تفسير الآية ٥ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٥ من سورة الزمر

خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ ٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥ من سورة الزمر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

خبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض ، وما بين ذلك من الأشياء ، وأنه مالك الملك المتصرف ، فيه يقلب ليله ونهاره ، ( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) أي : سخرهما يجريان متعاقبين لا يقران ، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا ، كقوله : ( يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ) [ الأعراف : 54 ] هذا معنى ما روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم .

وقوله : ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) أي : إلى مدة معلومة عند الله ثم تنقضي يوم القيامة .

( ألا هو العزيز الغفار ) أي : مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) يقول تعالى ذكره واصفا نفسه بصفتها: ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْل ) يقول: يغشي هذا على هذا, وهذا على هذا, كما قال يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ) يقول: يحمل الليل على النهار.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ) قال: يدهوره.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ) قال: يَغْشَى هذا هذا, ويغشى هذا هذا.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ) قال: يجيء بالنهار ويذهب بالليل, ويجيء بالليل, ويذهب بالنهار.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فى قوله: ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ) حين يذهب بالليل ويكور النهار عليه, ويذهب بالنهار ويكور الليل عليه.

وقوله: ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) يقول تعالى ذكره: وسخر الشمس والقمر لعباده, ليعلموا بذلك عدد السنين والحساب, ويعرفوا الليل من النهار لمصلحة معاشهم ( كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ) يقول: ( كُلّ ) ذلك يعني الشمس والقمر ( يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ) يعني إلى قيام الساعة, وذلك إلى أن تكوّر الشمس, وتنكدر النجوم.

وقيل: معنى ذلك: أن لكل واحد منهما منازل, لا تعدوه ولا تقصر دونه ( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) يقول تعالى ذكره: ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقه هذه النعم هو العزيز في انتقامه ممن عاداه, الغفار لذنوب عباده التائبين إليه منها بعفوه لهم عنها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : خلق السماوات والأرض بالحق أي هو القادر على الكمال المستغني عن الصاحبة والولد ، ومن كان هكذا فحقه أن يفرد بالعبادة لا أنه يشرك به .

ونبه بهذا على أن يتعبد العباد بما شاء ، وقد فعل .

قوله تعالى : يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل قال الضحاك : أي : يلقي هذا على هذا وهذا على هذا .

وهذا على معنى التكوير في اللغة ، وهو طرح الشيء بعضه على بعض ، يقال كور المتاع أي : ألقى بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة .

وقد روي عن ابن عباس هذا في معنى الآية .

قال : ما نقص من الليل دخل في النهار ، وما نقص من النهار دخل في الليل .

وهو معنى قوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل [ ص: 210 ] وقيل : تكوير الليل على النهار تغشيته إياه حتى يذهب ضوءه ، ويغشي النهار على الليل فيذهب ظلمته ، وهذا قول قتادة .

وهو معنى قوله تعالى : يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا .وسخر الشمس والقمر أي بالطلوع والغروب لمنافع العباد .

كل يجري لأجل مسمى أي في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا وهو يوم القيامة حين تنفطر السماء وتنتثر الكواكب .

وقيل : الأجل المسمى هو الوقت الذي ينتهي فيه سير الشمس والقمر إلى المنازل المرتبة لغروبها وطلوعها .

قال الكلبي : يسيران إلى أقصى منازلهما ، ثم يرجعان إلى أدنى منازلهما لا يجاوزانه .

وقد تقدم بيان هذا في سورة [ يس ] .ألا هو العزيز الغفار " ألا " تنبيه أي : تنبهوا فإني أنا " العزيز " الغالب " الغفار " الساتر لذنوب خلقه برحمته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } أي: بالحكمة والمصلحة، وليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم.{ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ } أي: يدخل كلا منهما على الآخر، ويحله محله، فلا يجتمع هذا وهذا، بل إذا أتى أحدهما انعزل الآخر عن سلطانه.{ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } بتسخير منظم، وسير مقنن.

{ كُلٌّ } من الشمس والقمر { يَجْرِي } متأثرا عن تسخيره تعالى { لِأَجَلٍ مُسَمًّى } وهو انقضاء هذه الدار وخرابها، فيخرب اللّه آلاتها وشمسها وقمرها، وينشئ الخلق نشأة جديدة ليستقروا في دار القرار، الجنة أو النار.{ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب، القاهر لكل شيء، الذي لا يستعصي عليه شيء، الذي من عزته ببأوجد هذه المخلوقات العظيمة، وسخرها تجري بأمره.

{ الْغَفَّارُ } لذنوب عباده التوابين المؤمنين، كما قال تعالى: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } الغفار لمن أشرك به بعد ما رأى من آياته العظيمة، ثم تاب وأناب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) قال قتادة : يغشي هذا هذا ، كما قال : " يغشي الليل النهار " ( الأعراف - 54 ) وقيل : يدخل أحدهما على الآخر كما قال : " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل " ( الحج - 61 ) .

وقال الحسن ، والكلبي : ينقص من الليل فيزيد في النهار ، وينقص من النهار فيزيد في الليل ، فما نقص من الليل دخل في النهار ، وما نقص من النهار دخل في الليل .

ومنتهى النقصان تسع ساعات ، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة ، وأصل التكوير اللف والجمع ، ومنه : كور العمامة .( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«خلق السماوات والأرض بالحق» متعلق بخلق «يكوّر» يدخل «الليل على النهار» فيزيد «ويكور النهار» يدخله «على الليل» فيزيد «وسخَّر الشمس والقمر كل يجري» في فلكه «لأجل مسمى» ليوم القيامة «ألا هو العزيز» الغالب على أمره المنتقم من أعدائه «الغفار» لأوليائه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

خلق الله السموات والأرض وما فيهما بالحق، يجيء بالليل ويذهب بالنهار، ويجيء بالنهار ويذهب بالليل، وذلَّل الشمس والقمر بانتظام لمنافع العباد، كل منهما يجري في مداره إلى حين قيام الساعة.

ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز على خلقه، الغفار لذنوب عباده التائبين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أقام - سبحانه - المزيد من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، عن طريق التأمل فى ملكوت السموات والأرض ، وفى ظاهرة الليل والنهار ، وفى تسخير الشمس والقمر ، وفى خلق بنى آدم من نفس واحدة .

.

.

فقال - تعالى - :( خَلَقَ السماوات والأرض بالحق .

.

.

) .قوله - تعالى - : ( خَلَقَ السماوات والأرض بالحق ) تفصيل لبعض أفعاله الدالة على وحدانيته - سبحانه - وقدرته .أى : الله وحده هو الذى أوجد هذه السموات وتلك الأرض ، إيجادا ملتبساً بالحق والحكمة والمصلحة التى تعود عليكم - أيها الناس - بالخير والمنفعة ومن كان شأنه كذلك ، استحال أن يكون له شريك أو ولد .ثم ساق - سبحانه - دليلا ثانيا على وحدانيته فقال : ( يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل ) .والتكوير فى اللغة : طرح الشئ بعضه على بعض .

يقال : كور فلان المتاع ، إذا ألقى بعضه على بعض ، ومنه كور العمامة .

أى : انضمام بعض أجزائها على بعض .والمقصود أن الليل والنهار كلاهما يكُر على الآخر فيذهبه ويحل محله ، بطريقة متناسقة محكمة لا اختلال معها ولا اضطراب .قال صاحب الكشاف : " والتكوير : اللف واللى .

يقال : كارَ العمامة على رأسه وكوَّرها .وفيه أوجه ، منها : أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويأتى مكانه هذا ، وإذا غشى مكانه ، فكأنما ألبسه ولف عليه ، كما يلف اللباس على اللابس .ومنها : أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه ، فشبه فى تغييبه إياه بشئ ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار .ومنها : أن هذا يكر على هذا كرورا متتابعا ، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض " .قال بعض العلماء ما ملخصه : " والتعبير بقوله " يكور .

.

" تعبير عجيب ، يقسر الناظر فيه قسرا على الالتفات إلى ما كشف حديثا عن كروية الأرض فهو يصور حقيقة مادة ملحوظة على وجه الأرض ، فالأرض الكروية تدور حول نفسها فى مواجهة الشمس ، فالجزء الذى يواجه الشمس من سطحها المكور يغمره الضوء ويكون نهارا .

ولكن هذا الجزء لا يثبت لأن الأرض تدور .

وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذى كان عليه النهار .

وهذا السطح مكورن فالنهار كان عليه مكورا ، والليل يتبعه مكورا كذلك ، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل ، وهكذا فى حركة دائبة " يكور - سبحانه - الليل على النهار ويكور النهار على الليل " .واللفظ يرسم الشكل ، ويحدد الوضع ، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها ، وكروية الأرض ودورانها ، يفسران هذا التعبير تفسيرا أدق من أى تفسير آخر لا يستصحب هذه النظرية .ثم ذكر - سبحانه - دليلا ثالثا على وحدانيته وقدرته فقال : ( وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى )والتسخير : التذليل والانقياد والطاعة التامة .

أى : وجعل - سبحانه - الشمس والقمر منقادين لأمره انقيادا تاملا وكلاهما يجرى فى مداره إلى الوقت المحدد فى علم الله - تعالى - لنهاية دورانه ، وانقطاع حركته .وهما فى جريانهما يسيران بنظام محكم دقيق غاية الدقة ، كما قال - تعالى - :( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( أَلا هُوَ العزيز الغفار ) .وفى تصدير الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح ( ألا ) إشارة إلى كمال الاعتناء بمضمونه ، وإلى وجوب التدبر فيما اشتملت عليه .أى : ألا إن الله - تعالى - : وحده هو الخالق لكل تلك المخلوقات ، وهو وحده المتصرف فيها ، والمهيمن عليها ، وهو وحده ( العزيز ) الغالب على كل ما سواه ، الكثير المغفرة لذنوب عباده التائبين إليه توبة نصوحا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الفراء والزجاج: في رفع ﴿ تَنزِيلَ ﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ مِنَ الله العزيز الحكيم ﴾ خبر والثاني: أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب، فيضمر المبتدأ كقوله: ﴿ سورة أنزلناها  ﴾ أي هذه سورة، قال بعضهم: الوجه الأول لوجوه: الأول: أن الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة هاهنا الثاني: أنا إذا قلنا: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله ﴾ جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة، وهي أن تنزيل الكتاب يكون من الله، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث: أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر، لأن هذا إشارة إلى السورة، والسورة ليست نفس التنزيل، بل السورة منزلة، فحينئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة.

المسألة الثانية: القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق والجواب: أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف.

المسألة الثالثة: الآيات الكثيرة تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلاً وآيات أخر تدل على كونه منزلاً.

أما الأول: فقوله تعالى: ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ، وقال: ﴿ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ وقال: ﴿ حمٓ  تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴾ .

وأما الثاني: فقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ وقال: ﴿ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ  ﴾ وأنت تعلم أن كونه منزلاً أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلاً، فكونه منزلاً مجاز أيضاً لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول، بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى: عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة، العلم بجميع المعلومات، والقدرة على كل الممكنات، والاستغناء عن كل الحاجات، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً.

إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما: أن يعلم أن القرآن كلام الله، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني: أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيماً إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزاً، فلهذا السبب قال: ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لفظ التنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله عليه نجماً على سبيل التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله عليه دفعة واحدة فكيف الجمع بينهما والجواب: إن صح الفرق بين التنزيل وبين الإنزال من الوجه الذي ذكرتم فطريق الجمع أن يقال المعنى إنا حكمنا حكماً كلياً جزماً بأن يوصل إليك هذا الكتاب، وهذا هو الإنزال، ثم أوصلناه نجماً إليك على وفق المصالح وهذا هو التنزيل.

السؤال الثاني: ما المراد من قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ ؟

والجواب: فيه وجهان الأول: المراد أنزلنا الكتاب إليك ملتبساً بالحق والصدق والصواب على معنى كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وأنواع التكاليف فهو حق وصدق يجب العمل به والمصير إليه الثاني: أن يكون المراد إنا أنزلنا إليك الكتاب بناء على دليل حق دل على أن الكتاب نازل من عند الله، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته، ولو لم يكن معجزاً لما عجزوا عن معارضته.

ثم قال: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما بين في قوله: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب أردف هنا بعض ما فيه من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ ، وأما براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ لأن قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ ﴾ يفيد الحصر، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في المذكور وينتفي عن غير المذكور، واعلم أن العبادة مع الإخلاص لا تعرف حقيقة إلا إذا عرفنا أن العبادة ما هي وأن الإخلاص ما هو وأن الوجوه المنافية للإخلاص ما هي فهذه أمور ثلاثة لابد من البحث عنها: أما العبادة: فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله.

وأما الإخلاص: فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك مجرد هذا الانقياد والامتثال، فإن حصل منه داع آخر فإما أن يكون جانب الداعي إلى الطاعة راجحاً على الجانب الآخر أو معادلاً له أو مرجوحاً.

وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط، وأما إذا كان الداعي إلى طاعة الله راجحاً على الجانب الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أم لا، وقد ذكرنا هذه المسألة مراراً ولفظ القرآن يدل على وجوب الإتيان به على سبيل الخلوص، لأن قوله: ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ صريح في أنه يجب الإتيان بالعبادة على سبيل الخلوص وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ وأما بيان الوجوه المنافية للإخلاص فهي الوجوه الداعية للشريك وهي أقسام أحدها: أن يكون للرياء والسمعة فيه مدخل.

وثانيها: أن يكون مقصودة من الإتيان بالطاعة الفوز بالجنة والخلاص من النار.

وثالثها: أن يأتي بها ويعتقد أن لها تأثيراً في إيجاب الثواب أو دفع العقاب.

ورابعها: وهو أن يخلص تلك الطاعات عن الكبائر حتى تصير مقبولة، وهذا القول إنما يعتبر على قول المعتزلة.

المسألة الثانية: من الناس من قال: ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ المراد منه شهادة أن لا إله إلا الله، واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي» وهذا قول من يقول: لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر، وأما الأكثرون فقالوا الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي، وهذا هو الأولى لأن قوله: ﴿ فاعبد الله ﴾ عام، وروي أن امرأة الفرزدق لما قرب وفاتها أوصت أن يصلي الحسن البصري عليها، فلما صلى عليها ودفنت، قال للفرزدق: يا أبا فراس ما الذي أعددت لهذا الأمر؟

قال: شهادة أن لا إله إلا الله، فقال الحسن رضي الله عنه: هذا العمود فأين الطنب؟

فبين بهذا أن عمود الخيمة لا ينتفع به إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة، قال القاضي: فأما ما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي الدرادء: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجوراً عن الزنا والسرقة، وأن لا يكون متعدياً بفعلهما لأنه مع شدة شهوته للقبيح يعلم أنه لا يضره مع تمسكه بالشهادتين فكأن ذلك إغراء بالقبيح، والكل ينافي حكمة الله تعالى ولا يلزم أن يقال ذلك فالقول بأنه يزول ضرره بالتوبة يوجب أيضاً الإغراء بالقبيح، لأنا نقول إن من اعتقد أن ضرره يزول بالتوبة فقد اعتقد أن فعل القبيح مضرة إلا أنه يزيل ذلك الضرر بفعل التوبة بخلاف قول من يقول إن فعل القبيح لا يضر مع التمسك بالشهادتين.

هذا تمام كلام القاضي، فيقال له: أما قولك إن القول بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل القرآن يدل عليه قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ  ﴾ أي حال ظلمهم كما يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أي حال كونه آكلاً وشارباً، وقال: ﴿ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً  ﴾ ، وأما قوله: إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلاً، وهذا مذهب البغداديين من المعتزلة، وأنت لا تقول به، لأن مذهب البصريين أن عذاب المذنب جائز عقلاً، وأيضاً فيلزم عليه أن لا يحصل الغفران بالتوبة، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله له لم ينزجر وأما الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب ألبتة.

ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة، فأما في حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فقطع بحصول المغفرة في الجملة، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلاً فلا يكون الإغراء حاصلاً، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ الدين بالرفع، ثم قال: وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام لقوله تعالى: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ  ﴾ حتى يطابق قوله: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ والخالص والمخلص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون، واعلم أن الضمير في قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله، ويمكن أن يقال إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها.

وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا: إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر لكن اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر، فهذا هو المراد من قولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ .

واعلم أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه: الأول: أنه اقتصر في الجواب على مجرد التهديد فقال: ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهباً باطلاً وكان مصراً عليه، فالطريق في علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن قلبه، فإذا زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه، فيكون هذا الطريق أفضى إلى المقصود.

والأطباء يقولون: لابد من تقديم المنضج على سقي المسهل فإن بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال، فإذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام، فكذلك هاهنا سماع التهديد والتخويف أولاً يجري مجرى سقي المنضج أولاً، وإسماع الدليل ثانياً يجري مجرى سقي المسهل ثانياً.

فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ ﴾ والمراد أن من أصر على الكذب والكفر بقي محروماً عن الهداية، والمراد بهذا الكذب وصفهم لهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الاعتقاد، والأمر هاهنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب، واعتقادهم فيها بالإلهية جهل وكفر.

ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة، والسبب فيه أن العبادة نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك الإنعام فالإشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سبحانه هُوَ الله الواحد القهار ﴾ والمراد من هذا الكلام: إقامة الدلائل القاهرة على كونه منزهاً عن الولد وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو اتخذ ولداً لما رضي إلا بأكمل الأولاد وهو الإبن فكيف نسبتم إليه البنت الثاني: أنه سبحانه واحد حقيقي والواحد الحقيقي يمتنع أن يكون له ولد، أما أنه واحد حقيقي فلأنه لو كان مركباً لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره، فكان يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يكون واجب الوجود لذاته، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه: الأول: أن الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه، ثم يحصل له صورة مساوية لصورة الوالد.

وهذا إنما يعقل في الشيء الذي ينفصل منه جزء والفرد المطلق لا يقال ذلك فيه الثاني: شرط الولد أن يكون مماثلاً في تمام الماهية للوالد فتكون حقيقة ذلك الشيء حقيقة نوعية محمولة على شخصين، وذلك محال لأن تعيين كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا يحصل من تلك الماهية إلا الشخص الواحد، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك الماهية كان ذلك التعيين معلوماً بسبب منفصل، فلا يكون إلهاً واجب الوجود لذاته.

فثبت أن كونه إلهاً واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحداً في حقيقته، وكونه واحداً في حقيقته يمنع من ثبوت الولد له، فثبت أن كونه واحداً يمنع من ثبوت الولد الثالث: أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لابد وأن يكونا من جنس واحد، فلو كان له ولد لما كان واحداً بل كانت زوجته من جنسه، وأما أن كونه قهاراً يمنع من ثبوت الولد له، فلأن المحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيحتاج إلى ولد يقوم مقامه، فالمحتاج إلى الولد هو الذي يكون مقهوراً بالموت، أما الذي يكون قاهراً ولا يقهره غيره كان الولد في حقه محالاً، فثبت أن قوله: ﴿ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ ألفاظ مشتملة على دلائل قاطعة في نفي الولد عن الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم دلَّ بخلق السموات والأرض، وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر، وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبثّ الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك، قهار لا يغالب.

والتكوير: اللف والليّ، يقال: كار العمامة على رأسه، وكوّرها.

وفيه أوجه منها: أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس.

ومنه قول ذي الرمة في وصف السراب: تَلْوِي الثَّنَايَا بِأَحْقَيْهَا حَوَاشِيَهُ ** لَيَّ الْمَلاَءِ بِأَبْوَابِ التَّفَارِيجِ ومنها أنّ كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار.

ومنها: أن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً.

فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض ﴿ ألا هُوَ العزيز ﴾ الغالب القادر على عقاب المصرين ﴿ الغفار ﴾ لذنوب التائبين أو الغالب الذي يقدر على أن يعالجهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى، فسمى الحلم عنهم: مغفرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ كَما زَعَمُوا ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقُهُ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى امْتِناعِ وُجُودِ واجِبَيْنِ ووُجُوبِ اسْتِنادِ ما عَدا الواجِبَ إلَيْهِ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ المَخْلُوقَ لا يُماثِلُ الخالِقَ فَيَقُومُ مَقامَ الوالِدِ لَهُ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَتْبَعُ الوُجُوبَ المُسْتَلْزِمَ لِلْوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، وهي تُنافِي المُماثَلَةَ فَضْلًا عَنِ التَّوالُدِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المِثْلَيْنِ مُرَكَّبٌ مِنَ الحَقِيقَةِ المُشْتَرَكَةِ، والتَّعَيُّنُ المَخْصُوصُ والقَهارِيَّةُ المُطْلَقَةُ تُنافِي قَبُولَ الزَّوالِ المُحْوِجِ إلى الوَلَدِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ ﴾ يَغْشى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ كَأنَّهُ يَلُفُّهُ عَلَيْهِ لَفَّ اللِّباسِ بِاللّابِسِ، أوْ يُغَيِّبُهُ بِهِ كَما يَغِيبُ المَلْفُوفُ بِاللُّفافَةِ، أوْ يَجْعَلُهُ كارًّا عَلَيْهِ كُرُورًا مُتَتابِعًا تَتابُعَ أكْوارِ العِمامَةِ.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو مُنْتَهى دَوْرِهِ أوْ مُنْقَطَعِ حَرَكَتِهِ.

﴿ ألا هو العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

﴿ الغَفّارُ ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْ بِالعُقُوبَةِ وسَلْبِ ما في هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَنفَعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)

{خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها

والمعنى أن كل واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار وأن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض {وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مسمى}

أي يوم القيامة {إِلاَّ هُوَ العزيز} الغالب القادر على عقاب من لم يعتبر بتسخير الشمس والقمر فلم يؤمن بمسخرهما {الغفار} لمن فكر واعتبر فآمن بمدبرهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ إثْباتٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الوَحْدَةِ والقَهْرِ، وفِيهِ أيْضًا ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْ خَلَقَ هَذا العالَمَ المُشاهَدَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصَّوابِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيما ذُكِرَ بَعْدَ بَيانِ الخَلْقِ، فَإنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَنُوطٌ بِتَحْرِيكِ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ، والتَّكْوِيرُ في الأصْلِ هو اللَّفُّ واللَّيُّ مِن كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها، والمُرادُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: يَغْشى أحَدُهُما الآخَرَ، وهو عَلى ما قِيلَ مَعْنًى يَذْهَبُ أحَدُهُما، ويَغْشى مَكانَهُ الآخَرُ، أيْ يَلْبَسُهُ مَكانَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ مُنِيرًا، وبِالعَكْسِ فالمَغْشِيُّ حَقِيقَةً المَكانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَغْشِيُّ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلى الِاسْتِعارَةِ، ويَكُونَ المَكانُ ظَرْفًا، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا كانَ أحَدُهُما غاشِيًا لِلْآخَرِ أشْبَهَ اللِّباسَ المَلْفُوفَ عَلى لابِسِهِ في سَتْرِهِ إيّاهُ، واشْتِمالِهِ عَلَيْهِ وتَغَطِّيهِ بِهِ.

وتَحْقِيقُهُ أنَّ أحَدَهُما لَمّا كانَ مُحِيطًا عَلى جَمِيعِ ما أحاطَ بِهِ الآخَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّ شَيْءٌ زائِدٌ غَيْرُ الظُّهُورِ والخَفاءِ جَعَلَ إحاطَتَهُ عَلى مُحاطِ الآخَرِ إحاطَةً عَلَيْهِ مَجازَ مُلابَسَتِهِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالغَشَيانِ والتَّكْوِيرِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يُغَيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لَفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ عَنْ مَطامِحِ الأبْصارِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ مَعَ اعْتِبارِ السَّتْرِ اعْتِبارَ اللَّيِّ، وإحاطَةَ الأطْرافِ، ثُمَّ إنَّ هَذا لِظُهُورِهِ تَشْبِيهٌ مَبْذُولٌ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا يُكَرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ، قِيلَ: وهو الأرْجَحُ، لِأنَّهُ اعْتُبِرَ فِيهِ ما اعْتُبِرَ مَعَ الأوَّلِ مَعَ النَّظَرِ إلى المُطَّرِدِ فِيهِ لَفْظُ الكَوْرِ، فَإنَّهُ لَفٌّ بَعْدَ لَفٍّ، وهو أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّ أكْوارَ العِمامَةِ مُتَظاهِرَةٌ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ مُتَعاوِرَةٌ، وهَذا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ لَيَّةٍ تُسَمّى كَوْرًا حَقِيقَةً.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى يُحْمَلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وفُسِّرَ هَذا الحَمْلُ بِالضَّمِّ، والزِّيادَةِ، أيْ يَزِيدُ اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ، ويَضُمُّهُ إلَيْهِ بِأنْ يُجْعَلَ بَعْضُ أجْزاءِ اللَّيْلِ نَهارًا، فَيَطُولُ النَّهارُ، ويَقْصُرُ اللَّيْلُ، ويَزِيدُ النَّهارُ عَلى اللَّيْلِ، ويَضُمُّهُ إلَيْهِ بِأنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ أجْزاءِ النَّهارِ لَيْلًا، فَيَطُولُ اللَّيْلُ ويَقْصُرُ النَّهارُ.

وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وهو مَعْنًى واضِحٌ، والآيَةُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ ، في قَوْلٍ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها عَلى المَعْنى الأوَّلِ فِيها شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ ، وعَلى المَعْنى الثّانِي فِيها شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ ﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ وعَلى الثّالِثِ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ ، وأنَّها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيها الِاسْتِعارَةُ التَّبَعِيَّةُ، والمَكْنِيَّةُ، والتَّخْيِيلِيَّةُ، والتَّمْثِيلِيَّةُ، والتَّمْثِيلُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ، وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.

﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَسْخِيرِهِما أيْ كُلٌّ مِنهُما يَجْرِي لِمُنْتَهى دَوْرَتِهِ، أوْ مُنْقَطَعِ حَرَكَتِهِ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشَّمْسَ مُتَحَرِّكَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُ الكَفَرَةِ أنَّها ساكِنَةٌ وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وسَمِعْتُ في هَذِهِ الأيّامِ أنَّهُ ظَهَرَ في الإفْرِنْجِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا مَن يَزْعُمُ أنَّها تَتَحَرَّكُ عَلى مَرْكَزٍ آخَرَ كَما تَتَحَرَّكُ الأرْضُ عَلَيْها نَفْسُها بِزَعْمِهِمْ، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ، ولَهم في الهَيْئَةِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، وفِيهِ الغَثُّ والسَّمِينُ، إلّا أنَّ نَفْيَهُمُ السَّماواتِ النّاطِقَةَ بِها الشَّرائِعُ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ العَجَبِ العُجابِ، وأنْظارُهُمُ السَّخِيفَةُ تُفْضِي بِهِمْ إلى ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى السَّلامَةَ والتَّوْفِيقَ، ولِي عَزْمٌ عَلى تَأْلِيفِ كِتابٍ أُبَيِّنُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما هو الأقْرَبُ إلى الحَقِّ مِنَ الهَيْئَتَيْنِ القَدِيمَةِ والجَدِيدَةِ مُتَحَرِّكًا عَلى مِحْوَرِ الإنْصافِ ساكِتًا عَنْ سُلُوكِ مَسالِكِ الِاعْتِسافِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِذَلِكَ.

﴿ ألا هو العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى عِقابِ المُصِرِّينَ ﴿ الغَفّارُ ﴾ لِذُنُوبِ التّائِبِينَ، أوِ الغالِبُ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يُعاجِلَهم بِالعُقُوبَةِ، وهو سُبْحانَهُ يَحْلُمُ عَلَيْهِمْ، ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَيَكُونُ قَدْ سُمِّيَ الحِلْمُ عَنْهُمْ، وقَدْ تَرَكَ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ بِالمَغْفِرَةِ الَّتِي هي تَرْكُ العِقابِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما في التَّرْكِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأحْسَنُ، وهَذانِ الوَجْهانِ في ﴿ العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ قَدْ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّ الدّاعِيَ لِلْأوَّلِ رِعايَةُ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ حَيْثُ خَصَّ فِيهِ المَغْفِرَةَ بِذُنُوبِ التّائِبِينَ، فَتَرَكَهُ، وقالَ: العَزِيزُ القادِرُ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ، الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الغَفّارُ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْ بِالعُقُوبَةِ وسَلْبِ ما في هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَنفَعَةِ، وما عَلَيْنا أنْ نُفَسِّرَ كَما فَسَّرَ، ونَقُولَ بِأنَّ مَغْفِرَتَهُ تَعالى لا تَخُصُّ التّائِبِينَ، بَلْ قَدْ يَغْفِرُ جَلَّ شَأْنُهُ لِغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ التَّقْيِيدَ لَيُلائِمُ ما تَقَدَّمَ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ، فَفي الكَشْفِ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مِن ذَيْنِكَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما ما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ المُقْتَضِي لِعِقابِ المُصِرِّ، وغُفْرانِ ذُنُوبِ التّائِبِ، وثانِيهِما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ، مَسُوقٌ لِأمْرَيْنِ إثْباتِ الوَحْدَةِ والقَهْرِ المَذْكُورَيْنِ فِيما قَبْلُ نَفْيًا لِلْوَلَدِ، بَلْ حَسْمًا لِلشِّرْكِ مِن أصْلِهِ، والتَّسَلُّقُ إلى ما مَهَّدَ أوَّلًا مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ لِئَلّا يَزُولَ عَنِ الخاطِرِ، فَقِيلَ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ كَما قِيلَ هُنالِكَ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ وأُدْمِجَ فِيهِ أنَّ إنْزالَ الكِتابِ كَما يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ، فَكَذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ الَّتِي مِنها الجَزاءُ عَلى ما سَلَفَ، فالتَّذْيِيلُ بالًا هو العَزِيزُ الغَفّارُ لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ والتَّحْذِيرِ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ، سَواءٌ خالَفَ أصْلَ الدِّينِ كالكُفْرِ، أوْ خالَفَ الإخْلاصَ فِيهِ كَسائِرِ المَعاصِي في غايَةِ المُلاءَمَةِ، وإنَّما أفْرَدَ مُخالَفَةَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ”والَّذِينَ اتَّخَذُوا“ إلَخْ، تَحْذِيرًا مِن حالِهِمْ، لِأنَّها هاتِكَةٌ لِعِصْمَةِ النَّجاةِ، فَكانَتْ أحَقَّ بِالتَّحْذِيرِ، ورَمَزَ إلى هَذا الثّانِي بِالتَّذْيِيلِ المَذْكُورِ تَكْمِيلًا لِلْمَعْنى المُرادِ، ومَدارُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والوَجْهُ الثّانِي مِن ذَيْنِكَ الوَجْهَيْنِ يُناسِبُ حَدِيثَ الشِّرْكِ، والتَّذْيِيلَ بِهِ، لِتَوْكِيدِ تَفْظِيعِ ما نَسَبُوا إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ تَنْزِيلَ الكِتابِ وعَقَّبَ بِالأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِبادَةِ والإخْلاصِ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ“ عَلى ما تَحَقَّقَ وجْهُهُ، وقَدْ نَقَلْناهُ نَحْنُ عَنْهُ فِيما مَرَّ، ثُمَّ لَمّا ذُكِرَ بَعْدَهُ عَظِيمُ ما نَسَبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ: مِنَ الشِّرْكِ، والأوْلادِ، وما دَلَّ عَلى تَنَزُّهِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ ناسَبَ أنْ يُذَيِّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ“ لِلتَّوْكِيدِ المَذْكُورِ، وقَدْ آثَرَ هَذا العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ رُجْحانِ الأوَّلِ اهـ، والوَجْهُ الثّانِي مِن وجْهَيِ المُناسَبَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى الوَجْهَيْنِ، والآيَةُ عَلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ يَجُوزُ ارْتِباطُها بِما عِنْدَها مِنَ الخَلْقِ والتَّكْوِيرِ والتَّسْخِيرِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي سبعون وخمس آيات وهي مكية قول الله تبارك وتعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ يعني: القرآن صار رفعاً بالابتداء، وخبره من الله تعالى.

أي: نزل الكتاب مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ بالنقمة الْحَكِيمِ في أمره.

ومعناه: نزل جبريل بهذا القرآن من عند الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقال بعضهم: صار رفعاً لمضمر فيه.

ومعناه: هذا الكتاب تنزيل.

قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ يعني: أنزلنا إليك جبريل بالكتاب بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: استقم على التوحيد، وعلى عبادة الله تعالى مخلصاً، وإنما خاطبه، والمراد به قومه.

يعني: وحدوا الله تعالى، ولا تقولوا مع الله شريكاً.

ثم قال: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ يعني: له الولاية، والوحدانية.

ويقال: له الدين الخالص، والخالص هو دين الإسلام.

فلا يقبل غيره من الأديان، لأن غيره من الأديان ليس هو بخالص سوى دين الإسلام.

قوله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: عبدوا من دونه أرباباً، وأوثاناً، مَا نَعْبُدُهُمْ على وجه الإضمار.

قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ يعني: يقولون ما نعبدهم.

وروي عن عبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، أنهما كانا يقرآن وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قالوا: ما يعبدهم بالياء، وقراءة العامة مَا نَعْبُدُهُمْ على وجه الإضمار، لأن في الكلام دليلاً عليه إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يعني: ليشفعوا لنا، ويقربونا عند الله.

ويقال: لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يعني: منزلة.

يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يعني: يقضي بينهم يوم القيامة فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي أي: لا يرشد إلى دينه مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ في قوله: الملائكة بنات الله وعيسى ابن الله كَفَّارٌ يعني: كفروا بالله بعبادتهم إياهم.

ويقال: معناه لا يوفق لتوحيده من هو كاذب على الله، حتى يترك كذبه، ويرغب في دين الله.

لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما قلتم لَاصْطَفى يعني: لاختار من الولد مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشاءُ من خلقه إن فعل ذلك.

ثم قال: سُبْحانَهُ نزه نفسه عن الولد، وعن الشرك، هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني: الذي لا شريك له الْقَهَّارُ يعني: القاهر لخلقه.

ثم بيّن ما يدل على توحيده، ويعجز عنه المخلوقون.

قوله عز وجل: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني: للحق، ولم يخلقهما باطلاً لغير شيء يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ قال مجاهد: يعني: يدهور الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ يعني: يدهور النهار على الليل.

وقال مقاتل يُكَوِّرُ يعني: يسلط عليه، وهو انتقاص كل واحد منهما من صاحبه.

وقال الكلبي: يُكَوِّرُ يعني: يزيد من النهار في الليل، فيكون اللَّيل أطول من النهار، ويزيد من الليل في النهار، فيكون النهار أطول من الليل.

هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا.

وقال القتبي يُكَوِّرُ يعني: يدخل هذا على هذا.

وأصل التكوير اللف، والجمع، ومنه كور العمامة ومنه قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) [التكوير: 1] وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يعني: ذلل ضوء الشمس، والقمر، للخلق كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: إلى أقصى منازله.

ويقال: إلى يوم القيامة.

أَلا هُوَ الْعَزِيزُ يعني: الْعَزِيزُ بالنقمة لمن لم يتب الْغَفَّارُ لمن تاب.

ويقال: الْعَزِيزُ في ملكه.

الْغَفَّارُ لخلقه بتأخير العذاب.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ \[أيْ\]: لَمْ يَخْلُقْهُما لِغَيْرِ شَيْءٍ.

﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُدْخِلُ هَذا عَلى هَذا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ التَّكْوِيرِ: اللَّفُّ، ومِنهُ كَوَّرَ العِمامَةَ.

وقالَ غَيْرُهُ.

التَّكْوِيرُ: طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ أيْ: ذَلَّلَهُما لِلسَّيْرِ عَلى ما أرادَ ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أيْ: إلى الأجَلِ الَّذِي وقَّتَ اللَّهُ لِلدُّنْيا.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى العَزِيزِ في [البَقَرَةِ: ١٢٩] ومَعْنى الغَفّارِ في [طه: ٨٢] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ  ﴾ ﴿ لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هو اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَيْلَ عَلى النَهارِ ويُكَوِّرُ النَهارِ عَلى اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ مَعْناهُ: اتِّخاذُ التَشْرِيفِ والتَبَنِّي، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ﴾ ، وأمّا الِاتِّخاذُ المَعْهُودُ بِالتَوالُدِ فَمُسْتَحِيلٌ أنْ يُتَوَهَّمَ في جِهَةِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ مَعْنى قَوْلِهِ: "لاصْطَفى".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا  ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ اتِّخاذَ النَسْلِ واتِّخاذَ الأصْفِياءِ، فَأمّا الأوَّلُ فَمَعْقُولٌ، وأمّا الثانِي فَمَعْرُوفٌ بِخَبَرِ الشَرْعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى هُنا الِاصْطِفاءُ والتَبَنِّي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا يَخْلُقُ ﴾ ، أيْ: مِن مَوْجُوداتِهِ ومُحْدَثاتِهِ.

ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عن جَمِيعِ ما لا يَكُونُ مِدْحَةً.

واتِّصافُهُ تَعالى بِالقَهّارِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ أحَدًا مِنَ البَشَرِ إنِ اتَّصَفَ بِالقَهْرِ فَمُقَيَّدٌ في أشْياءَ قَلِيلَةٍ، وهَوَ في حَيِّزِ قَهْرِهِ لِغَيْرِهِ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: بِالواجِبِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ الجامِعِ لِلْمَصالِحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَيْلَ ﴾ مَعْناهُ: يُعِيدُ مِن هَذا عَلى هَذا، ومِنهُ: كَوَّرَ العِمامَةَ الَّتِي يَلْتَوِي بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكَأنَّ الَّذِي يَطُولُ مِنَ النَهارِ أوِ اللَيْلِ يَصِيرُ مِنهُ عَلى الآخَرِ جُزْءٌ فَيَسْتُرُهُ، وكَأنَّ الآخَرَ الَّذِي يَقْصُرُ يَلِجُ في الَّذِي يُطُولُ فَيَسْتَتِرُ فِيهِ، فَيَجِيءُ "يُكَوِّرُ" - عَلى هَذا - مُعادِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: "يُولِجُ"، ضِدًّا لَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مِن قَوْلِهِ تَقْرِيرٌ لا تَحْرِيرٌ.

وتَسْخِيرُ الشَمْسِ) دَوامُها عَلى الجَرْيِ واتِّساقُ أمْرِها عَلى ما شاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، و"الأجَلُ المُسَمّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْفَسِدُ البِنْيَةُ ويَزُولُ جَرْيُ هَذِهِ الكَواكِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أوقاتَ رُجُوعِها إلى قَوانِينِها كُلَّ شَهْرٍ في القَمَرِ، وسَنَةٍ في الشَمْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ خَلَقَ السماوات والارض بالحق يُكَوِّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ ﴾ .

هذه الجملة بيان لجملة ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ [الزمر: 4] فإن خلق هذه العوالم والتصرف فيها على شدتها وعظمتها يبين معنى الوحدانية ومعنى القهّارية، فتكون جملة ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ ذات اتصالين: اتصاللٍ بجملة ﴿ لو أراد الله أن يتَّخِذَ ولداً ﴾ [الزمر: 4] كاتصال التذييل، واتصاللٍ بجملة ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق ﴾ اتصالَ التمهيد.

وقد انتقل من الاستدلال باقتضاء حقيقة الإلهية نفي الشريك إلى الاستدلال بخلق السماوات والأرض على أنه المنفرد بالخلق إذ لا يستطيع شركاؤهم خلق العوالم.

والباء في ﴿ بالحقِّ ﴾ للملابسة، أي خلقها خلقاً ملابساً للحق وهو هنا ضد العبث، أي خلقهما خلقاً ملابساً للحكمة والصواب والنفع لا يشوب خلقهما عبث ولا اختلال قال تعالى: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ﴾ [الدخان: 38 39].

وجملة ﴿ يُكَوّرُ الَّيْلَ ﴾ بيان ثان وهو كتعداد الجمل في مقام الاستدلال أو الامتنان.

وأوثر المضارع في هذه الجملة للدلالة على تجدد ذلك وتكرره، أو لاستحضار حالة التكوير تبعاً لاستحضار آثارها فإن حالة تكوير الله الليل على النهار غير مشاهدة وإنما المشاهد أثرها وتجدد الأثر يدل على تجدد التأثير.

والتكوير حقيقته: اللف والليُّ، يقال: كَوَّر العمامةَ على رأسه إذا لواها ولفَّها، ومثّلت به هنا هيئة غشيان الليل على النهار في جزء من سطح الأرض وعكسُ ذلك على التعاقب بهيئة كَوْر العمامة، إذ تغشى الليَّةُ الليَّةَ التي قبلها.

وهو تمثيل بديع قابل للتجزئة بأن تشبه الأرض بالرأس، ويشبه تعاور الليل والنهار عليها بلف طيات العمامة، ومما يزيده إبداعاً إيثار مادة التكوير الذي هو معجزة علمية من معجزات القرآن المشار إليها في المقدمة الرابعة والموضحة في المقدمة العاشرة، فإن مادة التكوير جَائية من اسم الكُرة، وهي الجسم المستدير من جميع جهاته على التساوي، والأرض كروية الشكل في الواقع وذلك كان يجهله العرب وجمهور البشر يومئذٍ فأومأ القرآن إليه بوصف العَرضين اللذين يعتريان الأرض على التعاقب وهما النور والظلمة، أو الليل والنهار، إذ جعل تعاورهما تكويراً لأن عَرَض الكرة يكون كروياً تبعاً لذاتها، فلما كان سياق هذه الآية للاستدلال على الإلهية الحقِّ بإنشاء السماوات والأرض اختير للاستدلال على ما يَتبع ذلك الإِنشاء من خلق العَرضين العظيمين للأرض مادةُ التكوير دون غيرها من نحو الغشيان الذي عبر به في قوله تعالى: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ في سورة [الأعراف: 54]، لأن تلك الآية مسوقة للدلالة على سعة التصرف في المخلوقات لأن أولها ﴿ إن ربكم اللَّه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ [الأعراف: 54] فكان تصوير ذلك بإغشاء الليل والنهار خاصة لأنه دل على قوة التمكن من تغييره أعراض مخلوقاته، ولذلك اقتصر على تغيير أعظم عَرَض وهو النور بتسليط الظلمة عليه، لتكون هاته الآية لمن يأتي من المسلمين الذين يطلعون على علم الهيئة فتكون معجزة عندهم.

وعطفُ جملة ﴿ ويُكورُ النهار على الليل ﴾ هو من عطف الجزء المقصود من الخبر كقوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ [التحريم: 5].

وتسخير الشمس والقمر هو تذليلهما للعمل على ما جعل الله لهما من نظام السير سير المتبوع والتابع، وقد تقدم في سورة الأعراف وغيرها.

وعطفت جملة ﴿ وسخَّر الشمس والقمرَ ﴾ على جملة ﴿ يُكورُ الليل على النهارِ ﴾ لأن ذلك التسخير مناسب لتكوير الليل على النهار وعكسه فإن ذلك التكوير من آثار ذلك التسخير فتلك المناسبة اقتضت عطف الجملة التي تضمنته على الجملة التي قبلها.

وجملة ﴿ كلٌّ يجري لأجَللٍ مسمى ﴾ في موقع بدل اشتمال من جملة ﴿ سَخر الشمس والقمرَ ﴾ وذلك أوضح أحوال التسخير.

وتنوين والأجل هو أجل فنائهما فإن جريهما لما كان فيه تقريب فنائهما جعل جريهما كأنه لأجل الأجل أي لأجل ما يطلبه ويقتضيه أجل البقاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿ والشمس تجري لمستقرٍ لها ﴾ [يس: 38]، فالتنكير في (أجل) للإِفراد.

ويجوز أن يكون المراد بالأجل أجل حياة الناس الذي ينتهي بانتهاء الأعمار المختلفة.

وليس العمر إلا أوقاتاً محدودة وأنفاساً معدودة.

وجري الشمس والقمر تُحسب به تلك الأوقات والأنفاس، فصار جريهما كأنه لأجل.

قال أسقف نجران: مَنَع البقاءَ تقلُّبُ الشمس *** وطلوعها من حيث لا تُمسي وأقوالهم في هذا المعنى كثيرة فالتنكير في ﴿ أجلٍ ﴾ للنوعية الذي هو في معنى لآجاللٍ مُسماة.

ولعل تعقيبه بوصف ﴿ الغَفَّارُ ﴾ يرجح هذا المحمل كما سيأتي.

والمسمّى: المجعول له وَسم، أي ما به يُعين وهو ما عيّنه الله لأن يبلغ إليه.

وقد جاء في آيات أخرى ﴿ كل يجري إلى أجل ﴾ [لقمان: 29] بحرف انتهاء الغاية، ولامُ العلة وحرفُ الغاية متقاربان في المعنى الأصلي وأحسب أن اختلاف التعبير بهما مجرد تفنن في الكلام.

﴿ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العزيز ﴾ .

استئناف ابتدائي هو في معنى الوعيد والوعد، فإن وصف ﴿ العزيزُ ﴾ كناية عن أنه يفعل ما يشاء لا غالب له فلا تُجدي المشركين عبادةُ أوليائهم، ووصفَ ﴿ الغَفَّارُ مؤذن باستدعائهم إلى التوبة باتباع الإِسلام.

وفي وصف الغَفَّارُ ﴾ مناسبة لذكر الأجل لأن المغفرة يظهر أثرها بعد البعث الذي يكون بعد الموت وانتهاء الأجل تحريضاً على البدار بالتوبة قبل الموت حين يفوت التدارك.

وفي افتتاح الجملة بحرف التنبيه إيذان بأهمية مدلولها الصريح والكنائي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الزُّمَرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ إحْداهُما ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ ، والأُخْرى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ الآيَةَ وقالَ آخَرُونَ إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلى آخِرِ السَّبْعِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ والكِتابُ هو القُرْآنُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ.

﴿ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: العَزِيزُ في مُلْكِهِ الحَكِيمُ في أمْرِهِ.

الثّانِي: العَزِيزُ في نِقْمَتِهِ الحَكِيمُ في عَدْلِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْلاصُ بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إخْلاصُ النِّيَّةِ لِوَجْهِهِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: العِبادَةُ.

﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: ما لا رِياءَ فِيهِ مِنَ الطّاعاتِ.

﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي آلِهَةً يَعْبُدُونَها.

﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ هَذِهِ لِأوْثانِهِمْ وقالَ مَن قَبْلَهم ذَلِكَ لِمَن عَبَدُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ وعِيسى، أيْ عِبادَتُنا لَهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الزُّلْفى الشَّفاعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّها المَنزِلَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها القُرْبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ قال: يحمل الليل.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل ﴾ قال: هو غشيان أحدهما على الآخر.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل ﴾ قال: يغشي هذا هذا، وهذا هذا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار ﴾ التكوير اللف والليّ، ومنه: كوّر العمامة التي يلتوي بعضها على بعض وهو هنا استعارة، ومعناه على ما قال ابن عطية: يعيد من هذا على هذا، فكأن الذي يطيل من النهار أو الليل يصير منه على الآخر جزءاً فيستره، وكأن الذي ينقص يدخل في الذي يطول فيستتر فيه.

ويحتمل أن يكون المعنى أن كل واحد منهما يغلب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في ستره له بثوب يلف على الآخر ﴿ لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ يعني يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة، لا عبثًا كما يقول الظالمون، يدخل الليل على النهار، ويدخل النهار على الليل، فإذا جاء أحدهما غاب الآخر، وذَلَّل الشمس، وذَلَّل القمر، كل منهما يجري لوقت مُقَدَّر هو انقضاء هذه الحياة، ألا هو سبحانه العزيز الذي ينتقم من أعدائه، ولا يغالبه أحد، الغفار لذنوب من تاب من عباده.

من فوائد الآيات الداعي إلى الله يحتسب الأجر من عنده، لا يريد من الناس أجرًا على ما يدعوهم إليه من الحق.

التكلُّف ليس من الدين.

التوسل إلى الله يكون بأسمائه وصفاته وبالإيمان وبالعمل الصالح لا غير.

<div class="verse-tafsir" id="91.eX7xb"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله