الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٤٤ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 69 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فستذكرون ما أقول لكم ) أي : سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ، ونصحتكم ووضحت لكم ، وتتذكرونه ، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم ، ( وأفوض أمري إلى الله ) أي : وأتوكل على الله وأستعينه ، وأقاطعكم وأباعدكم ، ( إن الله بصير بالعباد ) أي : هو بصير بهم ، فيهدي من يستحق الهداية ، ويضل من يستحق الإضلال ، وله الحجة البالغة ، والحكمة التامة ، والقدر النافذ .
القول في تأويل قوله تعالى : فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وقومه: فستذكرون أيها القوم إذا عاينتم عقاب الله قد حل بكم, ولقيتم ما لقيتموه صدق ما أقول, وحقيقة ما أخبركم به من أن المسرفين هم أصحاب النار.
كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ) , فقلت له: أو ذلك في الأخرة؟
قال: نعم.
وقوله: ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) يقول: وأسلم أمري إلى الله, وأجعله إليه وأتوكل عليه, فإنه الكافي من توكل عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) قال: أجعل أمري إلى الله.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) يقول: إن الله عالم بأمور عباده, ومن المطيع منهم, والعاصي له, والمستحق جميل الثواب, والمستوجب سيئ العقاب.
قوله تعالى : فستذكرون ما أقول لكم تهديد ووعيد .
و " ما " يجوز أن تكون بمعنى الذي أي : الذي أقوله لكم .
ويجوز أن تكون مصدرية أي : فستذكرون قولي لكم إذا حل بكم العذاب .
وأفوض أمري إلى الله أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه .
وقيل : هذا يدل على أنهم أرادوا قتله .
وقال مقاتل : هرب هذا المؤمن إلى الجبل فلم يقدروا عليه .
وقد قيل : القائل موسى .
والأظهر أنه مؤمن آل فرعون ، وهو قول ابن عباس .
{ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } من هذه النصيحة، وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم العقاب، وتحرمون جزيل الثواب.{ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ } أي: ألجأ إليه وأعتصم، وألقي أموري كلها لديه، وأتوكل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم.
{ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } يعلم أحوالهم وما يستحقون، يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شركم، ويعلم أحوالكم فلا تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته، فإن سلطكم علي،َّ فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته ومشيئته صدر ذلك.
( فستذكرون ما أقول لكم ) إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر ، ( وأفوض أمري إلى الله ) وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم ، ( إن الله بصير بالعباد ) يعلم المحق من المبطل ، ثم خرج المؤمن من بينهم ، فطلبوه فلم يقدروا عليه .
«فستذكرون» إذا عاينتم العذاب «ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد» قال ذلك لما توعدوه بمخالفة دينهم.
فلما نصحهم ولم يطيعوه قال لهم: فستذكرون أني نصحت لكم وذكَّرتكم، وسوف تندمون حيث لا ينفع الندم، وألجأ إلى الله، وأعتصم به، وأتوكل عليه.
إن الله سبحانه وتعالى بصير بأحوال العباد، وما يستحقونه من جزاء، لا يخفى عليه شيء منها.
ثم نصح نصائحه الحكيمة الغالية بقوله : فستذكرون يا قوم ما أقول لكم من حق وصدق .( وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله ) - تعالى - وحده لكى يعصمنى من كل سوء .( إِنَّ الله ) - تعالى - ( بَصِيرٌ بالعباد ) لا يخفى عليه شئ من أقوالهم أو أفعالهم ، وسيجازى يوم القيامة كل نفس بما كسبت .
اعلم أن هذا من بقية كلام الذي آمن من آل فرعون، وقد كان يدعوهم إلى الإيمان بموسى والتمسك بطريقته.
واعلم أنه نادى في قومه ثلاث مرات: في المرة الأولى دعاهم إلى قبول ذلك الدين على سبيل الإجمال، وفي المرتين الباقيتين على سبيل التفصيل.
أما الإجمال فهو قوله: ﴿ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد ﴾ وليس المراد بقوله: ﴿ اتبعون ﴾ طريقة التقليد، لأنه قال بعده ﴿ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد ﴾ والهدى هو الدلالة، ومن بين الأدلة للغير يوصف بأنه هداه، وسبيل الرشاد هو سبيل الثواب والخير وما يؤدي إليه، لأن الرشاد نقيض الغي، وفيه تصريح بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي.
وأما التفصيل فهو أنه بين حقارة حال الدنيا وكمال حال الآخرة، أما حقارة الدنيا فهي قوله: ﴿ ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ والمعنى أنه يستمتع بهذه الحياة الدنيا في أيام قليلة، ثم تنقطع وتزول، وأما الآخرة فهي دار القرار والبقاء والدوام، وحاصل الكلام أن الآخرة باقية دائمة والدنيا منقضية منقرضة، والدائم خير من المنقضي، وقال بعض العارفين: لو كانت الدينا ذهباً فانياً، والآخرة خزفاً باقياً، لكانت الآخرة خيراً من الدنيا، فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة ذهب باق.
واعلم أن الآخرة كما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فيها دائم، وإن الترغيب في النعيم الدائم والترهيب عن العذاب الدائم من أقوى وجوه الترغيب والترهيب، ثم بين كيف تحصل المجازاة في الآخرة، وأشار فيه إلى أن جانب الرحمة غالب على جانب العقاب فقال: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ والمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق، فإن قيل كيف يصح هذا الكلام، مع أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد؟
قلنا إن الكافر يعتقد في كفره كونه طاعة وإيماناً فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى مصراً على ذلك الاعتقاد أبداً، فلا جرم كان عقابه مؤبداً بخلاف الفاسق فإنه يعتقد فيه كونه خيانة ومعصية فيكون على عزم أن لا يبقى مصراً عليه، فلا جرم قلنا إن عقاب الفاسق منقطع.
أما الذي يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤبد فهو باطل، لأن مدة تلك المعصية منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضاً ليس دائماً بل منقطعاً فمقابلته بعقاب دائم يكون على خلاف قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ، واعلم أن هذه الآية أصل كبير في علوم الشريعة فيما يتعلق بأحكام الجنايات فإنها تقتضي أن يكون المثل مشروعاً، وأن يكون الزائد على المثل غير مشروع، ثم نقول ليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرة في أي الأمور فلو حملناه على رعاية المماثلة في شيء معين، مع أن ذلك المعين غير مذكور في الآية صارت الآية مجملة، ولو حملناه على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عاماً مخصوصاً، وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال وبين التخصيص كان دفع الإجمال أولى فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا في مواضع التخصيص، وإذا ثبت هذا فالأحكام الكثيرة في باب الجنايات على النفوس، وعلى الأعضاء، وعلى الأموال يمكن تفريعها على هذه الآية.
ثم نقول إنه تعالى لما بيّن أن جزاء السيئة مقصور على المثل بين أن جزاء الحسنة غير مقصور على المثل بل هو خارج عن الحساب فقال: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية فقالوا قوله: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صالحا ﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجرى مجرى أن يقال من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا فإنه يدخل فيه كل من أتى بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة، فكذلك هاهنا وجب أن يقال كل من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة ويرزق فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الصالحات وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة والخصم يقول إنه يبقى مخلداً في النار أبد الآباد فكان ذلك على خلاف هذا النص الصريح.
قالت المعتزلة إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً وصاحب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن فلا يدخل في هذا الوعد والجواب: أنا بينا في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ أن صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام، واختلفوا في تفسير قوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فمنهم من قال لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب، وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام التفضل ما يخرج عن الحساب وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ واقع في مقابلة ﴿ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة، وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب القهر والعقاب، فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد، وجب أن يكون الترجيح بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة، ثم استأنف ذلك المؤمن ونادى في المرة الثالثة وقال: ﴿ يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ﴾ يعني أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة وتدعونني إلى الكفر الذي يوجب النار، فإن قيل لم كرر نداء قومه، ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟
قلنا أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ من سنة الغفلة، وإظهار أن له بهذا المهم مزيد اهتمام، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة، وأما المجيء بالواو العاطفة فلأن الثاني يقرب من أن يكون عين الأول، لأن الثاني بيان للأول والبيان عين المبين، وأما الثالث فلأنه كلام مباين للأول والثاني فحسن إيراد الواو العاطفة فيه، ولما ذكر هذا المؤمن أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار، فسّر ذلك بأنهم يدعونه إلى الكفر بالله وإلى الشرك به، أما الكفر بالله فلأن الأكثرين من قوم فرعون كانوا ينكرون وجود الإله، ومنهم من كان يقر بوجود الله إلا أنه كان يثبت عبادة الأصنام وقوله تعالى: ﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ ﴾ المراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله؟
ولما بيّن أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بيّن أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغفار فقوله: ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى كونه كامل القدرة، وفيه تنبيه على أن الإله هو الذي يكون كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلهاً، وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل القول بكونها آلهة وقوله: ﴿ الغفار ﴾ إشارة إلى أنه لا يجب أن يكونوا آيسين من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة، فإن إله العالم وإن كان عزيزاً لا يغلب قادراً لا يغالب، لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة، ثم قال ذلك المؤمن ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ والكلام في تفسير لا جرم مرّ في سورة هود في قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الأخسرون ﴾ وقد أعاده صاحب الكشاف هاهنا فقال: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ مساقه على مذهب البصريين أن يجعل (لا) رداً لما دعاه إليه قومه و ﴿ جَرَمَ ﴾ فعل بمعنى حق و ﴿ إِنَّمَا ﴾ مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسب من قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ﴾ أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، ويجوز أن يقال إن ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ نظيره لابد فعل من الجرم وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى لابد أنك تفعل كذا أنه لابد لك من فعله، فكذلك ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار ﴾ أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أي لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقاً، وروي عن بعض العرب لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء بزنة بد وفعل إخوان كرشد ورشد وكعدم وعدم هذا كله ألفاظ صاحب الكشاف.
ثم قال: ﴿ أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الأخرة ﴾ والمراد أن الأوثان التي تدعونني إلى عبادتها ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وفي تفسير هذه الدعوة احتمالان.
الأول: أن المعنى ما تدعونني إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنه جمادات والجمادات لا تدعو أحداً إلى عبادة نفسها وقوله: ﴿ فِى الأخرة ﴾ يعني أنه تعالى إذا قلبها حيواناً في الآخرة فإنها تتبرأ من هؤلاء العابدين.
والاحتمال الثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الأخرة ﴾ معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، فسميت استجابة الدعوة بالدعوة إطلاقاً لاسم أحد المتضايفين على الآخر، كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ثم قال: ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله ﴾ فبين أن هذه الأصنام لا فائدة فيها ألبتة، ومع ذلك فإن مردنا إلى الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات الغني عن كل الحاجات الذي لا يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد، فأي عاقل يجوز له عقله أن يشتغل بعبادة تلك الأشياء الباطلة وأن يعرض عن عبادة هذا الإله الذي لابد وأن يكون مرده إليه؟
وقوله: ﴿ وَأَنَّ المسرفين هُمْ أصحاب النار ﴾ قال قتادة يعني المشركين وقال مجاهد السفاكين للدماء والصحيح أنهم أسرفوا في معصية الله بالكلمة والكيفية، أما الكمية فالدوام وأما الكيفية فبالعود والإصرار، ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الذكر يحصل في الدنيا وهو وقت الموت، وأن يكون في القيامة وقت مشاهدة الأهوال وبالجملة فهو تحذير شديد، ثم قال: ﴿ وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله ﴾ وهذا كلام من هدد بأمر يخافه فكأنهم خوفوه بالقتل وهو أيضاً خوفهم بقوله: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ﴾ ثم عول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على فضل الله تعالى فقال: ﴿ وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله ﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام، فإن فرعون لما خوفه بالقتل رجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله حيث قال: ﴿ إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب ﴾ فتح نافع وأبو عمرو الياء من ﴿ أَمْرِى ﴾ والباقون بالإسكان.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ أي عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم، وتمسك أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله ﴾ على أن الكل من الله، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير والشر يحصل بقدرتهم قد فوضوا أمر أنفسهم إليهم وما فوضوها إلى الله، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية فقالوا إن قوله: ﴿ أفوض ﴾ اعتراف بكونه فاعلاً مستقلاً بالفعل، والمباحث المذكورة في قوله أعوذ بالله عائدة بتمامها في هذا الموضع.
وهاهنا آخر كلام مؤمن آل فرعون، والله الهادي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ سياقه على مذهب البصريين: أن يجعل (لا) ردّاً لما دعاه إليه قومه.
وجرم: فعل بمعنى حق، وأنّ مع ما في حيزه فاعله، أي: حق ووجب بطلان دعوته.
أو بمعنى: كسب، من قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنئَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ ﴾ [المائدة: 2] أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته، على معنى أنه ما حصل من ذلك إلاّ ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال: أن لا جرم، نظير: لا بدّ، فعل من ا لجرم، وهو القطع، كما أن بدّاً فعل من التبديد وهو التفريق، فكما أن معنى: لابد أنك تفعل كذا، بمعنى: لا بعد لك من فعله، فكذلك لا جرم أن لهم النار، أي: لا قطع لذلك، بمعنى أنهم أبداً يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ولا قطع، لبطلان دعوة الأصنام، أي: لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقاً.
وروي عن العرب: لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء، بزنة بد، وفعل وفعل: أخوان.
كرشد ورشد، وعدم وعدم ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ معناه: أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، أي: من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته، ثم يدعو العباد إليها إظهاراً لدعوة ربهم وما تدعون إليه وإلى عبادته، لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدّعي الربوبية، ولو كان حيواناً ناطقاً لضجّ من دعائكم.
وقوله: ﴿ فِى الدنيا وَلاَ فِي الاخرة ﴾ يعني أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئاً من دعاء غيره، وفي الآخرة: إذا أنشأه الله حيواناً، تبرأ من الدعاة إليه ومن عبدته.
وقيل: معناه ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في الآخرة.
أو دعوة مستجابة، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة فيها كلا دعوة.
أو سميت الاستجابة باسم الدعوة، كما سمى الفعل المجازي عليه باسم الجزاء في قولهم: كما تدين تدان.
قال الله تعالى: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحق والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْء ﴾ [الرعد: 14] .
﴿ المسرفين ﴾ عن قتادة: المشركين.
وعن مجاهد: السفاكين للدماء بغير حلها.
وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون.
وقرئ: ﴿ فستذكرون ﴾ .
أي: فسيذكر بعضكم بعضاً ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى الله ﴾ لأنهم توعدوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا جَرَمَ ﴾ لا رَدَّ لِما دَعَوْهُ إلَيْهِ، وجَرَمَ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقَّ وفاعِلُهُ: ﴿ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ أيْ حَقَّ عَدَمُ دَعْوَةِ آلِهَتِكم إلى عِبادَتِها أصْلًا لِأنَّها جَماداتٌ لَيْسَ لَها ما يَقْتَضِي أُلُوهِيَّتَها أوْ عَدَمُ دَعْوَةٍ مُسْتَجابَةٍ أوْ عَدَمُ اسْتِجابَةِ دَعْوَةٍ لَها.
وقِيلَ: جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ مُسْتَكِنٌ فِيهِ أيْ كَسَبَ ذَلِكَ الدُّعاءَ إلَيْهِ أنْ لا دَعْوَةَ لَهُ بِمَعْنى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعَوْتِهِ، وقِيلَ: فَعَلَ مِنَ الجَرْمِ بِمَعْنى القَطْعِ كَما أنَّ بُدًّا مِن لا بُدَّ فِعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ، والمَعْنى لا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ أيْ لا يَنْقَطِعُ في وقْتٍ ما فَتَنْقَلِبُ حَقًّا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: لا جَرَمَ أنَّهُ يَفْعَلُ لُغَةً فِيهِ كالرُّشْدِ والرَّشَدِ.
﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ بِالمَوْتِ.
﴿ وَأنَّ المُسْرِفِينَ ﴾ في الضَّلالَةِ والطُّغْيانِ كالإشْراكِ وسَفْكِ الدِّماءِ.
﴿ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ مُلازِمُوها.
﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ﴾ وقُرِئَ: «فَسَتُذَكِّرُونَ» أيْ فَسَيُذَكِّرُ بَعْضُكم بَعْضًا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ.
﴿ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ مِنَ النَّصِيحَةِ.
﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ لِيَعْصِمَنِي مِن كُلِّ سُوءٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فَيَحْرُسُهم وكَأنَّهُ جَوابٌ تَوَعُّدِهِمُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ} أي من النصيحة عند نزول العذاب {وَأُفَوِّضُ} وأسلم {أَمْرِى} وبفتح الياء مدني وأبو عمرو {إِلَى الله} لأنهم توعدوه {إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد} بأعمالهم ومالهم
﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ﴾ وقُرِئَ ( فَسَتَذْكُرُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ أيْ فَسَيُذَكِّرُ بَعْضُكم بَعْضًا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ ﴿ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ مِنَ النَّصائِحِ ﴿ وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ لِيَعْصِمَنِي مِن كُلِّ سُوءٍ ﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فَيَحْرُسُ مَن يَلُوذُ بِهِ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ المَكارِهِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابَ تَوَعُّدِهِمُ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً أي: قصراً مشيداً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ يعني: أصعد طرق السموات، فَأَطَّلِعَ أي: انظر إِلى إِلهِ مُوسى الذي يزعم أنه أرسله.
وقال مقاتل، والقتبي: أَسْبابَ السَّماواتِ أبوابها.
قرأ عاصم في رواية حفص: فَأَطَّلِعَ بنصب العين.
والباقون: بالضم.
فمن قرأ: بالنصب.
جعله جواباً للفعل.
ومن قرأ بالضم رده إلى قوله: أبلغ الأسباب، فأطلع.
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً أي: لأحسب موسى كاذباً في قوله.
قال الله تعالى: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ أي: قبح عمله، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ أي: الدين، والتوحيد.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم: وَصُدَّ بضم الصاد.
والباقون: بالنصب.
فمن قرأ: بالضم.
فمعناه: إن فرعون صرف عن طريق الهدى.
يعني: إن الشيطان زين له سوء عمله، وصرفه عن طريق الهدى.
ومن قرأ: بالنصب.
فمعناه: صرف فرعون الناس عن الدين.
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ أي: ما صنع فرعون إلا في خسارة يوم القيامة، كقوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1] يعني: إن فرعون اختار متاعاً قليلاً، وترك الجنة الباقية، فكان عمله في الخسارة.
وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: أطيعوني حتى أرشدكم، وأبيّن لكم دين الصواب.
قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ أي: قليل، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ لا زوال لها.
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها يعني: من عمل الشرك فلا يجزى إلا النار في الآخرة.
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعني: من رجل، أو امرأة، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ أي: بغير مقدار.
وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى قال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً ولم يقل من ذَكَرٍ أَوْ أنثى.
وقال: وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى لأن العمل الصالح يَحْسُن من الرجل، والمرأة.
والسيئة من المرأة أقبح من الرجل.
فلم يذكر من ذَكَرٍ أَوْ أنثى.
وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ يعني: أن حزبيل قال لقومه: ما لي أدعوكم إلى التوحيد، والطاعة، وذلك سبب النجاة، والمغفرة، فلم تطيعوني، وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ يعني: إلى عمل أهل النار.
ثم بيّن عمل أهل النار فقال: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ يعني: لأجحد بوحدانية الله، وَأُشْرِكَ بِهِ أي: أشرك بالله، مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لِى بِهِ حجة بأن مع الله شريكاً، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ يعني: إلى دين العزيز الغفار الْعَزِيزِ في ملكه الْغَفَّارِ لمن تاب.
لاَ جَرَمَ أي: حقاً يقال لاَ جَرَمَ يعني: لا بد.
أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا أي: ليس له قدرة.
ويقال: ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا.
وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ أي: مصيرنا، ومرجعنا إلى الله يوم القيامة، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ يعني: المشركين، هُمْ أَصْحابُ النَّارِ يعني: هم في النار أبداً.
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ يعني: ستعرفون إذا نزل بكم العذاب، وتعلمون أن ما أقول لكم من النصيحة أنه حق.
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ يعني: أمر نفسي إلى الله، وأدع تدبيري إليه، إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يعني: عالم بأعمالهم، وبثوابهم.
فأرادوا قتله، فهرب منهم، فبعث فرعون في طلبه، فلم يقدروا عليه، فذلك قوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا يعني: دفع الله عنه شر ما أرادوا، وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ يعني: نزل بهم سُوءُ الْعَذابِ يعني: شدة العذاب، وهو الغرق.
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها قال ابن عباس: يعني: تعرض أرواحهم على النار، غُدُوًّا وَعَشِيًّا هكذا قال قتادة، ومجاهد، وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على منازلهم من النار كل يوم مرتين.
وقال ابن مسعود: «أَرْوَاحُهُم في جوْف طَيْر سُودٍ يَرَوْنَ مَنَازِلهم غُدوة وَعَشِيَّةً» .
وقال هذيل بن شرحبيل: «أرواح الشهداء في جوف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» .
وإن أرواح آل فرعون في جوف طير سود تغدو، وتروح، على النار فذلك عرضها.
والآية تدل على إثبات عذاب القبر، لأنه ذكر دخولهم النار يوم القيامة.
وذكر أنه تعرض عليهم النار قبل ذلك غدواً وعشياً.
ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعني: يقال لهم يوم القيامة: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: أَدْخِلُوا بضم الألف، والخاء.
وهكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر.
والباقون: بنصب الألف، وكسر الخاء.
فمن قرأ أَدْخِلُواْ بالضم.
فمعناه: ادخلوا يا آل فرعون أَشَدَّ الْعَذابِ، فصار الآل نصباً بالنداء.
ومن قرأ أَدْخِلُوا بالنصب.
معناه: يقال للخزنة: أدخلوا آل فرعون.
يعني: قوم فرعون أَشَدَّ الْعَذابِ يعني: أسفل العذاب.
فصار الآل نصباً لوقوع الفعل عليه.
<div class="verse-tafsir"
قلت: وهو ظاهر ترتيب قَصَصِ القرآن أَنَّ عاداً أقدم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نَعَّمْنَاهم، وبسطنا لهم الأموالَ والأَرْزَاقَ وقولهم: أَيَعِدُكُمْ استفهام على جهة الاستبعاد وأَنَّكُمْ:
الثانية بَدَلٌ من الأُولَى عند سيبويه، وقولهم: هَيْهاتَ هَيْهاتَ استبعادٌ، وهيهات أحياناً تلي الفاعل دونَ لام، تقول هيهاتَ مجيءُ زيد، أي: بعد ذلك، ومنه قول جرير:
[الطويل] :
فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ...
وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ «١»
وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً، وذلك عند وجود اللام كهذه الآية، التقدير: بعد الوجود لما توعدون.
قال ص: ورد بأن فيه حذف الفاعل، وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين، وذكر أبو البقاء: أنّ اللام زائدة و «ما» فاعل، أي: بعد ما توعدون.
قال أبو حيان «٢» : وهذا تفسير معنى لا إعراب لأَنَّهُ لم تَثبُتْ مصدرِيَّةُ «هيهات» ، انتهى.
وقولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أرادوا: أَنَّهُ لا وجود لنا غير هذا الوجود وإنّما نموت مِنَّا طائفة فتذهب، وتجيء طائفة جديدة، وهذا هو كفر الدّهريّة.
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)
وقوله: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ المعنى: قال الله لهذا النَّبِيِّ الدَّاعي: عَمَّا قليل يندمُ قومُك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم، ومن ذكر الصَّيْحَة ذهب الطبريُّ «٣» إلى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿ إلى النَّجاةِ ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿ وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟!
ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.
وَمَعْنى ﴿ لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا.
وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا.
أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!
﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.
ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿ سُوءُ العَذابِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟
قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ .
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .» وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النارِ ﴾ ﴿ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النارِ ﴾ ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللهِ إنَّ اللهِ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ ﴿ فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ، هَلْ هَذِهِ المَقالَةُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو لِمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.
والدُعاءُ إلى طاعَةِ اللهِ وعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ هو الدُعاءُ إلى سَبَبِ النَجاةِ، فَجَعَلَهُ دُعاءً إلى النَجاةِ اخْتِصارًا واقْتِضابًا، وكَذَلِكَ دُعاؤُهم إيّاهُ إلى الكُفْرِ واتِّباعِ دِينِهِمْ هو دُعاءٌ إلى سَبَبِ دُخُولِ النارِ، فَجَعَلَهُ دُعاءً إلى النارِ اخْتِصارًا، ثُمَّ بَيَّنَ عَلَيْهِمْ ما بَيْنَ الدَعْوَتَيْنِ مِنَ البَوْنِ في أنَّ الواحِدَةَ كُفْرٌ وشِرْكٌ، والأُخْرى دَعْوَةٌ إلى الإسْنادِ إلى عِزَّةِ اللهِ وغُفْرانِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ أنِّي جاهِلٌ بِهِ، بَلْ مَعْناهُ العِلْمُ بِأنَّ الأوثانَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ لَيْسَ لَهم مُدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ عِلْمٌ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَظَرِ بِأنَّ لَهم في الأُلُوهِيَّةِ مَدْخَلًا، بَلِ العِلْمُ اليَقِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن حُدُوثِهِمْ مُتَحَصِّلٌ.
و"لا جَرَمَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّها "لا" النافِيَةُ دَخَلَتْ عَلى "جَرَمَ"، ومَعْناها: ثَبَتَ ووَجَبَ، ومِن ذَلِكَ جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولِقَدْ طَعَنَتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أيْ أوجَبَتْ لَهم ذَلِكَ وثَبَّتَتْهُ لَهُمْ، فَكَأنَّ الكَلامَ نَفْيٌ لِلْكَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِ بِـ"لا"، وإثْباتٌ لِلْمُسْتَأْنَفِ بِـ"جَرَمَ"، و[أنَّ] - عَلى هَذا النَظَرِ - في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ[جَرَمَ]، وَكَذَلِكَ [أنَّ] الثانِيَةُ والثالِثَةُ، ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ اللِسانِ أنَّ "لا جَرَمَ" بِمَعْنى "لابُدَّ" و"لا مَحالَةَ" فَـ"أنَّ" - عَلى هَذا النَظَرِ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا مَحالَةَ بِأنَّ ما، و[ما] بِمَعْنى "الَّذِي" واقِعَةٌ عَلى الأصْنامِ وما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ﴾ أيْ قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى أحَدٌ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَدْعُونَنِي إلى ما لا غِناءَ لَهُ وبَيْنَ أيْدِينا خَطْبٌ جَلِيلٌ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى.
وأهَّلُ الإسْرافِ والشِرْكِ: هم أصْحابُ النارِ بِالخُلُودِ فِيها والمُلازَمَةِ، أيْ: وكَيْفَ أُطِيعُكم مَعَ هَذِهِ الأُمُورِ الحَقائِقِ، وفي طاعَتِكم رَفَضُ العَمَلِ بِحَسَبِها والخَوْفُ مِنها؟
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: المُسْرِفُونَ سَفّاكُو الدِماءِ بِغَيْرِ حَلِّها، وقالَ قَتادَةُ: هُمُ المُشْرِكُونَ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّهم سَيَذْكُرُونَ قَوْلَهُ هَذا عِنْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، وسَوْفَ بِالسِينِ إذِ الأمْرُ مُحْتَمَلٌ أنْ يَخْرُجَ الوَعِيدُ في الدُنْيا أو في الآخِرَةِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ورَوى اليَزِيدِيُّ وغَيْرُهُ عن أبِي عَمْرٍو فَتْحَ الياءِ مِن [أمْرِي]، والضَمِيرُ فِي: [فَوَقاهُ] يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو عَلى مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وقالَ قائِلُوا ذَلِكَ: إنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ نَجا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ، مِنَ المُتَّبَعِينَ.
وقَرَأ عاصِمٌ: "فَوَقاهُ" بِالإمالَةِ.
و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وسُوءُ العَذابِ: الغَرَقُ وما بَعْدَهُ مِنَ النارِ وعَذابِها.
<div class="verse-tafsir"
هذا الكلام متاركة لقومه وتنهية لخطابه إياهم ولعله استشعر من ملامحهم أو من مقاطعتهم كلامه بعبارات الإِنكار، ما أيْأَسَه من تأثرهم بكلامه، فتحدّاهم بأنهم إن أعرضوا عن الانتصاح لنصحه سيندمون حين يرون العذاب إما في الدنيا كما اقتضاه تهديده لهم بقوله: ﴿ إنِّي أخافُ عليكم مِثْلَ يَوْممِ الأحْزَابِ ﴾ [غافر: 30]، أو في الآخرة كما اقتضاه قوله: ﴿ إنِّي أخافُ عليكم يَومَ التَّنادِ ﴾ [غافر: 32]، فالفاء تفريع على جملة ﴿ ما لِيَ أدْعُوكم إلى النجاة وتَدْعُونني إلى النَّار ﴾ [غافر: 41].
وفعل ﴿ ستذكرون ﴾ مشتق من الذُّكْر بضم الذال وهو ضد النسيان، أي ستذكرون في عقولكم، أي ما أقول لكم الآن يحضر نصب بصائركم يوم تحققه، فشبه الإِعراض بالنسيان ورمز إلى النسيان بما هو من لوازمه في العقل مُلازمةَ الضد لضده وهو التذكر على طريقة المكنية وفي قرينتها استعارة تبعية.
والمعنى سيحلّ بكم من العذاب ما يُذَكِّركم ما أقوله: إنَّه سيحل بكم.
وجملة ﴿ وَأُفَوِّضُ أمرِي إلى الله ﴾ عطف على جملة ﴿ ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ﴾ ، ومساق هذه الجملة مساق الانتصاف منهم لما أظهروه له من الشرّ، يعني: أني أَكِل شأني وشأنكم معي إلى الله فهو يجزي كل فاعل بما فعل، وهذا كلام مُنصِف فالمراد ب ﴿ أمري ﴾ شأني ومُهمّي.
ويدل لمعنى الانتصاف تعقيبه بقوله: ﴿ إن الله بَصيرٌ بالعِبَادِ ﴾ معللاً تفويض أمره معهم إلى الله بأن الله عليم بأحوال جميع العباد فعموم العباد شَمِله وشمل خصومَهُ.
وقال في «الكشاف» قوله: ﴿ وأُفَوِّضُ أمرِي إلى الله ﴾ لأنهم توعدوه ا ه.
يعني أن فيه إشعاراً بذلك بمعونة ما بعده.
و ﴿ العباد ﴾ الناس يطلق على جماعتهم اسم العباد، ولم أر إطلاق العبد على الإِنسان الواحد ولا إطلاق العبيد على الناس.
والبصير: المطلع الذي لا يخفى عليه الأمر.
والبَاء للتعدية كما في قوله تعالى: ﴿ فبصرت به عن جنب ﴾ [القصص: 11]، فإذا أرادوا تعدية فعل البصر بنفسه قالوا: أبصره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: لا بُدَّ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: مَعْناهُ: لَقَدْ حَقَّ واسْتَحَقَّ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَوابًا كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلُوا كَذا، فَيَقُولُ المُجِيبُ: لا جَرَمَ أنَّهم سَيَنْدَمُونَ، قالَهُ الخَلِيلُ.
﴿ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.
﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَسْتَجِيبُ لِأحَدٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَرْجِعَنا بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ لِيُجازِينا عَلى أفْعالِنا.
﴿ وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْنِي السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمّى اللَّهُ القَتْلَ سَرَفًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.
﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: وأُسَلِّمُ أمْرِي إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأعْمالِ العِبادِ.
الثّانِي: بِمَصِيرِ العِبادِ.
وَفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُوسى.
الثّانِي: مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَعَلى هَذا يَصِيرُ بِهَذا القَوْلِ مُظْهِرًا لِإيمانِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى وقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، فَعَلى هَذا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ نَجّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسى حَتّى عَبَرَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَّقَفِيِّ: لا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَوْتِ أحِبَّةٍ عَلِيٍّ وعَبّاسٍ وآلِ أبِي بَكْرٍ يُرِيدُ أبا بَكْرٍ.
الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ هارِبًا إلى جَبَلٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، فَجاءَ الرُّسُلُ وهو في صَلاتِهِ وقَدْ ذُبَّتْ عَنْهُ السِّباعُ والوُحُوشُ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ، فَعادُوا إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرُوهُ فَقَتَلَهم فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُهُ، وسُوءُ العَذابِ هو الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: رُسُلُهُ الَّذِينَ قَتَلَهم، وسُوءُ العَذابِ هو القَتْلُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَقاعِدُهم مِنَ النّارِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، فَيُقالُ: لِآلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ مَنازِلُكم، تَوْبِيخًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلى جَهَنَّمَ وتَرُوحُ فَذَلِكَ عَرْضُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِالنّارِ في قَبْرِهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهَذا لِآلِ فِرْعَوْنَ خُصُوصًا.
قالَ مُجاهِدٌ: ما كانَتِ الدُّنْيا.
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ وقِيامُها وُجُودُ صِفَتِها عَلى اسْتِقامَةٍ، ومِنهُ قِيامُ السُّوقِ وهو حُضُورُ أهْلِها عَلى اسْتِقامَةٍ في وقْتِ العادَةِ.
﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ لِأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ مُخْتَلِفٌ.
وَجَعَلَ الفَرّاءُ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وتَقْدِيرُهُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنِ انْتِظامِ الكَلامِ عَلى سِياقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ﴾ قال: إلى الإِيمان!
وفي قوله: ﴿ لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ﴾ قال: الوثن ليس بشيء ﴿ وإن المسرفين ﴾ السفاكين الدماء بغير حقها ﴿ هم أصحاب النار ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿ ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ﴾ قال: لا يضر ولا ينفع ﴿ وإن المسرفين هم أصحاب النار ﴾ قال: جميع أصحابنا ﴿ إن المسرفين هم أصحاب النار ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فوقاه الله سيئآت ما مكروا ﴾ قال: كان قبطياً من قوم فرعون، فنجا مع موسى وبني إسرائيل حين نجوا.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي لابد ولا شك ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ قال ابن عطية ليس له قدر ولا حق، يجب أن يدعى إليه كأنه قال: أتدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه: ليس له دعوة قائمة، أي لا يدعى أحد إلى عبادته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.
الباقون: بواو العطف.
﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.
الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.
الباقون: على الإضافة.
﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.
﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.
﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.
وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.
وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.
وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.
الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.
التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي وزيادة توبيخ وتذكير لهم.
وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.
ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.
وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.
فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.
قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.
الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.
الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.
قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.
ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.
قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.
وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.
ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.
ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.
وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.
وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.
وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.
وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.
والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.
وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.
والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.
ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.
ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.
والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.
وقيل: كان إسرائيلياً.
وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟
ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.
ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.
وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.
ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.
على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.
واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.
وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟
والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟
وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.
وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.
ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.
وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.
ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.
قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.
وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.
قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.
ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.
ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.
قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.
وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.
وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.
وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.
وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.
وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.
ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.
ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.
ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.
ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.
وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه ﴾ الخ.
ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.
وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.
وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.
ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.
ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.
وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.
والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.
والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.
قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.
وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.
وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.
وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.
والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.
ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.
ثم أخبر الله عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.
قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.
من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.
ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.
والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.
والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.
وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.
والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.
ثم عاد إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.
ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.
ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.
ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.
ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.
وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.
ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.
قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".
ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.
ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.
ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.
وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.
وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.
وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.
قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.
قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.
ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.
قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.
يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.
وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.
وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.
وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟
قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.
ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.
وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.
قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.
أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.
ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ﴾ .
للمشبهة تعلق بظاهر هذه الآية يقولون: لولا أن موسى - - كان ذكر وأخبر فرعون: أن الإله في السماء، وإلا لما أمر فرعون هامان أن يبني له ما يصعد به إلى السماء ويطلع إلى إله موسى على ما قال خبراً عن اللعين.
لكنا نقول: لا حجة لهم؛ فإنه جائز أن يكون هذا من بعض التمويهات التي كانت منه على قومه في أمر موسى - - ومن بعض مكائده التي كانت منه به؛ من نحو قوله: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ ، وقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ونحو ذلك من التمويهات التي كانت منه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱبْنِ لِي صَرْحاً...
﴾ و ﴿ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ﴾ تمويه منه على قومه بموسى؛ يقول: إن موسى يدعو إلى إله في السماء فهو نحو إله يكون في الأرض، يموه بذلك على الناس أمر موسى من غير أن كان من موسى ذكر، أو أخبر أن الله - - في السماء على ما كان منه سائر التمويهات وإن لم يكن من موسى ذكر تلك التمويهات له، والله أعلم.
ويحتمل أن فرعون قال ذلك؛ لما رأى أن البركات والخيرات تنزل من السماء؛ فظن أنه في السماء.
ثم اختلف في الأسباب: قال بعضهم: أسباب السماوات: أبوابها.
ويحتمل أسباب السماوات: هي الطرق التي تصعد إلى السماء.
وحقيقة الأسباب: هي ما يوصل بها إلى الأشياء ويقصد إليها، وقد علم اللعين أنه لا يصل إلى ذلك بما ذكر من بناء الصرح، لكنه أراد بذلك ما ذكرنا من التمويهات والتلبيس على قومه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً ﴾ .
قال هاهنا: ﴿ لأَظُنُّهُ كَاذِباً ﴾ بعدما قطع القول فيه: إنه كاذب وإنه كذاب؛ ليعلم أنه على [حق] وأنه صادق، لكنه يموه بذلك على قومه.
وقوله: ﴿ وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: زين الشيطان عليه سوء عمله.
ويحتمل أن يقال: زين له سوء عمله بالأتباع وكثرة الأموال والحشم الذي أعطي له، زين له سوء عمله بالأسباب التي أعطيت له، فيكون الله مزيناً له سوء عمله بإعطاء الأسباب.
ويحتمل زين له سوء عمله، أي: خلق في طبعه أن يرى ذلك حسنا مزيناً وإن كان قبيحاً في نفسه حقيقة على ما تقدم ذكره.
وقوله: ﴿ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
وقرئ: ﴿ صَد ﴾ بالفتح، فمن قرأ بالفتح فله معنيان: أحدهما: صد هو بنفسه صدوداً، والثاني: صد هو الناس عن سبيله صدّاً.
ومن قرأ ﴿ صُدَّ ﴾ بالضم، أي: لم يوفق، ولم يرشد؛ لما علم منه اختيار صده.
وقوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ .
أي: في خسار، التباب: الخسار، يقال في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ ﴾ : أي: خسرت، ويقال: تبّاً له، أي: هلاكا له، وقيل: تبت يد الرجل، أي: خابت.
ثم أخبر عما ذكر ووعظ ذلك الرجل المؤمن من آله، وهو قوله : ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ ﴾ .
أي: أبين لكم سبيل الرشاد، مرة خوفهم بما نزل بأوائلهم بتكذيب الرسل وترك اتباعهم، ومرة بَيَّنَ سفههم في أنفسهم بسوء صنيعهم، ومرة وعظهم ونصحهم ودعاهم إلى اتباعه ليبين لهم سبيل الرشاد ويهديهم إليه، وإن خاف على نفسه الهلاك بعدما أظهر الإيمان ولم يبال هلاك نفسه.
وقال الكسائي: الرشاد والرُّشْد والرَّشَد ثلاث لغات، ولا يقرأ هاهنا غير ﴿ ٱلرَّشَـادِ ﴾ .
ثم قال: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾ .
أي: متاع ومنفعة يبلغ إلى منتهى آجالكم، يبلغ به العاصي والمطيع إلى أجله، يخبر أنها على الانقضاء والذهاب عن قريب، ويخبر أن دار الآخرة هي دار القرار، أي: تقر بأهلها: إن كان أهلها أهل خير قرت بهم خيرا أبداً لا يزول، وإن كان أهلها أهل شر يقر بهم الشر أبد الآبدين.
ثم أخبر عن عدل الله في أعدائه وفضله في أوليائه حيث قال: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ .
أي: لا يجزى ولا يزيد لهم على مثل جنايتهم؛ لأن المثل هو العدل في جميع الأشياء، يخبر ألا يزيد على عقوبة عملهم، ولكن يجزيهم بمثله، وأما جزاء الحسنة فإنه يزيد لهم على قدر ما يستوجبون؛ فضلا منه وإحساناً.
ثم فيه دلالة نقض قول المعتزلة: إن صاحب الكبيرة في النار أبداً؛ لو كان على ما ذكروا كان في ذلك تسوية بين صاحب الكبيرة وبين صاحب الشرك؛ فإما أن يكون نقصاناً لصاحب الشرك عن مثل عقوبته أو زيادة لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه لا يجزى إلا مثلها فذلك خلاف ظاهر الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .
دل هذا على أن العمل الصالح لا ينفع ولا يجزي إلا من كان منه الإيمان به.
وقوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
يحتمل بلا تبعة: ويحتمل بغير تقدير وعدّ، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ .
كأنه قال: يا قومِ، ما لي أدعوكم إلى ما به نجاتكم وأنصح لكم، وتدعونني أنتم إلى [ما] به هلاكي، فمتى يكون بيننا موالاة واجتماع؟!
أي: لا يكون، إنما يذكر هذا وأمثاله في المواعظ [إذا] انتهت غايتها وبلغت نهايتها، فلما تنجع فيهم؛ وهو كقوله : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وقوله : ﴿ لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ...
﴾ الآية [يونس: 41].
ثم فسر ما يدعون إليه وما يدعوهم إليه من النجاة حيث قال: ﴿ تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ ﴾ .
هذا منه تفسير ما دعاهم إلى النجاة وبيان ما يدعونه إلى الهلاك.
ثم قوله: ﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ قد يستعمل قوله: ﴿ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ في نفي العلم، أي: ليس ذلك، وذلك في إثبات العلم بخلافه وضده؛ يقول: وأشرك به ما ليس لي به علم ولا كان من الشريك وغيره، أو يقول: تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لكم به علم، والله أعلم.
ثم بين عجز ما يعبدون من الأصنام وغيرها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .
﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ ، أي: حقّاً؛ يقول - والله أعلم -: بحق أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة، أي: لم تدعكم إلى عبادة نفسها، أي: الأصنام التي عبدوها، والأول أشبه؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام؛ رجاء أن تشفع لهم، فأخبر أنها لا تشفع بقوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ ، أي: شفاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: إن مرجعنا إلى ما أعد الله لنا، أعد لكم النار، وأعد لي الجنة، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ﴾ والمقتصدين من أصحاب الجنة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ ﴾ .
أي: ستذكرون إذا عاينتم ما أعدّ لكم وأعد لنا: أن ما كنتم عليه ودعوتموني إليه دعاءٌ إلى الهلاك، وما دعوتكم إليه هو دعاءٌ إلى الجنة.
أو يقول: ستذكرون ما نصحت بدعائي إياكم إلى ما به نجاتكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، هذا يخرج على وجوه: أحدها: كأنهم خوفوه وأوعدوه بأنواع الوعيد والتخويف، فقال عند ذلك: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، وأتوكل عليه، فيحفظني ويدفع عني شركم وما تقصدون بي، والله أعلم.
والثاني: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: عليه أتوكل، وأَكِلُ في جميع الأمور من الخيرات والشرور، وهو الكافي لذلك.
والثالث: إظهار الحاجة إليه، والمؤمن أبدا يكون مظهراً للحاجة إلى الله - - في كل وقت وكل ساعة، والله أعلم.
والرابع: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: لا أشتغل بشيء في أمري أصيره إلى الله، .
وعلى قول المعتزلة لا يصح تفويض الأمر إلى الله ؛ لأنهم يقولون: إن عليه أن يعطيه جميع ما يحتاج إليه المكلف حتى لا يبقى عنده مزيد، وإذا لم يبق عنده شيء، فليس لتفويض الأمر إليه معنى، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ ﴾ .
دل هذا على أنهم قد قصدوا قصد المكر به؛ حيث أخبر أنه وقاه سيئات ما مكروا، فجائز أن هموا به قتله، ويحتمل غيره.
ثم يحتمل ما وقاه عن مكرهم بما وقى موسى - - لما أهلكهم وأنجاه من شرهم.
ويحتمل توجيه آخر لا نفسره؛ لأنا لا نحتاج إليه، وإنما حاجاتنا إلى أن نعلم أنه كان بذل نفسه لله وحفظه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ ﴾ .
استدل بعض الناس على عذاب القبر بقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ وإنما يعرض أرواحهم على النار فتألمت أجسادهم في القبور لذلك، وكذلك يعرض أرواح أهل الجنة فيتلذذ أجسادهم بتلذذ الأرواح بعد أن أحدث فيها الحياة التي تحقق الألم واللذة هذا في القبور، ثم إذا دخلوا النار يكون لهم ما ذكر من العذاب، حيث قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من العرض على النار قبل القيامة قبل أن يدخلوا النار؛ كقوله - -: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ﴾ يكون عرضهم على النار هو وقت وقفهم للسؤال وحبسهم لذلك، ثم يدخلون النار؛ فيكون لهم العذاب الذي ذكر؛ وهو قول الحسن.
ثم قوله: ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ .
يحتمل قدر غدو وقدر عشي، فإن كان التأويل في عذاب القبر يحتمل ما قال بعضهم: أن يقال لهم: هذا لكم ما دامت الدنيا.
ويحتمل أنه ذكر على إرادة الغدو والعشي حقيقة ذلك كل وقت، لكن يتجدد التألم والوجع بكل قدر عشي وغدو، والله أعلم.
وذكر عن ابن مسعود - - أنها جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ إلى أن تقوم الساعة.
فهو تفسير لما ذكر من الغدو والعشي، ثم إن ثبت هذا عنه فهو سماع عن رسول الله ؛ لأنه باب لا يدرك بالتدبير مع ما روي عن ابن عمر - ما - قال: إن نبي الله قال: "إذا مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي: إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من أهل النار فمن النار، يقال له: ها ذاك مقعدك حتى يبعث إليه يوم القيامة" فإن ثبت هذا وصح عنه، فهو دليل لوجوب عذاب القبر، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله:، أي: يعذبون في الأوقات كلها بعد إدخالهم فيها، وذكر الغدو والعشي يخرج على سكون النار في أوقات ثم تلتهب؛ كقوله : ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، والله أعلم.
فإن قيل: ما الحكمة فيما ذكر من إدخال آل فرعون في أشد العذاب، والخصوصية لهم في ذلك من بين غيرهم من الكفرة؟
قيل لوجهين: أحدهما: أن غير موسى من الرسل - عليهم السلام - قد نسبوا إلى السحر كما نسب إليه موسى، لكن لم يتبين ولا تحقق لقومهم براءة رسلهم فيما قرفهم الرؤساء والقادة منهم بالسحر والكذب بما وجد منهم التمويه على السفلة والأتباع، وقد تحقق لآل فرعون براءة موسى مما قرفه بالسحر والكذب، وتبين عندهم صدق ما ادعى من الرسالة، وذلك مما أقر جميع سحرة فرعون أن ما جاء به موسى حق وما يقوله صدق، وإيمانهم بموسى - - نهارا جهارا، واختاروا القطع والصلب، ولم يمتنعوا عن متابعته، وما رأوا من انقلاب العصا حية تسعى وتلقف ما صنعوا؛ فيكون عنادهم أشد ومكابرتهم أكبر؛ فلذلك استحقوا أشد العذاب، والله أعلم.
والثاني: أن آيات موسى أكثرها كانت حسية وآيات غيره عقلية، ومعرفة ما كان سبيله الحس مما لا يتمكن فيه شبهة؛ وقد يتمكن الشبهة فيما كان سبيله العقل، فيكون عنادهم أشد.
وبعد، فإنهم قد اتبعوا فرعون بما ادعى لنفسه من الألوهية بلا حجة وبرهان طلبوا منه، وتركوا اتباع موسى - - بما ادعى من الرسالة بعدما أقام على ذلك من البينات والحجج والبراهين؛ فلذلك قال: "جعلت أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال: يا آل فرعون، هذه داركم" ، قال عبد الله: فذلك عرضها، فإن ثبت هذا عن ابن مسعود - - كان لهم أشد العذاب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فرفضوا نصحه، فقال: ستذكرون ما قدمت لكم من نصح، وتتحسَّرون على عدم قبوله، وأفوِّض أموري كلها إلى الله وحده، إن الله لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.ed3Yj"