقَّ، أيْ: بِالحَقِّ فِيهِ وفي أحْكامِهِ وأخْبارِهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ بِمَعْنى بِالِاسْتِحْقاقِ والوُجُوبِ وشُمُولِ المَنفَعَةِ لِلْعالَمِ في هِدايَتِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدِ اللهَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً جُمْلَةً مِنَ القَوْلِ عَلى جُمْلَةٍ وواصِلَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كالجَوابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ جُمْلَةٌ، كَأنَّهُ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، كَما لَوْ قالَ: الكِتابُ مُنَزَّلٌ، وفي الجُمَلِ الَّتِي هي ابْتِداءٌ وخَبَرٌ إبْهامٌ ما يُشْبِهُ الجَزاءَ، فَجاءَتِ الفاءُ كالجَوابِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ قائِمٌ فَأكْرِمْهُ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ التَقْدِيرُ: هَذِهِ خَوْلانُ.

و"مُخْلِصًا" حالٌ.

و"الدِينَ" نُصِبَ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ الأمْرُ بِتَحْقِيقِ النِيَّةِ لِلَّهِ في كُلِّ عَمَلٍ، و"الدِينَ" هُنا يَعُمُّ المُعْتَقَداتِ وأعْمالَ الجَوارِحِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِينُ الخالِصُ ﴾ بِمَعْنى: مِن حَقِّهِ ومِن واجِباتِهِ، لا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: "لِلَّهِ الحَمْدُ"، أيْ: واجِبًا ومُسْتَحَقًّا.

قالَ قَتادَةُ: ﴿ الدِينُ الخالِصُ ﴾ : لا إلَهَ إلّا اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ، تَقْدِيرُهُ: "يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهُمْ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ]، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

و"أولِياءَ" يُرِيدُ: مَعْبُودِينَ، وهَذِهِ مَقالَةٌ شائِعَةٌ في العَرَبِ، يَقُولُ كَثِيرٌ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ ونَحْنُ نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا"، وطائِفَةٌ مِنهم قالَتْ ذَلِكَ في أصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: قَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ في عُزَيْرَ، وقَوْمٌ مِنَ النَصارى في عِيسى، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [نَعْبُدُكُمْ] بِالكافِ، [لِتُقَرِّبُونا] بِالتاءِ.

و"زُلْفى" بِمَعْنى: قُرْبى وتَوْصِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: لِتُقَرِّبُونا إلى اللهِ تَقْرِيبًا، وكَأنَّ هَذِهِ الطَوائِفَ كُلَّها كانَتْ تَرى نُفُوسَها أقَلَّ مِن أنْ تَتَّصِلَ هي بِاللهِ، فَكانَتْ تَرى أنْ تَتَّصِلَ بِمَخْلُوقاتِهِ، و"زُلْفى" - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ: مُتَزَلِّفِينَ، والعامِلُ فِيهِ "تُقَرِّبُونا"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وفِيهِ خِلافٌ.

وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف للتخلص إلى استحقاقه تعالى الإِفراد بالعبادة وهو غرض السورة وأفاد التعليل للأمر بالعبادة الخالصة لله لأنه إذا كان الدين الخالص مستحقاً لله وخاصّاً به كان الأمر بالإِخلاص له مصيباً محزّه فصار أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخلاص العبادة له مسبباً عن نعمة إنزال الكتاب إليه ومقتضَى لكونه مُستحق الإِخلاص في العبادة اقتضاء الكلية لجزئياتها.

وبهذا العموم أفادت الجملة معنى التذييل فتحملت ثلاثة مواقع كلها تقتضي الفصل.

وافتتحت الجملة بأداة التنبيه تنويهاً بمضمونها لتتلقاه النفس بشَرَاشِرِها وذلك هو ما رجّح اعتبار الاستئناف فيها، وجعل معنى التعليل حاصلاً تبعاً من ذكر إخلاص عام بعد إخلاص خاص وموردهما واحد.

واللام في ﴿ لله الدينُ الخالصالدين * أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا ﴾ لام الملك الذي هو بمعنى الاستحقاق، أي لا يحقّ الدين الخالص، أي الطاعة غير المشوبة إلا له على نحو ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2].

وتقديم المسند لإِفادة الاختصاص فأفاد قوله: ﴿ لله الدينُ الخالِصُ ﴾ أنه مستحقه وأنه مختص به.

والدين: الطاعة كما تقدم.

والخالص: السالم من أن يشوبه تشريك غيره في عبادته، فهذا هو المقصود من الآية.

ومما يتفرع على معنى الآية إخلاص المؤمن الموحد في عبادة ربه، أي أن يعبد الله لأجله، أي طلباً لرضاه وامتثالاً لأمره وهو آيل إلى أحوال النية في العبادة المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكِحها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

وعرّف الغزالي الإِخلاص بأنه تجريد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب.

والإِخلاص في العبادة أن يكون الداعي إلى الإِتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي إرضاءَ الله تعالى، وهو معنى قولهم: لوجه الله، أي لقصد الامتثال بحيث لا يكون الحظ الدنيوي هو الباعث على العبادة مثل أن يعبد الله ليمدحه الناسُ بحيث لو تعطل المدح لترك العبادة.

ولذا قيل: الرياء الشرك الأصغر، أي إذا كان هو الباعث على العمل، ومثل ذلك أن يقاتل لأجل الغنيمة فلو أيس منها ترك القتال؛ فأما إن كان للنفس حظ عاجل وكان حاصلاً تبعاً للعبادة وليس هو المقصودَ فهو مغتفر وخاصة إذا كان ذلك لا تخلو عنه النفوس، أو كان مما يُعين على الاستزادة من العبادة.

وفي «جامع العتبية» في ما جاء من أن النية الصحيحة لا تبطلها الخَطرة التي لا تُملك.

حدث العتبي عن عيسى بن دينار عن ابن وهب عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليس من بني سَلِمَة إلا مقاتل، فمنهم من القتالُ طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل احتساباً، فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة؟

فقال: يا معاذ بنَ جبل: «من قاتل على شيء من هذه الخصال أصلُ أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقُتل فهو شهيد من أهل الجنة».

قال ابن رشد في «شرحه»: هذا الحديث فيه نص جليّ على أن من كان أصلُ عمله لله وعلى ذلك عقد نيته لم تضرّه الخطَرات التي تقع في القلب ولا تُملك، على ما قاله مالك خلافَ ما ذهب إليه ربيعةُ، وذلك أنهما سُئلا عن الرجل يُحِب أن يُلْقَى في طريق المسجد ويكره أن يلقَى في طريق السّوق فأنكر ذلك ربيعةُ ولم يعجبه أن يحب أحد أن يُرى في شيء من أعمال الخير.

وقال مالك: إذا كان أولُ ذلك وأصلُه لله فلا بأس به إن شاء الله قال الله تعالى: ﴿ وألقيت عليك محبة مني ﴾ [طه: 39]، وقال: ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين ﴾ [الشعراء: 84].

قال مالك: وإنما هذا شيء يكون في القلب لا يُملك وذلك من وسوسة الشيطان ليمنعه من العمل فمن وجد ذلك فلا يُكْسِلْه عن التمادي على فعل الخير ولا يؤيسه من الأجر وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع (أي إذا أراد تثبيطه عن العمل)، ويجدد النية فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء الله ا ه.

وذكر قبل ذلك عن مالك أنه رأى رجلاً من أهل مصر يَسأل عن ذلك ربيعة.

وذكر أن ربيعة أنكر ذلك.

قال مالك: فقلت له ما ترى في التهجير إلى المسجد قبل الظهر؟

قال: ما زال الصالحون يهجّرون.

وفي «جامع المعيار»: سئل مالك عن الرجل يذهب إلى الغزو ومعه فضل مال ليصيب به من فضل الغنيمة (أي ليشتري من الناس ما صحّ لهم من الغنيمة) فأجاب لا بأس به ونزع بآية التجارة في الحج قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ [البقرة: 198] وأن ذلك غير مانع ولا قادح في صحة العبادة إذا كان قصدُه بالعبادة وجهَ الله ولا يعد هذا تشريكاً في العبادة لأن الله هو الذي أباح ذلك ورفع الحرج عن فاعله مع أنه قال: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ [الكهف: 110] فدلّ أن هذا التشريك ليس بداخل بلفظه ولا بمعناه تحتَ آية الكهف ا ه.

وأقول: إن القصد إلى العبادة ليتقرب إلى الله فيسأله ما فيه صلاحه في الدنيا أيضاً لا ضير فيه، لأن تلك العبادة جعلت وسيلة للدعاء ونحوه وكل ذلك تقرب إلى الله تعالى وقد شرعت صلوات لكشف الضرّ وقضاء الحوائج مثل صلاة الاستخارة وصلاة الضرّ والحاجة، ومن المغتفر أيضاً أن يقصد العامل من عمله أن يدعو له المسلمون ويذكروه بخير.

وفي هذا المعنى قال عبد الله بن رَواحة رضي الله عنه حين خروجه إلى غزوة مؤتة ودعَا له المسلمون حين ودّعوه ولمن معه بأن يردّهم الله سالمين: لكنني أسألُ الرحمان مغفرة *** وضَربَةً ذاتَ فرععٍ يَقذف الزبدا أو طعنة من يدي حرّان مجهزةً *** بحَربة تنفُذ الأحشاءَ والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على حَدثي *** أرشَدَك الله من غَاز وقد رَشِدا وقد علمت من تقييدنا الحظ بأنه حظ دنيوي أن رجاء الثواب واتقاء العقاب هو داخل في معنى الإِخلاص لأنه راجع إلى التقرب لرضى الله تعالى.

وينبغي أن تعلم أن فضيلة الإِخلاص في العبادة هي قضية أخصّ من قضية صحة العبادة وإجزائها في ذاتها إذ قد تعرُو العبادة عن فضيلة الإِخلاص وهي مع ذلك صحيحة مجزئة، فللإخلاص أثر في تحصيل ثواب العمل وزيادته ولا علاقة له بصحة العمل.

وفي «مفاتيح الغيب»: وأما الإِخلاص فهو أن يكون الداعي إلى الإِتيان بالفعل أو الترك مجرد الانقياد فإن حصل معه داع آخر؛ فإمّا أن يكون جانب الداعي إلى الانقياد راجحاً على جانب الداعي المغاير، أو معادِلاً له، أو مرجوحاً.

وأجمعوا على أن المُعادل والمرجوح ساقط، وأمّا إذا كان الداعي إلى الطاعة راجحاً على جانب الداعي الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أو لا ا ه.

وذكر أبو إسحاق الشاطبي: أن الغزالي أي في كتاب النية من الربع الرابع من «الإِحياء» يذهب إلى أن ما كان فيه داعي غير الطاعة مرجوحاً أنه ينافي الإِخلاص.

وعلامته أن تصير الطاعة أخف على العبد بسبب ما فيها من غرض، وأن أبا بكر بن العربي أي في كتاب «سِراج المريدين» كما نقله في «المعيار» يذهب إلى أن ذلك لا يقدح في الإِخلاص.

قال الشاطبي: وكان مجال النظر في المسألة يلتفت إلى انفكاك القصدين أو عدم انفكاكهما، فالغزالي يلتفت إلى مجرد وجود اجتماع القصدين سواء كان القصدان مما يصح انفكاكهما أو لا، وابن العربي يلتفت إلى وجه الانفكاك).

فهذه مسألة دقيقة ألحقناها بتفسير الآية لتعلقها بالإِخلاص المراد في الآية، وللتنبيه على التشابه العارض بين المقاصد التي تقارن قصد العبادة وبين إشراك المعبود في العبادة بغيره.

﴿ الخالص والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ ألا لله الدينُ الخالِصُ ﴾ لزيادة تحقيق معنى الإِخلاص لله في العبادة وأنه خلوص كامل لا يشوبه شيء من الإِشراك ولا إشراك الذين زعموا أنهم اتخذوا أولياءَ وعبدوهم حرصاً على القرب من الله يزعمونه عذراً لهم فقولهم من فساد الوضع وقلببِ حقيقة العبادة بأن جعلوا عبادة غير الله وسيلة إلى القرب من الله فنقضوا بهذه الوسيلة مقصدها وتطلبوا القربة بما أبْعَدَها، والوسيلة إذا أفضت إلى إبطال المقصد كان التوسل بها ضرباً من العبث.

واسم الموصول مراد به المشركون وهو في محلّ رفع على الابتداء وخبره جملة ﴿ إنَّ الله يحكم بينهم ﴾ .

وجملة ﴿ ما نعبدهم ﴾ مقول لقول محذوف لأن نظمها يقتضي ذلك إذ ليس في الكلام ما يصلح لأن يعود عليه نون المتكلم ومعه غيره، فتعين أنه ضمير عائد إلى المبتدأ، أي هم المتكلمون به وبما يليه، وفعل القول محذوف وهو كثير، وهذا القول المحذوف يجوز أن يقدر بصيغة اسم الفاعل فيكون حالاً من ﴿ الذين اتخذوا ﴾ أي قائلين: ما نعبدهم، ويجوز أن يقدر بصيغة الفعل.

والتقدير: قالوا ما نعبدهم، وتكون الجملة حينئذٍ بدل اشتمال من جملة ﴿ اتَّخذوا ﴾ فإن اتخاذهم الأولياء اشتمل على هذه المقالة.

وقوله: ﴿ إنَّ الله يحكم بينهم ﴾ وعيد لهم على قولهم ذلك فعلم منه إبطال تعللهم في قولهم: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ﴾ لأن الواقع أنهم عبدوا الأصنام أكثر من عبادتهم لله.

فضمير ﴿ بينَهُمْ ﴾ عائد إلى الذين اتخذوا أولياء.

والمراد ب ﴿ ما هم فيه يختلفون ﴾ اختلاف طرائقهم في عبادة الأصنام وفي أنواعها من الأنصاب والملائكة والجنّ على اختلاف المشركين في بلاد العرب.

ومعنى الحكم بينهم أنه يبين لهم ضلالَهم جميعاً يوم القيامة إذ ليس معنى الحكم بينهم مقتضياً الحكم لفريق منهم على فريق آخر بل قد يكون الحكم بين المتخاصمين بإبطال دعوى جميعهم.

ويجوز أن يكون على تقدير معطوف على ﴿ بينهم ﴾ مماثل له دلت عليه الجملة المعطوف عليها وهي ﴿ ألا لله الدين الخالص ﴾ ، لاقتضائها أن الذين أخلصوا الدين لله قد وافقوا الحق فالتقدير يحكم بينهم وبين المخلصين على حدّ قول النابغة: فما كان بين الخير لو جاء سالماً *** أبو حُجر إلا لياللٍ قلائلُ تقديره: بين الخير وبيني بدلالة سياق الرثاء والتلهف.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاَّ ليقربونا ﴾ استثناء من علل محذوفة، أي ما نعبدهم لشيء إلا لعلة أن يقرّبونا إلى الله فيفيد قصراً على هذه العلة قصر قلب إضافي، أي دون ما شنعتم علينا من أننا كفرنا نعمة خالقنا إذ عبدنا غيره.

وقد قدمنا آنفاً من أنهم أرادوا به المعذرة ويكون في أداة الاستثناء استخدام لأن اللام المقدرة قبل الاستثناء لام العاقبة لا لام العلة إذ لا يكون الكفران بالخالق علة لعاقل ولكنه صائر إليه، فالقصر لا ينافي أنهم أعدوهم لأشياء أخر إذا عدوهم شفعاء واستنجدوهم في النوائب، واستقسموا بأزلامهم للنجاح، كما هو ثابت في الواقع.

والزلفى: منزلة القرب، أي ليقربونا إلى الله في منزلة القرب، والمراد بها منزلة الكرامة والعناية في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بمنازل الآخرة، ويكون منصوباً بدلاً من ضمير ﴿ ليُقربونا ﴾ بدل اشتمال، أي ليقربوا منزلتنا إلى الله.

ويجوز أن يكون ﴿ زلفى ﴾ اسم مصدر فيكون مفعولاً مطلقاً، أي قرباً شديداً.

وأفاد نظم ﴿ هُم فيه يختلفون ﴾ أمرين أن الاختلاف ثابت لهم، وأنه متكرر متجدد، فالأول من تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، والثاني من كون المسند فعلاً مضارعاً.

﴿ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب ﴾ .

يجوز أن يكون خبراً ثانياً عن قوله: ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ﴾ وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ﴾ وعن كونهم كفّارين بسبب ذلك، وكناية عن كونهم ضالّين.

ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً لأن قوله: ﴿ إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ﴾ يثير في نفوس السامعين سؤالاً عن مصير حالهم في الدنيا من جرَّاء اتخاذهم أولياءَ من دونه، فيجاب بأن الله لا يهدي مَن هو كاذب كفار، أي يذرهم في ضلالهم ويمهلهم إلى يوم الجزاء بعد أن بَيّن لهم الدين فخالفوه.

والمراد ب ﴿ مَن هو كاذبٌ كفَّارٌ ﴾ الذين اتخذوا من دونه أولياء، أي المشركين، فكان مقتضى الظاهر الإِتيان بضميرهم، وعدل عنه إلى الإضمار لما في الصلة من وصفهم بالكذب وقوة الكفر.

وهداية الله المنفية عنهم هي: أن يتداركهم الله بلطفه بخلق الهداية في نفوسهم، فالهداية المنفية هي الهداية التكوينية لا الهداية بمعنى الإِرشاد والتبليغ وهو ظاهر، فالمراد نفي عناية الله بهم، أي العناية التي بها تيسير الهداية عليهم حتى يهتدوا، أي لا يوفّقهم الله بل يتركهم على رأيهم غضباً عليهم.

والتعبير عنهم بطريق الموصولية لما في الموصول من الصلاحية لإِفادة الإِيماء إلى علة الفعل ليفيد أن سبب حرمانهم التوفيق هو كذبهم وشدة كفرهم.

فإن الله إذا أرسل رسوله إلى الناس فبلغهم كانوا عندما يبلغهم الرسول رسالةَ ربه بمستوى متحِد عند الله بما هم عبيد مربوبون ثم يكونون أصنافاً في تلقّيهم الدعوة؛ فمنهم طالب هداية بقبول ما فهمه ويسأل عما جهله، ويتدبر وينظر ويسأل، فهذا بمحل الرضى من ربه فهو يعينه ويشرح صدره للخير حتى يشرق باطنه بنور الإِيمان كما قال تعالى: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ [الأنعام: 125] وقال: ﴿ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم ﴾ [الحجرات: 7، 8].

ولا جرم أنه كلما توغّل العبد في الكذب على الله وفي الكفر به ازداد غضب الله عليه فازداد بُعد الهداية الإلهية عنه، كما قال تعالى: ﴿ كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حقٌّ وجَاءَهُمُ البينات والله لا يَهْدِي القومَ الظِّالِمِين ﴾ [آل عمران: 86].

والتوفيق: خلق القدرة على الطاعة فنفي هداية الله عنهم كناية عن نفي توفيقه ولطفه لأن الهداية مسببة عن التوفيق فعبر بنفي المسبب عن نفي السبب.

وكذبهم هو ما اختلقوه من الكفر بتأليه الأصنام، وما ينشأ عن ذلك من اختلاق صفات وهمية للأصنام وشرائع يدينون بها لهم.

والكَفَّار: الشديد الكفر البليغُة، وذلك كفرهم بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبالقرآن بإعراضهم عن تلقّيه، والتجرد عن الموانع للتدبر فيه.

وعلم من مقارنة وصفهم بالكذب بوصفهم بالأبلغية في الكفر أنهم متبالغون في الكذب أيضاً لأن كذبهم المذموم إنما هو كذبهم في كفرياتهم فلزم من مبالغة الكفر مبالغة الكذب فيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ يريد بالأولياء الشركاء المعبودين، ويحتمل أن يريد بالذين اتخذوا الكفار العابدين لهم، أو الشركاء المعبودين، والأول أظهر؛ لأنه يحتاج على الثاني إلى حذف الضمير العائد على الذين تقديره: الذين اتخذوهم، ويكون ضمير الفاعل في اتخذوا عائداً على غير مذكور، وارتفاع الذين على الوجهين بالابتداء وخبره إما قوله: ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أو المحذوف المقدر قبل قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ لأن تقديره: يقولون ما نعبدهم.

والأول أرجح؛ لأ، المعنى به أكمل ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ﴾ هذه الجملة في موضع معمول قول محذوف، والقول في موضع الحال أو في موضع بدل من صلة الذين، وقرأ ابن مسعود: قالوا ما نعبدهم بإظهار القول أي يقول الكفار: ما نعبد هؤلاء الآلهة إلا ليقربونا إلى الله ويشفعوا لنا عنده، ويعني بذلك الكفار الذين عبدوا الملائكة، أو الذين عبدوا الأصنام، أو الذين عبدوا عيسى أو عزير، فإن جميعهم قالوا هذه المقالة.

معنى زلفى: قربى فهو مصدر من يقربونا ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ إشارة إلى كذبهم في قولهم: ليقربونا إلى الله وقوله: لا يهدي في تأويله وجهان: أحدهما لا يهديه في حال كفره والثاني أن ذلك مختصّ بمن قضى عليه بالموت على الكفر، أعاذنا الله من ذلك.

وهذا تأويل: لا يهدي القوم الظالمين والكافرين حيثما وقع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألا لله الدين الخالي من الشرك، والذين اتخذوا من دون الله أولياء من الأوثان والطواغيت يعبدونهم من دون الله معتذرين عن عبادتهم لهم بقولهم: ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا إلى الله منزلة، ويرفعوا حوائجنا إليه، ويشفعوا لنا عنده؛ إن الله يحكم بين المؤمنين الموحدين وبين الكافرين المشركين يوم القيامة، فيما كانوا فيه يختلفون من التوحيد، إن الله لا يوفِّق للهداية إلى الحق من هو كاذب على الله ينسب له الشريك، كفور بنعم الله عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.kWzM4"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد