تفسير الكشاف سورة فصلت

الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > تفسير سورة فصلت

تفسيرُ سورةِ فصلت كاملةً من تفسير الكشاف (الزمخشري) (جار الله الزمخشري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 47 دقيقة قراءة

تفسير سورة فصلت كاملةً (جار الله الزمخشري)

حمٓ ١ تَنزِيلٌۭ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢ كِتَـٰبٌۭ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٣ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ٤

إن جعلت ﴿ حم ﴾ اسماً للسورة كانت في موضع المبتدأ.

و ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ خبره.

وإن جعلتها تعديداً للحروف وكان ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ خبراً لمبتدأ محذوف و ﴿ كِتَابٌ ﴾ بدل من تنزيل.

أو خبر بعد خبر.

أو خبر مبتدأ محذوف، وجوّز الزجاج أن يكون ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ مبتدأ، و ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبره.

ووجهه أن تنزيلاً تخصص بالصفة فساغ وقوعه مبتدأ ﴿ فُصّلَتْ ءاياته ﴾ ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة: من أحكام وأمثال ومواعظ، ووعد ووعيد، وغير ذلك، وقرئ: ﴿ فصلت ﴾ ، أي: فرقت بين الحق والباطل.

أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها، من قولك: فصل من البلد ﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت.

وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت آياته في حال كونه قرآناً عربياً ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: يجوز أن يتعلق بتنزيل أو بفصلت، أي: تنزيل من الله لأجلهم.

أو فصلت آياته لهم.

والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي قرآناً عربياً كائناً لقوم عرب، لئلا يفرق بين الصّلات والصفات.

وقرئ: ﴿ بشير ونذير ﴾ صفة ل (لكتاب).

أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك: تشفعت إلى فلان فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم يسمعه.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌۭ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌۭ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ ٥

والأكنة: جمع كنان.

وهو الغطاء و ﴿ الوقر ﴾ بالفتح- الثقل.

وقرئ: بالكسر.

وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، كقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ [البقرة: 88] ومج أسماعهم له كأن بها صمماً عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه: حجاباً ساتراً وحاجزاً منيعاً من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي ﴿ فاعمل ﴾ على دينك ﴿ إِنَّنَا عاملون ﴾ على ديننا، أو فاعمل في إبطال أمرنا، إننا عاملون في إبطال أمرك.

وقرئ: ﴿ إنا عاملون ﴾ فإن قلت: هل لزيادة (من) في قوله: ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ فائدة؟

قلت: نعم، لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب: لكان المعنى: أن حجاباً حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة (من) فالمعنى: أن حجاباً ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها.

فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل: وفي آذاننا وقر؛ ليكون الكلام على نمط واحد؟

قلت: هو على نمط واحد؛ لأنه لا فرق في المعنى بين قولك: قلوبنا في أكنة.

وعلى قلوبنا أكنة.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة: لم يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلاّ في المعاني.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْمُشْرِكِينَ ٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ ٧

فإن قلت: من أين كان قوله: ﴿ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ ﴾ جواباً لقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ﴾ ؟

قلت: من حيث إنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إليَّ دونكم فصحت- بالوحي إليّ وأنا بشر- نبوّتي، وإذا صحت نبوّتي: وجب عليكم اتباعي، وفيما يوحى إليَّ: أن إلهكم إله واحد ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ فاستووا إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يميناً وشمالاً، ولا ملتفتين إلى ما يسوّل لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء، وتوبوا إليه مما سبق لكم من الشرك ﴿ واستغفروه ﴾ .

وقرئ: ﴿ قال إنما أنا بشر ﴾ .

فإن قلت: لم خصّ من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة، قلت: لأن أحبّ شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته.

ألا ترى إلى قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ [البقرة: 265] أي: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرّت عصبيتهم ولانت شكيمتهم وأهل الردّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلاّ بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحرب، وجوهدوا.

وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة.

وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج، ويحرمون من آمن منهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ ٨

الممنون: المقطوع.

وقيل: لا يمنّ عليهم لأنه إنما يمن التفضل.

فأما الأجر فحقّ أداؤه.

وقيل: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى: إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر، كأصحّ ما كانوا يعملون.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًۭا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍۢ سَوَآءًۭ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌۭ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًۭا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ١١ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍۢ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًۭا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ١٢

﴿ أَئِنَّكُمْ ﴾ بهمزتين: الثانية بين بين.

و ﴿ ءائنكم ﴾ بألف وبين همزتين ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين.

هو ﴿ رَبُّ العالمين...

رَوَاسِىَ ﴾ جبالاً ثوابت.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ مِنْ فَوْقِهَا ﴾ وهل اقتصر على قوله: ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات ﴾ [المرسلات: 27] ، ﴿ وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِىَ ﴾ [الأنبياء: 31] ، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ ﴾ [النمل: 61] ؟

قلت: لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها، أو مركوزة فيها كالمسامير: لمنعت من الميدان أيضاً، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض، لتكون المنافع في الجبال معرضة لطالبيها، حاضرة محصليها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال، كلها مفتقرة إلى ممسك لابد لها منه، وهو ممسكها عزّ وعلا بقدرته ﴿ وبارك فِيهَا ﴾ وأكثر خيرها وأنماه ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها ﴾ أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.

وفي قراءة ابن مسعود.

وقسم فيها أقواتها ﴿ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء ﴾ فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان.

قيل: خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم الإثنين، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء.

وقال الزجاج: في أربعة أيام في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين.

وقرئ: ﴿ سواء ﴾ بالحركات الثلاث: الجر على الوصف والنصب على: استوت سواء، أي: استواء: والرفع على: هي سواء.

فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ ؟

قلت: بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل: في كم خلقت الأرض وما فيها؟

أو يقدر: أي: قدر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين.

وهذا الوجه الأخير لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج.

فإن قلت: هلا قيل في يومين؟

وأي فائدة في هذه الفذلكة؟

قلت: إذا قال في أربعة أيام وقد ذكر أن الأرض خلقت في يومين، علم أن ما فيها خلق في يومين، فبقيت المخايرة بين أن تقول في يومين وأن تقول في أربعة أيام سواء، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست في يومين، وهي الدلالة على أنها كانت أياماً كاملة بغير زيادة ولا نقصان.

ولو قال: في يومين- وقد يطلق اليومان على أكثرهما- لكان يجوز أن يريد باليومين الأولين والآخرين أكثرهما ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ من قولك: استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه توجهاً لا يلوي على شيء، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم: استقام إليه وامتد إليه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إِلَيْهِ ﴾ [فصلت: 6] والمعنى: ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك.

قيل: كان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء، فأخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس الماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها أرضين، ثم خلق السماء من الدخان المرتفع.

ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما: أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه فعل الأمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل.

ويجوز أن يكون تخييلاً ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكره.

والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير؛ من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب.

ونحوه قول القائل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟

قال الوتد: اسأل من يدقني، فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي.

فإن قلت: لم ذكر الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء بيومين؟

قلت: قد خلق جرم الأرض أو لا غير مدحوّة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال تعالى: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ [النازعات: 30] فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف: ائتي يا أرض مدحوّة قراراً ومهاداً لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفاً لهم.

ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضياً، وجاء مقبولاً.

ويجوز أن يكون المعنى: لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي أريده وتقتضيه الحكمة والتدبير: من كون الأرض قراراً للسماء، وكون السماء سقفاً للأرض.

وتنصره قراءة من قرأ: ﴿ آتيا ﴾ وآتينا: من المؤاتاة وهي الموافقة: أي: لتؤات كل واحدة أختها ولتوافقها.

قالتا: واقفنا وساعدنا.

ويحتمل وافقاً أمري ومشيئتي ولا تمتنعا.

فإن قلت: ما معنى طوعاً أو كرهاً؟

قلت: هو مثل للزوم وتأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال؛ كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ولتفعلنه طوعاً أو كرهاً.

وانتصابهما على الحال، بمعنى: طائعتين أو مكرهتين.

فإن قلت: هلا قيل: طائعتين على اللفظ؟

أو طائعات على المعنى؟

لأنها سموات وأرضون.

قلت: لما جعلن مخاطبات ومجيبات، ووصفن بالطوع والكره قيل: طائعين، في موضع: طائعات.

نحو قوله: (ساجدين).

﴿ فقضاهن ﴾ يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء على المعنى كما قال: ﴿ طَائِعِينَ ﴾ ونحوه: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 7] ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سموات، والفرق بين النصبين أن أحدهما على الحال، والثاني: على التمييز، قيل: خلق الله السموات وما فيها في يومين: في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.

وفي هذا دليل على ما ذكرت لك، من أنه لو قيل: في يومين في موضع أربعة أيام سواء، لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان.

فإن قلت: فلو قيل: خلق الأرض في يومين كاملين وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين.

أو قيل: بعد ذكر اليومين: تلك أربعة سواء؟

قلت: الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقاً لما عليه التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك الركب، ليتميز الفاضل من الناقص، والمتقدم من الناكص، وترتفع الدرجات، ويتضاعف الثواب، ﴿ أَمْرِهَا ﴾ ما أمر به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك.

أو شأنها وما يصلحها ﴿ وَحِفْظاً ﴾ وحفظناها حفظاً، يعني من المسترقة بالثواقب.

ويجوز أن يكون مفعولاً له على المعنى، كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة وحفظاً.

<div class="verse-tafsir"

فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةًۭ مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍۢ وَثَمُودَ ١٣ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةًۭ فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ١٤

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ ﴾ بعد ما تتلو عليهم من هذه الحجج على وحدانيته وقدرته، فحذرهم أن تصيبهم صاعقة، أي: عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة.

وقرئ: ﴿ صعقة ﴾ (مثل) صعقة عاد وثمود: وهي المرة من الصعق أو الصعق.

يقال: صعقته الصاعقة صعقاً فصعق صعقاً، وهو من باب: فعلته ففعل ﴿ مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ أي: أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلاّ العتوّ والإعراض، كما حكى الله تعالى عن الشيطان: ﴿ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ [الأعراف: 17] يعني لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة، وتقول: استدرت بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة.

وعن الحسن أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة؛ لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم.

وقيل: معناه إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم.

فإن قلت: الرسل الذين من قبلهم ومن بعدهم كيف يوصفون بأنهم جاؤهم، وكيف يخاطبونهم بقولهم: (إنا بما أرسلتم به كافرون)؟

قلت: قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم، أي: من قبلهم وممن يجيء من خلفهم، أي: من بعدهم؛ فكان الرسل جميعاً قد جاؤهم.

وقولهم: (إنا بما أرسلتم به كافرون) خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان بهم.

أن في ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ ﴾ بمعنى أي، أو مخففة من الثقيلة، أصله: بأنه لا تعبدوا، أي: بأنّ الشأن والحديث قولنا لكم: لا تعبدوا، ومفعول شاء محذوف أي: ﴿ لَوْ شَاء رَبُّنَا ﴾ إرسال الرسل ﴿ لأَنزَلَ ملائكة فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ﴾ معناه: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة، فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به، وقولهم: ﴿ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما قال فرعون: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27] .

روى: [985] أنّ أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علماً، وما يخفى عليّ، فأتاه فقال: أنت يا محمد خير أم هاشم؟

أنت خير أم عبد المطلب؟

أنت خير أم عبد الله؟

فبم تشتم آلهتنا وتضلّلنا، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك الباءة زوّجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت؛ فلما فرغ قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم ﴾ إلى قوله: ﴿ صاعقة مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: 13] فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلاّ قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلاّ أنك قد صبأت، فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً ثم قال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، ولما بلغ صاعقة عاد وثمود: أمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا عَادٌۭ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ١٥ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًۭا صَرْصَرًۭا فِىٓ أَيَّامٍۢ نَّحِسَاتٍۢ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ١٦

﴿ فاستكبروا فِي الأرض ﴾ أي: تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوّة وعظم الأَجرام.

أو استعلوا في الأرض واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوّتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده.

فإن قلت: القوّة هي الشدّة والصلابة في البنية، وهي نقيضة الضعف.

وأما القدرة فما لأجله يصحّ الفعل من الفاعل من تميز بذات أو بصحة بنيه وهي نقيضة العجز والله سبحانه وتعالى لا يوصف بالقوّة إلاّ على معنى القدرة، فكيف صحّ قوله: ﴿ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ وإنما يصحّ إذا أريد بالقوّة في الموضعين شيء واحد؟

قلت: القدرة في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوّة والشدّة والصلابة في البنية، وحقيقتها: زيادة القدرة، فكما صحّ أن يقال: الله أقدر منهم، جاز أن يقال: أقوى منهم، على معنى: أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة، وهو معطوف على فاستكبروا، أي: كانوا كفرة فسقة.

الصرصر: العاصفة التي تصرصر، أي: تصوّت في هبوبها.

وقيل: الباردة التي تحرق بشدّة بردها، تكرير لبناء الصر وهو البرد الذي يصر أي: يجمع ويقبض ﴿ نحسات ﴾ قرئ بكسر الحاء وسكونها.

ونحس نحساً: نقيض سعد سعداً، وهو نحس.

وأما نحس، فإمّا مخفف نحس، أو صفة على فعل، كالضخم وشبهه.

أو وصف بمصدر.

وقرئ: ﴿ لتذيقهم ﴾ على أنّ الإذاقة للريح أو للأيام النحسات.

وأضاف العذاب إلى الخزي وهو الذل والاستكانة على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: عذاب خزي، كما تقول: فعل السوء، تريد: الفعل السيء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَعَذَابُ الأخرة أخزى ﴾ وهو من الإسناد المجازي، ووصف العذاب بالخزي: أبلغ من وصفهم به.

ألا ترى إلى البون بين قوليك: هو شاعر، وله شعر شاعر.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَـٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ١٧ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ١٨

وقرئ: ﴿ ثمود ﴾ بالرفع والنصب منوّناً وغير متنون، والرفع أفصح لوقوعه بعد حرف الابتداء.

وقرئ بضم الثاء ﴿ فهديناهم ﴾ فدللناهم على طريق الضلالة والرشد، كقوله تعالى: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ [البلد: 10] .

﴿ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ﴾ فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد.

فإن قلت: أليس معنى هديته: حصلت فيه الهدى، والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى: تحصيل البغية وحصولها، كما تقول: ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجرّدة؟

قلت: للدلالة على أنه مكنهم وأزاح عللهم ولم يُبق له عذراً ولا علة، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها ﴿ صاعقة العذاب ﴾ داهية العذاب وقارعة العذاب.

و ﴿ الهون ﴾ الهوان، وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم- وكفى به شاهداً- إلاّ هذه الآية، لكفى بها حجة.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٠ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢١

قرئ: ﴿ يحشر ﴾ على البناء للمفعول.

ونحشر بالنون وضم الشين وكسرها، ويحشر: على البناء للفاعل، أيّ: يحشر الله عزّ وجلّ ﴿ أَعْدَاء الله ﴾ الكفار من الأوّلين والآخرين ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي: يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته؛ فإن قلت: (ما) في قوله: ﴿ حتى إِذَا مَا جَاءوهَا ﴾ ما هي؟

قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أنّ وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها.

ومثله قوله تعالى: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ ﴾ [يونس: 51] أي: لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به شهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرّمات.

فإن قلت: كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟

قلت: الله عزّ وجلّ ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاماً.

وقيل: المراد بالجلود: الجوارح.

وقيل: هي كناية عن الفروج، أراد بكل شيء: كل شيء، من الحيوان، كما أراد به في قوله تعالى: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284] كل شيء من المقدورات، والمعنى: أن نطقنا ليس بعجب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم أوّل مرّة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه- وإنما قالوا لهم: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ﴾ لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ٢٢ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٢٣

والمعنى: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم؛ لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً، ولكنكم إنما استترتم لظنكم ﴿ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا ﴾ كنتم ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ وهو الخفيات من أعمالكم، وذلك الظنّ هو الذي أهلككم.

وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه، ولا يزل عن ذهنه أن عليه من الله عيناً كالئة ورقيباً مهيمناً، حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب وأحسن احتشاماً وأوفر تحفظاً وتصوناً منه مع الملأ، ولا يتبسط في سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين.

وقرئ: ﴿ ولكن زعمتم ﴾ ﴿ وَذَلِكُمْ ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ ظَنُّكُمُ ﴾ و ﴿ أَرْدَاكُمْ ﴾ خبران، ويجوز أن يكون ﴿ ظَنُّكُمُ ﴾ بدلاً من ﴿ وَذَلِكُمْ ﴾ و ﴿ أرادكم ﴾ الخبر.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًۭى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ٢٤ ۞ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٢٥

﴿ فَإِن يَصْبِرُواْ ﴾ لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثواء في النار، ﴿ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ ﴾ وإن يسألوا العتبى وهي الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه: لم يعتبوا: لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها، ونحوه قوله عزّ وعلا: ﴿ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21] وقرئ: ﴿ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ﴾ أي: إن سئلوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون، أي: لا سبيل لهم إلى ذلك ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ ﴾ وقدّرنا لهم، يعني لمشركي مكة: يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين.

والمقايضة: المعاوضة ﴿ قُرَنَاء ﴾ أخداناً من الشياطين جمع قرين، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36] فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟

قلت: معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

والدليل عليه (ومن يعش) نقيض ﴿ ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ما تقدّم من أعمالهم وما هم عازمون عليها.

أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات، وما خلفهم: من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا حساب ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ يعني كلمة العذاب ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ في جملة أمم.

ومثل في هذه ما في قوله: إنّ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ ** فُوكاً فَفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا يريد: فأنت في جملة آخرين، وأنت في عداد آخرين لست في ذلك بأوحد.

فإن قلت: ﴿ فِى أُمَمٍ ﴾ ما محله؟

قلت: محله النصب على الحال من الضمير في عليهم أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب.

والضمير لهم وللأمم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٧ ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ ۖ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ ٢٨

قرئ: ﴿ والغوا فيه ﴾ بفتح الغين وضمها.

ويقال: لغى يلغى، ولغا يلغو: واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته.

قال: من اللغا ورفث التكلم.

والمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والهذيان والزمل، وما أشبه ذلك، حتى تخلطوا على القارئ وتشوشوا عليه وتغلبوه على قراءته.

كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضاً ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ يجوز أن يريد بالذين كفروا: هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة، وأن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم.

قد ذكرنا إضافة أسوأ بما أغنى عن إعادته.

وعن ابن عباس ﴿ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ يوم بدر.

و ﴿ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ في الآخرة ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير: أسوأ جزاء الذين كانوا يعملون، حتى تستقيم هذه الإشارة.

و ﴿ النار ﴾ عطف بيان للجزاء.

أو خبر مبتدأ محذوف.

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ ﴾ ؟

قلت: معناه أن النار في نفسها دار الخلد، كقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] والمعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وتقول لك في هذه الدار دار السرور.

وأنت تعنى الدار بعينها ﴿ جَزَاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ أي: جزاء بما كانوا يلغون فيها، فذكر الجحود الذي سبب اللغو.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ ٢٩

﴿ الذين أَضَلاَّنَا ﴾ أي: الشيطانين اللذين أضلانا ﴿ مّنَ الجن والإنس ﴾ لأنّ الشيطان على ضربين: جني وإنسي.

قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن ﴾ [الأنعام: 112] وقال تعالى: ﴿ الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس (5) مِنَ الجنة والناس ﴾ [الناس: 5- 6] وقيل: هما إبليس وقابيل؛ لأنهما سنا الكفر والقتل بغير حق.

وقرئ: ﴿ أرنا ﴾ بسكون الراء لثقل الكسرة، كما قالوا في فخذ: فخذ.

وقيل: معناه أعطنا للذين أضلانا.

وحكوا عن الخليل: أنك إذا قلت: أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى: بصرنيه.

وإذا قلته بالسكون، فهو استعطاء، معناه: أعطني ثوبك: ونظيره: اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء.

وأصله: الإحضار.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١ نُزُلًۭا مِّنْ غَفُورٍۢ رَّحِيمٍۢ ٣٢

﴿ ثُمَّ ﴾ لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة.

وفضلها عليه: لأنّ الاستقامة لها الشأن كله.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ﴾ [الحجرات: 15] والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً.

وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟

قالوا: لم يذنبوا.

قال حملتم الأمر على أشدّه.

قالوا: فما تقول؟

قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.

وعن عمر رضي الله عنه: استقاموا على الطريقة لم يروغوا روغان الثعالب.

وعن عثمان رضي الله عنه: أخلصوا العمل.

وعن علي رضي الله عنه: أدّوا الفرائض.

وقال سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأمر أعتصم به.

قال: «قل ربّي الله، ثم استقم» قال فقلت: ما أخوف ما تخاف عليّ؟

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال: (هذا) ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ عند الموت بالبشرى.

وقيل: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ ﴾ أن بمعنى أي.

أو مخففة من الثقيلة.

وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن.

وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: لا تخافوا، أي: يقولون: لا تخافوا؛ والخوف: غمّ يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارّ.

والمعنى: أنّ الله كتب لكم الأمن من كل غمّ، فلن تذوقوه أبداً.

وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم.

كما أنّ الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين ﴿ تَدْعُونَآ ﴾ تتمنون: والنزل: رزق التنزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًۭا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ٣٣

﴿ مِّمَّن دَعآ إِلَى الله ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإسلام ﴿ وَعَمِلَ صالحا ﴾ فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة له.

وعنه: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها: ما كنا نشك أنّ هذه الآية نزلت في المؤذنين، وهي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون موحداً معتقداً لدين الإسلام، عاملاً بالخير داعياً إليه؛ وما هم إلاّ طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد، الدعاة إلى دين الله وقوله: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين ﴾ ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده، كما تقول: هذا قول أبي حنيفة، تريد مذهبه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ ٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ ٣٥

يعني: أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ الحسنة التي هي أحسن من أختها- إذا اعترضتك حسنتان- فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك.

ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه ويقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الولي الحميم مصافاة لك.

ثم قال: وما يلقى هذه الخليقة أو السجية التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان إلاّ أهل الصبر، وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير.

فإن قلت: فهلا قيل: فادفع بالتي هي أحسن؟

قلت: هو على تقدير قائل قال: فكيف أصنع؟

فقيل: ادفع بالتي هي أحسن.

وقيل: (لا) مزيدة.

والمعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة.

فإن قلت: فكان القياس على هذا التفسير أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة، قلت: أجل، ولكن وضع التي هي أحسن موضع الحسنة، ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة؛ لأنّ من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، وفسر الحظ بالثواب.

وعن الحسن رحمه الله: والله ما عظم حظ دون الجنة، وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً مؤذياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار ولياً مصافياً.

<div class="verse-tafsir"

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٦

النزغ والنسغ بمعنى: وهو شبه النخس.

والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي.

وجعل النزغ نازغاً، كما قيل: جد جدّه.

أو أريد: وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر.

أو لتسويله.

والمعنى: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ﴿ فاستعذ بالله ﴾ من شرّه، وامض على شأنك ولا تطعه.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ٣٧ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْـَٔمُونَ ۩ ٣٨

الضمير في ﴿ خَلَقَهُنَّ ﴾ لليل والنهار والشمس والقمر؛ لأنّ حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث.

يقال: الأقلام بريتها وبريتهنّ: أو لما قال ﴿ وَمِنْ ءاياته ﴾ كن في معنى الآيات، فقيل: خلقهنّ.

فإن قلت: أين موضع السجدة؟

قلت: عند الشافعي رحمه الله تعالى: ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ وهي رواية مسروق عن عبد الله لذكر لفظ السجدة قبلها.

وعند أبي حنيفة رحمه الله: يسأمون؛ لأنها تمام المعنى، وهي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب: لعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة، وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصاً، إن كانوا إياه يعبدون وكانوا موحدين غير مشركين ﴿ فَإِنِ استكبروا ﴾ ولم يمتثلوا ما أمروا به وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن الله عز سلطانه لا يعدم عابداً ولا ساجداً بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار عن الأنداد، وقوله: ﴿ عِندَ رَبِّكَ ﴾ عبارة عن الزلفى والمكانة والكرامة وهم لا يسأمون.

وقرئ: ﴿ لا يسأمون ﴾ بكسر الياء.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٣٩

الخشوع: التذلل والتصاغر، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً ﴾ [الحج: 5] وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربوّ وهو الانتفاخ: إذا أخصبت وتزخرفت بالنبات كأنها بمنزلة المختال في زيه، وهي قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة.

وقرئ ﴿ وربأت ﴾ أي ارتفعت لأن النبت إذا همّ أن يظهر: ارتفعت له الأرض.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًۭا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠

يقال: ألحد الحافر ولحد، إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، وقرئ ﴿ يلحدون ويلحدون ﴾ على اللغتين.

وقوله: ﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ وعيد لهم على التحريف.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌۭ ٤١ لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ ٤٢

فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر ﴾ ؟

قلت: هو بدل من قوله: ﴿ إنّ الذين يُلْحِدُونَ فِي ءاياتنا ﴾ [فصلت: 40] والذكر: القرآن، لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرّفوا تأويله ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ أي منيع محمى بحماية الله تعالى ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ مثل كأن الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يصل إليه ويتعلق به.

فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوّله المبطلون؟

قلت: بلى، ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قوماً عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقاً، ولا قول مبطل إلا مضمحلاً.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ [الحجر: 9] .

<div class="verse-tafsir"

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍۢ ٤٣

﴿ ما يقال لك ﴾ أي: ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ ورحمة لأنبيائه ﴿ وَذُو عِقَابٍ ﴾ لأعدائهم.

ويجوز أن يكون: ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول: هو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، والغرض: تخويف العصاة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌۭ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ ٤٤

كانوا لتعنتهم يقولون: هلا نزل القرآن بلغة العجم، فقيل: لو كان كما يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت وقالوا: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءاياته ﴾ أي بينت ولخصت بلسان نفقهه ﴿ ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ﴾ الهمزة همزة الإنكار، يعني: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقرئ ﴿ أعجمي ﴾ والأعجمي: الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من أي جنس كان، والعجمي: منسوب إلى أمّة العجم.

وفي قراءة الحسن (أعجمي) بغير همزة الاستفهام على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي.

والمعنى: أنّ آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتاً؛ لأنّ القوم غير طالبين للحق وإنما يتبعون أهواءهم.

ويجوز في قراءة الحسن: هلا فصلت آياته تفصيلاً، فجعل بعضها بياناً للعجم، وبعضها بياناً للعرب.

فإن قلت: كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمّة العرب؟

قلت: هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتاباً أعجمياً كتب إلى قوم من العرب يقول: كتاب أعجمي ومكتوب إليه عربي، وذلك لأن مبنى الإنكار على تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة، فوجب أن يجرّد لما سيق إليه من الغرض، ولا يوصل به ما يخل غرضاً آخر.

ألا تراك تقول- وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة:- اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول، لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، إنما وقع في غرض وراءهما ﴿ هُوَ ﴾ أي القرآن ﴿ هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ إرشاد إلى الحق وشفاء ﴿ لِمَا فِي الصدور ﴾ من الظن والشك.

فإن قلت: ﴿ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ فى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ منقطع عن ذكر القرآن، فما وجه اتصاله به؟

قلت: لا يخلو إما أن يكون (الذين لا يؤمنون) في موضع الجر معطوفاً على قوله تعالى: (للذين آمنوا) على معنى قولك: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وهو للذين لا يؤمنون في آذانهم وقر؛ إلا أنّ فيه عطفاً على عاملين وإن كان الأخفش يجيزه.

وإمّا أن يكون مرفوعاً على تقدير: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر على حذف المتبدأ.

أو في آذانهم منه وقر وهو عليهم عمى.

وقرئ ﴿ وهو عليهم عم ﴾ ﴿ وعمى ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ [هود: 28] ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ يعني: أنهم لا يقبلونه ولا يرعونه أسماعهم، فمثلهم في ذلك مثل من يصيح به من مسافة شاطة لا يسمع من مثلها الصوت فلا يسمع النداء.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ٤٥

﴿ فاختلف فِيهِ ﴾ فقال بعضهم: هو حق، وقال بعضهم: هو باطل.

والكلمة السابقة: هي العدة بالقيامة، وأنّ الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك لقضى بينهم في الدنيا.

قال الله تعالى: ﴿ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ ﴾ [القمر: 46] ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.

<div class="verse-tafsir"

مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ٤٦

﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ فنفسه نفع ﴿ فَعَلَيْهَا ﴾ فنفسه ضرّ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام ﴾ فيعذب غير المسيء.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَٰتٍۢ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُوٓا۟ ءَاذَنَّـٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍۢ ٤٧ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍۢ ٤٨

﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة ﴾ أي إذا سئل عنها قيل: الله يعلم.

أو لا يعلمها إلا الله.

وقرئ ﴿ من ثمرات من أكمامهن ﴾ .

والكم- بكسر الكاف- وعاء الثمرة، كجف الطلعة، أي: وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به.

يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله: من الخداج والتمام، والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح وغير ذلك ﴿ أَيْنَ شُرَكَآءِى ﴾ أضافهم إليه تعالى على زعمهم، وبيانه في قوله تعالى: ﴿ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [القصص: 62] وفيه تهكم وتقريع ﴿ ءاذَنَّاكَ ﴾ أعلمناك ﴿ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ أي ما منا أحد اليوم- وقد أبصرنا وسمعنا- يشهد بأنهم شركاؤك، أي: ما منا إلا من هو موحدلك: أو ما منا من أحد يشاهدهم، لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل: هو كلام الشركاء، أي: ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة.

ومعنى ضلالهم عنهم على هذا التفسير: أنهم لا ينفعونهم، فكأنهم ضلوا عنهم ﴿ وَظَنُّواْ ﴾ وأيقنوا ما لهم من محيص.

والمحيص: المهرب.

فإن قلت: ﴿ ءاذَنَّاكَ ﴾ إخبار بإيذان كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟

قلت: يجوز أن يعاد عليهم (أين شركائي)؟

إعادة للتوبيخ، وإعادته في القرآن على سبيل الحكاية: دليل على إعادة المحكى.

ويجوز أن يكون المعنى: أنك علمت من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه.

ويجوز أن يكون إنشاء للإيذان ولا يكون إخباراً بإيذان قد كان، كما تقول: أعلم الملك أنه كان من الأمر كيت وكيت.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَسْـَٔمُ ٱلْإِنسَـٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٌۭ قَنُوطٌۭ ٤٩ وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنَّا مِنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّ لِى عِندَهُۥ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ ٥٠

﴿ مِن دُعَاءِ الخير ﴾ من طلب السعة في المال والنعمة.

وقرأ ابن مسعود: من دعاء بالخير ﴿ وَإِن مَّسَّهُ الشر ﴾ أي الضيقة والفقر ﴿ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾ بولغ فيه من طريقين: من طريق بناء فعول، ومن طريق التكرير والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، أي: يقطع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى: ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ [يوسف: 87] وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال: ﴿ هذا لِى ﴾ أي هذا حق وصل إلي؛ لأني استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال برّ.

أو هذا لي لا يزول عني، ونحوه قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه ﴾ [الأعراف: 131] ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾ [الجاثية: 32] يريد: وما أظنها تكون، فإن كانت على طريق التوهم ﴿ أَنَّ لِى ﴾ عند الله الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا.

وعن بعضهم: للكافر أمنيتان، يقول في الدنيا: ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى.

ويقول في الآخرة: يا ليتني كنت تراباً.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة.

فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب.

ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها أنهم يستوجبون عليها كرامة وقربة عند الله ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ [الفرقان: 23] وذلك أنهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلباً للافتخار والاستكبار لا غير، وكانوا يحسبون أنّ ما هم عليه سبب الغنى والصحة، وأنهم محقوقون بذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍۢ ٥١

هذا أيضاً ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة، وكأنه لم يلق بؤساً قط فنسى المنعم وأعرض عن شكرة ﴿ وَنَئَا بِجَانِبِهِ ﴾ أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم.

وإن مسه الضرّ والفقر: أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع.

وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام ويستعار له الطويل أيضاً كما استعير الغلظ بشدّة العذاب.

وقرئ ﴿ ونأى بجانبه ﴾ بإمالة الألف وكسر النون للإتباع.

وناء على القلب، كما قالوا: راء في رأي.

فإن قلت: حقق لي معنى قوله تعالى: ﴿ وَنَئَا بِجَانِبِهِ ﴾ قلت: فيه وجهان: أن يوضع جانبه موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿ على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ [الزمر: 56] أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله: .........

وَنَفَيْتُ عَنْه ** مَقَامَ الذِّئْبِ.........

يريد: ونفيت عنه الذئب.

ومنه: ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ [الرحمن: 46] .

ومنه قول الكتاب: حضرة فلان ومجلسه، وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز، يريدون نفسه وذاته، فكأنه قال: ونأى بنفسه، كقولهم في المتكبر ذهب بنفسه، وذهبت به الخيلاء كل مذهب، وعصفت به الخيلاء؛ وأن يراد بجانبه: عطفه، ويكون عبارة عن الانحراف والازورار؛ كما قالوا: ثنى عطفه، وتولى بركنه.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِۦ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ٥٢

﴿ أَرَءيْتُمْ ﴾ أخبروني ﴿ إِن كَانَ ﴾ القرآن ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ يعني أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة قاطعة حصلتم منها على اليقين وثلج الصدور، وإنما هو قبل النظر واتباع الدليل أمر متحمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده، وأنتم لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقاً وقد كفرتم به.

فأخبروني من أضلّ منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته ولعله حق فأهلكتم أنفسكم؟

وقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ موضوع موضع منكم، بياناً لحالهم وصفتهم.

<div class="verse-tafsir"

سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ٥٣ أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍۢ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطٌۢ ٥٤

﴿ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِي الأفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ ﴾ يعني ما يسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده ونصار دينه في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموماً وفي باحة العرب خصوصاً: من الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة من المعهود خارقة للعادات؛ ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء يطلعك في التواريخ والكتب المدوّنة في مشاهد أهله وأيامهم: على عجائب لا ترى وقعة من وقائعهم إلا علما من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها اليقين، ويزداد بها الإيمان، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا يحيد عنه إلا مكابر حسه مغالط نفسه؛ وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق والصدق، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور؛ وأن للباطل ريحاً تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل ﴿ بِرَبّكَ ﴾ في موضع الرفع على أنه فاعل كفى.

و ﴿ أَنَّهُ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ بدل منه، تقديره.

أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد.

ومعناه: أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد، أي: مطلع مهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حق وأنه من عنده، ولو لم يكن كذلك لما قوى هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة.

وقرئ ﴿ في مرية ﴾ بالضم وهي الشك ﴿ مُحِيطٌ ﴾ عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في لقاء ربهم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله