الآية ٤١ من سورة فصلت

الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٤١ من سورة فصلت

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِيزٌۭ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة فصلت عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ) قال الضحاك ، والسدي ، وقتادة : وهو القرآن ( وإنه لكتاب عزيز ) أي : منيع الجناب ، لا يرام أن يأتي أحد بمثله ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا هذا القرآن وكذّبوا به لما جاءهم, وعنى بالذكر القرآن.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ) كفروا بالقرآن.

وقوله: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) يقول تعالى ذكره: وإن هذا الذكر لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه, وحفظه من كل من أراد له تبديلا أو تحريفا, أو تغييرا, من إنسي وجني وشيطان مارد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) يقول: أعزه الله لأنه كلامه, وحفظه من الباطل.

حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) قال: عزيز من الشيطان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم الذكر هاهنا القرآن في قول الجميع ; لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام .

والخبر محذوف تقديره هالكون أومعذبون .

وقيل : الخبر أولئك ينادون من مكان بعيد واعترض قوله : " ما يقال لك " ثم رجع إلى الذكر فقال : ولو جعلناه قرآنا أعجميا ثم قال : أولئك ينادون والأول الاختيار ، قال [ ص: 328 ] النحاس : عند النحويين جميعا فيما علمت .وإنه لكتاب عزيز أي عزيز على الله ، قاله ابن عباس ، وعنه : عزيز من عند الله .

وقيل : كريم على الله .

وقيل : عزيز أي : أعزه الله فلا يتطرق إليه باطل .

وقيل : ينبغي أن يعز ويجل وألا يلغى فيه .

وقيل : عزيز من الشيطان أن يبدله ، قاله السدي .

مقاتل : منع من الشيطان والباطل .

السدي : غير مخلوق فلا مثل له .

وقال ابن عباس أيضا : عزيز أي : ممتنع عن الناس أن يقولوا مثله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ } أي: يجحدون القرآن الكريم المذكر للعباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية والأخروية، المُعلي لقدر من اتبعه، { لَمَّا جَاءَهُمْ } نعمة من ربهم على يد أفضل الخلق وأكملهم.

{ و } الحال { إِنَّهُ لَكِتَابٌ } جامع لأوصاف الكمال { عَزِيزٌ } أي: منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين كفروا بالذكر ) بالقرآن ، ( لما جاءهم ) ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب : " إن الذين كفروا " على تقدير : الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم .

وقيل : خبره قوله من بعد : " أولئك ينادون من مكان بعيد " .

( وإنه لكتاب عزيز ) قال الكلبي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : كريم على الله .

قال قتادة : أعزه الله عز وجل عزا فلا يجد الباطل إليه سبيلا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين كفروا بالذكر» القرآن «لما جاءهم» نجازيهم «وإنه لكتاب عزيز» منيع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين جحدوا بهذا القرآن وكذَّبوا به حين جاءهم هالكون ومعذَّبون، وإن هذا القرآن لكتاب عزيز بإعزاز الله إياه وحفظه له من كل تغيير أو تبديل، لا يأتيه الباطل من أي ناحية من نواحيه ولا يبطله شيء، فهو محفوظ من أن يُنقص منه، أو يزاد فيه، تنزيل من حكيم بتدبير أمور عباده، محمود على ما له من صفات الكمال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق تهديدا ثالثا فقال : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَآءَهُمْ ) .وخبر " إن " هنا محذوف للعلم به مما سبق ، أى : إن الذين كفروا بالقرآن الكريم حين جاءهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخاسرون أو هالكون أو معذبون عذابا شديدا .

( وإنه ) أى : هذا القرآن الكريم هو الحق الذى جاءهم به صلى الله عليه وسلم ، لعل هذا التدبر يوصلهم إلى الهداية والرشاد ( لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) أى : لكتاب منيع معصوم بعصمة الله - تعالى - له من كل تحريف أو تبديل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب وأشرف المراتب، ثم بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى، إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات، ويحاول إلقاء الشبهات فيها، فقال: ﴿ إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِي ءاياتنا ﴾ يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، وقوله: ﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ تهديد كما إذا قال الملك المهيب: إن الذين ينازعونني في ملكي أعرفهم، فإنه يكون ذلك تهديداً، ثم قال: ﴿ أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة ﴾ وهذا استفهام بمعنى التقرير، والغرض التنبيه على أن الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون آمنين يوم القيامة.

ثم قال: ﴿ اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وهذا أيضاً تهديد ثالث، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب الشديد إذا أخذ يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم اعملوا ما شئتم فإه هذا مما يدل على الوعيد الشديد.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ ﴾ وهذا أيضاً تهديد، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة في القرآن على تقدير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يجازون بكفرهم أو ما أشبه والثاني: أن جوابه قوله: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ والأول أصوب، ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن، فقال: ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ والعزيز له معنيان أحدهما: الغالب القاهر والثاني: الذي لا يوجد نظيره، أما كون القرآن عزيزاً بمعنى كونه غالباً، فالأمر كذلك لأنه بقورة حجته غلب على كل ما سواه، وأما كونه عزيزاً بمعنى عديم النظير، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته، ثم قال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ وفيه وجوه: الأول: لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه الثاني: ما حكم القرآن بكونه حقاً لا يصير باطلاً، وما حكم بكونه باطلاً لا يصير حقاً الثالث: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.

والدليل عليه قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لحافظون  ﴾ فعل هذا الباطل هو الزيادة والنقصان الرابع: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضاً وله ولم يوجد فيما تقدم كتاب يصلح جعله معارضاً له الخامس: قال صاحب الكشاف هذا تمثيل، والمقصود أن الباطل لا يتطرق إليه، ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يتصل إليه.

