الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٣٢ من سورة فصلت
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٢ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( نزلا من غفور رحيم ) أي : ضيافة وعطاء وإنعاما من غفور لذنوبكم ، رحيم بكم رءوف ، حيث غفر ، وستر ، ورحم ، ولطف .
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث سوق الجنة عند قوله تعالى : ( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ) ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني حسان بن عطية ، عن سعيد بن المسيب : أنه لقي أبا هريرة [ رضي الله عنه ] فقال أبو هريرة : نسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة .
فقال سعيد : أوفيها سوق ؟
قال : نعم ، أخبرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها ، نزلوا بفضل أعمالهم ، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة في أيام الدنيا فيزورون الله ، عز وجل ، ويبرز لهم عرشه ، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة ، وتوضع لهم منابر من نور ، ومنابر من لؤلؤ ، ومنابر من ياقوت ، ومنابر من زبرجد ، ومنابر من ذهب ، ومنابر من فضة ، ويجلس [ فيه ] أدناهم وما فيهم دنيء على كثبان المسك والكافور ، ما يرون بأن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا .
قال أبو هريرة : قلت : يا رسول الله ، وهل نرى ربنا [ يوم القيامة ] ؟
قال : " نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر ؟
" قلنا : لا .
قال - صلى الله عليه وسلم - : " فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى ، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة ، حتى إنه ليقول للرجل منهم : يا فلان بن فلان ، أتذكر يوم عملت كذا وكذا ؟
- يذكره ببعض غدراته في الدنيا - فيقول : أي رب ، أفلم تغفر لي ؟
فيقول : بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه .
قال : فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم ، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط " .
قال : ثم يقول ربنا - عز وجل - : قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة ، وخذوا ما اشتهيتم " .
قال : " فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة ، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ، ولم تسمع الآذان ، ولم يخطر على القلوب .
قال : فيحمل لنا ما اشتهينا ، ليس يباع فيه شيء ولا يشترى ، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا " .
قال : " فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة ، فيلقى من هو دونه - وما فيهم دنيء فيروعه ما يرى عليه من اللباس ، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه ; وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها .
ثم ننصرف إلى منازلنا ، فيتلقانا أزواجنا فيقلن : مرحبا وأهلا بحبنا ، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه .
فيقول : إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار - عز وجل - وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به " .
وقد رواه الترمذي في " صفة الجنة " من جامعه ، عن محمد بن إسماعيل ، عن هشام بن عمار ، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار ، به نحوه .
ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " .
قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت ؟
قال : " ليس ذلك كراهية الموت ، ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه ، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه " قال : " وإن الفاجر - أو الكافر - إذا حضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر - أو : ما يلقى من الشر - فكره لقاء الله فكره الله لقاءه " .
وهذا حديث صحيح ، وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه .
وقوله: ( نـزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) يقول: أعطاكم ذلك ربكم نـزلا لكم من ربّ غفور لذنوبكم, رحيم بكم أن يعاقبكم بعد توبتكم; ونصب نـزلا على المصدر من معنى قوله: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) لأن في ذلك تأويل أنـزلكم ربكم بما يشتهون من النعيم نـزلا.
نزلا أي رزقا وضيافة .
وقد تقدم في " آل عمران " وهو منصوب على المصدر أي : أنزلناه نزلا .
وقيل : على الحال .
وقيل : هو جمع نازل ، أي : لكم ما تدعون نازلين ، فيكون حالا من الضمير المرفوع في " تدعون " أو من المجرور في " لكم " .
{ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم المقيم، نُزُلٌ وضيافة { مِنْ غَفُورٍ } غفر لكم السيئات، { رَحِيمٌ } حيث وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم.
فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته، أنالكم المطلوب.
" نزلاً "، رزقاً، " من غفور رحيم ".
«نزلاً» رزقاً مهيئاً منصوب بجعل مقدراً «من غفور رحيم» أي الله.
وتقول لهم الملائكة: نحن أنصاركم في الحياة الدنيا، نسددكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، ولكم في الجنة كل ما تشتهيه أنفسكم مما تختارونه، وتَقَرُّ به أعينكم، ومهما طلبتم من شيء وجدتموه بين أيديكم ضيافة وإنعامًا لكم مِن غفور لذنوبكم، رحيم بكم.
قوله - تعالى - : ( نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) حال من قوله : ( مَا تَدَّعُونَ ) ، وأصل النزل : ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من مأكل طيب ، ومشرب حسن ، ومكان فيه راحته .أى : لكم فى الدارالآخرة جميع ما تطلبونه وما تدعونه ، حال كون هذا المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربكم الواسع المغفرة والرحمة .
أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه، وقد ذكرنا مراراً أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيماً في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ وقال أيضاً: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ وسمعت أن القارئ قرأ في مجلس العبادي هذه الآية، فقال العبادي: والقيامة في القيامة، بقدر الاستقامة، إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقروناً باليقين التام والمعرفة الحقيقية، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما: أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني: أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه، فكان هو الذي قال: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ وبقي مستقيماً عليه لم يتغير بسبب من الأسباب، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهاً بقيت له مقامات أخرى فأولها: أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضاً يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ متناولاً للقول والاعتقاد ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ متناولاً للأعمال الصالحة.
ثم قال: ﴿ تَتَنَزَلَ عَلَيْهِمْ الملائكة ﴾ قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ ﴾ أن بمعنى أي أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير لشأن واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع، ومعلوم أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة، والمضرة إما أن تكون حاصلة في المستقبل أو في الحال أو في الماضي، وهاهنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلاً، فإذا وجد يصير حاضراً، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ماضياً، وأيضاً المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولاً والماضي في كل حالة أبعد حصولاً، ولهذا قال الشاعر: فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وإذا ثبت هذا فالمضار التي يتوقع حصولها في المستقبل أولى بالدفع من المضار الماضية، وأيضاً الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع حصول مضرة في المستقبل، والغم عبارة عن تألم القلب بسبب قوة نفع كان موجوداً في الماضي، وإذا كان كذلك فدفع الخوف أولى من دفع الحزن الحاصل بسبب الغم، إذا عرفت هذا، فنقول: إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم في أول الأمر يخبرون بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من أحوال القيامة، ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا، وعند حصول هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، ثم بعد الفراغ منه يبشرون بحصول المنافع وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فإن قيل البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع، فأما إذا أخبر الرجل بحصول منفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارة، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة، فما السبب في تسمية هذا الخبر بالبشارة، قلنا المؤمن يسمع أن من كان مؤمناً تقياً كان له الجنة، أما من لم يسمع ألبتة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان هذا إخباراً بنفع عظيم مع أنه هو الخبر الأول بذلك فكان ذلك بشارة.
واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث لا يكون فازعاً من الأهوال ومن الفزع الشديد، بل يكون آمن القلب ساكن الصدر لأن قوله: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ يفيد نفي الخوف والحزن على الإطلاق.
ثم إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ وهذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال: ﴿ وَقيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية، والمقامات الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات في الأوراح بإلقاء الوساوس فيها وتخييل الأباطيل إليها.
وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدينا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إلى الشمس، والقطرة بالنسبة إلى البحر، والتعلقات الجسمانية هي التي تحول بينها وبين الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» فإذا زالت العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر، والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الأخرة ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تتمنون، كقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى فرق بين قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ قلنا: الأقرب عندي أن قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ إشارة إلى الجنة الجسمانية، وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله: ﴿ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ .
ثم قال: ﴿ نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ والنزل: رزق النزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال، قال العارفون: دلّت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذ أعطى النزل فلابد وأن يبعث الخلع النفيسة بعدها، وتلك الخلع النفيسة ليست إلا السعادات الحاصلة عند الرؤية والتجلي والكشف التام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا لها أهلاً بفضله وكرمه، إنه قريب مجيب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ ﴾ لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة.
وفضلها عليه: لأنّ الاستقامة لها الشأن كله.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ﴾ [الحجرات: 15] والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً.
وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟
قالوا: لم يذنبوا.
قال حملتم الأمر على أشدّه.
قالوا: فما تقول؟
قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.
وعن عمر رضي الله عنه: استقاموا على الطريقة لم يروغوا روغان الثعالب.
وعن عثمان رضي الله عنه: أخلصوا العمل.
وعن علي رضي الله عنه: أدّوا الفرائض.
وقال سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأمر أعتصم به.
قال: «قل ربّي الله، ثم استقم» قال فقلت: ما أخوف ما تخاف عليّ؟
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال: (هذا) ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ عند الموت بالبشرى.
وقيل: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ ﴾ أن بمعنى أي.
أو مخففة من الثقيلة.
وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن.
وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: لا تخافوا، أي: يقولون: لا تخافوا؛ والخوف: غمّ يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارّ.
والمعنى: أنّ الله كتب لكم الأمن من كل غمّ، فلن تذوقوه أبداً.
وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم.
كما أنّ الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين ﴿ تَدْعُونَآ ﴾ تتمنون: والنزل: رزق التنزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ نُلْهِمُكُمُ الحَقَّ ونَحْمِلُكم عَلى الخَيْرِ بَدَلَ ما كانَتِ الشَّياطِينُ تَفْعَلُ بِالكَفَرَةِ.
﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ بِالشَّفاعَةِ والكَرامَةِ حَيْثُما يَتَعادى الكَفَرَةُ وقُرَناؤُهم.
﴿ وَلَكم فِيها ﴾ فِي الآخِرَةِ ﴿ ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ ﴿ وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ما تَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ وهو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ.
﴿ نُزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ حالٌ مِن ما تَدَّعُونَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما يَتَمَنَّوْنَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُعْطَوْنَ مِمّا لا يَخْطِرُ بِبالِهِمْ كالنُّزُلِ لِلضَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
{نزلا} هو رزق النزيل وهو الضيف وانتصابه على الحال من الهاء المحذوفة اومن ما {مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} نعت له
﴿ نُزُلا ﴾ قالَ الحَسَنُ: ( مِنّا ) وقالَ بَعْضُهم: ثَوابًا، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ وكَذا وصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ النُّزُلَ ما يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ أيِ الضَّيْفِ لِيَأْكُلَهُ حِينَ نُزُولِهِ وتَحْسُنُ إرادَتُهُ هُنا عَلى التَّشْبِيهِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى عِظَمِ ما بَعْدُ مِنَ الكَرامَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلى ( ما تَدَّعُونَ ) لا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ الرّاجِعِ إلى ما لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ التَّمَنِّيَ والِادِّعاءَ لَيْسَ في حالِ كَوْنِهِ نُزُلًا بَلْ ثَبَتَ لَهم ذَلِكَ المُدَّعى واسْتَقَرَّ حالَ كَوْنِهِ نُزُلًا، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المَبْدَأِ نَفْسِهِ لا يَخْفى حالُهُ عَلى ذِي تَمْيِيزٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ( نُزُلًا ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والمَحْفُوظُ أنَّ مَصْدَرَ نَزَلَ نُزُولٌ لا نُزُلٌ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَصْدَرًا لِأنْزَلَ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نازِلٍ كَشارِفٍ وشُرُفٍ فَيَنْتَصِبُ عَلى الحالِ أيْضًا أيْ نازِلِينَ، وذُو الحالِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ( تَدَّعُونَ ) ولا يَحْسُنُ تَعَلُّقُ ﴿ مِن غَفُورٍ ﴾ بِهِ عَلى هَذا القَوْلِ فَقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «نُزْلًا» بِإسْكانِ الزّايِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ نزلت الآية في أبي جهل، وأصحابه، فإنه قال: إذا تلى محمد القرآن، فارفعوا أصواتكم، بالأشعار، والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم، فذلك قوله: وَالْغَوْا فِيهِ يعني: الغطوا، واللغط هو الشغب، والجلب، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي: تغلبوهم فيسكتون.
قال الزجاج: قوله: وَالْغَوْا فِيهِ أي: عارضوه بكلام لا يفهم، يكون ذلك الكلام لغواً.
يقول الله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً يعني: في الدنيا بالقتل، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ في الآخرة أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: أقبح ما كانوا يعملون، ويقال: هذا كله من عذاب الآخرة.
يعني: فلنذيقن الذين كفروا في الآخرة عذاباً شديداً، ولنجزينهم من العذاب أَسْوَأَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
يعني: بأسوإ أعمالهم، وهو الشرك.
ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ يعني: ذلك العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله النار.
يعني: ذلك العذاب هو النار ويقال: صار رفعاً بالبدل عن الجزاء.
ثم قال: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ يعني: في النار موضع المقام أبداً، جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بالكتاب، والرسل.
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ يعني: الصنفين اللذين أَضَلَّانا يعني: استنا ضلالتنا، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ويقال: جهلانا حتى نسينا الآخرة.
ثم قال: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في النار.
ويقال: من الجن.
ويقال: يعني: إبليس هو الذي أضلنا، ومن الإنس يعني: ابن آدم الذي قتل أخاه.
ويقال: يعني: رؤساؤهم في الضلالة.
كقوله: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب: 67] الآية.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: أَرِنَا بجزم الراء.
والباقون: بالكسر ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا قال سفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيُّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ استقم» «١» .
