الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ١٠ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٠ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ) أي : جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس ، ( وقدر فيها أقواتها ) ، وهو : ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس ، يعني : يوم الثلاثاء والأربعاء ، فهما مع اليومين السابقين أربعة ; ولهذا قال تعالى : ( في أربعة أيام سواء للسائلين ) أي : لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه .
وقال مجاهد وعكرمة في قوله : ( وقدر فيها أقواتها ) جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها ، ومنه : العصب باليمن ، والسابري بسابور والطيالسة بالري .
وقال ابن عباس ، وقتادة ، والسدي في قوله تعالى : ( سواء للسائلين ) أي : لمن أراد السؤال عن ذلك .
وقال ابن زيد : معناه ( وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) أي : على وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة ، فإن الله قدر له ما هو محتاج إليه .
وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) [ إبراهيم : 34 ] ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) يقول تعالى ذكره: وجعل في الأرض التي خلق في يومين جبالا رواسي, وهي الثوابت في الأرض من فوقها, يعني: من فوق الأرض على ظهرها.
وقوله: ( وَبَارَكَ فِيهَا ) يقول: وبارك في الأرض فجعلها دائمة الخير لأهلها.
وقد ذُكر عن السديّ في ذلك ما حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ: ( وَبَارَكَ فِيهَا ) قال: أنبت شجرها.( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) اختلف أهل التأويل في ذلك, فقال بعضهم: وقدر فيها أقوات أهلها بمعنى أرزاقهم ومعايشهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الحسن ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: أرزاقها.
حدثني موسى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: قدر فيها أرزاق العباد, ذلك الأقوات.
حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) يقول: أقواتها لأهلها.
وقال آخرون: بل معناه: وقدر فيها ما يصلحها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل, قال: ثنا الوليد بن مسلم, عن خليد بن دعلج, عن قتادة, قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: صلاحها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر فيها جبالها وأنهارها وأشجارها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) : خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها, وساكنها من الدواب كلها.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر فيها أقواتها من المطر.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: من المطر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدر في كل بلدة منها ما لم يجعله في الآخر منها لمعاش, بعضهم من بعض بالتجارة من بلدة إلى بلدة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن محمد الذارع, قال: ثنا أبو محصن, قال: ثنا حسين, عن عكرمة, في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: اليمانيّ باليمن, والسابريّ بسابور.
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع, قال: ثنا أبو محصن, عن حصين, قال: قال عكرمة ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) اليمانية باليمن, والسابرية بسابور, وأشباه هذا.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت حصينا عن عكرمة في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها, اليماني باليمن, والسابري بسابور.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: البلد يكون فيه القوت أو الشيء لا يكون لغيره, ألا ترى أن السابري إنما يكون بسابور, وأن العصب إنما يكون باليمن ونحو ذلك.
حدثني إسماعيل بن سيف, قال: ثنا ابن عبد الواحد بن زياد, عن خصيف, عن مجاهد, في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: السابريّ بسابور, والطيالسة من الريّ.
حدثني إسماعيل, قال: ثنا أبو النضر صاحب البصري, قال: ثنا أبو عوانة, عن مطرف, عن الضحاك في قوله: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: السابريّ بسابور, والطيالسة من الريّ.
فى قوله ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال: السابريّ من سابور, والطيالسة من الريّ, والحِبَر من اليمن.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أخبر أنه قدّر في الأرض أقوات أهلها, وذلك ما يقوتهم من الغذاء, ويصلحهم من المعاش, ولم يخصص جلّ ثناؤه بقوله ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) أنه قَدّر فيها قوتا دون قوت, بل عم الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات, ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء, وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرّف في البلاد لما خصّ به بعضا دون بعض, ومما أخرج من الجبال من الجواهر, ومن البحر من المآكل والحليّ, ولا قول في ذلك أصح مما قال جلّ ثناؤه: قدّر في الأرض أقوات أهلها, لما وصفنا من العلة.
وقال جلّ ثناؤه: ( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) لما ذكرنا قبل من الخبر الذي روينا عن ابن عباس, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنه فرغ من خلق الأرض وجميع أسبابها ومنافعها من الأشجار والماء والمدائن والعمران والخراب في أربعة أيام, أوّلهنّ يوم الأحد, وآخرهن يوم الأربعاء.
حدثني موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: خلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين, في الثلاثاء والأربعاء.
وقال بعض نحويي البصرة: قال.
خلق الأرض في يومين, ثم قال في أربعة أيام, لأنه يعني أن هذا مع الأول أربعة أيام, كما تقول: تزوّجت أمس امرأة, واليوم ثنتين, وإحداهما التي تزوّجتها أمس.
وقوله: ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) اختلف أهل التأويل في تأويله, فقال بعضهم: تأويله: سواء لمن سأل عن مبلغ الأجل الذي خلق الله فيه الأرض, وجعل فيها الرواسي من فوقها والبركة, وقدّر فيها الأقوات بأهلها, وجَدَهُ كما أخبر الله أربعه أيام لا يزدن على ذلك ولا ينقصن منه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) من سأل عن ذلك وجده, كما قال الله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) قال: من سأل فهو كما قال الله.
حدثنا موسى بن هارون, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) يقول: من سأل فهكذا الأمر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: سواء لمن سأل ربه شيئا مما به الحاجة إليه من الرزق, فإن الله قد قدّر له من الأقوات في الأرض, على قدر مسألة كل سائل منهم لو سأله لما نفذ من علمه فيهم قبل أن يخلقهم.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) قال: قدّر ذلك على قدر مسائلهم, يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون.
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء الأمصار غير أبي جعفر والحسن البصري: ( سَوَاءً ) بالنصب.
وقرأه أبو جعفر القارئ: " سَوَاءٌ" بالرفع.
وقرأ الحسن: " سَوَاءٍ" بالجر.
والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار, وذلك قراءته بالنصب لإجماع الحجة من القراء عليه, ولصحة معناه.
وذلك أن معنى الكلام: قدر فيها أقواتها سواء لسائليها على ما بهم إليه الحاجة, وعلى ما يصلحهم.
وقد ذُكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: " وَقَسَّمَ فِيهَا أقْوَاتَهَا ".
وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب سواءً, فقال بعض نحويي البصرة: من نصبه جعله مصدرا, كأنه قال: استواء.
قال: وقد قرئ بالجر وجعل اسما للمستويات: أي في أربعة أيام تامَّة.
وقال بعض نحويي الكوفة: من خفض سواء, جعلها من نعت الأيام, وإن شئت من نعت الأربعة, ومن نصبها جعلها متصلة بالأقوات.
قال: وقد ترفع كأنه ابتداء, كأنه قال: ذلك ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) يقول: لمن أراد علمه.
والصواب من القول في ذلك أن يكون نصبه إذا نصب حالا من الأقوات, إذ كانت سواء قد شبهت بالأسماء النكرة, فقيل: مررت بقوم سواء, فصارت تتبع النكرات, وإذا تبعت النكرات انقطعت من المعارف فنصبت, فقيل: مررت بإخوتك سواء, وقد يجوز أن يكون إذا لم يدخلها تثنية ولا جمع أن تشبه بالمصادر.
وأما إذا رُفعت, فإنما ترفع ابتداء بضمير ذلك ونحوه, وإذا جرت فعلى الاتباع للأيام أو للأربعة.
وجعل فيها [ ص: 306 ] أي في الأرض رواسي من فوقها يعني الجبال .
وقال وهب : لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء ، فقال لجبريل ثبتها يا جبريل .
فنزل فأمسكها فغلبته الرياح ، قال : يا رب أنت أعلم ، لقد غلبت فيها .
فثبتها بالجبال وأرساها وبارك فيها بما خلق فيها من المنافع .
قال السدي : أنبت فيها شجرها .
وقدر فيها أقواتها قال السدي والحسن : أرزاق أهلها ومصالحهم .
وقال قتادة ومجاهد : خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء .
وقال عكرمة والضحاك : معنى قدر فيها أقواتها أي : أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد .
قال عكرمة : حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل .
وقال مجاهد والضحاك : السابري من سابور ، والطيالسة من الري ، والحبر اليمانية من اليمن .
في أربعة أيام يعني في تتمة أربعة أيام .
ومثاله قول القائل : خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما ، أي : في تتمة خمسة عشر يوما .
قال معناه ابن الأنباري وغيره .
سواء للسائلين قال الحسن : المعنى في أربعة أيام مستوية تامة .
الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين .
واختاره الطبري .
وقرأ الحسن البصري ويعقوب الحضرمي " سواء للسائلين " بالجر ، وعن ابن القعقاع " سواء " بالرفع ، فالنصب على المصدر و " سواء " بمعنى استواء أي : استوت استواء .
وقيل : على الحال والقطع ، والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي : في أربعة أيام مستوية تامة .
والرفع على الابتداء والخبر " للسائلين " أو على تقدير : هذه سواء للسائلين .
وقال أهل المعاني : معنى " سواء للسائلين " ولغير السائلين ، أي : خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل ، ويعطي من سأل ومن لا يسأل .
ثم دحاها في يومين، بأن جعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل وعدم الاستقرار.فكمل خلقها، ودحاها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } عن ذلك، فلا ينبئك مثل خبير، فهذا الخبر الصادق الذي لا زيادة فيه ولا نقص.
( وجعل فيها ) أي في الأرض ، ( رواسي ) جبالا ثوابت ، ( من فوقها ) من فوق الأرض ، ( وبارك فيها ) أي : في الأرض ، بما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار ، ( وقدر فيها أقواتها ) قال الحسن ومقاتل : قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم .
وقال عكرمة والضحاك : قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد .
قال الكلبي : قدر الخبز لأهل قطر ، والتمر لأهل قطر ، والذرة لأهل قطر ، والسمك لأهل قطر ، وكذلك أقواتها .
( في أربعة أيام ) يريد خلق ما في الأرض ، وقدر الأقوات في يومين : يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام ، رد الآخر على الأول في الذكر ، كما تقول : تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين ، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس ، ( سواء للسائلين ) قرأ أبو جعفر " سواء " رفع على الابتداء ، أي : هي سواء .
وقرأ يعقوب بالجر على نعت قوله : " في أربعة أيام " ، وقرأ الآخرون " سواء " نصب على المصدر ، أي : استوت سواء أي : استواء .
ومعناه : سواء للسائلين عن ذلك .
قال قتادة والسدي : من سأل عنه فهكذا الأمر سواء لا زيادة ولا نقصان جوابا لمن سأل : في كم خلقت الأرض والأقوات ؟
«وجعل» مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي «فيها رواسي» جبالاً ثوابت «من فوقها وبارك فيها» بكثرة المياه والزروع والضروع «وقدَّر» قسَّم «فيها أقواتها» للناس والبهائم «في» تمام «أربعة أيام» أي الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء «سواءً» منصوب على المصدر، أي استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص «للسائلين» عن خلق الأرض بما فيها.
وجعل سبحانه في الأرض جبالا ثوابت من فوقها، وبارك فيها فجعلها دائمة الخير لأهلها، وقدَّر فيها أرزاق أهلها من الغذاء، وما يصلحهم من المعاش في تمام أربعة أيام: يومان خلق فيهما الأرض، ويومان جعل فيها رواسي وقدر فيها أقواتها، سواء للسائلين أي: لمن أراد السؤال عن ذلك؛ ليعلمه.
وقوله : ( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا .
.
) معطوف على ( خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ) .والرواسى : جميع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات والاستقرار فى المكان ، يقال : رسا الشئ إذا ثبت واستقر .
وهو صفة لموصوف محذوف .أى : وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها ، لكى تستقر وتثبت ، ولا تميد أو تضطرب بكم .وقال - تعالى - : ( مِن فَوْقِهَا ) لبيان الواقع ، إذ وجود الجبال من فوق الأرض ، ومشاهدة الإِنسان لذلك بعينيه ، يزيده اقتناعا بقدرة الله - تعالى - الباهرة وحكمته البليغة .( وَبَارَكَ فِيهَا ) أى : وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع ، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها ، والمياه التى تخجر من جوفها .
والكنوز التى تحصل من باطنها .( وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ) والأقوات : جمع قوت .
والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم .أى : وجعل أقوات أهلها يحتاجون إليها فى معايشهم ومنافعهم ، على مقادير محددة معينة ، بحيث نشر فى كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله ، وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم ، فيعمر الكون ، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم .قال ابن جرير : بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية : والصواب فى القول فى ذلك أن يقال : إن الله - تعالى - أخبر أنه قدر فى الأرض أقوات أهلها ، وذلك ما يقوتهم من الغذاء ، ويصلحهم من المعاش .
ولم يخصص - جل ثناؤه - بقوله ( وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ) أنه قدر فيها قوتا دون قوت ، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات .
.وقوله - تعالى - : ( في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) متعلق بمحذوف يدل ، عليه ما قبله .أى : خلق الأرض ، وجعل فيه رواسى من فوقها ، وبارك فيها ، وقدر فيها أقواتها فى تمام أربعة أيام ، فتكون المدة التى خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام .وقوله - سبحانه - : ( سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ) تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث فى أربعة أيام .قال الآلوسى : وقيدت الأيام الأربعة بقوله : ( سَوَآءً ) فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام .
أى : - فى أربعة أيام - استوت سواء ، أى : استواء .وقوله - تعالى - : ( لِّلسَّآئِلِينَ ) متعلق بمحذوف وقع خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هذا الحصر فى أربعة ، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض ، وما فيها .
.وقال الجمل فى حاشيته : فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ، ضعف مدة خلق السموات ، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟قلت : للتنبيه على أن الأرض هى المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع ، فزادات مدتها ليكون ذلك أدخل فى المنة على ساكنيها ، وللاعتناء بشأنهم وشأنهم - أيضا - زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصى والمجاهدات والمعالجات .
.
اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات أحدها: وهو الأقوى أن يقال حام اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره.
وثانيها: قال الأخفش: تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره.
وثالثها: قال الزجاج: تنزيل رفع بالابتداء وخبره كتاب فصلت آياته ووجهه أن قوله: ﴿ تَنزِيلَ ﴾ تخصص بالصفة وهو قوله: ﴿ مِّنَ الرحمن الرحيم ﴾ فجاز وقوعه مبتدأ.
واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحام بأشياء أولها: كونه تنزيلاً والمراد المنزّل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور، يقال هذا بناء الأمير أي مبنيه، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه، والمراد من كونها منزلاً أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل عليه السلام بأن يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه، فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلاً.
وثانيها: كون التنزيل من الرحمن الرحيم، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لابد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحماناً رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة، فالتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لابد وأن يكون دالاً على أعظم وجوه النعمة، والأمر في نفسه كذلك، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليهم.
وثالثها: كونه كتاباً وقد بينا أن هذا الاسم مشتق من الجمع وإنما سمي كتاباً لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين.
ورابعها: قوله: ﴿ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السموات والأرض والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح، وبعضها في الوعد والوعيد والثواب والعقاب درجات أهل الجنة ودرجات أهل النار، وبعضها في المواعظ والنصائح وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن.
وخامسها: قوله: ﴿ قُرْءَاناً ﴾ والوجه في تسميته قرآناً قد سبق وقوله تعالى: ﴿ قُرْءاناً ﴾ نصب على الاختصاص والمدح أي أُريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت، وقيل هو نصب على الحال.
وسادسها: قوله: ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ والمعنى أن هذا القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
وسابعها: قوله تعالى: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ والمعنى إنا جعلناه عربياً لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب فجعلناه بلغة العرب ليفهموا منه المراد، فإن قيل قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ متعلق بماذا؟
قلنا يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ أو بقوله: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ أي تنزيل من الله لأجلهم أو فصلت آياته لأجلهم، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب، لئلا يفرق بين الصلات والصفات.
وثامنها.
وتاسعها: قوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ يعني بشيراً للمطيعين بالثواب ونذيراً للمجرمين بالعقاب، والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملاً في هذه الصفة، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل.
الصفة العاشرة: كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه، فهذه هي الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها، ويتفرع عليها مسائل: المسألة الأولى: القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه: الأول: أنه وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيير من حال، فوجب أن يكون مخلوقاً الثاني: أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين الثالث: المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع: أن قوله: ﴿ فُصّلَتْ ﴾ يدل على أن متصرفاً يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز، وذلك لا يليق بالقديم الخامس: أنه إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس: وصفه بكونه عربياً، وإنما صحت هذه النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلابد وأن يكون محدثاً ومخلوقاً الجواب: أن كل هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات، وهي عندنا محدثة مخلوقة، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ، والله أعلم.
المسألة الثانية: ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية، فأما حملها على معان أُخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعاً، وذلك مثل الوجوه التي يذكرها أهل الباطن، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة يحملون كل حرف على شيء آخر، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ وإنما سماه عربياً لكونه دالاً على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب وباصطلاحاتهم، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك المعاني المخصوصة، وأن ما سواه فهو باطل.
المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنه حصل في القرآن من سائر اللغات كقوله: ﴿ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ و ﴿ سِجّيلٍ ﴾ فإنهما فارسيان، وقوله: ﴿ مشكاة ﴾ فإنها من لغة الحبشة وقوله: ﴿ قسطاس ﴾ فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله: ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى، وعندنا أن هذا باطل، وليس للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد، وهو أنه خصص هذه الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلاً، الإيمان عبارة عن التصديق فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع بنوع معين من الدعاء، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله تعالى: ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .
المسألة الخامسة: إنما وصف الله القرآن بكونه ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ في معرض المدح والتعظيم وهذا المطلوب لا يتم إلا إذا ثبت أن لغة العرب أفضل اللغات.
واعلم أن هذا المقصود إنما يتم إذا ضبطنا أقسام فضائل اللغات بضابط معلوم، ثم بينا أن تلك الأقسام حاصلة فيه لا في غيره، فنقول لا شك أن الكلام مركب من الكلمات المفردة، وهي مركبة من الحروف، فالكلمة لها مادة وهي الحروف، ولها صورة وهي تلك الهيئة المعينة الحاصلة عند التركيب.
فهذه الفضيلة إنما تحصل إما بحسب مادتها أو بحسب صورتها، أما التي بحسب مادتها فهي آحاد الحروف، واعلم أن الحروف على قسمين بعضها بينة المخارج ظاهرة المقاطع وبعضها خفية المخارج مشتبهة المقاطع، وحروف العرب بأسرها ظاهرة المخارج بينة المقاطع، ولا يشتبه شيء منها بالآخر.
وأما الحروف المستعملة في سائر اللغات فليست كذلك بل قد يحصل فيها حرف يشتبه بعضها بالبعض، وذلك يخل بكمال الفصاحة، وأيضاً الحركات المستعملة في سائر لغة العرب حركات ظاهرة جلية وهي النصب والرفع والجر، وكل واحد من هذه الثلاثة فإنه يمتاز عن غيره امتيازاً ظاهراً جلياً، وأما الإشمام والروم فيقل حصولهما في لغات العرب، وذلك أيضاً من جنس ما يوجب الفصاحة، وأما الكلمات الحاصلة بحسب التركيب فهي أنواع: أحدها: أن الحروف على قسمين متقاربة المخرج ومتباعدة المخرج، وأيضاً الحروف على قسمين منها صلبة ومنها رخوة، فيحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة الصلبة المتقاربة، والرخوة المتقاربة، والصلبة المتباعدة، والرخوة المتباعدة، فإذا توالى في الكلمة حرفان صلبان متقاربان.
صعب اللفظ بها، لأن بسبب تقارب المخرج يصير التلفظ بها جارياً مجرى ما إذا كان الإنسان مقيداً ثم يمشي، وبسبب صلابة تلك الحروف تتوارد الأعمال الشاقة القوية على الموضع الواحد من المخرج، وتوالي الأعمال الشاقة يوجب الضعف والإعياء، ومثل هذا التركيب في اللغة العربية قليل.
وثانيها: أن جنس بعض الحروف ألذ وأطيب في السمع، وكل كلمة يحصل فيها حرف من هذا الجنس كان سماعها أطيب.
وثالثها: الوزن فنقول: الكلمة إما أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، وأعدلها هو الثلاثي لأن الصوت إنما يتولد بسبب الحركة، والحركة لابد لها من مبدأ ووسط ومنتهى، فهذه ثلاث مراتب، فالكلمة لابد وأن يحصل فيها هذه المراتب الثلاثة حتى تكون تامة، أما الثنائية فهي ناقصة وأما الرباعية فهي زائدة، والغائب في كلام العرب الثلاثيات، فثبت بما ذكرنا ضبط فضائل اللغات، والاستقراء يدل على أن لغة العرب موصوفة بها، وأما سائر اللغات فليست كذلك، والله أعلم.
المسألة السادسة: قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني إنما جعلناه ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ لأجل أن يعلموا المراد منه، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم، تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنها تدل على أنه إنما جعله ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ لهذه الحكمة، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز.
المسألة السابعة: قال قوم القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما لا يعلم، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ قرءاناً عربياً لقوم يعلمون ﴾ يعني إنما جعلناه عربياً ليصير معلوماً والقوم بأنه غير معلوم يقدح فيه.
المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ يدل على أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه، لأنا بينا أن كونه نازلاً من عند الإله الرحمن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل المنافع وأجل المطالب، وكونه ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ مفصلاً يدل على أنه في غاية الكشف والبيان، وكونه ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما فيه من أهم المهمات، لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى العقاب من أهم المهمات، وقد حصلت هذه الموجبات الثلاثة في تأكيد الرغبة في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم، وذلك يدل على أنه لا مهدي إلا من هداه الله، ولا ضال إلا من أضله الله.
واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولا يسمعونه، بيّن أنهم صرحوا بهذه النفرة والمباعدة وذكروا ثلاثة أشياء أحدها: أنهم قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ وأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء، والكنان هو الذي يجعل فيه السهام.
وثانيها: قولهم: ﴿ وفي آذاننا وقر ﴾ أي صمم وثقل من استماع قولك.
وثالثها: قولهم: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ والحجاب هو الذي يمنع من الرؤية والفائدة في كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا ﴾ أنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجاباً حصل وسط الجهتين، وأما بزيادة لفظ ﴿ مِنْ ﴾ كأن المعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة الحاصلة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب، وما بقي جزء منها فارغاً عن هذا الحجاب فكانت هذه اللفظة دالة على قوة هذا الحجاب، هكذا ذكره صاحب الكشاف وهو في غاية الحسن.
واعلم أنه إنما وقع الاقتصار على هذه الأعضاء الثلاثة، وذلك لأن القلب محل المعرفة وسلطان البدن والسمع والبصر هما الآلتان المعينتان لتحصيل المعارف، فلما بيّن أن هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك أقصى ما يمكن في هذا الباب.
واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع منه كلاماً لم يفهم معناه كما ينبغي، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سبباً للوقوف على دقائق أحوالك ذلك المرئي، وذلك المدرك والشاعر هو النفس، وشدة نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء، فإذا كان الأمر كذلك كان قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد، فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم، وذكر أيضاً ما يقرب منه في معرض الذم فقال: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات في سورة الأنعام فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ فكيف الجمع بينهما؟
قلنا إنه لم يقل هاهنا أنهم كذبوا في ذلك إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا: إنا إذا كنا كذلك لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، وهذا الثاني باطل، أما الأول فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه.
واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة قالوا: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا، ويجوز أن يكون المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، والحاصل عندنا أن القوم ما كذبوا في قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أكنة مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ .
ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ ﴾ وبيان هذا الجواب كأنه يقول إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً وقهراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عزّ وجلّ أوحى إليّ وما أوحى إليكم فأنا أبلغ هذا الوحي إليكم، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق قبلتموه، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي، ثم بيّن أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين: العلم والعمل، أما العلم فالرأس والرئيس فيه معرفة التوحيد، ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو المراد من قوله: ﴿ أَنَّمَا إلهكم إله واحد ﴾ وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك وجب علينا أن نعترف به، وهو المراد من قوله: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ وجهان الأول: فاستقيموا متوجهين إليه الثاني: أن يكون قوله: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض.
واعلم أن التكليف له ركنان أحدهما: الاعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه الاستغفار، فلهذا السبب قال: ﴿ واستغفروه ﴾ فإن قيل المقصود من الاستغفار والتوبة إزالة ما لا ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي، فلم عكس هذا الترتيب هاهنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما لا ينبغي؟
قلنا ليس المراد من هذا الاستغفار الاستغفار عن الكفر، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة».
ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي، فقال: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم في هذه الآية من وجوه: الأول: أن العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وذلك لأن الموجودات، إما الخالق وإما الخلق، فأما الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا هو المراد من التعظيم لأمر الله، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم، وذلك هو المراد من الشفقة على خلق الله، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله، وأفضل أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحداً وإذا كان التوحيد أعلى المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها، ولما كان أفضل أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس الأعمال، لأنه ضد الشفقة على خلق الله، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى أثبت الويل لمن كان موصوفاً بصفات ثلاثة أولها: أن يكون مشركاً وهو ضد التوحيد.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
وثانيها: كونه ممتنعاً من الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ .
وثالثها: كونه منكراً للقيامة مستغرقاً في طلب الدنيا ولذاتها، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ وتمام الكلام في أنه لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام: الأمس واليوم والغد.
أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم.
وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة، وأما معرفة الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة، وإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال، فلهذا حكم الله عليه بالويل، فقال: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن، والله أعلم الوجه الثاني: في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله: ﴿ لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم: لا إله إلا الله، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ الثالث: قال الفرّاء: إن قريشاً كانت تطعم الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام بهذه الآية، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين أحدهما: كونه مشركاً والثاني: أنه لا يؤتي الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة من المشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد، وذلك هو المطلوب.
المسألة الثالثة: احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر، وهو قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ﴾ وذكر أيضاً بعدها ما يوجب الكفر، وهو قوله: ﴿ وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون ﴾ فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفراً لكان ذكره فيما بين الصفتين الموجبتين للكفر قبيحاً، لأن الكلام إنما يكون فصيحاً إذا كانت المناسبة مرعية بين أجزائه، ثم أكدوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب: لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم إيتام الزكاة، فلم يلزم حصول الكفر بسبب عدم إيتاء الزكاة، والله أعلم.
ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين، فقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أي غير مقطوع، من قولك مننت الحبل، أي قطعته، ومنه قولهم قد منه السفر، أي قطعه، وقيل لا يمن عليهم، لأنه تعالى لما سماه أجراً، فإذاً الأجر لا يوجب المنّة، وقيل نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا يعملون.
<div class="verse-tafsir"
الممنون: المقطوع.
وقيل: لا يمنّ عليهم لأنه إنما يمن التفضل.
فأما الأجر فحقّ أداؤه.
وقيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى: إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر، كأصحّ ما كانوا يعملون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ في مِقْدارِ يَوْمَيْنِ، أوْ نَوْبَتَيْنِ وخَلَقَ في كُلِّ نَوْبَةٍ ما خَلَقَ في أسْرَعِ ما يَكُونُ.
ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ ما في جِهَةِ السُّفْلِ مِنَ الأجْرامِ البَسِيطَةِ ومِن خَلْقِها في يَوْمَيْنِ أنَّهُ خَلَقَ لَها أصْلًا مُشْتَرَكًا ثُمَّ خَلَقَ لَها صُوَرًا بِها صارَتْ أنْواعًا، وكُفْرُهم بِهِ إلْحادُهم في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.
﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ﴾ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ.
﴿ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ خالِقُ جَمِيعِ ما وُجِدَ مِنَ المُمْكِناتِ ومُرَبِّيها.
﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ اسْتِئْنافٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى خَلَقَ لِلْفَصْلِ بِما هو خارِجٌ عَنِ الصِّلَةِ.
﴿ مِن فَوْقِها ﴾ مُرْتَفِعَةٌ عَلَيْها لِيَظْهَرَ لِلنُّظّارِ ما فِيها مِن وُجُوهِ الِاسْتِبْصارِ وتَكُونَ مَنافِعُها مُعَرَّضَةً لِلطُّلّابِ.
﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ وأكْثَرَ خَيْرَها بِأنْ خَلَقَ فِيها أنْواعَ النَّباتِ والحَيَوانِ.
﴿ وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ﴾ أقْواتَ أهْلِها بِأنْ عَيَّنَ لِكُلِّ نَوْعٍ ما يُصْلِحُهُ ويَعِيشُ بِهِ، أوْ أقْواتًا تَنْشَأُ مِنها بِأنْ خَصَّ حُدُوثَ كُلِّ قُوتٍ بِقُطْرٍ مِن أقْطارِها، وقُرِئَ «وَقَسَّمَ فِيها أقْواتَها».
﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ كَقَوْلِكَ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ ولَمْ يَقُلْ في يَوْمَيْنِ لِلْإشْعارِ بِاتِّصالِهِما بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
والتَّصْرِيحُ عَلى الفَذْلَكَةِ.
﴿ سَواءً ﴾ أيِ اسْتَوَتْ سَواءً بِمَعْنى اسْتِواءً، والجُمْلَةُ صِفَةُ أيّامٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ يَعْقُوبَ بِالجَرِّ.
وقِيلَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أقْواتِها أوْ في فِيها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى هي سَواءٌ.
﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا الحَصْرُ لِلسّائِلِينَ عَنْ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، أوْ بِـ قَدَّرَ أيْ قَدَّرَ فِيها الأقْواتَ لِلطّالِبِينَ لَها.
<div class="verse-tafsir"
{وَجَعَلَ فِيهَا} في الأرض {رَوَاسِىَ} جبالاً ثوابت {مِّن فَوْقِهَا} إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة لطالبيها وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة الى ممسك وهو الله عز وجل {وبارك} بالماء والزرع والشجر ولاثمر {فيها} في الارض وقيل بارك فيها وأكثر خيرها {وَقَدَّرَ فِيهَآ أقواتها} أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه وقسم فيها اقوالتها {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} في تتمة أربعة أيام يريد بالتتمة اليومين تقول سرت من البصرة
إلى بغداد في عشرة وإلى الكوفة في خمسة عشر اى تتمه خمسة ولا بد من هذاالتقدير لأنه لو أجرى على الظاهر لكانت ثمانية أيام لأنه قال خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ ثم قال واقدر فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ثم قال
فصلت (١٢ - ١١)
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ فيكون خلاف قوله في ستة ايام في موضع آخر وفي الحديث إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق لاجبال يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب فتلك أربعة أيام وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة وخلق آدم عليه السلام في آخر ساعة من يوم الجمعة قيل هي الساعة التي تقوم فيها القيامة {سَوَآءٍ} يعقوب صفة للأيام أي في أربعة أيام مستويات تامات سَوَآء بالرفع يزيد أي هي سواء غيرهما سَوَآء على المصدر أي استوت سواء أي استواء أو على الحال {للسائلين} متعلق بقدر اى قدر فيها الافوات لأجل الطالبين لها والمحتاجين إليها لأن كلاً يطلب القوت ويسأله أو بمحذوف كأنه قيل هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَطْفٌ عَلى ﴿ خَلَقَ الأرْضَ ﴾ داخِلٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ، ولا ضَيْرَ في الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالجُمْلَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لِأنَّ الأُولى مُتَّحِدَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: - تَكْفُرُونَ - بِمَنزِلَةِ إعادَتِها والثّانِيَةَ مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ فالفَصْلُ بِهِما كَلا فَصْلَ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ أيْ ( خَلَقَ اَلْأرْضَ ) كافٍ في كَوْنِهِ تَعالى رَبَّ العالَمِينَ وأنْ لا يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّتْ إلَيْهِ هَذِهِ المَعْطُوفاتُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاتِّحادَ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ فاصِلًا مُشَوِّشًا لِلذِّهْنِ مُورِثًا لِلتَّعْقِيدِ فالحَقُّ والأقْرَبُ أنْ تُجْعَلَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً وكُلٌّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُعْتَرِضٌ لِيَنْدَفِعَ بِالِاعْتِراضِ الِاعْتِراضُ أوْ يُجْعَلُ ابْتِداءَ كَلامٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُصَدَّرُ بِالواوِ أوْ يُقالُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَخَلَقَ، واخْتارَ هَذا الأخِيرَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أوْجَهُ ما ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ بَعْدَ ﴿ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ أيْ خَلَقَها وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ فَكَأنَّهُ ساقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ أوَّلًا رَدًّا عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثانِيًا تَتْمِيمًا لِلْقِصَّةِ وتَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ، ولَيْسَ سَبِيلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ سَبِيلَ الِاعْتِراضِ حَتّى تُجْعَلَ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ ويُعْتَذَرُ عَنْ تَخَلُّلِ ( تَجْعَلُونَ ) عَطْفًا عَلى ( تَكْفُرُونَ ) بِاتِّحادِهِ بِما قَبْلَهُ عَلى أُسْلُوبِ ﴿ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ في هَذا المَساقِ وهو رُكْنٌ لِلْإنْكارِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ ﴾ وأُكِّدَ عَلى ما لا يَخْفى عَلى ذِي بَصِيرَةٍ.
والرَّواسِي الجِبالُ مِن رَسا إذا ثَبَتَ، والمُرادُ بِجَعْلِها إبْداعُها بِالفِعْلِ، وفي الإرْشادِ المُرادُ تَقْدِيرُ الجَعْلِ لا الجَعْلُ بِالفِعْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَوْقِها ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِرَواسِي أيْ كائِنَةٌ مِن فَوْقِها والضَّمِيرُ لِلْأرْضِ وفي ذَلِكَ اسْتِخْدامٌ عَلى ما قِيلَ في المُرادِ مِنها لِأنَّ الجِبالَ فَوْقَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ لا فَوْقَ جَمِيعِ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ والبَسائِطِ العُنْصُرِيَّةِ، وفائِدَةُ ﴿ مِن فَوْقِها ﴾ الإشارَةِ إلى أنَّها جُعِلَتْ مُرْتَفِعَةً عَلَيْها لا تَحْتَها كالأساطِينِ ولا مَغْرُوزَةً فِيها كالمَسامِيرِ لِتَكُونَ مَنافِعُها مُعْرَضَةً لِأهْلِها ويَظْهَرَ لِلنُّظّارِ ما فِيها مِن مَراصِدِ الِاعْتِبارِ ومَطارِحِ الأفْكارِ ولَعَمْرِي ( إنَّ ) في ارْتِفاعِها مِنَ الحِكَمِ التَّكْوِينِيَّةِ ما تَدْهَشُ مِنهُ العُقُولُ، والآيَةُ لا تَأْبى أنْ يَكُونَ في المَغْمُورِ مِنَ الأرْضِ في الماءِ جِبالًا كَما لا يَخْفى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ وبارَكَ فِيها ﴾ أيْ كَثَّرَ خَيْرَها، وفي الإرْشادِ قَدَّرَ سُبْحانَهُ أنْ يَكْثُرَ خَيْرُها بِأنْ يُكَثِّرَ فِيها أنْواعَ النَّباتاتِ وأنْواعَ الحَيَواناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ ﴿ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ﴾ أيْ بَيْنَ كَمِّيَّتِها وأقْدارِها، وقالَ في الإرْشادِ: أيْ حَكَمَ بِالفِعْلِ بِأنْ يُوجِدَ فِيما سَيَأْتِي لِأهْلِها مِنَ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ أقْواتَها المُناسِبَةَ لَها عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وقِيلَ: لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ السُّدِّيِّ حَيْثُ قالَ: أضافَ الأقْواتَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي فِيها وعَنْها بَرَزَتْ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ الأقْواتَ بِالمَطَرِ والمِياهِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ أنَّها ما خَصَّ بِهِ كُلَّ إقْلِيمٍ مِنَ المَلابِسِ والمَطاعِمِ والنَّباتاتِ لِيَكُونَ النّاسُ مُحْتاجِينَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وهو مُقْتَضٍ لِعِمارَةِ الأرْضِ وانْتِظامِ أُمُورِ العالَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «وقَسَّمَ فِيها أقْواتَها» ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُصُولِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لا بِتَقْدِيرِها عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَدَّرَ حُصُولَها في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ وكانَ الزَّجّاجُ يُعَلِّقُهُ - بِقَدَّرَ - كَما هو رَأْيُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ في القَيْدِ إذا وقَعَ بَعْدَ مُتَعاطِفاتٍ نَحْوَ أكْرَمْتُ زَيْدًا وضَرَبْتُ عَمْرًا ورَأيْتُ خالِدًا في الدّارِ، والشّافِعِيُّ يَقُولُ: المُتَعَقِّبُ لِلْجُمَلِ يَعُودُ إلَيْها جَمِيعًا لِأنَّ الأصْلَ اشْتِراكُ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المُتَعَلِّقاتِ فَيَكُونُ القَيْدُ هُنا عائِدًا إلى جَعْلِ الرَّواسِي وما بَعْدَهُ وهو الَّذِي يَتَبادَرُ إلى فَهْمِي ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ الَّذِي سَمِعْتَ وقَدْ صَرَّحَ الزَّجّاجُ بِتَقْدِيرِهِ ولَمْ يُقَدِّرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ الجارَّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ كُلُّ ذَلِكَ مِن خَلْقِ الأرْضِ وما بَعْدَهُ كائِنٌ في أرْبَعَةِ أيّامٍ عَلى أنَّهُ فَذْلَكَةٌ أيْ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ أتى بِهِ لِمُجْمَلِ ما ذُكِرَ مُفَصَّلًا مَأْخُوذَةٌ مِن فَذْلَكَةِ الحِسابِ وقَوْلِهِمْ: فَذْلَكَ كَذا بَعْدَ اسْتِقْرارِ الجَمْعِ فَما نَحْنُ فِيهِ ألْحَقَ فِيهِ أيْضًا جُمْلَةً مِنَ العَدَدِ بِجُمْلَةٍ أُخْرى وجَعَلَهُ كَذَلِكَ لا يَمْنَعُ عَطْفَ ( جَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) عَلى مُقَدَّرٍ لِأنَّ الرَّبْطَ المَعْنَوِيَّ كافٍ.
والقَوْلُ بِأنَّ الفَذْلَكَةَ تَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِذِكْرِ الجُمْلَتَيْنِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: سَرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى واسِطٍ في يَوْمَيْنِ ومِن واسِطٍ إلى الكُوفَةِ في يَوْمَيْنِ فَذَلِكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ وها هُنا لَمْ يَنُصُّ إلّا عَلى أحَدِ المَبْلَغَيْنِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ العِلْمَ بِالمَبْلَغَيْنِ في تَحْقِيقِ الفَذْلَكَةِ كافٍ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ جارٍ مَجْراها وإنَّما لَمْ يَجُزِ الحَمْلُ عَلى أنَّ جَعْلَ الرَّواسِي وما ذُكِرَ عَقِيبَهُ أوْ تَقْدِيرِ الأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضِ وما فِيها في سِتَّةِ أيّامٍ وقَدْ ذُكِرَ بَعْدَهُ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ.
وقَدْ تَكَرَّرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّ خَلْقَهُما أعْنِي السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وقُيِّدَتِ الأيّامُ الأرْبَعَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءً ﴾ فَإنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِأيّامٍ أيِ اسْتَوَتْ سَواءً أيِ اسْتِواءً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، والحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقَ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وعِيسى ويَعْقُوبَ «سَواءٍ» بِالجَرِّ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في الوَصْفِيَّةِ وبِذَلِكَ يَضْعُفُ القَوْلُ بِكَوْنِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ أقْواتَها ﴾ مَعَ قِلَّةِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ الصُّوَرِ الثَّلاثِ ولُزُومِ تَخالُفِ القِراءَتَيْنِ في المَعْنى.
ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ يُجْعَلُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سَواءٌ وتُجْعَلُ الجُمْلَةُ صِفَةً لِأيّامٍ أيْضًا لا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِدَفْعِ التَّجَوُّزِ فَإنَّهُ شائِعٌ في مِثْلِ ذَلِكَ مُطَّرِدٌ في عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ فَتَراهم يَقُولُونَ: فَعَلْتُهُ في يَوْمَيْنِ ويُرِيدُونَ في يَوْمٍ ونِصْفٍ مَثَلًا وسِرْتُ أرْبَعَةَ أيّامٍ ويُرِيدُونَ ثَلاثَةً ونِصْفًا مَثَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالأشْهُرِ فِيهِ شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وتِسْعٌ مِن ذِي الحِجَّةِ ولَيْلَةَ النَّحْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الزّائِدَ جُعِلَ فَرْدًا مَجازًا.
ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَجْمُوعِ اسْمُ العَدَدِ الكامِلِ فالمَعْنى ها هُنا في أرْبَعَةِ أيّامٍ لا نُقْصانَ فِيها ولا زِيادَةَ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ أُوثِرَ ما في التَّنْزِيلِ عَلى أنْ يُقالَ: وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ كَما قِيلَ أوَّلًا ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَكانَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ والأخِيرَيْنِ أكْثَرُهُما وإنَّما لَمْ يَقُلْ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ كامِلَيْنِ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ كامِلَيْنِ أوْ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ تِلْكَ أرْبَعَةٌ سَواءٌ لِأنَّ ما أوْرَدَهُ سُبْحانَهُ أخْصَرُ وأفْصَحُ وأحْسَنُ طِباقًا لِما عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ مِن مَغاصاتِ القَرائِحِ ومَصاكِّ الرَّكْبِ لِيَتَمَيَّزَ الفاضِلُ مِنَ النّاقِصِ والمُتَقَدِّمُ مِنَ النّاكِصِ وتَرْتَفِعُ الدَّرَجاتُ وتَتَضاعَفُ المَثُوباتُ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ دَلالَةً أيْ مَعَ الِاخْتِصارِ عَلى أنَّ اليَوْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ مُتَّصِلانِ بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِتَبادُرِهِ مِن جَعْلِهِما جُمْلَةً واحِدَةً واتِّصالِهِما في الذِّكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا الحَصْرُ في أرْبَعَةٍ كائِنٌ لِلسّائِلِينَ عَنْ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، ولا ضَيْرَ في تَوالِي حَذْفِ مُبْتَدَأيْنِ بِناءً عَلى ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلُ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ - بِقَدَّرَ - السّابِقِ أيْ وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ لَها المُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ المُقْتاتِينَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ هو حالٌ مِنَ الأقْواتِ، والكُلُّ لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى ما آثَرَهُ الزَّجّاجُ دُونَ ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ الفَذْلَكَةَ كَما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَتَيْنِ فَلا يَجُوزُ أنْ تَتَوَسَّطَ بَيْنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وبَعْضِ مُتَعَلِّقاتِها وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والمَعْنى مُسْتَوِيَةٌ مُهَيَّأةٌ لِلْمُحْتاجِينَ أوْ بِهِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ وجَعْلِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أيْ أمْرُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ونَفْعُها مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ لِلْمُحْتاجِينَ إلَيْهِ مِنَ البَشَرِ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
وهي أربع وخمسون آية مكية قوله تبارك وتعالى حم اسم السورة.
ويقال: حم يعني: قضي ما هو كائن ويقال هو قسم أقسم الله تعالى به.
تَنْزِيلٌ أي: نزل بهذا القرآن جبريل، مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تنزيل صار رفعاً بالابتداء، وخبره، كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ ويقال: صار رفعاً بإضمار فيه.
ومعناه: هذا تنزيل من الرحمن الرحيم، كِتابٌ يعني: القرآن فُصِّلَتْ آياتُهُ يعني: بينت، وفسرت دلائله، وحججه.
ويقال: بيّن حلاله، وحرامه، قُرْآناً عَرَبِيًّا صار نصباً على الحال.
أي: بينت آياته في حال جمعه، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: يصدقون، ويقرون بالرسل.
ويقال: يعلمون ما فيه، ويفهمونه.
قُرْآناً عَرَبِيًّا أخذ من الجمع، ولو كان غير عربي لم يعلموه.
قوله تعالى: بَشِيراً وَنَذِيراً يعني: بَشِيراً للمؤمنين بالجنة وَنَذِيراً للكافرين بالنار.
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ يعني: أعرض أكثر أهل مكة، فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ يعني: لا يسمعون سمعاً ينفعهم، لأنهم لا يجيبون، ولا يطيعون.
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ يعني: في غطاء لا نفقه ما تقول، مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد لا يصل إلى قلوبنا، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ يعني: ثقلاً فلا نسمع قولك.
يعني: نحن في استماع قولك، كالصم لا نسمع ما تقول، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ أي ستر، وغطاء، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ يعني: اعمل على أمرك، نعمل على أمرنا.
ويقال: اعمل لإلهك الذي أرسلك، إننا عاملون لآلهتنا، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي.
ويقال: اعمل في هلاكنا، إننا عاملون في هلاكك.
روى محمد بن كعب القرظي عمن حدثه: أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش: ألا أقُوم إلى هذا الرجل، وأكلمه، وأعرض عليه أموراً، لعله يقبل منا بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا، وذلك حين رأوا أصحاب النبيّ يزيدون، ويكثرون.
فقالوا: بلى يا أبا الوليد.
فقام عتبة: حتى جلس إلى رسول الله فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من المكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وعبت آلهتهم، ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فإن كنت، إنما تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنت تريد شرفاً شرفناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه، أي: خيالاً، لا تستطيع أن تردّه عنك نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا لك فيه أموالنا حتى نبريك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يداوى منه.
فلما فرغ منه، قال رسول الله : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ حتى انتهى إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) [فصلت: 13] » فقام عتبة، وجاء إلى أصحابه.
فقال بعضهم لبعض: تالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك؟
قال: سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة.
يا معشر قريش أطيعوني، وخلوا بيني وبين الرجل، وبين ما هو فيه.
فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
فقال: هذا الرأي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ السَّجْدَةِ مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] بِإجْماعِهِمْ، ويُقالُ لَها: سَجْدَةُ المُؤْمِنِ، ويُقالُ لَها: المَصابِيحُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَنْزِيلٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ "تَنْزِيلُ" بِـ ﴿ حم ﴾ ،وَيَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ "هَذا" .
وقالَ الزَّجّاجُ: "تَنْزِيلُ" مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ "كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ"، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
و ﴿ قُرْآنًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ، ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ: لِمَن يَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ تَكَبُّرًا عَنْهُ، ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ ﴾ أيْ: في أغْطِيَةٍ فَلا نَفْقَهُ قَوْلَكَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ "الأكِنَّةِ" و "الوَقْرِ" في [الأنْعامِ: ٢٥] .
ومَعْنى الكَلامِ: إنّا في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ ولا يَفْهَمُ، ﴿ وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّينِ.
قالَ الأخْفَشُ: و "مِن" هاهُنا لِلتَّوْكِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْمَلْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنّا عامِلُونَ عَلى إبْطالِ أمْرِكَ.
والثّانِي: اعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنّا عامِلُونَ عَلى دِينِنا.
﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ أيْ: لَوْلا الوَحْيُ لَما دَعَوْتُكم.
﴿ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ ﴾ أيْ: تَوَجَّهُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ، واسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الشِّرْكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يَشْهَدُونَ أنْ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، والمَعْنى: لا يُطَهِّرُونَ أنْفُسَهم مِنَ الشِّرْكِ بِالتَّوْحِيدِ.
والثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ ولا يُقِرُّونَ بِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُنْفِقُونَ في الطّاعاتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والخامِسُ: لا يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ، قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَنقُوصٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَةَ الَّذِينَ آمَنُوا مُعادِلًا بِذَلِكَ حالَةَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: غَيْرُ مَنقُوصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مَعْناهُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، يُقالُ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، إذا قَطَعْتُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ؛ مَحْصُورٌ، فَهو مُعَدٌّ لِأنْ يُمَنَّ بِهِ، ويَظْهَرُ في الآيَةِ أنَّهُ وصَفَهُ بِعَدَمِ المَنِّ والأذى، مِن حَيْثُ هو مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، فَهو شَرِيفٌ لا مَنَّ فِيهِ، وأُعْطِيّاتُ البَشَرِ هي الَّتِي يَدْخُلُها المَنُّ، وقالَ السَدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المَرْضى والزَمْنى، إذا عَجَزُوا عن إكْمالِ الطاعاتِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ، كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم مُوَبَّخًا عَلى كَفْرِهِمْ بِخالِقِ الأرْضِ والسَماواتِ ومُخْتَرِعِها، ووَصَفَ صُورَةَ الخَلْقِ ومَدَّهُ، والحِكْمَةُ في خَلْقِهِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ في مُدَّةٍ مُمْتَدَّةٍ مَعَ قُدْرَةِ اللهِ عَلى إيجادِها في حِينٍ واحِدٍ، هي إظْهارُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ حَسَبَ شَرَفِ الإيجادِ أوَّلًا أوَّلًا، قالَ قَوْمٌ: لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التَأنِّي في الأُمُورِ والمَهَلُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظِيرِ قَوْلِهِ: [أإنَّكُمْ]، واخْتَلَفَ رُواةُ الحَدِيثِ في اليَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأ اللهُ تَعالى فِيهِ خَلْقَ الأرْضِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرِهِ «أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ هو الأحَدُ، وأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ وفي الِاثْنَيْنِ الأرْضَ، ثُمَّ خَلَقَ الجِبالَ ونَحْوَها يَوْمَ الثُلاثاءِ،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَمِن هُنا قِيلَ: هو يَوْمٌ ثَقِيلٌ، ثُمَّ خَلَقَ الشَجَرَ والثِمارَ والأنْهارَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، ومِن هُنا قِيلَ: هو يَوْمُ راحَةٍ وتَفَكُّرٍ في هَذِهِ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ وما فِيها يَوْمَ الخَمِيسِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ، وفي آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ: خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ السَدِّيُّ: وسُمِّيَ يَوْمُ الجُمْعَةِ لِاجْتِماعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِ وتَكامُلِها.
فَهَذِهِ رِوايَةٌ فِيها أحادِيثٌ مَشْهُورَةٌ، ولَمّا لَمْ يَخْلُقْ تَعالى في يَوْمِ السَبْتِ شَيْئًا امْتَنَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ عَنِ الشُغْلِ فِيهِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ خَلَقَ اللهُ فِيهِ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ، ثُمَّ رَتَّبَ المَخْلُوقاتِ عَلى سِتَّةِ أيّامٍ، وجَعَلَ الجُمْعَةَ عارِيًا مِنَ المَخْلُوقاتِ، إلّا مِن آدَمَ وحْدَهُ.» والظاهِرُ مِنَ القِصَصِ في طِينَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الجُمْعَةَ الَّتِي خُلِقَ فِيها آدَمُ قَدْ تَقَدَّمَتْها أيّامٌ وجُمَعٌ كَثِيرَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ فِيها هَذِهِ المَخْلُوقاتِ هي أوَّلُ الأيّامِ، لِأنَّ بِإيجادِ الأرْضِ والسَماءِ والشَمْسِ وُجِدَ اليَوْمُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ تَعالى قَوْلَهُ ﴿ "يَوْمَيْنِ" ﴾ عَلى التَقْدِيرِ، وإنْ لَمْ تَكُنِ الشَمْسُ خُلِقَتْ بَعْدُ، وكَأنَّ تَفْصِيلَ الوَقْتِ يُعْطِي أنَّها الأحَدُ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ كَما ذُكِرَ.
و"الأنْدادُ": الأشْباهُ والأمْثالُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما عُبِدَ مِنَ المَلائِكَةِ والأصْنامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَ السَدِّيُّ: أكْفاءٌ مِنَ الرِجالِ يُطِيعُونَهم.
و"الرَواسِي": هي الجِبالُ الثَوابِتُ، رَسا الجَبَلُ إذا ثَبَتَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ أيْ جَعَلَها مُنْبِتَةً لِلطَّيِّباتِ والأطْعِمَةِ، وجَعَلَها طَهُورًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البَرَكَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَقَسَّمَ فِيها أقْواتَها]، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدَّرَ".
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: [أقْواتَها]، فَقالَ السَدِّيُّ: هي أقْواتُ البَشَرِ وأرْزاقُهُمْ، وأضافَها إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هي فِيها وعنها، وقالَ قَتادَةُ: هي أقْواتُ الأرْضِ مِنَ الجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والصُخُورِ والمَعادِنِ والأشْياءِ، الَّتِي بِها قِوامُ الأرْضِ ومَصالِحُها، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في هَذا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، فَشَبَّهَها بِالقُوتِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَيَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ أقْواتَها مِنَ المَطَرِ والمِياهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ أيْضًا: أرادَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ "أقْواتَها": ﴾ خَصائِصَها الَّتِي قَسَّمَها في البِلادِ، فَجَعَلَ في اليَمَنِ أشْياءَ لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ في العِراقِ والشامِ والأنْدَلُسِ وغَيْرِها مِنَ الأقْطارِ، لِيَحْتاجَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ويَتَقَوَّتُ مِن هَذِهِ في هَذِهِ المَلابِسِ والمَطْعُومِ، وهَذا نَحْوَ القَوْلِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ بِوَجْهٍ أعْمٍّ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ يُرِيدُ تَعالى: بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: بَنَيْتُ جِدارَ دارِي في يَوْمٍ، وأكْمَلْتُ جَمِيعَها في يَوْمَيْنِ، أيْ بِالأوَّلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "[سَواءً]" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، أيْ: سَواءٌ هي وما انْقَضى فِيها، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، أيْ هي سَواءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "سَواءٍ" بِالخَفْضِ عَلى نَعْتِ "الأيّامِ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ﴿ "لِلسّائِلِينَ" ﴾ فَقالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: مَعْناهُ: سَواءٌ لِمَن سَألَ عَنِ الأمْرِ واسْتَفْهَمَ عن حَقِيقَةِ وُقُوعِهِ وأرادَ العِبْرَةَ فِيهِ، فَإنَّهُ يَجِدُهُ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ أمْرَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ونَفْعِها لِلْمُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ البَشَرِ، فَعَبَّرَ عنهم بِالسائِلِينَ، بِمَعْنى الطالِبِينَ؛ لِأنَّهم مِن شَأْنِهِمْ ولا بُدَّ طَلَبُ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَهم في حُكْمِ مَن سَألَ هَذِهِ الأشْياءَ؛ إذْ هم أهْلَ حاجَةٍ إلَيْها.
ولَفْظَةُ "سَواءٍ" تَجْرِي مَجْرى "عَدْلٍ" و"زَوْرٍ" في أنْ تَرِدْ عَلى المُفْرَدِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على فعل الصلة لا على معمول الفعل، فجملة ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رواسي ﴾ الخ صلة ثانية في المعنى، ولذلك جيء بفعل آخر غير فعل (خلق) لأن هذا الجعل تكوين آخر حصل بعد خلق الأرض وهو خلق أجزاء تتصل بها إما من جنسها كالجبال وإما من غير جنسها كالأقوات ولذلك أعقب بقوله: ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ ﴾ بعد قوله: ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ [فصلت: 9].
والرواسي: الثوابت، وهو صفة للجبال لأن الجبال حجارة لا تنتقل بخلاف الرمال والكثبان، وهي كثيرة في بلاد العرب.
وحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه كقوله تعالى: ﴿ ومن آياته الجواري في البحر ﴾ [الشورى: 32] أي السفن الجواري.
وقد تقدم تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ﴾ في سورة الأنبياء (31).
ووصفُ الرواسي ب ﴿ مِن فَوْقِهَا ﴾ لاستحضار الصورة الرائعة لمناظر الجبال، فمنها الجميل المنظر المجلّل بالخضرة أو المكسوّ بالثلوج، ومنها الرهيب المرأى مثل جبال النار (البراكين)، والجبال المعدنية السود.
و ﴿ بارك فيها ﴾ جعل فيها البَرَكة.
والبَرَكة: الخير النافع، وفي الأرض خيرات كثيرة فيها رزق الإنسان وماشيتِه، وفيها التراب والحجارة والمعادن، وكلها بركات.
و ﴿ قدَّر ﴾ جعل قَدْراً، أي مقداراً، قال تعالى: ﴿ قد جعل اللَّه لكل شيء قدراً ﴾ [الطلاق: 3].
والمقدار: النصاب المحدود بالنوع أو بالكمية، فمعنى ﴿ قدر فيها أقواتها ﴾ أنه خلق في الأرض القُوى التي تنشأ منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحَبّ للحبوب، والكَلأ والكمْأة، والنَّوى للثمار، والحرارةِ التي يَتأثر بها تولد الحيوان من الدواب والطير، وما يتولد منه الحيتان ودَوابّ البحار والأنهار.
ومن التقدير: تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو اعتدال.
وأشار إلى ذلك قوله: ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ [نوح: 17] ويأتي القول فيه، وقوله: ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ [النحل: 81] وقوله: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ [النحل: 80] الآية.
وجمع الأقوات مضافاً إلى ضمير الأرض يفيد العموم، أي جميع أقواتها وعمومُه باعتبار تعدد المقتاتين، فللدواب أقوات، وللطير أقوات، وللوحوش أقوات، وللزواحف أقوات، وللحشرات أقوات، وجُعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما استطاب منها كما أفاده قوله تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ ومضى الكلام عليه في سورة البقرة (29).
وقوله: ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ ﴾ فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جِرمِها، وما عليها من رواسي، وما فيها من القوى، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليوماننِ اللذان في قوله: ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ [فصلت: 9] فكأنه قيل: في يَومين آخرين فتلك أربعة أيام، فقوله في ﴿ أرْبَعَة أيام ﴾ فذلكة، وعدل عن ذلك إلى ما في نسج الآية لقصد الإِيجاز واعتماداً على ما يأتي بعدُه من قوله: ﴿ فقضاهن سبع سماوات في يومين ﴾ [فصلت: 12]، فلو كان اليومان اللذان قضى فيهما خلق السماوات زائدين على ستة أيام انقضت في خلق الأرض وما عليها لصار مجموع الأيام ثمانية، وذلك ينافي الإِشارة إلى عِدّة أيام الأسبوع، فإن اليوم السابع يوم فراغ من التكوين.
وحكمة التمديد للخلق أن يقع على صفة كاملة متناسبة.
و ﴿ سواء ﴾ قرأه الجمهور بالنصب على الحال من ﴿ أيام ﴾ أي كاملة لا نقص فيها ولا زيادة.
وقرأه أبو جعفر مرفوعاً على الابتداء بتقدير: هي سواء.
وقرأه يعقوب مجروراً على الوصف ل وللسائلين } يتنازعه كل من أفعال ﴿ جعل ﴾ و ﴿ بَارك ﴾ و ﴿ قَدر ﴾ فيكون ﴿ للسائلين ﴾ جمع سائل بمعنى الطالب للمعرفة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، أي بيّنا ذلك للسائلين ويجوز أن يكون ل ﴿ السائلين ﴾ متعلقاً بفعل ﴿ قدر فيها أقواتها ﴾ فيكون المراد بالسائلين الطالبين للقوت.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَرَّعَهم بِالشُّحِّ الَّذِي يَأْنَفُ مِنهُ الفُضُلاءُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ بِكْفُرِهِ، مَعَ وُجُوبِ الزَّكاةِ عَلَيْهِ، أكْثَرُ مِمّا يُعَذَّبُ مَن لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ واجِبَةً عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهم لا يُزَكُّونَ أعْمالَهم، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ لا يَأْتُونَ بِهِ أزْكِياءَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: مَعْناهُ لَيْسَ هم مِن أهْلِ الزَّكاةِ، قالَهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: غَيْرُ مَنقُوصٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: فَضْلُ الجِيادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ فَما يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزَقًا الثّالِثُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى، مَأْخُوذٌ مِن مَنَنْتُ الحَبْلَ إذا قَطَعْتُهُ، قالُ ذُو الأُصْبُعِ العُدْوانِيُّ إنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلَقٍ ∗∗∗ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونٍ الرّابِعُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ قال: لا يشهدون أن لا إله إلا الله.
وفي قوله: ﴿ لهم أجر غير منون ﴾ قال: غير منقوص.
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ قال: لا يقولوا لا إله إلا الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ قال: كان يقال الزكاة قنطرة الإِسلام، من قطعها برئ ونجا ومن لم يقطعها هلك.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَوَاسِيَ ﴾ يعني الجبال ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أكثر خيرها ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ﴾ أي أرزاق أهلها ومعاشهم وقيل: يعني أقوات الأرض من المعادن وغيرها من الأشياء التي بها قوام الأرض، والأول أظهر ﴿ في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ يريد أن الأربعة كملت باليومين الأولين، فخلق الأرض في يومين وجعل فيها ما ذكر في يومين، فتلك أربعة أيام وخلق السموات في يومين فتلك ستة أيام حسبما ذكر في مواضع كثيرة، ولو كانت هذه الأربعة الأيام زيادة على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملة ثماينة أيام، بخلاف ما ذكر في المواضع الكثيرة ﴿ سَوَآءً ﴾ بالنصب مصدر تقديره: استوت استواء قاله الزمخشري، وقال ابن عطية انتصب على الحال للسائلين قيل: معناه لمن سأل عن أمرها، وقيل: معناه للطالبين لها، ويعني بالطلب على هذا حاجة الخلق إليها، وحرف الجر يتعلق بمحذوف على القول الأول تقديره: يبين ذلك لمن سأل عنه ويتعلق بقدّر على القول الثاني.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ .
ظاهر هذا أن تفسير ﴿ حـمۤ ﴾ هو قوله: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ ، وحم خبر لمبتدأ محذوف مقدر ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ مبتدأ من: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ وكذلك قوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ ، والأصل في حواميم وسائر الحروف المقطعة: أنها تبعث سامعها على التفكر والتأمل؛ لأنه لا يفهمها وقت قرعها السمع حتى يتأمل ويتفكر فيها؛ لأنها كلام لم يسمعوه قبل ذلك، فيحملهم ذلك على الاستماع والتفكر فيها والنظر، فيقع ما هو المقصود من الخطاب في سماعهم ويعرفوا وجه الإعجاز؛ فيتوصلوا بذلك إلى الحق، وقد ذكرنا في الحروف المقطعة وجوهاً أخر فيما تقدم.
ثم ذكر هاهنا رحمته ورأفته؛ ليرغبهم فيما يرحمهم ويرأف بهم، وهو قوله: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴾ ، وذكر في السورة الأولى عزه وقدرته وسلطانه وعلمه؛ ليحذروا مخالفته وعصيانه ظاهرا وباطناً حيث قال: ﴿ حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ ، ليطلبوا العز من عنده.
وقوله: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: ثبت فيه من الحلال والحرام، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى ونحوه.
وعندنا يحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: فرقت كل آية من الأخرى، من نحو: آية التوحيد فرقت من آية الرسالة، وفرقت آية البعث من غيرها، فرق كل آية من الأخرى.
والثاني: يحتمل التفريق في الإنزال، أي: فرقت آياته في الإنزال، لم يجمع بينها في الإنزال، ولكن فرق في أوقات متباعدة.
ويحتمل قوله: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ : ثبتت، على غير ما قاله أهل التأويل، وهو أن يثبت آياته بالحجج والبراهين حتى يعلم أنها آيات من الله .
وقوله: ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: أنزله بلسان يعلمونه ويفهمونه لا بلسان لا يعلمونه ولا يفهمونه، أي: أنزله بلسانهم.
ويحتمل ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: ينتفعون بعلمهم، أي: حصل إنزاله لقوم ينتفعون، فأما من لم ينتفع به، فلم يحصل إلا الإنزال له، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ قرآنا عربيا لقوم يعقلون ﴾ .
وقوله: ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
البشارة والنذارة هي بيان ما يكون في العاقبة من الخير والشر، أو يقال: البشارة هي الدعاء إلى ما يوجب لهم من الحسنات والخيرات في العاقبة، والنذارة هي الزجر عما يوجب لهم من السيئات والمكروهات في العاقبة، والنذارة هي الزجر؛ فصار معنى الآية: أن النبي أرسل داعياً إلى الحسنات وزاجراً عن السيئات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ ﴾ .
يحتمل إعراضهم عنه وجهين: أحدهما: أي: أعرضوا عن التفكر فيه والتأمل.
والثاني: أعرضوا عن اتباعه بعدما تأملوا فيه وتفكروا، وعرفوا أنه حق وأنه من الله ، لكنهم تركوا اتباعه عناداً منهم ومكابرة؛ حذرا عن ذهاب الرياسة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ .
أي: لا يجيبون على ما ذكرناه.
قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ﴾ .
لا شك أن قلوبهم على ما ذكروا أنها في أكنة وفي آذانهم وقر؛ لأنه ذكر - جلا وعلا - أنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا؛ حيث قال : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ على ما أخبروا أن قلوبهم في أكنة وغطاء، وفي آذانهم وقر، لا يفقهون ما يدعون إليه، ولا يسمعون ذلك وإن كانوا يفقهون غيره ويسمعون؛ لأنهم كذلك قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ .
إن ثبت ما ذكر بعض أهل التأويل: أن ثوباً فيما بينهم وبين رسول الله فقالوا: كن أنت يا محمد في جانب، ونكون نحن في جانب آخر، ونحوه من الكلام - فهو ذلك، وإلا احتمل أن يكون قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ : هو ما حجبتهم ظلمة الكفر وغطتهم عن فهم ما دعوا إليه وعلم ما دعاهم إليه محمد .
وقوله: ﴿ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: اعمل أنت بدينك فإنا عاملون بديننا؛ كقوله : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ .
والثاني: فاعمل أنت في كيدنا فإنا عاملون في كيدكم والمكر بكم، والله أعلم.
ويحتمل أن يقولوا: اعمل أنت لإلهك فإنا عاملون لإلهنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه يقول لهم: إنما أنا بشر مثلكم أفهم وأعقل يوحى إليَّ وأسمع ذلك، فأنتم في قولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر - لا عذر لكم في ذلك؛ لأنه إنما يحجبكم عن ذلك ويغطي قلوبكم عن فهم ذلك الكفرُ الذي أنتم عليه والضلال الذي أنتم فيه، فاتركوا ذلك حتى تفهموا وتعقلوا ما تدعون إليه وتؤمرون به، كما أفهم أنا وأعقل إذ أنا بشر، والله أعلم.
والثاني: يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ ، أي: إنما أنا بشر مثلكم أمرت أن أبلغ إليكم أن إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه، وإلا لو [لم] أؤمر بتبليغ الرسالة إليكم إنما إلهكم إله واحد - لكنت أترككم وما أنتم عليه؛ لقولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر فاعمل إننا عاملون.
على هذين الوجهين تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: فاستقيموا إليه بالطاعة.
وقيل: أي: استقيموا إلى ما دعاكم إليه من التوحيد.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ﴾ .
أي: انتهوا عما أنتم عليه من الكفر والضلال؛ ليغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر؛ كقوله : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
ويحتمل: أي: كونوا على حال بحيث يقبل استغفاركم وطلب تجاوزكم.
وقوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
والإشكال: أنه لماذا خص المشرك الذي لم يؤتِ الزكاة، وينكر الآخرة - بالويل، وقد يلحق الويل للمشرك آتى الزكاة أو لم يؤت، آمن بالآخرة أو كفر بها - فنقول: قال بعض أهل التأويل: معناه: وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بإيتاء الزكاة، ولا يؤمنون بالآخرة، وخصهم بذكر جحود الزكاة والآخرة؛ لما كان سبب كفرهم مختلفاً: منهم [من] كان سبب كفره بخله في المال وشحه، حمله ذلك على إنكار الزكاة والامتناع عن الإيتاء، [و]منهم من كان كفره إنكاره جزاء الأعمال، حمله ذلك على إنكار الآخرة، ومنهم من كان سبب كفره الخضوع لمن دونه أو مثله في أمر الدنيا، حمله ذلك على إنكار الرسالة والجحود لها، وغير ذلك من الأسباب التي حملتهم على الكفر والضلال وهي مختلفة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ ﴾ لا على زكاة الأموال، ولكن على زكاة الأنفس؛ كأنه يقول: وويل للمشركين الذين لا يعلمون ولا يسمعون فيما به تركوا أنفسهم ويشرف ذكرها ويصلح أعمالهم به ولا ما يجزون به في الآخرة، أي: ويل لمن لا يعمل ذلك، والله أعلم.
وهذان الوجهان جواب عمّن تعلق بظاهر هذه الآية على أن الكفار يخاطبون بالشرائع؛ حيث ألحق الوعيد بهم بترك إيتاء الزكاة، والزكاة من الشرائع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ .
أي: غير مقطوع وذلك في الآخرة.
وقال بعضهم: أي: غير ممتن عليهم، وذلك في الآخرة أيضاً، ومعناه - والله أعلم -: أنه يزاد لهم في الآخرة على قدر أعمالهم، ولا يمن عليهم في تلك الزيادة، وقال بعضهم: ﴿ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير منقوص ولا ممنوع، وذلك - والله أعلم - أن من كان يعمل في حال شبابه وقوته الصالحات والطاعات، ثم كبر وعجز عن إتيانها أنه لا يمنع ولا ينقص منه الأجر الذي كان مُجرى عليه ويكتب له في حال شبابه وقوته، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وجعل فيها جبالًا ثوابت من فوقها تثبتها لئلا تضطرب، وقدَّر فيها أقوات الناس والبهائم في أربعة أيام متمَّة لليومين السابقين هما: يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سواء لمن أراد أن يسأل عنها.
<div class="verse-tafsir" id="91.V8Ga0"