تفسير الآية ٤٠ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤٠ من سورة فصلت

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِى ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِىٓ ءَامِنًۭا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٠ من سورة فصلت من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله : ( إن الذين يلحدون في آياتنا ) ، قال ابن عباس : الإلحاد : وضع الكلام على غير مواضعه .

وقال قتادة وغيره : هو الكفر والعناد .

وقوله : ( لا يخفون علينا ) أي : فيه تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، أي : إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته ، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال ; ولهذا قال : ( أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) ؟

أي : أيستوي هذا وهذا ؟

لا يستويان .

ثم قال - عز وجل - تهديدا للكفرة : ( اعملوا ما شئتم ) قال مجاهد ، والضحاك ، وعطاء الخراساني : ( اعملوا ما شئتم ) : وعيد ، أي : من خير أو شر ، إنه عليم بكم وبصير بأعمالكم ; ولهذا قال : ( إنه بما تعملون بصير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 ) يعني جلّ ثناؤه بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) إن الذين يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا, ويعدلون عنها تكذيبا بها وجحودا لها.

وقد بيَّنت فيما مضى معنى اللحد بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.

وسنذكر بعض اختلاف المختلفين في المراد به من معناه في هذا الموضع.

اختلف أهل التأويل في المراد به من معنى الإلحاد في هذا الموضع, فقال بعضهم: أريد به معارضة المشركين القرآن باللغط والصفير استهزاء به.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) قال: المُكَاء وما ذكر معه.

وقال بعضهم: أريد به الخبر عن كذبهم في آيات الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) قال: يكذّبون في آياتنا.

وقال آخرون: أريد به يعاندون.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) قال: يشاقُّون: يعاندون.

وقال آخرون: أريد به الكفر والشرك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال قال ابن زيد, في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) قال: هؤلاء أهل الشرك وقال: الإلحاد: الكفر والشرك.

وقال آخرون: أريد به الخبر عن تبديلهم معاني كتاب الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثنى عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) قال: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه.

وكل هذه الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك في قريبات المعاني, وذلك أن اللحد والإلحاد: هو الميل, وقد يكون ميلا عن آيات الله, وعدولا عنها بالتكذيب بها, ويكون بالاستهزاء مكاء وتصدية, ويكون مفارقة لها وعنادا, ويكون تحريفا لها وتغييرا لمعانيها.

ولا قول أولى بالصحة في ذلك مما قلنا, وأن يعم الخبر عنهم بأنهم ألحدوا في آيات الله, كما عمّ ذلك ربنا تبارك وتعالى.

وقوله: ( لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) يقول تعالى ذكره: نحن بهم عالمون لا يخفون علينا, ونحن لهم بالمرصاد إذا وردوا علينا, وذلك تهديد من الله جلّ ثناؤه لهم بقوله: سيعلمون عند ورودهم علينا ماذا يلقون من أليم عذابنا.

ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هو فاعل بهم عند ورودهم عليه, فقال: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم القيامة عذاب النار, ثم قال الله: أفهذا الذي يلقى في النار خير, أم الذي يأتي يوم القيامة آمنا من عذاب الله لإيمانه بالله جلّ جلاله؟

هذا الكافر, إنه إن آمن بآيات الله, واتبع امر الله ونهيه, أمنه يوم القيامة مما حذره منه من عقابه إن ورد عليه يومئذ به كافرا.

وقوله: ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) وهذا أيضا وعيد لهم من الله خرج مخرج الأمر, وكذلك كان مجاهد يقول: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) قال: هذا وعيد.

وقوله: ( إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) يقول جلّ ثناؤه: إن الله أيها الناس بأعمالكم التي تعملونها ذو خبرة وعلم لا يخفي عليه منها, ولا من غيرها شيء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يلحدون في آياتنا أي يميلون عن الحق في أدلتنا .

والإلحاد : الميل والعدول .

ومنه اللحد في القبر ; لأنه أميل إلى ناحية منه .

يقال : ألحد في دين الله أي : حاد عنه وعدل .

ولحد لغة فيه .

وهذا يرجع إلى الذين قالوا : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وهم الذين ألحدوا في آياته ومالوا عن الحق فقالوا : ليس القرآن من عند الله ، أو هو شعر أو سحر ، فالآيات آيات القرآن .

قال مجاهد : يلحدون في آياتنا أي : عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء .

وقال ابن عباس : هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه .

وقال قتادة : يلحدون في آياتنا يكذبون في آياتنا .

وقال السدي : يعاندون ويشاقون .

وقال ابن زيد : يشركون ويكذبون .

والمعنى متقارب .

وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل .

وقيل : الآيات المعجزات ، وهو يرجع إلى الأول ؛ فإن القرآن معجز .أفمن يلقى في النار على وجهه وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره .

خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة قيل : النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله مقاتل .

وقيل : عثمان وقيل : عمار بن ياسر .

وقيل : حمزة .

وقيل : عمر بن الخطاب .

وقيل : أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي .

وقيل : المؤمنون .

وقيل : إنها على العموم ، فالذي يلقى في النار الكافر ، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن ، قاله ابن بحر .

اعملوا ما شئتم أمر تهديد ، أي : بعد ما علمتم أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء .

إنه بما تعملون بصير وعيد بتهديد وتوعد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها.فتوعَّد تعالى من ألحد فيها بأنه لا يخفى عليه، بل هو مطلع على ظاهره وباطنه، وسيجازيه على إلحاده بما كان يعمل، ولهذا قال: { أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ } مثل الملحد بآيات الله { خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } من عذاب الله مستحقًا لثوابه؟

من المعلوم أن هذا خير.لما تبين الحق من الباطل، والطريق المنجي من عذابه من الطريق المهلك قال: { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } إن شئتم، فاسلكوا طريق الرشد الموصلة إلى رضا ربكم وجنته، وإن شئتم، فاسلكوا طريق الغيِّ المسخطة لربكم، الموصلة إلى دار الشقاء.{ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يجازيكم بحسب أحوالكم وأعمالكم، كقوله تعالى: { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين يلحدون في آياتنا ) يميلون عن الحق في أدلتنا .

قال مجاهد : يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط .

قال قتادة : يكذبون في آياتنا .

قال السدي : يعاندون ويشاقون .

قال مقاتل : نزلت في أبي جهل .

( لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار ) وهو أبو جهل ، ( خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ) قيل : هو حمزة ، وقيل : عثمان .

وقيل : عمار بن ياسر .

( اعملوا ما شئتم ) أمر تهديد ووعيد ، ( إنه بما تعملون بصير ) عالم فيجازيكم به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين يلحدون» من ألحد ولحد «في آياتنا» القرآن بالتكذيب «لا يخفون علينا» فنجازيهم «أفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير» تهديد لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يميلون عن الحق، فيكفرون بالقرآن ويحرفونه، لا يَخْفَون علينا، بل نحن مُطَّلعون عليهم.

أفهذا الملحد في آيات الله الذي يُلقى في النار خير، أم الذي يأتي يوم القيامة آمنًا من عذاب الله، مستحقًا لثوابه؛ لإيمانه به وتصديقه بآياته؟

اعملوا- أيها الملحدون- ما شئتم، فإن الله تعالى بأعمالكم بصير، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم على ذلك.

وفي هذا وعيد وتهديد لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ، جاءت الآيات بعد ذلك لتهديد الذين يلحدون فى آياته - تعالى - ولتمدح القرآن الكريم ، ولتسلى النبى صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أعدائه ، ولتبين أن من عمل صالحا فثمار عمله لنفسه ، ومن عمل سيئا فعلى نفسه وحده يجبنى .

.

قال - تعالى - :( إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن .

.

.

) .قوله - تعالى - ( يُلْحِدُونَ ) من الإلحاد وهو الميل عن الاستقامة ، والعدول عن الحق .يقال ألحد فلان فى كلامه إذا مال عن الصواب ، ومنه اللحد فى القبر ، لأنه أميل إلى ناحية منه دون الأخرى .والمعنى : إن الذين يميلون عن الحق فى شأن آياتنا بأن يؤولوها تأويلا فاسدا ، أو يقابلوها باللغو فيها وعدم التدبر لما اشتملت عليه من توجيهات حكيمة .

.هؤلاء الذين يفعلون ذلك : ( لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ) أى ليسوا بغائبين عن علمنا ، بل هم تحت بصرنا وقدرتنا ، وسنجازيهم بما يستحقون من عقاب مهما ألحدوا ومالوا عن الحق والصواب .فالجملة تهديد لهم على تحريفهم الباطل لآيات الله - تعالى - .ثم بين - سبحانه - البون الشاسع بين عاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين ، فقال : ( أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة ) ؟والغرض من هذا الاستفهام بيان أن الذين يلحدون فى آيات الله سيكون مصيرهم الإِلقاء فى النار ، وأن الذين استجابوا للحق وساروا على طريقه وهم المؤمنون ، سيأتون آمنين من الفزع يوم القيامة .قال الآلوسى : " وكان الظاهر أن يقابل الإِلقاء فى النار بدخول الجنة ، لكنه عدل عنه إلى ما فى النظم الجليل ، اعتناء بشأن المؤمنين ، لأن الأمن من العذاب أعم وأهم ، ولذا عبر عن الأول بالإلقاء الدال على القهر والقسر ، وعبر عن الثانى بالإِتيان الدال على أنه بالاختيار والرضا ، مع الأمن ودخول الجنة .

.

"وقوله - تعالى - : ( اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) تهديد آخر لهم على إلحادهم .أى : اعملوا أيها المحلدون ما شئتم من أعمال قبيحة ، فإنها لا تخفى على خالقكم - عز وجل - ، لأنه بصير بكم ، ومطلع على أفعالكم ، وسيجازيكم عليها الجزاء العادل الذى تستحقونه .فالمقصود من الأمر فى قوله - تعالى - ( اعملوا ) التهديد والوعيد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى أردفه بذكر الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وحكمته، تنبيهاً على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تقرير الدلائل الدالة على ذات الله وصفاته، فهذه تنبيهات شريفة مستفادة من تناسق هذه الآيات، فكان العلم بهذه اللطائف أحسن علوم القرآن، وقد عرفت أن الدلائل الدالة على هذه المطالب العالية هي العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض، فبدأ هاهنا بذكر الفلكيات وهي الليل والنهار وإنما قدم ذكر الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدم، والنور وجود، والعدم سابق على الوجود، فهذا كالتنبيه على حدوث هذه الأشياء، وأما دلالة الشمس والقمر والأفلاك وسائر الكواكب على وجود الصانع، فقد شرحناها في هذا الكتاب مراراً، لا سيما في تفسير قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ وفي تفسير قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ .

ولما بيّن أن الشمس والقمر محدثان، وهما دليلان على وجود الإله القادر قال: ﴿ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ ﴾ يعني أنهما عبدان دليلان على وجود الإله، والسجدة عبارة عن نهاية التعظيم فهي لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات، فقال: ﴿ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ ﴾ لأنهما عبدان مخلوقان ﴿ واسجدوا لِلَّهِ ﴾ الخالق القادر الحكيم، والضمير في قوله: ﴿ خَلَقَهُنَّ ﴾ لليل والنهار والقمر، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، يقال للأقلام بريتها وبريتهن، ولما قال: ﴿ ومّنْ ءاياته ﴾ كن في معنى الإناث فقال: ﴿ خَلَقَهُنَّ ﴾ وإنما قال: ﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ لأن ناساً كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق الأشياء، فإن قيل إذا كان لابد في الصلاة من قبلة معينة، فلو جعلنا الشمس قبلة معينة عند السجود كان ذلك أولى، قلنا الشمس جوهر مشرق عظيم الرفعة عالي الدرجة، فلو أذن الشرع في جعلها قبلة في الصلوات، فعند اعتياد السجود إلى جانب الشمس ربما غلب على الأوهام أن ذلك السجود للشمس لا لله، فلأجل الخوف من هذا المحذور نهى الشارع الحكيم عن جعل الشمس قبلة للسجود، بخلاف الحجر المعين فإنه ليس فيه ما يوهم الإلهية، فكان المقصود من القبلة حاصلاً والمحذور المذكور زائلاً فكان هذا أولى، واعلم أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن موضع السجود هو قوله: ﴿ تَعْبُدُونَ ﴾ لأجل أن قوله: ﴿ واسجدوا لِلَّهِ ﴾ متصل به، وعند أبي حنيفة هو قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ لأن الكلام إنما يتم عنده.

ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده ﴿ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأمُونَ ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن يحصل لنا أهلية عبودية الله تعالى، ولكنا عبيد للشمس وهما عبدان لله، وإذا كان قول هؤلاء هكذا، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله؟

والجواب: ليس المراد من لفظ الاستكبار ما ذكرتم، بل المراد فإن استكبروا عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر.

السؤال الثاني: أن المشبهة تمسكوا بقوله: ﴿ فالذين عِندَ رَبّكَ ﴾ في إثبات المكان والجهة لله تعالى والجواب: أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا، ولا يراد به قرب المكان.

فكذا هاهنا.

ويدل عليه قوله أنا عند ظن عبدي بي وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي في مقعد صدق عند مليك مقتدر ويقال عند الشافعي رضي الله عنه إن المسلم لا يقتل بالذمي.

السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر؟

الجواب: نعم، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون.

السؤال الرابع: قال هاهنا في صفة الملائكة ﴿ يَسْبَحُونَ له بالليل والنهار ﴾ فهذا يدل على أنهم مواظبون على التسبيح، لا ينفكون عنه لحظة واحدة، واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ وقال: ﴿ وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ  ﴾ الجواب: إن الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة وهم الأشراف الأكابر منهم، لأنه تعالى وصفهم بكونهم عنده، والمراد من هذه العندية كمال الشرف والمنقبة، وهذا لا ينافي كون طائفة أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال، فإن قالوا هب أن الأمر كذلك إلا أنهم لابد وأن يتنفسوا، فاشتغالهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر الله تعالى سبب لصلاح حالهم في حياتهم، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس أحوال الملائكة في صفاء جوهرها وإشراق ذواتها واستغراقها في معارج معارف الله بأحوال البشر، فإن بين الحالتين بعد المشرقين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الآيات الأربع الفلكية وهي الليل والنهار والشمس والقمر، أتبعها بذكر آية أرضية فقال: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة ﴾ والخشوع التذلل والتصاغر، واستعير هذا اللفظ لحال الأرض حال خلوها عن المطر والنبات ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ ﴾ أي تحركت بالنبات، وربت: انتفخت لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض وانتفخت، ثم تصدعت عن النبات، ثم قال: ﴿ إِنَّ الذي أحياها لَمُحيي الموتى ﴾ يعني أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد بعد موتها، وقد ذكرنا تقرير هذا الدليل مراراً لا حصر لها، ثم قال: ﴿ إِنَّهُ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ وهذا هو الدليل الأصلي وتقريره إن عودة التأليف والتركيب إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك الاْجزاء بعد اجتماعها أيضاً أمر ممكن لذاته، والله تعالى قادر على الممكنات، فوجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل والفهم إلى تلك الأجزاء، وهذا يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا امتناع فيه ألبتة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يقال: ألحد الحافر ولحد، إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، وقرئ ﴿ يلحدون ويلحدون ﴾ على اللغتين.

وقوله: ﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ وعيد لهم على التحريف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً ﴾ يابِسَةً مُتَطامِنَةً مُسْتَعارٌ مِنَ الخُشُوعِ بِمَعْنى التَّذَلُّلِ.

﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ ﴾ تَزَخْرَفَتْ وانْتَفَخَتْ بِالنَّباتِ، وقُرِئَ «رَبَأتْ» أيْ زادَتْ.

﴿ إنَّ الَّذِي أحْياها ﴾ بَعْدَ مَوْتِها.

﴿ لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ ﴾ يَمِيلُونَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ.

﴿ فِي آياتِنا ﴾ بِالطَّعْنِ والتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ الباطِلِ والإلْغاءِ فِيها.

﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ فَنُجازِيهِمْ عَلى إلْحادِهِمْ.

﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ قابَلَ الإلْقاءَ في النّارِ بِالإتْيانِ آمِنًا مُبالَغَةً في إحْمادِ حالِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.

﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ بِالمُجازاةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الذين يلحدون في آياتنا} يميلون عن الحق في ادلتنا بالعطعن يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق فاستعير لحال الأرض اذا كانت ملحودة فاستعير لانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة يلحدون حمزة {لا يخفون علينا} وعيدلهم على التحريف {أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أم من يأتي آمنا يَوْمَ القيامة} هذا تمثيل للكافر والمؤمن {اعملوا مَا شِئْتُمْ} هذا نهاية في التهديد ومبالغة في الوعيد {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ يَنْحَرِفُونَ في تَأْوِيلِ آياتِ القُرْآنِ عَنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ والِاسْتِقامَةِ فَيَحْمِلُونَها عَلى المُحامِلِ الباطِلَةِ، وهو مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: يَضَعُونَ الكَلامَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأصْلُهُ مِن ألْحَدَ إذا مالَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شَقٍّ ويُقالُ لَحَدَ.

وقُرِئَ «يَلْحَدُونَ» و«يُلْحِدُونَ» بِاللُّغَتَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: هُنا الإلْحادُ التَّكْذِيبُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّغْوُ فالمَعْنى يَمِيلُونَ عَمّا يَنْبَغِي ويَلِيقُ في شَأْنِ آياتِنا فَيُكَذِّبُونَ القُرْآنَ أوْ فَيَلْغُونَ ويُصَفِّرُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وبِالإلْحادِ ما يَشْمَلُ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ وتَبْدِيلَهُ لَكِنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ القُرْآنِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ كَما وقَعَ في غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ عَلى ما هو الشّائِعُ.

وعَنْ أبِي مالِكٍ تَفْسِيرُ الآياتِ بِالأدِلَّةِ فالإلْحادُ في شَأْنِها الطَّعْنُ في دَلالَتِها والإعْراضُ عَنْها، وهَذا أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ ﴿ ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً ﴾ ..

إلَخْ، وما تَقَدَّمَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ  ﴾ وبِما بَعْدُ، والآيَةُ عَلى تَفْسِيرِ مُجاهِدٍ أوْفَقُ وأوْفَقُ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ مُجازاتُهم عَلى الإلْحادِ فالآيَةُ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الجَزاءِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقابَلَ الإلْقاءُ في النّارِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ اعْتِناءً بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ الأمْنَ مِنَ العَذابِ أعَمُّ وأهَمُّ ولِذا عُبِّرَ في الأوَّلِ بِالإلْقاءِ الدّالِّ عَلى القَسْرِ والقَهْرِ وفِيهِ بِالإتْيانِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ بِالِاخْتِيارِ والرِّضا مَعَ الأمْنِ ودُخُولِ الجَنَّةِ لا يَنْفِي أنْ يُبَدَّلَ حالُهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ بِتَقْدِيرِ مَن يَأْتِي خائِفًا ويُلْقى في النّارِ ومَن يَأْتِي آمِنًا ويَدْخُلُ الجَنَّةَ فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ مُقابِلَ الثّانِي ومِنَ الثّانِي مُقابِلَ الأوَّلِ وفِيهِ بُعْدٌ.

والآيَةُ كَما قالَ ابْنُ بَحْرٍ عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ ومُؤْمِنٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ ﴾ أبُو جَهْلٍ ﴿ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا ﴾ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ تَمِيمٍ مَن يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ ومَن يَأْتِي آمِنًا عَمّارٌ، والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِما، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وقِيلَ: فِيهِ وفي عُمَرَ، وقِيلَ: فِيهِ وفي حَمْزَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: فِيهِ وفي الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِلْكَفَرَةِ المُلْحِدِينَ الَّذِينَ يُلْقَوْنَ في النّارِ ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَةَ الأمْرِ ﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِ أعْمالِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته، اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ يعني: خلق الشمس، والقمر، والليل، والنهار، دلالة لوحدانيته، لتعرفوا وحدانيته فتعبدوه، ولا تعبدوا هذه الأشياء، وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ يعني: اعبدوا خالق هذه الأشياء، واسجدوا له، وأطيعوه، إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ يعني: إن أردتم بعبادة الشمس، والقمر، رضا الله تعالى.

فإن رضاه أن تعبدوه، ولا تعبدوا غيره.

ويقال: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ يعني: إن أردتم بعبادتهما عبادة الله تعالى، فاعبدوا الله، وأطيعوه، ولا تسجدوا لغيره.

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا يعني: تكبروا عن السجود لله تعالى، وعن توحيده.

فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني: الملائكة، يُسَبِّحُونَ لَهُ يعني: يصلون لله تعالى بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقال: هو التسبيح بعينه.

يعني: يسبحونه، ويذكرونه، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ يعني: لا يملون من الذكر، والعبادة، والتسبيح.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أي: من علامات وحدانيته، أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً أي: غبراء، يابسة، لا نبت فيها، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ يعني: المطر اهْتَزَّتْ يعني: تحركت بالنبات، وَرَبَتْ أي: علت يعني: انتفخت الأرض إذا أرادت أن تنبت إِنَّ الَّذِي أَحْياها بعد موتها لَمُحْيِ الْمَوْتى للبعث في الآخرة، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: من البعث وغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومقاتلٌ وجماعةٌ «١» ، وقيل: إنَّ الآية نزلَتْ في المُؤَذِّنينَ، وهذا ضعيفٌ لأَنَّ الآية مَكِّيَّةٌ، والأذانُ شُرِعَ بالمدينةِ، قال أبو حَيّان «٢» : وَلَا السَّيِّئَةُ «لا» زائدة للتوكيدِ، انتهى.

وقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ آية جَمَعَتْ مكارمَ الأخلاقِ وأنواعَ الحِلْمِ، والمعنى: ادفع ما يعرض لك مع الناس في مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أَحْسَنُ، قال ابن عبَّاس: أمره اللَّه تعالى في هذه الآية بالصَّبْر عند الغَضَبِ، وَالحِلْمِ عند الجَهْل، والعَفْوِ عِنْدَ الإسَاءَةِ، فإذا فعل المؤمنُونَ ذلك، عَصَمَهُمُ اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عَدُوُّهم، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٣» البخاريُّ: «وليُّ حميم» أي: قريب، انتهى،، وفسَّر مجاهدٌ وعطاءٌ هذه الآية بالسَّلاَمِ عند اللِّقاء «٤» ، قال ع «٥» : ولا شَكَّ أنَّ السلام هو مبدأُ الدَّفْعِ بالتي هي أحسن، وهو جزء منه، والضمير في قوله: يُلَقَّاها عائد على هذه الخُلُقِ التي يقتضيها قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وقالت فرقة: / المراد: وما يُلَقَّى «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» ، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ.

وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا: مدح بليغ للصابرين، وذلك بَيِّنٌ للمتأَمِّلِ لأنَّ الصَّبْرَ على الطاعات وعنِ الشهوات جامع لخصَالِ الْخَيْر كلِّها، والحظُّ العظيمُ: يَحْتَمِلُ أن يريد من العقل والفضلِ فتكونَ الآية مدحاً لِلْمُتَّصِفِ بذلك، ويحتمل أن يريد: ذو حظ عظيم من الجنة وثواب الآخرة، فتكونَ الآية وعداً، وبالجنة فسر قتادة الحظّ هنا «٦» .

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)

وقوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «إِمَّا» : شرطٌ وجوابُ الشرطِ قوله: فَاسْتَعِذْ والنَّزْغُ: فِعْلُ الشيطانِ في قَلْبٍ أو يدٍ من إلقاءِ غَضَبٍ، أو حقدٍ، أو بطشٍ في اليد.

فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠] ، ومن البطش قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغُ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ فَيُلْقِيَهُ في حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» «١» .

ومن دعاء الشيخِ الوليِّ العارف باللَّه سبحانه، محمَّد بن مَسَرَّة القُرْطُبِيِّ: اللَّهُمَّ، لاَ تَجْعَلْ صدري للشيطان مَرَاغاً، ولا تُصَيِّرْ قلبي له مجالاً، ولا تَجْعَلْنِي، مِمَّنِ استفزَّهُ بصوته، وأجلب عليه بخيله ورَجْلِهِ، وكُنْ لي من حبائله مُنْجِياً، ومن مصائده مُنْقِذاً، ومن غَوَايَتِهِ مُبْعِداً، اللهم إنَّه وَسْوَسَ في القلب، وألقى في النَّفْس ما لا يطيقُ اللِسانُ ذِكْرَهُ، ولا تستطيعُ النَّفْس نشره مِمَّا نَزَّهَك عنه عُلُوُّ عِزِّكَ، وسُمُوُّ مجدك، فَأَزِلْ يا سيِّدِي ما سَطَرَ، وامح ما زَوَّرَ بوَابِلِ من سحائِبِ عَظَمَتِكَ وطُوفَانٍ مِنْ بِحَارِ نُصْرَتِكَ، واسلل عليه سيفَ إبعادك، وارشقه بسهام إقصائِكَ، وأحْرِقْهُ بنار/ انتقامك، واجعل خَلاَصِي منه زائداً في حُزْنِهِ، وَمُؤَكِّداً لأسفه، ثم قال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّه ربما كان العبد في خَلْوَتِهِ مشتغلاً بتلاوته، ويجدُ في نفسه من الوسوسة ما يحولُ بينه وبين رَبِّه، حتى لا يَجِدَ لطعمِ الذِّكْرِ حلاوةً، ويجدَ في قلبه قساوةً، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته وعِلَّةُ ذلك أَنَّ الذِّكْرَ ذِكْرَانِ: ذكرُ خَوْفٍ ورهبةٍ، وذكْرُ أَمْنٍ وغفلةٍ، فإذا كان [الذِّكْرُ بالخَوْفِ والرهبة، خَنَسَ الشيطانُ، ولم يحتملِ الحَمْلَةَ، وأذهب الوسوسة لأنَّ الذكر إذا كان] «٢» باجتماع القلب وصِدْقِ النية، لم يكُنْ للشيطانِ قُوَّةٌ عند ذلك، وانقطعَتْ علائقُ حِيَلِهِ وإنَّما قُوَّتُهُ ووسوستُهُ مع الغَفْلَة، وإذا كان [الذِّكْرُ بالأَمْنِ والغَفْلَةِ لَمْ تفارقْهُ الوَسْوَسَةُ، وإنِ استدام العَبْدُ الذِّكْرَ والقراءةَ لأَنَّ على قلب الغافلِ غشاوةً ولا يجد] «٣» صاحبها لطعم الذكْرِ حلاوةً، فَتَحَفَّظْ على دينك من هذا العدوّ، وليس لك أن تزيله عن

مرتبته، ولا أَنْ تزيحَهُ عن وطنه، وإنما أُبِيحَ لك مجاهدته، فاستعنْ باللَّه يُعِنْك، وثِقْ باللَّه فإنَّهُ لا يَخْذُلُكَ قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] ، انتهى من تصنيفه- رحمه اللَّه-.

وندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، وعَلِمَ سبحانه أَنَّ خِلْقَةَ البشر تغلب أحياناً وتَثُورُ بِهِمْ سَوْرَةُ الغضب ونَزْغُ الشيطان فَدَلَّهُمْ في هذه الآية على ما يُذْهِبُ ذلك، وهي الاستعاذة به عزَّ وجلَّ، ثم عَدَّدَ سبحانه آياته ليعتبر فيها، فقال: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، ثم قال تعالى: لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ: وإِنْ كانت لكم فيهما منافع لأَنَّ النفع منهما إنَّما هو بتسخير اللَّهِ إيَّاهما، فهو الذي ينبغي أَنْ يُسْجَدَ له، والضمير في خَلَقَهُنَّ قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرُهَا، وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضاً جمع ما لاَ يَعْقِلُ يُؤنَّثُ/، فلذلك قال: خَلَقَهُنَّ ومن حيث يقال: شُمُوسٌ وأقمار لاِختلافهما بالأَيَّامِ ساغ أنْ يعود الضميرُ مجموعاً، وقيل: هو عائد على الأربعة المذكورة.

ت: ومن كتاب «المستغيثين باللَّه» لأبي القاسم بن بَشْكَوَال حَدَّثَ بسنده إلى أَنس بن مالك، قال: تقرأ «حم السجدة» ، وتَسْجُدُ عند السجدة، وتَدْعُو فإنَّه يُسْتَجَابُ لك، قال الراوي: وَجَرَّبْتُهُ فوجدته مُسْتَجاباً، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نَبِيَّهُ- عليه السلام- بما يتضمَّن وعيدهم وحقارَة أمرهم، وأَنَّهُ سبحانه غَنِيٌّ عن عبادتهم بقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ...

الآية، وقوله: فَالَّذِينَ يعني بهم الملائكة هم صَافُّونَ يسبحون، وعِنْدَ هنا ليست بظرف مكان وإِنَّما هي بمعنى المنزلة والقربةِ [كما تقول: زَيْدٌ عنْدَ الْمَلِكِ جليلٌ، ويروى أَنَّ تَسبيحَ الملائكة قد صار لهم كالنّفس لبني آدم، وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ معناه: لا] «١» يَملُّون، ثم ذكر تعالى آيةً منصوبةً ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدِلَّ بما شُوهِدَ من هذه على ما لم يشاهد، فقال: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً ...

الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر عليها من استكانة وشَعَثٍ بالجَدْبِ، فهي عابسةٌ كما الخاشِعُ عَابِسٌ يكاد يَبْكِي، واهتزاز الأرض: هو تَخَلْخُلُ أجْزَائِهَا وَتَشَقُّقُهَا للنبات، ورُبُوُّهَا: هو انتفاخها بالماء وعُلُوُّ سطحِها به، وعبارة البخاريِّ: اهتزت بالنبات، ورَبَت:

ارتفعَت اهـ، ثم ذكر تعالى بالأمر الذي ينبغي أنْ يُقَاسَ على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، فقال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والشيء في اللغة: الموجود.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ \[أيْ: تَكْبَّرُوا عَنِ التَّوْحِيدِ والعِبادَةِ\] ﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ يُسَبِّحُونَ ﴾ أيْ: يُصَلُّونَ.

و "يَسْأمُونَ" بِمَعْنى يَمَلُّونَ.

وَفِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "يَسْأمُونَ"، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَسْرُوقٌ، وقَتادَةُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، لِأنَّهُ تَمامُ الكَلامِ.

والثّانِي: [أنَّهُ] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ، رُوِيَ عَنْ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً ﴾ قالَ قَتادَةُ: غَبْراءَ مُتَهَشِّمَةً.

قالَ الأزْهَرِيُّ: إذا يَبِسَتِ الأرْضُ ولَمْ تُمْطِرْ، قِيلَ: خَشَعَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾ أيْ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أيْ: عَلَتْ، لِأنَّ النَّبْتَ إذا أرادَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ هَذا [الحَجِّ: ٥] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ اللَيْلُ والنَهارُ والشَمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَيْلِ والنَهارِ وهم لا يَسْأمُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [إمّا] شَرْطٌ، وجَوابُ الشَرْطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [فاسْتَعِذْ]،﴾ و"النَزْغُ": فِعْلُ الشَيْطانِ في قَلْبٍ أو يَدٍ، مِن إلْقاءِ غَضَبٍ وحِقْدٍ أو بَطْشٍ في اليَدِ، فَمِنَ الغَضَبِ هَذِهِ الآيَةُ، ومِنَ الحِقْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي  ﴾ ، ومِنَ البَطْشِ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدِهِ، فَيُلْقِيهِ في حُفْرَةٍ مِن حُفَرِ النارِ"،» ونَدَبَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى مَكارِمِ الخُلُقِ في الدَفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمَّ أثْنى تَعالى عَلى مَن لَقِيَها ووَعَدَهُ، وعَلِمَ أنَّ خِلْقَةَ البَشَرِ تَغْلِبُ أحْيانًا وتَثُورُ بِهِمْ ثَوْرَةَ الغَضَبِ ونَزْغِ الشَيْطانِ، فَدَلَّهم عَلى مُذْهِبِ ذَلِكَ وهي الِاسْتِعاذَةُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ عَدَّدَ آياتِهِ لِيَعْتَبِرَ فِيها مِن صَدَفَ عَنِ التَوْحِيدِ، بِذِكْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وذِكْرُهِما يَتَضَمَّنُ ما فِيهِما مِنَ القِصَرِ والطُولِ والتَداخُلِ والِاسْتِواءِ في مَواضِعَ وسائِرَ عِبَرِهِما، وكَذَلِكَ الشَمْسُ والقَمَرُ مُتَضَمِّنٌ عَجائِبَهُما وحِكْمَةَ اللهِ تَعالى فِيهِما ونَفَعَهُ عِبادَهُ بِهِما، ثُمَّ قالَ تَعالى: لا تَسْجُدُوا لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ وإنْ كانَتْ تَنْفَعُكُمْ؛ لِأنَّ النَفْعَ مِنهُما إنَّما هو بِتَسْخِيرِ اللهِ إيّاهُما، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لَهُ، والضَمِيرُ في ﴿ "خَلَقَهُنَّ" ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأيّامِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الشَمْسِ والقَمَرِ، والِاثْنانِ جَمْعٌ، وجَمْعُ ما لا يَعْقِلُ يُؤَنَّثُ، فَلِذَلِكَ قالَ: "خَلَقَهُنَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن حَيْثُ يُقالُ: شُمُوسٌ وأقْمارٌ لِاخْتِلافِهِما بِالأيّامِ، ساغَ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ مَجْمُوعًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ، وشَأْنُ ضَمِيرِ ما لا يُعْقَلُ، إذا كانَ العَدَدُ أقَلَّ مِنَ العَشْرَةِ أنْ يَجِيءَ هَكَذا، فَإذا زادَ أُفْرِدَ مُؤَنَّثًا، فَتَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، والجُذُوعُ انْكَسَرَتْ، ومِنهُ: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ  ﴾ الآيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةِ دَمًا وقالَ السَمَوْألُ: ولا عَيْبَ فِينا غَيْرَ أنَّ سُيُوفَنا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها مِن قِراعِ الدارِعِينَ فُلُولُ وَهَذا كَثِيرٌ مَهْيَعٌ وإنْ كانَ الأمْرُ قَدْ يُوجَدُ مُتَداخِلًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

ثُمَّ خاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِما يَتَضَمَّنُ وعِيدَهم وحَقارَةَ أمْرِهِمْ، وأنَّ اللهَ تَعالى غَيَّرَ مُحْتاجٍ إلى عِبادَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي بِهِمُ المَلائِكَةَ وهم صافُّونَ يُسَبِّحُونَ، و"عِنْدَ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِظَرْفِ مَكانٍ، وإنَّما هي بِمَعْنى المَنزِلَةِ والقُرْبَةُ، كَما تَقُولُ: زِيدٌ عِنْدَ المَلِكِ جَلِيلٌ، وفي نَفْسِهِ رَفِيعٌ، ويُرْوى أنَّ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ قَدْ صارَ لَهم كالنَفْسِ لِابْنِ آدَمَ، و"يَسْأمُونَ" مَعْناهُ: يَمَلُّونَ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى آيَةً مَنصُوبَةً لِيُعْتَبَرَ بِها في أمْرِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُسْتَدَلُّ بِما شُوهِدَ مِن هَذِهِ عَلى ما لَمْ يُشاهَدْ بَعْدُ مِن تِلْكَ، وهي آيَةٌ يَراها عِيانًا كُلَّ مَفْطُورٍ عَلى عَقْلٍ.

و"خُشُوعُ الأرْضِ" هو ما يَظْهَرُ عَلَيْها مِنَ اسْتِكانَةٍ وشَعَثٍ بِالجَدْبِ وصَلِيمِ السُمُومِ، فَهي عابِسَةٌ كَما الخاشِعُ عابِسٌ يَكادُ يَبْكِي، و"الماءُ المُنَزَّلُ" هو المَطَرُ، و"اهْتِزازُ الأرْضِ" هو تَخَلْخُلُ أجْزائِها بِالماءِ وتَشَقُّقُها لِلنَّباتِ، و"رَبُّوُها" هو انْتِفاخُها بِالماءِ وعُلُوُّ سَطْحِها بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَبَتْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِألْفِ مَهْمُوزَةٍ، ورَواها الرَواسِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وهو أيْضًا بِمَعْنى: عَلَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبِيئَةُ وهو الَّذِي يَرْتَفِعُ حَتّى يُرْصَدَ لِلْقَوْمِ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِالأمْرِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقاسَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ والعِبْرَةِ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ﴾ عُمُومٌ، و"الشَيْءُ" في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ قَدِيرٌ * إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فى ءاياتنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ استئناف ابتدائي قصد به تهديد الذين أهملوا الاستدلال بآيات الله على توحيده.

وقوله: ﴿ لا يخفون علينا ﴾ مراد به الكناية عن الوعيد تذكيراً لهم بإحاطة علم الله بكل كائن، وهو متصل المعنى بقوله آنفاً: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ﴾ [فصلت: 22] الآية.

والإِلحاد حقيقته: الميل عن الاستقامة، والآيات تشمل الدلائل الكونية المتقدمة في قوله: ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ [فصلت: 9] وقوله: ﴿ ومن آياته الليل والنهار ﴾ [فصلت: 37] الخ.

وتشمل الآيات القولية المتقدمة في قوله: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ [فصلت: 26].

فالإِلحاد في الآيات مستعار للعدول والانصراف عن دلالة الآيات الكونية على ما دلت عليه.

والإلحاد في الآيات القولية مستعار للعدول عن سَماعها وللطعن في صحتها وصرف الناس عن سماعها.

وحرف ﴿ في ﴾ مِن قوله: ﴿ فِي ءاياتنا ﴾ للظرفية المجازية لإِفادة تمكن إلحادهم حتى كأنه مظروف في آيات الله حيثما كانت أو كلما سمعوها.

ومعنى نفي خفائهم: نفي خفاء إلحادهم لا خفاء ذواتهم إذ لا غرض في العلم بذواتهم.

﴿ عَلَيْنَآ أَفَمَن يلقى فِى النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتى ءَامِناً يَوْمَ ﴾ .

تفريع على الوعيد في قوله: ﴿ لا يَخْفُونَ عَلَيْنَا ﴾ لبيان أن الوعيد بنار جهنم تعريض بالمشركين بأنهم صائرون إلى النار، وبالمؤمنين بأنهم آمنون من ذلك.

والاستفهام تقريع مستعمل في التنبيه على تفاوت المرتبتين.

وكنّي بقوله: ﴿ يَأتِي ءَامِناً ﴾ أن ذلك الفريق مصيره الجنة إذ لا غاية للأمن إلا أنه في نعيم.

وهذه كناية تعريضية بالذين يُلحدون في آيات الله.

وفي الآية محسن الاحتباك، إذ حذف مقابل: (من يُلقَى في النار) وهو: من يدخل الجنة، وحذف مقابل: ﴿ مَن يأتي ءامناً ﴾ وهو: من يأتي خائفاً، وهم أهل النار.

﴿ القيامة اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ الجملة تذييل لجملة ﴿ إنَّ الذين يُلْحِدون في ءاياتنا ﴾ الخ، كما دل عليه قوله عقبه: ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ﴾ [فصلت: 41] الآية، أي لا يخفى علينا إلحادهم ولا غيره من سيِّئ أعمالهم.

وإنما خص الإِلحاد بالذكر ابتداء لأنه أشنع أعمالهم ومصدر أسوائها.

والأمر في قوله: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُم ﴾ مستعمل في التهديد، أو في الإِغراء المكنّى به عن التهديد.

وجملة: ﴿ إنَّه بِمَا تعمَلونُ بَصِيرٌ ﴾ وعيد بالعقاب على أعمالهم على وجه الكناية.

وتوكيده ب (إنَّ) لتحقيق معنييه الكنائي والصريح، وهو تحقيق إحاطة علم الله بأعمالهم لأنهم كانوا شاكين في ذلك كما تقدم في قصة الثلاثة الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ﴾ [فصلت: 22] الآية.

والبصير: العليم بالمبصرات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ ﴾ ووَجْهُ الآياتِ فِيهِما تَقْدِيرُهُما عَلى حَدٍّ مُسْتَقِرٍّ، وتَسْيِيرُهُما عَلى نَظْمٍ مُسْتَمِرٍّ، يَتَغايَرانِ لِحِكْمَةٍ ويَخْتَلِفانِ لِمَصْلَحَةٍ.

﴿ والشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ ووَجْهُ الآيَةِ فِيهِما ما خَصَّهُما بِهِ مِن نُورٍ، وأظْهَرَهُ فِيهِما مِن تَدْبِيرٍ وتَقْدِيرٍ.

﴿ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ خَلَقَ هَذِهِ الآياتِ.

وَفي مَوْضِعِ السُّجُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ وَهم لا يَسْأمُونَ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَبْراءُ دِراسَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَيْتَةٌ يابِسَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ذَلِيلَةٌ بِالجَدْبِ لِأنَّها مَهْجُورَةٌ، وهي إذا أخْصَبَتْ عَزِيزَةٌ لِأنَّها مَعْمُورَةٌ.

﴿ فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اهْتَزَّتْ بِالحَرَكَةِ لِلنَّباتِ، ورَبَتْ بِالِارْتِفاعِ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: اهْتَزَّتْ بِالنَّباتِ ورَبَتْ بِكَثْرَةِ رِيعِها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

فَيَكُونُ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: رَبَتْ واهْتَزَّتْ.

﴿ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى ﴾ الآيَةَ، جَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا لِمُنْكِرِي البَعْثِ عَلى إحْياءِ الخَلْقِ بَعْدَ المَوْتِ اسْتِدْلالًا بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا ﴾ قال: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا ﴾ قال: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا ﴾ قال: إلحاد ما ذكر معه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال الإِلحاد التكذيب.

وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن هذا القرآن كلام الله فضعوه على مواضعه ولا تتبعوا فيه هواكم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فمن يلقى في النار خير ﴾ قال: أبو جهل بن هشام ﴿ أم من يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ قال: أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن بشير بن تميم رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في أبي جهل، وعمار بن ياسر ﴿ أفمن يلقى في النار ﴾ أبو جهل ﴿ أم من يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ عمار.

وأخرج ابن عساكر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ نزلت في عمار بن ياسر، وفي أبي جهل.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ قال: هذا وعيد.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ قال: خَيَّركُمْ وأمركم بالعمل، واتخذ الحجة، وبعث رسوله وأنزل كتابه، وشرّع شرائعه حجة وتقدمة إلى خلقه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ قال: هذا لأهل بدر خاصة.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال: ذكر أن السماء فرجت يوم بدر فقيل ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: فأبيحت لهم الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ في آيَاتِنَا ﴾ أي يطعنون عليها، وهذا الإلحاد هو بالتكذيب وقيل: باللغو فيه حسبما تقدم في السورة ﴿ أَفَمَن يلقى فِي النار ﴾ الآية: قيل إن المراد بالذي يلقى بالنار أبو جهل، وبالذي يأتي آمناً عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر واللفظ أعم من ذلك ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ ﴾ تهديد لا إباحة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سواء ﴾ بالرفع: يزيد.

وقرأ يعقوب بالجر.

الباقون: بالنصب ﴿ نحسات ﴾ بسكون الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب ﴿ وأما ثمود ﴾ بالنصب: المفضل ﴿ نحشر ﴾ بالنون ﴿ أعداء ﴾ بالنصب: نافع ويعقوب.

الآخرون: بالياء مجهولاً ﴿ أعداء ﴾ مرفوعاً.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ﴿ الرحيم ﴾ ه ج لأن قوله ﴿ كتاب ﴾ يصلح أن يكون بدلاً من ﴿ تنزيل ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب.

ويجوز أن يكون ﴿ تنزيل ﴾ هو مع وصفه مبتدأ ﴿ وكتاب ﴾ خبره ﴿ يعلمون ﴾ ه ج لأن ﴿ وبشيراً ﴾ صفة أخرى لـ ﴿ قرآناً ﴾ ﴿ ونذيراً ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ واستغفروه ﴾ ج ﴿ للمشركين ﴾ ه لا ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ممنون ﴾ ه ﴿ وأنداداً ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه لا للآية مع العطف ﴿ أيام ﴾ ط لمن نصب ﴿ سواء ﴾ أو رفع ومن خفض لم يقف ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط ﴿ طائعين ﴾ ه ﴿ أمرها ﴾ ج للعدول ﴿ بمصابيح ﴾ ج لحق المحذوف أي وحفظناها حفظاً ولعل الوصل أولى لما يجيء ﴿ وحفظاً ﴾ ه ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه بناء على أن "إذ" يتعلق بمحذوف هو اذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿ أنذرتكم ﴾ ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ منا قوّة ﴾ ط ﴿ منهم قوّة ﴾ ط للفصل بين الإخبار والاستخبار ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ مثوى لهم ﴾ ط ﴿ المعتبين ﴾ ه.

التفسير: ﴿ حم ﴾ قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي منّ على عباده بتنزيل الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي ﴿ كتاب فصلت آياته ﴾ أي ميزت أمثالاً ومواعظ وأحكاماً وقصصاً إلى غير ذلك.

وقد مر في أوّل "هود".

وانتصب ﴿ قرآناً ﴾ على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي لقوم عرب يفهمون معانيه يعني بالأصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي  منهم فالدعوة تحصل أوّلاً لهم.

والأظهر عندي أنه كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به.

قال أهل السنة: الصفات المذكورة ههنا للقرآن توجب شدة الاهتمام بمعرفته.

والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلاً من الرحمن الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه كتاباً.

والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم الأوّلين والآخرين.

وقوله ﴿ فصلت آياته ﴾ دليل على أنه في غاية الكشف والبيان وكونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ ولغة العرب أفصح اللغات مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ولا سيما للعرب ومن داناهم.

وكونه ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ يدل على أن الاحتياج إليه من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبديّ، ويخلص من العقاب السرمدي.

فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهديّ من هداه الله ومن يضلله فلا هادي له.

ثم أكد بيان إعراضهم بقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة ﴾ ولا يخفى أنه  ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ هو أن الذم إنما يتوجه على اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.

قال جار الله: فائدة "من" في قوله ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ دون أن يقول "وبيننا" هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ومنك.

ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية ﴿ فاعمل ﴾ أي على دينك أو في إبطال ديننا ﴿ إننا عاملون ﴾ على ديننا أو في إبطال أمرك.

ثم أمر رسوله  أن يجيب عن شبهتهم بقوله ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ وتوجيه النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبراً فإني بشر مثلكم ولا امتياز إلا أني أوحي إليّ بالتوحيد والأمر به، فعليّ البلاغ وحده.

ثم إن قبلتم قولي أثابكم الله وإلا عاقبكم.

قال في الكشاف: أراد إن نبوّتي صحت بالوحي وإذا صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد.

ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار من تقصير قد يقع في الطاعة.

ثم هددّ أهل الشرك بقوله ﴿ وويل للمشركين ﴾ وقرن منع الزكاة بالكفر بالله أوّلاً وبالآخرة ثانياً، لأن المال شقيق الروح، وبه وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله.

وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء.

وقيل: أراد بالزكاة ههنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك.

ثم ذكر جزاء المطيعين وهو ظاهر.

والممنون المقطوع.

وقيل: هو من المنة.

قال جمع من المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.

لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلاً على التوحيد فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي ﴾ سمعتم ممن تصدّقونهم من أهل الكتاب غيركم أنه ﴿ خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ﴾ عمم الكفر أوّلاً ثم خصص بنوع الشرك ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ ومعنى ﴿ من فوقها ﴾ أي بالنسبة إلى سكان المعمورة تذكيراً لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أوّل "البقرة" طرفاً منها.

﴿ وبارك فيها ﴾ بوضع الخيرات الكثيرة فيها.

قال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه ﴿ وقدّر فيها أقواتها ﴾ عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها.

وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم.

وقيل: لا حاجة إلى الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص حدوثها بها ﴿ في أربعة أيام ﴾ يعني مع اليومين الأوّلين فيكون إيجاد نفس الأرض في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا المعنى في أوّل سورة البقرة.

من قرأ ﴿ سواء ﴾ بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سواء.

ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ الكل على الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال في يومين آخرين.

وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله ﴿ وجعل ﴾ على ﴿ خلق ﴾ لأن قوله ﴿ وتجعلون ﴾ معطوف على ﴿ لتكفرون ﴾ ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس يقرأ فلا بدّ من إضمار فعل مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه سؤال أصلاً.

ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر.

ومن قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء.

ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى كما قلنا، وإن كان للأقوات.

وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي  وأنا رديفه يقول: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله الرزق، ومن سأل فهو جهل منه.

واحتمل أن يكون قوله ﴿ للسائلين ﴾ متعلقاً بقوله ﴿ وقدّر ﴾ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء.

وقيل: إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله  عن ذلك.

قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء، وقد مر في أول "البقرة".

قوله ﴿ وهي دخان ﴾ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات.

وزعم المتكلمون أن الله  خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمساً وقمراً وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.

واعلم أن ظاهر قوله ﴿ ثم استوى ﴾ يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر.

وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله  ﴿ إن يسرق فقد  ﴾ أي إن يكن يسرق.

وزيف بأن الجمع بين "ثم" الدال على التأخر وبين إضمار "كان" الدال على التقدم جمع بين النقيضين.

ويمكن أن يجاب بأن "ثم" ههنا لترتيب الأخبار.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ فإن إيجاد الموجود محال.

فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا.

قلت: لو لم يكن قوله  ﴿ وجعل فيها رواسي من فوقها ﴾ إلى قوله ﴿ أربعة أيام ﴾ لكان هذا التأويل له وجه.

وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطواراً سبعة كقوله ﴿ وقد خلقكم أطواراً  ﴾ أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى  ﴾ ثم الحكمة "ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه" ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام الرباني.

قوله ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ الآية.

للمفسرين فيه قولان: الأول إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أيّ جسم فرض بل إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال ﴿ طائعين ﴾ على لفظ جمع المذكر السالم، فإن جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء.

ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن كل واحد منهما سبع.

ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض.

وعلى هذا القول لا بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك.

ومعنى الإتيان الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضياً.

ويجوز أن يراد لتأت كل منكما صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قراراً والسماء سقفاً لها.

وقوله ﴿ طوعاً أو كرهاً ﴾ إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو كارهين.

والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم.

وقال بعضهم: الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف.

وشبه مكلف مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث والمكاره.

قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما.

قوله ﴿ فقضاهن ﴾ قضاء الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان.

والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سموات سبع.

وانتصب ﴿ سبع سموات ﴾ على الحال.

وإما مبهم مميز بما بعده.

يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه الجنة وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.

﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق الملائكة مع السموات وقبلها.

وقيل: الإيحاء ههنا التكوين والإيجاد وأمرها شأنها وما يصلحها ﴿ وزينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ أي بالنيرات المضيئة كالمصباح ﴿ وحفظناها ﴾ حفظاً من الشياطين المسترقة للسمع كما مرّ مراراً.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ حفظاً ﴾ مفعولاً له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ﴿ وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه دبر ما دبر.

ثم قال لنبيه  ﴿ فإن أعرضوا ﴾ عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر ﴿ فقل أنذرتكم صاعقة ﴾ لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه.

يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره.

فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك.

فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟

أنت خير أم عبد المطلب؟

أنت خير أم عبد الله؟

فبم تشتم آلهتنا وتضللنا.

وعرض عليه الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله  : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ إلى قوله ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشاً.

فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ.

فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ ﴿ صاعقة عاد وثمود ﴾ ناشدته بالرحم أن يكف.

ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب.

فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر الله  في قوله ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم  ﴾ وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟

قلنا: الأنفال مدنية وهذه مكية.

قوله ﴿ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ﴾ قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل.

وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة.

وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم.

وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب.

وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ويجوز أن تكون "أن" مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر.

والفاء في قوله ﴿ فإنا ﴾ للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم.

وقولهم ﴿ ربنا ﴾ وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا التهكم.

ثم فصل حال كل فريق قائلاً ﴿ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ﴾ وهذا إخلال بالشفقة على الخلق ﴿ وقالوا من أشد منا قوّة ﴾ وهذا إخلال بالتعظيم لأمر الله ولهذا وبخهم بقوله ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة ﴾ لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: الله أقدر، الله أكبر.

وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقوله ﴿ وكانوا بآياتنا يجحدون ﴾ معطوف على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ وقالوا: إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضاً في البين.

ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير الباب.

والتركيب يدور على الضم والجمع.

عن ابن عباس أن الله  ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل.

والأيام النحسات هي التي فسرها الله  في الحاقة ﴿ سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام  ﴾ والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، أو وصف لمصدر.

واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها بضدها.

وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد.

والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة.

والإضافة في قوله ﴿ عذاب الخزي ﴾ كهي في قولك: رجل صدق.

وقوله ﴿ ولعذاب الآخرة أخزى ﴾ من الإسناد المجازي فإن الذل والهوان لصاحبه.

قوله ﴿ وأما ثمود ﴾ مرتفع على الابتداء.

قوله ﴿ فهديناهم ﴾ خبره قال سيبويه: هذا أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده.

وقرىء بالنصب إضماراً على شريطة التفسير.

واتفقوا على أن المراد بالهداية ههنا الدلالة المجردة لقوله بعده ﴿ فاستحبوا العمى ﴾ يعني عمى البصيرة وهي الضلالة ﴿ على الهدى ﴾ إلا أن المعتزلة تأوّلوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها.

على أن المراد المعقولة ونقيضها، وقد مر هذا البحث في أول "البقرة" في قوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وصاعقة العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة.

ثم بين أحوال الذين آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ﴿ ونجينا ﴾ الآية.

وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ﴿ ويوم يحشر ﴾ الآية.

والعامل فيه "اذكر" محذوفاً، أو هو ظرف لما يدل عليه ﴿ يوزعون ﴾ كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم.

قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل النار.

قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في "النحل".

وما الإبهامية في قوله ﴿ حتى إذا ما جاؤها ﴾ تفيد التأكيد.

وهو أن عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو محرم.

وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية.

وعن النبي  : "أوّل ما يتكلم من الآدميّ فخذه وكفه" وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة الفخذ.

قوله ﴿ أنطق كل شيء ﴾ من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه.

والمراد أن القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟

وقد مر تمام البحث في "يس".

عن ابن مسعود قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشيّ فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟

فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم يسمع.

وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا.

فذكرت ذلك للنبي  فنزل ﴿ وما كنتم تستترون ﴾ الآية.

وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما كنتم تعملون وهو الخفيات من أعمالكم.

وفيه ردّ على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب لربه وأوفر احتشاماً ومراقبة.

ثم أخبر ﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ ولا ينتج الصبر لهم فرجاً وخلاصاً ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يطلبوا من الله الرضا عنهم ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ أي من المرضيين.

والمراد أنهم باقون في مكروههم أبداً، سكتوا أو نطقوا.

قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه  غير عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

كأنه يقول - والله أعلم -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات ألوهيته  ووحدانيته كالليل والنهار أنهما آيتان من آيات الله  ، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم الشمس والقمر؟!

والله أعلم.

أو نقول: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله  ، سخرهما لمنافع الخلق كالليل والنهار مسخرات للخلق والمنافع التي جعل فيها للخلق إن لم يكن أكثر لم يكن دون منافع الشمس والقمر، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم هاتين؟!

يذكر هذا لأن منهم من كان يعبد الشمس ومنهم من كان يعبد القمر ونحوه، يذكر سفههم بعبادة غير الله  .

وقوله: ﴿ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾ .

أي: اسجدوا لله الذي أنشأ هذه الأشياء وسخرها لكم.

﴿ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

أي: إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء تقصدون القربة عند الله  ، أو إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء إياه تريدون؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأشياء دون الله  رجاء القربة عنده والزلفى لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ يقول: إن كنتم إياه تقصدون بعبادة هذه الأشياء فاسجدوا له واعبدوا؛ لما أمركم بالسجود له والعبادة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن لا أحد يقصد قصد الاستكبار على الله  .

ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أنهم قد أمروا بطاعة الرسل - عليهم السلام - فاستكبروا عن الائتمار لهم لما دعوهم إليه؛ فيصير استكبارهم عليه كالاستكبار على الله  .

والثاني: لما تركوا عبادة الله  وجعل في أنفسهم دلالة العبادة لله  ؛ فإذا تركوا العبادة لله  فقد تركوا الائتمار بأمره، لم يعتقدوا الائتمار لذلك الأمر فيكون استكباراً عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله  فأوحشك ذلك، فاذكر عبادة من عنده من الملائكة بالليل والنهار حتى تستأنس بذلك، والله أعلم.

وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ كان يستوحش باستهزائهم به؛ فذكر له استهزاء أولئك بإخوانه لِيَقِلَّ ذلك فيه؛ لما علم أنه ليس أول من استهزئ به، فهذا مثله.

والثاني: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله وقد عبدوا الملائكة والأصنام وغيرهم، فالذين هم عند ربك ممن عندهم هؤلاء لم يستكبروا؛ بل هم مسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون، وهو كقوله -  -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ الآية [الإسراء: 57]؛ وكقوله -  -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ  ﴾ يقول: إن استنكف هؤلاء عن أن يكونوا عُبُداً لله، فالمسيح ومن ذكر لم يستنكفوا عن ذلك.

وقوله  : ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ .

يخبر أنهم لا يسأمون عن عبادته كما يسأم البشر أحياناً عن عبادته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ...

﴾ الآية.

وقال فيما تقدم: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ فيما ذكر من الآيات آيات وحدانيته، وآيات قدرته وعلمه وتدبيره، وآيات حكمته: أما آيات وحدانيته في الليل والنهار والشمس والقمر: هو أنه إذا كان سلطان أحدهما ليل أو نهار أو شمس أو قمر لم يمنع عن كون الآخر، ولو كان ذلك فِعْلَ عددٍ لكان منع الآخر عن إتيان ما يذهب سلطانه؛ فإذا لم يكن دل أنه فِعْلُ واحدٍ.

ودل جريان ما ذكر من الليل والنهار والشمس والقمر على سياق واحد وسنن واحد من أول ما كان إلى آخر ما يكونان على أن منشئهما عليم مدبر علماً ذاتيّاً وتدبيراً ذاتيّاً ليس بمستفاد ولا مكتسب.

ودل سيرهما وجريانهما في يوم واحد وليلة واحدة مسيرة كذا وكذا عاما على أن منشئهما قادر له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء؛ إذ القدرة المستفادة والمكتسبة لا تبلغ ذلك.

وكذلك في إحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات منها دلالة ذلك كله: من دلالة الوحدانية، ودلالة العلم الذاتي والقدرة الذاتية والحكمة والتدبير؛ لأنه لما أحياها بعد موتها، وأماتها بعد إحيائه إياها دل أنه فِعْلُ واحدٍ لا عدد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أحيا هذا منع الآخر عن الإماتة، وهكذا إذا مات هذا منع الآخر على أن يكون من فعل ذي عدد من ملوك الأرض؛ فإذا لم يمنع ذلك دل أنه فعل واحد، ودل جريان ذلك كله في كل عام على مجرى واحد وسنن واحد وعلى مقدار واحد من النبات وغيره على أنه إنما كان بعلم ذاتي وحكمة ذاتية، ودلت القدرة على إحيائها بعد موتها وإماتتها بعد حياتها أن له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء من البعث وغيره.

ثم جعل - جل وعلا - في الماء معنى، يوافق ذلك المعنى جميع النبات الخارج من الأرض على اختلاف أجناسها وجواهرها؛ حتى يكون حياة كل شيء من ذلك به: أن ذلك كان كذلك بلطف منه لا يبلغه فهم البشر ولا علمهم، ثم ذلك النبات مع لينه وضعفه ورقته يشق تلك الأرض مع شدتها وصلابتها ويخرج منها ما لا يتوهم خروج أشد الأشياء منها بفعل أحد سواه[، دلَّ] ذلك على قدرته ولطفه، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾ أي: ميتة.

﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ ﴾ أي: تحركت نباتُها وتزينت وصارت حية.

وقوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾ أي: تربو ويزيد ما عليها من النبات.

قال القتبي: اهتزت بالنبات، ربت: علت وانتفخت.

وقال أبو عوسجة: اهتزت أي: فرجت، وربت: من الزيادة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

هو ما ذكرنا: أن الذي ملك وقدر على إحيائها لقادر على إحياء الموتى بعد موتهم.

﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، أي: لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يميلون في آيات الله عن الصواب بإنكارها والتكذيب بها وتحريفها لا يخفى حالهم علينا، فنحن نعلمهم، أفمن يُلْقَى في النار أفضل أم من يأتي يوم القيامة آمنًا من العذاب؟

اعملوا -أيها الناس- ما شئتم من خير وشرٍّ، فقد بيَّنا لكم الخير والشر، إن الله بما تعملون منهما بصير، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.W0YRl"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله