الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٤٣ من سورة غافر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٣ من سورة غافر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( لا جرم أنما تدعونني إليه ) يقول : حقا .
قال السدي وابن جرير : معنى قوله : ( لا جرم ) حقا .
وقال الضحاك : ( لا جرم ) لا كذب .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( لا جرم ) يقول : بلى ، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ( ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ) قال مجاهد : الوثن ليس بشيء .
وقال قتادة : يعني الوثن لا ينفع ولا يضر .
وقال السدي : لا يجيب داعيه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .
وهذا كقوله تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] ، ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) [ فاطر : 14 ] .
وقوله : ( وأن مردنا إلى الله ) أي : في الدار الآخرة ، فيجازي كلا بعمله ; ولهذا قال : ( وأن المسرفين هم أصحاب النار ) أي : خالدين فيها بإسرافهم ، وهو شركهم بالله .
القول في تأويل قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) يقول: حقا أن الذي تدعونني إليه من الأوثان, ليس له دعاء في الدنيا ولا في الآخرة, لأنه جماد لا ينطق, ولا يفهم شيئا.
و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا ) قال: الوثن ليس بشيء.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) : أي لا ينفع ولا يضرّ.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) (1) .
وقوله: ( وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ) يقول: وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى الله ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) يقول: وإن المشركين بالله المتعدّين حدوده, القتلة النفوس التي حرم الله قتلها, هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع, فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: هم السفَّاكون الدماء بغير حقها.
حدثنا عليّ بن سهل, قال: ثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد في قول الله ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) قال: السفاكون الدماء بغير حقها, هم أصحاب النار.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال: سماهم الله مسرفين, فرعون ومن معه.
وقال آخرون: هم المشركون.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة,( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) : أي المشركون.
وقد بيَّنا معنى الإسراف فيما مضى قبل بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.
وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا, لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه, إنما قصد فرعون به لكفره, وما كان همّ به من قتل موسى, وكان فرعون عاليا عاتيا في كفر.
سفاكا للدماء التي كان محرّما عليه سفكها, وكلّ ذلك من الإسراف, فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.
------------------------ الهوامش: (1) سقط التفسير من قلم الناسخ ، والذي في ابن كثير عنه :" لا يجيب داعيه ، لا في الدنيا ولا في الآخرة" .
ا هـ .
لا جرم تقدم الكلام فيه ، ومعناه حقا أنما تدعونني إليه ما بمعنى الذي ليس له دعوة قال الزجاج : ليس له استجابة دعوة تنفع ، وقال غيره : ليس له دعوة توجب له الألوهية في الدنيا ولا في الآخرة [ ص: 284 ] وقال الكلبي : ليس له شفاعة في الدنيا ولا في الآخرة .
وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام ، ثم دعاهم إلى عبادة البقر ، فكانت تعبد ما كانت شابة ، فإذا هرمت أمر بذبحها ، ثم دعا بأخرى لتعبد ، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى .وأن المسرفين هم أصحاب النار قال قتادة وابن سيرين يعني المشركين .
وقال مجاهد والشعبي : هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها .
وقال عكرمة : الجبارون والمتكبرون .
وقيل : هم الذي تعدوا حدود الله .
وهذا جامع لما ذكر .
و " أن " في المواضع في موضع نصب بإسقاط حرف الجر .
وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن لا جرم رد لكلام يجوز أن يكون موضع أن رفعا على تقدير : وجب أن ما تدعونني إليه ، كأنه قال : وجب بطلان ما تدعونني إليه ، والمرد إلى الله ، وكون المسرفين هم أصحاب النار .
{ لَا جَرَمَ } أي: حقًا يقينًا { أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ } أي: لا يستحق من الدعوة إليه، والحث على اللجأ إليه، في الدنيا ولا في الآخرة، لعجزه ونقصه، وأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا.{ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ } تعالى فسيجازي كل عامل بعمله.
{ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ } وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجرؤ على ربهم بمعاصيه والكفر به، دون غيرهم.فلما نصحهم وحذرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافقوه قال لهم:
( لا جرم ) حقا ، ( أنما تدعونني إليه ) أي : إلى الوثن ، ( ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ) قال السدي : لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة ، يعني ليست له استجابة دعوة .
وقيل : ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا ؛ لأن الأوثان لا تدعي الربوبية ، ولا تدعو إلى عبادتها ، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها .
( وأن مردنا إلى الله ) : مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحق ، ( وأن المسرفين ) المشركين ، ( هم أصحاب النار ) .
«لا جرم» حقا «أنما تدعونني إليه» لأعبده «ليس له دعوة» أي استجابة دعوة «في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا» مرجعنا «إلى الله وأن المسرفين» الكافرين «هم أصحاب النار».
حقًا أن ما تدعونني إلى الاعتقاد به لا يستحق الدعوة إليه، ولا يُلجأ إليه في الدنيا ولا في الآخرة لعجزه ونقصه، واعلموا أن مصير الخلائق كلها إلى الله سبحانه، وهو يجازي كل عامل بعمله، وأن الذين تعدَّوا حدوده بالمعاصي وسفك الدماء والكفر هم أهل النار.
ثم يؤكد لهم بصورة لا تقبل الشك أو التردد أنما يطلبونه منه هو الباطل وأن ما يطلبه منهم هو الحق فيقول : ( لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الآخرة .
.
)وجرم : فعل ماض بمعنى حق وثبت ووجب .
وقد وردت هذه الكلمة فى القرآن فى خمسة مواضع ، وفى كل موضع جاءت متلوة بأنّ واسمها .وجمهورالنحاة على أنها مركبة من " لا " و " جرم " تركيب خمسة عشر .
ومعناها بعد هذا التركيب معنى الفعل حق وثبت ، والجملة بعدها هى الفاعل لهذا الفعل .
.ومن النحاة من يرى أن " لا " نافية للجنس ، و " جرم " اسمها ، وما بعدها خبرها .أى : حق وثبت لدى بما لا يقبل الشك ، أن آلهتكم التى تدعوننى لعبادتها آلهة باطلة ، لا وزن لها ولا قيمة لا فى الدنيا ولا فى الآخرة .
.( وَأَنَّ مَرَدَّنَآ ) جميعا ( إِلَى الله ) - تعالى - وحده ( وَأَنَّ المسرفين ) أى : المستكثرين من المعاصى فى الدنيا ( هُمْ أَصْحَابُ النار ) فى الآخرة .
اعلم أنه تعالى لما وصف فرعون بكونه متكبراً جباراً بين أنه أبلغ في البلادة والحماقة إلى أن قصد الصعود إلى السموات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الجمع الكثير من المشبة بهذه الآية في إثبات أن الله في السموات وقرروا ذلك من وجوه: الأول: أن فرعون كان من المنكرين لوجود الله، وكل ما يذكره في صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه سمع أن موسى يصف الله بذلك، فهو أيضاً يذكره كما سمعه، فلولا أنه سمع موسى يصف الله بأنه موجود في السماء وإلا لما طلبه في السماء، الوجه الثاني: أنه قال وإني لأظنه كاذباً، ولم يبين أنه كاذب فيماذا، والمذكور السابق متعين لصرف الكلام إليه فكأن التقدير فأطلع إلى الإله الذي يزعم موسى أنه موجود في السماء، ثم قال: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا ﴾ أي وإني لأظن موسى كاذباً في إدعائه أن الإله موجود في السماء، وذلك يدل على أن دين موسى هو أن الإله موجود في السماء الوجه الثالث: العلم بأنه لو وجد إله لكان موجوداً في السماء علم بديهي متقرر في كل العقول ولذلك فإن الصبيان إذا تضرعوا إلى الله رفعوا وجوههم وأيديهم إلى السماء، وإن فرعون مع نهاية كفره لما طلب الإله فقد طلبه في السماء، وهذا يدل على أن العلم بأن الإله موجود في السماء علم متقرر في عقل الصديق والزنديق والملحد والموحد والعالم والجاهل.
فهذا جملة استدلالات المشبهة بهذه الآية، والجواب: أن هؤلاء الجهال يكفيهم في كمال الخزي والضلال أن جعلوا قول فرعون اللعين حجة لهم على صحة دينهم، وأما موسى عليه السلام فإنه لم يزد في تعريف إله العالم على ذكر صفة الخلاقية فقال في سورة طه ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ وقال في سورة الشعراء ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ فظهر أن تعريف ذات الله بكونه في السماء دين فرعون وتعريفه بالخلاقية والموجودية دين موسى، فمن قال بالأول كان على دين فرعون، ومن قال بالثاني كان على دين موسى، ثم نقول لا نسلم أن كل ما يقوله فرعون في صفات الله تعالى فذلك قد سمعه من موسى عليه السلام، بل لعله كان على دين المشبهة فكان يعتقد أن الإله لو كان موجوداً لكان حاصلاً في السماء، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام.
وأما قوله: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا ﴾ فنقول لعله لما سمع موسى عليه السلام قال: ﴿ رَبّ السموات والأرض ﴾ ظن أنه عنى به أنه رب السموات، كما يقال للواحد منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكناً فيه، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه، وهذا ليس بمستبعد، فإن فرعون كان بلغ في الجهل والحماقة إلى حيث لا يبعد نسبة هذا الخيال إليه، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك لائقاً بهم، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه.
وأما قوله إن فطرة فرعون شهدت بأن الإله لو كان موجوداً لكان في السماء، قلنا نحن لا ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة ذلك لا سيما من بلغ في الحماقة إلى درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط.
المسألة الثانية: اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السماء أم لا؟
أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح، والذي عندي أنه بعيد والدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من المجانين أو كان من العقلاء، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه، لأن العقل شرط في التكليف، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن، وأما إن قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي، ويعلم أيضاً ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء، وإذا كان فساد هذا معلوماً بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون، والذي عندي في تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئاً نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجوداً لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه، ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السموات ﴿ قَالَ ياهامان ابن لِى صَرْحاً لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب ﴾ والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ وليس المراد منه أن محمداً صلى الله عليه وسلم طلب نفقاً في الأرض أو وضع سلماً إلى السماء، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود، فكذا هاهنا غرض فرعون من قوله: ﴿ ياهامان ابن لِى صَرْحاً ﴾ يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعاً، فحينئذٍ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب.
واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّن لفرعون أن الطريق في معرفة الله تعالى إنما هو الحجة والدليل كما قال: ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل، وألقى إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلا الإحساس بهذا الإله وجب نفيه، فهذا ما عندي في هذا الباب وبالله التوفيق والعصمة.
المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها بحيث تكون هي الأسباب لحدوث الحوادث في هذا العالم الأسفل، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب أسباب السموات ﴾ ومعلوم أنها ليست أسباباً إلا لحوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى في سورة ص ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب ﴾ أما المفسرون فقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب أسباب السموات ﴾ أن المراد بأسباب السموات طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب كالرشاد ونحوه.
المسألة الرابعة: قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أن هامان ما كان موجوداً ألبتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر، فالقول بأن هامان كان موجوداً في زمان فرعون خطأ في التاريخ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الاسم في زمانه، قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجوداً في زمان فرعون ما كان شخصاً خسيساً في حضرة فرعون بل كان كالوزير له، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان موجوداً لعرف حاله، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجوداً في زمان فرعون وإنما جاء بعده بأدوار علم أن غلط وقع في التواريخ، قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم فلو أن قائلاً ادعى أن أبا حنيفة كان موجوداً في زمان محمد عليه السلام وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو يسمى بأبي حنيفة، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا هاهنا والجواب: أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي مضبوطة فظهر الفرق بين البابين، فهذا جملة ما يتعلق بالمباحث المعنوية في هذه الآية، وبقي ما يتعلق بالمباحث اللفظية.
قيل الصرح البناء الظاهر لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من صرح الشيء إذ ظهر و ﴿ أسباب السموات ﴾ طرقها، فإن قيل ما فائدة هذا التكرير.
ولو قيل: لعلي أبلغ الأسباب السموات، كان كافياً؟
أجاب صاحب الكشاف عنه فقال: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه، فلما أراد تفخيم أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها، وقوله: ﴿ فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى ﴾ قرأ حفص عن عاصم ﴿ فَأَطَّلِعَ ﴾ بفتح العين والباقون بالرفع، قال المبرد: من رفع فقد عطفه على قوله: ﴿ أبلغ ﴾ والتقدير لعلي أبلغ الأسباب ثم أطلع إلا أن حرف ثم أشد تراخياً من الفاء، ومن نصب جعله جواباً، والمعنى لعلي أبلغ الأسباب فمتى بلغتها أطلع والمعنى مختلف، لأن الأول: لعلي أطلع والثاني: لعلي أبلغ وأنا ضامر أني متى بلغت فلابد وأن أطلع.
واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذه القصة قال بعدها ﴿ كاذبا وكذلك زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ وَصُدَّ ﴾ بضم الصاد، قال أبو عبيدة: وبه يقرأ، لأن ما قبله فعل مبني للمفعول به فجعل ما عطف عليه مثله، والباقون ﴿ وَصُدَّ ﴾ بفتح الصاد على أنه منع الناس عن الإيمان، قالوا ومن صده قوله: ﴿ لأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ ويؤيد هذه القراءة قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ وقوله: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام ﴾ .
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ زُيّنَ ﴾ لابد له من المزين، فقالت المعتزلة: إنه الشيطان، فقيل لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان، فالمزين للشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم إثبات التسلسل في الشياطين أو الدور وهو محال، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات في درجات الحاجات إلى واجب الوجود، وأيضاً فقوله: ﴿ زُيّنَ ﴾ يدل على أن الشيء إن لم يكن في اعتقاد الفاعل موصوفاً بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه، إلا أن ذلك الاعتقاد إن كان صواباً فهو العلم، وإن كان خطأ فهو الجهل، ففاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان، لأن العاقل لا يقصد تحصيل الجهل لنفسه، ولأنه إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلاً، ومتى عرف كونه جهلاً امتنع بقاؤه جاهلاً، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان، ولا يجوز أن يكون فاعله هو الشيطان، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه، فلم يبق إلا أن يكون فاعله هو الله تعالى، والله أعلم.
ويقوي ما قلناه أن صاحب الكشاف نقل أنه قرئ ﴿ وَزينَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ ﴾ على البناء للفاعل والفعل لله عزّ وجلّ، ويدل عليه قوله: ﴿ إلى إله موسى ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ والتباب الهلاك والخسران، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: لم كرر نداء قومه؟
ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟
قلت: أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة.
وفيه: أنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك، أن لا يتهموه، فإنّ سرورهم سروره، وغمهم غمه، وينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه: ﴿ يا أبت ﴾ .
وأما المجيء بالواو العاطفة، فلأن الثاني داخل على كلام وهو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث: فداخل على كلام ليس بتلك المثابة.
يقال: دعاه إلى كذا ودعاه له، كما تقول: هداه إلى الطريق وهداه له ﴿ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: بربوبيته، والمراد بنفي العلم: نفي المعلوم، كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وما ليس بإله كيف يصحّ أن يعلم إلها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ ﴾ كَرَّرَ نِداءَهم إيقاظًا لَهم عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ واهْتِمامًا بِالمُنادى لَهُ، ومُبالَغَةً في تَوْبِيخِهِمْ عَلى ما يُقابِلُونَ بِهِ نُصْحَهُ، وعَطْفُهُ عَلى النِّداءِ الثّانِي الدّاخِلِ عَلى ما هو بَيانٌ لِما قَبْلَهُ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ عَلى الأوَّلِ، فَإنَّ ما بَعْدَهُ أيْضًا تَفْسِيرٌ لِما أجْمَلَ فِيهِ تَصْرِيحًا أوْ تَعْرِيضًا أوْ عَلى الأوَّلِ.
﴿ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ والدُّعاءُ كالهِدايَةِ في التَّعْدِيَةِ بِإلى واللّامِ.
﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ ﴾ بِرُبُوبِيَّتِهِ.
﴿ عِلْمٌ ﴾ والمُرادُ نَفْيُ المَعْلُومِ والإشْعارُ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ فاعْتِقادُها لا يَصِحُّ إلّا عَنْ إيقانٍ.
﴿ وَأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ ﴾ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ المُجازاةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ والغُفْرانِ.
<div class="verse-tafsir"
{لاَ جَرَمَ} عند البصريين لا رد لما دعاه اليه قومه وجرم فعل بمعنى حق وان مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته {أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الآخرة} معناه ان ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط أي من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي الربوبية أو معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة دعوة مستجابة جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة كلا دعوة أو سميت الاستجابة باسم الدعوة كما سمي الفعل المجازي عليه
بالجزاء في قوله كما تدين تدان {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله} وأن رجوعنا إليه {وَأَنَّ المسرفين} وأن المشركين {هُمْ أصحاب النار}
﴿ لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ سِياقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ لا رَدَّ لِكَلامٍ سابِقٍ وهو ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ ها هُنا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وشِرْكِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ عَزَّ وجَلَّ بِهِ و( جَرَمَ ) فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى ثَبَتَ وحَقَّ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُبَيْدَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها فاعِلَةٌ أيْ ثَبَتَ وحَقَّ عَدَمُ دَعْوَةٍ لِلَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ الأصْنامِ إلى نَفْسِهِ أصْلًا يَعْنِي أنَّ مِن حَقِّ المَعْبُودِ بِالحَقِّ أنْ يَدْعُوَ العِبادَ المُكْرَمِينَ كالأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إلى نَفْسِهِ ويَأْمُرَهم بِعِبادَتِهِ ثُمَّ يَدْعُو العِبادُ بَعْضُهم بَعْضًا إلَيْهِ تَعالى وإلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وما تَدْعُونَ إلَيْهِ وإلى عِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ لا يَدْعُو هو إلى ذَلِكَ ولا يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ أصْلًا لا في الدُّنْيا لِأنَّهُ جَمادٌ فِيها لا يَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِن دُعاءٍ وغَيْرِهِ ولا في الآخِرَةِ لِأنَّهُ إذا أنْشَأهُ اللَّهُ تَعالى فِيها حَيَوانًا تَبَرَّأ مِنَ الدُّعاةِ إلَيْهِ ومِن عَبَدَتِهِ وحاصِلُهُ حَقٌّ أنْ لَيْسَ لِآلِهَتِكم دَعْوَةٌ أصْلًا فَلَيْسَتْ بِآلِهَةٍ حَقَّةٍ أوْ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ الدُّعاءِ السّابِقِ الَّذِي دَعاهُ قَوْمُهُ وإنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها مَفْعُولُهُ أيْ كَسَبَ دُعاؤُكم إيّايَ إلى آلِهَتِكم أنْ لا دَعْوَةَ لَها أيْ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِها وذَهابُها ضَياعًا، وقِيلَ: ( جَرَمَ ) اسْمُ لا وهو مَصْدَرٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِمَعْنى القَطْعِ والخَبَرُ أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها عَلى مَعْنى لا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ أيْ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ البُطْلانُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَيَنْقَلِبُ حَقًّا، وهَذا البُطْلانُ هو مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ ..
إلَخْ، ولا ( جَرَمَ ) عَلى هَذا مِثْلَ لا بُدَّ فَإنَّهُ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ وانْقِطاعُ بَعْضِ الشَّيْءِ مِن بَعْضٍ، ومِن ثَمَّ قِيلَ: المَعْنى لا بُدَّ مِن بُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ أيْ بُطْلانُها أمْرٌ ظاهِرٌ مُقَرَّرٌ، ونُقِلَ هَذا القَوْلُ عَنِ الفَرّاءِ، وعَنْهُ أنَّ ذَلِكَ هو أصْلُ لا ( جَرَمَ ) لَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى حَقًّا فَلِهَذا يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ في مِثْلِ لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ.
وفي الكَشّافِ ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ لا جَرَمَ أنَّهُ يَفْعُلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ أيْ لا بُدَّ وفَعَلَ وفُعْلَ أخَوانِ كَرَشَدَ ورُشْدٍ وعَدَمَ وعُدْمٍ، وهَذِهِ اللُّغَةُ تُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالِاسْمِيَّةِ في اللُّغَةِ الأُخْرى ولا تُعَيِّنُها كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في لا جَرَمَ أيْضًا فَلْيُتَذَكَّرْ.
ولامَ لَهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ لِنِسْبَةِ الدَّعْوَةِ إلى الفاعِلِ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِنِسْبَتِها إلى المَفْعُولِ فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يَدْعُونَ آلِهَتَهم في الآيَةِ دُعاءَهم إيّاها في مَعْنى نَفْيِ الِاسْتِجابَةِ مِنها لِدُعائِهِمْ إيّاها، فالمَعْنى أنَّ ما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ الأصْنامِ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ لِمَن يَدْعُوهُ أصْلًا أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ أيْ لا يَدَّعِي دُعاءً يَسْتَجِيبُهُ لِداعِيهِ.
فالكَلامُ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وجُوِّزَ التَّجَوُّزُ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ فَعَنِ اسْتِجابَتِها الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها، وهَذا كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازِيُّ عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ وهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ عِنْدَ بَعْضٍ ﴿ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَرْجِعَنا إلَيْهِ تَعالى بِالمَوْتِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى أنَّ ما تَدْعُونَنِي داخِلٌ في حُكْمِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ وفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ ( اَلْمُسْرِفِينَ ) هُنا بِالسَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَلِّها فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ خَتَمَ تَعْرِيضًا بِما افْتَتَحَ بِهِ تَصْرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا ﴾ .
وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الإشْراكَ إسْرافٌ في الضَّلالَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ فَهو مُسْرِفٌ والمُرادُ بِأصْحابِ النّارِ مُلازِمُوها، فَإنْ أُرِيدَ بِالمُسْرِفِينَ ما يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي أُرِيدَ بِالمُلازَمَةِ العُرْفِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِمْ ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ فَهي بِمَعْنى الخُلُودِ.
<div class="verse-tafsir"
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وهو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل.
ويقال: كان ابن فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ، وكان قد أسلم سراً من فرعون.
قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: اليد، والعصا.
وروى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله فقال: «أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن رسول الله ، ثم قال أبو بكر: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ يعني: فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة، ولا برهان.
وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله، وكذبتموه، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب.
يعني: بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا.
ويقال: بعض الذي يعدكم فيه.
أي: جميع الذي يعدكم، كقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: 63] أي: جميع الذي تختلفون فيه، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد، ولا يوفق إلى دينه، مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في قوله: كَذَّابٌ يعني: الذي عادته الكذب.
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: ملك مصر، ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: غالبين على أرض مصر، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يعني: من يعصمنا من عذاب الله، إِنْ جاءَنا يعني: أرأيتم إن قتلتم موسى، وهو الصادق، فمن يمنعنا من عذاب الله.
فلما سمع فرعون قول المؤمن، قالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى يعني: ما أريكم من الهدى، إلا ما أرى لنفسي.
ويقال: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى وقرئ في الشاذ الرَّشادِ بتشديد الشين.
يعني: سبيل الرشاد الذي يرشد الناس.
ويقال: رشاد اسم من أسماء أصنامه.
قوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني: أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ أي مثل عذاب قوم نوح، وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني: لا يعذبهم بغير ذنب، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ وهو من نَدَّ يَند، وهو من تنادى، يتنادى، تنادياً.
وروى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قرأ: يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال.
وقال: تندون كما تند الإبل، وهذا موافق لما بعده، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وكقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) [عبس: 34، 35] .
وقرأ الحسن يَوْمَ التَّنَادِي بالياء، وهو من النداء.
يوم ينادى كل قوم بأعمالهم.
وينادي المنادي من مكان بعيد.
وينادي أهل النار أهل الجنة.
وينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف: 44] وقراءة العامة.
التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء، فحذف الياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقوله: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: هاربين.
قال الكلبي: هاربين، إذا انطلق بهم إلى النار، فعاينوها، هربوا.
فيقال لهم: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي: ليس لكم من عذاب الله من مانع.
وقال مقاتل: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين بعد الحساب إلى النار، كقوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني: من مانع من عذابه.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى، فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من مرشد، وموفق.
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ هذا قول حزبيل أيضاً لقوم فرعون قال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ويقال: يعني: به أهل مصر، وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون، لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: 91] وإنما أراد به آباءهم بِالْبَيِّناتِ أي: بتعبير الرؤيا.
وروي عن وهب بن منبه: قال فرعون: موسى هو الذي كان في زمن يوسف، وعاش إلى وقت موسى.
وهذا خلاف قول جميع المفسرين.
فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من تصديق الرؤيا، وبما أخبركم، حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني: مات، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.
يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يعني: من هو مشرك، شاك في توحيد الله.
ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أي: عظم بغضاً لهم من الله، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عند المؤمنين كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ أي: يختم الله بالكفر، عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يعني: متكبر عن عبادة الله تعالى.
قرأ أبو عمرو: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بالتنوين.
جعل قوله متكبر نعتاً للقلب.
ومعناه: أن صاحبه متكبر.
والباقون: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن المتكبر هو الرجل، وأضاف القلب إليه.
<div class="verse-tafsir"
يكونَ واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في التَّنُّورُ أنه تَنُّورُ الخبز، وأَنَّها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح- عليه السلام-.
٣٠ ب وقوله: فَاسْلُكْ: معناه: فأدخل يقال سلك وأسلك بمعنىً، وقرأ حفص/ عن عاصم «١» : «مِنْ كُلٍّ» بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كُلَّ ما شأنه الاصطحابُ من كل شيءٍ نحو: الذكر والأنثى من الحيوان، ونحو: النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة.
وقوله: وَأَهْلَكَ يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القولُ بأَنَّهُ كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أُمِرَ نوحٌ ألاَّ يراجعَ رَبَّه، ولا يخاطبَه شافعاً في أحد من الظالمين، ثم أُمِرَ بالدعاء في بركة المنزل.
وقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ خطاب لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمنَ بعد الزمنِ على جهة الوعيد لِكُفَّارِ قريشٍ بهذا الإخبار، واللام في لَمُبْتَلِينَ لامُ تأكيدٍ، و «مبتلين» : معناهُ: مُصِيبِينَ ببلاء، ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)
وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.
قال الطبريُّ «٢» - رحمه الله-: إنَّ هذا القرنَ هم ثمودُ، قومُ صالح.
قال ع «٣» : وفي جُلِّ الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدمٌ، إلاَّ أنَّهم لم يُهْلَكُوا بصيحة.
ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى نَصِيحَةِ المُؤْمِنِ لِقَوْمِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ ﴾ أيْ: طَرِيقَ الهُدى، ﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ﴾ يَعْنِي الحَياةَ في هَذِهِ الدّارِ مَتاعٌ يَتَمَتَّعُ بِها أيّامًا ثُمَّ تَنْقَطِعُ ﴿ وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ ﴾ الَّتِي لا زَوالَ لَها.
﴿ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ، ومِثْلُها جَهَنَّمُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: المَعاصِي، ومِثْلُها: العُقُوبَةُ بِمِقْدارِها، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
فَعَلى الأوَّلِ، العَمَلُ الصّالِحُ: التَّوْحِيدُ، وعَلى الثّانِي، هو [عَلى] الإطْلاقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالفَتْحِ، وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيما يُعْطَوْنَ في الجَنَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يَصُبُّ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ صَبًّا بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ ﴿ أسْبابَ السَماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ عَنِ السَبِيلِ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَشادِ ﴾ ﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ ﴾ ﴿ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أعْيَتْهُ الحِيَلُ في مُقاوَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِحُجَّةٍ، وظَهَرَ لِجَمِيعِ المُشاهِدِينَ أنَّ ما يَدْعُو إلَيْهِ مُوسى هو عِبادَةُ إلَهِ السَماءِ، فَنادى فِرْعَوْنُ هامانَ - وهو وزِيرُهُ والناظِرُ في أُمُورِهِ - فَأمَرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ بِناءً عالِيًا نَحْوَ السَماءِ، و"الصَرْحُ" كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ شَنِيعِ القَدْرِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الظُهُورِ والصَراحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "صَرِيحُ النَسَبِ، وصَرَّحَ بِقَوْلِهِ"، فَيُرْوى أنَّ هامّانَ طَبْخَ الآجُرَّ - ولَمْ يُطْبَخْ قَبْلَهُ - وبَناهُ ارْتِفاعَ مِائَةَ ذِراعٍ، فَبَعَثَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَمَسْحَهُ بِجَناحِهِ فَكَسَرَهُ ثَلاثَ كِسَرٍ، تَفَرَّقَتِ اثْنَتانِ ووَقَعَتْ ثالِثَةٌ في البَحْرِ، ورُوِيَ أنَّ هامّانَ لَمْ يَكُنْ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: كانَ مِنهُمْ، و"الأسْبابَ": الطُرُقُ، قالَهُ السُدِّيُّ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابُ، وقِيلَ: عَنى: لَعَلَّهُ يَجِدُ مَعَ قُرْبِهِ مِنَ السَماءِ سَبَبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَأطَّلِعَ" ﴾ بِالرَفْعِ عَطَفا عَلى "أبْلَغُ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ: "فَأطَّلِعَ" بِالنَصْبِ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي.
ولَمّا قالَ فِرْعَوْنُ بِمَحْضَرٍ مِن مَلَئِهِ: ﴿ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى ﴾ اقْتَضى كَلامُهُ الإقْرارَ بِإلَهِ مُوسى، فاسْتَدْرَكَ ذَلِكَ اسْتِدْراكًا قَلِقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ زُيِّنَ ﴾ أيْ أنَّهُ كَما تَخَرَّقَ فِرْعَوْنُ في بِناءِ الصَرْحِ والأخْذِ في هَذِهِ الفُنُونِ المُقْصِرَةِ، كَذَلِكَ جَرى جَمِيعُ أمْرِهِ، وزُيِّنَ لَهُ، أيْ زَيَّنَ الشَيْطانُ سُوءَ عَمِلَهُ في كُلِّ أفْعالِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَصُدَّ عَنِ السَبِيلِ" ﴾ بِفَتْحِ الصادِ، بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وجَماعَةٌ بِضَمِّ الصادِ وفَتْحِ الدالِّ المُشَدَّدَةِ: "وَصُدَّ" عَطَفًا عَلى "زُيِّنَ" وحَمَلًا عَلَيْهِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدَّ" بِكَسْرِ الصادِ عَلى مَعْنى صَدَّ أصْلُهُ صَدَدَ، فَنُقِلَتِ الحَرَكَةُ ثُمَّ أُدْغِمَتِ الدالُ في الدالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكَرَةَ: "وَصَدٌّ" بِفَتْحِ الصادِ ودالٍ مُهْمِلَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ .
وِ"السَبِيلُ": سَبِيلُ الشَرْعِ والإيمانِ، و"التِبابُ": الخُسْرانُ، ومِنهُ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ﴾ ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وتَبُّ فِرْعَوْنَ ظاهِرٌ لِأنَّهُ خَسِرَ مالَهُ في الصَرْحِ وغَيْرِهُ، وخَسِرَ مُلْكَهُ، وخَسِرَ نَفْسَهُ، وخَلَدَ في جَهَنَّمَ.
ثُمَّ وعَظَ الَّذِي آمَنَ فَدَعا إلى اتِّباعِ أمْرِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ اتَّبِعُونِ أهْدِكُمْ ﴾ يُقَوِّي أنَّ المُتَكَلِّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإنْ كانَ الآخَرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، أيِ: اتَّبَعُونِي في اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
ثُمَّ زَهَّدَ في الدُنْيا وأخْبَرَ أنَّهُ شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا، ورَغَّبَ في الآخِرَةِ، إذْ هي دارُ الِاسْتِقْرارِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "يَدْخُلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وعِيسى: "يُدْخَلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أعاد نداءهم وعطفت حكايته بواو العطف للإشارة إلى أن نداءه اشتمل على ما يقتضي في لغتهم أن الكلام قد تخطى من غرض إلى غرض وأنه سَيَطْرَق ما يغاير أول كلامه مغايرة مَّا تُشبه مغايرة المتعاطفين في لغة العرب، وأنه سيرتقي باستدراجهم في دَرَج الاستدلال إلى المقصود بعد المقدمات، فانتقل هنا إلى أن أنكر عليهم شيئاً جرى منهم نحوه وهو أنهم أعقبوا موعظتَهُ إياهم بدعوته للإقلاع عن ذلك وأن يتمسك بدينهم وهذا شيء مطوي في خلال القصة دلت عليه حكاية إنكاره عليهم، وهو كلامُ آيسسٍ من استجابتهم لقوله فيه: ﴿ فَسَتَذكُرُونَ مَا أقولُ لَكُم ﴾ [غافر: 44]، ومُتَوقِّععٍ أذاهم لقوله: ﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلَى الله ﴾ [غافر: 44]، ولقوله تعالى آخر القصة: ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ [غافر: 45].
فصرّح هنا وبينّ بأنه لم يزل يدعوهم إلى اتباع ما جاء به موسى وفي اتّباعه النجاة من عذاب الآخرة فهو يدعوهم إلى النجاة حقيقة، وليس إطلاق النجاة على ما يدعوهم إليه بمجاز مرسل بل يدعوهم إلى حقيقة النجاة بوسائط.
والاستفهام في ﴿ مَا لِي أدْعُوكم إلى النجاة ﴾ استفهام تعجبي باعتبار تقييده بجملة الحال وهي ﴿ وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ ﴾ فجملة ﴿ وتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ ﴾ في موضع الحال بتقدير مبتدأ، أي وأنتم تدعونني إلى النار وليست بعطف لأن أصل استعمال: ما لي أفعل، وما لي لا أفعل ونحوه، أن يكون استفهاماً عن فعل أو حاللٍ ثبت للمجرور باللام (وهي لام الاختصاص)، ومعنى لام الاختصاص يَكسب مدخولها حالةً خَفيًّا سببُها الذي عُلق بمدخول اللام نحو قوله تعالى: ﴿ ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللَّه اثّاقلتم إلى الأرض ﴾ [التوبة: 38] ﴿ ما لي لا أرى الهدهد ﴾ [النمل: 20] وقولك لمن يستوقفك: ما لك؟
فتكون الجملة التي بعد اسم الاستفهام وخبره جملة فعلية.
وتركيب: ما لي ونحوه، هو كتركيب: هل لك ونحوه في قوله تعالى: ﴿ فقل هل لك إلى أن تزكى ﴾ [النازعات: 18] وقول كعب بن زهير: ألا بلغا عني بُجيرا رسالة *** فهل لك فيما قلتَ ويحْك هلْ لَكَ فإذا قامت القرينة على انتفاء إرادة الاستفهام الحقيقي انصرف ذلك إلى التعجب من الحالة، أو إلى الإِنكار أو نحو ذلك.
فالمعنى هنا على التعجب يعني أنه يعجب من دعوتهم إياه لدينهم مع ما رأوا من حرصه على نصحهم ودعوتهم إلى النجاة وما أتاهم به من الدلائل على صحة دعوته وبطلان دعوتهم.
وجملة ﴿ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بالله ﴾ بيان لجملة ﴿ وتدعونني إلى النار ﴾ لأن الدعوة إلى النار أمر مجمل مستغرب فبينه ببيان أنهم يدعونه إلى التلبس بالأسباب الموجبة عذاب النار.
والمعنى: تدعونني للكفر بالله وإشراك ما لا أعلم مع الله في الإِلهية.
ومعنى ﴿ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ ما ليس لي بصحته أو بوجوده علم، والكلام كناية عن كونه يعلم أنها ليست آلهة بطريق الكناية بنفي اللازم عن نفي الملزوم.
وعطف عليه ﴿ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفَّار ﴾ فكان بياناً لمجمل جملة ﴿ أدْعُوكُمْ إلَى النجاة ﴾ .
وإبراز ضمير المتكلم في قوله: ﴿ وأنا أدعوكم ﴾ لإِفادة تقوِّي الخبر بتقديم المسند إليه على خبره الفعلي.
وفعل الدعوة إذا ربط بمتعلق غير مفعوله يعدّى تارة باللام وهو الأكثر في الكلام، ويعدى بحرف (إلى) وهو الأكثر في القرآن لما يشتمل عليه من الاعتبارات ولذلك علق به معموله في هذه الآية أربع مرات ب (إلى) ومرة باللام مع ما في ربط فعل الدعوة بمتعلقه الذي هو من المعنويات من مناسبة لام التعليل مثل ﴿ تدعونني لأكْفُرَ بالله وأُشْرِكَ بِهِ ﴾ ، وربطِه بما هو ذات بحرف (إلى) في قوله: ﴿ أدْعُوكم إلى النجاة ﴾ فإن النجاة هي نجاة من النار فهي نجاة من أمر محسوس، وقوله: ﴿ وتدعونني إلى النَّار ﴾ وقوله: ﴿ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ﴾ الخ، لأن حرف (إلى) دالّ على الانتهاء لأن الذي يدعو أحداً إلى شيء إنما يدعوه إلى أن ينتهي إليه، فالدعاء إلى الله الدعاء إلى توحيده بالربوبية فشبه بشيء محسوس تشبيه المعقول بالمحسوس، وشبه اعتقادُه صحتَه بالوصول إلى الشيء المسعي إليه، وشبهت الدعوة إليه بالدلالة على الشيء المرغوب الوصول إليه فكانت في حرف (إلى) استعارة مكنية وتخييلية وتبعية، وفي ﴿ العَزِيزِ الغفار ﴾ استعارة مكنية، وفي ﴿ أدعوكم ﴾ استعارة تبعية وتخييلية.
وعدل عن اسم الجلالة إلى الصفتين ﴿ العَزِيزِ الغفار ﴾ لإِدماج الاستدلال على استحقاقه الإِفراد بالإِلهية والعبادة، بوصفه ﴿ العزيز ﴾ لأنه لا تناله الناس بخلاف أصنامهم فإنها ذليلة توضع على الأرض ويلتصق بها القتام وتلوثها الطيور بذرقها، ولإِدماج ترغيبهم في الإقلاع عن الشرك بأن الموحد بالإِلهية يغفر لهم ما سلف من شركهم به حتى لا ييأسوا من عفوه بعد أن أساءوا إليه.
وجملة ﴿ لا جَرَمَ أنما تَدْعُونني ﴾ بيان لجملة ﴿ تَدْعُونني لأكْفُرَ بِالله ﴾ .
وكلمة ﴿ لا جَرَم ﴾ بفتحتين في الأفصح من لغاتتٍ ثلاث فيها، كلمة يراد بها معنى لا يثبت أو لا بد، فمعنى ثبوته لأن الشيء الذي لا ينقطع هو باق وكل ذلك يؤول إلى معنى حق وقد يقولون: لا ذا جرم، ولا أنَّ ذا جرم، ولا عَنَّ ذا جرم، ولاَ جَرَ بدون ميم ترخيماً للتخفيف.
والأظهر أن {جَرم اسم لا فعل لأنه لو كان فعلاً لكان ماضياً بحسب صيغته فيكون دخول لا عليه من خصائص استعمال الفعل في الدعاء.
والأكثر أن يقع بعدها (أنَّ) المفتوحة المشددة فيقدر معها حرف (في) ملتزماً حذفه غالباً.
والتقدير: لا شك في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة.
وتقدم بيان معنى لا جَرم وأن جرم فعل أو اسم عند قوله تعالى: ﴿ لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ﴾ في سورة [هود: 22].
وَمَا صَدَق ﴿ ما الأصنام، وأعيد الضمير عليها مفرداً في قوله: لَيْسَ لَهُ ﴾ مراعاة لإِفراد لفظ (ما).
وقوله: ﴿ لاَ جَرم أنَّما تدعونني إليه ﴾ إلى قوله: ﴿ أصحاب النَّار ﴾ واقع موقع التعليل لجملتي ﴿ ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ﴾ لأنه إذا تحقق أن لا دعوة للأصنام في الدنيا بدليل المشاهدة، ولا في الآخرة بدلالة الفحوى، فقد تحقق أنها لا تنجي أتباعها في الدنيا ولا يفيدهم دعاؤها ولا نداؤها.
وتحقق إذن أن المرجو للإِنعام في الدنيا والآخرة هو الربّ الذي يدعوهم هو إليه.
وهذا دليل إقناعي غير قاطع للمنازع في إلهية رب هذا المؤمن ولكنه أراد إقناعهم واستحفظهم دليلَه لأنهم سيظهر لهم قريباً أن رب موسى له دعوة في الدنيا ثقة منه بأنهم سيرون انتصار موسى على فرعون ويرون صرف فرعون عن قتل موسى بعد عزمه عليه فيعلمون أن الذي دعا إليه موسى هو المتصرف في الدنيا فيعلمون أنهُ المتصرف في الآخرة.
ومعنى ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ انتفاء أن يكون الدعاء إليه بالعبادة أو الالتجاء نافعاً لا نفي وقوع الدعوة لأن وقوعها مشاهَد.
فهذا من باب «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقولهم: ليس ذلك بشيء، أي بشيء نافع، وبهذا تعلم أن ﴿ دعوة مصدر متحمل معنَى ضمير فاعل، أي ليست دعوةُ داع، وأنّ ضمير له ﴾ عائد إلى (ما) الموصولة، أي لا يملك دعوة الداعين، أي لا يملك إجابتهم.
وعطفت على هذه الجملة جملة ﴿ وأنَّ مردَّنَا إلى الله ﴾ عطفَ اللازم على ملزومه لأنه إذا تبين أن رب موسى المسمى (الله) هو الذي له الدعوة، تبين أن المرد أي المصير إلى الله في الدنيا بالالتجاء والاستنصار وفي الآخرة بالحكم والجزاء.
ولو عطف مضمون هذه الجملة بالفاء المفيدة للتفريع لكانت حقيقة بها، ولكن عُدل عن ذلك إلى عطفها بالواو اهتماماً بشأنها لتكون مستقلة الدلالة بنفسها غيرَ باحثثٍ سامعُها على ما ترتبط به، لأن الشيء المتفرع على شيء يعتبر تابعاً له، كما قال الأصوليون في أنّ جوابَ السائل غيرَ المستقل بنفسِه تَابع لعُموم السُّؤال.
وكذلك جملة ﴿ وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحاب النَّارِ ﴾ بالنسبة إلى تفرع مضمونها على مضمون جملة ﴿ وأنَّ مَرَدَّنا إلى الله ﴾ لأنه إذا كان المصير إليه كان الحكم والجزاء بين الصائرين إليه من مُثاب ومعاقب فيتعين أن المعاقَب هم الكافرون بالله.
فالإِسراف هنا: إفراط الكفر، ويشمل ما قيل: إنه أريد هنا سفك الدم بغير حق ليصرف فرعون عن قتل موسى عليه السلام.
والوجه أن يعم أصحاب الجرائم والآثام.
والتعريف فيه تعريف الجنس المفيد للاستغراق وهو تعريض بالذين يُخاطبهم إذْ هُم مسرفون على كل تقدير فهم مسرفون في إفراط كفرهم بالرب الذي دعا إليه موسى، ومسرفون فيما يستتبعه ذلك من المعاصي والجرائم فضمير الفصل في قوله: ﴿ هُمْ أصحاب النَّارِ ﴾ يفيد قصراً ادعائياً لأنهم المتناهون في صحبة النار بسبب الخلود بخلاف عصاة المؤمنين، وهذا لِحَمل كلام المؤمن على موافقة الواقع لأن المظنون به أنه نبي أو مُلْهَم وإلاّ فإن المقام مقام تمييز حال المؤمنين من حال المشركين، وليس مقام تفصيل درجات الجزاء في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَجْلِسًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: قَصْرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الآجُرُّ ومَعْناهُ أوْقِدْ لِي عَلى الطِّينِ حَتّى يَصِيرَ آجُرًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ البِناءُ المَبْنِيُّ بِالآجُرِّ، وكانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَبْنُوا بِالآجُرِّ ويَجْعَلُوهُ في القَبْرِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يُسَبِّبُ إلى فِعْلِ مُرادِي.
الثّانِي: ما أتَوَصَّلُ بِهِ إلى عِلْمِ ما غابَ عَنِّي، ثُمَّ بَيَّنَ مُرادَهُ فَقالَ: ﴿ أسْبابَ السَّماواتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: طُرُقُ السَّماواتِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: أبْوابُ السَّماواتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ والأخْفَشُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ نالَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ الثّالِثُ: ما بَيْنَ السَّماواتِ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.
﴿ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غَلَبَهُ الجَهْلُ عَلى قَوْلِ هَذا أوْ تَصَوُّرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِاسْتِحالَتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في خُسْرانٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: في ضَلالٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الدُّنْيا لِما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن هَلاكِهِ.
الثّانِي: في الآخِرَةِ لِمَصِيرِهِ إلى النّارِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة.
سبعة آلاف سنة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحياة الدنيا متاع، وليس من متاعه شيء خيراً من المرأة الصالحة التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ استقرت الجنة بأهلها، واستقرت النار بأهلها ﴿ من عمل سيئة ﴾ قال: الشرك ﴿ فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً ﴾ أي خيراً ﴿ من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ﴾ لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ فأولئك يدخلون الجنة ﴾ بنصب الياء.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ قال ابن عطية ليس له قدر ولا حق، يجب أن يدعى إليه كأنه قال: أتدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه: ليس له دعوة قائمة، أي لا يدعى أحد إلى عبادته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".
﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.
الباقون ﴿ منهم ﴾ .
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.
وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.
وروي أن أعرابياً قال للنبي : ما حم؟
فقال: أسماء وفواتح سور.
وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".
ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.
﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".
ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.
وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.
وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.
ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟
فيه بحث أيضاً للفريقين.
فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.
والظاهر أن التوب مصدر.
وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.
وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.
فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.
وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.
وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.
وهذا ما قاله صاحب الكشاف.
وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.
قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.
وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.
ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.
فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.
ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.
ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.
وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.
وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.
ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.
وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.
روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.
وروي عن النبي "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.
وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.
أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.
وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.
سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟
أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.
وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.
واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.
وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.
وإن شئت فتأمل قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.
على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟
وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.
وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.
قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟
وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟
وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.
قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.
احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.
لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.
وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.
وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.
وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.
قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.
قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.
وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.
قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.
ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.
قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.
واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.
وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.
وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.
قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.
ثم إنه عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.
وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.
أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.
وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.
وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.
ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.
الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.
الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.
فلعل المعنى.
لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.
وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.
أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.
والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.
قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.
قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.
وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.
أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.
وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.
وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.
وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.
وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.
فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.
وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.
ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.
وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.
وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.
قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.
ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.
ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.
ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.
أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.
وأما على الثاني فلا ريب أنه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.
واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.
أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.
وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.
وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.
وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.
ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.
فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب : لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد.
فهو يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.
وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟
فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.
وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟
فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله وقال: لك الملك لا لي.
فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.
ومما يدل على تفرده قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.
ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.
قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.
وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.
وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.
والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.
وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.
وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.
وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.
والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.
وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.
قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.
قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.
وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.
ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.
قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.
وقيل: الوسوسة.
وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.
أقول: والحاصل أنه أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.
ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.
وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.
ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .
التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.
ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.
﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من آل فرعون في الظاهر، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله، وإنما هو من آل موسى وأتباعه؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون، والله أعلم.
والثاني: من آله، أي: من نسبه؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ .
إشفاقاً على نفسه، ولا يظهر الموافقة لهم على ما هم فيه؛ إذ قدر على الكتمان دون إظهار الموافقة لهم، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر على ألا يظهر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له إظهار ذلك لهم، فإن لم يقدر فحينئذ يسع؛ فعلى ذلك ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ .
فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه؛ إشفاقاً على نفسه، فلما خاف إهلاك رسول الله موسى - - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في إظهار ذلك نجاة رسول من رسل الله - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك بها عن نفس ذلك الرسول؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق - - "أن أهل مكة لما هموا قتل رسول الله وإهلاكه، ألقى أبو بكر - - نفسه عليه، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ فعند ذلك نزلت هذه الآية على رسول الله ولم تكن نزلت قبل ذلك" ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أي: جاءكم من البينات ما يبين أنها آيات من عند الله لا اختراعاً من موسى - - ويبين أنه صادق فيما يقول ويدعي.
وقوله: ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ .
أي: وإن كان كاذباً فيما يدعوكم إليه فعليه كذبه، وإن كان صادقاً فيما يقول ويدعي يصيبكم بعض الذي يعدكم، فهو يعلم أنه صادق فيما يقول حقيقة، ولكن لما كان عند القوم احتمل الأمر، ذكر على ما في زعمهم؛ دفعاً للقتل عن موسى، .
ثم الإشكال أنه قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ذكر أنه يصيبهم بعض الذي يعد الرسل، [والرسل] إذا وعدوا شيئاً يصيبهم بكماله، لا يجوز أن يكون خلاف ما أخبروا أو دون ما ذكروا، لكن يخرج على وجوه: أحدها: أنه كان وعده إياهم أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، فيقول: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، وهو ما وعد لهم أن يصيبهم في الدنيا، وأما ما وعد لهم في الآخرة، فهو يصيبهم في وقت آخر وهو في الآخرة، فما أصابهم في الدنيا فهو بعض ما جرى الوعيد منه لهم؛ لأن الوعيد كان منه في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
والثاني: يحتمل أنه كان - - وعدهم بأنواع من العذاب، وقد أصابهم بعض ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونحو ذلك، وفي بعض ما وعدهم هو هلاكهم؛ فكأنه يقول لهم: إنكم قد أصابكم كثير من ذلك، فيصيبكم بعض ما يعدكم الذي فيه هلاككم مبالغة في الزجر؛ لما قد أصابهم ما وعد لهم من أنواع العذاب، ولم يكن وعده كذباً، فبعض ما يعدكم - وهو الهلاك - كيف يكون كذباً؟!
والله أعلم والموفق.
والثالث: [أراد] بالبعض: الكل؛ لأنه أراد بهذا البعض: الهلاك، وهو البعض الأقصى، فيدخل العالي فيه لأنه إذا أوعده بأنواع من العذاب منها الهلاك يكون الهلاك هو البعض الأقصى؛ إذ لا عذاب في الدنيا بعد الهلاك، فيكون سائر أنواع العذاب في الدنيا يكون قبل الهلاك، فإذا أريد به هذا البعض يدخل فيه ما قبله، ويكون ذكره ذكرا للكل؛ إذ لا وجود له بدون سائرها؛ لذلك قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يهدي من هو في علمه أنه يؤثر الإسراف والكذب.
والثاني: لا يهدي من هو مختار الإسراف والكذب وقت اختيارهم الإسراف والكذب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يقول ذلك بعد ما سألوه أن يتبع دينهم وما هم فيه: إني لو اتبعتكم وأجبتكم ومعكم الملك والحشم والغلبة وليس معي ذلك، فإذا جاء بأس الله وعذابه فصرتم أنتم ممتنعين عنه بما معكم، فمن ينصرنا من عذاب الله وليس معنا ذلك؟!
وإن كان يعلم حقيقة أن ما معهم من الغلبة لا يمنع من عذاب الله، لكن قال ذلك بناء على اعتقادهم؛ إظهاراً للعذر عندهم؛ كي لا يقدموا على قتله لصيانة حياته، ومثل هذا لا بأس به، والله أعلم.
والثاني: يقول على الرفق بهم وإظهار الموافقة لهم في الظاهر؛ يقول: إنه قد جاءنا من الله البينات ما أوضح الحق وبين السبيل، فإذا رددنا ذلك وكذبناهم جاءنا بأس الله جملة وعذابه، فمن يمنعنا عنه وينصرنا من عذابه إذا خالفنا أمره وتركنا اتباع دينه؟!
على هذين القولين يخرج القول منه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ ﴾ .
قال بعضهم: أي: ما آمركم إلا بما رأيته لنفسي.
وقال بعضهم: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي ذلك، لكن [ليس] للعين أن يختار لهم ما اختار لنفسه؛ لأن ما اختار لنفسه باطل فاسد، وكذب اللعين أيضاً حيث قال: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي؛ لأنه اختار لهم أن يعبدوه ولم يختر لنفسه عبادة أولئك أن يعبدهم، فهو كذب من القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ .
كذب أيضاً في قوله: إنه لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل كان يهديهم سبيل الغي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .
كأن فيه إضمار القول: إني أخاف عليكم يوما مثل يوم الأحزاب، ويوم مثل يوم قوم نوح وعاد، فهو - والله أعلم - صلة قوله فيما تقدم: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ وعظهم مرة واحتج عليهم بما جاءهم موسى بالبينات؛ حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم بالبينات، هذا منه احتجاج عليهم: أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم، وتتبعون من لا بينة معه ولا برهان؟!
يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به، والله أعلم، ووعظهم أيضاً وعظاً لطيفاً فيه رفق حيث قال: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ يقول - والله أعلم -: إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعدما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه، فجاءكم عذاب الله وبأسه، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه بغير حق؟!
ثم وعظهم وعظاً بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال: ﴿ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ يقول: إني أخاف عليكم أن ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب الله بتكذيبكم الرسول موسى - - وترككم اتباعه بعدما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي، كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون أنتم رسولكم موسى، بعدما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم، والله أعلم.
ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح وعاد وثمود، ويحتمل سواهم من الأمم، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ قال بعضهم: أي: مثل صنيع قوم نوح ومن ذكر وفعلهم.
وقال بعضهم: أي: مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ﴾ .
في هذه الآية للمعتزلة نوعُ تعلقٍ؛ يقولون: إن الله قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله أنه لا يريد ظلماً للعباد.
ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم.
ثم تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا يظلم عباده؛ كقوله : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ .
والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقَبُ أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم شيئاً؛ كقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ وغير ذلك من الآيات ما فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...
﴾ الآية.
وعظهم أيضاً بعذاب الآخرة وما يكون منهم من الندامة بتركهم اتباع الرسول، بعدما وعظهم بعذاب الدنيا وما نزل بأوائلهم بصنيعهم مثل صنيعهم، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...
﴾ الآية.
ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ﴾ فيه لغات ثلاث: إحداها: ﴿ يوم التنادي ﴾ بالياء.
والثانية: بالتخفيف على حذف الياء.
والثالثة: بالتشديد.
فمن قرأها بالتشديد، يقول: هو من ند يند ندّاً إذا مضى لوجهه هارباً فارّاً من عذاب الله، إذا عاينوا العذاب، وهو من ند الإبل وغيره - والله أعلم -.
ومن قرأه بالياء فهو التفاعل من النداء، فهو على نداء بعضهم بعضاً يوم القيامة؛ كقوله - -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ونحوه.
ومن قرأه بغير الياء، فقد حذف الياء؛ كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ ، وأصله: التنادي، والله أعلم.
ثم قوله : ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ قال بعضهم: يوم تولون هاربين من النار مدبرين عنها؛ كقوله : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ .
أي: ما لكم من عذاب الله إذا نزل بكم من مانع يمنعكم من عذابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .
أي: جاءكم يوسف من قبل موسى - - بالبينات، أي: بالآيات والأدلة على رسالته وصدقه، جائز أن يكون هذا قول ذلك الرجل لقومه يخبرهم عن سفه أوائلهم من تكذيبهم يوسف بأرض مصر قبل موسى، وما كان من القول منهم بعدما ذهب من بينهم وردهم آياته وحججه التي أتاهم بها، وما أخبر أنهم وأوائلهم لم يزالوا في شك وريب مما جاءتهم الرسل من الآيات والأدلة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ ﴾ يقول: لم تزل عادتكم وعادة أوائلكم هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ .
جائز أن يكون وإن خاطبهم بقوله: ﴿ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ إنما أراد آباءهم وأوائلهم؛ لأن يوسف - - لم يكن في زمن هؤلاء مبعوثاً إليهم على ما عاتب الأبناء بصنع آبائهم في غير آي من القرآن؛ كقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ ، وهؤلاء لم يقتلوا الأنبياء ولا اتخذوا العجل، وإنما فعل ذلك آباؤهم وأوائلهم، ثم جاء العتاب لهم بسوء صنيع آبائهم وأوائلهم؛ فعلى ذلك هذا.
وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أولئك من التكذيب لهم والرد لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على الله: إنه لم يبعث رسولا؛ يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن يبعث الله من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده رسول بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يشبه أن يخرج الآية على هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ .
فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم.
ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يخرج من وجهين: أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث الله من بعده رسولا.
والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا أن يكون هو مبعوثاً إليهم رسولا، فيحذر هؤلاء صنيع أولئك ألا يكونوا كأولئك آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده.
أو يقول: لا تكونوا كأولئك يكذبونه ما دام حيّاً، فإذا هلك يكذبون رسالته، يحذرهم سفه أوائلهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ .
أي: يجادلون في دفع آيات الله وردها بغير حجة وسلطان أتاهم من الله، أو بغير حجة مكن لهم الاحتجاج بها، وإلا كان أهل الإيمان قد يجادلون فيها حتى إذا ظنوا أنها آيات الله آمنوا بها وأقروا بها، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، أي: جادلوا في دفع آيات الله وردها بغير حجة أتتهم؛ كقوله: ﴿ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
هكذا الواجب على أهل الإيمان أن يمقتوا من الأعمال ما مقتها الله ، أو يمقتوا من مقته الله من أعدائه؛ وعلى ذلك ذكر: إن خير أعمالكم حُبُّ ما أحبه الله وبُغْضُ ما أبغضه الله أو كلام نحوه، وشر أعمالكم حب ما أبغضه وبغض ما أحبه الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ .
أي: هكذا يطبع الله على كل قلب من جادل في دفع آيات الله وردها بغير حجة، أي: يطبع على كل من تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ...
﴾ من هو كذا، وكذلك يضلل، ونحوه كله حروف الاعتلال، بين الله العلل التي لها لا يهديهم ويضلهم؛ وكذلك في قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ومسرف مرتاب ونحوه، أي: لا يهدي من كان طبعه وعادته الإسراف والكذب وكفران النعم ودفع الآيات والحجج بلا حجة وبرهان، فأمّا من كان طبعه وعادته غير هذا لكنْ لجِهْلٍ جَهِلَ ذلك، أو لما يتحقق عنده لظنه وقلة التأمل، أو لاشتغاله بأمور الدنيا، أو لمعنى من المعاني يجوز أن يهديه الله ويرشده، على هذا يخرج هذه الآيات، والله أعلم.
وعلى ذلك ما كان [يصنعه] فرعون اللعين من التمويهات والتلبيسات على أتباعه في أمر موسى - - بعد معرفته أن ذلك ليس بقدح في الآيات والحجج التي أتاهم موسى - - أراد أن يموه ويلبس على قومه، فكل من كانت عادته وطبيعته ما ذكرنا من التمويه والتلبيس والمجادلة في دفع الآيات بلا حجة والتكبر عليها - فلا يهديه الله ويطبع على قلبه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
حقًّا إن ما تدعونني إلى الإيمان به وإلى طاعته؛ ليس له دعوة يُدْعَى بها بحق في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يستجيب لمن دعاه، وأن مرجعنا جميعًا إلى الله وحده، وأن المسرفين في الكفر والمعاصي هم أصحاب النار الذين يلازمون دخولها يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.N4v1L"