واعلم أن لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد النسخ فيه لأن النسخ إبطال فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وإنه على خلاف هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ أي حكيم في جميع أحواله وأفعاله، حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه، ولهذا السبب جعل ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ فاتحة كلامه، وأخبر أن خاتمة كلام أهل الجنة، وهو قوله: ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر ﴾ ؟

قلت: هو بدل من قوله: ﴿ إنّ الذين يُلْحِدُونَ فِي ءاياتنا ﴾ [فصلت: 40] والذكر: القرآن، لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرّفوا تأويله ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ أي منيع محمى بحماية الله تعالى ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ مثل كأن الباطل لا يتطرّق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يصل إليه ويتعلق به.

فإن قلت: أما طعن فيه الطاعنون، وتأوّله المبطلون؟

قلت: بلى، ولكن الله قد تقدّم في حمايته عن تعلق الباطل به: بأن قيض قوماً عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقاً، ولا قول مبطل إلا مضمحلاً.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون ﴾ [الحجر: 9] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ أوْ مُسْتَأْنَفٌ وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ مِثْلَ مُعانِدُونَ أوْ هالِكُونَ، أوْ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ و «الذِّكْرِ» القُرْآنُ.

﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ كَثِيرُ النَّفْعِ عَدِيمُ النَّظِيرِ أوْ مَنِيعٌ لا يَتَأتّى إبْطالُهُ وتَحْرِيفُهُ.

لاَّ ﴿ يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ أوْ مِمّا فِيهِ مِنَ الأخْبارِ الماضِيَةِ والأُمُورِ الآتِيَةِ.

﴿ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ ﴾ أيْ حَكِيمٍ.

﴿ حَمِيدٍ ﴾ يَحْمَدُهُ كُلُّ مَخْلُوقٍ بِما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر} بالقرآن لأنهم لكفرهم به طعنوا به وحرفوا تأويله {لَمَّا جَآءَهُمْ} حين جاءهم وخبر إن محذوف أي يعذبون أو هالكون أو اولئك ينادون من مكان بعيد وما بينها اعتراض {وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ} أي منيع محمي بحماية الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِمْ زَمانٌ يَتَأمَّلُونَ فِيهِ ويَتَكَفَّرُونَ ﴿ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ أوْ مَنِيعٌ لا تَتَأتّى مُعارَضَتُهُ، وأصْلُ العِزِّ حالَةٌ مانِعَةٌ لِلْإنْسانِ عَنْ أنْ يُغْلَبَ، وإطْلاقُهُ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ وكَذا كَوْنُهُ مَنِيعًا، وقِيلَ: غالِبٌ لِلْكُتُبِ لِنَسْخِهِ إيّاها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ كِرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِغايَةِ شَناعَةِ الكُفْرِ بِهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا قال مقاتل: يعني: يميلون عن الإيمان بالقرآن.

وقال الكلبي: يعني: يميلون في آياتنا بالتكذيب.

وقال قتادة: الإلحاد التكذيب.

وقال الزجاج: أي يجعلون الكلام على غير وجهه.

ومن هذا سمي اللحد لحداً، لأنه في جانب القبر.

قرأ حمزة: يُلْحِدُونَ بنصب الحاء، والياء.

والباقون: بضم الياء، وكسر الحاء، ومعناهما واحد، لحد وألحد بمعنى واحد.

قوله: لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أي: لا يقدرون على أن يهربوا من عذابنا، ولا يستترون منا، أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ يعني: أبا جهل وأصحابه، خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: النبيّ  .

ويقال: نزلت في شأن جميع الكفار، وجميع المؤمنين.

يعني: من كان مرجعه إلى النار، حاله يكون خيراً أم حال من يدخل الجنة.

ثم قال لكفار مكة: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ لفظه لفظ التخيير والإباحة، والمراد به التوبيخ، والتهديد، لأنه بيّن مغير كل عامل.

ثم قال تعالى: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من الخير، والشر.

قوله تعالى: بصير أي: عالم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ يعني: جحدوا بالقرآن لما جاءهم، وَإِنَّهُ يعني: القرآن، لَكِتابٌ عَزِيزٌ يعني: كريم عند المؤمنين.

ويقال: كريم على الله، أنزله آخر الكتب.

وقال مقاتل: كتاب عزيز يعني: منيع عن الباطل.

ويقال: عزيز لا يوجد مثله في النظم، وكثرة فوائده.

لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال الكلبي ومقاتل: لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ أي: لا يأتيه التكذيب من الكتاب الذي قبله، كل يصدق هذا، ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه.

وقال قتادة: لاَّ يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ يعني: لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقاً، ولا يؤيد فيه باطلاً.

قال أبو الليث: حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الباغندي.

قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب قال: قيل للنبي  : إن أمتك ستفترق من بعدك.

فقال رسول الله  : «بَلَى» .

فقالوا: ما المخرج منها.

فقال جبريل لرسول الله  : قال: كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

من ابتغى العلم في غيره، أضله الله، ومن حكم بغيره، قصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من كان قبلكم، وبيان من بعدكم، والحكم فيما بينكم هو الفصل المبين، وهو الفضل، وليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن، فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً لا يخلق على طول الدهر، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، ثم قال للحارث خذها إليك يا أعور.

ثم قال: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يعني: القرآن تنزيل من الله تعالى، الحكيم في أمره، المحمود في فعاله.

وقال بعضهم: قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، لم يذكر جوابه، وجوابه مضمر.

وقال بعضهم: جوابه في قوله: وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ويقال: جوابه في قوله أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ...

الآية، آيةُ وعيدٍ، والإلحاد: المَيْلُ، وهو هنا ميل عن الحَقِّ/ ومنه لَحْدُ المَيِّتِ لأنَّه في جانب، يقال: لَحَدَ الرَّجُلُ، وألحد بمَعْنًى.

واختلف في إلحادهم هذا: ما هو؟

فقال قتادة وغيره: هو إلحاد بالتكذيب «١» ، وقال مجاهد وغيره «٢» : هو بالمُكَاءِ والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه، وقال ابن عباس: إلحادهم:

وَضْعُهُمْ للكَلاَمِ غَيْرَ موضعه، ولفظة «٣» الإلحاد تَعُمُّ هذا كُلَّه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وعيدٌ في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ...

الآية: يريد ب الَّذِينَ كَفَرُوا قريشا، والذكر: القرآن بإجماع.

واختُلِفَ في الخبر عنهم: أين هو؟

فقالت فرقة: هو في قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤] ، ورُدَّ بكثرة الحائل، وأنَّ هنالك قوماً قد ذكروا بحسن رد قوله: «أولئك ينادون عليهم» ، وقالت فرقة: الخبر مُضمَرٌ، تقديره: إنَّ الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقيل: الخبر في قوله: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ وهذا ضعيف لا يتجه، وقال عمرو بن عُبَيْدٍ: معناه في التفسير: إنَّ الذين كفروا بالذِّكْرِ لما جاءهم كفروا به، وإنه لكتاب عزيز قال ع «٤» : والذي يَحْسُنُ في هذا هو إضمار الخبر، ولكِنَّهُ عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدَّره هؤلاء فيه وإنَّمَا هو بعد حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وهو أشدّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الإلْحادِ في [النَّحْلِ: ١٠٣]؛ وفي المُرادِ بِهِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ وضَعَ الكَلامَ عَلى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُكاءُ والصَّفِيرُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُعانَدَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ المَيْلُ عَنِ الإيمانِ بِالآياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ ﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وهَذا عامٌّ، غَيْرَ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا فِيمَن أُرِيدُ بِهِ سَبْعَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أبُو جَهْلٍ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أبُو جَهْلٍ ورَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أبُو جَهْلٍ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والخامِسُ: أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ، حَكاهُ الواحِدِيُّ.

والسّادِسُ: أبُو جَهْلٍ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

والسّابِعُ: الكافِرُ والمُؤْمِنُ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ ثُمَّ أخَذَ في وصْفِ الذِّكْرِ؛ وتَرَكَ جَوابَ "إنَّ"، وفي جَوابِها هاهُنا قَوْلانِ.

[أحَدُهُما]: أنَّهُ "أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ"، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ مَتْرُوكٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ.

والثّانِي: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحُدُها: مَنِيعٌ مِنَ الشَّيْطانِ لا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: مَنِيعٌ مِنَ الباطِلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: التَّكْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الشَّيْطانُ.

والثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، رُوِيا عَنْ مُجاهِدٍ.

قالَ قَتادَةُ: لا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسُ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ حَقًّا، ولا يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَدْخُلُ فِيهِ مالَيْسَ مِنهُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بَيْنَ يَدَيْ تَنْزِيلِهِ، وبَعْدَ نُزُولِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِي بَعْدَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ.

والثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ، ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ، و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهو هاهُنا عَنِ الحَقِّ، ومِنَ "الإلْحادِ" لِحَدِّ المَيِّتِ؛ لِأنَّهُ في جانِبٍ، يُقالُ: لَحَدَ الرَجُلُ وألْحَدَ بِمَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يُلْحِدُونَ" ﴾ بِضَمِّ الياءِ مَن ألْحَدَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "يَلْحَدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ مِن لَحَدَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإلْحادِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالتَكْذِيبِ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الإلْحادُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ واللَغْوِ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إلْحادُهم هو أنْ يُوضَعَ الكَلامُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، ولَفْظَةُ الإلْحادِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ أيْ: فَنَحْنُ بِالمِرْصادِ لَهم وسَنُعَذِّبُهُمْ، ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى هَذَيْنَ القِسْمَيْنِ أنَّهُما خَيْرٌ؟

وهَذا التَقْرِيرُ هُمُ المُرادُ بِهِ، أيْ: فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: [أفَمَن]، قالَ مُقاتِلُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، وفي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحَسُنَ التَفْضِيلُ هُنا بَيْنَ الإلْقاءِ في النارِ والأمْنِ يَوْمَ القِيامَةِ - وإنْ كانا لا يَشْتَرِكانِ في صِفَةِ الخَيْرِ - مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا لا مُجَرَّدَ خَبَرٍ؛ لِأنَّ المُقَرِّرَ قَدْ يُقَرِّرُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما بَيِّنُ الفَسادِ، حَتّى يَرى جَوابَهُ، فَعَساهُ يَقَعُ في الفاسِدِ المَعْنى، فَيُبَيِّنُ جَهْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ واسْتِيعابُ القَوْلِ في هَذا المَعْنى، ولا يَتَّجِهُ هُنا أنْ يُقالَ: خاطَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ كَما يَتَّجِهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ فَتَأمَّلْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ وعِيدٌ في صِيغَةِ الأمْرِ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ودَلِيلُ الوَعِيدِ ومُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ ، يُرِيدُ تَعالى قُرَيْشًا، و"الذِكْرُ": القُرْآنُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في الخَبَرِ عنهُمْ، أيْنَ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ، ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سَألَ عن هَذا في مَجْلِسِهِ وقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّهُ مِنكَ لِقَرِيبٌ، ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرُدُّ هَذا النَظَرُ كَثْرَةَ الحائِلِ، وأنَّ هُنالِكَ قَوْمًا قَدْ ذَكَرُوا بِحُسْنِ رَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ  ﴾ عَلَيْهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَبَرُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهم هَلَكُوا أو ضَلُّوا، وقالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ: الجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو ضَعِيفٌ لا يَتَّجِهُ، وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرُو بْنَ عُبَيْدٍ عن هَذا، فَقالَ عَمْرُو: مَعْناهُ في التَفْسِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، فَقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: أجَدْتُ يا أبا عُثْمانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُحْسِنُ في هَذا هو إضْمارُ الخَبَرِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَ قَوْمٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ الَّذِي قَدَّرَهُ هَؤُلاءِ فِيهِ، وإنَّما هو بَعْدُ ﴿ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ، وهو أشَدُّ إظْهارًا لِمَذَمَّةِ الكَفّارِ بِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ ﴾ داخِلٌ في صِفَةِ الذِكْرِ المُكَذَّبِ بِهِ، فَلَمْ يَتِمُّ ذِكْرُ المُخْبَرِ عنهُ، إلّا بَعْدَ اسْتِيفاءِ وصْفِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أتُخالِفُ زَيْدًا وهو العالِمُ الوَدُودُ، الَّذِي مِن شَأْنِهِ ومِن أمْرِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها أوصافٌ.

ووَصَفَ تَعالى الكِتابَ بِالعِزَّةِ، لِأنَّهُ بِصِحَّةِ مَعانِيهِ مُمْتَنِعُ الطَعْنِ فِيهِ والإزْراءِ عَلَيْهِ، وهو مَحْفُوظٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: كَرِيمٌ عَلى اللهِ تَعالى، قالَ مُقاتِلٌ: مَنِيعٌ مِنَ الشَيْطانِ، قالَ السَدِّيُّ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، والسَدَّيُّ: يُرِيدُ الشَيْطانَ، وظاهِرُ اللَفْظِ يَعُمُّ الشَيْطانُ وأنْ يَجِيءَ أمْرٌ يُبْطِلُ مِنهُ شَيْئًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ فِيما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ ما يُبْطِلُ شَيْئًا مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا مِن خَلْفِهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ مِن نَظَرِ ناظِرٍ وفِكْرَةِ عاقِلٍ ما يُبْطِلُ أشْياءَ مِنهُ، والمُرادُ بِاللَفْظِ عَلى الجُمْلَةِ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَنْزِيلٌ" ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ  عن مَقالاتِ قَوْمِهِ، أيْ: ما تَلْقى يا مُحَمَّدُ مِنَ المَكْرُوهِ مِنهُمْ، ولا يَقُولُونَ لَكَ مِنَ الأقْوالِ المُؤْلِمَةِ، إلّا ما قَدْ قِيلَ ولَقِيَ بِهِ مِن تَقَدُّمِكَ مِنَ الرُسُلِ، فَلْتَتَأسَّ بِهِمْ، ولْتَمْضِ لِأمْرِ اللهِ ولا يُهِمُّكَ شَأْنُهُمْ، والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَخْلِيصًا لِمَعانِي الشَرْعِ، أيْ: ما يُقالُ لَكَ مِنَ الوَحْيِ وتُخاطَبُ بِهِ مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ فَسَّرَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ الَّذِي قِيلَ لِجَمِيعِهِمْ وهُوَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ لِلطّائِعِينَ، ﴿ وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ لِلْكافِرِينَ، وفي هَذِهِ الكَلِماتِ جِماعُ النَهْيِ والزَجْرِ والمَوْعِظَةِ، وإلَيْها يَرْجِعُ كُلُّ نَظَرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب تهديدهم على الإِلحاد في آيات الله على وجه العموم بالتعرض إلى إلحادهم في آيات القرآن وهو من ذكر الخاص بعد العام للتنويه بخصال القرآن وأنه ليس بعُرضَةٍ لأن يُكفر به بل هو جدير بأن يتقبل بالاقتداء والاهتداء بهديه، فلهذه الجملة اتصال في المعنى بجملة: ﴿ إن الذين يلحدون في آياتنا ﴾ [فصلت: 40] واتصال في الموقع بجملة ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ [فصلت: 40].

وتحديد هذين الاتصالين اختلفت فيه آراء المفسرين، وعلى اختلافهم فيهما جرى اختلافهم في موقعها من الإعراب وفي مواقع أجزائها من تصريح وتقدير.

فجعل صاحب «الكشاف» قوله: ﴿ إنَّ الذِين كَفَروا بالذِّكر ﴾ بدلاً من قوله: ﴿ إنَّ الذين يُلحِدُونَ في آياتنا، وهو يريد أنه إبدال المفرد من المفرد بدلاً مطابقاً أو بدل اشتمال، وأنه بتكرير العامل وهو حرف إنَّ ﴾ وإن كانت إعادة العامل مع البدل غير مشهورة إلاّ في حرف الجر كما قال الرضيّ، فكلام الزمخشري في «المفصل» يقتضي الإِطلاق، وإن كان أتى بمثالين عاملهما حرف جر.

وعلى هذا القول لا يقدر خبر لأن الخبر عن المبدل منه خبر عن البدل وهو قوله: ﴿ لا يَخْفَون علينا ﴾ [فصلت: 40].

وعن أبي عمرو بن العلاء والكسائي وعمرو بن عبيد ما يقتضي أنهم يجعلون جملة: ﴿ إنَّ الذين كفروا بالذِكْر ﴾ جملة مستقلة لأنهم جعلوا ل ﴿ إن ﴾ خبراً.

فأما أبو عمرو فقال: خبر ﴿ إن ﴾ قوله: ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ [فصلت: 44].

حكي أن بلال بن أبي بردة سئل في مجلس أبي عمرو بن العلاء عن خبر ﴿ إن ﴾ فقال: لم أجد لها نفاذاً، فقال له أبو عمرو: إنه منك لقريب: ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد.

وهو يقتضي جعل الجمل التي بين اسم إنَّ ﴾ وخبرها جملاً معترضة وهي نحو سبع.

وأما الكسائي وعمرو بن عبيد فقدروا خبراً لاسم ﴿ إن ﴾ فقال الكسائي: الخبر محذوف دل عليه قوله قبله: ﴿ أفمن يلقى في النار خير ﴾ [فصلت: 40]، فنقدر الخبر، يُلقون في النار، مثلاً.

وسأل عيسى بنُ عمر عمرو بن عبيد عن الخبر، فقال عمرو: معناه أن الذين كفروا بالذكر كفروا به وإنه لكتاب عزيز.

فقال عيسى: أجدتَ يا أبا عثمان.

ويجيء على قول هؤلاء أن تكون الجملة بدلاً من جملة: ﴿ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ﴾ [فصلت: 43]، أي ما يقال لك فيهم إلا ما قد قلنا للرسل من قبلك في مكذبيهم، أو ما يقولون إلا كما قاله الأمم للرسل من قبلك، وما بينهما اعتراض.

والكفر بالقرآن يشمل إنكار كل ما يوصف به القرآن من دلائل كونه من عند الله وما اشتمل عليه مما خالف معتقدهم ودين شركهم وذلك بالاختلافات التي يختلفونها كقولهم: سحر، وشعر، وقول كاهن، وقول مجنون، ولو نشاء لقلنا مثل هذا، وأساطير الأولين، وقلوبنا في أكنّة، وفي آذاننا وقر.

والأظهر أن تكون جملة ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِ ﴾ الخ واقعة موقع التعليل للتهديد بالوعيد في قوله: ﴿ لاَ يَخْفَونَ عَلَيْنا ﴾ [فصلت: 40].

والمعنى: لأنهم جديرون بالعقوبة إذ كفروا بالآيات، وهي آية القرآن المؤيد بالحق، وبشهادة ما أوصي إلى الرسل من قوله.

وموقع إن } موقع فاء التعليل.

وخبر ﴿ إنّ ﴾ محذوف دل عليه سياق الكلام.

والأحسن أن يكون تقديره بما تدل عليه جملةُ الحال من جلالة الذكر ونفاسته، فيكون التقدير: خسروا الدنيا والآخرة، أو سفهوا أنفسهم أو نحو ذلك مما تذهب إليه نفس السامع البليغ، ففي هذا الحذف توفير للمعاني وإيجاز في اللفظ يقوم مقام عدة جمل، وحَذْفُ خبرِ ﴿ إنّ ﴾ إذا دل عليه دليل وارد في الكلام.

وأجازه سيبويه في باب ما يحسن السكوت عليه من هذه الأحرف الخمسة، وتبعه الجمهور، وخالفه الفراء فشرطه بتكرر ﴿ إنّ ﴾ .

ومن الحذف قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ الآية في سورة الحج (25)، وأنشد سيبويه: يا ليت أيام الصبا رواجعا *** إذ روي بنصب (رواجعا) على الحال فلم يذكر خبر (ليت).

وذكر أن العرب يقولون: «إنّ مالاً وإنَّ وَلَداً» أي إِنَّ لهم، وقول الأعشى: إنَّ مَحلاًّ وإِنَّ مُرْتَحَلا *** أي أن لنا في الدنيا حلولاً ولنا عنها مرتحلاً، إذ ليس بقية البيت وهو قوله: وإن في السَّفر إذ مَضَوْا مَهَلا *** ما يصح وقوعه خبراً عن (إنّ) الأولى.

وقال جميل: وقالوا نراها يا جميل تنكرتْ *** وغَيَّرها الواشي فقلتُ لعلَّها وقال الجاحظ في «البيان» في باب من الكلام المحذوف عن الحسن: أن المهاجرين قالوا: " يا رسول الله إن الأنصار آوونا ونصرونا، قال النبي صلى الله عليه وسلم تعرفون ذلك لهم، قالوا: نعم، قال: فإن ذلك ليس في الحديث غير هذا " يريد فإن ذلك شكر ومكافأة ا ه.

وفي المقامة الثالثة والأربعين «حسبك يا شيخُ فقد عرفتُ فنَّك، واستبنتُ أنك» أي أنك أبو زيد.

وقد مثل في «شرح التسهيل» لحذف خبر (إنَّ) بهذه الآية.

وجملة: ﴿ وَإنَّهُ لكتاب ﴾ الخ في موضع الحال من الذِّكْر، أي كفروا به في حاله هذا، ويجوز أن تكون الجملة عطفاً على جملة: ﴿ إنَّ الذينَ كَفَروا بالذِّكْر ﴾ على تقدير خبر ﴿ إن ﴾ المحذوف.

وقد أجري على القرآن ستة أوصاف ما منها واحد إلا وهو كمال عظيم: الوصف الأول: أنه ذِكر، أي يذكِّر الناس كلهم بما يغفلون عنه مما في الغفلة عنه فوات فوزهم.

الوصف الثاني من معنى الذكر: أنه ذكر للعرب وسُمعة حسنة لهم بين الأمم يخلد لهم مفخرة عظيمة وهو كونه بلغتهم ونزل بينهم كما قال تعالى: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44] وفي قوله: ﴿ لما جاءهم ﴾ إشارة إلى هذا المعنى الثاني.

الوصف الثالث: أنه كتاب عزيز، والعزيز النفيس، وأصله من العزة وهي المنعة لأن الشيء النفسي يدافعَ عنه ويُحمَى عن النبذ فإنه بيِّن الإِتقان وعلوِّ المعاني ووضوح الحجة ومثل ذلك يكون عزيزاً، والعزيز أيضاً: الذي يَغلب ولا يُغلب، وكذلك حجج القرآن.

الوصف الرابع: أنه لا يتطرقه الباطل ولا يخالطه صريحُه ولا ضمنيُّه، أي لا يشتمل على الباطل بحال.

فمُثِّل ذلك بِ ﴿ من بين يديه ولا من خلفه ﴾ .

والمقصود استيعاب الجهات تمثيلاً لحال انتفاء الباطل عنه في ظاهره وفي تأويله بحال طرد المهاجم ليضر بشخص يأتيه من بين يديه فإن صدّه خاتله فأتاه من خلفه، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ثم لآتِيَنّهم من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ [الأعراف: 17].

فمعنى: لا يأتِيهِ الباطل} لا يوجد فيه ولا يداخله، وليس المراد أنه لا يُدعَى عليه الباطل.

الوصف الخامس: أنه مشتمل على الحكمة وهي المعرفة الحقيقية لأنه تنزيل من حكيم، ولا يصدر عن الحكيم إلا الحكمة: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ [البقرة: 269] فإن كلام الحكيم يأتي محكماً متقناً رصيناً لا يشوبه الباطل.

الوصف السادس: أنه تنزيل من حميد، والحميد هو المحمود حمداً كثيراً، أي مستحقّ الحمد الكثير، فالكلام المنزل منه يستحق الحمد وإنما يحمد الكلام إذْ يكون دليلاً للخيرات وسائقاً إليها لا مطعن في لفظه ولا في معناه، فيحمده سامعه كثيراً لأنه يجده مجلبة للخير الكثير، ويحمد قائله لا محالة خلافاً للمشركين.

وفي إجراء هذه الأوصاف إيماء إلى حماقة الذين كفروا بهذا القرآن وسفاهة آرائهم إذ فرطوا فيه ففرطوا في أسباب فوزهم في الدنيا وفي الآخرة ولذلك جيء بجملة الحال من الكتاب عقب ذكر تكذيبهم إياه فقال: ﴿ وَإنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ ﴾ الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَمِيلُونَ عَنْ آياتِنا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: يَكْفُرُونَ بِنا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: يُعانِدُونَ رُسُلَنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: هو المُكاءُ والتَّصْفِيقُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ﴾ وهَذا وعِيدٌ.

﴿ أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي يُلْقى في النّارِ أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ قالَهُ الكَلْبِيُّ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: أنَّها عَلى العُمُومِ فالَّذِي يُلْقى في النّارِ الكافِرُ، والَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ.

﴿ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعِيدٌ، فَهَدَّدَ وتَوَعَّدَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ ﴾ الذِّكْرُ هُنا القُرْآنُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، ولَهُ جَوابٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: هالِكُونَ أوْ مُعَذَّبُونَ.

﴿ وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَزِيزٌ مِنَ الشَّيْطانِ أنْ يُبَدِّلَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يَمْتَنِعُ عَلى النّاسِ أنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ﴾ في ﴿ الباطِلُ ﴾ هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: التَّبْدِيلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: التَّعْذِيبُ، قالَهُ سَعِيدٌ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ البّاطِلَ التَّناقُضُ والِاخْتِلافُ.

﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن كِتابٍ قَبْلَهُ، ولا يَأْتِيهِ مِن كِتابٍ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن أوَّلِ التَّنْزِيلِ ولا مِن آخِرِهِ.

الثّالِثُ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ في إخْبارِهِ عَمّا تَقَدَّمَ ولا في إخْبارِهِ عَمّا تَأخَّرَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ما بَيْنَ يَدَيْهِ: لَفْظُهُ وما خَلْفَهُ: تَأْوِيلُهُ، فَلا يَأْتِيهِ الباطِلُ في لَفْظٍ ولا تَأْوِيلٍ: ﴿ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: حَكِيمٌ في أمْرِهِ حَمِيدٌ إلى خَلْقِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ لَكَ إلّا ما قالَهُ مَن قَبْلَهم لِأنْبِيائِهِمْ إنَّهُ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: ما تُخْبِرُ إلّا بِما يُخْبِرُ الأنْبِياءُ قَبْلَكَ بِـ ﴿ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ ﴾ حَكاهُ ابْنُ عِيسى وقالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله أو سئل: «ما المخرج منها؟

فقال: كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿ تنزيل من حكيم حميد ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد لا أحسبه إلا أسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القرآن ومثل الناس كمثل الأرض والغيث، بينما الأرض ميتة هامدة ثم لا يزال ترسل الأدوية حتى تبذر وتنبت ويتم شأنها، ويخرج الله ما فيها من زينتها ومعايش الناس، وكذلك فعل الله بهذا القرآن والناس» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ﴾ إلى قوله: ﴿ حميد ﴾ فقال: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أحب إليه من شيء خرج منه يعني القرآن» .

وأخرج البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه يعني القرآن» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عطية بن قيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله من كلامه، وما أناب العباد إلى الله بكلام أحب إليه من كلامه بالذكر قال بالقرآن» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يأتيه الباطل ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في الآية ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال: لا يدخل فيه الشيطان ما ليس منه ولا أحد من الكفرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال: أعزه الله لأنه كلامه، وحفظه من الباطل، والباطل إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقاً ولا يزيد فيه باطلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر ﴾ الذكر هنا القرآن باتفاق، وخبر إن محذوف تقديره؛ ﴿ ضَلُّواْ ﴾ أو هلكوا، وقيل: خبرها: ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وذلك بعيد.

﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي كريم على الله، وقيل منيع من الشيطان ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل ﴾ أي ليس فيما تقدمه ما يبطله، ولا يأتي ما يبطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ في معناه قولان: أحدهما: ما يقول الله لك من الوحي والشرائع، إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما قالت الأمم المتقدمون لرسلهم، فالمراد على هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي، والمراد على القول الأوّل أنه عليه الصلاة والسلام أتى بما جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفاً، أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة، وذلك على القول الأوّل، وأما القول الثاني فهو مستأنف منطقع مما قبله.

﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ الأعجمي الذي لا يفصح، ولا يبين كلامه سواء كان من العرب أو من العجم، والعجمي الذي ليس من العرب فصيحاً كان أو غير فصيح، ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن، فالمعنى أنه كان أعجمياً لطعنوا فيه وقالوا: هلا كان مبيناً فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجه كان ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار، والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجمياً لقالوا قرآن أعجمي، ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقيل: إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية، كسجين وإستبرق، فقالوا أقرآن أعجمي وعربي، أي مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة أعجمي بفتح العين ﴿ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ ﴾ عبارة عن إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صم لا يسمعون وكذلك ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ عبارة عن قلة فهمهم له ﴿ أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ فيه قولان: أحدهما عبارة عن قلة فهمهم فشبههم بمن ينادي من مكان بعيد فهو لايسمع الصوت ولا يفقه ما يقال، والثاني: أنه حقيقة في يوم القيامة أي ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم، والأوّل أليق بالكنايات التي قبلها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.

الآخرون: بكسر الراء.

﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.

الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.

وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.

الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.

﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .

الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.

ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.

والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.

والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.

وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.

ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.

يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.

وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.

والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.

و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.

قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.

ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.

وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.

وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.

﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.

وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.

وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.

وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم  ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.

وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.

وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.

﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.

و "أن" مفسرة أو مخففة.

ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.

قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.

وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.

وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.

وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.

وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.

وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.

﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.

وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.

والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.

وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.

قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض  نبيه  على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.

زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.

والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله  وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.

وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.

ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.

قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.

وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.

وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.

فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.

ثم صبر رسوله  على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟

فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.

مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.

قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.

ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.

قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.

﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.

قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله  فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله  وعطفه.

ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.

﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.

وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.

ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.

والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.

وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.

والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.

ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.

والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.

ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.

وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.

ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.

وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.

ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.

ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.

وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".

فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.

وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.

وقيل: هو محذوف.

ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.

وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.

ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.

وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.

وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.

﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.

ثم سلى نبيه  بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.

﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.

وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.

ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.

كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.

أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟

وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.

ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.

ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.

وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.

وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.

والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.

ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.

والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.

ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.

قيل: لا يعلمها إلا هو.

ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له  .

والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.

ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.

وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه  يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.

قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟

والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.

وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.

ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.

أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.

ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.

ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.

والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.

وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.

ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً  ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.

وقد سلف في "سبحان".

واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.

فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟

قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.

ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة  ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.

وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.

وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.

وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم  ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.

ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.

﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي  ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.

وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.

وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.

ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.

وقد أكثر الله  من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون  ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.

وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.

قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.

وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.

وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.

ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ .

قرأ بعضهم: ﴿ يُلْحِدُونَ ﴾ برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها: فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: الإلحاد: الميل، وأخذ اللحد من هذا.

ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا وإبطالها.

﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ ﴾ وعيد منه لهم، يقول: لا يخفون هم وما يفعلون علينا فيجزيهم بذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة لآيتين تقدم ذكرهما: إحداهما: قوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ...

﴾ الآية هذه في المؤمنين، وقال في الكافرين: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ الآية [فصلت: 27].

والآية الثانية: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ  ﴾ يقول: أفمن يلقى في النار بأعماله السوء خير أمّن يأتي آمنا عن ذلك بأعماله الحسنة؟!

أي: يعلمون أن من يلقى في الآخرة في النار ليس كالذي يأتي آمنا عن ذلك كله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على التخيير؛ لأنه جل وعلا بيَّن السبيلين جميعاً على المبالغة بياناً شافياً واضحاً، وبين عاقبة كل سبيل من سلكه إلى ماذا يفضي، ثم قال: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ أي: اسلكوا أي سبيل شئتم، فإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، وإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، والله أعلم.

والثاني: على الوعيد.

وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ على الوعيد.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ .

سمى القرآن ذكرا، وهو يحتمل وجوهاً: أحدهما: سماه ذكر؛ لأن من اتبعه وعمل بما فيه صار مذكوراً شريفاً.

أو سماه ذكرا؛ لما يذكر لهم ما نسوا من أحكام الله.

أو يذكر ما لله عليهم وما لبعض على بعض.

﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾ أي: عزيز لا يذله جحود الجاحدين ولا تكذيب المكذبين، أو يقول: عزيز عند الله  أكرم به محمداً  وعزيز يعز من اتبعه وعمل به، كما ذكرنا أنه يشرف من اتبعه وعمل بما فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: لا ينزل كتاب من بعده يكذبه أو يبطله، ولا قبله كتاب يكذبه أو يبطله، بل خرج موافقاً لما قبله من الكتب.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ أي: إبليس لا يستطيع أن يبطل منه حقّاً، أو يحق منه باطلا، أو ينقص منه حقّاً، أو يزيد فيه باطلا، بل هو على ما ذكرنا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

وقال بعضهم ما ذكرنا: لا تكذبه الكتب التي كان قبله.

وقوله: ﴿ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ .

أي: لا يجيء من بعده كتاب يكذبه، ومعنى هذا: أنهم كانوا يردون ذلك ويدفعونه، وليست لهم حجة من الله في ردهم إياه ولا في دفعه، بل يدفعونه بلا حجة ولا برهان ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .

وعن الحسن قال في قوله  : ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ : إن الله -  وتعالى - حفظه من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّاً، ثم قرأ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

ودل قوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ على أن كل ما أضيف إليه [من] اليدين والخلف لا يُفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: بقوله: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله  من اليدين ومن بين يديه، لا يُفهِمُ اليدان حقيقة الجارحتين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .

أي: هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد، الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، والله الموفق.

ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ لم يخرج له جواب في هذا الموضع، ثم قال بعضهم: جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقال بعضهم: بل جوابه ما ذكر في "حم المؤمن" حيث قال الله -  -: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعزِّي النبي ويصبِّره ليصبر على ما كانوا يقولون له: إنه كذاب وإنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه إنما يعلمه بشر، وإنه مفترٍ، وغير ذلك من أنواع الأذى، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما به نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر، فقال الله -  - له عند ذلك: ﴿ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ﴾ من التكذيب والنسبة إلى السحر والجنون وغير ذلك، يصبِّره على ذلك؛ وهو كقوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 35].

ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له؛ ليسلَّى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة بالذي قالوا فيه؛ بما علم أنه ليس بأول مكذَّب من الرسل، ولا بأول متأذٍّ في ذات الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا، ورجعوا عن ذلك، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك.

أو يقول - والله أعلم - على الصلة لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ أي: إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا، وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ذلك، والله أعلم.

أو يذكر هذا، أي: ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم، إنما ذلك إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه، وإن شئت عاقبتهم؛ وهو كقوله  : ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 128].

وقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ  فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ يذكر في هذه الآيات كلها سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ يقول: لو أنزلنا عليك الكتاب جملة في قرطاس بحيث يرون نزوله من السماء ويعاينونه، قالوا: ما هذا إلا سحر مبين.

ويقول أيضاً - والله أعلم -: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجميين بلسان، فقرأه عليهم - أي على أهل مكة - بلسان العرب بحيث يفهمون - ما كانوا به مؤمنين؛ لأن قراءة الأعجمي إياه بلسان العرب أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من قراءة العربي بلسان العربية، أي: قراءة كل أحد شيئاً بغير اللسان الذي هو لسانه أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من القراءة بلسان هو لسانه.

يقول: لو نزلنا على من لسانه لسان العجم والقرآن عربي، فقرأ الأعجمي ذلك على أهل مكة بلسان العرب؛ فهو أكبر أعجوبة وأعظم في الآية - لكانوا لا يؤمنون به.

فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ولو جعلناه قرآناً أعجميّاً وعاينوا نزول ذلك على محمد  وفهمه وأداه وقرأه عليهم بلسان العرب ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ يعنون القرآن ﴿ وَعَرَبِيٌّ ﴾ أي محمد - عليه الصلاة والسلام - يقولون: القرآن أعجمي ومحمد عربي كيف يكون؟!

أي: لا يكون هذا ويكذبونه ولا يؤمنون به؛ وذلك لما ذكرنا: أن أداءه بلسان ليس ذلك لسانه وقراءته بعين ذلك اللسان، أكثر في جعله آية وأعظم في الأعجوبة؛ إذ يمكن الاختلاف من نفسه باللسان الذي هو لسانه، وموهوم ذلك إذا لم يكن ذلك لسانه، يخبر عن سفههم وشدة عنادهم في تكذيبهم محمداً  وما جاء به، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل: إن النبي  كان أحيانا يدخل على رجل أعجمي يقال له أبو فكيهة، فقالوا: إنما يعلمه بشر فأنزل الله  : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً ﴾ بلسان أعجمي، لقال كفار مكة: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالعربية، أي: بينت حتى نفقهها ونعلمها ما يقول محمد  ولقالوا: أعجمي أنزل عليه القرآن ومحمد عربي؛ فأنزله عربيّاً ليفقهوه؛ فلا يكون لهم الاعتلال والاحتجاج.

وقال بعضهم: لولا فصلت آياته حتى يفقهها، أعجميٌّ القرآن وعربيٌّ الرجل؟!

وقال أبو معاذ: يكون معنى هذا: أن الله  يستفهم قرآنا أعجميّاً على رجل عربي فلا يفهمون؛ فيكون الحجة لهم بذلك، وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: ﴿ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾ استفهام من قريش، يكون معناه: لو أنزلناه قرآنا أعجميّاً على رجل عربي لقالوا: أعجمي وعربي كيف يفهم هذا وكيف يعقله؟!

لَكنَّا قد ذكرنا أن هذا في الدلالة أكثر وفي الأعجوبة أعظم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.

وقال القتبي: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أنزلت عربية مفصلة بالآي كان التفصيل للسان العرب، لكن لسنا ندري ما يريد بهذا الكلام أن التفصيل للسان العرب.

وقال بعضهم: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ﴾ أي: هلا فرقت آياته حتى جعل من كل لسان من لسان العجم ولسان العرب؛ حتى يفهمها أهل كل لسان، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآنا، وأن اختلاف اللسان لا يغيره ولا يحوله عن أن يكون قرآنا - والله أعلم - فيكون دليلا لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا قرأ بالفارسية في صلاته يجوز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ .

وصف الله  هذا القرآن بالشفاء وللرحمة والهدى، وسماه مرة عزيزاً كريماً مجيداً حكيماً، ونحوه، فهو هدى من الضلالة والحيرة والشك وكل شبهة، وشفاء لكل داء وسقم يكون في الدين والأنفس جميعاً، هو شفاء لذلك كله وهو هدى.

ثم يحتمل الهدى وجهين في هذا الموضع: أحدهما: هو هدى لكل ضلالة، أي: دعاء إلى الذي يضاد الضلال.

والثاني: هدى، أي: جعل بياناً لكل حيرة وشك وشبهة، من اتبعه وقبله ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل دعاه إلى سبيله ودينه ويخرجه من الضلال، ويكون بياناً لكل من فيه الحيرة والشك والشبهة، ويخلى له الطريق ويوضح له السبيل ويخرجه من الشبهات، فهو للمؤمنين من الهدى والشفاء؛ لأنهم قبلوه واتبعوه وتكلفوا العمل بما فيه، وأما الكفرة فهو عليهم عمى وحيرة وشك، لأنهم لم يقبلوه ولم يتبعوه ونظروا إليه بالاستخفاف والهوان؛ ونبذوه وراء ظهورهم فلم يبصروا ما فيه؛ فهو صار لهم عمى وما ذكر، والله أعلم.

وكذلك قال  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ سماهم غيبة وإن كانوا بأنفسهم حضوراً شهوداً، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صمّاً وبكماً وعمياً وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الحوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: عموا عه.

وقال بعضهم: ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ كقوله  : ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ .

وقيل: قوله: ﴿ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ عبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم من عند الله لمعذبون يوم القيامة، وإنه لكتاب عزيز منيع، لا يستطيع مُحَرِّف أن يحرِّفه، ولا مُبَدِّل أن يبدله.

<div class="verse-tafsir" id="91.v2LYg"

مزيد من التفاسير لسورة فصلت

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله