الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ١١ من سورة فصلت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 125 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) ، وهو : بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض ، ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ) أي : استجيبا لأمري ، وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين .
قال الثوري ، عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله [ تعالى ] ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ) قال : قال الله تعالى للسموات : أطلعي شمسي وقمري ونجومي .
وقال للأرض : شققي أنهارك ، وأخرجي ثمارك .
فقالتا : ( أتينا طائعين ) واختاره ابن جرير - رحمه الله .
( قالتا أتينا طائعين ) أي : بل نستجيب لك مطيعين بما فينا ، مما تريد خلقه من الملائكة والإنس والجن جميعا مطيعين لك .
حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية قال : وقيل : تنزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما .
وقيل إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة ، ومن السماء ما يسامته منها ، والله أعلم .
وقال الحسن البصري : لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه .
رواه ابن أبي حاتم .
وقوله: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) يعني تعالى ذكره: ثم استوى إلى السماء, ثم ارتفع إلى السماء.
وقد بيَّنا أقوال أهل العلم في ذلك فيما مضى قبل.
وقوله: ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) يقول جلّ ثناؤه: فقال الله للسماء والأرض: جيئا بما خلقت فيكما, أما أنت يا سماء فأطلعي ما خلقت فيك من الشمس والقمر والنجوم, وأما أنت يا أرض فأخرجي ما خلقت فيك من الأشجار والثمار والنبات, وتشقَّقِي عن الأنهار ( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) جئنا بما أحدثت فينا من خلقك, مستجيبين لأمرك لا نعصي أمرك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام, قال: ثنا ابن يمان, قال: ثنا سفيان, عن ابن جريج, عن سليمان بن موسى, عن مجاهد, عن ابن عباس,( فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) قال: قال الله للسموات: أطلعي شمسي وقمري, وأطلعي نجومي, وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك, فقالتا: أعطينا طائعين.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ابن جريج, عن سليمان الأحول, عن طاوس, عن ابن عباس, في قوله ( اِئْتِيَا ) : أعطيا.
وفي قوله: ( قَالَتَا أَتَيْنَا ) قالتا: أعطينا.
وقيل: أتينا طائعين, ولم يقل طائعتين, والسماء والأرض مؤنثتان, لأن النون والألف اللتين هما كناية أسمائهما في قوله ( أَتَيْنَا ) نظيره كناية أسماء المخبرين من الرجال عن أنفسهم, فأجرى قوله ( طَائِعِينَ ) على ما جرى به الخبر عن الرجال كذلك.
وقد كان بعض أهل العربية يقول: ذهب به إلى السموات والأرض ومن فيهنّ.
وقال آخرون منهم: قيل ذلك كذلك لأنهما لما تكلمتا أشبهتا الذكور من بني آدم.
قوله تعالى : ثم استوى إلى السماء وهي دخان أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها .
والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال ، يدل عليه قوله تعالى : ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وقد مضى القول هناك .
وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله : ثم استوى إلى السماء يعني صعد أمره إلى السماء ، وقاله الحسن .
ومن قال : إنه صفة ذاتية زائدة قال : استوى في الأزل بصفاته .
و " ثم " ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة .
وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، على ما مضى في " البقرة " عن ابن مسعود وغيره .
فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها أي جيئا بما خلقت فيكما من [ ص: 307 ] المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي .
قال ابن عباس : قال الله تعالى للسماء : أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك ، وأجري رياحك وسحابك ، وقال للأرض : شقي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين ، قالتا أتينا طائعين في الكلام حذف أي : أتينا أمرك طائعين .
وقيل : معنى هذا الأمر التسخير ، أي : كونا فكانتا كما قال تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما .
وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما .
وهو قول الجمهور .
وفي قوله تعالى لهما وجهان : أحدهما : أنه قول تكلم به .
الثاني : أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد ، ذكره الماوردي .قالتا أتينا طائعين فيه أيضا وجهان : أحدهما : أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما ، ومنه قول الراجز :امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطنييعني ظهر ذلك فيه .
وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى : قال أبو نصر السكسكي : فنطق من الأرض موضع الكعبة ، ونطق من السماء ما بحيالها ، فوضع الله تعالى فيه حرمه .
وقال : طائعين ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى ، لأنهما سموات وأرضون ، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما ، وقيل : لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل ، ومثله : رأيتهم لي ساجدين وقد تقدم .
وفي حديث : إن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب لو أن السماوات والأرض حين قلت لهما ائتيا طوعا أو كرها عصياك ، ما كنت صانعا بهما ؟
قال : كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما .
قال : يا رب وأين تلك الدابة ؟
قال : في مرج من مروجي .
قال : يا رب وأين ذلك المرج ؟
قال : علم من علمي .
ذكره الثعلبي .
وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة " آتيا " بالمد والفتح .
وكذلك قوله : " آتينا طائعين " على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما " قالتا " أعطينا " طائعين " فحذف المفعولين جميعا .
ويجوز وهو أحسن أن يكون " آتينا " فاعلنا فحذف مفعول واحد .
ومن قرأ " آتينا " فالمعنى جئنا بما فينا ، على ما تقدم بيانه في غير ما موضع والحمد لله .
{ ثُمَّ } بعد أن خلق الأرض { اسْتَوَى } أي: قصد { إِلَى } خلق { السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } قد ثار على وجه الماء، { فَقَالَ لَهَا } ولما كان هذا التخصيص يوهم الاختصاص، عطف عليه بقوله: { وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه.
{ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } ليس لنا إرادة تخالف إرادتك.
( ثم استوى إلى السماء ) أي : عمد إلى خلق السماء ، ( وهي دخان ) وكان ذلك الدخان بخار الماء ، ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ) أي : ائتيا ما آمركما أي : افعلاه ، كما يقال : ائت ما هو الأحسن ، أي : افعله .
وقال طاوس عن ابن عباس : ائتيا : أعطيا ، يعني أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد .
[ قال ابن عباس ] : قال الله عز وجل : أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك .
وقال لهما : افعلا ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك [ حتى تفعلاه كرها ] فأجابتا بالطوع ، و ( قالتا أتينا طائعين ) ولم يقل طائعتين ؛ لأنه ذهب به إلى السماوات والأرض ومن فيهن ، مجازه : أتينا بما فينا طائعين ، فلما وصفهما بالقول أجراهما في الجمع مجرى من يعقل .
«ثم استوى» قصد «إلى السماء وهي دخان» بخار مرتفع «فقال لها وللأرض ائتيا» إلى مرادي منكما «طوعاً أو كرهاً» في موضع الحال، أي طائعتين أو مكرهتين «قالتا أتينا» بمن فينا «طائعين» فيه تغليب المذكر العاقل أو نزلنا لخاطبها منزلته.
ثم استوى سبحانه وتعالى، أي قصد إلى السماء وكانت دخانًا من قبلُ، فقال للسماء وللأرض: انقادا لأمري مختارتين أو مجبرتين.
قالتا: أتينا مذعنين لك، ليس لنا إرادة تخالف إرادتك.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السماء ، فقال : ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ .
.
) .ومعنى استوائه - سبحانه - إلى السماء ، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد ، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك .والدخان : ما ارتفع من لهب النار .
والمراد به هنا : ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى : ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ) : تعلقت إرادته - تعالى - بخلقها .قال الآلوسى : قوله : ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ) أى : قصد إليها وتوجه ، دون إرادة تأثير فى غيرها ، من قولهم : استوى إلى مكان كذا ، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره ..وقوله : ( وَهِيَ دُخَانٌ ) أى أمر ظلمانى ، ولعله أريد بها مادتها التى منها تركبت .وقوله - تعالى - : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً .
.
.
) بيان لما وجهه - سبحانه - إليهما من أوامر .والمراد بإتيانهما : انقيادهما التام لأمره - تعالى - .أى : فقال - سبحانه - للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد ، فأنت يا سماء ، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم .
.
وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز .قال الفخر الرازى : والمقصود من هذا القول : إظهار كمال القدرة ، أى : ائتيا شئتما أم أبينتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وانتصابهما على الحال ، بمعنى طائعين أو مكرهين .
.وقوله : ( قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) بيان لامتثالهما التام لأمره - تعالى - .أى : قالتا : فلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين متسجيبين لأمرك ، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا .قال القرطبى : وقوله : ( قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) فيه وجهان : أنه تمثيل لظهور الطاعة منهما ، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما .
ومنه قول الراجز :امتلأ الحوض وقال قطنى ...
مهلا رويدا ملأت بطنىيعنى : ظهر ذلك فيه .وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله - تعالى - فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد - سبحانه - .وجمعهما - سبحانه - جمع من يعقل ، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء .
اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى أن يقول: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه ﴾ أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه الأصنام في الإلهية والمعبودية، وذلك بأن بيّن كمال قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض في مدة قليلة، فمن هذا صفته كيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإلهية والمعبودية؟
فهذا تقرير النظم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير: أينكم لتكفرون بهمزة وياء بعدها خفيفة ساكنة بلا مد، وأما نافع في رواية قالون وأبو عمرو فعلى هذه الصورة، إلا أنهما يمدان، والباقون همزتين بلا مد.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ أَئِنَّكُمْ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، وقد ذكر عنهم شيئين منكرين أحدهما: الكفر بالله.
وهو قوله: ﴿ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ وثانيهما: إثبات الشركاء والأنداد له، ويجب أن يكون الكفر المذكور أولاً مغايراً لإثبات الأنداد له، ضرورة أن عطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه: الأول: قولهم إن الله تعالى لا يقدر على حشر الموتى، فلما نازعوا في ثبوت هذه القدرة فقد كفروا بالله الثاني: أنهم كانوا ينازعون في صحة التكليف، وفي بعثة الأنبياء، وكل ذلك قدح في الصفات المعتبرة في الإلهية، وهو كفر بالله الثالث: أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد، وذلك أيضاً قدح في الإلهية وهو يوجب الكفر بالله، فالحاصل أنهم كفروا بالله لأجل قولهم بهذه الأشياء، وأثبتوا الأنداد أيضاً لله لأجل قولهم بإلهية تلك الأصنام، واحتج تعالى على فساد قولهم بالتأثير فقال كيف يجوز الكفر بالله، وكيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً لله تعالى، مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين آخرين؟
فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة، كيف يعقل الكفر به وإنكار قدرته على الحشر والنشر، وكيف يعقل إنكار قدرته على التكليف وعلى بعثة الأنبياء، وكيف يعقل جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً له في المعبودية والإلهية، فإن قيل من استدل بشيء على إثبات شيء، فذلك الشيء المستدل به يجب أن يكون مسلماً عند الخصم حتى يصح الاستدلال به، وكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض، وإنما يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء، والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوّة، فلا يعقل تقرير هذه المقدمة عليهم، وإذا امتنع تقرير هذه المقدمة عليهم امتنع الاستدلال بها على فساد مذاهبهم، قلنا إثبات كون السموات والأرض مخلوقة بطريق العمل ممكن، فإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال به على وجود الإله القادر القاهر العظيم، وحينئذ يقال للكافرين فكيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة وبين الصنم الذي هو جماد لا يضر ولا ينفع في المعبودية والإلهية؟
بقي أن يقال: فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقاً للأرض في يومين أثر، فنقول هذا أيضاً له أثر في هذا الباب، وذلك لأن أول التوراة مشتمل على هذا المعنى، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب، فكفار مكة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم والحقائق، والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني واعتقدوا في كونها حقة، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يحسن أن يقال لهم أن الإله الموصوف بالقدرة على خلق الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكاً له في المعبودية والإلهية؟
فظهر بما قررنا أن هذا الاستدلال قوي حسن.
وأما قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ رَبُّ العالمين ﴾ أي ذلك الموجود الذي علمت من صفته وقدرته أنه خلق الأرض في يومين هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم، فكيف أثبتم له أنداداً من الخشب والحجر؟
ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقاً للأرض في يومين أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك فالأول: قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ﴾ والمراد منها الجبال، وقد تقدم تفسير كونها ﴿ رَوَاسِيَ ﴾ في سورة النحل (15)، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿ مّن فَوْقِهَا ﴾ ولم لم يقتصر على قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسيَ شامخات ﴾ ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ ﴾ قلنا لأنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال خلقت هذه الجبال الثقال فوق الأرض، ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله سبحانه وتعالى والنوع الثاني: مما أخبر الله تعالى في هذه الآية قوله: ﴿ وبارك فِيهَا ﴾ والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض أكثر مما يحيط به الشرح والبيان، وقد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والثمار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الخيرات والنوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ وفيه أقوال الأول: أن المعنى وقدر فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، قال محمد بن كعب: قدر أقوات الأبدان قبل أن يخلق الأبدان والقول الثاني: قال مجاهد: وقدر فيها أقواتها من المطر، وعلى هذا القول فالأقوات للأرض لا للسكان، والمعنى أن الله تعالى قدر لكل أرض حظها من المطر والقول الثالث: أن المراد من إضافة الأقوات إلى الأرض كونها متولدة من تلك الأرض، وحادثة فيها لأن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى، فقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدناً لنوع آخر من الأشياء المطلوبة، حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس، فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات من اكتساب الأموال، ورأيت من كان يقول صنعة الزراعة والحراثة أكثر الحرف والصنائع بركة، لأن الله تعالى وضع الأرزاق والأقوات في الأرض قال: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ وإذا كانت الأقوات موضوعة في الأرض كان طلبها من الأرض متعيناً، ولما ذكر الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التدبير قال بعده: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى ذكر أنه خلق الأرض في يومين، وذكر أنه أصلح هذه الأنواع الثلاثة في أربعة أيام أُخر، وذكر أنه خلق السموات في يومين، فيكون المجموع ثمانية أيام، لكنه ذكر في سائر الآيات أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فلزم التناقض، واعلم أن العلماء أجابوا عنه بأن قالوا المراد من قوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ مع اليومين الأولين، وهذا كقول القائل سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وسرت إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً يريد كلا المسافتين، ويقول الرجل للرجل أعطيتك ألفاً في شهر وألوفاً في شهرين فيدخل الألف في الألوف والشهر في الشهرين.
السؤال الثاني: أنه لما ذكر أنه خلق الأرض في يومين، فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وأبعد عن الغلط، فلم ترك هذا التصريح، وذكر ذلك الكلام المجمل؟
والجواب: أن قوله: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ ﴾ فيه فائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين، وذلك لأنه لو قال خلقت هذه الأشياء في يومين لم يفد هذا الكلام كون هذين اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل، أما لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال بعده: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لّلسَّائِلِينَ ﴾ دل ذلك على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان.
السؤال الثالث: كيف القراءات في قوله: ﴿ سَوَآء ﴾ ؟
والجواب: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ سَوَآء ﴾ بالحركات الثلاثة الجر على الوصف والنصب على المصدر استوت سواء أي استواء والرفع على هي سواء.
السؤال الرابع: ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة سواء؟
فنقول إن الأيام قد تكون متساوية المقادير كالأيام الموجودة في أماكن خط الاستواء وقد تكون مختلفة كالأيام الموجودة في سائر الأماكن، فبيّن تعالى أن تلك الأيام الأربعة كانت متساوية غير مختلفة.
السؤال الخامس: بم يتعلق قوله: ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ ؟
الجواب فيه وجهان: الأول: أن الزجاج قال قوله: ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ أي في تتمة أربعة أيام، إذا عرفت هذا فالتقدير ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ في تتمة أربعة أيام لأجل السائلين أي الطالبين للأقوات المحتاجين إليها والثاني: أنه متعلق بمحذوف والتقدير كأنه قيل هذا الحصر والبيان لأجل من سأل كم خلقت الأرض وما فيها، ولما شرح الله تعالى كيفية تخليق الأرض وما فيها أتبعه بكيفية تخليق السموات فقال: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها، من غير صرف يصرفه ذلك.
البحث الثاني: ذكر صاحب الأثر أنه كان عرش الله على الماء قبل خلق السموات والأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فيبقى على وجه الماء فخلق الله منه اليبوسة وأحدث منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن، فإن دل عليه دليل صحيح قبل وإلا فلا، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي يزعم اليهود أنه التوراة، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لأنا قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية، بدليل أنه لو جلس إنسان في ضوء السراج وإنسان آخر في الظلمة، فإن الذي جلس في الضوء لا يرى مكان الجالس في الظلمة ويرى ذلك الهواء مظلماً، وأما الذي جلس في الظلمة فإنه يرى ذلك الذي كان جالساً في الضوء ويرى ذلك الهواء مضيئاً، ولو كانت الظلمة صفة قائمة بالهواء لما اختلفت الأحوال بحسب اختلاف أحوال الناظرين، فثبت أن الظلمة عبارة عن عدم النور، فالله سبحانه وتعالى لما خلق الأجزاء التي لا تتجزأ، فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور، ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً، وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السموات والشمس والقمر كانت مظلمة، فصح تسميتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور، فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان، والله أعلم بحقيقة الحال.
البحث الثالث: قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ مشعر بأن تخليق السماء حصل بعد تخليق الأرض، وقوله تعالى: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ مشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب التناقض، واختلف العلماء في هذه المسألة، والجواب المشهور: أن يقال إنه تعالى خلق الأرض في يومين أولاً ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض، وبهذا الطريق يزول التناقض، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندي من وجوه: الأول: أنه تعالى بيّن أنه خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث ﴿ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لأن خلق الجبال فيها لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة، وقوله تعالى: ﴿ وبارك فِيهَا ﴾ مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها، وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة، وحينئذ يعود السؤال المذكور الثاني: أنه قد دلّت الدلائل الهندسية على أن الأرض كرة، فهي في أول حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضاً فهي منذ خلقت كانت مدحوة، وإن قلنا إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة، وذلك باطل الثالث: أن الأرض جسم في غاية العظم، والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في الوجود يكون مدحواً، فيكون القول بأنها ما كانت مدحوة، ثم صارت مدحوة قول باطل، والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت في موضع الصخرة ببيت المقدس، فهو كلام مشكل لأنه إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت في ذلك الموضع، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة وهو محال، وإن كان المراد منه أنه خلق أولاً أجزاء صغيرة في ذلك الموضع ثم خلق بقية أجزائها، وأضيفت إلى تلك الأجزاء التي خلقت أولاً، فهذا يكون اعترافاً بأن تخليق الأرض وقع متأخراً عن تخليق السماء الرابع: أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين آخرين وتخليق السموات في يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام، فإذا حصل دحو الأرض من بعد ذلك فقد حصل هذا الدحو في زمان آخر بعد الأيام الستة، فحينئذ يقع تخليق السموات والأرض في أكثر من ستة أيام وذلك باطل الخامس: أنه لا نزاع أن قوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ كناية عن إيجاد السماء والأرض، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ يقتضي إيجاد الموجود وأنه محال باطل.
فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور، ونقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السموات قبل الأرض وتأويل قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان، وقال لها قبل أن يخلق الأرض فأضمر فيه كان كما قال تعالى: ﴿ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ معناه إن يكن سرق، وقال تعالى: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ والمعنى فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ تقتضي التأخير، وكلمة كان تقتضي التقديم والجمع بينهما يفيد التناقض، وذلك دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره وقد بينا أن قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله: ﴿ ائتيا ﴾ على الأمر والتكليف، فوجب حمله على ما ذكرناه، بقي على لفظ الآية سؤالات.
السؤال الأول: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ؟
الجواب: المقصود منه إظهار كمال القدرة والتقدير: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده لتفعلن هذا شئت أو لم تشأ، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو مكرهين ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا ﴾ على الطوع لا على الكره، وقيل إنه تعالى ذكر السماء والأرض ثم ذكر الطوع والكره، فوجب أن يتصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض بتخصيص السماء بالطوع لوجوه: أحدها: أن السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف، تشبه حيواناً مطيعاً لله تعالى بخلاف الأرض فإنها مختلفة الأحوال، تارة تكون في السكون وأخرى في الحركات المضطربة.
وثانيها: أن الموجود في السماء ليس لها إلا الطاعة، قال تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وأما أهل الأرض فليس الأمر في حقهم كذلك.
وثالثها: السماء موصوفة بكمال الحال في جميع الأمور، قالوا إنها أفضل الألوان وهي المستنيرة، وأشكالها أفضل الأشكال وهي المستديرة، ومكانها أفضل الأمكنة وهو الجو العالي، وأجرامها أفضل الأجرام وهي الكواكب المتلألئة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة واختلاف الأحوال وتغير الذوات والصفات، فلا جرم وقع التعبير عن تكون السماء بالطوع وعن تكون الأرض بالكره، وإذا كان مدار خلق الأرض على الكره كان أهلها موصوفين أبداً بما ويوجب الكره والكرب والقهر والقسر.
السؤال الثاني: ما المراد من قوله: ﴿ ائتيا ﴾ ومن قوله: ﴿ أتينا ﴾ ؟
الجواب: المراد ائتيا إلى الوجود والحصول وهو كقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقيل المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، أي بأرض مدحوة قراراً ومهاداً وأي بسماء مقببة سقفاً لهم، ومعنى الإتيان الحصول والوقوع على وفق المراد، كما تقول أتى عمله مرضياً وجاء مقبولاً، ويجوز أيضاً أن يكون المعنى لتأتي كل واحدة منكم صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قراراً للسماء وكون السماء سقفاً للأرض.
السؤال الثالث: هلا قيل طائعين على اللفظ أو طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون؟
الجواب: لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره قيل طائعين في موضع طائعات نحو قوله: ﴿ ساجدين ﴾ ومنهم من استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض في جوف السموات أقل من الذرة الصغيرة في جوف الجبل الكبير، فلهذا السبب صارت اللفظة الدالة العقل والحياة غالبة، إلا أن هذا القول باطل، لإجماع المتكلمين على فساده.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ ﴾ وقضاء الشيء إنما هو إتمامه والفراغ منه والضمير في قوله: ﴿ فَقَضَاهُنَّ ﴾ يجوز أن يرجع إلى السماء على المعنى كما قال: ﴿ طَائِعِينَ ﴾ ونحوه ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سموات والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال والثاني على التمييز.
ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بسبب طلوع الشمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم؟
قلنا معناه إنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدراً بيوم.
ثم قال تعالى: ﴿ وأوحى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ﴾ قال مقاتل أمر في كل سماء بما أراد، وقال قتادة خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وقال السدي خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد، قال ولله في كل سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو وقعت منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة، والأقرب أن يقال قد ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، ولله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص، فمن الملائكة من هو في القيام من أول خلق العالم إلى قيام القيامة، ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون، وإذا كان ذلك الأمر مختصاً بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصاً بتلك السماء، وقوله تعالى: ﴿ وأوحى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ﴾ أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا ﴾ والمعنى فكان قد جاءها، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض، ونظيره قول القائل ضربت اليوم زيداً ثم ضربت عمراً بالأمس، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه، والمختار عند أي يقال خلق السموات مقدم على خلق الأرض، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية؟
فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، والدليل عليه قوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون ﴾ فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال للشيء الذي وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل هو عبارة عن التقدير، والتقدير حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ معناه أنه قضى بحدوثه في يومين، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا، لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء، ولا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحدث السماء، وحينئذٍ يزول السؤال، فهذا ما وصلت إليه في هذه الموضع المشكل.
ثم قال تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَللأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ .
واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض بالإتيان فأطاعا وامتثلا وعند هذا حصل في الآية قولان: القول الأول: أن تجري هذه الآية على ظاهرها فنقول: إن الله تعالى أمرهما بالإتيان فأطاعاه قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد، ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام فقال: ﴿ ياجبال أَوّبِي مَعَهُ والطير ﴾ والله تعالى تجلى للجبل قال: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ والله تعالى أنطق الأيدي والأرجل فقال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله في ذات السماء والأرض حياة وعقلاً وفهماً، ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما، ويتأكد هذا الاحتمال بوجوه: الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع، وهاهنا لا مانع، فوجب إجراؤه على ظاهره الثاني: أنه تعالى أخبر عنهما، فقال: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم الثالث: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا ﴾ وهذا يدل على كونها عارفة بالله، مخصوصة بتوجيه تكاليف الله عليها، والإشكال عليه أن يقال: المراد من قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال: يا موجود كن موجوداً، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب، فلم يجز توجيه الأمر عليها، فإن قال قائل: روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ حدوثهما في ذاتهما، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعاً فيهما، إلا أن هذا الكلام باطل، لأنه تعالى قال: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ ﴾ والفاء للتعقيب، وذلك يدل على أن حدوث السموات إنما حصل بعد قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث.
القول الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ قَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع، ونظيره قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني؟
قال الوتد: أسأل من يدقني، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي.
واعلم أن هذا عدول عن الظاهر، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذ قام دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره، وقد بينا أن قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ إنما حصل قبل وجودهما، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله: ﴿ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ على الأمر والتكليف، فوجب حمله على ما ذكرنا.
واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما، وهذا يدل على أنه تعالى أسكن هذه السموات الملائكة، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء، وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع السموات، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات، ثم إنه تعالى أسكنهم فيها، وأيضاً ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها، وهذه الأسرار لا تليق بعقول البشر، بل هي أعلى من مصاعد أفهامهم ومرامي أوهامهم، ثم قال: ﴿ وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ وهي النيرات التي خلقها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسر معين، وطبيعة معينة، لايعرفها إلا الله، ثم قال: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ يعني وحفظناها حفظا، يعني من الشياطين الذين يسترقون السمع، فأعد لكل شيطان نجماً يرميه به ولا يخطئه، فمنها ما يحرق، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلاً، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن خلق السموات والأرض فقال: «خلق الله تعالى الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال والشجر في يومين وخلق في يوم الخميس السماء، وخلق في يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، ثم خلق آدم عليه السلام وأسكنه الجنة» ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد؟
قال: «ثم استوى على العرش» قالوا: ثم استراح فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل، قال: ﴿ ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم ﴾ والعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والعليم إشارة إلى كمال العلم، وما أحسن هذه الخاتمة، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا بقدرة كاملة وعلم محيط.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَئِنَّكُمْ ﴾ بهمزتين: الثانية بين بين.
و ﴿ ءائنكم ﴾ بألف وبين همزتين ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين.
هو ﴿ رَبُّ العالمين...
رَوَاسِىَ ﴾ جبالاً ثوابت.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مِنْ فَوْقِهَا ﴾ وهل اقتصر على قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات ﴾ [المرسلات: 27] ، ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِىَ ﴾ [الأنبياء: 31] ، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ ﴾ [النمل: 61] ؟
قلت: لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها، أو مركوزة فيها كالمسامير: لمنعت من الميدان أيضاً، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض، لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبيها، حاضرة محصليها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها مفتقرة إلى ممسك لابد لها منه، وهو ممسكها عزّ وعلا بقدرته ﴿ وبارك فِيهَا ﴾ وأكثر خيرها وأنماه ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وفي قراءة ابن مسعود.
وقسم فيها أقواتها ﴿ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء ﴾ فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان.
قيل: خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم الإثنين، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء.
وقال الزجاج: في أربعة أيام في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين.
وقرئ: ﴿ سواء ﴾ بالحركات الثلاث: الجر على الوصف والنصب على: استوت سواء، أي: استواء: والرفع على: هي سواء.
فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ ؟
قلت: بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟
أو يقدر: أي: قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين.
وهذا الوجه الأخير لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج.
فإن قلت: هلا قيل في يومين؟
وأي فائدة في هذه الفذلكة؟
قلت: إذا قال في أربعة أيام وقد ذكر أن الأرض خلقت في يومين، علم أن ما فيها خلق في يومين، فبقيت المخايرة بين أن تقول في يومين وأن تقول في أربعة أيام سواء، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست في يومين، وهي الدلالة على أنها كانت أياماً كاملة بغير زيادة ولا نقصان.
ولو قال: في يومين- وقد يطلق اليومان على أكثرهما- لكان يجوز أن يريد باليومين الأولين والآخرين أكثرهما ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ من قولك: استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه توجهاً لا يلوي على شيء، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم: استقام إليه وامتد إليه.
ومنه قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ [فصلت: 6] والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك.
قيل: كان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء، فأخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس الماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها أرضين، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع.
ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الأمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل.
ويجوز أن يكون تخييلاً ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره.
والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير؛ من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب.
ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟
قال الوتد: اسأل من يدقني، فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي.
فإن قلت: لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟
قلت: قد خلق جرم الأرض أو لا غير مدحوّة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال تعالى: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ [النازعات: 30] فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف: ائتي يا أرض مدحوّة قراراً ومهاداً لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفاً لهم.
ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضياً، وجاء مقبولاً.
ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة والتدبير: من كون الأرض قراراً للسماء، وكون السماء سقفاً للأرض.
وتنصره قراءة من قرأ: ﴿ آتيا ﴾ وآتينا: من المؤاتاة وهي الموافقة: أي: لتؤات كل واحدة أختها ولتوافقها.
قالتا: واقفنا وساعدنا.
ويحتمل وافقاً أمري ومشيئتي ولا تمتنعا.
فإن قلت: ما معنى طوعاً أو كرهاً؟
قلت: هو مثل للزوم وتأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال؛ كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً.
وانتصابهما على الحال، بمعنى: طائعتين أو مكرهتين.
فإن قلت: هلا قيل: طائعتين على اللفظ؟
أو طائعات على المعنى؟
لأنها سموات وأرضون.
قلت: لما جعلن مخاطبات ومجيبات، ووصفن بالطوع والكره قيل: طائعين، في موضع: طائعات.
نحو قوله: (ساجدين).
﴿ فقضاهن ﴾ يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى كما قال: ﴿ طَائِعِينَ ﴾ ونحوه: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 7] ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سموات، والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال، والثاني: على التمييز، قيل: خلق الله السموات وما فيها في يومين: في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
وفي هذا دليل على ما ذكرت لك، من أنه لو قيل: في يومين في موضع أربعة أيام سواء، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان.
فإن قلت: فلو قيل: خلق الأرض في يومين كاملين وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين.
أو قيل: بعد ذكر اليومين: تلك أربعة سواء؟
قلت: الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقاً لما عليه التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك الركب، ليتميز الفاضل من الناقص، والمتقدم من الناكص، وترتفع الدرجات، ويتضاعف الثواب، ﴿ أَمْرِهَا ﴾ ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك.
أو شأنها وما يصلحها ﴿ وَحِفْظاً ﴾ وحفظناها حفظاً، يعني من المسترقة بالثواقب.
ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ قَصَدَ نَحْوَها مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلى مَكانٍ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْوِي عَلى غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الخِلْقَتَيْنِ لا لِلتَّراخِي في المُدَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ وَدَحْوُها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ الجِبالِ مِن فَوْقِها.
﴿ وَهِيَ دُخانٌ ﴾ أمْرٌ ظَلَمانِيٌّ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ مادَّتَها أوِ الأجْزاءَ المُتَصَغِّرَةَ الَّتِي رُكِّبَتْ مِنها ﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا ﴾ بِما خَلَقْتُ فِيكُما مِنَ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ وأبْرِزا ما أوْدَعَتْكُما مِنَ الأوْضاعِ المُخْتَلِفَةِ والكائِناتِ المُتَنَوِّعَةِ.
أوِ ائْتِيا في الوُجُودِ عَلى أنَّ الخَلْقَ السّابِقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ أوِ التَّرْتِيبِ لِلرُّتْبَةِ، أوِ الإخْبارِ أوْ إتْيانُ السَّماءِ حُدُوثُها وإتْيانُ الأرْضِ أنْ تَصِيرَ مَدْحُوَّةً، وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ أوْ لِتَأْتِ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى في حُدُوثِ ما أُرِيدَ تَوْلِيدُهُ مِنكُما ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ وآتِيا مِنَ المُؤاتاةِ أيْ لِتُوافِقْ كُلُّ واحِدَةٍ أُخْتَها فِيما أرَدْتُ مِنكُما.
﴿ طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ شِئْتُما ذَلِكَ أوْ أبَيْتُما والمُرادُ إظْهارُ كَمالِ قُدْرَتِهِ ووُجُوبُ وُقُوعِ مُرادِهِ لا إثْباتُ الطَّوْعِ والكَرْهِ لَهُما، وهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ.
﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ مُنْقادِينَ بِالذّاتِ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ تَصْوِيرُ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ فِيهِما وتَأثُّرِهِما بِالذّاتِ عَنْها، وتَمْثِيلُهُما بِأمْرِ المُطاعِ وإجابَةِ المُطِيعِ الطّائِعَ كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وما قِيلَ مِن أنَّهُ تَعالى خاطَبَهُما وأقْدَرَهُما عَلى الجَوابِ إنَّما يُتَصَوَّرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ والأخِيرِ، وإنَّما قالَ طائِعِينَ عَلى المَعْنى بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما مُخاطَبَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: ساجِدِينَ.
﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ فَخَلَقَهُنَّ خَلْقًا إبْداعِيًّا وأتْقَنَ أمْرَهُنَّ، والضَّمِيرُ لِ السَّماءَ عَلى المَعْنى أوْ مُبْهَمٌ، وسَبْعَ سَماواتٍ حالٌ عَلى الأوَّلِ وتَمْيِيزٌ عَلى الثّانِي.
﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ قِيلَ: خَلَقَ السَّمَواتِ يَوْمَ الخَمِيسِ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ شَأْنَها وما يَتَأتّى مِنها بِأنْ حَمَلَها عَلَيْهِ اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا.
وقِيلَ: أوْحى إلى أهْلِها بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
﴿ وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ﴾ فَإنَّ الكَواكِبَ كُلَّها تُرى كَأنَّها تَتَلَأْلَأُ عَلَيْها.
﴿ وَحِفْظًا ﴾ أيْ وحَفِظْناها مِنَ الآفاتِ، أوْ مِنَ المُسْتَرِقَةِ حِفْظًا.
وقِيلَ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: وخَصَّصْنا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا.
﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ البالِغِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
{ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} هو مجاز عن إيجاد الله تعالى السماء على ما أراد تقول العرب فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني ويفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الارض وبه قال ابن عباس رضى الله عنهما وعنه أنه قال أول ما خلق الله تعالى جوهرة طولها وعرضها مسيرة ألف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت ثم ثار منها دخان بتسليط النار عليها فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء فجعل الزبد أرضاً والدخان سماء
ومعنى امر السماء والارض بالاتيان وامتثالهما اليه اراد ان يكونهما فلم يمتنعا عليه ووجدنا كما أرادهما وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الآمر المطاع وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين لأنه قد خلق جرم الأرض أولاً غير مدحوة ثم دحاها بعد خلق السماء كما قال والأرض بعد ذلك دحاها فالمعنى ان ائتيا على ما ينبغى عليه ان تأتيا من الشكل والوصف ائتى يا ارض مدحو قرار اومهادا لأهلك وائتي يا سماء مقبية سقفاً لهم ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما تقول أتى عمله مرضياً وقوله طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لبيان تأثير قدرته فيهما وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال كما تقول لمن تحت يدك لتفعلن هذا شئت أو أبيت ولتفعلنه طوعاً او كرها ونتصابها على الحال بمعنى طائعتين أو مكرهتين وإنما لم يقل طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سموات وأرضون لأنهن لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصفن بالطوع والكره قيل طائعين في موضع طائعات كقوله ساجدين
﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ أيْ قَصَدَ إلَيْها وتَوَجَّهَ دُونَ إرادَةِ تَأْثِيرٍ في غَيْرِها مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ لا يَلْوِي عَلى غَيْرِهِ.
وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الِاسْتِواءَ مَتّى عُدِّيَ بِعَلى فَبِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ وإذا عُدِّيَ بِإلى فَبِمَعْنى الِانْتِهاءِ إلى الشَّيْءِ إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالتَّدْبِيرِ، وعَلى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ الآيَةَ، وكَلامُ السَّلَفِ في الِاسْتِواءِ مَشْهُورٌ.
وقَدْ ذَكَرْنا فِيما سَلَفَ طَرَفًا مِنهُ ويُشْعِرُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مَحْذُوفًا أيْ ثُمَّ اسْتَوى إلى خَلْقِ السَّماءِ ﴿ وهِيَ دُخانٌ ﴾ أمْرٌ ظُلْمانِيٌّ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ مادَّتُها الَّتِي مِنها تَرَكَّبَتْ وأنا لا أقُولُ بِالجَواهِرِ الفَرْدَةِ لِقُوَّةِ الأدِلَّةِ عَلى نَفْيِها ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ مَحْذُورٌ أصْلًا كَما لا يَخْفى عَلى الذَّكِيِّ المُنْصِفِ، وقِيلَ: إنَّ عَرْشَهُ تَعالى كانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الماءِ فَأحْدَثَ اللَّهُ تَعالى في الماءِ سُخُونَةً فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ فَأمّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ اليُبُوسَةَ وأحْدَثَ سُبْحانَهُ مِنهُ الأرْضَ وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ السَّماواتِ.
وقِيلَ: كانَ هُناكَ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ فَنَظَرَ سُبْحانَهُ إلَيْها بِعَيْنِ الجَلالِ فَذابَتْ وصارَتْ ماءً فَأزْبَدَ وارْتَفَعَ مِنهُ دُخانٌ فَكانَ ما كانَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ الدُّخانُ كائِنًا مِنَ النّارِ الَّتِي هي إحْدى العَناصِرِ لِأنَّها مِن تَوابِعِ الأرْضِ ولَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً إذْ ذاكَ عَلى قَوْلٍ كَما سَتَعْرِفُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وعَلى القَوْلِ بِالوُجُودِ لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى تَكَوُّنِ ذَلِكَ مِن تِلْكَ النّارِ والحَقُّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا يُلْتَفَتُ إلى ما سِواهُ أنَّ كُرَةَ النّارِ الَّتِي يَزْعُمُها الفَلاسِفَةُ المُتَقَدِّمُونَ ووافَقَهم كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ عَلَيْها لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ ولا تَوَقُّفَ لِحُدُوثِ الشُّهُبِ عَلى وُجُودِها كَما يَظْهَرُ لِذِي ذِهْنٍ ثاقِبٍ.
﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا ﴾ بِما خَلَقْتُ فِيكُما مِنَ المَنافِعِ فَلَيْسَ المَعْنى عَلى إتْيانِ ذاتِهِما وإيجادِهِما بَلْ إتْيانُ ما فِيهِما مِمّا ذُكِرَ بِمَعْنى إظْهارِهِ والأمْرُ لِلتَّسْخِيرِ قِيلَ ولا بُدَّ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ المُتَرَتِّبَ بَعْدَ جَعْلِ السَّماواتِ سَبْعًا أوْ مَضْمُونَ مَجْمُوعِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ الفاءِ وإلّا فالأمْرُ بِالإتْيانِ بِهَذا المَعْنى مُتَرَتِّبٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ والسَّماءِ.
وقالَ بَعْضٌ: الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصْلُ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ..
إلَخْ.
فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا..
إلَخْ.
وهو أبْعَدُ عَنِ القِيلِ والقالِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أوْ كُونا وأحْدِثا عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ وفي وقْتٍ مُقَدَّرٍ لِكُلٍّ مِنكُما فالمُرادُ إتْيانُ ذاتِهِما وإيجادُهُما فالأمْرُ لِلتَّكْوِينِ عَلى أنَّ خَلَقَ وجَعَلَ وبارَكَ وقَدَّرَ بِالمَعْنى الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ ويَكُونُ هَذا شُرُوعًا في بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّكْوِينِ إثْرَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّقْدِيرِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ البَيانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ وما فِيها لِما أنَّ بَيانَ اعْتِنائِهِ تَعالى بِأمْرِ المُخاطَبِينَ وتَرْتِيبَ مَبادِئِ مَعايِشِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِمّا يَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وخَصَّ الِاسْتِواءَ بِالسَّماءِ مَعَ أنَّ الخِطابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِما مَعًا اكْتِفاءً بِذِكْرِ تَقْدِيرِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ ما فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: فَقِيلَ لَها ولِلْأرْضِ الَّتِي قُدِّرَ وُجُودُها ووُجُودُ ما فِيها كُونا وأحْدِثا وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي قَدَّمَهُ صاحِبُ الإرْشادِ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ احْتِمالًا وجَعَلَ الأمْرَ عِبارَةً عَنْ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِوُجُودِهِما تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ ومَأْمُورٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( كُنْ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ تَمْثِيلًا لِتَحَتُّمِ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى فِيهِما واسْتِحالَةِ امْتِناعِهِما مِن ذَلِكَ لا إثْباتَ الطَّوْعِ والكُرْهِ لَهُما، وهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ أيْ طائِعَتَيْنِ أوْ كارِهَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ أيْ مُنْقادِينَ تَمْثِيلًا لِكَمالِ تَأثُّرِهِما عَنِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ وحُصُولِهِما كَما أُمِرا بِهِ وتَصْوِيرًا لِكَوْنِ وُجُودِهِما كَما هُما عَلَيْهِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَإنَّ الطَّوْعَ مُنْبِئٌ عَنْ ذَلِكَ والكُرْهَ مُوهِمٌ لِخِلافِهِ، وقِيلَ: ﴿ طائِعِينَ ﴾ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ مَعَ اخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما في مَعْرِضِ الخِطابِ والجَوابِ ولا وجْهَ لِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ لِكَوْنِ التَّأْنِيثِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَقَطْ، <div class="verse-tafsir"
يقول الله تعالى للنبي : قُلْ يا محمد، إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يعني: آدمياً مثلكم، يُوحى إِلَيَّ ما أبلغكم من الرسالة، أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ يعني: أقروا له بالتوحيد، وَاسْتَغْفِرُوهُ من الشرك، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ يعني: الشدة من العذاب للمشركين، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: لا يعطون الزكاة، ولا يقرون بها، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ يعني: بالبعث بعد الموت.
ثم وصف المؤمنين فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: صدقوا بالله، وأدوا الفرائض، لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني: غير منقوص.
ويقال: غير مقطوع.
عنهم في حال ضعفهم، ومرضهم.
فقال عز وجل: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التهديد والزجر.
يعني: أإنكم لتكذبون بالخالق الذي خلق الأرض في يومين، يوم الأحد ويوم الاثنين.
فبدأ خلقها في يوم الأحد، وبسطها في يوم الاثنين، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً يعني: تصفون له شركاء من الآلهة، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ يعني: الذي خلق الأرض، فهو رب جميع الخلق، ولو أراد الله أن يخلقها في لحظة واحدة لفعل، وكان قادراً.
ولكنه أحب أن يبصر الخلق وجوه الأناة، والقدرة على خَلَقَ السموات والأرض فِي أيام كثيرة، وفي لحظة واحدة سواء، لأن الخلق عاجزون عن مثقال ذرة منها، وكان ابتداء خلق الأرض في يوم الأحد، وإتمام خلقها، وبسطها في يوم الاثنين.
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها يعني: وخلق في الأرض الرواسي.
يعني: الجبال الثوابت من فوقها، وَبارَكَ فِيها بالماء، والشجر، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها يعني: قسم فيها الأرزاق.
وقال عكرمة: قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها يعني: قدر في كل قرية عملاً لا يصلح في الأخرى، مثل النيسابوري لا يكون إلا بنيسابور، والهروي لا يكون إلا بهراة.
وقال قتادة: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال: جبالها، ودوابها، وأنهارها، وثمارها.
وقال الحسن وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال: أرزاقها.
وقال مقاتل: يعني: أرزاقها، ومعايشها وروى الأعمش عن أبي ظبيان، عن ابن عباس م قال: أول مَا خَلَقَ الله مِن شيء، خلق القلم.
فقال له اكتب.
فقال: يا رب وما أكتب؟
فقال: اكتب القدر.
فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم القيامة.
ثم خلق النون، ثم رفع بخار الماء، ففتق منه السموات، ثم بسط الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فتمادت الأرض، فأوتدت بالجبال.
ثم قال: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يعني: من أيام الآخرة.
ويقال: من أيام الدنيا، سَواءً لِلسَّائِلِينَ يعني: لمن سأل الرزق ومن لم يسأل.
وقال مقاتل: سَواءً لِلسَّائِلِينَ يعني: عدلاً لمن سأل الرزق، كقوله: وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ [ص: 22] يعني: عدلاً.
وقال ابن عباس: سألت رسول الله عن هذه الآية، فقال: «خَلَقَ الأَرْوَاحَ، قَبْلَ الأَجْسَادَ بأَرْبَعِ آلافِ سَنَة» ، وهكذا خلق الأرزاق قبل الأرواح بأربع آلاف سنة فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً.
قرأ الحسن: سَوَآء بكسر الألف.
وقرأ أبو جعفر المدني: سَوَآء بالضم.
وقراءة العامة: بالنصب.
فمن قرأ: بالكسر، جعل سواء صفة للأيام، والمعنى في أربعة أيام، مستويات، تامات للسائلين.
ومن قرأ: بالضم، فمعناه في أربعة أيام وقد تم الكلام.
ثم استأنف فقال: سَواءً لِلسَّائِلِينَ ومن قرأ: بالنصب.
يعني: قدرها سواء صار نصباً على المصدر.
ومعناه: استوت استواءً.
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي: صعد أمره إلى السماء، وهو قوله: كُنْ ويقال: عمد إلى خلق السماء وَهِيَ دُخانٌ يعني: بخار الماء كهيئة الدخان.
وذلك أنه لما خلق العرش، لم يكن تحت العرش شيء سوى الماء كما قال.
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء، ثم ألقى الحرارة على الماء حتى ظهر منه البخار، فارتفع بخاره كهيئة الدخان، فارتفع البخار، وألقى الريح الزبد على الماء، فزيد الماء، فخلق الأرض من الزبد، وخلق السماء من الدخان وهو البخار.
ثم قال تعالى: وَهِيَ دُخانٌ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ يعني: للسماء، والأرض، ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً يعني: اعطيا الطاعة، طوعاً أو كرهاً.
يعني: ائتيا بالمعرفة لربكما، والذكر له طوعاً، أو كرهاً، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فأعطيا الطاعة بالطوع.
ويقال: كانت السماء رتقاً عن المطر، والأرض عن النبات، فقال لهما ائْتِيا يعني: أعطيا، وأخرجا ما فيكما من المطر، والنبات منفعة للخلق إن شئتما طائعين، وإن شئتما كارهين.
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ يعني: أخرجنا ما فينا طائعين غير كارهين.
وروي عن مجاهد أنه قال: معناه يا سماء أبرزي شمسك، وقمرك، ونجومك، ويا أرض أخرجي نباتك طوعاً، أو كرهاً.
ويقال: هذا على وجه المثل، يعني: أمرهما بإخراج ما فيهما، فأخرجتا طائعتين.
قوله عز وجل: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها يعني: أمر أهل كل سماء بأمرها.
قال السدي: خلق في كل سماء، خلقاً من الملائكة، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني: بالنجوم وَحِفْظاً يعني: من الشياطين أن يسترقوا السمع ذلِكَ أي: الذي ذكر من صنعه تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ بخلقه.
<div class="verse-tafsir"
[تفسير سورة فصلت]
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)
رُوِيَ أَنَّ عُتْبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليحْتَجَّ عَلَيْهِ، وَيُبَيِّنَ لَهُ أَمْرُ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلاَمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ» :
حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [السجدة: ١٣] فَأُرْعِدَ الشَّيْخُ، وقَفَّ شَعْرُهُ، وأَمْسَكَ على فَمِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وَنَاشَدَهُ بِالرَّحِمِ أنْ يُمْسِكَ «١» ، وقَالَ حِينَ فَارَقَهُ: وَاللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئاً مَا هُوَ بالشِّعْرِ، وَلاَ هُوَ بِالكَهَانَةِ، وَلاَ هُوَ بِالسِّحْرِ، ولَقَدْ ظننت أنّ صاعقة العذاب على رأسي، والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: صِفَتَا رَجَاءٍ ورحمةٍ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وفُصِّلَتْ معناه بيّنت آياتُهُ أي: فُسِّرَتْ معانيه، / فَفُصِّلَ بين حلاله وحرامه، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقيل: فُصِّلَتْ في التنزيلِ، أي: نزل نجوماً، ولم ينزلْ مرةً واحدةً، وقيل: فُصِّلَتْ بالمواقف وأنواعٍ أَوَاخِرِ الآيِ، ولم يكن يرجعُ إلى قافية ونَحْوِها كالسَّجْعِ والشِّعْرِ.
وقوله تعالى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قالت فرقة: يعلمون الأشياء، ويعقلون الدلائل، فكأنَّ القرآن فُصِّلَتْ آياته لهؤلاء إذ هم أهل الانتفاع بها، فَخُصُّوا بالذكر تشريفا، وقالت فرقة:
يَعْلَمُونَ: متعلِّقٌ في المعنى بقوله: عَرَبِيًّا: أي: لقوم يعلمون ألفاظه، ويتحقَّقون أنَّها لم يخرجْ شيْءٌ منها عن كلام العرب، وَكأَنَّ الآيَةَ على هذا التأْويلِ رَادَّةٌ على مَنْ زَعَمَ أنَّ في كتابِ اللَّهِ ما لَيْسَ في كلامِ العَرَبِ، والتأويلُ الأوَّلُ أَبْيَنُ وأَشْرَفُ مَعْنًى وبَيِّنٌ أنَّه ليس في القرآن إلاَّ ما هو مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ، إمَّا مِنْ أصْلِ لغتِها، وإمَّا مِمَّا عرَّبته من لغة غيرها، ثم ذُكِرَ في القرآن وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ نفي لسماعهم النافِعِ الذي يُعْتَدُّ به، ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كُلَّ المباعدة، وأرادوا أن يُؤْيِسُوهُ من قبولهم ما جاء به، وهي:
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وأكِنَّةً: جمع كِنَانٍ، والوَقْر: الثِّقْلُ في الأذن الذي يمنع السمع.
وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ...
الآية: قال الحسن:
المراد بالزكاة: زكاة المال «١» ، وقال ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية: لاَ إله إلاَّ اللَّهُ التَّوْحِيدُ «٢» كما قال موسى لفرعَوْنَ: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى [النازعات: ١٨] ويُرَجِّحُ هذا التأويل أَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، وزكاة المال إنما نزلَتْ بالمدينة وإنَّما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره من المعاصي وقاله مجاهد والربيع «٣» ، وقال الضَّحَّاكُ ومقاتلُ: معنى الزكاة هنا: النفقة في الطاعة «٤» ، وغَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن عباس: معناه: غَيْر منقوصٍ «٥» ، وقالت فرقة: معناه: غَيْر مَقْطُوعٍ يقال: مَنَنْتُ الحَبْلَ: إذا قَطَعْتَهُ، وقال مجاهد: معناه:
غير محسوب «٦» ، قال ع «٧» : ويظهر في الآية أَنَّهُ وصفه بعدم المَنِّ والأذى من حيثُ هو من جهة اللَّه تعالى، فهو شرِيفٌ لا مَنَّ فيه، وأُعْطِيَاتُ البشر هي التي يدخلها المَنُّ، والأنداد: الأشباهُ والأَمثَالُ، وهي إشارةٌ إلى كلّ ما عبد من دون الله.
وقوله تعالى: وَبارَكَ فِيها أي: جعلها منبتَّةً للطَّيِّبات والأطعمة، وجعلها طهوراً إلى غير ذلك من وجوه البركة، وفي قراءةِ ابن مسعود: «وَقَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» «١» واخْتُلِفَ في معنى قوله: أَقْواتَها فقال السُّدِّيُّ: هي أقواتُ البَشَرِ وأرزاقُهُمْ، وأضافها إلى الأرض، من حيثُ هي فيها وَعَنْهَا «٢» ، وقال قتادة: هي أقواتُ الأرض: من الجبال، والأنهار، والأشجار، والصُّخُور، والمعادن، والأشياءِ التي بها قِوَامُ الأَرْضِ ومَصَالِحُها «٣» ، وروى ابنُ عباس في هذا حديثاً مرفوعاً، فشبَّهها بالقُوتِ الذي به قِوَامُ الحيوان، وقال مجاهَدٌ أراد أقواتَهَا من المَطَرِ والمياه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره: أراد بقوله: أَقْواتَها: خصائصها التي قَسَّمها في البلاد من المَلْبُوسِ والمطعومِ «٤» ، فجعل في بَلَدٍ وفي قُطْرٍ ما ليس في الآخِرِ، لِيَحْتَاجَ بعضُهم إلى بعضٍ، ويُتَقوَّت مِنْ هذه في هذه، وهذا قريبٌ من الأَوَّلِ.
وقوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يريد: باليومين الأولين، وقرأ الجمهور: «سَوَاءً» بالنصب على الحال «٥» ، أي: سَوَاءً هي وما انقضى فيها، وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاعِ:
«سَوَاءٌ» «٦» - بالرفع-، أي: هِيَ سَوَاءٌ، وقرأ الحسن «٧» : «سَوَاءٍ» بالخفض على نعت الأيَّامِ، واخْتُلِفَ في معنى: «للسائلين» : فقال قتادة معناه: سواءٌ لِمَنْ سَأَلَ واستفهم/ عن الأمْرِ وحقيقةِ وُقُوعِهِ، وأراد العِبْرَةَ فيه، فإنَّه يجده «٨» ، كما قال تعالى، وقال ابن زيد وجماعة:
معناه: مستوٍ مُهَيَّأٌ أمر هذه المخلوقات ونَفْعُهَا للمحتاجِينَ إلَيْهَا من البشر، فعبّر عنهم ب السَّائِلِينَ بمعنى «الطالبين» لأَّنَّهُ من شَأْنهم، ولاَ بُدَّ طَلَبَ ما ينتفعون به، فهم في حُكْمِ مَنْ سَأَلَ هذه الأشياء، إذ هُمْ أهل حاجة إليها، ولفظة «سواء» تجري مَجْرَى عَدْل وزَوْر، في أنْ تَرِدَ على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والسُّدِّيُّ، والأكْثَرُونَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ.
وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي، فَقالَ: "خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ الجِبالَ فِيها يَوْمَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ فِيها يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وبَثَّ فِيها الدَّوابَّ "يَوْمَ الخَمِيسِ"،» وهَذا الحَدِيثُ يُخالِفُ ما تَقَدَّمَ، وهو أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٢] و ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ ﴿ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ .
﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ بِالأشْجارِ والثِّمارِ والحُبُوبِ والأنْهارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ فِيها: أنْ يُنَمِّيَ فِيها الزَّرْعَ، فَتُخْرِجُ الحَبَّةُ حَبّاتٍ، والنَّواةُ نَخْلَةً ﴿ وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي جَمْعُ قُوتٍ، وهي الأرْزاقُ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التَّقْدِيرِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ شَقَّقَ الأنْهارَ وغَرَسَ الأشْجارَ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَ أرْزاقَ العِبادِ والبَهائِمِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أقْواتُها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: قَدَّرَ لِكُلِّ بَلْدَةٍ ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى كَما أنَّ ثِيابَ اليَمَنِ لا تَصْلُحُ إلّا بِـ "اليَمَنِ" والهَرَوِيَّةِ بِـ "هَراةٍ"، لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.
والخامِسُ: قَدَّرَ البُرَّ لِأهْلِ قُطْرٍ، والتَّمْرَ لِأهْلِ قُطْرٍ، والذُّرَةَ لِأهْلِ قُطْرٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ.
قالَ الأخْفَشُ: ومْثُلُهُ [أنْ] تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أمْسِ امْرَأةً، واليَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وإحْداهُما الَّتِي تَزَوَّجْتُها أمْسِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: الثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، وهُما مَعَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ أرْبَعَةُ أيّامٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءً ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعَبْدُ الوارِثِ: "سَواءٍ" بِالجَرِّ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشْرَةِ: بِالنَّصْبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالخَفْضِ، جَعَلَ "سَواءً" مِن صِفَةِ الأيّامِ؛ فالمَعْنى: في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوِياتٍ تامّاتٍ؛ ومَن نَصَبَ، فَعَلى المَصْدَرِ؛ فالمَعْنى: اسْتَوَتْ سَواءً واسْتِواءً؛ ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: هي سَواءٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لِلسّائِلِينَ القُوتَ، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ ويَسْألُهُ.
والثّانِي: لِمَن يَسْألُ: في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ؟
فَيُقالُ: خُلِقَتْ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ ولا نُقْصانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [البَقَرَةِ: ٢٩] ﴿ وَهِيَ دُخانٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ [الماءَ] أرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيحَ فَثارَ مِنهُ دُخانٌ فارْتَفَعَ وسَما، فَسَمّاهُ سَماءً.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ أرْسَلَ عَلَيْها نارًا، فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ فَسَما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ لِلسَّماءِ: أظْهِرِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ، وأخْرِجِي ثِمارَكِ، ﴿ طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: طائِعاتٍ، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مَجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قالَ في النُّجُومِ: ﴿ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ، قالَ: وقَدْ قِيلَ: أتَيْنا نَحْنُ ومَن فِينا طائِعِينَ.
﴿ فَقَضاهُنَّ ﴾ أيْ: خَلْقَهُنَّ وصُنْعَهُنَّ، قالَ أبُو ذَؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ مَعْناهُ: عَمِلَهُما وصَنَعَهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: وهَما يَوْمُ الخَمِيسِ ويَوْمُ الجُمُعَةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: الأحَدُ والِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ.
وقَدْ بَيَّنّا مِقْدارَ هَذِهِ الأيّامِ في [الأعْرافِ: ٥٤] .
﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أوْحى ما أرادَ، وأمَرَ بِما شاءَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلْقَها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا ﴾ أيِ: القُرْبى إلى الأرْضِ ﴿ بِمَصابِيحَ ﴾ وهي النُّجُومُ، والمَصابِيحُ: السُّرُجُ، فَسُمِّيَ الكَوْكَبُ مِصْباحًا، لِإضاءَتِهِ ﴿ وَحِفْظًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: وحَفِظْناها مِنِ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ اسْتَوى إلى السَماءِ ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، أيْ: إلى خَلْقِ السَماءِ وإيجادِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهِيَ دُخانٌ ﴾ رُوِيَ أنَّها كانَتْ جِسْمًا رَخْوًا كالدُخانِ أوِ البُخارِ، ورُوِيَ أنَّهُ مِمّا أمَرَهُ اللهُ أنْ يَصْعَدَ مِنَ الماءِ، وهُنا لَفْظٌ مَتْرُوكٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: فَأوجَدَها وأتْقَنَها وأكْمَلَ أمْرَها، وحِينَئِذٍ قِيلَ لَها ولِلْأرْضِ: ﴿ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ائْتِيا"، ﴾ مَن أتى يَأْتِي، ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ عَلى وزْنِ فَعَلْنا، وذَلِكَ بِمَعْنى: ائْتِيا أوامِرِي وإرادَتِي فِيكُما، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ: "آتِيا"، مِن آتى يُؤْتى، ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ عَلى وزْنِ أفْعَلْنا، وذَلِكَ بِمَعْنى أعْطِيا مِن أنْفُسِكُما مِنَ الطاعَةِ ما أرَدْتُهُ مِنكُما، والإشارَةُ بِهَذا كُلِّهِ إلى تَسْخِيرِهِما وما قَدَّرَهُ اللهُ مِن أعْمالِها.
وقَوْلُهُ تَعالِي: ﴿ أو كَرْهًا ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ ومُقْتَضَبٌ، والتَقْدِيرُ: ائْتِيا طَوْعًا وإلّا أتَيْتُما كَرْهًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قالَتا" ﴾ أرادَ الفِرْقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وجَعَلَ تَعالى السَماواتِ سَماءً والأرْضِينَ أرْضًا، ونَحْوَ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: ألَمْ يَحْزُنُكِ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعا؟
جَعَلَها فِرْقَتَيْنِ وعَبَّرَ عنهُما بِتَبايَنَتا.
وقَوْلُهُ: ﴿ "طائِعِينَ"، ﴾ لِما كانَ مِمَّنْ يَقُولُ - وهي حالُ يَعْقِلُ - جَرى الضَمِيرُ في "طائِعِينَ" ذَلِكَ المَجْرى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ .
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ السَماءِ والأرْضِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَطَقَتا حَقِيقَةً، وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها حَياةً وإدْراكًا يَقْتَضِي نُطْقَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مَجازٌ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُما ظَهَرَ مِنها مِنَ اخْتِيارِ الطاعَةِ والخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِ: ﴿ أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ .
والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَدْفَعُهُ، ولِأنَّ العِبْرَةَ بِهِ أتَمُّ، والقُدْرَةُ فِيهِ أظْهَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَضاهُنَّ ﴾ مَعْناهُ: فَأوجَدَهُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: أوحى إلى سُكّانِها وعَمَرَتِها مِنَ المَلائِكَةِ، وإلَيْها هي في نَفْسِها ما شاءَ اللهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بِها قِوامُها وصَلاحُها، قالَ السَدِّيُّ، وقَتادَةُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي لِغَيْرِها مِثْلُ ما فِيها مِن جِبالِ البَرَدِ ونَحْوَها، وأضافَ اللهُ تَعالى الأمْرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هو فِيها.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الكَواكِبَ زَيَّنَ بِها السَماءَ الدُنْيا، وذَلِكَ ظاهِرُ اللَفْظِ وهو بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حَسُّ البَصَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَحِفْظًا" ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وحَفَظْناها حِفْظًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، أيْ: أوجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ، وأحْكَمَهُ بِعِلْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي، وهي تدل على أن مضمون الجملة المعطوفة أهم مرتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها، فإن خلق السماوات أعظم من خلق الأرض، وعوالمها أكثر وأعظم، فجيء بحرف الترتيب الرتبي بعد أن قُضِي حق الاهتمام بذكر خلق الأرض حتى يوفَّى المقتضيان حقَّهما.
وليس هذا بمقتض أن الإِرادة تعلقت بخلق السماء بعد تمام خلق الأرض ولا مقتضياً أن خلق السماء وقع بعد خلق الأرض كما سيأتي.
والاستواء: القصد إلى الشيء تَوًّا لا يعترضه شيء آخر.
وهو تمثيل لتعلق إرادة الله تعالى بإيجاد السماوات، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ في سورة البقرة (29).
وربما كان في قوله: ﴿ فَقَال لَهَا وللأرْضضِ ائتِيَا طَوْعاً أوْ كَرْهاً ﴾ إشارة إلى أنه تعالى توجهت إرادته لخلق السماوات والأرض توجهاً واحداً ثم اختلف زَمن الإِرادة التنجيزي بتحقيق ذلك فتعلقت إرادته تنجيزاً بخلق السماء ثم بخلق الأرض، فعبر عن تعلق الإِرادة تنجيزاً لخلق السماء بتوجه الإرادة إلى السماء، وذلك التوجه عبر عنه بالاستواء.
ويدل لذلك قوله: ﴿ فَقَالَ لَهَا ولِلأرْضضِ ائْتِيَا طَوْعاً أوْ كَرْهاً قَالَتَا أتَيْنَا طآئِعِينَ ﴾ ففعل ﴿ ائتيا ﴾ أمر للتكوين.
والدخان: ما يتصاعد من الوَقود عند التهاب النار فيه.
وقوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ تشبيه بليغ، أي وهي مثل الدخان، وقد ورد في الحديث: «أنها كانت عَماء».
وقيل: أراد بالدخان هنا شيئاً مظلماً، وهو الموافق لما في «سفر التكوين» من قولها: «وعلى وجه الغمر ظلمة» وهو بعيد عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن في الوجود من الحوداث إلا العَماءَ، والعماء: سحابٌ رقيق، أي رطوبة دقيقة وهو تقريب للعنصر الأصلي الذي خَلق الله منه الموجودات، وهو الذي يناسب كوْنَ السماء مخلوقة قبل الأرض.
ومعنى: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ أن أصل السماء هو ذلك الكائن المشبه بالدخان، أي أن السماء كونت من ذلك الدخان كما تقول: عمَدْتُ إلى هاته النخلة، وهي نواة، فاخترت لها أخصب تربة، فتكون مادة السماء موجودة قبل وجود الأرض.
وقوله: ﴿ فَقَالَ لَهَا وللأرْضِ ﴾ تفريع على فعل ﴿ استوى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ فيكون القول موجهاً إلى السماء والأرض حينئذٍ، أي قبل خلق السماء لا محالة وقبل خلق الأرض، لأنه جعل القولَ لها مقارناً القول للسماء، وهو قول تكوين.
أي تعلّققِ القدرة بالسماء والأرض، أي بمادة تكوينهما وهي الدخان لأن السماء تكونت من العماء بجمود شيء منه سمي جلداً فكانت منه السماء وتكوّن مع السماء الماء وتكونت الأرض بيُبْس ظهر في ذلك الماء كما جاء الإِصحاح الأول من «سفر التكوين» من التوراة.
والإِتيان في قوله: ﴿ ائتيا ﴾ أصله: المجيء والإِقبال ولما كان معناه الحقيقي غير مراد لأن السماء والأرض لا يتصور أن يأتيا، ولا يتصور منهما طواعية أو كراهية إذ ليستا من أهل العقول والإدراكات، ولا يتصور أن الله يكرههما على ذلك لأنه يقتضي خروجهما عن قدرته بادئ ذي بدء تعينّ الصرف عن المعنى الحقيقي وذلك بأحد وجهين لهما من البلاغة المكانة العليا: الوجه الأول: أن يكون الإِتيان مستعاراً لقبول التكوين كما استعير للعصيان الإِدبارُ في قوله تعالى: ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ [النازعات: 22]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمسيلمة حين امتنع من الإِيمان والطاعة في وفد قومه بني حنيفة «لئن أدبرت ليعقرنك اللَّه» وكما يستعار النفور والفرار للعصيان.
فمعنى ﴿ ائتيا ﴾ امتثلا أمر التكوين.
وهذا الامتثال مستعار للقبول وهو من بناء المجاز على المجاز وله مكانة في البلاغة، والقول على هذا الوجه مستعار لتعلق القدرة بالمقدور كما في قوله: ﴿ أن يقول له كن فيكون ﴾ [يس: 82].
وقوله: ﴿ طَوْعاً أوْ كَرْهاً ﴾ كناية عن عدم البدّ من قبول الأمر وهو تمثيل لتمكن القدرة من إيجادهما على وفق إرادة الله تعالى فكلمة ﴿ طَوْعاً أو كَرْهاً ﴾ جارية مجرى الامثال.
و ﴿ طَوْعاً أوْ كَرْهاً ﴾ مصدران وقعا حالين من ضمير ﴿ ائتنا ﴾ أي طائعين أو كارهيْن.
والوجه الثاني: أن تكون جملة ﴿ فَقَالَ لَهَا ولِلأرْضِ ائتنا طَوْعاً أوْ كَرْهاً ﴾ مستعملة تمثيلاً لهيئة تعلق قدرة الله تعالى لتكوين السماء والأرض لعظَمة خلْقهما بهيئة صدور الأمر من آمر مُطاع للعبد المأذون بالحضور لعمل شاق أن يقول له: ائت لهذا العمل طوعاً أو كرهاً، لتوقع إبائهِ من الإِقدام على ذلك العمل، وهذا من دون مراعاة مشابهة أجزاء الهيئة المركبة المشبَّهة لأجزاء الهيئة المشبه بها، فلا قول ولا مقول، وإنما هو تمثيل، ويكون ﴿ طَوْعاً أوْ كَرْهاً ﴾ على هذا من تمام الهيئة المشبه بها وليس له مقابل في الهيئة المشبهة.
والمقصود على كلا الاعتبارين تصوير عظمة القدرة الإِلهية ونفوذها في المقدورات دَقَّت أو جلَّت.
وأما قوله: ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ فيجوز أن يكون قول السماء والأرض مستعاراً لدلالة سرعة تكونهما لشبههما بسرعة امتثال المأمور المطيع عن طواعية فإنه لا يتردد ولا يتلكَّأ على طريقة المكنية والتخييل من باب قول الراجز الذي لا يعرف تعيينه: امتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي *** وهو كثير، ويجوز أن يكون تمثيلاً لهيئة تكوّن السماء والأرض عند تعلق قدرة الله تعالى بتكوينهما بهيئة المأمور بعمل تقَبله سريعاً عن طواعية.
وهما اعتباران متقاربان، إلا أن القول، والإِتيان، والطوع، على الاعتبار الأول تكون مجازات، وعلى الاعتبار الثاني تكون حقائق وإنما المجاز في التركيب على ما هو معلوم من الفرق بين المجاز المفرد والمجاز المركب في فن البيان.
وإنما جاء قوله: ﴿ طَآئِعِينَ ﴾ بصيغة الجمع لأن لفظ السماء يشتمل على سبع سماوات كما قال تعالى إثر هذا ﴿ فقضاهن سَبْعَ سموات ﴾ [فصلت: 12] فالامتثالُ صادر عن جَمع، وأما كونه بصيغة جمع المذكر فلأنَّ السماء والأرضَ ليس لهما تأنيث حقيقي.
وأما كونه بصيغة جمع العقلاء فذلك ترشيح للمكنية المتقدمة مثل قوله تعالى: ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ [يوسف: 4].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَلَقَها في يَوْمَيِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَها في يَوْمَيْنِ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ مِن خَلْقِها دُفْعَةً واحِدَةً في طَرْفَةِ عَيْنٍ، لِأنَّهُ أبْعَدُ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِ الِاتِّفاقُ والطَّبْعُ، ولِيُرْشِدَ خَلْقَهُ إلى الأناةِ في أُمُورِهِمْ.
﴿ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أشْباهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: شُرَكاءً، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّالِثُ: كُفُوًا مِنَ الرِّجالِ تُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: هو قَوْلُ الرَّجُلِ لَوْلا كَلْبَةُ فُلانٍ لَأتى اللُّصُوصُ، ولَوْلا فُلانٌ لَكانَ كَذا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها ﴾ أيْ جِبالًا، وفي تَسْمِيَتِها رَواسِيَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِعُلُوِّ رُءُوسِها.
الثّانِي: لِأنَّ الأرْضَ بِها راسِيَةٌ أوْ لِأنَّها عَلى الأرْضِ ثابِتَةٌ راسِيَةٌ.
﴿ وَبارَكَ فِيها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ أنْبَتَ شَجَرَها مِن غَيْرِ غَرْسٍ وأخْرَجَ زَرْعَها مِن غَيْرِ بِذْرٍ، قالَ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أوْدَعَها مَنافِعَ أهْلِها وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
﴿ وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: قَدَّرَ أرْزاقَ أهْلِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: قَدَّرَ فِيها مَصالِحَها مِن جِبالِها وبِحارِها وأنْهارِها وشَجَرِها ودَوابِّها قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: قَدَّرَ فِيها أقْواتَها مِنَ المَطَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: قَدَّرَ في كُلِّ بَلْدَةٍ مِنها ما لَمْ يَجْعَلْهُ في الأُخْرى لِيَعِيشَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ بِالتِّجارَةِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ يَعْنِي تَتِمَّةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلُ: خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وإلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا، أيْ في تَتِمَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ المَرْفُوعِ «أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ الجِبالَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والماءَ والخَرابَ والعُمْرانَ، فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ، وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ وآدَمَ.
» وفي خَلْقِها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَعْتَبِرَ بِهِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُحْضِرُوا.
والثّانِي: لِيَعْتَبِرَ بِهِ العُبّادُ الَّذِينَ أُخْبِرُوا.
﴿ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَواءً لِلسّائِلِينَ عَنْ مَبْلَغِ الأجَلِ في خَلْقِ اللَّهِ الأرْضَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: سَواءً لِلسّائِلِينَ في أقْواتِهِمْ وأرْزاقِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَمَدَ إلى السَّماءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: اسْتَوى أمْرُهُ إلى السَّماءِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِها، ويَكُونُ مَعْنى ائْتِيا أيْ كُونا فَكانَتا كَما قالَ تَعالى ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُما بَعْدَ خَلْقِهِما.
فَعَلى هَذا يَكُونُ في مَعْناها أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أُعْطِيا الطّاعَةَ في السَّيْرِ المُقَدَّرِ لَكُما طَوْعًا أوْ كَرْهًا أيِ اخْتِيارًا أوْ إجْبارًا قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: ائْتِيا عِبادَتِي ومَعْرِفَتِي طَوْعًا أوْ كَرْهًا بِاخْتِيارٍ أوْ غَيْرِ اخْتِيارٍ.
الثّالِثُ: ائْتِيا بِما فِيكُما طَوْعًا أوْ كَرْهًا، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: كُونا كَما أمَرْتُ مِن شِدَّةٍ ولِينٍ، وحَزَنٍ وسَهْلٍ ومَنِيعٍ ومُمْكِنٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ لَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلٌ تَكَلَّمَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّها قُدْرَةٌ مِنهُ ظَهَرَتْ لَهُما فَقامَ مَقامَ الكَلامِ في بُلُوغِ المُرادِ ﴿ قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْطَيْنا الطّاعَةَ، رَواهُ طاوُسٌ.
الثّانِي: أتَيْنا بِما فِينا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتَتِ السَّماءُ بِما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، وأتَتِ الأرْضُ بِما فِيها مِنَ الأشْجارِ والأنْهارِ والثِّمارِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ كَما أرادَ اللَّهُ أنْ نَكُونَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي قَوْلِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ظُهُورُ الطّاعَةِ مِنهُما قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِما.
الثّانِي: أنَّهُما تَكَلَّمَتا بِذَلِكَ.
قالَ أبُو النَّصْرِ السَّكْسَكِيُّ: فَنَطَقَ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعُ الكَعْبَةِ ونَطَقَ مِنَ السَّماءِ ما بِحِيالِها فَوَضَعَ اللَّهُ فِيها حَرَمَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، قِيلَ يَوْمَ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ، قالَ السُّدِّيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِأنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ السَّماواتِ وخَلْقُ الأرَضِينَ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: خَلَقَ السَّماواتِ قَبْلَ الأرَضِينَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الأرَضِينَ والجِبالَ في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، وخَلَقَ ما سِواهُما مِنَ العالَمِ يَوْمَ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ ثالِثَةٌ أنَّهُ خَلَقَ السَّماءَ دُخانًا قَبْلَ الأرْضِ ثُمَّ فَتَقَها سَبْعَ سَماواتٍ بَعْدَ الأرَضِينَ واللَّهُ أعْلَمُ بِما فَعَلَ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الأقاوِيلُ ولَيْسَ لِلِاجْتِهادِ فِيهِ مَدْخَلٌ.
﴿ وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أسْكَنَ في كُلِّ سَماءٍ مَلائِكَتَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: خَلَقَ في كُلِّ سَماءٍ خَلْقَها خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وصَلاحَها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أوْحى إلى أهْلِ كُلِّ سَماءٍ مِنَ المَلائِكَةِ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ العِبادَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ﴾ أيْ جَعَلْناها زِينَةً وحِفْظًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه.
فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات.
وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء من منتفع به.
وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟
قال: ثم استوى على العرشقالوا: لقد أصبت لو أتممت.
ثم قالوا: استراح.
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً.
فنزل ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فاصبر على ما يقولون ﴾ [ ق: 38] » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: شق الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه، وفي هذه ما ليس في هذه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: قدر في كل أرض شيئاً لا يصلح في غيرها.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: لا يصلح النيسابوري إلا بنيسابور، ولا ثياب اليمن إلا باليمن.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن ﴿ وقدر فيها أقواتها ﴾ قال: أرزاقها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ سواء للسائلين ﴾ قال: من سأل فهو كما قال الله.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الله السموات من دخان، ثم ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين فذلك قول الله تعالى ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين...
وقدر فيها أقواتها ﴾ في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فذلك قوله: ﴿ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ فسمكها وزينها بالنجوم والشمس والقمر وأجراهما في فلكهما، وخلق فيها ما شاء من خلقه وملائكته يوم الخميس ويوم الجمعة، وخلق الجنة يوم الجمعة، وخلق اليهود يوم السبت لأنه يسبت فيه كل شيء، وعظمت النصارى يوم الأحد لأنه ابتدئ فيه خلق كل شيء، وعظم المسلمون يوم الجمعة لأن الله فرغ فيه من خلقه، وخلق في الجنة رحمته، وجمع فيه آدم عليه السلام، وفيه هبط من الجنة، وفيه قبلت توبته وهو أعظمها.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إن الله تعالى خلق يوماً فسماه الأحد، ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء، وخلق خامساً فسماه الخميس، فخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، كذلك وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإِنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: إن الله تعالى ابتدأ الخلق وخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات يوم الخميس والجمعة إلى صلاة العصر، وخلق آدم عليه السلام في تلك الساعة التي لا يوافقها عبد يدعو ربه إلا استجاب له، فهو ما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه «أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يوم الأحد؟
قال: خلق الله فيه الأرض قالوا: فيوم الأربعاء؟
قال: الأقوات قالوا: فيوم الخميس؟
قال: فيه خلق الله السموات قالوا: فيوم الجمعة؟
قال: خلق في ساعتين الملائكة، وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار قالوا: ألست تذكر الراحة فقال سبحان الله..
!
فأنزل الله: ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ﴾ [ ق: 38] » .
وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى فرغ من خلقه في ستة أيام.
أولهن يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، خلق يوم الأحد السموات، وخلق يوم الاثنين الشمس والقمر، وخلق يوم الثلاثاء دواب البحر ودواب الأرض وفجر الأنهار وقوت الأقوات، وخلق الأشجار يوم الأربعاء، وخلق يوم الخميس الجنة والنار، وخلق آدم عليه السلام يوم الجمعة، ثم أقبل على الأمر يوم السبت» .
وأخرج ابن جرير عن أبي بكر رضي الله عنه قال: جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟
فقال: «خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والاقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول ساعة الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم، قالوا: صدقت أن تممت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب، فأنزل الله: ﴿ وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ﴾ [ ق: 38] » .
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً ﴾ قال: قال للسماء أخرجي شمسك اخرجي قمرك ونجومك، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ﴿ فقالتا أتينا طائعين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ائتيا ﴾ قال: اعطيا وفي قوله: ﴿ أتينا ﴾ قال: أعطينا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ قال: ما أمر به وأراده من خلق النيرات وغير ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ قال: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ﴾ أي قصد إليها، ويقتضي هذا الترتيب: أن الأرض خلقت قبل اسماء، فإن قيل: كيف الجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ [النزاعات: 30] فالجواب لأنها خلقت قبل السماء ثم دحيت بعد ذلك ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ روي أنه كان العرش على الماء، فأخرج إليه من الماء دخان فارتفع فوق الماء فأيبس الماء فصار أرضاً، ثم خلق السموات من الدخان المرتفع ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ هذه عبارة عن لزوم طاعتها، كما يقول الملك لمن تحت يده: افعل كذا شئت أو أبيت، أي: لابد لك من فعله، وقيل: تقديره ائتيا طوعاً وإلا أتيتما كرهاً، ومعنى هذا الإتيان تصويرهما على الكيفية التي أرادها الله، وقوله لهما ﴿ أَتَيْنَا ﴾ مجاز، وهو عبارة عن تكوينه لهما وكذلك قولهما: أتينا طائعين عبارة عن أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما، وقيل: بل ذلك حقيقة وأنطق الله الأرض والسماء بقولهما: ﴿ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ وإنما جمع طائعين جمع العقلاء لوصفهما بأوصاف العقلاء ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سماوات ﴾ أي صنعهنّ والضمير للسموات السبع، وانتصابها على التمييز تفسيراً للضمير، وأعاد عليها ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل، فهو كقولك: الجذوع انكسرت، وجمعهما جمع المفكر العاقل في قوله: ﴿ طَآئِعِينَ ﴾ ، لأنه وصفهما بالطوع، وهو فعل العقلاء فعاملهما معاملتهم فهو كقوله في [سورة يوسف: 4]: ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ وأعاد ضمير التثنية في قوله: ﴿ قَالَتَآ أَتَيْنَا ﴾ لأنه جعل الأرض فرقة والسماء أخرى ﴿ وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ﴾ أي أوحى إلى سكانها من الملائكة، وإليها نفسها ما شاء من الأمور، التي بها قوامها وصلاحها، وأضاف الأمر إليها لأنه فيها ﴿ وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ ﴾ يعني الشمس والقمر والنجوم، وهي زينة للسماء الدنيا سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السموات ﴿ وَحِفْظاً ﴾ تقديره: وحفظناها حفظاً ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
تأويل هذه الآية كما ذكرنا في قوله : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 28]، وهو يخرج على وجوه: أحدها: كيف تنكرون وحدانيته وتكفرونه، وهو الذي أحياكم لا الأصنام التي تعبدونها؟!
والثاني: تنكرون قدرة الله في البعث، وقد رأيتم قدرته في ابتدائه إنشاءكم وتقليبكم من حال إلى حال؟!
والثالث: كيف تكفرون رسوله وقد خلقكم الله وامتحنكم بأنواع المحن، وكلفكم وأمركم بأوامر ونواهٍ ما لو لم يكن رسول الله لا يمكنكم القيام بأكثرها وكان خلقه إياكم عبثاً؟!
فعلى هذه الوجوه يخرج قوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ الآية، أي: أئنكم لتكفرون وحدانية الله وقد خلق الأرض في يومين وما ذكر.
والثاني: إنكم لتكفرون وتنكرون قدرته على البعث وقد خلق الأرض في يومين على بعد أطرافها وسعتها، فكيف تنكرون قدرته على البعث وقد رأيتم قدرته على خلق ما ذكر؟!
والثالث: أئنكم لتكفرون نعمة الله التي أنعمها عليكم من خلق ما ذكر من الأرض وغيرها وما أنعم عليكم من بعث الرسول، فكيف تصرفون شكرها إلى الذي لم يفعل ذلك بكم وتنكرون رسالة رسوله، ولا بد من رسول يرسل إليكم، وذلك من أعظم النعم وأجلها؟!
فيخرج تأويل الآية على هذه الوجوه التي ذكرنا: أحدها: في إنكار وحدانية الله وألوهيته.
والثاني: إنكار قدرته على البعث.
والثالث: في إنكارهم رسالة الرسول، وصرفهم شكر نعمه إلى غيره بعبادتهم غير الله.
ثم الحكمة في خلق الأرض وجعله الحد الذي ذكر يومين، وإن كان قادراً على خلق كل شيء بلا تحديد ولا توقيت - فقال بعضهم: فيه تعريفه الخلق والتعليم لهم الأناة - أي: التأني في الأمور وترك الاستعجال فيها.
والأصل في ذلك عندنا: أن الله - جل وعلا - جعل أمر الدنيا وأمر هذا العالم على التحديد والتقليب من حال إلى حال نحو ما ذكر من تقليبه وتغييره من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ومن حال المضغة إلى حال تركيب الجوارح ثم إلى حال الإنسان، ثم من تلك الحال إلى أن يكبر يقلبه من حال إلى حال أخرى؛ وكذلك أمر الدنيا وما فيها من الفواكه والنبات وغير ذلك ينشئها ويحدثها في كل عام، وإن كان لو شاء أحدثها في عام واحد وأبقاها إلى آخر الأبد، لكن لم يفعل ذلك؛ لما بنى أمر هذ العالم على الفناء والفساد؛ فيستدل بطريان هذه الأحوال عليها على أصل الوضع؛ ولذلك ركب فيهم المرض والسقم والسلامة والصحة، وبنى أمر الآخرة على البقاء والدوام؛ فعلى ذلك من التحديد والتوقيت في خلق الأرض.
ويحتمل أن يقال: جعل ذلك على التحديد والتقدير؛ لأنها دار محنة وابتلاء، والابتلاء إنما يقع على التوقيت والتقدير في أوقات متباينة وأسباب مختلفة، فأما الآخرة فلا محنة فيها ولا بلية، فهي على الدوام والبقاء؛ لذلك كان ما ذكر.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ﴾ .
أي: جعل في الأرض جبالا أرسى بها الأرض وأثبتها؛ لأنه ذكر أن الأرض كانت على الماء وكانت تميد بأهلها، لكنه أرساها بالجبال وأقرها بها.
وفيه نوع [لطف منه]؛ لأنه معلوم أن الجبال التي أثبت بها الأرض، وأقر بها كانت تزيد في ثقل الأرض، فالسبيل في التسرب في الماء والانحدار فيه لا الإثبات بها والإقرار، لكنه جعل الجبال سبب إثبات الأرض وإقرارها؛ تعليما منه الخلق تعليق الأشياء بعضها ببعض، وتعليقها بالأسباب من غير أن يكون الأسباب معونة له على ذلك، ولو شاء أثبتها وأرساها بلا سبب ولا شيء علقه به، لكنه علق الأشياء بالأشياء والأسباب، لما ذكرنا من تعليم الخلق تعليق الأشياء بالأسباب.
وقوله: ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ .
يحتمل ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: في الجبال، فقد جعل الله فيها البركات الكثيرة: منها المياه التي أخرجت منها والعيون، ومنها الذهب والفضة وغيرهما، ومنها الثمار والأشجار التي ينتفع بها وأنواع النبات التي تصلح للأدوية، وغير ذلك من المنافع التي يكثر عدها وإحصاؤها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ أي: في الأرض، فقد جعل الله في الأرض البركات والخيرات من المياه التي تخرج منها وأنواع النبات والثمار وغير ذلك مما به قوام الخلق جميعاً وغذاؤهم من البشر والدواب، والله أعلم.
والبركة: هي اسم كل خير يكون أبداً على الزيادة والنماء.
وقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ .
أي: قدر في الأرض أقوات أهلها وأرزاقهم في أربعة أيام سواء للسائلين.
قال الزجاج في قوله: ﴿ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ثلاث لغات: النصب والرفع والخفض.
فمن خفضه: ﴿ سَوَآءً ﴾ صيره صفة ونعتاً للأيام، كأنه قال: في أربعة أيام سواء، أي: مستويات ليس بعضها أطول من بعض.
ومن قرأ بالنصب: ﴿ سَوَآءً ﴾ صيره مصدرا، أي: سواء وتسوية.
ومن قرأ بالرفع صيره على الابتداء، يقول - والله أعلم -: أي ذلك الأقوات التي قدرها سواء للمحتاجين، أي: كفاية لهم على قدر حاجتهم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ : عن ابن عباس - - قال: "من سأل عن ذلك وحده كما قال الله ، ويقول ابن عباس - -: وأنا من السائلين" فكأن قول ابن عباس - ما - ما ذكرنا، أي: كفاية للسائلين المحتاجين على السواء.
وقال بعضهم: عدلا للسائلين، والعدل يخرج على وجهين: أحدهما: العدل الذي يناقض الجور، أي: عدل للسائلين ليس بجور.
والثاني: عدلا للسائلين، أي: سواء، يقول لمن يشاء الرزق من السائلين.
وقال الحسن: في أربعة أيام سواء لمن يسأل عن خلقه في أربعة للسائلين أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: هو من تقاديم الكلام يقول: قدر فيها أقواتها سواء في أربعة أيام للسائلين تلك الأقوات والأرزاق سواء، والله أعلم.
ثم في هذا مسألتان: إحداهما: في تكوين الخلق وإحداثه وما ذكر من تقدير الأقوات في الأوقات، فعندنا أن الله - - لم يزل مكوناً محدثاً، وأن ما كان ويكون إلى آخر الأبد إنما يكون بتكوين كان منه في الأول، لا بتكوين يحدث منه في كل وقت يحدث المكون والخلق، والأصل في ذلك ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا أضيف الأوقات إلى فعله فتكوين التوقيت للخلق أعني: المفعول لا لفعله؛ لما ذكرنا أنه لا حاجة تقع له في المعونة بشيء مما ذكر من التوقيت، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم قدم المفعول والخلق، وليعلم أنه محدث.
ومسألة أخرى في ذكر التحديد والتوقيت في خلق ما ذكر؛ لحكمة جعل في ذلك من غير أن يصعب عليه خلق ذلك في ساعة أو طرفة عين؛ إذ المعنى في خلق ما ذكر في أيام وأوقات ذلك غيرُ موجود على السواء، وهو أن الله عالم بذاته قادر بذاته له قدرة ذاتية وعلم ذاتي لا مستفاد، فالأوقات إنما يحتاج إليها من كان يعمل بقدرة مستفادة وعلم مستفاد استعانة له بذلك، فأما الله - وتعالى - ما يكون منه إنما يكون بقدرة ذاتية وعلم ذاتي لا حاجة تقع إلى الاستعانة بشيء من ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ .
الأربعة الأيام التي ذكر هي مع خلق الأرض: يومين لخلق الأرض، ويومين لتقدير الأقوات لأهلها والأرزاق فيكون أربعة، ثم ذكر لخلق السماوات يومين، فإذا جمع يكون ستة أيام، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ، فكان تمام ذلك في ستة أيام، وقد ذكرنا معنى ستة أيام في غير موضع.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، يخرج على وجهين: أي ثم استوت المنافع والأقوات التي قدرها في الأرض وجعلها معايش أهلها بالسماء؛ لأنه جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ما لولا السماء لم يستو منافع الأرض وما قدر لهم فيها، فبالسماء استوى ذلك لهم، أي: تم بذلك، والله أعلم.
والثاني: قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، أي: ثم استوى الهواء والجو الذي بين الأرض والسماء إلى السماء ما لولا ذلك الهواء لم تستو؛ لأن السماء لو كانت ملتزقة بالأرض لا هواء بينهما لكانت لا تخرج ما جعل في الأرض من الأقوات والمعايش، فبالهواء استوى ذلك، والله أعلم.
ومنهم من يصرف الاستواء إلى الله - عز وجل - ومعنى ذلك: استوى أمره وملكه بخلق السماء، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء.
وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك: أحدهما: رجع إلى استواء الهواء، والثاني: إلى استواء ما جعل في الأرض، وعلى هذا يخرج ما سئل ابن عباس - - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس - - فقال: "قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى، فقال له: من قبل رأيك أتيت، ما هما؟
فقال ذلك السائل: قوله - -: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، وقوله : ﴿ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ "، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، وفي ظاهر الآية الثانية: أنه خلق السماء ثم خلق الأرض، فقال ابن عباس - -: "خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء، فدحى الأرض بعدما خلق السماء، والله أعلم"، أراد به: بسط الأرض بعد خلق السماء، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء.
وعندنا أن ليس [بين] ظاهر هاتين الآيتين مخالفة، ولا فيه بيان أنه خلق الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ثم قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها بعد خلق الأرض، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها قبل ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ .
قال بعضهم: دل قوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ على أنه كان هناك نار حتى خلق السماء بدخانها، لكن لا نعلم ذلك إلا بالسمع.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ ، أي: شبه الدخان، لا حقيقة الدخان، ومنه خلق السماء والأرض.
وقوله: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾ .
قال بعضهم في قوله: ﴿ ٱئْتِيَا ﴾ : أعطيا ما جعل فيكما من المنافع والأقوات طوعاً أو كرهاً.
ثم اختلف فيه أنه على التكوين والتسخير ما ذكر من الطوع والكره، أو على حقيقة القول والأمر في ذلك؟!
قال بعضهم: ذلك على التكوين والتسخير خلقه، أي: إنشاؤهما وخلقهما على إخراج ما فيهما من المنافع والأقوات والأرزاق التي جعل فيهما، وكذلك ما ذكر من الطوع والكره لا قولا منه لهما وأمرا، لكنه طبعهما وأنشأهما كذلك على حقيقة القول والأمر منه لهما؛ نحو ما ذكر لكل شيء من الجبال وغيرها: أنه يسبح لله - - على الوجهين، لكن شرط خلق الحياة التي لا بد منها للنطق والسماع؛ فعلى ذلك هاهنا.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ﴾ : أي ائتيا عبادتي ومعرفتي، وذلك أن الله حين خلقهما عرض عليهما الطاعة والشهوة واللذات على الثواب والعقاب ﴿ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]، فهذا الإباء والإعطاء هو إعطاء الخلقة والتكوين على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ .
أي: خلقهن في يومين، هو موصول بقوله: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، وكذلك قوله - -: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا الوجوه في ذلك.
ثم الأعجوبة في خلق السماوات ورفعها أعظم وأكبر من خلق الأرض، وقد ذكر في خلق السماوات من الوقت مثل الوقت الذي ذكر في الأرض، وهو يومان؛ ليعلم أن الوقت الذي ذكر في ذلك، ليس لما يتعذر عليه، ويصعب بدون ذلك الوقت، ولكن لحكمة جعل في ذلك لم يطلع الخلق على ذلك أو كانت الحكمة فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ﴾ .
وهم الملائكة الذين جعلهم أهلا لها.
وقال قائلون: أي: أمر كل أهل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة.
وقال بعضهم: هو مما أمر به وأراد؛ وهما واحد.
وقوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ﴾ .
أي: بالكواكب، وقوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ﴾ التي دنت منكم هي مقابل القصوى من الدنو، ليس أن هذه السماء التي نراها ونشاهدها مزينة بالكواكب هي سماء الدنيا فانية وغيرها من السماء الآخرة لا يفنى، بل كلها تفنى يعني: هذه وغيرها بقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ ، فهن كلهن دنيويات فانيات، دل أن قوله: ﴿ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: التي دنت منكم وهي مقابل القصوى، لا مقابل الآخرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أي: حفظناها وجعلناها محفوظة بما ذكر من أن يسترق الشياطين والجن أسماعهم إلى خبر السماء، وما يتحدث به الملائكة فيما بينهم فيلقون ذلك على أسماع أهل الأرض، على ما كانوا يفعلون من قبل، أي: حفظناها بالكواكب التي جعل فيها؛ لترميهم الكواكب وتقذفهم؛ ليكون سماع ذلك من جهة الوحي عن لسان الرسول دون إلقاء من ذكر، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ...
﴾ الآية [الصافات: 6-8].
ويحتمل وجها آخر: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ أي: حفظناها على ما هي حتى لا تسقط على الخلق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ ﴾ ، وقوله : ﴿ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .
يقول: ذلك الذي ذكر كله وصنع هو تقدير العزيز العليم، أي: تقدير من لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء.
ويحتمل قوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: تقدير من له العز الذاتي والعلم الأزلي، لا أنه قدر وصنع ليستفيد بذلك العز أو العلم؛ إذ هو عزيز بذاته وعليم بذاته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ .
كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ دل قوله : ﴿ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ أن صاعقة عاد كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ لتكذيبهم الرسل وتركهم إجابتهم إلى ما دعوا إليه، حيث خوف هولاء بذلك كأنه يقول: أنذرتكم بتكذيبكم إياه وترككم إجابتي إلى ما دعوتكم إليه بالذي نزل بعاد وثمود، وتكذيبهم الرسول الذي أرسل إليهم وتركهم الإجابة إلى ما دعوا إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ لم يرد به عين عذاب أولئك ومثله في رأي العين، ولكن مثله في الهلاك والاستئصال؛ ألا ترى أن عذاب عاد وثمود كان مختلفا في رأي العين: عذاب عاد خلاف عذاب ثمود [و]هما في المعنى واحد؟!
فعلى ذلك ما أوعد هؤلاء بمثل عذاب عاد وثمود، لم يرد مثله في رأي العين، ولكن في المعنى، وهو كما ذكر في قوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ لم يرد به التشابه والمضاهاة على أن نفس القول منهم وعين الكلام كان واحداً، بل كان سبب كفرهم مختلفاً، وقول هؤلاء خلاف قول أولئك، وما كان من هذا الفريق خلاف ما كان من الفريق الآخر، لكن لما كان التكذيب من هؤلاء له كالتكذيب من أولئك والرد له من هؤلاء كهو من أولئك في أن كان كفرا واحدا سواء، فمن هذه الجهة وصف قلوبهم بالتشابه وأقوالهم بالمضاهاة، وهذا يدل على أن الاستواء من جهة واحدة يوجب التشابه والتماثل.
وقوله: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ ﴾ بنبأ من كان [قبلهم] ونبأ من كان بعدهم أنهم جميعاً قالوا لقومهم ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .
والثاني: ﴿ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ ﴾ بالوعيد والتخويف بعذاب ينزل بهم ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: من حيث يرونه ويعلمونه ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ ، أي: من حيث لا يرونه ولا يعلمون؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ونحوه.
وقيل: يبعث الله الرسل قبلهم وبعدهم بالذي ذكر، وهو الدعاء إلى توحيد الله وجعل العبادة له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .
هذا القول منهم يناقض قولهم وتكذيبهم الرسل وإنكارهم رسالة البشر وطمعهم رسالة الملائكة؛ لأنهم ما عرفوا الملائكة ولا عاينوا، فإنما عرفوا الملائكة وعلموا بمكانهم برسل البشر، فكيف أنكروا رسالتهم مع ما لو كان الرسل إليهم الملائكة، لم يعرفوا أنهم ملائكة إلا بقولهم؛ لما لم يتقدم لهم المعرفة بالملائكة، فهذا يناقض إنكارهم الرسل من البشر؟!
والثاني: ما قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ قد أقروا رسالتهم حيث قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يقولوا: إنما بما [أرسلتم] إلينا كافرون، ولكن قالوا: ﴿ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ ﴾ فذلك مما يناقض قولهم ويرد تكذيبهم، وإنما قالوا ذلك - أعني: قولهم: ﴿ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ - تعنتاً منهم وعنادا، وإلا قد علموا أنهم رسل الله فيناقضون بما قالوا على التعنت منهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
جائز أن يكون استكبارهم في الأرض بغير الحق على أهل الأرض بما ذكروا من فضل القوة لهم وشدتها من بين غيرهم؛ كقوله : ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ فهم ذكروا ذلك، فجائز أن يكون استكبارهم على أهل الأرض بغير الحق؛ لشدة بطشهم وقوتهم على غيرهم.
ويشبه أن يكون استكبارهم [رفض] اتباع الرسل، فلم يروا أنفسهم أن يجعلوها تحت تدبير الرسل وأمرهم، وأن يخضعوا لهم ويستسلموا لما دعوهم إليه، وقالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
ثم قال الله : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ .
هذا استفهام على طريق التقرير، معناه: قد رأوا وعلموا أن الله الذي خلقهم هو أشد قوة، والرسل - عليهم السلام - لم يكونوا يوعدونهم بقوى أنفسهم ولا بعذاب يكون منهم حتى قالوا: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، ولكن إنما كانوا يوعدونهم ويخوفونهم بعذاب ينزل من عند الله، وبقوته وسلطانه يوعدونهم وقد عرفوا قوته وسلطانه؛ لذلك قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .
دل هذا على أنهم قد كذبوا هوداً، وأنكروا آياته، وذلك قولهم: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ وإنه قد أتاهم بآيات رسالته.
وقوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ .
ذكر ما أهلكهم من العذاب، وهو الريح الصرصر الباردة؛ كذا قال أبو عوسجة.
وقوله: ﴿ فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ﴾ .
وهو ما ذكر في سورة الحاقة حيث قال: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ ، وقال في موضع: ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ .
ثم اختلف في تأويلها: قال بعضهم: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ مشومات نكدات؛ وهذا قول القتبي.
وقال بعضهم: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ أي: شداد.
وقيل: ﴿ نَّحِسَاتٍ ﴾ من النحس، يقال نحس يوْمُنا، والنحس: الغبار في الأصل.
وقوله: ﴿ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
أي: عذاباً يذلهم ويفضحهم عند الخلق جميعاً.
وقوله: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ ﴾ .
عليهم أذل وأفضح وأشد من عذاب الدنيا.
وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .
يحتمل: لا ينصرون بقوتهم التي كانت لهم، واعتمدوا عليها بقولهم: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ .
ويحتمل: لا ينصرون بالأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم والشفاعة.
وقوله: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ .
يحتمل ما ذكر من الهداية لهم حقيقة الهدى، وهو التوفيق، وحقيقة خلق الاهتداء فيهم، فصاروا مهتدين، وهو ما سألوا من الآية، وهي الناقة، فلما أتاهم على ما سألوا، آمنوا به وصدقوه، ثم كفروا به بعد ذلك وكذبوه وعقروا الناقة على ما ذكر.
ويحتمل قوله: ﴿ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ .
أي: بينا لهم غاية ما يبين الحق من الباطل بما يعرفه كل ذي لب وعقل أنها آية، وأنها من الله ؛ حيث جاءتهم الآية التي سألوها على الإشارة والتعيين وهي الناقة.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
أي: اختاروا الكفر على الهدى، واختاروا ما به يعمون على ما يبين لهم.
ثم أخبر عما نزل بهم من العذاب باختيارهم العمى على الهوى، وهو [ما] قال: ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ ﴾ .
أي: عذاب يهانون فيه، وهو من الهوان والإذلال، وكل عذاب الله صاعقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ ﴾ .
أي: أنجينا الذين اختاروا الهدى على العمى، وكانوا يتقون اختيار العمى على الهدى.
<div class="verse-tafsir"
ثم قصد سبحانه إلى خلق السماء، وهي يومئذ دخان فقال لها وللأرض: انقادا لأمري مختارتين، أو مكرهتين، لا مَحِيد لكما عن ذلك، قالتا: أتينا طائعتين، فلا إرادة لنا دون إرادتك يا ربنا.
من فوائد الآيات تعطيل الكافرين لوسائل الهداية عندهم يعني بقاءهم على الكفر.
بيان منزلة الزكاة، وأنها ركن من أركان الإسلام.
استسلام الكون لله وانقياده لأمره سبحانه بكل ما فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.27NRG"