الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > تفسير سورة فصلت
تفسيرُ سورةِ فصلت كاملةً من التفسير الوسيط (محمد سيد طنطاوي). آيةً آية: نصُّ الآية ثم تفسيرُها؛ اضغط على أيِّ آيةٍ لقراءة تفسيرها وحدها.
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 72 دقيقة قراءةسورة " فصلت " من السور التى بدئت ببعض حروف التهجى .والرأى الراجح فى هذه الحروف أنها جئ بها للإِيقاظ والتنبيه على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التى يتخاطب بها المشركون ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله .
وقوله : ( تَنزِيلٌ مِّنَ الرحمن الرحيم ) بيان لمصدر هذا القرآن ، وقوله ( تَنزِيلٌ ) خبر لمبتدأ محذوف .أى : هذا القرآن ليس أساطير الأولين - كما زعم الجاحدون الجاهلون - وإنما هو منزل من عند الله - تعالى - صاحب الرحمة العظيمة الدائمة .إذ لفظ " الرحمن " بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة الشئ وعظمته ، أما صيغة فعيل فتستعمل فى الصفات الدائمة ككريم ، فكأنه - تعالى - يقول : هذا الكتاب منزل من الله - تعالى - العظيم الرحمة الدائمة .قال بعض العلماء : وإنما خص هذان الوصفان بالذكر ، لأن الخلق فى هذا العالم كالمرضى المحتاجين ، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية ، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية .
فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته ولطفه بخلقه .
ثم أثنى - سبحانه - على هذا القرآن الذى أنزله بمقتضى رحمته وحكمته فقال : ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .
بَشِيراً وَنَذِيراً ) .ومعنى : ( فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) : ميزت فى ألفاظها بفواصل ومقاطع ، وميزت فى معانيها لاشتمالها على أنواع متعددة من المعانى الحكيمة .وقوله ( قُرْآناً ) منصوب على المدح ، أو على الحال من كتاب ، ( عَرَبِيّاً ) صفة للقرآن .وقوله ( لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) متعلق بفصلت .أى : هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - الذى وسعت رحمته كل شئ ، وهو كتاب فصلت آياته ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا بليغا ، إذ اشتملت على فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه .وفصلت آياته من حيث معانيها تفصيلا حكيما .
إذ بعضها جاء لبيان ذاته وصفاته وأفعاله - تعالى - ، وبعضها اشتمل على ألوانه من نعمه التى لا تحصى ، وبعضها جاء بأسمى أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ ، وبعضها جاء لتبشير المؤمنين بحسن الثواب ، ولإِنذار الكافرين بسوء العقاب .وخص - سبحانه - الذين يعلمون بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما اشتمل عليه هذا الكتاب من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها .قال صاحب الكشاف : قوله ( لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) أى لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربى ، لا يلتبس عليهم شئ منه .فإن قلت : بم يتعلق قوله : ( لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ؟قلت : يجوز أن يتعلق بتنزيل ، أو بفصلت ، أى : تنزيل من الله لأجلهم .
أو فصلت آياته لهم .وأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أى : قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب؛ لئلا يفرق بين الصلاة والصفات .
.
وقوله - تعالى - : ( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) بيان لموقف الناس من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم .والمراد بالأكثر هنا : الكافرون الذين لا ينتفعون بهدايات القرآن الكريم .أى : هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور ، فأعرض أكثرهم عن هداياته لاستحواذ الشيطان عليهم ، فهم لا يسمعون سماع تدبر واتعاظ ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية ، وعقول خالية من إدراك معانيه ، ومن الاستجابة له .ونفى - سبحانه - سماعهم له ، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه ، لأنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به .
.
صار سماعهم بمنزلة عدمه .
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى تدل على توغلهم فى الكفر والعناد فقال : ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ) ، والأكنة : جمع كنان وهو الغطاء للشئ .
و ( وَقْرٌ ) الصمم الذى يحول بين الإِنسان وبين سماع ما يقال له .والحجاب : من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة ، ومنه قيل للبواب حاجب ، لأنه يمنع من الدخول .أى : وقال الكافرون للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل تيئيسه من إيمانهم : إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا ، وما تدعونا إليه ، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك ، وإن من بيننا ومن بينك حاجزا غليظا يحجب التواصل والتلاقى بيننا وبينك ، وما دام حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك ، ونحن من جانبنا سنعمل ما شئنا فيما يتعلق بديننا .وهذه الأقوال التى حكاها القرآن عنهم ، تدل على أنهم قوم قد بلغوا أقصى درجات الجحود والعناد : فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق ، وأسماعهم قد صمت عن سماعه ، وأشخاصهم قد أبت الاقتراب من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم الذى يحمل لهم الخير والنور ، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم للهوى والشيطان .وصدق الله إذ يقول : ( فَلَمَّا زاغوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ).
ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب الذى يرد به عليهم فقال : ( قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : إنما أنا بشر مثلكم فى الصفات البشرية أوجدنى الله - تعالى - بقدرته كما أوجدكم ، وينتهى نسبى ونسبكم إلى آدم - عليه السلام - إلا أن الله - تعالى - قد اختصنى بوحيه ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ..
هو إله واحد لا شريك له ، فعليكم أن تخلصلوا له العبادة والطاعة .وقوله : ( فاستقيموا إِلَيْهِ واستغفروه ) أى : فالزموا الاستقامة فى طريقكم إليه - تعالى - بالإِيمان به وطاعته والإخلاص فى عبادته .
وقوله - تعالى - : ( .
.
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ .
الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ ) تهديد لهم بسوء المصير إذا استمروا على عنادهم وشركهم .والويل : لفظ دال على الشر أو الهلاك ، وهو مصدر لافعل له من لفظه ، والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزى والهلاك .أى : فهلاك وخزى وعقاب شديد لهؤلاء المشركين ، الذين لا يؤتون الزكاة ، أى : لا يؤمنون بها ، ولا يخرجونها إلى مستحقيها ، ولا يعملون على تطهير أنفسهم بأدائها .
.
.
وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب كافرون .قال ابن كثير : والمراد بالزكاة ها هنا : طهارة النفس من الأخلاق المرذولة .
.
.وقال قتادة : يمنعون زكاة أموالهم ، واختاره ابن جرير .
.وفيه نظر ، لأن إيجاب الزكاة إنما كان فى السنة الثانية من الهجرة ، وهذه الآية مكية .
اللهم إلا أن يقال : لا يبعد أن يكون أصل الزكاة - وهو الصدقة - كان مأمورا به فى ابتداء البعثة ، كقوله - تعالى - : ( وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها فى المدينة ، ويكون هذا جمعا بين القولين .
.وقال بعض العلماء : قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لأنه - تعالى - صرح فى هذه الآية الكريمة ، بأنهم مشركون ، وأنهم كافرون بالآخرة ، وقد توعدهم - سبحانه - بالويل على كفرهم بالآخرة ، وعدم إيتائهم الزكاة ، سواء أقلنا إن الزكاة فى الآية هى الزكاة المال المعروفة ، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل الطاعات ، واجتناب المعاصى .ورجع بعضهم - أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأبدان - لأن السورة مكية وزكاة المال المعروفة إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة .وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإِسلام .أعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وما دلت عليه هذه الآية من أنهم مخاطبون بذلك ، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصى ، جاء موضحا فى آيات أخر كقوله - تعالى - : ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ .
قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين .
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين .
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين .
.
) وخص - سبحانه - من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ، لأن أحب شئ إلى الإِنسان ماله ، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله للمتحاجين ، فذلك أقوى دليل على استقامته ، وصدق نيته .
وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين .أى : إن الذين آمنوا إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات ، لهم أجر عظيم غير ( مَمْنُونٍ ) أى غير مقطوع عنهم ، من مننت الحبل إذا قطعته ، أو غير منقوص عما وعدهم الله به ، أو غير ممنون به عليهم ، بل يعطون ما يعطون من خيرات جزاء أعمالهم الصالحة فى الدنيا ، فضلا من الله - تعالى - وكرما .
ثم أمر الله - تعالى - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ هؤلاء المشركين على إصرارهم على كفرهم ، مع أن مظاهر قدرة الله - تعالى - الماثلة أمام أعينهم تدعوهم إلى الإِيمان ، فقال - تعالى - :( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ .
.
.
) .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : اعلم أنه - تعالى - لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس : ( قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ .
.
.
) أردفه بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه - تعالى - وبين هذه الأصنام فى الإِلهية والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته فى خلق السموت والأرض فى مدة قليلة .
.
والاستفهام فى قوله ( أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ .
.
.
) بمعنى الإِنكار ، وهو لإِنكار شيئين : الكفر بالله .
.
وجعل الأنداد له .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين على سبيل الإِنكار لأفعالهم : أئنكم لتكفرون بالله - تعالى - الذى خلق الأرض فى يومين .قال الآلوسى : وإن واللام فى قوله ( أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ ) لتأكيد الإِنكار .
.
وعلق - سبحانه - كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه - تعالى - واستعظام كفرهم به .واليوم فى المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق ، وأريد منه ها هنا الوقت مطلقا ، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها ، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف ، ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر ، والأقل أنسب بالمقام .قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه - إن الله - تعالى - قادر على أن يخلق هذا الكون كله فى لحظة ، ولكنه خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، ليعلم خلقه التثبت والتأنى فى الأمور .وقوله : ( وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ) معطوف على قوله ( تكفرون ) وداخل معه فى حكم الإِنكار .والأنداد : جمع ند وهو مثل الشئ يضاده وينافره ويتباعد عنه .
وأصله من ند البعير إذا نفر وذهب على وجهه شاردا .أى : وتجعلون له امثالا ونظراء تعبدونها من دونه ، وتسمونها - زورا وكذبا - آلهة ، وجمع - سبحانه - الأنداد باعتبار واقعهم ، لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى ، فمنهم من عبد الأصنام ، ومنهم من عبد الملائكة ، ومنهم من عبد الكواكب .واسم الإِشارة فى قوله ( ذَلِكَ رَبُّ العالمين ) يعود إلى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة .أى : ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة ، رب العالمين جميعا ، وخالق جميع المخلوقات ، والمتولى لتربيتها دون سواه .
وقوله : ( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا .
.
) معطوف على ( خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ) .والرواسى : جميع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات والاستقرار فى المكان ، يقال : رسا الشئ إذا ثبت واستقر .
وهو صفة لموصوف محذوف .أى : وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها ، لكى تستقر وتثبت ، ولا تميد أو تضطرب بكم .وقال - تعالى - : ( مِن فَوْقِهَا ) لبيان الواقع ، إذ وجود الجبال من فوق الأرض ، ومشاهدة الإِنسان لذلك بعينيه ، يزيده اقتناعا بقدرة الله - تعالى - الباهرة وحكمته البليغة .( وَبَارَكَ فِيهَا ) أى : وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع ، عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها ، والمياه التى تخجر من جوفها .
والكنوز التى تحصل من باطنها .( وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ) والأقوات : جمع قوت .
والمراد بها أرزاق أهل الأرض وما يصلحهم .أى : وجعل أقوات أهلها يحتاجون إليها فى معايشهم ومنافعهم ، على مقادير محددة معينة ، بحيث نشر فى كل قطر من أقطارها أقواتا تناسب أهله ، وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم ، فيعمر الكون ، ويزيد الاتصال والتعارف فيما بينهم .قال ابن جرير : بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الآية : والصواب فى القول فى ذلك أن يقال : إن الله - تعالى - أخبر أنه قدر فى الأرض أقوات أهلها ، وذلك ما يقوتهم من الغذاء ، ويصلحهم من المعاش .
ولم يخصص - جل ثناؤه - بقوله ( وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ) أنه قدر فيها قوتا دون قوت ، بل عم الخبر عن تقديره جميع الأقوات .
.وقوله - تعالى - : ( في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) متعلق بمحذوف يدل ، عليه ما قبله .أى : خلق الأرض ، وجعل فيه رواسى من فوقها ، وبارك فيها ، وقدر فيها أقواتها فى تمام أربعة أيام ، فتكون المدة التى خلق فيها الأرض وما عليها أربعة أيام .وقوله - سبحانه - : ( سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ) تأكيد لما دلت عليه الآية الكريمة من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث فى أربعة أيام .قال الآلوسى : وقيدت الأيام الأربعة بقوله : ( سَوَآءً ) فإنه مصدر مؤكد لمضمر هو صفة الأيام .
أى : - فى أربعة أيام - استوت سواء ، أى : استواء .وقوله - تعالى - : ( لِّلسَّآئِلِينَ ) متعلق بمحذوف وقع خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هذا الحصر فى أربعة ، كائن للسائلين عن مدة خلق الأرض ، وما فيها .
.وقال الجمل فى حاشيته : فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ، ضعف مدة خلق السموات ، مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر مخلوقات وعجائب؟قلت : للتنبيه على أن الأرض هى المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ومن كثرة المنافع ، فزادات مدتها ليكون ذلك أدخل فى المنة على ساكنيها ، وللاعتناء بشأنهم وشأنهم - أيضا - زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصى والمجاهدات والمعالجات .
.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السماء ، فقال : ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ .
.
) .ومعنى استوائه - سبحانه - إلى السماء ، ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه أو تحديد ، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك .والدخان : ما ارتفع من لهب النار .
والمراد به هنا : ما يرى من بخار الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى : ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ) : تعلقت إرادته - تعالى - بخلقها .قال الآلوسى : قوله : ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ) أى : قصد إليها وتوجه ، دون إرادة تأثير فى غيرها ، من قولهم : استوى إلى مكان كذا ، إذا توجه إليه لا يلوى على غيره ..وقوله : ( وَهِيَ دُخَانٌ ) أى أمر ظلمانى ، ولعله أريد بها مادتها التى منها تركبت .وقوله - تعالى - : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً .
.
.
) بيان لما وجهه - سبحانه - إليهما من أوامر .والمراد بإتيانهما : انقيادهما التام لأمره - تعالى - .أى : فقال - سبحانه - للسماء وللأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد ، فأنت يا سماء ، أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم .
.
وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز .قال الفخر الرازى : والمقصود من هذا القول : إظهار كمال القدرة ، أى : ائتيا شئتما أم أبينتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أم لم تشأ ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وانتصابهما على الحال ، بمعنى طائعين أو مكرهين .
.وقوله : ( قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) بيان لامتثالهما التام لأمره - تعالى - .أى : قالتا : فلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين متسجيبين لأمرك ، فأنت خالقنا وأنت مالك أمرنا .قال القرطبى : وقوله : ( قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ) فيه وجهان : أنه تمثيل لظهور الطاعة منهما ، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما .
ومنه قول الراجز :امتلأ الحوض وقال قطنى ...
مهلا رويدا ملأت بطنىيعنى : ظهر ذلك فيه .وقال أكثر أهل العلم : بل خلق الله - تعالى - فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد - سبحانه - .وجمعهما - سبحانه - جمع من يعقل ، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء .
ثم فصل - سبحانه - بديع صنعه فى خلق السموات فقال : ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ .
.
.
) أى : ففرغ من خلقهن وتسويتهن على أبدع صورة وأحكم صنع فى مقدار يومين .والضمير فى قوله ( فَقَضَاهُنَّ ) إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سموات ، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات .وقوله : ( وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ) أى : وأوحى فى كل منها ما أراده وما أمر به ، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه إلا هو - سبحانه - .وقوله : ( وَزَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ) أى : وزينا السماء الدنيا أى القريبة منكم - بكواكب مضيئة ، وحفظناها عظيما من الاختلال والاضطراب والسقوط ( ذلك ) الذى ذكرناه لكم من خلق السموات والأرض ، وخلق ما فيهما .( تَقْدِيرُ العزيز العليم ) أى : تقدير الله - القاهر - لكل شئ .
والعليم بما ظهر وبما بطن فى هذا الكون .وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض وما عليها من جبال ومن أقوات للعباد قد تم فى أربعة أيام ، وأن خلق السموات كان فى يومين فيكون مجموع الأيام التى خلق الله - تعالى - فيها السموات والأرض وما بينهما ستة أيام .وقد جاء ذلك فى آيات متعددة ، منها قوله - تعالى - : ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) وقوله - سبحانه - ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ .
.
.
) كما أخذ العلماء منها - أيضا - : أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات بدليل قوله - تعالى - بعد حديثه عن خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء وهى دخان .وبدليل قوله - تعالى - فى آية أخرى : ( هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء ، وردوا على من قال بأن خلق السموات متقدم على خلق الأرض ، لأن الله - تعالى يقول فى سورة النازعات : ( أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا .
رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا .
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا .
والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) أى : بسطها .ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآيات التى معنا ، وبين آيات سورة النازعات فقال : إنه - تعالى - خلق الأرض أولا غير مدحورة ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسى والأنهار وغيرهما .أى : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها كان بعد خلق السماء ، وردوا عليهم - أيضا - بأن لفظ " بعد " فى قوله - تعالى - ( والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) بمعنى مع أى : والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها .وردوا عليهم - أيضا - بأنه - تعاىل - لما خلق الأرض غير مدحوة ، وهى أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها .قال بعض العلماء : والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع ، - وإن لم يكن موجودا بالفعل - قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ .
.
.
) فقوله : ( خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُم ) أى : بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذى هو أصلكم .كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون ، بتلك الصورة البديعة ، المتمثلة فى هذه الأرض وما أقلت .
وفى هذه السموات وما أظلت .
.
من أكبر الأدلة التى تحمل العقلاء على إخلاص العبادة لله الواحد القهار .
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ، انتقلت السورة إلى تهديد المشركين ، وإنذارهم بأن عاقبتهم ستكون كعاقبة الظالمين الذين سبقوهم ، فقال - تعالى - :( فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً .
.
.
) .ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات والتى قبلها روايات تتعلق بما بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين بعض المشركين ، منها ما ذكره محمد بن كعب القرظى قال : " حدثت أن عتبة بن ربيعة قال يوما لقريش - ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها .فقالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه فكلمه .
فقام إليه عتبة فقال : " يا محمد ، يابن أخى ، إنك منا حيث قد علمت من السلطة - أى من الشرف - فى العشيرة وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها .ثم قال : إن كنت - يا بن أخى - تريد مالا أعطيناك من المال حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا .
.
وإن كان الذى يأتيك رئيا تراه - أى ترى بعض الجن - طلبنا لك الطب حتى تبرأ .فلما فرغ عتبة قال صلى الله عليه وسلم : " أفرغت يا أبا الوليد؟
" قال : نعم .
قال : " فاسمع منى " قال : افعل فتلا عليه النبى صلى الله عليه وسلم من أول سورة " فصلت " " .- وفى رواية أنه لما بلغ قوله - تعالى - : ( فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ .
.
) قال له عتبة : حسبك ما عندك غير هذا .ثم عاد عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : لقد جاءكم عتبة بوجه غير الذى ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا له : ماوراءك يا أبا الوليد؟فقال : لقد سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم قولا ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالسحر ، ولا بالشعر ، ولا بالكهانة .
يا معشر قريش ، أطيعونى واجعلوها لى ، خَلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ .فقالوا : لقد سحرك محمد صلى الله عليه وسلم فقال : " هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدا لكم "فقوله - تعالى - : ( فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) تهديد لهؤلاء المشركين ، بعد أن وضح الحق لهم فى أكمل صورة .
.والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ، يكون مصعوقا .
.والمراد بها هنا : العذاب الشديد الذى أنزله الله - تعالى - على قوم عاد وثمود فصعقهم وأهلكهم .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين لقد أقمت لكم الأدلة الناصعة على وحدانية الله - تعالى - وعلى عظيم قدرته ، وعلى أنى رسول من عنده ، وصادق فيما أبلغه عنه .( فَإِنْ أَعْرَضُواْ ) عن دعوتك ، ولجوا فى طغيانهم ، واستمروا فى كفرهم وعنادهم .( فَقُلْ ) لهم على سبيل التحذير : لقد ( أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) .وحض - سبحانه - عاداً وثمود بالذكر ، لأن مشركى قريش يعرفون ما جرى لهؤلاء الظالمين .
إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف - أى بالمكان المرتفع الكثير الرمال - فى جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود - عليه السلام - .وأما ثمود فهم قوم صالح - عليه السلام - ، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة العربية ، ومازالت آثارهم باقية ، وأهل مكة كانوا يمرون عليها فى طريقهم إلى بلاد الشام للتجارة .
والضمير فى قوله - تعالى - : ( إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله .
.
.
) يعود إلى قوم عاد وثمود .والمراد بالرسل : هود وصالح - عليهما السلام - من باب إطلاق الجمع على الاثنين ، أو من باب إدخال من آمن بهما معهما فى المجئ إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم إلى عبادة الله وحده .وقوله : ( إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل .
.
.
) حال من قوله ( صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) وقوله ( مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) متعلق بجاءتهم .والمراد بالجملة الكريمة : أن الرسل بذلوا كل جهدهم فى إرشاد قوم عاد وثمود إلى الحق ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم وبينوا لهم بأساليب متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين .وقوله : ( أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله ) بيان لما نصح به الرسل أقوامهم و " أن " يصح أن تكون مصدرية ، أى : بأن لا تعبدوا إلا الله ، ويصح أن تكون مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف .
أو تفسيرية لأن مجئ الرسل يتضمن قولا .أى جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة لله ، ولم يتركوا وسيلة إلا اتبعوها معهم ، وقالوا لهم : اجعلوا عبادتكم لله - تعالى - وحده .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( إِذْ جَآءَتْهُمُ الرسل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِم .
.
.
)أى : أتوهم من كل جانب ، واجتهدوا بهم ، واعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض ، كما حكى الله - تعالى - عن الشيطان أنه قال : ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ .
.
.
) يعنى لآتينهم من كل جهة ، ولأعملن فيهم كل حيلة .وعن الحسن : أنذروهم بعذاب الله الدنويى والأخروى .وقيل معناه : إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم ، بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم ، فكأن الرسل جميعا قد جاءهم .وقوله - تعالى - : ( قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) حكاية للرد السيئ الذى رد به قوم عاد وثمود على رسلهم .ومفعول المشيئة محذوف أى : قال هؤلاء الكافرون لرسلهم على سبيل التكذيب لهم ، والتهكم بهم .
أنتم لستم رسلا ، ولو شاء الله - تعالى - أن يرسل إلينا رسلا لأرسل ملائكة ، وما دام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به - أيها الرسل - كافرون ، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون .والسبب الذى حمل هؤلاء الجاهلين على هذا القول : زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر ، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر كما قال - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ .
.
.
).
ثم فصل - سبحانه - بعد ذلك حال كل فريق منهم ، وبين ما نزل به من عذاب مهين فقال : ( فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً .
.
.
) .أى : هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم ، وإليك جانبا من حال قوم عاد ، ومن أقوالهم الباطلة .إنهم قد استكبروا فى الأرض بغير الحق .
واغتروا بما بين أيديهم من نعم ، وقالوا على سبيل التباهى والتفاخر والتكبر : من أشد منا قوة .وقيد استكبارهم فى الأرض بأنه بغير الحق .
لبيان واقعهم ، حيث كانوا كما وصفهم الله - تعالى - فى آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم ، ومن ذلك قوله - تعالى : ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ .
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ .
وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) الاستفهام فى قوله - تعالى - الذى حكاه عنهم ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) للإنكار والنفى .أى : لا أحد أقوى منا ، فنحن فى استطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا ، وهذا هو الشعور الكاذب الذى يشعر به الطغاة الجاهلون فى كل زمان ومكان .وقد رد الله - تعالى - عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) .أى : اعموا وصموا عن الحق ، ولم يعلموا أن الله - تعالى - الذى أجدهم من العدم ، هو - سبحانه - أشد منهم قوة وبأسا .إنهم لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك ، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يجحدون ، ويعاندون وينكرون الحق الذى جاءتهم به رسلهم .
ثم حكى - سبحانه - ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم ، وبسبب غرورهم وبطرهم فقال : ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً في أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا .
.
.
) .ولفظ " صرصرا " من الصر - بفتح الصاد - وهو شدة الحر ، أى من الصر - بكسر الصاد - وهو شدة البرد الذى يقبض البدن ، أو من الصرة التى هى الصيحة المزعجة ، ومنه قوله - تعالى -( فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ .
.
.
) أى : فى صيحة .ولا مانع من أن تكون هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - عليهم ، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج ، والبرد الشديد القاتل .وقوله : ( نَّحِسَاتٍ ) جمع نحسة - بفتح النون وكسر الحاء - صفة مشبهة من نحس - كفرح وكرم - ضد سعد .أى : فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت ، وشديدة البرودة أو الحرارة فى أيام نحاست أو مشئومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم فى الحياة الدنيا .( وَلَعَذَابُ الآخرة أخزى ) أى : أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب الدنيا .( وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ) أى : وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب بحال من الأحوال .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، حال ثمود وما نزل بهم من عذاب فقالك ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ .
.
.
)أى : وأما قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبينا صالحا ، فبينا لهم عن طريقه سبيل الرشاد وسبيل الغى ، فالمراد بالهداية هنا : البيان والإرشاد والدلالة على الخير .( فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ) أى فاختاروا الكفر على الإِيمان ، وآثروا الغى على الرشد .فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال ، والمراد بالهداية الإيمان والطاعة .( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ العذاب الهون بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) أى : فكانت نتيجة إيثارهم الكفر على الإِيمان وتصميمهم على ذلك .
.
أن أنزلنا عليهم الصاعقة التى أهلكتهم ، والعذاب المبين الذى أبادهم ، بسبب ما اكتسبوه من ذنوب وقبائح .وقد حكى - سبحانه - ما أنزله بعاد وثمود من عذاب فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة .
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية .
وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ .
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التى نزل فيها العذاب على قوم عاد ، كانت فى أواخر شهر شوال ، وأن أولها كان فى يوم الأربعاء ، وآخرها - أيضا - كان فى يوم الأربعاء ، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم .والحق أن ما ذكروه فى هذا الشأن لا دليل عليه ، ولا يلتفت إليه ، وأن ما أصاب هؤلاء إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم .قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار التى ذكروها فى أن يوم الأربعاء يوم نحس : " فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه ، لأن أغلبها ضعيف ، وما صح معناه منها فالمراد ينحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم " .
ثم بين - سبحانه - فضله على المؤمنين ، ورحمته بهم فقال : ( وَنَجَّيْنَا الذين آمَنُواْ .
.
.
) أى ونجين الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة .( وَكَانُواْ يتَّقُون ) أى : يتقون الله - تعالى - ويصونون أنفسهم عن كل ما لا يرضيه .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة ، يوم تشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ، يوم يعلمون أن ما جاءهم به رسلهم حق لا ريب فيه ، فقال - تعالى - :( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ .
.
.
) .الظرف فى قوله : ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى 49;لنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) متعلق بمحذوف تقديره : اذكر .وقوله : ( يُوزَعُونَ ) من الوزع وأصله الكف ، تقول : وزع فلان فلانا عن الشئ ، أى : كفه ومنعه عنه .
ومنه قول الشاعر :ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى ...
من الناس ، إلا وافر العقل كاملهوالمراد هنا : أن يكف أولهم ويمنع عن التحرك حتى يرد آخرهم فيلحق بأولهم ، بحيث يجتمعون جميعا للحساب ثم يدعون إلى نار جهنم .والمعنى : واذكر - أيها العاقل - يوم يحشر أعداء الله جميعا إلى النار ، بعد أن حوسبوا على أعمالهم السيئة ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أى : فهم يحبسون فى هذا اليوم العصيب حتى يلحق آخرهم بأولهم ، ويكفون جميعا عن الحركة حتى يقضى الله - تعالى - بقضائه العادل فيهم .والتعبير بقوله : ( أَعْدَآءُ الله ) يدل على ذمهم ، وعلى أن ما أبهم من عذاب مهين .
إنما هو بسبب عداوتهم لله - تعالى - ولرسله - صلوات الله عليهم - ، حيث أعرضوا عن الحق الذى جاءهم به الرسل من عند ربهم .والتعبير بقوله ( يُوزَعُونَ ) يشعر بأنهم يحبسون ويمنعون عن الحركة بغلظة وزجر .
ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يعرضون على النار فقال : ( حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .والمراد بشهادة هذه الأعضاء عليهم : أنها تنطق - بإذن الله - تعالى - وتخبر بام اجترحوه من سيئات ، وبما فعلو من قبائح .قال صاحب الكشاف ما ملخصه " فإن قلت " ما " فى قوله ( حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا ) ما هى؟قلت : مزيدة للتأكيد ، ومعنى التأكيد فيها : أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ، ولا وجه لأن يخلو منها .
.
.فإن قلت : كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟قلت : الله - عز وجل - ينطقها .
.
.
بأن يخلق فيها كلاما .
.وشهادة الجلود بالملامسة للحرام ، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات .
وقيل : المراد بالجلود الجوارح - وقيل : هو كناية عن الفروج .
.
ثم حكى - سبحانه - ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال : ( وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا .
.
)أى : وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التى تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول : لماذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم ، لكى ننقذكم من النار؟وهنا ترد عليهم جوارهم بقولها - كما حكى سبحانه عنها - ( قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ .
.
.
)أى : قالوا فى الرد عليهم : أنطقنا الله - تعالى - الذى أنطق كل شئ بقدرته التى لا يعدزها شئ ( وهو ) - سبحانه - الذى ( خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ولم تكونوا شيئا مذكورا .( وَإِلَيْهِ ) وحده ( تُرْجَعُونَ ) فيحاسبكم على أعمالكم ، ويحكم فيكم بحكمه العادل .وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، منها ما جاء عن أنس ابن مالك - رضى الله عنه - قال : " ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم فقال : " ألا تسألون عن أى شئ ضحكت "؟
قالوا : يا رسول الله ، من أى شئ ضحكت؟
قال : " عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : أى ربى ، أليس قد وعدتنى أن لا تظلمنى؟
قال : بلى .
فيقول : فإنى لا أقبل على شاهدا إلا من نفسى .
فيقول الله - تعالى - : أو ليس كفى بى شهيدا .
وبالملائكة الكرام الكاتبين؟
قال : فيردد هذا الكلام مرارا قال : فيختم على فيه ، وتتكلم أركانه بما كان يعمل .
فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أجادل " " .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ).
ثم حكى - سبحانه - ما يقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامة من جهته - تعالى - أو من جهة جوارحهم التى شهدت عليهم فقال - تعالى - : ( وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) .وقوله : ( تَسْتَتِرُونَ ) من الاستتار بمعنى الاستخفاء ، " وما " نافية .
وقوله : ( أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ .
.
.
) فى موضع نصب على نزع الخافض أى : من أن يشهد عليكم .
.
أو مفعول لأجله .أى : مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم .والمعنى : أن جوارحهم تقول لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت : أنتم - أيها الكافرون - لم تكونوا فى الدنيا تخفون أعمالكم السيئة ، خوفا من أن نشهد عليكم ولكنكم كنتم تخفونها .لاعتقادكم أن الله - تعالى - لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم ، ولكنه يعلم ما تظهرونه منها .وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله - تعالى - وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حسبا وجزاء ، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ .
.
.
) يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم ، ويجوز أن يكون من قول الله - تعالى - لهم ، أو الملائكة .وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ، قرشيان وثقفى ، - أى شخص من قبيلة ثقيف - أو ثقيفان وقرشى ، قليل فقه قلوبهم ، كثير شحم بطونهم .
فقال أحدهم : أترون الله - تعالى - يسمع ما نقول : فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا .فأنزل الله - عز وجل - : ( وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ) .فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة ، حيث ظنوا أن الله - تعالى - لا يعلم الكثير من أعمالهم ، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن الله - تعالى - معهم ، ولا يخفى عليه شئ من أقوالهم أو أفعالهم ، وأنه - سبحانه - يعلم السر ، وأخفىورحم الله من قال :إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ...
خلوت .
ولكن قل : على رقيبولا تحسبن الله يغفل ساعة ...
ولا أن ما يخفى عليك ، يغيب
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة ظن هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال : ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) .و ( ذلكم ) اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق ، وقوله ( أَرْدَاكُمْ ) خبره .أى : وذلكم الظن الذى ظننتموه بربكم ، وهو أنه - سبحانه - لا يعلم كثيرا مما تعملونه سرا ، هذا الظن ( أَرْدَاكُمْ ) أى : أهلككم ، يقال ردى فلان - كصدى - إذا هلك ( فَأَصْبَحْتُمْ ) أيها الكافرون من الخاسرين لكل شئ فى دنياكم .
( فَإِن يَصْبِرُواْ ) عن العذاب ( فالنار مَثْوًى لَّهُمْ ) أى : فالنار هى المكان المعد لثوائهم فيه ، ولبقائهم به بقاء أبديا .
يقال : ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة .
؟( وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين ) أى : وإن يطلبوا الرضا عنهم ، فما هم من المرضى عنهم ، وإنما هم من المغضوب عليهم ، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم إلى الدنيا ، فما هم من المجابين إلى ذلك .قال القرطبى : وأصل الكلمة من العَتْب - بفتح العين وسكون التاء - وهى المَوْجِدَة ، يقال : عتب عليه يعتب - كضرب يضرب - إذا وَجَدَ عليه .
فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه ، قيل : عاتبه ، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب .
والاسم العتبى ، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرى العاتب قال الشاعر :فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته ...
وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتبوبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بينت الأحوال السيئة التى يكون عليها الكافرون يوم القيامة ، والمجادلات التى تدور بينهم وبين جوارحهم فى هذا اليوم العسير عليهم .
ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أوقعتهم فى هذا المصير الأليم ، ومن الأقوال السيئة التى كانوا يتواصون بها فيما بينهم ، وعن عاقبة هذا التواصى الأثيم فقال - تعالى - :( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ .
.
.
) .قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( وَقَيَّضْنَا .
.
.
) أى : سببنا وهيأنا وبعثنا لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض .
والقيضص قشر البيض .
.والتقييض - أيضا - التيسير والتهيئة ، تقول قيضت لفلان الشئ ، أى : هيأته ويسرته له .
.والقرناء : جمع قرين ، وهو الصديق الملازم للشخص الذى لا يكاد يفارقه ، وله تأثير عليه والمراد بما بين أيديهم : شهوات الدنيا وسيئاتها .
والمراد بما خلفهم : ما يتعلق بالآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب .والمعنى : إن حكمتنا قد اقتضت أن نهيئ ونسبب لهؤلاء المشركين قرناء سوء ، هؤلاء القرناء يزينون لهم القبيح من أعمال الدنيا التى يعيشون فيها ، كما يزينون لهم إنكار ما يتعلق بما خلفهم من أمور الآخرة ، كتكذيبهم بالبعث والحساب والجزاء .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ .
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) وقوله - تعالى - : ( وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس .
.
.
) بيان لما ترتب على استجابتهم لقرناء السوء ، وانقيادهم لهم انقياد التابع للمتبوع .أى : وثبت عليهم القول الذى قاله - سبحانه - لإبليس ، وتحقق مقتضاه وهو قوله - تعالى - : ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقوله : ( في أُمَمٍ ) فى محل نصب على الحال من الضمير فى ( عَلَيْهِمُ ) أى : وثبت عليهم العذاب .
حالة كونهم داخلين فى جملة أمم كافرة جاحدة ، قد مضت من قبلهم ، وهذه الأمم منها ما هو من الجن ، ومنها ما هو من الإِنس .وجملة ( إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ) تعليل لاستحقاقهم العذاب .
والضمير لكفار قريش ولغيرهم من الأمم السابقة التى هلكت على الكفر .
ثم حكى - سبحانه - ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) .وقوله : ( والغوا فِيهِ ) من اللغو ، وهو الكلام الساقط الذى لا فائدة فيه يقال : لغا فلان فى كلامه يلغو ، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه .ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لأتباعهم ، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : قال أبو جهل - لأتباعه - : إذا قرأ محمد فصيحوا فى وجهه ، حتى لا يدري ما يقول .أى : وقال زعماء الكفر لأتباعهم : لا تسمعوا لهذا القرآن الذى يقرأه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا تنصتوا إليه ، بل ابتعدوا عن قارئيه ، والغوا فيه أى : وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول ، كالتشويش على القارئ ، والتخليط عليه فى قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان .
.( لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) أى : لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين ، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن .ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن فى القلوب ، هذا التأثير الذى حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول فى الإِسلام ونبذ الكفر والكافرين .كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته ، وعن الإِتيان بسورة من مثله ، لجأوا إلى تلك الأساليب السخيفة ، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم .
وقد رد - سبحانه - على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال : ( فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .أى : فوالله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والاستهزاء ، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذى يهينهم ، ويحسون به إحساسا أليما .
ولنجزينهم فى الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التى عملوها فى الدنيا .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أى : جزاء سيئات أعمالهم التى هى فى أنفسها أسوأ ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل : إنه - سبحانه - لا يجازيهم بمحاسن كإغاثة الملهوف ، وصلة الأرحام وإكرام الضيف .
.
لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرهم .
.وقال الجمل فى حاشيته : وفى هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا .
وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة ، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد ، وتأمل فى هذا التغليظ والتشديد ، واشهد لمن عظمه وأجل قدره ، وألفى إليه السمع وهو شهيد ، بالفوز العظيم .
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله .
.
.
) يعود إلى ما تقدم من العذاب الشديد المعد لهؤلاء الكافرين ، وهو مبتدأ ، وجملة ( ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ) خبره وقوله ( النار ) بدل أو عطف بيان .أى : ذلك العذاب الشديد الذى نذيقه للكافرين جزاء عادل لأعداء الله ، وهذا العذاب الشديد يتمثل فى النار التى أعدها - سبحانه - لهم .وجملة : ( لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ ) مؤكدة لما قبلها .
أى : لهم فى تلك النار الإِقامة الدائة الباقية المستمرة ، فهى بمثابة الدار المهيأة لسكنهم الدائم .وقوله - سبحانه - : ( جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ) بيان لحكم الله العادل فيهم .أى : نجازيهم جزاء أليما بسبب جحودهم لآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق رسلان .
ثم صور - سبحانه - أحوالهم وهم يتقلبون فى النار وحكى بعض أقوالهم التى يقولونها وهم فى ذلك العذاب الأليم فقال : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ ) على من أضلوهم .( رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس .
.
.
) أى : قالوا يا ربنا أطلعنا على الفريقين اللذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان من أفراد الجن والإِنس ( نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين ) أى : أرنا إياهم لننتقم منهم ، بأن ندوسها بأقدامنا احتقارا لهم ، وغضبا عليهم ، ليكونا بذلك فى أسفل مكان من النار ، وفى أحقره وأكثرهم سعيرا .وهكذا تتحول الصداقة التى كانت بين الزعماء والأتباع فى الدنيا ، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه ، ويتمنى له أسوأ العذاب .
وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، جاء الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، بعد الحديث عن سوء مصير الكافرين ، فقال - تعالى - :( إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا .
.
.
) .والمعنى : إن الذين قالوا بكل صدق وإخلاص ربنا الله - تعالى - وحده ، لا شريك له لا فى ذاته ولا فى صفاته .( ثُمَّ استقاموا ) أى : ثم ثبتوا على هذا القول ، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من طاعة الله - تعالى - فى المنشط والمكره ، وفى العسر واليسر ، ومن اقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم فى كل أحواله .قال صاحب الكشاف : و ( ثم ) لتراخى الاستقامة عن الإقرار فى المرتبة وفضلها عليه .
لأن الاستقامة لها الشأن كله .
ونحوه قوله - تعالى - : ( إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ) والمعنى : ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته .ولقد بين لنا النبى صلى الله عليه وسلم أن الاستقامة على أمر الله جماع الخيرات ، ففى صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفى قال : " قلت : يا رسول الله " قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك " قال : " قل آمنت بالله ثم استقم .
.
"وقوله - تعالى - : ( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ) بيان للآثار الطيبة التى تترتب على هذا القول المؤيد بالثبات على طاعة الله - تعالى - :وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات يشمل ما يكون فى حياتهم عن طريق إلهامهم بما يشرح صدورهم ، ويطمئن نفوسهم ، كما يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند موتهم وعند بعثهم .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ) قال مجاهد : عند موتهم وعن زيد بن أسلم : عند الموت ، وعند القبر ، وعند البعث ، وقيل : معنى ( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ) يمدونهم فيما يعن ويطرأ لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم ، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإِلهام كما أن الكفرة يغريهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزيين القبائح .والخوف : غم يلحق النفس لتوقع مكروه فى المستقبل .والحزن : غم يلحقها لفوات نفع فى الماضى .أى : إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم ، ثم استقاموا على طاعته فى جميع الأحوال ، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة ، لتقول لهم فى ساعة احتضارهم وعند مفارقتهم الدنيا ، وفى كل حال من أحوالهم : لا تخافوا - أيها المؤمنون الصادقون - مما أنتم قادمون عليه فى المستقبل ، ولا تحزنوا على ما فارقتموه من أموال أو أولاد .( وَأَبْشِرُواْ ) عما قريب ، بالجنة التى كنت توعدون بها فى الدنيا .
ثم يقولون لهم - أيضا - على سبيل الزيادة فى المسرة : ( نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة ) .أى : نحن نصراؤكم على الخير ، وأعوانكم على الطاعة فى الحياة الدنيا التى توشكون على مفارقتها ، وفى الآخرة التى هى الدار الباقية ، سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب .( وَلَكُمْ فِيهَا ) أى : فى الدار الآخرة ، ما تشتهى أنفسكم ، من أنواع الطيبات التى أعدها لكم خالقكم فى جناته .( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أى : ما تتمنوه وتطلبونه ، فقوله ( تَدَّعُونَ ) افتعال من الدعاء بمعنى الطلب .
قوله - تعالى - : ( نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) حال من قوله : ( مَا تَدَّعُونَ ) ، وأصل النزل : ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من مأكل طيب ، ومشرب حسن ، ومكان فيه راحته .أى : لكم فى الدارالآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه ، حال كون هذا المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة .
ثم سمت السورة الكريمة بعد ذلك بمنازل الذين يقومون بالدعوة إلى الحق بحكمة وإخلاص فقال - تعالى - : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين ) .أى .
لا أحد أحسن قولا ، وأعظم منزلة ، ممن دعا غيره إلى طاعة الله - تعالى - وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به .ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره ، بل أتبع ذلك بالعمل الصالح الذى يجعل المدعوين يزدادون استجابة له .( وَقَالَ ) : بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج والتحدث بنعمة الله ( إِنَّنِي مِنَ المسلمين ) .أى : من الذين أسلموا وجوههم لله - تعالى - وأخلصوا له القول والعمل .قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية ، أى : وهو فى نفسه مهتد بما يقوله ، فنفعه لنفسه لازم ومتعد ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه ، يونهون عن المنكر ويأتونه .
.
وهذه الآية عامة فى كل من دعا إلى خير ، وهو فى نفسه مهتد .وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء .
.
.
والصحيح أن الآية عامة فى المؤذنين وفى غيرهم .
ثم أرشد - سبحانه - إلى ما ينمى روح المحبة والمودة .
.
بين الداعى والمدعوين بصفة خاصة ، وبين المسلم وغيره بصفة عامة ، فقال : ( وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ) .أى : ولا تستوى الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة ، لا فى ذواتهما ولا فى الآثار التى تترتب عليهما ، إذا الخصلة الحسنة جميلة فى ذاتها ، وعظيمة فى الآثار الطيبة التى تنتج عنها ، أما الخصلة السيئة فهى قبيحة فى ذاتها وفى نتائجها .وقوله - تعالى - : ( ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ ) إرشاد منه - تعالى - إلى ما يجب أن يتحلى به عباده المؤمنون .أى : ما دامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة ، فعليك - أيها المسلم - أن تدفع السيئة إذا جاءتك من المسئ ، بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات ، بأن تقابل ذنبه بالعفو ، وغضبه بالصبر ، وقطعه بالصلة وفظاظته بالسماحة .وقوله - سبحانه - : ( فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) بيان للآثار الجميلة التى تترتب على دفع السيئة بالحسنة .والولى : هو الصديق المحب الشفيق عليك ، من الولى بمعنى القرب .والحميم : يطلق فى الأصل على الماء الحار .
.
والمراد به هنا : الصديق الصدوق معك .أى : أنت إذا دفعت السيئة بالحسنة ، صار عدوك الذى أساء إليك ، كأنه قريب منك ، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها ، ومن عفا عنها ، ومن قابل شرها بالخير ، ومنعها بالعطاء .
ولما كانت هذه الأخلاق تحتاج إلى مجاهدة للنفس .
.
عقب - سبحانه - على هذه التوجيهات السامية بقوله : ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) .والضمير فى ( يُلَقَّاهَا ) يعود إلى تلك الخصال الكريمة السابقة ، التى على رأسها الدفع بالتى هى أحسن .أى : وما يستطيع القيام بتلك الأخلاق العظيمة التى على رأسها الدعوة إلى الله ومقابلة السيئة بالحسنة .
.
إلا الذين صبروا على المكاره وعلى الأذى .وما يستطيعها - أيضا - إلا صاحب الحظ الوافر ، والنصيب الكبير ، من توفيق الله - تعالى - له إلى مكارم الأخلاق .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد رسمت للمسلم أحكم الطرق ، وأفضل الوسائل ، التى ترفع درجته عند - خالقه - تعالى - .
ثم أرشد - سبحانه - عباده إلى ما يبعدهم عن كيد الشيطان ، فقال : ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) .والنزغ والنخس والغرز بمعنى واحد .
وهو إدخال الإِبرة أو طرف العصا فى الجلد .
المراد به هنا : وسوسة الشيطان وكيده للإِنسان .والمعنى : وإن تعرض لك من الشيطان وسوسة تثير غضبك ، وتحملك على خلاف ما أمرك الله - تعالى - به .
.
.
فاستعذ بالله ، أى : فالتجئ إلى حماه واستجر به من كيد الشيطان ( إنه ) - سبحانه - هو السميع لدعائك ، العليم بكل أحوالك ، القادر على دفع كيد الشيطان عنك .فالآية الكريمة ترشد المؤمن إلى العلاج الذى يحميه من وسوسة الشيطان وكيده ، ألا وهو الاستعاذة بالله السميع لكل شئ ، العليم بكل شئ القادر على كل شئ .
وبعد هذه البشارات الكريمة ، والتوجيهات الحكيمة للمؤمنين .
.
ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته ، فقال - تعالى - :( وَمِنْ آيَاتِهِ الليل والنهار .
.
.
) .المراد بالآيات فى قوله - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ .
.
) العلامات الدالة دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .أى : ومن آياته على وحدانيته وقدرته - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وجود الليل والنهار والشمس والقمر بتلك الطريقة البديعة ، حيث إن الجميع يسير بنظام محكم ، ويؤدى وظيفته أداء دقيقا .
كما قال - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) وقوله - تعالى - ( لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ واسجدوا لِلَّهِ الذي خَلَقَهُنَّ .
.
.
) نهى عن السجود لغيره - تعالى - وأمر بالسجود له وحده .أى : لا تسجدوا - أيها الناس - للشمس ولا للقمر ، لأنهما - كغيرهما - من جملة مخلوقات الله - تعالى - ، واجعلوا طاعتكم وعبادتكم لله الذى خلق كل شئ فى هذا الكون ، إن كنتم حقا تريدون أن تكون عبادتكم مقبولة عنده - عز وجل - .فالآية الكريمة تقيم الأدلة على وجوب إخلاص العبادة لله - عز وجل - وتنهى عن عبادة غيره - تعالى - .قال الجمل : هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر ، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم يعبدوا الليل والنهار ، للإِيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة السجودية لهما ، بنظمها فى المخلوقية فى سلك الأعراض التى لا قيام لها بذاتها ، وهذا هو السر فى نظم الكل فى سلك آياته .وإنما عبر عن الأربع بضمير الإِناث - مع أن فيه ثلاثة مذكرة ، والعادة تغليب المذكر على المؤنث - لأنه لما قال : ومن آياته ، فنظم الأربعة فى سلك الآيات ، صار كل واحد منهما آية بعبر عنها بضمير الإِناث فى قوله ( خَلَقَهُنَّ ) .
ثم بين - سبحانه - أن استكبار الجاهلين عن عبادة الله - تعالى - وحده ، لن ينقص من ملكه شيئا فقال : ( فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ ) .أى : فإن تكبر هؤلاء الكافرون عن إخلاص العبادة لله - تعالى - فلا تحزن أيها الرسول الكريم - فإن الذين عند ربك من الملائكة .
ينزهونه - تعالى - ويعبدونه عبادة دائمة بالليل والنهار وهم لا يسأمون ولا يملون ، لاستلذاذهم لتلك العبادة والطاعة ، وخوفهم من مخالفة أمره - عز وجل - .فالآية الكريمة تهون من شأن هؤلاء الكافرين ، وتبين أنه - تعالى - فى غنى عنهم وعن عبادتهم؛ لأن عنده من مخلوقاته الكرام من يعبده بالليل والنهار بدون سأم أو كلل .والمراد بالعندية فى قوله - تعالى - ( عِندَ رَبِّكَ ) عندية المكانة والتشريف لا عندية المكان .وقوله ( فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ ) تعليل لجواب الشرط المقدر ، أى : فإن استكبروا فدعهم وشأنهم فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ .
يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ).
ثم بين - سبحانه - آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة له فقال ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ .
.
)و ( خَاشِعَةً ) أى ، يابسة جدبة ، خشعت الأرض ، إذا أجدبت لعم نزول المطر عليها وقوله : ( اهتزت ) أى : تحركت بالنبات قبل بروزه منها وبعد ظهوره على سطحها و ( وَرَبَتْ ) أى : انفتخت وعلت ، لأن النبات إذا قارب الظهور ترى الأرض ، ارتفعت له ، ثم تشققت عنه .
يقال : ربا الشئ إذا زاد وعلا وارتفع ، ومنه الربوة للمكان المرتفع من الأرض .أى : ومن آياته - تعالى - الدالة على وجوب العبادة له وحده ، أنك - أيها العاقل - ترى الأرض يابسة جامدة ، فإذا أنزلنا عليها بقدرتنا المطر ، تحركت بالنبات ، وارتفعت بسببه ، ثم تصدعت عنه .وعنى - سبحانه - هنا بقوله ( خَاشِعَةً ) لأن الحديث عن وجوب السجود لله - تعالى - وحده ، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع .وفى سورة الحج قال - سبحانه - : ( وَتَرَى الأرض هَامِدَةً .
.
) لأن الحديث هناك كان عن البعث ، وعن إمكانيته ، فناسب أن يعبر بالهمود الذى يدل على فقدان الحياة .قال - تعالى - ( ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ .
.
.
) وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) بيان لمظاهر قدرته - عز وجل - .أى : إن الذى أحياها بنزول المطر عليها ، ويخرج النبات منها ، لقادر عن أن يحيى الموتى عن طريق البعث والنشور ، إنه - سبحانه - على كل شئ قدير .
وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ، جاءت الآيات بعد ذلك لتهديد الذين يلحدون فى آياته - تعالى - ولتمدح القرآن الكريم ، ولتسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أعدائه ، ولتبين أن من عمل صالحا فثمار عمله لنفسه ، ومن عمل سيئا فعلى نفسه وحده يجبنى .
.
قال - تعالى - :( إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن .
.
.
) .قوله - تعالى - ( يُلْحِدُونَ ) من الإلحاد وهو الميل عن الاستقامة ، والعدول عن الحق .يقال ألحد فلان فى كلامه إذا مال عن الصواب ، ومنه اللحد فى القبر ، لأنه أميل إلى ناحية منه دون الأخرى .والمعنى : إن الذين يميلون عن الحق فى شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا فاسدا ، أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة .
.هؤلاء الذين يفعلون ذلك : ( لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ) أى ليسوا بغائبين عن علمنا ، بل هم تحت بصرنا وقدرتنا ، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما ألحدوا ومالوا عن الحق والصواب .فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله - تعالى - .ثم بين - سبحانه - البون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين ، فقال : ( أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة ) ؟والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون فى آيات الله سيكون مصيرهم الإِلقاء فى النار ، وأن الذين استجابوا للحق وساروا على طريقه وهم المؤمنون ، سيأتون آمنين من الفزع يوم القيامة .قال الآلوسى : " وكان الظاهر أن يقابل الإِلقاء فى النار بدخول الجنة ، لكنه عدل عنه إلى ما فى النظم الجليل ، اعتناء بشأن المؤمنين ، لأن الأمن من العذاب أعم وأهم ، ولذا عبر عن الأول بالإلقاء الدال على القهر والقسر ، وعبر عن الثانى بالإِتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا ، مع الأمن ودخول الجنة .
.
"وقوله - تعالى - : ( اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) تهديد آخر لهم على إلحادهم .أى : اعملوا أيها المحلدون ما شئتم من أعمال قبيحة ، فإنها لا تخفى على خالقكم - عز وجل - ، لأنه بصير بكم ، ومطلع على أفعالكم ، وسيجازيكم عليها الجزاء العادل الذى تستحقونه .فالمقصود من الأمر فى قوله - تعالى - ( اعملوا ) التهديد والوعيد .
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق تهديدا ثالثا فقال : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَآءَهُمْ ) .وخبر " إن " هنا محذوف للعلم به مما سبق ، أى : إن الذين كفروا بالقرآن الكريم حين جاءهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخاسرون أو هالكون أو معذبون عذابا شديدا .
( وإنه ) أى : هذا القرآن الكريم هو الحق الذى جاءهم به صلى الله عليه وسلم ، لعل هذا التدبر يوصلهم إلى الهداية والرشاد ( لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) أى : لكتاب منيع معصوم بعصمة الله - تعالى - له من كل تحريف أو تبديل .
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى فقال : ( لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) أى : لا يستطيع الباطل أن يتطرق إليه من أى جهة من الجهات ، لا من جهة لفظه ولا من جهة معناه لأن الله - تعالى - تكفل بحفظه وصيانته ، كما قال - تعالى -( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟قلت : بلى ، ولكن الله قد تكفل بحمايته عن تعلق الباطل به ، بأن قيض قوما عارضوهم بإبطال تأويلهم ، وإفساد أقاويلهم .
فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقا ، ولا قول مبطل إلا مضمحلا .وقوله : ( تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) أى : هذا الكتاب منزل من لدن الله الحكيم فى أقواله وأفعاله ، المحمود على ما أسدى لعباده من نعم لا تحصى .
ثم سلى - سبحانه - نبيه صلى الله عليه وسلم عما أصابه من أعدائه فقال : ( مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ) .أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - من الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى حقك ، فإن ما قالوه فى شأنك قد قاله السابقون عليهم فى حق رسلهم .فالآية الكريمة من أبلغ الآيات فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها كانها تقول له ، إن ما أصابك من أذى قد أصاب إخوانك ، فاصبر كما صبروا .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ .
أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) ثم علل - سبحانه - هذه التسلية وهذا التوجيه بقوله : ( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) .أى : ما يقال لك إلا مثل ما قيل لإخوانك من قبلك ، وما دام الأمر كذلك .
فاصبر كما صبروا ، إن ربك الذى تولاك بتربيته ورعايته ، لذو مغفرة عظيمة لعباده المؤمنين وذو عقاب أليم للكفار المكذبين .
ثم رد - سبحانه - على بعض الشبهات التى أثاروها حول القرآن الكريم ردا يخرس ألسنتهم فقال : ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ .
.
.
) .والأعجمى : يطلق على الكلام الذى لا يفهمه العربى ، كما يطلق على من لا يحسن النطق بالعربية .
وقوله : ( ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) خبر لمبتدأ محذوف .أى : ولو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم كما قالوا : هلا أنزل هذا القرآن بلغة العجم .لو فعلنا ذلك - كما أرادوا - لقالوا مرة أخرى على سبيل التعجب : فلا فصلت ووضحت آيات هذا الكتاب بلغة نفهمها؟
ثم لأضافوا إلى التعجب والإِنكار ، تعجبا آخر فقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربى؟ومقصدهم من هذه الشبهة الداحضة ، إنما هو إنكار الإِيمان به سواء أنزل بلغة العرب أم بلغة العجم .فهم عند نزوله عربيا قالوا من بين ما قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه ، ولو نزل بلسان أعجمى ، لاعترضوا وقالوا : هلا نزل بلسان عربى نفهمه .ولو جعلنا بعضه أعجميا وبعضه عربيا لقالوا : أقرآن أعجمى ورسول عربى .وهكذا المعاندون الجاحدون لا يقصدون من وراء جدالهم إلا التعنت والسفاهة .ثم أمر الله - تعالى - رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بالرد الذى يكبتهم فقال : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ .
.
.
)أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : هذا القرآن هو للذين آمنوا إيمانا حقا هداية إلى الصراط المستقيم ، وشفاء لما فى الصدور من أسقام .كما قال - سبحانه - فى آية أخرى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ .
.
.
) ثم بين - سبحانه - موقف للكافرين من هذا الكتاب فقال : ( والذين لاَ يُؤْمِنُونَ ) أى : بهذا الكتاب ، وبمن نزل عليه الكتاب .( في آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) أى : فى آذانهم صمم عن سماع ما ينفعهم .( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) أى : وهذا القرآن عميت قلوبهم عن تدبره وعن الاهتداء به .وقوله - تعالى - ( أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) ذم شنيع لهم على إعراضهم عن هذا القرآن الذى ما أنزله الله - تعالى - إلا لإِخراجهم من الظلمات إلى النور .أى : أولئك الكافرون الذين لا ينتفعون بالقرآن مثلهم فى صممم وانطماس بصائرهم ، كمثل من يناديه مناد من مكان بعيد ، فهو لا يسمع منه شيئا ، ولا يعقل عنه شيئا ، لوجود السمافة الشاسعة بين المنادى ، وبين من وقع عليه النداء .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل .وحكى أهل اللغة أنه يقال للذى يفهم : أنت تسمع من قريب ، ويقال للذى لا يفهم : أنت تنادى من بعيد أى : كأنه ينادى من موضع بعيد منه ، فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه .وقال الضحاك : ( يُنَادَوْنَ ) يوم القيامة بأقبح أسمائهم ( مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) فيكون ذلك لتوبيخهم وفضيحتهم .ومن يتدبر هذه الآية الكريمة يرى مصداقها فى كل زمان ومكان ، فهناك من ينتفع بهذا القرآن قراءة وسماعا وتطبيقا .
.
وهناك من يستمعون إلى هذا القرآن ، فلا يزيدهم إلا صمما ، ورجسا إلى رجسهم وعمى على عماهم .
ثم بين - سبحانه - زيادة فى التسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، أن اختلاف الأمم فى شأن ما جاء به الرسل شئ قديم فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ .
.
) .أى : ولقد آتينا نبينا موسى - عليه السلام - كتابه التوراة ليكون هداية ونورا لقومه ، فاختلفوا فى شأن هذا الكتاب ، فمنهم من آمن به ، ومنهنم من صد عنه .( وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ) - أيها الرسول الكريم - وهى ألا يعذب المكذبين من أمتك فى الدنيا عذابا يستأصلهم ويهلكهم .لولا ذلك ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أى : لأهلكهم كما أهلك السابقين من قبلهم .( وَإِنَّهُمْ ) أى : كفار قومك ( لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) أى : لفى شك من هذا القرآن وريبة من أمره ، جعلهم يعيشون فى قلق واضطراب .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا .
.
)أى : من عمل عملا صالحا بأن آمن بالله ، وصدق بما جاء به رسله ، فثمرة عمله الصالح لنفسه .( وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ) أى : ومن عمل عملا سيئا ، فضرر هذا العمل واقع عليها وحدها ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) أى : وليس ربك - أيها الرسول الكريم - بذى ظلم لعباده الذين خلقهم بقدرته ، ورباهم بنعمته .فقوله ( ظلام ) صيغة نسب - كثمار وخباز - وليس صيغة مبالغة .قال بعض العلماء ما ملخصه : " وفى هذه الآية وأمثالها سؤال معروف ، وهو أن لفظة " ظلام " فيها صيغة مبالغة .
ومعلوم أن نفى المبالغة لا يستلزم نفى أصل الفعل .
فقولك - مثلا - : زيد ليس بقتال للرجال لا ينفى إلا مبالغته فى قتلهم ، فلا ينافى أنه ربما قتل بعض الرجال .ومعلوم أن المراد بنفى المبالغة - وهى لفظ ظلام - فى هذه الآية وأمثالها المراد به نفى الظلم من أصله .وقد أجابوا عن هذا الإِشكال بإجابات منها : أن نفى صيغة المبالغة هنا ، قد جاء فى آيات كثيرة ما دل على أن المراد به نفى الظلم من أصله ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً .
.
.
) ومنها : أن المراد بالنفى فى الآية ، نفى نسبة الظلم إليه .
لأن صيغة فعال تستعمل مرادا بها النسبة ، فتغنى عن ياء النسب .
.
كقولهم " لبان " أى : ذو لبن ، ونبال أى صاحب نبل .
.
ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة ، أن علم قيام الساعة إليه - تعالى - وحده ، وأن الإِنسان لا يسأم من طلب المزيد من الخير فإذا مسه الشر يئس وقنط .
وأن حكمته - تعالى - قد اقتضت أن يقيم للناس الأدلة على قدرته ووحدانيته من أنفسهم وعن طريق هذا الكون الذى يعيشون فيه فقال - تعالى - :( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة وَمَا تَخْرُجُ .
.
.
) .قوله - تعالى - : ( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ .
.
) بيان لانفراد الخالق - عز وجل - بوقت قيام الساعة ، وبإحاطة علمه - تعالى - بكل شئ ، وإرشاد للمؤمنين إلى ما يقولونه إذا ما سئلوا عن ذلك .والأكمام : جمع كم - بكسر الكاف - وهو الوعاء الذى تكون الثمرة بداخله .أى : إلى الله - تعالى - وحده مرجع علم قيام الساعة ، وما تخرج ثمرات من أوعيتها الكائنة بداخلها ، وما تحمل من أنثى حملا ولا تضعه إلا بعلمه وإرادته - عز وجل - و " من " فى قوله ( مِن ثَمَرَاتٍ ) وفى قوله ( مِنْ أنثى ) مزيد لتأكيد الاستغراق .
وفى قوله ( مِّنْ أَكْمَامِهَا ) ابتدائية .قال الجمل : " فإن قلت : قد يقول الرجل الصالح قولا فيصيب فيه ، وكذلك الكهان والمنجمون .قلت : أما قول الرجل الصالح فهو من إلهام الله ، فكان من عمله - تعالى - الذى يرد إليه ، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم فى شئ ما يقولونه ألبتة ، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف قد لا يصيب .
وعلم الله - تعالى - هو العلم اليقين المقطوع به الذى لا يشركه فيه أحد .ثم بين - سبحانه - تبرُّأ المشركين من آلهتهم يوم القيامة فقالك ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قالوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ .
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ) .والظرف " يوم " منصوب بفعل مقدر ، ومعنى " آذناك " أعلمناك وأخبرناك ، آذان فلان غيره يؤذنه ، إذا أعلمه بما يريد إعلامه به .والنداء والسؤال إنما لتوبيخهم والتهكم بهم فى هذا الموقف العظيم .والظن هنا بمعنى اليقين .أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم ينادى الله - تعالى - المشركين فيقول لهم يوم القيامة : أين شركائى الذين كنتم تعبدون من دونى ليقربوكم إلى أو ليشفعوا لكم عندى؟( قالوا ) على سبيل التحسر والتذلل : يا ربنا لقد ( آذَنَّاكَ ) أى : لقد أعلمناك بأنه مامنا أحد يشهد بأن لك شريكا ، فقد انكشفت عنا الحجب ، واعترفنا بأنك أنت الواحد القهار .
( وَضَلَّ عَنْهُم ) أى : وغاب عن هؤلاء المشركين ، ما كانوا يدعون من قبل أى : ما كانوا يعبدونه فى الدنيا من أصنام وغيرها .( وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ) أى : وأيقنوا بأنه لا مهرب ولا منجى لهم من العذاب .يقال : حاص يحيص حيصا ومحيصا إذا هرب .
وقوله - تعالى - : ( لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ) بيان لما جبل عليه الإِنسان من حب للمال وغيره من ألوان النعم .ومن ضيقه بما يخالف ذلك .ويبدو أن المراد بالإِنسان فى هذه الآية وأمثالها جنسه الغالب ، وإلا فهناك مؤمنون صادقون ، إذا رزقهم الله النعم شكروا ، وإذا ابتلاهم بالمحن صبروا .والمراد بالخير ما يشمل المال والصحة والجاه والسلطان وما إلى ذلك مما يشتهى .والسأم : الملل ، يقال سئم فلان هذا الشئ ، إذا مله وضاق به وانصرف عنه .واليأس : أن ينقطع قلب الإِنسان عن رجاء الحصول على الشئ ، يقال : يئس فلان من كذا - من باب فهم - ، إذا فقد الرجاء فى الظفر به .والقنوط : أن يظهر أثر ذلك اليأس على وجهه وهيئته ، بأن يبدو منكسرا متضائلا مهموما .فكأن اليأس شئ داخل من أعمال القلب بينما القنوط من الآثار الخارجية التى تظهر علاماتها على الإِنسان .أى : لا يسأم الإِنسان ولا يمل ولا يهدأ من طلب الخير والسعة فى النعم .( وَإِن مَّسَّهُ الشر ) من عسر أو مرض ( فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ) أى : فهو كثير اليأس والقنوط من رحمة الله - تعالى - وفضله ، بحيث تنكسر نفسه ، ويظهر ذلك على هيئته .وعبر - سبحانه - بيئوس وقنوط وهما من صيغ المبالغة ، للإِشارة إلى شدة حزنه وجزعه عندما يعتريه الشر .
ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من حالات هذا الإِنسان فقال ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى .
.
.
) .أى : ولئن أعطينا هذا الإِنسان الجحود نعمة منا تتعلق بالمال أو بالصحة أو بغيرهما ، من بعد أن كان فقيرا أو مريضا .
.
ليقولن على سبيل الغرور والبطر : هذا الذى أعطيته شئ استحقه ، لأنه جاءنى بسبب جهدى وعلمى .ثم يضيف إلى ذلك قوله : ( وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً ) أى : وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء .( وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي ) على سبيل الغرض والتقدير ( إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى ) أى إن لى عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم فى الدنيا .وقوله - تعالى - ( فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ) بيان للعاقبة السيئة التى يكون عليها هذا الإِنسانت الجاحد .أى : فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة ، ولنرينهم عكس ما اعتقدوا بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التى أيقنوا أنهم سيحصلون عليها ، ولنذيقنهم عذابا غليظا ، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصى عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب ، فهو كالوثاق الغليظ الذى لا يمكن للإِنسان أن يخرج منه .
ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإِنسان فقال : ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان ) بنعمة من نعمنا التى توجب عليه شكرنا وطاعتنا .( أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ) أى : أعرض عن شكرنا وطاعتنا ، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده .وقوله ( وَنَأَى بِجَانِبِهِ ) كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر .والنأْى البعد .
يقال : نأى فلان عن مكان كذا ، إذا تباعد عنه .وقوله - تعالى - : ( وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ) بيان لحالة هذا الإِنسان فى حالة الشدة والضر .أى : هكذا حالة هذا الإِنسان الجاحد ، فى حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد .وفى حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع .وفى معنى هذه الآيات الكريمة ، جاءت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى .
أَن رَّآهُ استغنى ) وقوله - تعالى - : ( إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً .
إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً .
وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً ).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ .
.
.
) .أى قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين : أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله - تعالى - وحده ، ثم كفرتم به مع ظهور الأدلة والبراهين على وجوب الإِيمان به .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) للنفى والإنكار أى : لا أحد أكثر ضلالا منكم - أيها الكافرون - بسبب معاداتكم للحق ، وابتعادكم عنه ، ونفوركم منه نفورا شديدا .والشقاق والمشاقة بمعنى المخالفة والمعاداة .
من الشق - أى : الجانب - فكأن كل واحد من المتعاديين أو المتخالفين : صار فى شق غير شق صاحبه .ووصف - سبحانه - شقاقهم بالبعد ، للإِشارة بأنهم قد بلغوا فى هذا الضلال مبلغا كبيرا ، وشوطا بعيدا .فالآية الكريمة تجهيل لهؤلاء الكافرين ، وحث لهم على التأمل والتدبر .
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يطلع الناس فى كل زمان ومكان على دلائل وحدانيته وقدرته ، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عنه ، فقال : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق .
.
) .والمراد بالآيات فى قوله ( آيَاتِنَا ) : الدلائل والبراهين الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم .والآفاق : جمع أفق - كأعناق جمع عنق - وهو الناحية والجهة ، يقال : أفق فلان يأفق - كضرب يضرب - إذا سار فى آفاق الأرض وجهاتها المتعددة .والمعنى : سنطلع الناس على دلائل وحدانيتنا وقدرتنا فى أقطارا لسموات والأرض ، من شمس وقمر ونجوم ، وليل ونهار ، ورياح وأمطار ، وزرع وثمار ، ورعد وبرق وصواعق ، وجبال وبحار .سنطلعهم على مظاهر قدرتنا فى هذه الأشياء الخارجية التى يرونها بأعينهم ، كما سنطلعهم على آثار قدرتنا فى أنفسهم عن طريق ما أودعنا فيهم من حواس وقوى ، وعقل ، وروح ، وعن طريق ما يصيبهم من خير وشر ، ونعمة ونقمة .ولقد صدق الله - تعالى - وعده ، ففى كل يوم بل فى كل ساعة ، يطلع الناس على أسرار جديدة فى هذا الكون الهائل ، وفى أنفسهم ..
وكلها تدل على وحدانيته - تعالى - وقدرته ، وعلى صحة دين الإِسلام الذى جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام .وقوله - تعالى - : ( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) استئناف مسوق لتوبيخ الكافرين على عنادهم مع ظهور الأدلة على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند ربه هو الحق المبين .والهمزة للإِنكار ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والباء مزيدة للتأكيد ، وقوله ( بربك ) فاعل كفى .والمعنى : ألم يغن هؤلاء الجاحدين عن الآيات الموعودة الدالة على صحة هذا الدين ، أن ربك - أيها الرسول الكريم - شهيد على كل شئ ، وعلى أنك صاقد فيما تبلغه عنه .
.
بلى إن فى شهادة ربك وعلمه بكل شئ ما يغنيك عن كل شئ سواه .
ثم بين - سبحانه - فى ختام السورة حقيقة أمر أولئك الكافرين فقال : ( أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) .أى : ألا إن هؤلاء المشركين فى مرية وشك وريبة من لقاء ربهم يوم القيامة ، لإِنكارهم البعث والحساب والجزاء .
.ألا إنه - سبحانه - بكل شئ محيط إحاطة تامة لا يخفى عليه شئ فى الأرض ولا فى السماء .وسيجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء ، ولن يستطيعوا النجاة من ذلك .وبعد : فهذا تفسير لسورة " فصلت " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .