الآية ٤ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٤ من سورة الزمر

لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًۭا لَّٱصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة ، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير ، وعيسى فقال : ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ) أي : لكان الأمر على خلاف ما يزعمون .

وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه ، كما قال : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) [ الأنبياء : 17 ] ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) [ الزخرف : 81 ] ، كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم .

وقوله : ( سبحانه هو الله الواحد القهار ) أي : تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد ، فإنه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي كل شيء عبد لديه ، فقير إليه ، وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) يقول تعالى ذكره: لو شاء الله اتخاذ ولد, ولا ينبغي له ذلك, لاصطفى مما يخلق ما يشاء, يقول: لاختار من خلقه ما يشاء.

وقوله: ( سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) يقول: تنـزيها لله عن أن يكون له ولد, وعما أضاف إليه المشركون به من شركهم ( هُوَ اللَّهُ ) يقول: هو الذي يَعْبده كلّ شيء, ولو كان له ولد لم يكن له عبدا, يقول: فالأشياء كلها له ملك, فأنى يكون له ولد, وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه, والقهار لخلقه بقدرته, فكل شيء له متذلل, ومن سطوته خاشع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء أي لو أراد أن يسمي أحدا من خلقه بهذا ما جعله - عز وجل - إليهم .

سبحانه أي تنزيها له عن الولد هو الله الواحد القهار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } كما زعم ذلك من زعمه، من سفهاء الخلق.

{ لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } أي: لاصطفى بعض مخلوقاته التي يشاء اصطفاءه، واختصه لنفسه، وجعله بمنزلة الولد، ولم يكن حاجة إلى اتخاذ الصاحبة.{ سُبْحَانَهُ } عما ظنه به الكافرون، أو نسبه إليه الملحدون.{ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } أي: الواحد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، فلا شبيه له في شيء من ذلك، ولا مماثل، فلو كان له ولد، لاقتضى أن يكون شبيها له في وحدته، لأنه بعضه، وجزء منه.القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو كان له ولد لم يكن مقهورا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه.ووحدته تعالى وقهره متلازمان، فالواحد لا يكون إلا قهارا، والقهار لا يكون إلا واحدا، وذلك ينفي الشركة له من كل وجه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ) لاختار ، ( مما يخلق ما يشاء ) يعني : الملائكة ، كما قال : " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا " ( الأنبياء - 17 ) ثم نزه نفسه فقال : ) ( سبحانه ) تنزيها له عن ذلك ، وعما لا يليق بطهارته ، ( هو الله الواحد القهار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لو أراد الله أن يتخذ ولدا» كما قالوا: (اتخذ الرحمن ولدا) «لاصطفى مما يخلق ما يشاء» واتخذه ولدا غير من قالوا الملائكة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله «سبحانه» تنزيها له عن اتخاذ الولد «هو الله الواحد القهار» لخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاختار من مخلوقاته ما يشاء، تنزَّه الله وتقدَّس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، القهَّار الذي قهر خلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل خاضع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أبطل - سبحانه - كل تصور للشرك والشركاء ، بأن نزه - تعالى - ذاته عن اتخاذ الولد فقال : ( لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ) .أى : لو أراد الله - تعالى - على سبيل الفرض والتقدير - أن يتخذ ولدا ، لاختار من خلقه ما يريده هو ، لا ما يريده الضالون ، لكنه - سبحانه - لم يختر أحد اليكون ولدا له ، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات الله ، أو بأن عزيراً ابن الله ، أو بأن المسيح ابن الله .( سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ) أى : تنزه - عز وجل - عن كل شئ من ذلك ، فإنه هو الله الواحد فى ذاته وفى صفاته ، القهار لكل مخلوقاته .قال الإِمام ابن كثير : بيَّن - تعالى - فى هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين فى الملائكة ، والمعاندون من اليهود والنصارى فى العزيز وعيسى فقال : ( لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ) أى .

لكان الأمر على خلاف ما يزعمون .وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه ، كما قال : ( لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ) وكما قال : ( قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ) كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم .وقال بعض العلماء ما ملخصه : إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة ، لأن الإِرادة لا تتعلق إلا بالممكنات ، واتخاذ الولد محال ، كما ثبت بالبرهان القطعى فتستحيل إرادته .

وجعلها فى الآية شرطا وتعليق الجواب عليها ، لا يقتضى إمكانها فضلا عن وقوعها ، وقد عرف فى فصيح الكلام : تعليق المحال على المحال جوازا ووقوعا .على أن الولدية تقتضى التجانس بين الوالد والولد .

إذ هو قطعة منه .

وقد ثبت أن كل ما عداه - سبحانه - مخلوق له .

فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق ، وهو يستلزم حدوث الخالق ، أو قدم المخلوق ، وكلاهما محال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الفراء والزجاج: في رفع ﴿ تَنزِيلَ ﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ مِنَ الله العزيز الحكيم ﴾ خبر والثاني: أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب، فيضمر المبتدأ كقوله: ﴿ سورة أنزلناها  ﴾ أي هذه سورة، قال بعضهم: الوجه الأول لوجوه: الأول: أن الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة هاهنا الثاني: أنا إذا قلنا: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله ﴾ جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة، وهي أن تنزيل الكتاب يكون من الله، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث: أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر، لأن هذا إشارة إلى السورة، والسورة ليست نفس التنزيل، بل السورة منزلة، فحينئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة.

المسألة الثانية: القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق والجواب: أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف.

المسألة الثالثة: الآيات الكثيرة تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلاً وآيات أخر تدل على كونه منزلاً.

أما الأول: فقوله تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ، وقال: ﴿ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ وقال: ﴿ حمٓ  تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴾ .

وأما الثاني: فقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ وقال: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ  ﴾ وأنت تعلم أن كونه منزلاً أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلاً، فكونه منزلاً مجاز أيضاً لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول، بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى: عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة، العلم بجميع المعلومات، والقدرة على كل الممكنات، والاستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً.

إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما: أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني: أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيماً إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال: ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لفظ التنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله عليه نجماً على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله عليه دفعة واحدة فكيف الجمع بينهما والجواب: إن صح الفرق بين التنزيل وبين الإنزال من الوجه الذي ذكرتم فطريق الجمع أن يقال المعنى إنا حكمنا حكماً كلياً جزماً بأن يوصل إليك هذا الكتاب، وهذا هو الإنزال، ثم أوصلناه نجماً إليك على وفق المصالح وهذا هو التنزيل.

السؤال الثاني: ما المراد من قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ ؟

والجواب: فيه وجهان الأول: المراد أنزلنا الكتاب إليك ملتبساً بالحق والصدق والصواب على معنى كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف فهو حق وصدق يجب العمل به والمصير إليه الثاني: أن يكون المراد إنا أنزلنا إليك الكتاب بناء على دليل حق دل على أن الكتاب نازل من عند الله، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزاً لما عجزوا عن معارضته.

ثم قال: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين في قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب أردف هنا بعض ما فيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ ، وأما براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ لأن قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ﴾ يفيد الحصر، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في المذكور وينتفي عن غير المذكور، واعلم أن العبادة مع الإخلاص لا تعرف حقيقة إلا إذا عرفنا أن العبادة ما هي وأن الإخلاص ما هو وأن الوجوه المنافية للإخلاص ما هي فهذه أمور ثلاثة لابد من البحث عنها: أما العبادة: فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله.

وأما الإخلاص: فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والامتثال، فإن حصل منه داع آخر فإما أن يكون جانب الداعي إلى الطاعة راجحاً على الجانب الآخر أو معادلاً له أو مرجوحاً.

وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط، وأما إذا كان الداعي إلى طاعة الله راجحاً على الجانب الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أم لا، وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً ولفظ القرآن يدل على وجوب الإتيان به على سبيل الخلوص، لأن قوله: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ صريح في أنه يجب الإتيان بالعبادة على سبيل الخلوص وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ وأما بيان الوجوه المنافية للإخلاص فهي الوجوه الداعية للشريك وهي أقسام أحدها: أن يكون للرياء والسمعة فيه مدخل.

وثانيها: أن يكون مقصودة من الإتيان بالطاعة الفوز بالجنة والخلاص من النار.

وثالثها: أن يأتي بها ويعتقد أن لها تأثيراً في إيجاب الثواب أو دفع العقاب.

ورابعها: وهو أن يخلص تلك الطاعات عن الكبائر حتى تصير مقبولة، وهذا القول إنما يعتبر على قول المعتزلة.

المسألة الثانية: من الناس من قال: ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ المراد منه شهادة أن لا إله إلا الله، واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي» وهذا قول من يقول: لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر، وأما الأكثرون فقالوا الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي، وهذا هو الأولى لأن قوله: ﴿ فاعبد الله ﴾ عام، وروي أن امرأة الفرزدق لما قرب وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما صلى عليها ودفنت، قال للفرزدق: يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر؟

قال: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال الحسن رضي الله عنه: هذا العمود فأين الطنب؟

فبين بهذا أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة، قال القاضي: فأما ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي الدرادء: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجوراً عن الزنا والسرقة، وأن لا يكون متعدياً بفعلهما لأنه مع شدة شهوته للقبيح يعلم أنه لا يضره مع تمسكه بالشهادتين فكأن ذلك إغراء بالقبيح، والكل ينافي حكمة الله تعالى ولا يلزم أن يقال ذلك فالقول بأنه يزول ضرره بالتوبة يوجب أيضاً الإغراء بالقبيح، لأنا نقول إن من اعتقد أن ضرره يزول بالتوبة فقد اعتقد أن فعل القبيح مضرة إلا أنه يزيل ذلك الضرر بفعل التوبة بخلاف قول من يقول إن فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين.

هذا تمام كلام القاضي، فيقال له: أما قولك إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ  ﴾ أي حال ظلمهم كما يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أي حال كونه آكلاً وشارباً، وقال: ﴿ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً  ﴾ ، وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلاً، وهذا مذهب البغداديين من المعتزلة، وأنت لا تقول به، لأن مذهب البصريين أن عذاب المذنب جائز عقلاً، وأيضاً فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب ألبتة.

ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة، فأما في حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فقطع بحصول المغفرة في الجملة، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلاً فلا يكون الإغراء حاصلاً، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ الدين بالرفع، ثم قال: وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام لقوله تعالى: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ  ﴾ حتى يطابق قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ والخالص والمخلص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون، واعلم أن الضمير في قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها.

وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر، فهذا هو المراد من قولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ .

واعلم أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: الأول: أنه اقتصر في الجواب على مجرد التهديد فقال: ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهباً باطلاً وكان مصراً عليه، فالطريق في علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن قلبه، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه، فيكون هذا الطريق أفضى إلى المقصود.

والأطباء يقولون: لابد من تقديم المنضج على سقي المسهل فإن بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال، فإذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام، فكذلك هاهنا سماع التهديد والتخويف أولاً يجري مجرى سقي المنضج أولاً، وإسماع الدليل ثانياً يجري مجرى سقي المسهل ثانياً.

فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ ﴾ والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بقي محروماً عن الهداية، والمراد بهذا الكذب وصفهم لهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الاعتقاد، والأمر هاهنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر.

ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة، والسبب فيه أن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك الإنعام فالإشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سبحانه هُوَ الله الواحد القهار ﴾ والمراد من هذا الكلام: إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو اتخذ ولداً لما رضي إلا بأكمل الأولاد وهو الإبن فكيف نسبتم إليه البنت الثاني: أنه سبحانه واحد حقيقي والواحد الحقيقي يمتنع أن يكون له ولد، أما أنه واحد حقيقي فلأنه لو كان مركباً لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره، فكان يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يكون واجب الوجود لذاته، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه: الأول: أن الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه، ثم يحصل له صورة مساوية لصورة الوالد.

وهذا إنما يعقل في الشيء الذي ينفصل منه جزء والفرد المطلق لا يقال ذلك فيه الثاني: شرط الولد أن يكون مماثلاً في تمام الماهية للوالد فتكون حقيقة ذلك الشيء حقيقة نوعية محمولة على شخصين، وذلك محال لأن تعيين كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا يحصل من تلك الماهية إلا الشخص الواحد، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك الماهية كان ذلك التعيين معلوماً بسبب منفصل، فلا يكون إلهاً واجب الوجود لذاته.

فثبت أن كونه إلهاً واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحداً في حقيقته، وكونه واحداً في حقيقته يمنع من ثبوت الولد له، فثبت أن كونه واحداً يمنع من ثبوت الولد الثالث: أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لابد وأن يكونا من جنس واحد، فلو كان له ولد لما كان واحداً بل كانت زوجته من جنسه، وأما أن كونه قهاراً يمنع من ثبوت الولد له، فلأن المحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيحتاج إلى ولد يقوم مقامه، فالمحتاج إلى الولد هو الذي يكون مقهوراً بالموت، أما الذي يكون قاهراً ولا يقهره غيره كان الولد في حقه محالاً، فثبت أن قوله: ﴿ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ ألفاظ مشتملة على دلائل قاطعة في نفي الولد عن الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ قرئ: بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف.

أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، كما تقول: نزل من عند الله.

أو غير صلة، كقولك: هذا الكتاب من فلان إلى فلان، فهو على هذا خبر بعد خبر.

أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله، أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة، وبالنصب على إضمار فعل، نحو: اقرأ، والزم.

فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟

قلت: الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن، وعلى الثاني: أنه السورة ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر.

وقرئ: ﴿ الدين ﴾ بالرفع.

وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً- بفتح اللام- كقوله تعالى: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ [النساء: 146] حتى يطابق قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ والخالص والمخلص: واحد، إلاّ أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي.

كقولهم: شعر شاعر، وأما من جعل ﴿ مُخْلِصاً ﴾ حالاً من العابد، و ﴿ لَّهُ الدين ﴾ مبتدأ وخبراً، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر، لاطلاعه على الغيوب والأسرار، ولأنه الحقيق بذلك، لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها.

وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وعن الحسن: الإسلام ﴿ والذين اتخذوا ﴾ يحتمل المتخذين وهم الكفرة، والمتخذين، وهم الملائكة وعيسى واللات والعزّى: عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالضمير في ﴿ اتخذوا ﴾ على الأوّل راجع إلى الذين، وعلى الثاني إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم لكونه مفهوماً، والراجع إلى الذين محذوف والمعنى: والذين اتخذهم المشركون أولياء، ﴿ والذين اتخذوا ﴾ في موضع الرفع على الابتداء.

فإن قلت: فالخبر ما هو؟

قلت: هو على الأوّل إما ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أو ما أضمر من القول قبل قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ .

وعلى الثاني: أن الله يحكم بينهم.

فإن قلت: فإذا كان ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ الخبر، فما موضع القول المضمر؟

قلت: يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: قائلين ذلك.

ويجوز أن يكون بدلاً من الصلة فلا يكون له محلّ، كما أنّ المبدل منه كذلك.

وقرأ ابن مسعود بإظهار القول: ﴿ قالوا ما نعبدهم ﴾ وفي قراءة أبيّ: ما نعبدكم إلا لتقربونا على الخطاب، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم.

وقرئ: ﴿ نعبدهم ﴾ بضم النون اتباعاً للعين كما تتبعها الهمزة في الأمر، والتنوين في ﴿ عَذَاب اركض ﴾ والضمير في ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ لهم ولأوليائهم.

والمعنى: أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم.

واختلافهم: أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون، وأولئك يعادونهم ويلعنونهم، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى.

وقيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السموات والأرض، أقرّوا وقالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟

قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فالضمير في ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ عائد إليهم وإلى المسلمين.

والمعنى: أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين، والمراد بمنع الهداية: منع اللطف تسجيلاً عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين.

وقرئ: ﴿ كذاب وكذوب ﴾ وكذبهم: قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله، ولذلك عقبه محتجاً عليهم بقوله: ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ يعني: لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصحّ، لكونه محالاً؛ ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصمهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه.

وقد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم أولاده، جهلاً منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولاداً، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعتلموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته، غالين في الكفر، ثم قال: ﴿ سبحانه ﴾ فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء.

ودلَّ على ذلك بما ينافيه، وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبة؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه ولا جنس له؛ وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة ﴾ [الأنعام: 101] .

وقهار غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ كَما زَعَمُوا ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقُهُ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى امْتِناعِ وُجُودِ واجِبَيْنِ ووُجُوبِ اسْتِنادِ ما عَدا الواجِبَ إلَيْهِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ المَخْلُوقَ لا يُماثِلُ الخالِقَ فَيَقُومُ مَقامَ الوالِدِ لَهُ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَتْبَعُ الوُجُوبَ المُسْتَلْزِمَ لِلْوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، وهي تُنافِي المُماثَلَةَ فَضْلًا عَنِ التَّوالُدِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المِثْلَيْنِ مُرَكَّبٌ مِنَ الحَقِيقَةِ المُشْتَرَكَةِ، والتَّعَيُّنُ المَخْصُوصُ والقَهارِيَّةُ المُطْلَقَةُ تُنافِي قَبُولَ الزَّوالِ المُحْوِجِ إلى الوَلَدِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ ﴾ يَغْشى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ كَأنَّهُ يَلُفُّهُ عَلَيْهِ لَفَّ اللِّباسِ بِاللّابِسِ، أوْ يُغَيِّبُهُ بِهِ كَما يَغِيبُ المَلْفُوفُ بِاللُّفافَةِ، أوْ يَجْعَلُهُ كارًّا عَلَيْهِ كُرُورًا مُتَتابِعًا تَتابُعَ أكْوارِ العِمامَةِ.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو مُنْتَهى دَوْرِهِ أوْ مُنْقَطَعِ حَرَكَتِهِ.

﴿ ألا هو العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ الغَفّارُ ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْ بِالعُقُوبَةِ وسَلْبِ ما في هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَنفَعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء لا ما تختارون أنتم وتشاؤون {سبحانه} نزه ذاته عن أن يكون له أخذ ما نسبوا إليه من الأولياء والأولاد ودل على ذلك بقوله {هُوَ الله الواحد القهار} يعني أنه واحد متبريء عن انضمام الأعداد متعال عن التجزؤ والولاد قهار غلاب لكل شيء ومن الأشياء آلهتهم فأنى يكون له أولياء وشركاء ثم دل بخلق السموات والأرض وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر وتسخير النيرين وجريهما لأجل مسمى وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وعِيسى ابْنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ لِيَنْدَرِجَ فِيهِ اسْتِحالَةُ ما قِيلَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَتْ تِلْكَ الإرادَةُ لِتَعَلُّقِها بِالمُمْتَنِعِ أعْنِي الِاتِّخاذَ، لَكِنْ لا يَجُوزُ لِلْبارِي إرادَةٌ مُمْتَنِعَةٌ، لِأنَّها تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ.

وأصْلُ الكَلامِ: لَوِ اتَّخَذَ الوَلَدَ لامْتَنَعَ لِاسْتِلْزامِهِ ما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، فَعَدَلَ إلى لَوْ أرادَ الِاتِّخاذَ لامْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ لِيَكُونَ أبْلَغَ وأبْلَغَ ثُمَّ حُذِفَ هَذا الجَوابُ وجِيءَ بَدَلَهُ لاصْطَفى، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُمْكِنَ هَذا لا الأوَّلُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ هَذا مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ في شَيْءٍ لَجازَ الوَلَدُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَأْنُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّلازُمُ وحَقَّ نَفْيُ اللّازِمِ وإثْباتُ المَلْزُومِ، دُونَ صُعُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الصِّحَّةِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن تَقْدِيرَيِ الإرادَةِ وعَدَمِها مِن بابِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَلا يُنْفى الثّانِي إذْ ذاكَ، ولا يَحْتاجُ إلى بَيانِ المُلازَمَةِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ فالمُمْكِنُ الِاصْطِفاءِ، وقَدِ اصْطَفى سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ مَن شاءَ كالمَلائِكَةِ، وعِيسى، وذَهَبَ عَلَيْكم أنَّ الِاصْطِفاءَ لَيْسَ بِاتِّخاذٍ، والجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما يُفِيدُ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ (لاصْطَفى) هو الجَوابَ عَلَيْهِ لِصَيْرُورَةِ المَعْنى حِينَئِذٍ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لاصْطَفى، ولَوْ لَمْ يُرِدْ لاصْطَفى، مِن طَرِيقِ الأوْلى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ إثْباتُ الِاصْطِفاءِ هو المَطْلُوبُ مِنَ الإيرادِ، كَما أنَّ التَّمَدُّحَ بِنَفْيِ العِصْيانِ في مِثالِ البابِ هو المَطْلُوبُ، ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ هو مِن أُسْلُوبِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَجَعَلَ المَخْلُوقَ ولَدًا، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، والتّالِي مُحالٌ لِلْمُبايَنَةِ التّامَّةِ بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، والوَلَدِيَّةُ تَأْبى تِلْكَ المُبايَنَةَ، فالمُقَدَّمُ مِثْلُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ عَلى مَعْنى: لاتَّخَذَهُ ابْنًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ وما تَقَدَّمَ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ الَّتِي نَبَّهْتُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ تَعالى، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أيْ تَنَزُّهُهُ الخاصُّ بِهِ تَعالى عَلى أنَّ سُبْحانَهُ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ، إذا بَعُدَ أوْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِهِ، لِأنَّهُ عَلَمُ التَّسْبِيحِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي تَبَعُّضًا، وانْفِصالَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وكَذا يَقْتَضِي المُماثَلَةَ بَيْنَ الوَلَدِ والوالِدِ، والوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي هي في أعْلى مَراتِبِ الوَحْدَةِ الواجِبَةِ لَهُ تَعالى بِالبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ تَأْبى التَّبَعُّضَ والِانْفِصالَ إباءً ظاهِرًا، لِأنَّهُما مِن خَواصِّ الكَمِّ، وقَدِ اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ سَلْبُهُ، فَتَأْبى الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ، وكَذا تَأْبى المُماثَلَةَ، سَواءٌ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ كالجُبّائِيُّ وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ، وهي المُشارَكَةُ في أخَصِّ صِفاتِ الذّاتِ كَمُشارَكَةِ زَيْدٍ لِعَمْرٍو في النّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الماتُرِيدِيَّةِ، وهي المُشارَكَةُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ كَمُشارَكَتِهِ لَهُ في الحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ، وهو التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُ نَحْوُ ما مَرَّ عَنِ الماتُرِيدِيِّ، وإلّا فَمَعَ التَّساوِي مِن كُلِّ وجْهٍ يَنْتَفِي التَّعَدُّدُ فَيَنْتَفِي التَّماثُلُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوا مِن أنَّ الوَحْدَةَ الذّاتِيَّةَ كَما تَقْتَضِي نَفْيَ الأبْعاضِ المِقْدارِيَّةِ تَقْتَضِي نَفْيَ الكَثْرَةِ العَقْلِيَّةِ، وأنَّ التَّماثُلَ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ، وهو يَقْتَضِي ثُبُوتَ الأجْزاءِ المَذْكُورَةِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ، وكَلامٌ غَيْرُ قَلِيلٍ، وسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ، فالأوْلى أنْ يَقْتَصِرَ عَلى مُنافاةِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ لِلتَّبَعُّضِ والِانْفِصالِ لِاسْتِلْزامِهِما التَّرَكُّبَ الخارِجِيَّ، والحُكَماءُ والمُتَكَلِّمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ في حَقِّهِ تَعالى، ودَلِيلُها أظَهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وكَذا وصْفُ القَهّارِيَّةِ يَأْبى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وقُرِّرَ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ، فَقِيلَ: وجْهُ إبائِها ذَلِكَ أنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي الغِنى الذّاتِيَّ الَّذِي هو أعْلى مَراتِبِ الغِنى، وهو يَقْتَضِي التَّجَرُّدَ عَنِ المادَّةِ، وتَوَلُّدَ الوَلَدِ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِيها، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي كَمالَ الغِنى، وهو يَقْتَضِي كَمالَ التَّجَرُّدِ الَّذِي هو البَساطَةُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَلا يَكُونُ هُناكَ جِنْسٌ وفَصْلٌ ومادَّةٌ وصُورَةٌ وأعْراضٌ وأبْعاضٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالبَساطَةِ الكامِلَةِ الحَقِيقِيَّةِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ لِما فِيهِ مِنَ الانْفِصالِ والمِثْلِيَّةِ مُخِلٌّ بِتِلْكَ البَساطَةِ، فَيُخِلُّ بِالغِنى، فَيُخِلُّ بِالقَهّارِيَّةِ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ الغِنى يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ولَدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ ﴾ وقِيلَ: إنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي انْفِصالَ شَيْءٍ عَنْهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُتَأثِّرًا مَقْهُورًا لا مُؤَثِّرًا قَهّارًا، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَحَيْثُ كانَ - جَلَّ وعَلا - قَهّارًا كَما هو مُقْتَضى الأُلُوهِيَّةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولَدٌ، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلزَّوالِ لِأنَّ القَهّارَ لَوْ قَبِلَهُ كانَ مَقْهُورًا، إذِ المُزِيلُ قاهِرٌ لَهُ، ولِذا قِيلَ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.

والوَلَدُ مِن أعْظَمِ فَوائِدِهِ عِنْدَهم قِيامُهُ مَقامَ الأبِ بَعْدَ زَوالِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الزَّوالُ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى الوَلَدِ، وهَذا مَعَ كَوْنِهِ إلْزامِيًّا لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما لا يَخْفى.

والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ ﴾ إلَخْ، مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ مُقَرِّرُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى ولِيٌّ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ولَعَلَّ بَيانَ ذَلِكَ لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي سبعون وخمس آيات وهي مكية قول الله تبارك وتعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ يعني: القرآن صار رفعاً بالابتداء، وخبره من الله تعالى.

أي: نزل الكتاب مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ بالنقمة الْحَكِيمِ في أمره.

ومعناه: نزل جبريل بهذا القرآن من عند الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقال بعضهم: صار رفعاً لمضمر فيه.

ومعناه: هذا الكتاب تنزيل.

قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يعني: أنزلنا إليك جبريل بالكتاب بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: استقم على التوحيد، وعلى عبادة الله تعالى مخلصاً، وإنما خاطبه، والمراد به قومه.

يعني: وحدوا الله تعالى، ولا تقولوا مع الله شريكاً.

ثم قال: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ يعني: له الولاية، والوحدانية.

ويقال: له الدين الخالص، والخالص هو دين الإسلام.

فلا يقبل غيره من الأديان، لأن غيره من الأديان ليس هو بخالص سوى دين الإسلام.

قوله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: عبدوا من دونه أرباباً، وأوثاناً، مَا نَعْبُدُهُمْ على وجه الإضمار.

قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ يعني: يقولون ما نعبدهم.

وروي عن عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، أنهما كانا يقرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قالوا: ما يعبدهم بالياء، وقراءة العامة مَا نَعْبُدُهُمْ على وجه الإضمار، لأن في الكلام دليلاً عليه إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يعني: ليشفعوا لنا، ويقربونا عند الله.

ويقال: لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يعني: منزلة.

يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يعني: يقضي بينهم يوم القيامة فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي أي: لا يرشد إلى دينه مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ في قوله: الملائكة بنات الله وعيسى ابن الله كَفَّارٌ يعني: كفروا بالله بعبادتهم إياهم.

ويقال: معناه لا يوفق لتوحيده من هو كاذب على الله، حتى يترك كذبه، ويرغب في دين الله.

لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما قلتم لَاصْطَفى يعني: لاختار من الولد مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ من خلقه إن فعل ذلك.

ثم قال: سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد، وعن الشرك، هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني: الذي لا شريك له الْقَهَّارُ يعني: القاهر لخلقه.

ثم بيّن ما يدل على توحيده، ويعجز عنه المخلوقون.

قوله عز وجل: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني: للحق، ولم يخلقهما باطلاً لغير شيء يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ قال مجاهد: يعني: يدهور الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يعني: يدهور النهار على الليل.

وقال مقاتل يُكَوِّرُ يعني: يسلط عليه، وهو انتقاص كل واحد منهما من صاحبه.

وقال الكلبي: يُكَوِّرُ يعني: يزيد من النهار في الليل، فيكون اللَّيل أطول من النهار، ويزيد من الليل في النهار، فيكون النهار أطول من الليل.

هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا.

وقال القتبي يُكَوِّرُ يعني: يدخل هذا على هذا.

وأصل التكوير اللف، والجمع، ومنه كور العمامة ومنه قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) [التكوير: 1] وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذلل ضوء الشمس، والقمر، للخلق كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى أقصى منازله.

ويقال: إلى يوم القيامة.

أَلا هُوَ الْعَزِيزُ يعني: الْعَزِيزُ بالنقمة لمن لم يتب الْغَفَّارُ لمن تاب.

ويقال: الْعَزِيزُ في ملكه.

الْغَفَّارُ لخلقه بتأخير العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي «١» يَطولُ، فيستتر فيه.

وقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها قيل: «ثُمَّ» هنا:

لترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ «٢» ، وقيل: قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ: هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، ت: وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ.

وقوله سبحانه: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ قالت فرقة: الأولى هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره: هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ «٣» ، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام.

وقوله سبحانه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ...

الآية، قال ابن عبّاس: هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الزُّمَرِ وَتُسَمّى سُورَةُ الغُرَفِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: قَوْلُهُ: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا.

.

.

﴾ الآَيَةُ [الزُّمَرِ: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ  ﴾ .

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: فِيها آَيَتانِ مَدَنِيَّتانِ ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ  ﴾ .

وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: فِيها ثَلاثُ آَياتٍ مَدَنِيّاتٍ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الكِتابُ هاهُنا القُرْآَنُ، ورَفْعُ "تَنْزِيلُ" مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ ، فالمَعْنى: نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والثّانِي: عَلى إضْمارِ: هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ؛ و ﴿ مُخْلِصًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ فالمَعْنى: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ يَعْنِي: الخالِصُ مِنَ الشِّرْكِ، وما سِواهُ لَيْسَ بِدِينِ اللَّهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ [وَقِيلَ]: المَعْنى: لا يَسْتَحِقُّ الدِّينَ الخالِصَ إلّا الِلَّهُ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنى آَلِهَةً، ويَدْخَلُ في هَؤُلاءِ اليَهُودُ حِينَ قالُوا: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ والنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ وجَمِيعُ عُبّادِ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَعْبُدُهُمْ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم ﴿ إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ أيْ: إلّا لِيَشْفَعُوا لَنا إلى اللَّهِ.

والزُّلْفى: القُرْبى، وهو اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَقْرِيبًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما كانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ: لا يُرْشِدُ ﴿ مَن هو كاذِبٌ ﴾ في قَوْلِهِ: إنَّ الآَلِهَهُ تَشْفَعُ ﴿ كَفّارٌ ﴾ أيْ: كافِرٌ بِاتِّخاذِها آَلِهَةً، وهَذا إخْبارٌ عَمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ.

﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ \[أيْ\]: عَلى ما يَزْعُمُ مَن يُنْسَبُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ ﴿ لاصْطَفى ﴾ أيْ: لاخْتارَ مِمّا يَخْلُقُ.

قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ  ﴾ ﴿ لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَيْلَ عَلى النَهارِ ويُكَوِّرُ النَهارِ عَلى اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ مَعْناهُ: اتِّخاذُ التَشْرِيفِ والتَبَنِّي، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ﴾ ، وأمّا الِاتِّخاذُ المَعْهُودُ بِالتَوالُدِ فَمُسْتَحِيلٌ أنْ يُتَوَهَّمَ في جِهَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ مَعْنى قَوْلِهِ: "لاصْطَفى".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا  ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ اتِّخاذَ النَسْلِ واتِّخاذَ الأصْفِياءِ، فَأمّا الأوَّلُ فَمَعْقُولٌ، وأمّا الثانِي فَمَعْرُوفٌ بِخَبَرِ الشَرْعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى هُنا الِاصْطِفاءُ والتَبَنِّي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا يَخْلُقُ ﴾ ، أيْ: مِن مَوْجُوداتِهِ ومُحْدَثاتِهِ.

ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما لا يَكُونُ مِدْحَةً.

واتِّصافُهُ تَعالى بِالقَهّارِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ إنِ اتَّصَفَ بِالقَهْرِ فَمُقَيَّدٌ في أشْياءَ قَلِيلَةٍ، وهَوَ في حَيِّزِ قَهْرِهِ لِغَيْرِهِ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: بِالواجِبِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ الجامِعِ لِلْمَصالِحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَيْلَ ﴾ مَعْناهُ: يُعِيدُ مِن هَذا عَلى هَذا، ومِنهُ: كَوَّرَ العِمامَةَ الَّتِي يَلْتَوِي بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكَأنَّ الَّذِي يَطُولُ مِنَ النَهارِ أوِ اللَيْلِ يَصِيرُ مِنهُ عَلى الآخَرِ جُزْءٌ فَيَسْتُرُهُ، وكَأنَّ الآخَرَ الَّذِي يَقْصُرُ يَلِجُ في الَّذِي يُطُولُ فَيَسْتَتِرُ فِيهِ، فَيَجِيءُ "يُكَوِّرُ" - عَلى هَذا - مُعادِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: "يُولِجُ"، ضِدًّا لَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مِن قَوْلِهِ تَقْرِيرٌ لا تَحْرِيرٌ.

وتَسْخِيرُ الشَمْسِ) دَوامُها عَلى الجَرْيِ واتِّساقُ أمْرِها عَلى ما شاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، و"الأجَلُ المُسَمّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْفَسِدُ البِنْيَةُ ويَزُولُ جَرْيُ هَذِهِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أوقاتَ رُجُوعِها إلى قَوانِينِها كُلَّ شَهْرٍ في القَمَرِ، وسَنَةٍ في الشَمْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية موقع الاحتجاج على أن المشركين كاذبون وكفّارون في اتخاذهم أولياء من دون الله، وفي قولهم: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ﴾ [الزمر: 3] وأن الله حرمهم الهدى وذلك ما تضمنه قوله قبله: ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3]، فقصد إبطال شركهم بإبطال أقواه وهو عدّهم في جملة شركائهم شركاءَ زعموا لهم بنوّة لله تعالى، حيث قالوا: ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116] فإن المشركين يزعمون اللاتَ والعزى ومناةَ بناتتِ الله قال تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى ﴾ [النجم: 19 21].

قال في «الكشاف» هنالك: «كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام (يعني هذه الثلاثة) بناتُ الله» وذكر البغوي عن الكلبي كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله فخص الاعتقاد بأهل مكة، والظاهر أن ذلك لم يقولوه في غير اللات والعزّى ومناةَ، لأن أسماءها مؤنثة، وإلاّ فإن في أسماء كثير من أسماء أصنامهم ما هو مذكّر نحو ذي الخَلَصة، وذكر في «الكشاف» عند ذكر البسملة أنهم كانوا يقولون عند الشروع في أعمالهم: باسم اللات، باسم العزّى.

فالمقصود من هذه الآية إبطال إلهية أصنام المشركين على طريقة المذهب الكلامي.

واعلم أن هذه الآية والآيات بعدها اشتملت على حجج انفراد الله.

ومعنى الآية: لو كان الله متخذاً ولداً لاختار من مخلوقاته ما يشاء اختياره، أي لاختار ما هو أجدر بالاختيار ولا يختار لبنوته حجارة كما زعمتم لأن شأن الاختيار أن يتعلق بالأحسن من الأشياء المختار منها فبطل أن تكون اللاتُ والعُزّى ومناةُ بناتتٍ لله تعالى، وإذا بطل ذلك عنها بطل عن سائر الأصنام بحكم المساواة أو الأحرى، فتكون ﴿ والذين اتَّخذوا من دونه إولياء ما نعبدهم ﴾ إلى قوله: ﴿ كَفَّار ﴾ [الزمر: 3].

وليس هو إبطالاً لمقالة بعض العرب: إن الملائكة بنات الله، لأن ذلك لم يكن من عقيدة المشركين بمكة الذين وجه الخطاب إليهم، ولا إبطالاً لبنوة المسيح عند النصارى لأن ذلك غير معتقَد عند المشركين المخاطبين ولا شعور لهم به، وليس المقصود محاجّة النصارى ولم يتعرض القرآن المكي إلى محاجّة النصارى.

واعلم أنه بني الدليل على قاعدة استحالة الولد على الله تعالى إذ بُني القياس الشرطي على فرض اتخاذ الولد لا على فرض التولّد، فاقتضى أن المراد باتخاذ الولد التبنّي لأن إبطال التبنّي بهذا الاستدلال يستلزم إبطال تولد الابن بالأولى.

وعزز المقصود من ذكر فعل الاتخاذ بتعقيبه بفعل الاصطفاء على طريقة مجاراة الخصم المخطئ ليغير في مهواة خطئه، أي لو كان لأحد من الله نسبة بنوة لكانت تلك النسبة التبنِّيَ لا غير إذ لا تتعقل بنوة لله غير التبنّي ولو كان الله متبنِّياً لاختار ما هو الأليق بالتبنّي من مخلوقاته دون الحجارة التي زعمتموها بنات لله.

وإذا بطلت بنوة تلك الأصنام الثلاثة المزعومة بطلت إلهية سائر الأصنام الأخرى التي اعترفوا بأنها في مرتبة دون مرتبة اللات والعزّى ومناة بطريق الأوْلى واتفاققِ الخصمين فقد اقتضى الكلام دليلين: طوي أحدهما وهو دليل استحالة الولد بالمعنى الحقيقي عن الله تعالى، وذكر دليل إبطال التبنّي لما لا يليق أن يتبناه الحكيم.

هذا وجه تفسير هذه الآية وبيان وقعها مما قبلها وبه تخرج عن نطاق الحيرة التي وقع فيها المفسرون فسلكوا مسالك تعسف في معناها ونظمها وموقعها، ولم يتم لأحد منهم وجه الملازمة بين شرط ﴿ لو وجوابها، وسكت بعضهم عن تفسيرها.

فوقع في الكشاف ﴾ ما يفيد أن المقصود نفي زعم المشركين بنوة الملائكة وجعل جواب وللتفتزاني بحث يقتضي عدم استقامة تقرير الكشاف } لدليل شرط ﴿ لو وجوابه، واستظهر أن لو صهيبية تبعاً لتقرير ذكره صاحب الكشف ﴾ .

وبعد فإن كلام صاحب «الكشاف» يجعل هذه الآية منقطعة عن الآيات التي قبلها، فيجعلُها بمنزلة غرض مستأنف مع أن نظم الآية نظم الاحتجاج لا نظم الإِفادة، فكان محمل «الكشاف» فيها بعيداً.

ومع قطع النظر عن هذا فإن في تقرير الملازمة في الاستدلال خفاء وتعسفاً كما أشار إليه الشَقَّار في كتابه «التقريب مختصرِ الكشاف».

وقال ابن عطية: معنى اتخاذ الولد اتخاذ التشريف والتبنّي وعلى هذا يستقيم قوله: ﴿ لاصطفى ﴾ وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد (يعني اتخاذ النسل) فمستحيل أن يتوهم في جهة الله ولا يستقيم عليه قوله: ﴿ لاصطفى ﴾ .

ومما يدل على أن معنى أن يتخذ الاصطفاء والتبني قوله: ﴿ ممَّا يَخْلُقُ ﴾ أي من محداثته ا ه وتبعه عليه الفخر.

وبنى عليه صاحب «التقريب» فقال عقب تعقب كلام «الكشاف» «والأولى ما قيل: لو أراد أن يتخذ ولداً كما زعمتم لاختار الأفضل (أي الذكور) لا الأنقص وهنّ الإِناث».

وقال التفتزاني في «شرح الكشاف»: هذا معنى الآية بحسب الظاهر، وذكر أن صاحب «الكشاف» لم يسلكه للوجه الذي ذكره التفتزاني هناك.

والذي سلكه ابن عطية وإن كان أقرب وأوضح من مسلك «الكشاف» في تقرير الدليل لكنه يشاركه في أنه لا يصل الآية بالآيات التي قبلها وبنبغي أن لا تقطع بينها الأواصر، وكم ترك الأول للآخر.

وجملة ﴿ سبحانه ﴾ تنزيه له عما نسبوه إليه من الشركاء بعد أن أبطله بالدليل الامتناعي عوداً إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذي فارقه من قوله: ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ [الزمر: 2].

وجملة ﴿ هو الله الواحد القهَّارُ ﴾ دليل للتزيه المستفاد من ﴿ سبحانه ﴾ .

فجملة ﴿ هُوَ الله ﴾ تمهيد للوصفين، وذِكر اسمه العلم لإِحضاره في الأذهان بالاسم المختص به فلذلك لم يقل: هو الواحد القهّار كما قال بعدُ: ﴿ ألا هوَ العزيزُ الغفَّارُ ﴾ [الزمر: 5].

وإثبات الوحدانية له يبطل الشريك في الإلهية على تفاوت مراتبه، وإثبات ﴿ القَهَّارُ ﴾ يبطل ما زعموه من أن أولياءهم تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم.

والقهر: الغلبة، أي هو الشديد الغلبة لكل شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الزُّمَرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ إحْداهُما ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ ، والأُخْرى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ الآيَةَ وقالَ آخَرُونَ إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلى آخِرِ السَّبْعِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ.

﴿ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَزِيزُ في مُلْكِهِ الحَكِيمُ في أمْرِهِ.

الثّانِي: العَزِيزُ في نِقْمَتِهِ الحَكِيمُ في عَدْلِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْلاصُ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إخْلاصُ النِّيَّةِ لِوَجْهِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: العِبادَةُ.

﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: ما لا رِياءَ فِيهِ مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَعْبُدُونَها.

﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ هَذِهِ لِأوْثانِهِمْ وقالَ مَن قَبْلَهم ذَلِكَ لِمَن عَبَدُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ وعِيسى، أيْ عِبادَتُنا لَهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الزُّلْفى الشَّفاعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها المَنزِلَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها القُرْبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ يعني القرآن ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى ﴾ قال: ما نعبد هذه الآلهة إلا ليشفعوا لنا عند الله تعالى.

وأخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي رضي الله عنه، «أن رجلاً قال: يا رسول الله انا نعطي أموالنا التماس الذكر، فهل لنا في ذلك من أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبل إلا من أخلص له.

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ألا لله الدين الخالص ﴾ » .

وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء...

﴾ قال: أنزلت في ثلاثة أحياء: عامر، وكنانة، وبني سلمة.

كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون الملائكة بناته.

فقالوا ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ قال: قريش يقولون للأوثان، ومن قبلهم يقولونه للملائكة ولعيسى ابن مريم ولعزيز.

وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد رضي الله عنه قال كان عبد الله رضي الله عنه يقرأ ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأها ﴿ قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ الولد يكون على وجهين: أحدهما بالولادة الحقيقية وهذا محال على الله تعالى؛ لا يجوز في العقل والثاني التبني بمعنى الاختصاص والتقريب، كما يتخذ الإنسان ولد غيره ولداً لإفراط محبته له، وذلك ممتنع على الله بإخبار الشرع فإن قوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ [مريم: 92] يعم نفي الوجهين، فمعنى الآية على ما أشار إليه ابن عطية: لو أراد الله أن يتخذ ولداً على وجه التبني لاصطفى لذلك مما يخلق من موجوداته ومخلوقاته، ولكنه لم يرد ذلك ولا فعله، وقال الزمخشري: معناه لو أراد الله اتخاذ الولد لا متنع ذلك، ولكنه يصطفي من عباده من يشاء على وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولداً، فاصطفى الملائكة وشرفهم بالتقريب، فحسب الكفار أنه أولاده، ثم زادوا على ذلك أن جعلوهم إناثاً، فأفرطوا في الكفر والكذب على الله وملائكته.

﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ نزه تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد؛ لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد لأنه لو كان له ولد لكان من جنسه، ولا جنس له لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار؛ ليدل على نفي الشركاء والأنداد، لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكاً له؟

ثم أتبع ذلك بما ذكره من خلقه السموات والأرض وما بينهما، ليدل على وحدانيته وقدرته وعظمته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.

الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.

وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه {  } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.

وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.

وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.

تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.

وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.

وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.

والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.

ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.

أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.

وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.

وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.

وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.

وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.

وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.

قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.

ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.

واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.

ولا يخفى ما في الآية من التهديد.

ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.

وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.

وأقول: إنه  أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله {  هو الله الواحد القهار} فقوله {  } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.

وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.

الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.

والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.

وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.

الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه  ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.

هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله  أعلم بأسرار كلامه.

وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.

الثاني.

﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.

وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.

ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.

ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.

وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله  "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.

الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.

وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.

الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.

ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.

وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.

وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.

وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وكقوله  "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.

وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.

وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.

وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.

وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.

وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.

السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.

ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.

﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".

﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟

ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.

وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.

قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.

وهذا مما لا نزاع فيه.

أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.

ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.

ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.

وقد مر نظيره أيضاً.

وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.

وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.

ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.

قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.

ومنه ما روي أن النبي  كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.

والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".

والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.

واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.

ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.

ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.

وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.

والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.

وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.

وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.

والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.

وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.

ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.

وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.

وقيل: المنادي هو رسول الله  بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.

قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.

وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.

ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.

قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.

وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟

فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.

وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه  أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.

النوع الأوّل.

﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.

وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.

ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.

وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.

ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.

والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.

وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.

قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.

ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.

والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.

ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.

وقيل: هي الثناء الجميل.

وقيل: الظفر والغنيمة.

وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.

وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها  ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء  ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.

قال جار الله: عن النبي  "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي  : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟

فأنزل الله هذه الآية.

وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.

وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.

ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي  فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه  ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.

وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.

وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ  مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.

قيل: المراد به أمته.

وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.

وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.

النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.

وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.

قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.

قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.

والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.

ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.

وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.

قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم  ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.

وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.

ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو  واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.

﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.

وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.

قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي  فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.

وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.

وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.

مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.

وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.

وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.

وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.

ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.

ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟

فمن حق إلى آخره.

وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟

قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.

ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.

أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.

قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.

وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.

والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.

وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.

وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.

قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.

وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً  ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.

وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى  ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.

وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.

ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله  ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.

والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.

ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.

وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.

ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب  ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.

وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.

وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.

وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.

قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.

قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.

ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.

وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.

وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.

قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.

ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.

ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ .

ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.

قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.

ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.

ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.

والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.

﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.

ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.

وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.

قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم  ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.

واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.

وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.

قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه  كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ  ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: إن الكتاب الذي يتلوه رسولنا محمد  ويدعوكم إليه هو تنزيل من عند الله؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 193-194].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ على أثر قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ يخرج - والله أعلم - أنه يدعوكم محمد  إلى اتباع الكتاب والطاعة، ليس لذل به يطلب بكم العز أو الضعف في التدبير فيطلب بكم الاستعانة فيه؛ لأنه عزيز بذاته حكيم لا يلحقه الخطأ أو الضعف في التدبير، ولكن إنما أمركم بما أمر ونهاكم عما نهى لتكتسبوا لأنفسكم ولتنتفعوا به، فأمّا الله -  - عزيز بذاته غني حكيم بنفسه.

وقال بعضهم: العزيز هو الذي لا يعجزه شيء، والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.

وقال بعضهم: هو العزيز؛ لأن كل عزيز دونه إنما يصير ذليلا عنده [و]عز من دونه عند عزه ذلا، والحكيم هو المصيب في فعله وتدبيره، وقيل: هو الذي وضع كل شيء موضعه.

وقال بعض أهل التأويل: العزيز هو المنيع، وتأويل المنيع: الممتنع عن جميع مكائد الخلق وجميع حيلهم بالضرر له، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحق الذي لله عليكم، وبالحق الذي لبعضكم على بعض، أو كما [قال] أهل التأويل ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: للحق، أي: أنزلناه للحق، لم ننزله عبثاً باطلا لغير شيء، ولكن أنزلناه للحق لحقوق ولأحكام ومحن وأمور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

جائز أن يكون ما ذكر من إنزاله الكتاب بالحق ذلك هو ما أمره من العبادة له، أمره بوفاء ذلك الحق له.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أصل في الاعتقاد، أي: اعتقد جعل كل عبادة وطاعة لله خالصاً لا تعتقد لأحد شركاً.

والثاني: في المعاملة: أن كل [عمل] عبادة وطاعة اجعله لله خالصاً لا تجعل لغيره فيه شركاء.

والله أعلم.

وأما أهل التأويل قالوا: ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ ﴾ : وحد الله ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، وتأويل هذا أن اجعل الوحدانية والألوهية لله في كل شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ .

أي: ولله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء.

ويحتمل أيضاً قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ ﴾ ، أي: دين الله هو الدين الخالص؛ لأنه دين قام بالحجج والبراهين، وأما غيره من الأديان فهو دين بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .

كأن فيه إضماراً يقول: والذين اتخذوا من دونه أولياء وعبدوها قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقالوا في موضع آخر: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في الحقيقة ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله، لكنهم سموها: آلهة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وكل معبود عند العرب إله؛ لأن الإله هو المعبود، وقدروا تسمية كل معبود: إلها؛ لذلك سموها: آلهة وإن عرفوا أن ليست لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن ذلك لله عز وجل.

ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان: أحدهما: لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم أو تقدر على القيام بخدمته، فعبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى، وأن هؤلاء شفعاؤهم عنده، وذلك لما رأوا في ملوك الدنيا أن كل أحد [لا] يجد السبيل إلى خدمة ملوكها، أو [لا] يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، فيخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك؛ ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة، وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصناماً يعبدونها من دونه، لما لم يروا كل أحد منهم يصلح لخدمته، وهو ما أغرى قومه على موسى حيث قالوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ونحو هذا أوجه.

والثاني: عبدوهم؛ لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى ماتوا، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام وأمرهم بذلك لقولهم إذا فعلوا فاحشة: ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ؛ ولذلك قالوا: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا  ﴾ وقولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك ولم يعاقبهم في الدنيا، وكانوا لا يؤمنون بالآخرة حتى يزجرهم إليها على أن الله قد رضي بذلك، وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك، فرد الله ذلك عليهم فقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ في محمد  ؛ لأنهم اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه ساحر، ومنهم من قال: إنه شاعر، وإنه مجنون، وإنه مفتر ونحوه، فيخبر أنه يحكم بينهم، ليبين لهم أن ما ذكروا [ابتغوا فيه] أهواءهم.

أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا  ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا؛ لما أنبأهم وأخبرهم بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر الله إياه والظفر له عليهم - أعني: على الأعداء - فكان على ما أنبأهم بأنباء وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من الله - عز وجل -: لكنهم عاندوا وكابروا؛ وكذلك بين لهم أيضاً ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة، حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى الله في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه، وإنما المالك لذلك هو الله المعبود الحق.

ثم تناقض قولهم؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقض ظاهر.

قال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ أي: مقربة فيشفعون لنا إلى الله  .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ .

قال أبو بكر: لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.

وقال الجبائي: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة، أي: لا يهدي من كان في الدنيا كاذباً كفاراً في الآخرة طريق الجنة.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ من صِلَة قوله - عز وجل -: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ كفار لنعمه بصرفهم العبادة إلى غير المنعم.

وقال جعفر بن حرب: إن الله لا يهدي إلى الزيادات التي يهدي ويعطي من اختار الهدى؛ لأنه يقول: إن من اختار الهدى واهتدى كان عند الله لطفاً ورحمة يعطي ذلك زيادات وفضل زيادة على ما كان اختاره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  ﴾ .

هذه التأويلات كلها للمعتزلة، وأما عندنا فإن قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ﴾ من هو في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي: لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله؛ وكذلك يقول في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ و ﴿ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ونحوه أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم، والله الموفق.

والثاني: ﴿ لاَ يَهْدِي ﴾ ، أي: لا يخلق فعل من هو فعل كفر فعل هدى، ولكن يخلقه فعل كفر وكذلك [لا يخلق] فعل من هو فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ما يفعله الفاعل ويختاره: يخلق فعل الكافر كفراً وفعل المهتدي فعل هدى، يخلق كل فعل على ما يختاره الفاعل ويفعله: إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا يخلقه كفرا.

وقال بعض أهل التأويل: إن الله لا يهدي من كان في علمه أن يختم بالكفر ويخرج به من الدنيا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من هو كاذب كفار على رسول الله  .

والثاني: كفار أنعم الله، وكاذب في القول، كفار في الفعل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

ظاهر هذا أن إيجاد الولد له من المحتمل والممكن ليس من الممتنع، وكذلك ظاهر قوله: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً  ﴾ ، ظاهر هذا الذي ذكر هو من المحتمل والممكن وكان [من] الممتنع أيضاً؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ دلت هذه الآيات على أن إيجاد الولد من الممتنع والعظيم في العقول والقلوب جميعاً.

ثم قوله: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

أي: لو جاز أو احتمل إيجاد الولد على ما تقولون أنتم وتتوهمون، لاصطفى واختار مما يشاء، هو [ما] شاء، ليس على ما تختارون أنتم له وتشاءون: أن الملائكة بنات الله على ما تزعمون؛ لأن العرف في الخلق أن من اتخذ لنفسه شيئاً إنما يتخذ من أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قدراً عندهم، لا من أخس الأشياء وأذلها؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ أي: إلى آلهتهم التي اتخذ أولئك آلهة في الحقيقة، ولكن سماها بالذي عندهم، وكذلك قول موسى -  -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ ، أي: انظر إلى الذي اتخذته إلها سماه على ما هو عنده؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ ﴾ على ما في ظنونكم وتوهمكم أنه اتخذ الولد لاختار مما ذكر لا مما تقولون أنتم، لو احتمل ذلك على ما في ظنكم وحسبانكم لكان مما ذكر.

والثاني: مبنى الاتخاذ راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبون الملائكة إلى أنهم بناته؛ لما عرفوا من كرامتهم على الله - عز وجل - وقربتهم عنده، وينسبونه إلى أنهم بناته، وإلى أن عيسى ابنه [و] إنما يتخذ الأولاد ويتبنى ليستنصروا بهم، فبرأ الله - عز وجل - نفسه على احتمال الشكل وخوف الغلبة، فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

[و]في قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ دفع ما قالوا فيه وإحالة ذلك؛ لما أخبر أنه واحد في الذات، ولو كان كما ذكر هؤلاء من الولد، لم يكن واحداً في الذات؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شكل الولد، فإذا عرفهم أنه واحد في الذات لم يحتمل الولد وما ذكروا.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْقَهَّارُ ﴾ دلالة إحالة ذلك؛ لأنه أخبر أنه قهار، والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه: إما لوحشة أصابته فيستأنس [به].

وإما لحاجة تمسه فيدفع بالولد ذلك.

وإما لغلبة شهوة فيقضيها فيتولد من ذلك الولد.

وإما لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه أبداً.

وما للاستعانة والنصرة على أعدائه.

لأحد هذه الوجوه [التي] ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد، [والله] قادر بذاته قاهر غني لا يحتمل ما ذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من الحق.

أو أن يكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: للحق، وهو البعث ما لو لم يكن البعث، لكان خلقهما عبثاً باطلا على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ، أي: بالحكمة، وهو أن جعل في خلقة كل شيء أثر وحدانيته وألوهيته ما يعرف كل أنه فعله وإن لم يشاهد خلقه، وهو على ما يكون ذلك في فعل أحد من الخلائق أثر معرفة فاعله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ﴾ ، كما ذكر في آية أخرى: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ  ﴾ يذكر دلالة وحدانيته؛ حيث جعل منافع الليل متصلة بمنافع النهار، ومنافع النهار متصلة بمنافع الليل، على اختلافهما وتناقضهما وتضادهما؛ ليعلم أنهما فعل واحد، وكذلك ما جعل من منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ليعلم أن منشئهما واحد، إذ لو كان عدداً لامتنع ذلك؛ إذ العدد المعروف من عادة الملوك انفراد كل بملكه وسلطانه، والاستيلاء على ما استوى وقبض بَزَّ الآخر و[منع] نفاذ أمره في سلطانه، فإذا لم يمتنع ذلك دل أنه فعل واحد، وكذلك ما ذكر من تسخير الشمس والقمر لهم ولمنافعهم وجريهما في يوم واحد مسيرة ألف عام، أو ما ذكر من غير أن يعرف أحد سيرهما أنهما يسيران وقت سيرهما إلا بعد قطعهما ذلك، دل أن لهما منشئا وأنه واحد، ودل اتساقهما وجريانهما على سير واحد منذ كانا إلى آخر ما يكونان ويدوران على أن منشئهما واحد عالم مدبر عرف حاجة [الخلق] إليهما أبد الآبدين ومنافعهما بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُـلٌّ يَجْرِي لأَجَـلٍ مُّسَـمًّى ﴾ .

أي: كل مما ذكر يجري إلى الوقت الذي جعل له لا يتقدم ولا يتأخر ولا ينقطع ما كان بالخلق حاجة [إليه]، والله اعلم.

أو إلى منازل معلومة لا يجاوزانها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ ﴾ .

هو العزيز بذاته لا يتعزز بما ذكروا له من الأولاد ولا بطاعة من أطاعه، الغفار لمن كان له أهلا للمغفرة ما لا يخرج مغفرته إياه عن الحكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: يدخل أحدهما على الآخر؛ كقوله: ﴿ يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ...

﴾ الآية [الحديد: 6].

وقال بعضهم: ﴿ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ أي: يُغشي أحدهما بالآخر؛ كقوله: ﴿ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ يُكَوِّرُ ﴾ ، أي: يلف هذا بهذا، وهو [من] يكور العمامة، ومنه قوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، أي: جمعت ولفت، وأصل التكوير: اللف والجمع؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .

ظاهر هذا أنه خلقنا من تلك النفس قبل خلق زوجه منها؛ لأن حرف (ثم) إنما هو حرف إتباع وإرداف وحرف ترتيب لا حرف جمع، فإذا كان كذلك فظاهره يوجب ما ذكرنا، لكن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك وتفسيره.

ذكر عن ابن عباس -  - في بعض الروايات أنه تأول في ذلك، وقال: - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أو كلام نحو هذا.

وعندنا أن قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يخرج على ظاهر ما ذكر؛ لأن الخلق: هو التقدير في اللغة كأنه قال - عز وجل :- ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي: قدركم جميعاً على كثرتكم من أول ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة منها قدرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ .

ثم أخرجنا منها - من تلك النفس - زوجها، وإلا كان تقديره إيانا منها كان قبل [جعل] زوجها منها وهو الظاهر على ظاهر ما خرج الكلام، والله أعلم.

ثم كان منه خلق ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ .

ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر، لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل، يقال: نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل، فعلى ذلك هذا، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى الله - عز وجل - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ  ﴾ وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، أي: خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ  ﴾ ، أي: خلق لكم ما ذكر، فعلى ذلك حرف الإنزال، والله أعلم.

ثم ظاهر قوله: ﴿ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة: إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا، فإن كان على هذا فيكون حرف ﴿ مِّنَ ﴾ هاهنا صلة، كأنه قال - عز وجل -: "وأنزل لكم أنعاماً وهي ثمانية أزواج".

أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب: أنعاماً، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا الثمانية الأزواج التي ذكر، فإن كان هذا فيكون حرف ﴿ مِّنَ ﴾ حرف تبعيض وتجزئة.

أو أن يسمي كل الدواب: أنعاماً إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها، وأما ما سوى ذلك من الأنعام، فإنه لم يحل لنا كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، والله أعلم.

ثم الثمانية الأزواج التي ذكر أنها خلقها لنا في هذه الآية هي التي ذكرها في سورة الأنعام وهو قوله: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، فيشبه أن يكون ما ذكر من ثمانية الأزواج أنه أنزل لنا في سورة الزمر التي هي أحل لنا كل شيء منها، وأما ما سوى ذلك فإنه إنما أحل لنا الانتفاع بها لم يحل لنا أكلها؛ لأنه ذكر في سورة الأنعام الأكل، ثم ذكر على أثر هذه الثمانية الأزواج الإبل والبقر والضأن والمعز، حيث قال - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهذا يدل على أن قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ  ﴾ إنما هو مما ذكر، أي: لا أجد محرماً من هذه الأصناف الثمانية إلا ما ذكر من الدم والميتة ولحم الخنزير.

ثم يخرج استثناء لحم الخنزير مخرج استثناء غير جنس المذكور على إضمار كون ذلك الغير فيه، وذلك غير جائز في الكلام؛ كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والاصطياد ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الأول كأنه أضمر فيه استثناء لحم الخنزير منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: تحويله من حال إلى حال من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة حتى يتم خلقاً مستوياً.

﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ .

قيل: الرحم والبطن والمشيمة، وقيل: الظهر، يخبر عن قدرته وعلمه [و] تدبيره: أنه حيث قدر على خلق الإنسان وكل خلق في تلك الظلمات الثلاث والتسوية بين كل شيء منه من اليدين والرجلين والعينين والأذنين والسمعين والبصرين وقسمة الأعضاء على السواء حتى لا يزداد إحدى اليدين على الأخرى، وكذلك إحدى الرجلين وإحدى العينين وإحدى الشفتين، وكذلك كل شيء منه في تلك النطفة من العينين واليدين والرجلين والبصر وكل الجوارح ما لو اجتمع الحكماء جميعاً حكماء البشر لم يعرفوا كون شيء من الجوارح والنفس وتقديرها من تلك النطفة وتصويرها منها؛ ليعلم أنه قادر على خلق الأشياء من شيء ومن لا شيء وبسبب وبغير سبب وما جعل من الأسباب لبعض الأشياء لم يجعلها استعانة منه بها على إنشاء ذلك، وأن من قدر على تقدير ما ذكر وتصويره في الظلمات التي ذكر على السبيل التي ذكر، فإنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، يحتج عليهم لإنكارهم البعث وإنكارهم بعث الرسل والحجج، يخبر أن من فعل ما ذكر من تغييرهم من حال إلى حال وتحويلهم من صورة إلى صورة أخرى أنه لا يفعل ذلك ليتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يمتحنهم، ثم إذا امتحنهم لا يحتمل ألا يبعثهم؛ ليجزي المسيء منهم والعاصي جزاء الإساءة والعصيان والمحسن منهم والمطيع جزاء الإحسان والطاعة؛ لأنه قد سوى بينهم في هذه الدار وفي الحكمة، والعقل [يقتضي] التفريق بينهما فلابد من دار أخرى يفرق بينهما [فيها]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ .

يحتمل ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أي: ذلكم الله الذي ذكر من تقديركم وتصويركم في ظلمات تلك النطفة هو ربكم الذي فعل ذلك.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ أي: جميع ما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ ، وما ذكر من تسخير الشمس والقمر وجريانهما على سنن واحد وعلى قدر واحد، وما ذكر من خلقنا جميعا من تلك النفس الواحدة إلى آخر ما ذكر، يقول: ذلكم الله الذي فعل [ذلك] كله هو ربكم ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ أي: فأنى تصرفون عبادتكم إلى غيره، أو فأنى تصرفون ألوهيته وربوبيته إلى غيره وتجعلون له شركاء وأعدالا، وقد تعلمون أن الذي فعل ذلك كله هو الله الواحد الذي لا شريك له ولا مثل.

أو يذكر أن ما ذكر من النعم التي أعطاكم وأسدى إليكم هو ربكم الذي خلقكم؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  - أنه قال: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ أي: تكفرون دين الله الإسلام ولم تسلموا فإنه لا يقبل منكم، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ أي: وإن تسلموا ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أي: يقبل منكم؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  ﴾ .

وقال غيره: أي: إن تكفروا دينه فإن الله غني عن عبادتكم، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ ، أي: توحدوه ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ من الأول.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ ﴾ النعم التي عدها عليكم فيما تقدم ذكرها من قوله: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من النعم يقول: إن تكفروا هذه النعم التي عدها عليكم فإنه غني عنكم، وإن تشكروا ما عد عليكم من النعم يقبل ذلك منكم، والله أعلم.

وأصله أن الله - عز وجل - بين سبيل الهدى ورغبهم إليه، وبين سبيل الضلال وحذرهم عنه، ثم بين أن من سلك سبيل الهدى فله كذا ومن سلك سبيل الضلال فله كذا، [و] أفضى إلى كذا.

أو أن يقول: إن من سلك سبيل الهدى يرضى لنفسه عاقبة السبيل الذي سلك فيه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ  لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ  ﴾ ، ومن سلك سبيل الضلال والكفر يمقت ذلك السبيل في العاقبة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ  ﴾ أخبر أنهم يمقتون أنفسهم إذا نودوا وعرفوا أنهم أخطأوا الطريق، وبالله العصمة.

وذكر في حرف عبد الله بن مسعود: ﴿ والله يكره لعباده الكفر ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ ، وكذلك ذكر هذا في حرف أبي وحفصة خاصة.

وأصل قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ﴾ إخبار أنه لم يأمركم بما أمركم به ولا نهاكم عما نهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له في ذلك، ولكن إنما امتحنكم بما امتحنكم لحاجة أنفسكم ولمنفعتكم ولدفع الضرر عنكم؛ وكذلك ما أنشأ من الأشياء لم ينشئها لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن إنما أنشأها لكم ولمنافعكم.

وكذلك نقول: لم ينشئها لأنفسها حتى إذا أتلف شيئاً منها عوضها بدلها على ما تقول المعتزلة أن ليس لله أن يتلفها إلا أن يعوضها عوضاً بإزاء ذلك، ولكن إنما أنشأها لكم لليسر ولهم يعزر من أتلف شيئاً منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - جواباً لقولهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ...

﴾ الآية [العنكبوت: 12]، أخبر أن لا أحد يحمل وزر آخر، ولكن يحمل وزر نفسه.

والثاني: يخبر أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يحمل بعض آثام بعض وأوزار بعض، فأما في الآخرة فإنه لا يحمل أحد وزر آخر ولا آثامه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُـمْ ﴾ الآية.

خص البعث بالرجوع إليه مرة وبالمصير ثانياً والبروز له، ونحو ذلك، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين إليه صائرين؛ لأن المقصود من إنشائهم في هذه الدنيا ذلك البعث، فخص لذلك رجوعاً إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنه عليم بما في الصدور، وعندنا عليم بكل ما يصدر من الخير والشر، وذكر ﴿ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ ؛ لأن أصحاب الصدور هم يصدرون ويظنون في صدورهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لو أراد الله اتخاذ ولد لاختار من خلقه ما يشاء، فجعله بمنزلة الولد، تنزه وتقدس عما يقوله هؤلاء المشركون، هو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له فيها، القهار لجميع خلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.1Qz5O"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله وبحمده