ت: هذا الحديث خَرَّجه مسلم في «صحيحه» ، قال صاحب «المُفْهِمِ» : جوابه صلّى الله عليه وسلّم من جوامع الكَلِم، وكأَنَّهُ مُنْتَزَعٌ من قول اللَّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ...
الآية، وتلخيصه: اعْتَدَلُوا على طاعته قولاً وفعلاً وعقداً، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» لاِبْنِ الفَاكِهَانِيِّ، قال ع «٢» : واخْتَلَفَ النَّاسُ في مقتضى قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا فذهب الحَسَنُ وجماعةٌ إلى أَنَّ معناه: استقاموا بالطاعاتِ واجتناب المعاصِي، وتلا عُمَرُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- هذه الآيةُ على المِنْبَرِ، ثم قال: استقاموا- واللَّهِ- بطاعتهِ، ولم يروغوا روِغانَ الثَّعَالِبِ، قال ع «٣» : فذهب- رحمه اللَّه- إلى حَمْلِ الناس على الأَتَمِّ الأفْضَلِ، وإلاَّ فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أَلاَّ تتنزل الملائكةُ عِنْدَ الموت على غير مستقيمٍ على الطاعَةِ، وذهب أبو بكْرٍ- رضي اللَّه عنه- وجماعةٌ معه إلى أَنَّ المعنى:
ثم: استقاموا على قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ، فلم يختلَّ توحيدُهُمْ، ولا اضطرب إيمانهم، قال ع «٤» : وفي الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّه، دخل الجنّة» «٥»
وهذا هو الْمُعْتَقَدُ إن شاء اللَّه، وذلك أَنَّ العصاة من أُمَّةِ محمَّد وغيرها فرقتان: فأَمَّا مَنْ غفر اللَّه له، وترك تعذيبه، فلا محالة أَنَّه مِمَّن/ تتنزَّل عليهم الملائكة بالبشارة، وهو إنَّما استقام على توحيده فَقَطْ، وأَمَّا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثم [يأمر] بإدخاله الجَنَّةَ، فلا محالة أَنَّه يلقى جميعَ ذلك عند مَوْتِهِ وَيَعْلَمُهُ، وليس يَصِحُّ أنْ تكون حاله كحالة الكافر واليائِسِ مِنْ رحمة اللَّه، وإذا كان هذا فقَدْ حَصَلَتْ له بشارة بأَلاَّ يخافَ الخُلُودَ، ولا يحزنَ منه، ويدخل فيمن يقال لهم: أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ومع هذا كله فلا يختلف في أَنَّ المُوَحِّدَ المستقيمَ عَلَى الطَّاعَةِ أَتَمُّ حالاً وأَكمل بشارةً، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر- رضي اللَّه عنه-، وبالجملة، فكُلَّما كان المرءُ أشَدَّ استعدادا، كان أسْرَعَ فوزاً بفَضْلِ اللَّه تعالى قال الثعلبيُّ: قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا قال وَكِيعٌ: والبشرى في ثلاثة مَوَاطِنَ: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وفي البخاريّ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت «١» ، انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
قال المُفَسِّرُونَ: عند الموت، وأنا أقول: كُلَّ يَوْم، وأَوْكَدُ الأيام: يومُ الموت، وحينَ القَبْرِ، ويَوْمُ الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار بَيَّنَّاها في موضعها، انتهى، قال ع «٣» : قوله تعالى: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا: أَمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمِّ مستأنفٍ، وتسليةٌ تَامَّةٌ عن كُلِّ فَائِتٍ مَاضٍ، وقال مجاهدٌ: المعنى: لا تخافُونَ ما تَقْدُمُونَ عليه، ولا تحزنوا على ما خلّفتم من دنياكم.
ت: وذكر أبو نُعَيْمٍ عن ثابتٍ البُنَانيِّ أَنَّه قرأ: حم السجدةِ حَتَّى بلغ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ/ الْمَلائِكَةُ، فوقف، وقال: بلغنا أنَّ العَبْدَ المؤمن حين يُبْعَثُ من قبره يتلقَّاه المَلَكَانِ اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولانِ له: لاَ تَخَفْ، ولا تَحْزَنْ، وأبشر بالجنة التي كنت تُوْعَدُ، قال: فَأَمَّنَ اللَّه خوفَه، وأَقَرَّ عينه، الحديث «١» .
انتهى.
قال ابن المبارك في «رقائقه» : سمعتُ سفيانَ يَقُولُ في قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ:
أي عند الموت أَلَّا تَخافُوا: ما أمامكم وَلا تَحْزَنُوا: على ما خلفتم من ضَيْعَاتِكُمْ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ قال: يُبَشَّرُ «٢» بثلاث بشاراتٍ: عند الموت، وإذا خرج من القبر، وإذا فَزِعَ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
قال: كانوا معهم، قال ابن المبارك: وأخبرنا رَجُلٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
قال: قُرَنَاؤُهُمْ يلقونهم يوم القيامة، فيقولون: لا نفارقكم حتّى تدخلوا الجنة، ا.
هـ.
وقوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
المتكلم ب نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ
هم الملائكة القائلون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا أي: يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق: نحن كُنَّا أولياءَكُمْ في الدنيا، ونحن هُمْ أولياؤكم في الآخرة قال السُّدِّيُّ: المعنى: نحن حَفَظَتُكُم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة «٣» ، والضمير في قوله: فِيها
عائد على الآخرة، وتَدَّعُونَ
معناه: تَطْلُبُونَ قال الفَخْرُ «٤» : ومعنى كونِهِمْ أولياءَ للمؤمنين، إشارةٌ إلى أَنَّ للملائكة تأثيراتٍ في الأرواح [البشريّة، بالإلهامات والمكاشفات اليقينيّة والمناجاة الخفيَّةِ كما أَنَّ للشياطينِ تَأْثيراتٍ في الأرواحِ] «٥» بإلقاء الوسَاوِسِ، وبالجملة، فَكَوْنُ الملائكةِ أولياءَ للأرواح الطَّيِّبَةِ الطاهرةِ، حاصِلٌ من جهاتٍ كثيرةٍ معلومةٍ لأربابِ المكاشفاتِ والمشاهَدَاتِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: كما أَنَّ تلك الولاياتِ حاصلةٌ في الدنيا، فهي تكونُ باقيةً في الآخرة فإنَّ تلك العلائِقَ ذاتِيَّةٌ/ لازمة، غير مائلة إلى الزوال بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى وذلك لأَنَّ جوهر النفْسِ من جنس الملائكة، وهي كالشُّعْلَةِ بالنسبة إلى الشمس والقطرة بالنسبة إلى البحر، وإنَّما التّعلّقات الجسدانيّة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ \[أيْ: وحَّدُوهُ\] ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ.
وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا.
وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ.
﴿ نُزُلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] .
وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءُ بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الفاءُ دَخَلَتْ عَلى لامِ القَسَمِ، وهي آيَةُ وعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الدُنْيا في بَدْرٍ وغَيْرِها، و"الجَزاءُ بِأسْوَإ أعْمالِهِمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ المُتَقَدِّمِ، و"جَزاءُ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، و"النارُ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "جَزاءُ"، ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءُ" ابْتِداءٌ، و"النارُ" خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ أيْ مَوْضِعُ البَقاءِ ومَسْكَنُ العَذابِ الدائِمِ، فالظَرْفِيَّةُ فِيهِ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هي لَهم دارُ الخُلْدِ، فَفي قَوْلِهِ: "فِيها" مَعْنى التَحْدِيدِ، كَما قالَ الشاعِرُ: وفي اللهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ وَفِي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللهِ النارُ دارُ الخُلْدِ]، وسَقَطَ: "لَهم فِيها"، وجُحُودُهم بِآياتِ اللهِ مُطْرَدٌ في عَلاماتِهِ المَنصُوبَةِ لِخَلْقِهِ، وفي آياتِ كِتابِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِ .
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ مَقالَةَ كُفّارِ يَوْمِ القِيامَةِ، إذا دَخَلُوا النارَ، فَإنَّهم يَرَوْنَ عَظِيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أفْكارُهم فِيمَن كانَ سَبَبَ غَوايَتِهِمْ وبادِي ضَلالَتِهِمْ، فَيَعْظُمُ غَيْظُهم وحَنَقُهم عَلَيْهِ، ويَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشَدِّ العَذابِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَذَيْنِ أضَلانا ﴾ ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ "الَّذِي" في قَوْلِهِمِ: [الَّذِينَ] إنَّما هو لِلْجِنْسِ، أيْ: أرِنا كُلَّ مُغْوٍ ومُضِلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَتادَةُ: وطَلَبُوا ولَدَ آدَمَ الَّذِي سَنَّ القَتْلَ والمَعْصِيَةَ مِنَ البَشَرِ، وإبْلِيسَ الأبالِسَةِ مِنَ الجِنِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَأمُّلْ هَذا، هَلْ يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؟
لِأنَّ ولَدَ آدَمَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، وهَؤُلاءِ إنَّما طَلَبُوا المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ، وإنَّما القَوِيُّ أنَّهم طَلَبُوا النَوْعَيْنِ، وقَدْ أصْلَحَ بَعْضُهم هَذا القَوْلَ بِأنْ قالَ: يَطْلُبُ ولَدَ آدَمَ كُلُّ عاصٍ دَخَلَ النارَ مِن أهْلِ الكَبائِرَ، ويَطْلُبُ إبْلِيسَ كُلُّ كافِرٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يَزْحَمُ هَذا التَأْوِيلَ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الكَفَرَةَ إنَّما طَلَبُوا اللَذَيْنِ أضَلّا.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وهي رُؤْيَةُ عَيْنٍ، ولِذَلِكَ فَهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أرِنا" بِسُكُونِ الراءِ، فَقالَ هِشامُ بْنُ عامِرٍ: هو خَطَأٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي مُخَفَّفَةٌ مِن "أرِنا" كَما قالُوا: ضَحْكٌ وفَخْذٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإشْمامِ الراءِ الكَسْرَ، ورُوِيَتْ عن أهْلِ مَكَّةَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا ﴾ يُرِيدُونَ: في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ، وهي أشَدُّ عَذابًا، وهي دَرْكُ المُنافِقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ الآيَةُ.
آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الثَقَفِيُّ: « "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: أخْبَرَنِي بِأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ، فَقالَ: قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ، قُلْتُ: فَما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟
فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ بِلِسانِ نَفْسِهِ فَقالَ: هَذا".» واخْتَلَفَ الناسُ في مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فَذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَعْناهُ: اسْتَقامُوا بِالطاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي.
وتَلا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ، ثُمَّ قالَ: اسْتَقامُوا - واللهِ - لِلَّهِ بِطاعَتِهِ، ولَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَعالِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى حَمْلِ الناسِ عَلى الأتَمِّ الأفْضَلِ، وإلّا فَيَلْزَمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مِن دَلِيلِ خِطابِهِ ألّا تَتَنَزَّلَ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ عَلى الطاعَةِ، وذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ إلى أنَّ المَعْنى: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى قَوْلِهِمْ: "رَبُّنا اللهُ"، فَلَمْ يَخْتَلْ تَوْحِيدُهم ولا اضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: "قَدْ قالَها الناسُ، ثُمَّ كَفَرَ أكْثَرُهُمْ، فَمَن ماتَ عَلَيْها، فَهو مِمَّنِ اسْتَقامَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: فَهو في أوَّلِ دَرَجاتِ الِاسْتِقامَةِ، أمْنِ الخُلُودِ، فَهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللهَ دَخَلَ الجَنَّةَ"،» وهَذا هو المُعْتَقِدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العُصاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِها فِرْقَتانِ: فَأمّا مَن قَضى اللهُ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ لَهُ وتَرْكِ تَعْذِيبِهِ، فَلا مَحالَةَ مِمَّنْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالبِشارَةِ، وهو إنَّما اسْتَقامَ عَلى تَوْحِيدِهِ فَقَطْ، وأمّا مَن قَضى اللهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثُمَّ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ يَلْقى جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَعْلَمُهُ، ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالُهُ كَحالَةِ الكافِرِ اليائِسِ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى، وإذْ قَدْ كانَ هَذا، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ البِشارَةُ بِألّا يَخافَ الخُلُودَ ولا يَحْزَنَ مِنهُ، وبِأنَّهُ يَصِيرُ آخِرًا إلى الخُلُودِ في الجَنَّةِ، وهَلِ العُصاةُ المُؤْمِنُونَ، إلّا تَحْتَ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ؟
فَهم داخِلُونَ فِيمَن يُقالُ لَهُمْ: ﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ، فَلا يُخْتَلَفُ أنَّ المُوَحِّدَ المُسْتَقِيمَ عَلى الطاعَةِ، أتَمُّ حالًا وأكْمَلُ بِشارَةً، وهو مَقْصِدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَلى نَحْوِ ذَلِكَ قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: ﴿ "اسْتَقامُوا": ﴾ عَمِلُوا بِنَحْوِ ما قالُوا، وقالَ الرَبِيعُ: أعْرِضُوا عَمّا سِوى اللهِ تَعالى، وقالَ الفَضْلَ: زَهِدُوا في الفانِيَةِ ورَغِبُوا في الباقِيَةِ، وبِالجُمْلَةِ فَكُلَّما كانَ المَرْءُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، كانَ أسْرَعَ فَوْزًا بِفَضْلِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ أمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمٍّ مُسْتَأْنَفٍ، وتَسْلِيَةٍ تامَّةٍ عن كُلِّ فائِتٍ ماضٍ، وقَدْ قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: لا تَخافُونَ ما تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلَّفْتُمْ مِن دُنْياكُمْ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ لا تَخافُوا] بِإسْقاطِ الألِفِ، بِمَعْنى: يَقُولُونَ لا تَخافُوا.
<div class="verse-tafsir"
بعد استيفاء الكلام على ما أصاب الأممَ الماضية المشركين المكذبين من عذاب الدنيا وما أُعدّ لهم من عذاب الآخرة مما فيه عبرة للمشركين الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بطريق التعريض، ثم أنذروا بالتصريح بما سيحلّ بهم في الآخرة، ووصف بعض أهواله، تشَوَّفَ السامعُ إلى معرفة حظ المؤمنين ووصففِ حالهم فجاء قوله: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ﴾ الخ، بياناً للمترقب وبشرى للمتطلب، فالجملة استئناف بياني ناشئ عما تقدم من قوله: ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُ أعدَاءَ الله إلَى النَّارِ ﴾ [فصلت: 19] إلى قوله: ﴿ مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴾ [فصلت: 29].
وافتتاح الجملة بحرف التوكيد منظور فيه إلى إنكار المشركين ذلك، ففي توكيد الخبر زيادة قمع لهم.
ومعنى ﴿ قالوا ربُّنا الله ﴾ أنهم صدعوا بذلك ولم يخشَوا أحداً بإعلانهم التوحيد، فقولُهم تصريح بما في اعتقادهم لأن المراد بهم قالوا ذلك عن اعتقاد، فإن الأصل في الكلام الصدق وهو مطابقة الخبر الواقع وما في الوجود الخارجي.
وقوله: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ يفيد الحصر بتعريف المسند إليه والمسند، أي لا ربّ لنا إلا الله، وذلك جامع لأصل الاعتقادِ الحق لأن الإِقرار بالتوحيد يزيل المانع من تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به إذ لم يصُدَّ المشركين عن الإِيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أمرهم بنبذ عبادة غير الله، ولأن التكذيب بالبعث تلقوه من دعاة الشرك.
والاستقامة حقيقتها: عدم الاعوجاج والميللِ، والسين والتاء فيها للمبالغة في التقوّم، فحقيقة استقام: استقَل غير مائل ولا منحن.
وتطلق الاستقامة بوجه الاستعارة على ما يجمع معنى حسن العمل والسيرة على الحق والصدق قال تعالى: ﴿ فاسْتَقِيموا إليه واستَغْفروه ﴾ [فصلت: 6] وقال: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ [هود: 112]، ويقال: استقامت البلاد للملك، أي أطاعت، ومنه قوله تعالى: ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ [التوبة: 7].
ف ﴿ استقاموا ﴾ هنا يشمل معنى الوفاء بما كلفوا به وأول ما يشمل من ذلك أن يثبتوا على أصل التوحيد، أي لا يغيروا ولا يرجعوا عنه.
ومن معنى هذه الآية ما روي في «صحيح مسلم» عن سفيان الثقفي قال: قلتُ: يا رسول الله قُل لي في الإِسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً غيرَك.
قال: " قُل آمنت بالله ثم استقِمْ ".
وعن أبي بكر ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ : لم يشركوا بالله شيئاً.
وعن عمر: استقاموا على الطريقة لطاعته ثم لم يروغوا روغان الثعَالب.
وقال عثمان: ثم أخلَصوا العمل لله.
وعن علي: ثم أدّوا الفرائض.
فقد تولى تفسير هذه الآية الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم.
وكل هذه الأقوال ترجع إلى معنى الاستقامة في الإِيمان وآثاره، وعناية هؤلاء الأربعة أقطاب الإسلام ببيان الاستقامة مُشير إلى أهميتها في الدين.
وتعريب المسند إليه بالموصولية دون أن يقال: إن المؤمنين ونحوه لما في الصلة من الإِيماء إلى أنها سبب ثبوت المسند للمسند إليه فيفيد أن تنزل الملائكة عليهم بتلك الكَرامة مسبَّب على قولهم: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ واستقامتهم فإن الاعتقاد الحق والإِقبال على العمل الصالح هما سبب الفوز.
و ﴿ ثُم ﴾ للتراخي الرتبي لأن الاستقامة زائدة في المرتبة على الإِقرار بالتوحيد لأنها تشمله وتشمل الثبات عليه والعملَ بما يستدعيه، ولأن الاستقامة دليل على أن قولهم: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ كان قولاً منبعثاً عن اعتقاد الضمير والمعرفة الحقيقية.
وجَمَع قولُه: ﴿ قَالُوا رَبُّنا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ أَصْلَي الكمال الإسلامي، فقوله: ﴿ قالُوا رَبُّنَا الله ﴾ مشير إلى الكمال النفساني وهو معرفة الحق للاهتداء به، ومعرفة الخير لأجل العمل به، فالكمال علم يقيني وعمل صالح، فمعرفة الله بالإِلهية هي أساس العلم اليقيني.
وأشار قوله: ﴿ استقاموا ﴾ إلى أساس الأعمال الصالحة وهو الاستقامة على الحق، أي أن يكون وسطاً غير مائل إلى طرفَي الإِفراط والتفريط قال تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6] وقال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143] على أن كمال الاعتقاد راجع إلى الاستقامة، فالاعتقاد الحق أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الإِثبات إلى حيث ينتهي إلى التّشبيه والتمثيل بل يمشي على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، ويستمر كذلك فاصلاً بين الجبريّ والقدَريّ، وبين الرجاء والقنوط، وفي الأعمال بين الغلوّ والتفريط.
وتنزُّلُ الملائكة على المؤمنين يحتمل أن يكون في وقت الحشر كما دل عليه قولهم: ﴿ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ ﴾ ، وكما يقتضيه كلامهم لهم لأن ظاهر الخطاب أنه حقيقة، فذلك مقابل قوله: ﴿ ويَوْمَ نَحْشُر أعْدَاء الله إلَى النَّارِ فَهُم يُوزَعُونَ ﴾ [فصلت: 19]، فأولئك تلاقيهم الملائكة بالوزع، والمؤمنون تتنزل عليهم الملائكة بالأمن.
وذِكر التنزل هنا للتنويه بشأن المؤمنين أن الملائكة ينزلون من علوياتهم لأجلهم فأما أعداء الله فهم يجدون الملائكة حُضَّراً في المحشر يَزَعُونهم وليسوا يتنزلون لأجلهم فثبت للمؤمنين بهذا كرامة ككرامة الأنبياء والمرسلين إذ يُنزّل الله عليهم الملائكة.
والمعنى: أنه يتنزل على كل مؤمن مَلَكان هما الحافظان اللذان كانا يكتبان أعماله في الدنيا.
ولتضمن ﴿ تَتَنَزَّلُ ﴾ معنى القول وردت بعده (أنْ) التفسيرية والتقدير: يقولون لا تخافوا ولا تحزنوا.
ويجوز أن يكون تنزل الملائكة عليهم في الدنيا، وهو تنزل خفيّ يعرف بحصول آثاره في نفوس المؤمنين ويكون الخطاب ب ﴿ لا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ بمعنى إلقائهم في رُوعهم عكس وسوسة الشياطين القرناء بالتزيين، أي يُلقون في أنفس المؤمنين ما يصرفهم عن الخوف والحزن ويذكرهم بالجنة فتحِل فيهم السكينة فتنشرح صدورهم بالثقة بحلولها، ويلقُون في نفوسهم نَبذ ولاية من ليسوا من حزب الله، فذلك مقابل قوله: ﴿ وَقَيَّضْنا لَهُم قُرَنَآءَ ﴾ [فصلت: 25] الآية فإنه تقييض في الدنيا.
وهذا يقتضي أن المؤمنين الكاملين لا يخافون غير الله، ولا يحزنون على ما يصيبهم، ويوقنون أن كل شيء بقدر، وهم فرحون بما يترقبون من فضل الله.
وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿ الَّتِي كُنتُم ﴾ تُعتبرُ (كان) فيه مزيدة للتأكيد، ويكون المضارع في ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ على أصل استعماله للحال والاستقبال، ويكون قولهم: ﴿ نَحنُ أولِياؤكُم فِي الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَة ﴾ تأييداً لهم في الدنيا ووعداً بنفعهم في الآخرة.
و ﴿ لا ﴾ ناهية، والمقصود من النهي عن الخوف: النهي عن سببه، وهو توقع الضر، أي لا تحسبوا أن الله معاقبكم، فالنهي كناية عن التأمين من جانب الله تعالى لأنهم إذا تحققوا الأمن زال خوفهم، وهذا تطمين من الملائكة لأَنْفُس المؤمنين.
والخوف: غمّ في النفس ينشأ عن ظن حصول مكروه شديد.
والحزَن: غمّ في النفس ينشأ عن وقوع مكروه بفوَاتتِ نفععٍ أو حصول ضرّ.
وألحقوا بتأمينهم بشارتهم، لأن وقع النعيم في النفس موقعَ المسرة إذَا لم يخالطه توقع المكروه.
ووصفُ الجنة ب ﴿ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ ﴾ تذكير لهم بأعمالهم التي وعدوا عليها بالجنة، وتعجيل لهم بمسرة الفوز برضى الله، وتحقيق وعده، أي التي كنتم توعدونها في الدنيا.
وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أنهم متأصلون في الوعد بالجنة وذلك من سابق إيمانهم وأعمالهم.
وفي التعبير بالمضارع في ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ إفادة أنهم قد تكرر وعدهم بها، وذلك بتكرر الأعمال الموعود لأجلها وبتكرر الوعد في مواقع التذكير والتبشير.
وقول الملائكة: ﴿ نَحْنُ أولِيَاؤُكُم في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ ﴾ تعريف بأنفسهم للمؤمنين تأنيساً لهم.
فإن العلم بأن المتلقِّيَ صاحب قديم يزيد نفس القادم انشراحاً وأنساً ويزيل عنه دهشة القدوم، يُخفف عنه من حشمة الضيافة، ويزيل عنه وحشة الاغتراب، أي نحن الذين كنا في صحبتكم في الدنيا، إذ كانوا يكتبون حسناتهم ويشهدون عند الله بصلاتهم كما في حديث: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟
فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلون ".
وقد حفظوا العهد فكانوا أولياء المؤمنين في الآخرة، وقد جيء بهذا القول معترضاً بين صفات الجنة ليتحقق المؤمنون أن بشارتهم بالجنة بشارة محب يفرح لحبيبه بالخير ويسعى ليزيده.
واعلم أن قوله: ﴿ في الحَياةِ الدُّنيا ﴾ إشارة إلى مقابلة قوله في المشركين ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُم قُرَنَاءَ ﴾ [فصلت: 25] فكما قيّض للكافر قرناء في الدنيا قيّض للمؤمنين ملائكة يكونون قرناءَهم في الدنيا، وكما أنطق أتباعهم باللائمة عليهم أنطق الملائكة بالثناء على المؤمنين.
وهذه الآية تقتضي أن هذا الصنف من الملائكة خاص برفقة المؤمنين وولائهم ولا حظ للكافرين فيهم، فإن كان الحفظة من خصائص المؤمنين كما نقله ابن ناجي في «شرح الرسالة» فمعنى ولايتهم للمؤمنين ظاهر، وإن كان الحفظة موكَّلين على المؤمنين والكافرين كما مشى عليه الجمهور وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿ كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ﴾ [الانفطار: 9 12] فهذا صنف من الملائكة موكّل بحفظ المؤمنين في الدنيا، وهم غير الحفظة، وقد يكون هذا الصنف من الملائكة هو المسمى بالمعقبات في قوله تعالى: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر اللَّه ﴾ حسب ما تقدم في سورة الرعد (11).
وقد دلت عدة آثار متفاوتة في القبول على أن الملائكة الذين لهم علاقة بالناس عموماً أو بالمؤمنين خاصة أصناف كثيرة.
وعن عثمان «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم من ملَك على الإِنسان، فذكر له عشرين مَلكاً».
ولعل وصف الملائكة المتنزلين بأنهم أولياء يقتضي أن عملهم مع المؤمن عمل صلاح وتأييد مثل إلهام الطاعات ومحاربة الشياطين ونحو ذلك، وبذلك تتم مقابلة تنزلهم على المؤمنين بذكر تقييض القرناء للكافرين، وهذا أحسن.
وجملة ﴿ ولَكُم فِيهَا ما تَشْتَهِي أنفُسُكُم ﴾ عطف على ﴿ التي كُنتُم تُوعَدُون ﴾ وما بينهما جملة معترضة كما بينته آنفاً.
ومعنى ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ : ما تتمنون.
يقال: ادَّعَى، أي تمنى، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولهم ما يدَّعون ﴾ في سورة يس (57).
والمعنى: لكم فيها ما تشتهونه مما يقع تحت الحسّ وما تتمنونه في نفوسكم من كل ما يخطر بالبال مما يجول في الخيال، فما يدّعون غير ما تشتهيه أنفسهم.
ولهذه المغايرة أعيد ﴿ لكم ﴾ ليؤذن باستقلال هذا الوعد عن سابقه، فلا يتوهم أن العطف عطف تفسير أو عطف عام على خاص.
والنزُل بضم النون وضم الزاي: ما يُهَيَّأ للضيف من القِرى، وهو مشتق من النزول لأنه كرامة النزيل، وهو هنا مستعار لما يُعطَوْنَه من الرغائب سواء كانت رزقاً أم غيره.
ووجه الشبه سرعة إحضاره كأنه مُهَيَّأٌ من قبللِ أن يشتهوه أو يتمنوه.
و ﴿ من غَفُورٍ رحيمٍ ﴾ صفة ﴿ نُزُلاً ﴾ ، و ﴿ مِنْ ﴾ ابتدائية.
وانتصب ﴿ نُزُلاً ﴾ على الحال من ﴿ مَا تَشتهي أنفُسُكم ﴾ .
و ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ حال كونه كالنزل المهيّأ للضيف، أي تعطونه كما يعطى النزل للضيف.
وأوثرت صفتا (الغفور الرحيم) هنا للإِشارة إلى أن الله غفر لهم أو لأكثرهم اللممَ وما تابوا منه، وأنه رحيم بهم لأنهم كانوا يحبونه ويخافونه ويناصرون دينه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحَّدُوا اللَّهَ تَعالى.
﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وحْدَهُ، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: اسْتَقامُوا عَلى طاعَتِهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: عَلى إخْلاصِ الدِّينِ والعِلْمِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا في أفْعالِهِمْ كَما اسْتَقامُوا في أقْوالِهِمْ.
الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا سِرًّا كَما اسْتَقامُوا جَهْرًا.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الِاسْتِقامَةَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرٍ بِطاعَةٍ تَبْعَثُ عَلى الرَّغْبَةِ ونَهْيٍ عَنْ مَعْصِيةٍ يَدْعُو إلى الرَّهْبَةِ.
﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْبَعْثِ، قالَهُ ثابِتٌ ومُقاتِلٌ.
﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَخافُوا أمامَكم ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكم، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكم.
وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ ﴾ الآيَةَ.
قِيلَ إنَّ بُشْرى المُؤْمِنِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: أحَدُها عِنْدَ المَوْتِ، ثُمَّ في القَبْرِ، ثُمَّ بَعْدَ البَعْثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَحْنُ الحَفَظَةُ لِأعْمالِكم في الدُّنْيا وأوْلِياؤُكم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: نَحْفَظُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ولا نُفارِقُكم في الآخِرَةِ حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الدُّنْيا بِالهِدايَةِ وفي الآخِرَةِ بِالكَرامَةِ.
﴿ وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الخُلُودُ لِأنَّهم كانُوا يَشْتَهُونَ البَقاءَ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ النَّعِيمِ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.
﴿ وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَمَنَّوْنَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: ما تَدَّعِي أنَّهُ لَكَ فَهو لَكَ بِحُكْمِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ نُزُلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي ثَوابًا.
الثّانِي: يَعْنِي مَنزِلَةً.
الثّالِثُ: يَعْنِي مَنًّا، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: عَطاءً، مَأْخُوذٌ مِن نَزَلَ الضَّيْفُ ووَظائِفَ الجُنْدِ ﴿ مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: «قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها» .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عمران عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال الاستقامة أن لا تشركوا بالله شيئاً.
وأخرج ابن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [ الأنعام: 82] قالوا: لم يذنبوا قال: لقد حملتموها على أمر شديد ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ يقول: بشرك ﴿ والذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.
وأخرج ابن مردويه من طريق الثوري رضي الله عنه عن بعض أصحابه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: على فرائض الله.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: على شهادة أن لا إله إلا الله.
وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: استقاموا بطاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه سئل أي آية في كتاب الله أرحب؟
قال: قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله قيل له: فأين قوله تعالى ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ [ الزمر: 53] زاد قرأ ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ [ الزمر: 54] فيهما علقه اعملوا.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ومجاهد رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثم استقاموا ﴾ قال: قالوا لا إله إلا الله لم يشركوا بعدها بالله شيئاً حتى يلقوه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قالوا ربنا الله ﴾ وحده ﴿ ثم استقاموا ﴾ يقول: على أداء فرائض الله ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ قال: في الآخرة.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن سفيان الثقفي أن رجلاً قال: «يا رسول الله مرني بأمر في الإِسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك؟
قال: قل آمنت بالله ثم استقم قلت: فما اتقى؟
فأوما إلى لسانه» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله: ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ قال: عند الموت.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ﴿ أن لا تخافوا ﴾ مما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما خلفتم من أمر دنياكم من ولد وأهل ودين مما استخلفكم في ذلك كله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: يؤتى المؤمن عند الموت فيقال: لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب خوفه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، وأبشر بالجنة فيموت وقد قر الله عينه.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: يبشر بها عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث، فإنه لقي الجنة وما رميت فرحة البشارة من قلبه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: ﴿ لا تخافوا ﴾ من ضيعتكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن علي بن أبي طالب قال: حرام على كل نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم مصيرها؟
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: إن المؤمن يبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه.
وأخرج أحمد والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قلنا: يا رسول الله كلنا يكره الموت قال: ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا احتضر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون لقي الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر والفاجر إذا احتضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر فكره الله لقاءه» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت أنه قرأ السجدة حتى بلغ ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ فوقف قال: بلغنا أن العبد المؤمن يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه، وبما عصمه ألا وهي للمؤمن قرة عين لما هداه الله تعالى ولما كان يعمل في الدنيا.
وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ نحن أولياؤكم...
﴾ قال: رفقاؤكم في الدنيا لا نفارقكم حتى ندخل معكم الجنة، ولفظ عبد بن حميد قال: قرناؤهم الذين معهم في الدنيا.
فإذا كان يوم القيامة قالوا: لن نفارقكم حتى ندخلكم الجنة.
وأخرج أبو نعيم في صفة الجنة والبيهقي في البعث عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في مجلس لهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف فقال يا أهل الجنة سلوني فقالوا: نسألك الرضا عنا قال: رضاي أَحَلَّكُمْ داري، وأنَالَكُم كرامتي هذه وأيها تسألوني؟
قالوا: نسألك الزيادة قال: فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر، أزمتها زبرجد أخضر، وياقوت أحمر فجاؤوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها، فأمر الله بأشجار عليها الثمار، فتجيء حور من العين وهن يقلن: نحن الناعمات فلا نباس، ونحن الخالدات فلا نموت، أزواج قوم مؤمنين كرام، ويأمر الله بكثبان من مسك أبيض أذفر فتنثر عليهم ريحاً يقال لها المثيرة حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن وهي قصبة الجنة فتقول الملائكة: يا ربنا قد جاء القوم فيقول: مرحباً بالصادقين فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضاً.
ثم يقول ارجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك قوله تعالى ﴿ نزلاً من غفور رحيم ﴾ » .
وأخرج ابن النجار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مثله سواء.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا ﴾ يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي، ومعنى اللذين أضلانا: كل من أغوانا من الجن والإنس، وقيل: المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان، وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي، وإنما طلب هؤلاء من أضلهم بالكفر ﴿ تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ أي في أسفل طبقة من النار ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، استقاموا على قولهم: ربنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب: المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي، وقول عمر أكمل وأحوط، وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: قد قالها قوم كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام» ، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ يعني عند الموت ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا ﴾ الضمير للآخرة ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تطلبون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.
وقرأ يعقوب بالجر.
الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.
الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.
ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.
وقد مر في أوّل "هود".
وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.
والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.
قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.
والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.
والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.
وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.
وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.
فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.
ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.
قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.
ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.
ثم أمر رسوله أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.
ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.
قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.
ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.
ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.
وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.
وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.
ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.
والممنون المقطوع.
وقيل: هو من المنة.
قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.
﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.
قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.
وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.
وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.
من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.
وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.
ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.
ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.
ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.
وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.
واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.
وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله عن ذلك.
قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".
قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.
وزعم المتكلمون أن الله خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.
واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.
وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله ﴿ إن يسرق فقد ﴾ أي إن يكن يسرق.
وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.
ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.
فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.
قلت: لو لم يكن قوله ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.
وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.
قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.
للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.
ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.
ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.
وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.
ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.
ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.
وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.
والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.
وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.
وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.
قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.
قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.
والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.
وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.
وإما مبهم مميز بما بعده.
يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.
وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.
ثم قال لنبيه ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.
يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.
فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.
فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟
أنت خير أم عبد المطلب؟
أنت خير أم عبد الله؟
فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.
وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.
فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.
فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.
ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.
فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟
قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.
قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.
وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.
وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.
وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.
وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.
والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.
وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.
ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.
وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.
ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.
والتركيب يدور على الضم والجمع.
عن ابن عباس أن الله ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.
والأيام النحسات هي التي فسرها الله في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.
واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.
وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.
والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.
والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.
وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.
قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.
قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.
وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.
واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.
على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.
ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.
وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.
والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.
قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.
قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".
وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.
وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.
وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.
وعن النبي : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.
قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.
والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟
وقد مر تمام البحث في "يس".
عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟
فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.
وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.
فذكرت ذلك للنبي فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.
وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.
وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.
ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.
والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.
قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ ﴾ .
كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...
﴾ الآية [الزخرف: 36].
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا ﴾ .
قال بعضهم: هيأنا لهم في الدنيا قوماً من الشياطين وغيرهم.
وقال بعضهم: أي: مكنا للشياطين حتى يقذفوا في قلوبهم من الوساوس وغيرها أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: أي: خلينا بينهم وبين الشياطين حتى عملوا بهم ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ؛ قال بعضهم: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: حسنوا لهم التكذيب بالآخرة والحساب والثواب والعقاب، أن ليس ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: حسنوا لهم أمر الدنيا وأنها دائمة باقية.
وقيل: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: ما عملوا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي: وما يريدون أن يعملوا من بعد.
والثالث: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما عملوا بأنفسهم، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله : ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ .
يحتمل: وجب عليهم القول بالعذاب أو السخط.
وقوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ .
أي: مع أمم، وذلك جائز.
وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: من قبل هؤلاء من الإنس والجن من الأمم الخالية ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
أي: لا تسمعوا أنتم بأنفسكم والغوا فيه؛ لئلا يسمع منه قراءته ولا صوته، دل هذا القول على أنهم قد عرفوا أنه حجة، وأنه من عند الله جاء، وأن من سمع ذلك أذعن له وأطاع إذا لم يكابر عقله؛ ولهذا قالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ؛ لئلا يذعن [له] ولا يطاع ﴿ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ بالمكاء والتصدية، وكانوا يفعلون ذلك؛ ليخلطوا عليه صلاته وقراءته لعلكم بالمكاء والتصدية لقولهم: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يذيقن الذين كفروا وداموا على الكفر حتى ماتوا على ذلك، فأما من كفر في وقت ثم ترك ذلك، وأسلم، فليس له ذلك.
ثم من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ أراد به في الدنيا، وقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، في الآخرة، يجعل أحد العذابين في الدنيا و[الآخر] في الآخرة.
وجائز أن يكون كله في الآخرة.
ثم دل قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لهم محاسن في الدنيا، لكن تلك المحاسن تبطل ولا يجزون بها شيئاً، وإنما يجزون على المساوئ التي عملوها في الدنيا؛ لأن المحاسن إنما تثبت وتبقى ويستوجب بها الجزاء إذا أتوا بالإيمان والتوحيد، فأما إذا لم يأتوا به لم ينتفعوا بتلك المحاسن، ولم يجزوا بها، وقد ذكر للمؤمنين مقابل ذلك: أن يكفر عنهم سيئاتهم ويجزوا بأحسن ما كانوا يعملون، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وعد للمؤمنين تكفير المساوئ التي عملوا في الدنيا والجزاء لهم بالمحاسن التي عملوها، ووعد للكافرين إسقاط محاسنهم والجزاء على مساوئهم لما لم يأتوا بالإيمان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ﴾ .
هذا يدل على أن ذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ دَارُ الخُلْدِ ﴾ ، أي: دار البقاء يبقون فيها أبداً، فيكون اسماً للجنة، ويحتمل أن يكون في الجنة دار أو موضع يسمى: دار الخلد فيكون اسم موضع خاص، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .
قال بعضهم: الذي أضلهم من الجن هو إبليس؛ لأنه أول من عصى الله وسن لهم ذلك، ومن الإنس ولد آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه أول من سن القتل، ولكن عندنا أنهم سألوا أن يريهم الذي أضلهم كل جني يوسوس ويقذف في قلوبهم الوساوس والمساوي، وكل إنسي يدعوهم ظاهراً إلى الضلال، وهكذا كل ضال وكافر إنما كان ذلك الضلال والكفر لوساوس من جني أو تلقين من إنسي بلسانه.
سألوا الله أن يجعلهم ظاهرين فيجعلوهم تحت أقدامهم؛ لما يكون العذاب في كل ما كان أسفل أشد؛ لذلك سألوا ذلك وهو ما سألوا ربهم زيادة العذاب لهم في آية أخرى حيث قال: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ فعلى ذلك سؤال هؤلاء.
<div class="verse-tafsir"
رزقًا مُهيَّأً لضيافتكم من ربٍّ غفور لذنوب من تاب إليه من عباده، رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.gnmEd"