الآية ٣١ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٣١ من سورة فصلت

نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) أي : تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار : نحن كنا أولياءكم ، أي : قرناءكم في الحياة الدنيا ، نسددكم ونوفقكم ، ونحفظكم بأمر الله ، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور ، وعند النفخة في الصور ، ونؤمنكم يوم البعث والنشور ، ونجاوز بكم الصراط المستقيم ، ونوصلكم إلى جنات النعيم .

( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) أي : في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس ، وتقر به العيون ، ( ولكم فيها ما تدعون ) أي : مهما طلبتم وجدتم ، وحضر بين أيديكم ، [ أي ] كما اخترتم ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل ملائكته التي تتنـزل على هؤلاء المؤمنين الذين استقاموا على طاعته عند موتهم: ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ) أيها القوم ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) كنا نتولاكم فيها; وذكر أنهم الحفظة الذين كانوا يكتبون أعمالهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا, ونحن أولياؤكم في الآخرة.

وقوله: ( وَفِي الآخِرَةِ ) يقول: وفي الآخرة أيضا نحن أولياؤكم, كما كنا لكم في الدنيا أولياء, يقول: ولكم في الآخرة عند الله ما تشتهي أنفسكم من اللّذات والشهوات.

وقوله: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) يقول: ولكم في الآخرة ما تدّعون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة " نحن أولياءكم " قال مجاهد : أي : نحن قرناءكم الذين كنا معكم في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة .

وقال السدي : أي : نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياءكم في الآخرة .

ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى ، والله ولي المؤمنين ومولاهم .

ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم أي من الملاذ .

ولكم فيها ما تدعون تسألون وتتمنون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ويقولون لهم أيضا - مثبتين لهم، ومبشرين: { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } ويقولون لهم أيضا: { وَلَكُمْ فِيهَا } أي: في الجنة { مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ } قد أعد وهيئ.

{ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( نحن أولياؤكم ) تقول لهم الملائكة الذين تنزل عليهم بالبشارة : نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم ، ( في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) [ أي : في الدنيا والآخرة .

وقال السدي : تقول الملائكة : نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا ، ونحن أولياؤكم في الآخرة ] يقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة .

( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) من الكرامات واللذات ، ( ولكم فيها ) في الجنة ، ( ما تدعون ) تتمنون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا» أي نحفظكم فيها «وفي الآخرة» أي نكون معكم فيها حتى تدخلوا الجنة «ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون» تطلبون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وتقول لهم الملائكة: نحن أنصاركم في الحياة الدنيا، نسددكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، ولكم في الجنة كل ما تشتهيه أنفسكم مما تختارونه، وتَقَرُّ به أعينكم، ومهما طلبتم من شيء وجدتموه بين أيديكم ضيافة وإنعامًا لكم مِن غفور لذنوبكم، رحيم بكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يقولون لهم - أيضا - على سبيل الزيادة فى المسرة : ( نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة ) .أى : نحن نصراؤكم على الخير ، وأعوانكم على الطاعة فى الحياة الدنيا التى توشكون على مفارقتها ، وفى الآخرة التى هى الدار الباقية ، سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب .( وَلَكُمْ فِيهَا ) أى : فى الدار الآخرة ، ما تشتهى أنفسكم ، من أنواع الطيبات التى أعدها لكم خالقكم فى جناته .( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أى : ما تتمنوه وتطلبونه ، فقوله ( تَدَّعُونَ ) افتعال من الدعاء بمعنى الطلب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه، وقد ذكرنا مراراً أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيماً في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ وسمعت أن القارئ قرأ في مجلس العبادي هذه الآية، فقال العبادي: والقيامة في القيامة، بقدر الاستقامة، إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقروناً باليقين التام والمعرفة الحقيقية، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما: أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني: أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه، فكان هو الذي قال: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ وبقي مستقيماً عليه لم يتغير بسبب من الأسباب، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهاً بقيت له مقامات أخرى فأولها: أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضاً يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ متناولاً للقول والاعتقاد ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ متناولاً للأعمال الصالحة.

ثم قال: ﴿ تَتَنَزَلَ عَلَيْهِمْ الملائكة ﴾ قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ ﴾ أن بمعنى أي أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير لشأن واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع، ومعلوم أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة، والمضرة إما أن تكون حاصلة في المستقبل أو في الحال أو في الماضي، وهاهنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلاً، فإذا وجد يصير حاضراً، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ماضياً، وأيضاً المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولاً والماضي في كل حالة أبعد حصولاً، ولهذا قال الشاعر: فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وإذا ثبت هذا فالمضار التي يتوقع حصولها في المستقبل أولى بالدفع من المضار الماضية، وأيضاً الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع حصول مضرة في المستقبل، والغم عبارة عن تألم القلب بسبب قوة نفع كان موجوداً في الماضي، وإذا كان كذلك فدفع الخوف أولى من دفع الحزن الحاصل بسبب الغم، إذا عرفت هذا، فنقول: إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم في أول الأمر يخبرون بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من أحوال القيامة، ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا، وعند حصول هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، ثم بعد الفراغ منه يبشرون بحصول المنافع وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ فإن قيل البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع، فأما إذا أخبر الرجل بحصول منفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارة، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة، فما السبب في تسمية هذا الخبر بالبشارة، قلنا المؤمن يسمع أن من كان مؤمناً تقياً كان له الجنة، أما من لم يسمع ألبتة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة كان هذا إخباراً بنفع عظيم مع أنه هو الخبر الأول بذلك فكان ذلك بشارة.

واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث لا يكون فازعاً من الأهوال ومن الفزع الشديد، بل يكون آمن القلب ساكن الصدر لأن قوله: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ يفيد نفي الخوف والحزن على الإطلاق.

ثم إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة ﴾ وهذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال: ﴿ وَقيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء  ﴾ ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية، والمقامات الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات في الأوراح بإلقاء الوساوس فيها وتخييل الأباطيل إليها.

وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدينا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إلى الشمس، والقطرة بالنسبة إلى البحر، والتعلقات الجسمانية هي التي تحول بينها وبين الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» فإذا زالت العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر، والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِي الأخرة ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تتمنون، كقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ  ﴾ فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى فرق بين قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ قلنا: الأقرب عندي أن قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ﴾ إشارة إلى الجنة الجسمانية، وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله: ﴿ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ .

ثم قال: ﴿ نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ والنزل: رزق النزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال، قال العارفون: دلّت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذ أعطى النزل فلابد وأن يبعث الخلع النفيسة بعدها، وتلك الخلع النفيسة ليست إلا السعادات الحاصلة عند الرؤية والتجلي والكشف التام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا لها أهلاً بفضله وكرمه، إنه قريب مجيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ثُمَّ ﴾ لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة.

وفضلها عليه: لأنّ الاستقامة لها الشأن كله.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ﴾ [الحجرات: 15] والمعنى: ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً.

وعنه: أنه تلاها ثم قال: ما تقولون فيها؟

قالوا: لم يذنبوا.

قال حملتم الأمر على أشدّه.

قالوا: فما تقول؟

قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.

وعن عمر رضي الله عنه: استقاموا على الطريقة لم يروغوا روغان الثعالب.

وعن عثمان رضي الله عنه: أخلصوا العمل.

وعن علي رضي الله عنه: أدّوا الفرائض.

وقال سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأمر أعتصم به.

قال: «قل ربّي الله، ثم استقم» قال فقلت: ما أخوف ما تخاف عليّ؟

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه فقال: (هذا) ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ عند الموت بالبشرى.

وقيل: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ ﴾ أن بمعنى أي.

أو مخففة من الثقيلة.

وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن.

وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: لا تخافوا، أي: يقولون: لا تخافوا؛ والخوف: غمّ يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضارّ.

والمعنى: أنّ الله كتب لكم الأمن من كل غمّ، فلن تذوقوه أبداً.

وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم.

كما أنّ الشياطين قرناء العصاة وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين ﴿ تَدْعُونَآ ﴾ تتمنون: والنزل: رزق التنزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ نُلْهِمُكُمُ الحَقَّ ونَحْمِلُكم عَلى الخَيْرِ بَدَلَ ما كانَتِ الشَّياطِينُ تَفْعَلُ بِالكَفَرَةِ.

﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ بِالشَّفاعَةِ والكَرامَةِ حَيْثُما يَتَعادى الكَفَرَةُ وقُرَناؤُهم.

﴿ وَلَكم فِيها ﴾ فِي الآخِرَةِ ﴿ ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ ﴿ وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ما تَتَمَنَّوْنَ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ وهو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ.

﴿ نُزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ حالٌ مِن ما تَدَّعُونَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما يَتَمَنَّوْنَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُعْطَوْنَ مِمّا لا يَخْطِرُ بِبالِهِمْ كالنُّزُلِ لِلضَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)

{نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا وَفِى الآخرة} كما أن الشياطين قرناء

العصاة وإخوانهم فكذلك الملائكة اولياء المتقين واحباؤهم في الدراين {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ} من النعيم {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} تتمنون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ إلى آخِرِهِ مِن بِشاراتِهِمْ في الدُّنْيا أيْ أعْوانُكم في أُمُورِكم نُلْهِمُكُمُ الحَقَّ ونُرْشِدُكم إلى ما فِيهِ خَيْرُكم وصَلاحُكم، ولَعَلَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الطّاعاتِ مِن أنَّ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ لَهم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ بَعْضِ النّاسِ أنْ تَقُولَ المَلائِكَةُ لِبَعْضِ المُتَّقِينَ شَفاهًا في غَيْرِ تِلْكَ المَواطِنِ: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ﴿ وفِي الآخِرَةِ ﴾ نَمُدُّكم بِالشَّفاعَةِ ونَتَلَقّاكم بِالكَرامَةِ حِينَ يَقَعُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وقُرَنائِهِمْ ما يَقَعُ مِنَ الدَّعاوى والخِصامِ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا مِن بِشاراتِهِمْ في أحَدِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ أيْضًا عَلى مَعْنى كُنّا نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الدُّنْيا ونَحْنُ أوْلِياؤُكم في الآخِرَةِ، وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى دُونَ المَلائِكَةِ أيْ نَحْنُ أوْلِياؤُكم بِالهِدايَةِ والكِفايَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ ولَكم فِيها ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿ ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ مِن فُنُونِ المَلاذِّ ﴿ ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ما تَتَمَنَّوْنَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الدُّعاءِ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم وهو عِنْدَ بَعْضٍ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ قَدْ يَقَعُ الطَّلَبُ في أُمُورٍ مَعْنَوِيَّةٍ وفَضائِلَ عَقْلِيَّةٍ رُوحانِيَّةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ إذْ قَدْ يَشْتَهِي المَرْءُ ما لا يَطْلُبُهُ كالمَرِيضِ يَشْتَهِي ما يَضُرُّهُ ولا يُرِيدُهُ، وكَوْنُ التَّمَنِّي أعَمَّ مِنَ الإرادَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، نَعَمْ قِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالمُتَمَنّى ما يَصِحُّ تَمَنِّيهِ لا ما يَتَمَنّى بِالفِعْلِ فَذاكَ.

وقالَ ابْنُ عِيسى: المُرادُ ما تَدَّعُونَ أنَّهُ لَكم فَهو لَكم بِحُكْمِ رَبِّكم ( ولَكم ) في المَوْضِعَيْنِ خَبَرٌ وما مُبْتَدَأٌ و( فِيها ) حالٌ مِن ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ ( ما تَدَّعُونَ ) عَلى ﴿ ما تَشْتَهِي ﴾ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني: قالوا ربنا الله، فعرفوه، واستقاموا على المعرفة.

وقال القتبي: يعني: آمنوا، ثم استقاموا على طاعة الله.

وقال ابن عباس في رواية الكلبي: ثُمَّ اسْتَقامُوا على ما افترض الله عليهم.

وروي عن أبي بكر الصديق  أنه قرأ هذه الآية، ثم قال: أتدرون ما استقاموا عليه؟

فقالوا: ما هو يا خليفة رسول الله  ؟

قال: «اسْتَقَامُوا، وَلَمْ يُشْرِكُوا» .

وقال عمر بن الخطاب  : ثُمَّ اسْتَقامُوا ولم يروغوا روغان الثعلب على طاعة الله.

فقال ابن عباس في رواية القتبي: ثُمَّ اسْتَقامُوا.

وعن أبي العالية أنه قال: ثُمَّ اسْتَقامُوا أي: أخلصوا له الدين، والعمل.

ويقال: وحّدوا الله تعالى، واستقاموا على طاعته، ولزموا سنة نبيه.

وقال بعض المتأخرين: معناه: ثم استقاموا أفعالاً، كما استقاموا أقوالاً.

وقد قيل أيضاً: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا يعني: يقولون الله مانعنا، ومعطينا، وضارنا، ونافعنا، ثُمَّ اسْتَقامُوا على ذلك القول، ولا يرون النفع، ولا يرجون من أحد دون الله تعالى، ولا يخافون أحداً دون الله، فذكر أعمالهم، ثم ذكر ثوابهم.

فقال: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ قال الكلبي يعني: تتنزل عليهم الملائكة عند قبض أرواحهم، ويبشرونهم، ويقولون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا يعني: لا تخافوا ما أمامكم من العذاب.

وَلاَ تَحْزَنُواْ على ما خلفكم من الدنيا.

وقال مقاتل: تتنزل عليهم الملائكة يعني: تتنزل عليهم الحفظة من السماء، يوم القيامة، فتقول له: أتعرفني؟

فيقول: لا.

فيقول: أنا الذي كنت أكتب عملك، وبشره بالجنة، فذلك قوله: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.

وقال زيد بن أسلم البشرى: في ثلاث مواطن، عند الموت، وفي القبر، وفي البعث.

وقال بعض المتأخرين: هذه البشرى للخائف الحزين، لا للآمن المستبشر.

يعني: الذي كان خائفاً في الدنيا.

ثم قال عز وجل: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: تقول لهم الحفظة، نحن كنا أولياؤكم في الحياة الدنيا، ونحن أولياؤكم، وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ يعني: لكم في الجنة ما تحب، وتتمنى قلوبكم، وَلَكُمْ فِيها مَا تَدَّعُونَ يعني: تسألون.

ثم قال: نُزُلًا أي: رزقاً مِنْ غَفُورٍ للذنوب العظام، رَحِيمٍ بالمؤمنين.

حكى الزجاج عن الأخفش: نُزُلًا منصوباً من وجهين، أحدهما على المصدر، فمعناه: أنزلناه نزلاً.

ويجوز أن يكون على الحال.

قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً قال بعضهم: الآية نزلت في شأن المؤذنين، يدعون الناس إلى الصلاة.

وَعَمِلَ صالِحاً يعني: صلى بين الأذان، والإقامة.

ويقال: الأنبياء يدعون الخلق إلى توحيد الله تعالى عَمِلَ صالِحاً يعني: الطاعات.

ويقال: العلماء يعلمون الناس أمور دينهم، ويدعونهم إلى طريق الآخرة وَعَمِلَ صالِحاً يعني: عملوا بالعلم.

ويقال: نزلت الآية في الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر.

يعني: يأمرون بالمعروف، ويعملون به، ويصبرون على ما أصابهم.

قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: أكون على دين الإسلام، لأنه لا تقبل طاعة بغير دين الإسلام.

فقال عز وجل: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ قال الزجاج: لا زائدة، مؤكدة، والمعنى: لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ يعني: لا تستوي الطاعة، والمعصية.

ولا يستوي الكفر، والإيمان.

ويقال: لا يستوي البصير، والأعمى.

ويقال: لا يستوي الصبر، والجزع، واحتمال الأذى، والإساءة.

وذلك أن النبيّ  كان يؤذيه أبو جهل لعنة الله عليه، وكان النبيّ  يكره رؤيته بُغْضاً له، فأمره الله تعالى بالعفو، والصفح، فقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: ادفع بالكلمة الحسنة، الكلمة القبيحة، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ يعني: إذا فعلت ذلك، يصير الذي بينك وبينه عداوة، بمنزلة القرابة في النسب.

قوله تعالى: وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا يعني: الكلمة الحسنة، ودفع السيئة، ما يعطاها إلا الذين صبروا على طاعة الله، وأداء الفرائض، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يعني: ذو نصيب وافر في الآخرة.

ويقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني: بقول لا إله إلا الله السيئة.

يعني: الشرك.

وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على كظم الغيظ.

ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني: يصيبك مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ يعني: وسوسة على الاحتمال، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره، وامض على احتمالك.

وقال مقاتل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ يعني: يفتتنك مِنَ الشَّيْطَانِ.

نَزْغٌ أي: فتنة.

وقال الكلبي: الذنب عند دفع السيئة.

ويقال: يَنْزَغَنَّكَ يعني: يغوينك فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ يعني: تعوذ بالله، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للاستعاذة، الْعَلِيمُ بقول الكفار وعقوبتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا قال سفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِيُّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ استقم» «١» .

ت: هذا الحديث خَرَّجه مسلم في «صحيحه» ، قال صاحب «المُفْهِمِ» : جوابه صلّى الله عليه وسلّم من جوامع الكَلِم، وكأَنَّهُ مُنْتَزَعٌ من قول اللَّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ...

الآية، وتلخيصه: اعْتَدَلُوا على طاعته قولاً وفعلاً وعقداً، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» لاِبْنِ الفَاكِهَانِيِّ، قال ع «٢» : واخْتَلَفَ النَّاسُ في مقتضى قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا فذهب الحَسَنُ وجماعةٌ إلى أَنَّ معناه: استقاموا بالطاعاتِ واجتناب المعاصِي، وتلا عُمَرُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- هذه الآيةُ على المِنْبَرِ، ثم قال: استقاموا- واللَّهِ- بطاعتهِ، ولم يروغوا روِغانَ الثَّعَالِبِ، قال ع «٣» : فذهب- رحمه اللَّه- إلى حَمْلِ الناس على الأَتَمِّ الأفْضَلِ، وإلاَّ فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب أَلاَّ تتنزل الملائكةُ عِنْدَ الموت على غير مستقيمٍ على الطاعَةِ، وذهب أبو بكْرٍ- رضي اللَّه عنه- وجماعةٌ معه إلى أَنَّ المعنى:

ثم: استقاموا على قولهم: رَبُّنَا اللَّهُ، فلم يختلَّ توحيدُهُمْ، ولا اضطرب إيمانهم، قال ع «٤» : وفي الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّه، دخل الجنّة» «٥»

وهذا هو الْمُعْتَقَدُ إن شاء اللَّه، وذلك أَنَّ العصاة من أُمَّةِ محمَّد وغيرها فرقتان: فأَمَّا مَنْ غفر اللَّه له، وترك تعذيبه، فلا محالة أَنَّه مِمَّن/ تتنزَّل عليهم الملائكة بالبشارة، وهو إنَّما استقام على توحيده فَقَطْ، وأَمَّا مَنْ قَضَى اللَّهُ بِتَعْذِيبِهِ مُدَّةً، ثم [يأمر] بإدخاله الجَنَّةَ، فلا محالة أَنَّه يلقى جميعَ ذلك عند مَوْتِهِ وَيَعْلَمُهُ، وليس يَصِحُّ أنْ تكون حاله كحالة الكافر واليائِسِ مِنْ رحمة اللَّه، وإذا كان هذا فقَدْ حَصَلَتْ له بشارة بأَلاَّ يخافَ الخُلُودَ، ولا يحزنَ منه، ويدخل فيمن يقال لهم: أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ومع هذا كله فلا يختلف في أَنَّ المُوَحِّدَ المستقيمَ عَلَى الطَّاعَةِ أَتَمُّ حالاً وأَكمل بشارةً، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر- رضي اللَّه عنه-، وبالجملة، فكُلَّما كان المرءُ أشَدَّ استعدادا، كان أسْرَعَ فوزاً بفَضْلِ اللَّه تعالى قال الثعلبيُّ: قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا قال وَكِيعٌ: والبشرى في ثلاثة مَوَاطِنَ: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وفي البخاريّ: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أي: عند الموت «١» ، انتهى، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ

قال المُفَسِّرُونَ: عند الموت، وأنا أقول: كُلَّ يَوْم، وأَوْكَدُ الأيام: يومُ الموت، وحينَ القَبْرِ، ويَوْمُ الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار بَيَّنَّاها في موضعها، انتهى، قال ع «٣» : قوله تعالى: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا: أَمَنَةٌ عامَّةٌ في كُلِّ هَمِّ مستأنفٍ، وتسليةٌ تَامَّةٌ عن كُلِّ فَائِتٍ مَاضٍ، وقال مجاهدٌ: المعنى: لا تخافُونَ ما تَقْدُمُونَ عليه، ولا تحزنوا على ما خلّفتم من دنياكم.

ت: وذكر أبو نُعَيْمٍ عن ثابتٍ البُنَانيِّ أَنَّه قرأ: حم السجدةِ حَتَّى بلغ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ/ الْمَلائِكَةُ، فوقف، وقال: بلغنا أنَّ العَبْدَ المؤمن حين يُبْعَثُ من قبره يتلقَّاه المَلَكَانِ اللَّذانِ كانا معه في الدنيا، فيقولانِ له: لاَ تَخَفْ، ولا تَحْزَنْ، وأبشر بالجنة التي كنت تُوْعَدُ، قال: فَأَمَّنَ اللَّه خوفَه، وأَقَرَّ عينه، الحديث «١» .

انتهى.

قال ابن المبارك في «رقائقه» : سمعتُ سفيانَ يَقُولُ في قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ:

أي عند الموت أَلَّا تَخافُوا: ما أمامكم وَلا تَحْزَنُوا: على ما خلفتم من ضَيْعَاتِكُمْ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ قال: يُبَشَّرُ «٢» بثلاث بشاراتٍ: عند الموت، وإذا خرج من القبر، وإذا فَزِعَ، نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

قال: كانوا معهم، قال ابن المبارك: وأخبرنا رَجُلٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

قال: قُرَنَاؤُهُمْ يلقونهم يوم القيامة، فيقولون: لا نفارقكم حتّى تدخلوا الجنة، ا.

هـ.

وقوله تعالى: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ

المتكلم ب نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ

هم الملائكة القائلون: أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا أي: يقولون للمؤمنين عند الموت وعند مشاهدة الحق: نحن كُنَّا أولياءَكُمْ في الدنيا، ونحن هُمْ أولياؤكم في الآخرة قال السُّدِّيُّ: المعنى: نحن حَفَظَتُكُم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة «٣» ، والضمير في قوله: فِيها

عائد على الآخرة، وتَدَّعُونَ

معناه: تَطْلُبُونَ قال الفَخْرُ «٤» : ومعنى كونِهِمْ أولياءَ للمؤمنين، إشارةٌ إلى أَنَّ للملائكة تأثيراتٍ في الأرواح [البشريّة، بالإلهامات والمكاشفات اليقينيّة والمناجاة الخفيَّةِ كما أَنَّ للشياطينِ تَأْثيراتٍ في الأرواحِ] «٥» بإلقاء الوسَاوِسِ، وبالجملة، فَكَوْنُ الملائكةِ أولياءَ للأرواح الطَّيِّبَةِ الطاهرةِ، حاصِلٌ من جهاتٍ كثيرةٍ معلومةٍ لأربابِ المكاشفاتِ والمشاهَدَاتِ، فَهُمْ يَقُولُونَ: كما أَنَّ تلك الولاياتِ حاصلةٌ في الدنيا، فهي تكونُ باقيةً في الآخرة فإنَّ تلك العلائِقَ ذاتِيَّةٌ/ لازمة، غير مائلة إلى الزوال بل تصير بعد الموت أقوى وأبقى وذلك لأَنَّ جوهر النفْسِ من جنس الملائكة، وهي كالشُّعْلَةِ بالنسبة إلى الشمس والقطرة بالنسبة إلى البحر، وإنَّما التّعلّقات الجسدانيّة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لَمّا دَخَلُوا النّارَ ﴿ رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أرْنا" بِسُكُونِ الرّاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنُونَ إبْلِيسَ وقابِيلَ، لِأنَّهُما سَنّا المَعْصِيَةَ، ﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ أيْ: في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وهو أشَدُّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ \[أيْ: وحَّدُوهُ\] ﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: اسْتَقامُوا عَلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: عَلى طاعَةِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: عَلى الإخْلاصِ والعَمَلِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ.

وَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، والمَلائِكَةُ بَناتُهُ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ، وعُزَيْرٌ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ، والمَسِيحُ ابْنُهُ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، ومُحَمَّدٌ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فاسْتَقامَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَخافُوا.

وفي وقْتِ نُزُولِها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا في مَعْنى "لا تَخافُوا" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَخافُوا المَوْتَ، ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: لا تَخافُوا ما أمامَكُمْ، ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ إذا قامُوا مِنَ القُبُورِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "لا تَخافُوا": أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِزَوالِ الخَوْفِ والحُزْنِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ لَهُمْ، والمَعْنى: نَحْنُ [الَّذِينَ] كُنّا نَتَوَلّاكم في الدُّنْيا، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَلّى المُؤْمِنِينَ وتُحِبُّهم لِما تَرى مِن أعْمالِهِمُ المَرْفُوعَةِ إلى السَّماءِ، ﴿ وَفِي الآخِرَةِ ﴾ أيْ: ونَحْنُ مَعَكم في الآخِرَةِ لا نُفارِقُكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الحَفَظَةُ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: "نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ"؛ وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِقَبْضِ الأرْواحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم فِيها ﴾ أيْ: في الجَنَّةِ.

﴿ نُزُلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أبْشِرُوا بِالجَنَّةِ تَنْزِلُونَها [نُزُلًا] .

وقالَ الأخْفَشُ: لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ نَحْنُ أولِياؤُكم في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ ﴿ نُزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ المُتَكَلِّمُ بِـ"نَحْنُ أولِياؤُكُمْ" هُمُ المَلائِكَةُ القائِلُونَ: "لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا"، أيْ: يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ المَوْتِ وعِنْدَ مُشاهَدَةِ الحَقِّ: نَحْنُ كُنّا أولِياءَكم في الدُنْيا ونَحْنُ هم في الآخِرَةِ، قالَ السَدِّيُّ: المَعْنى: نَحْنُ حَفَظَتُكم في الدُنْيا وأولِياؤُكم في الآخِرَةِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿ "فِيها" ﴾ عائِدٌ عَلى الآخِرَةِ، و"تَدَّعُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ.

و"نُزُلًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: بِإسْكانِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أحْسَنُ قَوْلا ﴾ الآيَةُ.

ابْتِداءُ تَوْصِيَةٍ لِمُحَمَّدٍ  ، وهو لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ مَن دَعا قَدِيمًا وحَدِيثًا إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإلى طاعَتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ ومِنَ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: لا أحَدَ أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ هَذِهِ حالُهُ، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، وجَماعَةٌ، وبَيَّنَ أنَّ حالَةَ مُحَمَّدٍ  كانَتْ كَذَلِكَ مُبْرِزَةً، إلى تَخْصِيصِهِ بِالآيَةِ ذَهَبَ السَدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ سَيْرَيْنِ، وقالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ، وعائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنها، وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُؤَذِّنِينَ، قالَ قَيْسُ: "وَعَمِلَ صالِحًا" هو الصَلاةُ بَيْنَ الآذانِ والإقامَةِ، وذَكَرَ النِقاشُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى القَوْلِ بِأنَّها في المُؤَذِّنِينَ أنَّهم داخِلُونَ فِيها، وأمّا نُزُولُها فَبِمَكَّةَ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ آذانٌ، وإنَّما تَرَتَّبَ بِالمَدِينَةِ، وإنَّ الأذانَ لَمِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، ولَكِنَّهُ جُزْءٌ مِنهُ، والدُعاءُ إلى اللهِ بِقُوَّةٍ، كَجِهادِ الكُفّارِ ورَدْعِ الطُغاةِ وكَفِّ الظَلَمَةِ وغَيْرُهُ أعْظَمُ غِناءٍ مِن تَوَلِّي الأذانِ؛ إذْ لا مَشَقَّةَ فِيهِ، والأصْوَبُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عامَّةً، قالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ تَعالى بِالسَيْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ" ﴾ بِنُونَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ] بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ رُفَيْدَةَ: كُنْتُ مُؤَذِّنًا في أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ لِي عاصِمُ بْنُ هُبَيْرَةَ: إذا أكْمَلْتَ الآذانَ فَقُلْ: إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ وعَظَ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ونَبَّهَهُ عَلى أحْسَنِ مُخاطَبَةٍ، فَقَرَّرَ أنَّ الحَسَنَةَ والسَيِّئَةَ لا تَسْتَوِي، أيْ: فالحَسَنَةُ أفْضَلُ، وكَرَّرَ "لا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا السَيِّئَةُ ﴾ تَأْكِيدًا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: "وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ ولا السَيِّئَةُ والحَسَنَةُ"، فَحَذَفَ اخْتِصارًا ودَلَّتْ [لا] عَلى هَذا الحَذْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ آيَةٌ جَمَعَتْ مَكارِمَ الأخْلاقِ وأنْواعَ الحِلْمِ، والمَعْنى: ادْفَعْ أُمُورَكَ وما يُعَرَضُ لَكَ مَعَ الناسِ ومُخالَطَتَكَ لَهم بِالفِعْلَةِ أو بِالسِيرَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الفِعْلاتِ والسِيرِ، فَمِن ذَلِكَ بَذْلُ السَلامِ، وحُسْنُ الأدَبِ، وكَظْمُ الغَيْظِ، والسَماحَةُ في القَضاءِ والِاقْتِضاءِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا فَعَلَ المُؤْمِنُ هَذِهِ الفَضائِلَ، عَصَمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الشَيْطانِ، وخَضَعَ لَهُ عَدُّوهُ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ وعَطاءُ هَذِهِ الآيَةَ بِالسَلامِ عِنْدَ اللِقاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّ السَلامَ هو مَبْدَأُ الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وهو جُزْءٌ مِنهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، فَدَخَّلَ كافَ التَشْبِيهِ؛ لِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ عَداوَةٌ لا يَعُودُ ولِيًّا حَمِيمًا، وإنَّما يَحْسُنُ ظاهِرُهُ، فَيُشَبِّهُ بِذَلِكَ الوَلِيَّ الحَمِيمَ، و"الحَمِيمُ" هو القَرِيبُ الَّذِي يَحْتَمُّ لِلْإنْسانِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يُلَقّاها" ﴾ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الخُلُقِ، الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما يُلَقّى لا إلَهَ إلّا اللهَ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ مَدْحٌ بَلِيغٌ لِلصَّبْرِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ لِلْمُتَأمِّلِ؛ لِأنَّ الصَبْرَ لِلطّاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، جامِعٌ لِخِصالِ الخَيْرِ كُلِّها.

والحَظُّ العَظِيمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ العَقْلِ والفَضْلِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَدْحًا، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ  ، فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ ساعَةً، ثُمَّ جاشَ بِهِ الغَضَبُ، فَرَدَّ عَلى الرَجُلِ، فَقامَ النَبِيُّ  ، فاتَّبَعَهُ أبُو بَكْرٍ وقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، قُمْتَ حِينَ انْتَصَرْتُ؟

فَقالَ: إنَّهُ كانَ يَرُدُّ عنكَ مَلَكٌ، فَلَمّا قَرُبْتَ تَنْتَصِرُ، ذَهَبَ المَلَكُ وجاءَ الشَيْطانُ، فَما كُنْتُ لِأُجالِسُهُ،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ الجَنَّةِ وثَوابِ الآخِرَةِ، فَتَكُونُ الآيَةُ وعْدًا، وبِالجَنَّةِ فَسَّرَ قتادَةُ "الحَظَّ" هُنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد استيفاء الكلام على ما أصاب الأممَ الماضية المشركين المكذبين من عذاب الدنيا وما أُعدّ لهم من عذاب الآخرة مما فيه عبرة للمشركين الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم بطريق التعريض، ثم أنذروا بالتصريح بما سيحلّ بهم في الآخرة، ووصف بعض أهواله، تشَوَّفَ السامعُ إلى معرفة حظ المؤمنين ووصففِ حالهم فجاء قوله: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ﴾ الخ، بياناً للمترقب وبشرى للمتطلب، فالجملة استئناف بياني ناشئ عما تقدم من قوله: ﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُ أعدَاءَ الله إلَى النَّارِ ﴾ [فصلت: 19] إلى قوله: ﴿ مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴾ [فصلت: 29].

وافتتاح الجملة بحرف التوكيد منظور فيه إلى إنكار المشركين ذلك، ففي توكيد الخبر زيادة قمع لهم.

ومعنى ﴿ قالوا ربُّنا الله ﴾ أنهم صدعوا بذلك ولم يخشَوا أحداً بإعلانهم التوحيد، فقولُهم تصريح بما في اعتقادهم لأن المراد بهم قالوا ذلك عن اعتقاد، فإن الأصل في الكلام الصدق وهو مطابقة الخبر الواقع وما في الوجود الخارجي.

وقوله: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ يفيد الحصر بتعريف المسند إليه والمسند، أي لا ربّ لنا إلا الله، وذلك جامع لأصل الاعتقادِ الحق لأن الإِقرار بالتوحيد يزيل المانع من تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به إذ لم يصُدَّ المشركين عن الإِيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أمرهم بنبذ عبادة غير الله، ولأن التكذيب بالبعث تلقوه من دعاة الشرك.

والاستقامة حقيقتها: عدم الاعوجاج والميللِ، والسين والتاء فيها للمبالغة في التقوّم، فحقيقة استقام: استقَل غير مائل ولا منحن.

وتطلق الاستقامة بوجه الاستعارة على ما يجمع معنى حسن العمل والسيرة على الحق والصدق قال تعالى: ﴿ فاسْتَقِيموا إليه واستَغْفروه ﴾ [فصلت: 6] وقال: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ [هود: 112]، ويقال: استقامت البلاد للملك، أي أطاعت، ومنه قوله تعالى: ﴿ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾ [التوبة: 7].

ف ﴿ استقاموا ﴾ هنا يشمل معنى الوفاء بما كلفوا به وأول ما يشمل من ذلك أن يثبتوا على أصل التوحيد، أي لا يغيروا ولا يرجعوا عنه.

ومن معنى هذه الآية ما روي في «صحيح مسلم» عن سفيان الثقفي قال: قلتُ: يا رسول الله قُل لي في الإِسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً غيرَك.

قال: " قُل آمنت بالله ثم استقِمْ ".

وعن أبي بكر ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ : لم يشركوا بالله شيئاً.

وعن عمر: استقاموا على الطريقة لطاعته ثم لم يروغوا روغان الثعَالب.

وقال عثمان: ثم أخلَصوا العمل لله.

وعن علي: ثم أدّوا الفرائض.

فقد تولى تفسير هذه الآية الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم.

وكل هذه الأقوال ترجع إلى معنى الاستقامة في الإِيمان وآثاره، وعناية هؤلاء الأربعة أقطاب الإسلام ببيان الاستقامة مُشير إلى أهميتها في الدين.

وتعريب المسند إليه بالموصولية دون أن يقال: إن المؤمنين ونحوه لما في الصلة من الإِيماء إلى أنها سبب ثبوت المسند للمسند إليه فيفيد أن تنزل الملائكة عليهم بتلك الكَرامة مسبَّب على قولهم: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ واستقامتهم فإن الاعتقاد الحق والإِقبال على العمل الصالح هما سبب الفوز.

و ﴿ ثُم ﴾ للتراخي الرتبي لأن الاستقامة زائدة في المرتبة على الإِقرار بالتوحيد لأنها تشمله وتشمل الثبات عليه والعملَ بما يستدعيه، ولأن الاستقامة دليل على أن قولهم: ﴿ رَبُّنَا الله ﴾ كان قولاً منبعثاً عن اعتقاد الضمير والمعرفة الحقيقية.

وجَمَع قولُه: ﴿ قَالُوا رَبُّنا الله ثُمَّ استقاموا ﴾ أَصْلَي الكمال الإسلامي، فقوله: ﴿ قالُوا رَبُّنَا الله ﴾ مشير إلى الكمال النفساني وهو معرفة الحق للاهتداء به، ومعرفة الخير لأجل العمل به، فالكمال علم يقيني وعمل صالح، فمعرفة الله بالإِلهية هي أساس العلم اليقيني.

وأشار قوله: ﴿ استقاموا ﴾ إلى أساس الأعمال الصالحة وهو الاستقامة على الحق، أي أن يكون وسطاً غير مائل إلى طرفَي الإِفراط والتفريط قال تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6] وقال: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143] على أن كمال الاعتقاد راجع إلى الاستقامة، فالاعتقاد الحق أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الإِثبات إلى حيث ينتهي إلى التّشبيه والتمثيل بل يمشي على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، ويستمر كذلك فاصلاً بين الجبريّ والقدَريّ، وبين الرجاء والقنوط، وفي الأعمال بين الغلوّ والتفريط.

وتنزُّلُ الملائكة على المؤمنين يحتمل أن يكون في وقت الحشر كما دل عليه قولهم: ﴿ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ ﴾ ، وكما يقتضيه كلامهم لهم لأن ظاهر الخطاب أنه حقيقة، فذلك مقابل قوله: ﴿ ويَوْمَ نَحْشُر أعْدَاء الله إلَى النَّارِ فَهُم يُوزَعُونَ ﴾ [فصلت: 19]، فأولئك تلاقيهم الملائكة بالوزع، والمؤمنون تتنزل عليهم الملائكة بالأمن.

وذِكر التنزل هنا للتنويه بشأن المؤمنين أن الملائكة ينزلون من علوياتهم لأجلهم فأما أعداء الله فهم يجدون الملائكة حُضَّراً في المحشر يَزَعُونهم وليسوا يتنزلون لأجلهم فثبت للمؤمنين بهذا كرامة ككرامة الأنبياء والمرسلين إذ يُنزّل الله عليهم الملائكة.

والمعنى: أنه يتنزل على كل مؤمن مَلَكان هما الحافظان اللذان كانا يكتبان أعماله في الدنيا.

ولتضمن ﴿ تَتَنَزَّلُ ﴾ معنى القول وردت بعده (أنْ) التفسيرية والتقدير: يقولون لا تخافوا ولا تحزنوا.

ويجوز أن يكون تنزل الملائكة عليهم في الدنيا، وهو تنزل خفيّ يعرف بحصول آثاره في نفوس المؤمنين ويكون الخطاب ب ﴿ لا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ بمعنى إلقائهم في رُوعهم عكس وسوسة الشياطين القرناء بالتزيين، أي يُلقون في أنفس المؤمنين ما يصرفهم عن الخوف والحزن ويذكرهم بالجنة فتحِل فيهم السكينة فتنشرح صدورهم بالثقة بحلولها، ويلقُون في نفوسهم نَبذ ولاية من ليسوا من حزب الله، فذلك مقابل قوله: ﴿ وَقَيَّضْنا لَهُم قُرَنَآءَ ﴾ [فصلت: 25] الآية فإنه تقييض في الدنيا.

وهذا يقتضي أن المؤمنين الكاملين لا يخافون غير الله، ولا يحزنون على ما يصيبهم، ويوقنون أن كل شيء بقدر، وهم فرحون بما يترقبون من فضل الله.

وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿ الَّتِي كُنتُم ﴾ تُعتبرُ (كان) فيه مزيدة للتأكيد، ويكون المضارع في ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ على أصل استعماله للحال والاستقبال، ويكون قولهم: ﴿ نَحنُ أولِياؤكُم فِي الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَة ﴾ تأييداً لهم في الدنيا ووعداً بنفعهم في الآخرة.

و ﴿ لا ﴾ ناهية، والمقصود من النهي عن الخوف: النهي عن سببه، وهو توقع الضر، أي لا تحسبوا أن الله معاقبكم، فالنهي كناية عن التأمين من جانب الله تعالى لأنهم إذا تحققوا الأمن زال خوفهم، وهذا تطمين من الملائكة لأَنْفُس المؤمنين.

والخوف: غمّ في النفس ينشأ عن ظن حصول مكروه شديد.

والحزَن: غمّ في النفس ينشأ عن وقوع مكروه بفوَاتتِ نفععٍ أو حصول ضرّ.

وألحقوا بتأمينهم بشارتهم، لأن وقع النعيم في النفس موقعَ المسرة إذَا لم يخالطه توقع المكروه.

ووصفُ الجنة ب ﴿ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ ﴾ تذكير لهم بأعمالهم التي وعدوا عليها بالجنة، وتعجيل لهم بمسرة الفوز برضى الله، وتحقيق وعده، أي التي كنتم توعدونها في الدنيا.

وفي ذكر فعل الكون تنبيه على أنهم متأصلون في الوعد بالجنة وذلك من سابق إيمانهم وأعمالهم.

وفي التعبير بالمضارع في ﴿ تُوعَدُونَ ﴾ إفادة أنهم قد تكرر وعدهم بها، وذلك بتكرر الأعمال الموعود لأجلها وبتكرر الوعد في مواقع التذكير والتبشير.

وقول الملائكة: ﴿ نَحْنُ أولِيَاؤُكُم في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ ﴾ تعريف بأنفسهم للمؤمنين تأنيساً لهم.

فإن العلم بأن المتلقِّيَ صاحب قديم يزيد نفس القادم انشراحاً وأنساً ويزيل عنه دهشة القدوم، يُخفف عنه من حشمة الضيافة، ويزيل عنه وحشة الاغتراب، أي نحن الذين كنا في صحبتكم في الدنيا، إذ كانوا يكتبون حسناتهم ويشهدون عند الله بصلاتهم كما في حديث: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟

فيقولون: أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلون ".

وقد حفظوا العهد فكانوا أولياء المؤمنين في الآخرة، وقد جيء بهذا القول معترضاً بين صفات الجنة ليتحقق المؤمنون أن بشارتهم بالجنة بشارة محب يفرح لحبيبه بالخير ويسعى ليزيده.

واعلم أن قوله: ﴿ في الحَياةِ الدُّنيا ﴾ إشارة إلى مقابلة قوله في المشركين ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُم قُرَنَاءَ ﴾ [فصلت: 25] فكما قيّض للكافر قرناء في الدنيا قيّض للمؤمنين ملائكة يكونون قرناءَهم في الدنيا، وكما أنطق أتباعهم باللائمة عليهم أنطق الملائكة بالثناء على المؤمنين.

وهذه الآية تقتضي أن هذا الصنف من الملائكة خاص برفقة المؤمنين وولائهم ولا حظ للكافرين فيهم، فإن كان الحفظة من خصائص المؤمنين كما نقله ابن ناجي في «شرح الرسالة» فمعنى ولايتهم للمؤمنين ظاهر، وإن كان الحفظة موكَّلين على المؤمنين والكافرين كما مشى عليه الجمهور وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿ كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ﴾ [الانفطار: 9 12] فهذا صنف من الملائكة موكّل بحفظ المؤمنين في الدنيا، وهم غير الحفظة، وقد يكون هذا الصنف من الملائكة هو المسمى بالمعقبات في قوله تعالى: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر اللَّه ﴾ حسب ما تقدم في سورة الرعد (11).

وقد دلت عدة آثار متفاوتة في القبول على أن الملائكة الذين لهم علاقة بالناس عموماً أو بالمؤمنين خاصة أصناف كثيرة.

وعن عثمان «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم كم من ملَك على الإِنسان، فذكر له عشرين مَلكاً».

ولعل وصف الملائكة المتنزلين بأنهم أولياء يقتضي أن عملهم مع المؤمن عمل صلاح وتأييد مثل إلهام الطاعات ومحاربة الشياطين ونحو ذلك، وبذلك تتم مقابلة تنزلهم على المؤمنين بذكر تقييض القرناء للكافرين، وهذا أحسن.

وجملة ﴿ ولَكُم فِيهَا ما تَشْتَهِي أنفُسُكُم ﴾ عطف على ﴿ التي كُنتُم تُوعَدُون ﴾ وما بينهما جملة معترضة كما بينته آنفاً.

ومعنى ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ : ما تتمنون.

يقال: ادَّعَى، أي تمنى، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولهم ما يدَّعون ﴾ في سورة يس (57).

والمعنى: لكم فيها ما تشتهونه مما يقع تحت الحسّ وما تتمنونه في نفوسكم من كل ما يخطر بالبال مما يجول في الخيال، فما يدّعون غير ما تشتهيه أنفسهم.

ولهذه المغايرة أعيد ﴿ لكم ﴾ ليؤذن باستقلال هذا الوعد عن سابقه، فلا يتوهم أن العطف عطف تفسير أو عطف عام على خاص.

والنزُل بضم النون وضم الزاي: ما يُهَيَّأ للضيف من القِرى، وهو مشتق من النزول لأنه كرامة النزيل، وهو هنا مستعار لما يُعطَوْنَه من الرغائب سواء كانت رزقاً أم غيره.

ووجه الشبه سرعة إحضاره كأنه مُهَيَّأٌ من قبللِ أن يشتهوه أو يتمنوه.

و ﴿ من غَفُورٍ رحيمٍ ﴾ صفة ﴿ نُزُلاً ﴾ ، و ﴿ مِنْ ﴾ ابتدائية.

وانتصب ﴿ نُزُلاً ﴾ على الحال من ﴿ مَا تَشتهي أنفُسُكم ﴾ .

و ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ حال كونه كالنزل المهيّأ للضيف، أي تعطونه كما يعطى النزل للضيف.

وأوثرت صفتا (الغفور الرحيم) هنا للإِشارة إلى أن الله غفر لهم أو لأكثرهم اللممَ وما تابوا منه، وأنه رحيم بهم لأنهم كانوا يحبونه ويخافونه ويناصرون دينه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحَّدُوا اللَّهَ تَعالى.

﴿ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وحْدَهُ، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: اسْتَقامُوا عَلى طاعَتِهِ وأداءِ فَرائِضِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: عَلى إخْلاصِ الدِّينِ والعِلْمِ إلى المَوْتِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا في أفْعالِهِمْ كَما اسْتَقامُوا في أقْوالِهِمْ.

الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا سِرًّا كَما اسْتَقامُوا جَهْرًا.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الِاسْتِقامَةَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فِعْلِ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي لِأنَّ التَّكْلِيفَ يَشْتَمِلُ عَلى أمْرٍ بِطاعَةٍ تَبْعَثُ عَلى الرَّغْبَةِ ونَهْيٍ عَنْ مَعْصِيةٍ يَدْعُو إلى الرَّهْبَةِ.

﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ لِلْبَعْثِ، قالَهُ ثابِتٌ ومُقاتِلٌ.

﴿ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَخافُوا أمامَكم ولا تَحْزَنُوا عَلى ما خَلْفَكم، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا عَلى أوْلادِكم.

وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ ﴾ الآيَةَ.

قِيلَ إنَّ بُشْرى المُؤْمِنِ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: أحَدُها عِنْدَ المَوْتِ، ثُمَّ في القَبْرِ، ثُمَّ بَعْدَ البَعْثِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَحْنُ الحَفَظَةُ لِأعْمالِكم في الدُّنْيا وأوْلِياؤُكم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: نَحْفَظُكم في الحَياةِ الدُّنْيا ولا نُفارِقُكم في الآخِرَةِ حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الدُّنْيا بِالهِدايَةِ وفي الآخِرَةِ بِالكَرامَةِ.

﴿ وَلَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الخُلُودُ لِأنَّهم كانُوا يَشْتَهُونَ البَقاءَ في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما يَشْتَهُونَهُ مِنَ النَّعِيمِ، قالَهُ أبُو أُمامَةَ.

﴿ وَلَكم فِيها ما تَدَّعُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَمَنَّوْنَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: ما تَدَّعِي أنَّهُ لَكَ فَهو لَكَ بِحُكْمِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ نُزُلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي ثَوابًا.

الثّانِي: يَعْنِي مَنزِلَةً.

الثّالِثُ: يَعْنِي مَنًّا، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: عَطاءً، مَأْخُوذٌ مِن نَزَلَ الضَّيْفُ ووَظائِفَ الجُنْدِ ﴿ مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: «قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عمران عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال الاستقامة أن لا تشركوا بالله شيئاً.

وأخرج ابن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ [ الأنعام: 82] قالوا: لم يذنبوا قال: لقد حملتموها على أمر شديد ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ يقول: بشرك ﴿ والذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان.

وأخرج ابن مردويه من طريق الثوري رضي الله عنه عن بعض أصحابه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: على فرائض الله.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: على شهادة أن لا إله إلا الله.

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ قال: استقاموا بطاعة الله ولم يروغوا روغان الثعلب.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه سئل أي آية في كتاب الله أرحب؟

قال: قوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله قيل له: فأين قوله تعالى ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...

﴾ [ الزمر: 53] زاد قرأ ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ [ الزمر: 54] فيهما علقه اعملوا.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ومجاهد رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثم استقاموا ﴾ قال: قالوا لا إله إلا الله لم يشركوا بعدها بالله شيئاً حتى يلقوه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قالوا ربنا الله ﴾ وحده ﴿ ثم استقاموا ﴾ يقول: على أداء فرائض الله ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ قال: في الآخرة.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن سفيان الثقفي أن رجلاً قال: «يا رسول الله مرني بأمر في الإِسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك؟

قال: قل آمنت بالله ثم استقم قلت: فما اتقى؟

فأوما إلى لسانه» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله: ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ قال: عند الموت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ﴿ أن لا تخافوا ﴾ مما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما خلفتم من أمر دنياكم من ولد وأهل ودين مما استخلفكم في ذلك كله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: يؤتى المؤمن عند الموت فيقال: لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب خوفه، ولا تحزن على الدنيا ولا على أهلها، وأبشر بالجنة فيموت وقد قر الله عينه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: يبشر بها عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث، فإنه لقي الجنة وما رميت فرحة البشارة من قلبه.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: ﴿ لا تخافوا ﴾ من ضيعتكم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن علي بن أبي طالب قال: حرام على كل نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم مصيرها؟

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: إن المؤمن يبشر بصلاح ولده من بعده لتقر عينه.

وأخرج أحمد والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قلنا: يا رسول الله كلنا يكره الموت قال: ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا احتضر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون لقي الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر والفاجر إذا احتضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر فكره الله لقاءه» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت أنه قرأ السجدة حتى بلغ ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ فوقف قال: بلغنا أن العبد المؤمن يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه، وبما عصمه ألا وهي للمؤمن قرة عين لما هداه الله تعالى ولما كان يعمل في الدنيا.

وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ نحن أولياؤكم...

﴾ قال: رفقاؤكم في الدنيا لا نفارقكم حتى ندخل معكم الجنة، ولفظ عبد بن حميد قال: قرناؤهم الذين معهم في الدنيا.

فإذا كان يوم القيامة قالوا: لن نفارقكم حتى ندخلكم الجنة.

وأخرج أبو نعيم في صفة الجنة والبيهقي في البعث عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في مجلس لهم إذ سطع لهم نور على باب الجنة، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف فقال يا أهل الجنة سلوني فقالوا: نسألك الرضا عنا قال: رضاي أَحَلَّكُمْ داري، وأنَالَكُم كرامتي هذه وأيها تسألوني؟

قالوا: نسألك الزيادة قال: فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر، أزمتها زبرجد أخضر، وياقوت أحمر فجاؤوا عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها، فأمر الله بأشجار عليها الثمار، فتجيء حور من العين وهن يقلن: نحن الناعمات فلا نباس، ونحن الخالدات فلا نموت، أزواج قوم مؤمنين كرام، ويأمر الله بكثبان من مسك أبيض أذفر فتنثر عليهم ريحاً يقال لها المثيرة حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن وهي قصبة الجنة فتقول الملائكة: يا ربنا قد جاء القوم فيقول: مرحباً بالصادقين فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضاً.

ثم يقول ارجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذلك قوله تعالى ﴿ نزلاً من غفور رحيم ﴾ » .

وأخرج ابن النجار من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، مثله سواء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا ﴾ يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي، ومعنى اللذين أضلانا: كل من أغوانا من الجن والإنس، وقيل: المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان، وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي، وإنما طلب هؤلاء من أضلهم بالكفر ﴿ تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ أي في أسفل طبقة من النار ﴿ ثُمَّ استقاموا ﴾ قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، استقاموا على قولهم: ربنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب: المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي، وقول عمر أكمل وأحوط، وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: قد قالها قوم كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام» ، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ يعني عند الموت ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا ﴾ الضمير للآخرة ﴿ مَا تَدَّعُونَ ﴾ أي ما تطلبون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ .

روي عن عمر بن الخطاب -  - عن رسول الله  لما نزلت هذه الآية قال: "أمتي أمتي؛ لأن اليهود قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: عزير ابن الله، وأن النصارى قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: المسيح ابن الله، وأن أمتي قالوا: ربنا الله، ولم يشركوا به أحداً" ، وكذلك روي عن أبي بكر الصديق -  - قال: " ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً" فإن ثبت ذلك عن رسول الله  وعن أبي بكر -  - فهو تفسير الاستقامة التي ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: أي قالوا ربنا الله، ثم استقاموا في إخلاص العمل له والقيام بذلك.

وقال بعضهم: ثم استقاموا على أداء الفرائض والشرائع والحدود.

وقيل: ثم استقاموا في الطاعات له.

والاستقامة وجوه ثلاثة: أحدها: في الاعتقاد، اعتقدوا ألا يعصوه ويجتنبوا جميع ما يخالف أمره ونهيه.

والثاني: استقاموا في اجتناب جميع ما يخالف ما أعطوا بلسانهم: أنه ربنا الله، وقاموا بوفاء ما أعطوا بلسانهم قولا وفعلا.

والثالث: قاموا في جميع الأعمال مخلصين لله  لم يشركوا فيها أحداً لأحد فيها نصيباً من المراءاة غيرها، بل خالصاً لله  سالماً، والله أعلم بما أراد بذلك.

وقوله: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك عند قبضهم الأرواح في الدنيا يبشر لهم بما ذكر.

وقال بعضهم: تقول لهم الملائكة يوم القيامة عند معاينتهم الأهوال والأفزاع؛ ليسكن بذلك قلوبهم عند تلك الأهوال والشدائد، والله أعلم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ أي: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأهل والأولاد.

وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل أو دين.

وقال بعضهم: لا تخافوا من العذاب ولا تحزنوا على فوت ما وعدتم من النعيم؛ فإنها دائمة لا يفوت ولا ينقطع أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ .

على ألسن الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فمن قال: إن البشارة التي ذكر في الدنيا عند قبض الأرواح، فلما ذكر في الخبر عن النبي  أنه قال: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ؛ لأن المؤمن يُرَى له الجنة ويبشر بها في ذلك الوقت؛ فيصير الدنيا له سجناً لما عاين مما هُيِّئ له وجعل له من الثواب، والكافر لما رأى له مكانه في النار أو بشر به صارت له الدنيا جنة؛ وعلى ذلك يخرج قوله -  -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يشبه أن يكون هذا القول من الذين بشروهم بما بشروا يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وجائز أن يكون ذلك من الله  ، وإن كان المذكور على أثر البشارة الملائكة؛ وذلك كقوله -  -: ﴿ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ثم إن كان ذلك من الله -  وتعالى - فيكون تأويله ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ ﴾ في عصمتكم في الدنيا، وأولى بكم في الآخرة في المعونة، أو نقول: نحن أولى بكم في النصر والتوفيق في الدنيا والجزاء والثواب في الآخرة، والله أعلم.

وإن كان ذلك من أولئك الذين بشروهم يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالصحبة، فكذلك يكون في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ ﴾ أي: لكم ما ترغب به أنفسكم وتتوق إليه.

أو لكم فيها ما تتلذذ به أنفسكم وتتنعم بها.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ .

قيل: ما تتمنون وتسألون، أو يقول: ما تدعون من الدعوى.

وقوله: ﴿ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ نُزُلاً ﴾ أي: رزقاً من غفور رحيم وهو من الإنزال، وقال بعضهم: ﴿ نُزُلاً ﴾ أي: إنزالا في المنزل من غفور رحيم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

كأنه يقول: ومن أحسن مذهباً ومسيرة ممن دعا إلى الله، أي: إلى توحيد الله ودينه، أو دعا إلى المعروف والنهي عن المنكر، أي: دعا غيره إلى ذلك وعمل بنفسه، وهذا الحرف يجمع جميع الخيرات والطاعات، فإن كان قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾ على ما ذكرنا من المذاهب والسيرة فكأنه يقول: ومن أحكم وأتقن مذهباً وسيرة ممن ذكر، وإن كان على حقيقة القول فيكون قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ﴾ أي: ومن أصدق قولا ممن قال ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أي: اختار الانتساب إلى الإسلام من بين غيره من الأديان والمذاهب، وقد أبى سائر الفرق الانتساب إلى الإسلام سوى أهل الإسلام.

والثاني: انتسب إلى ما خص الله  وتعالى تسميتهم به وهو الإسلام؛ كقوله: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ  ﴾ ، وقال في حق إبراهيم -  -: ﴿ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، ويكون اسم المؤمن خاصّاً لأهل الحق؛ فإن اليهود والنصارى سلموا أنفسهم مؤمنين، ولا يمتنعون عن إطلاق اسم المؤمن ويمتنعون عن إطلاق اسم المسلم؛ ولهذا يقال: دار الإسلام، ولا يقال: دار الإيمان، وإن كان الإسلام والإيمان واحداً؛ لاختصاص هذا الاسم بهؤلاء، والله أعلم.

أو يقال: إنه اختار النسبة إلى الإسلام، وغيرهم من الناس انتسبوا إلى ما لهم من العز في الدنيا والشرف فيها، وغير ذلك من الأسباب التي كانت لهم في الدنيا.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: هو رسول الله  .

وقال بعضهم: هم المؤذنون، وعلى ذلك رويت الأخبار أنها نزلت في المؤذنين.

وقال بعضهم: ذلك في كل مؤمن دعا الخلق إلى طاعة الله  وعمل بنفسه، والله أعلم.

وعن الحسن: أنه تلا قوله -  -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ قال: هذا صفوة الله، هذا خِيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله  ، أجاب في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، قال إنني من المسلمين لربّه، هذا خليفة الله  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا، فقد كنا نسدد ونحفظكم، ونحن أولياؤكم في الآخرة، فولايتنا لكم مستمرة، ولكم في الجنة ما تشتهيه أنفسكم من الملذات والشهوات، ولكم فيها كل ما تطلبونه مما تشتهونه.

<div class="verse-tafsir" id="91.dDgbp"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد