الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٦ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 50 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئا ، فإذا خرجوا من عنده ( قالوا للذين أوتوا العلم ) من الصحابة : ( ماذا قال آنفا ) أي : الساعة ، لا يعقلون ما يقال ، ولا يكترثون له .
قال الله تعالى : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) أي : فلا فهم صحيح ، ولا قصد صحيح .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء الكفار يا محمد ( مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) وهو المنافِق, فيستمع ما تقول فلا يعيه ولا يفهمه, تهاونا منه بما تتلو عليه من كتاب ربك, تغافلا عما تقوله, وتدعو إليه من الإيمان,( حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) قالوا إعلاما منهم لمن حضر معهم مجلسك من أهل العلم بكتاب الله, وتلاوتك عليهم ما تلوت, وقيلك لهم ما قلت إنهم لن يُصْغوا أسماعهم لقولك وتلاوتك ( مَاذَا قَالَ ) لنا محمد ( آنِفًا ) ؟
.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) هؤلاء المنافقون, دخل رجلان: رجل ممن عقل عن الله وانتفع بما سمع ورجل لم يعقل عن الله, فلم ينتفع بما سمع, كان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل, وسامع غافل, وسامع تارك.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) قال: هم المنافقون.
وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع فعامل, وسامع فغافل, وسامع فتارك.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا يحيى بن آدم, قال: ثنا شريك, عن عثمان أبي اليقظان, عن يحيى بن الجزّار, أو سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, في قوله ( حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ) قال ابن عباس: أنا منهم, وقد سُئِلت فيمن سُئِل.
حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ )...
إلى آخر الآية, قال: هؤلاء المنافقون, والذين أُوتُوا العلم: الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم القوم الذين ختم الله على قلوبهم, فهم لا يهتدون للحقّ الذي بعث الله به رسوله عليه الصلاة والسلام ( وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) يقول: ورفضوا أمر الله, واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم, فهم لا يرجعون مما هم عليه إلى حقيقة ولا برهان, وسوّى جلّ ثناؤه بين صفة هؤلاء المنافقين وبين المشركين, في أن جميعهم إنما يتبعون فيما هم عليه من فراقهم دين الله, الذي ابتعث به محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أهواءهم, فقال في هؤلاء المنافقين: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) وقال في أهل الكفر به من أهل الشرك, كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ .
قوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهمقوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك أي من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون : عبد الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن دخشم ، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه ، فإذا خرجوا سألوا عنه ، قاله الكلبي ومقاتل .
وقيل : كانوا يحضرون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع المؤمنين ، فيستمعون منه ما يقول ، فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر .حتى إذا خرجوا من عندك أي إذا فارقوا مجلسك .
قالوا للذين أوتوا العلم قال عكرمة : هو عبد الله بن العباس .
قال ابن عباس : كنت ممن يسأل ، أي : كنت من الذين أوتوا العلم .
وفي رواية عن ابن عباس : أنه يريد عبد الله بن مسعود .
وكذا قال عبد الله بن بريدة : هو عبد الله بن مسعود .
وقال القاسم بن عبد الرحمن : هو أبو الدرداء .
وقال ابن زيد : إنهم الصحابة .
ماذا قال آنفا أي الآن ، على جهة الاستهزاء .
أي : أنا لم ألتفت إلى قوله .
وآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك ، من قولك : استأنفت الشيء إذا ابتدأت به .
ومنه أمر أنف ، وروضة أنف ، أي : لم يرعها أحد .
وكأس أنف : إذا لم يشرب منها شيء ، كأنه استؤنف شربها مثل روضة أنف .
قال الشاعر [ الحطيئة ] :ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاعوقال آخر [ لقيط بن زرارة ] :[ ص: 219 ]إن الشواء والنشيل والرغف والقينة الحسناء والكأس الأنفللطاعنين الخيل والخيل قطفوقال امرؤ القيس :قد غدا يحملني في أنفه [ لاحق الإطلين محبوك ممر ]أي : في أوله .
وأنف كل شيء أوله .
وقال قتادة في هؤلاء المنافقين : الناس رجلان : رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع ، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع .
وكان يقال : الناس ثلاثة : فسامع عامل ، وسامع عاقل ، وسامع غافل تارك .قوله تعالى : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فلم يؤمنوا .
واتبعوا أهواءهم في الكفر .
يقول تعالى: ومن المنافقين { مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } ما تقول استماعا، لا عن قبول وانقياد، بل معرضة قلوبهم عنه، ولهذا قال: { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } مستفهمين عما قلت، وما سمعوا، مما لم يكن لهم فيه رغبة { مَاذَا قَالَ آنِفًا } أي: قريبا، وهذا في غاية الذم لهم، فإنهم لو كانوا حريصين على الخير لألقوا إليه أسماعهم، ووعته قلوبهم، وانقادت له جوارحهم، ولكنهم بعكس هذه الحال، ولهذا قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: ختم عليها، وسد أبواب الخير التي تصل إليها بسبب اتباعهم أهواءهم، التي لا يهوون فيها إلا الباطل.
( ومنهم ) يعني من هؤلاء الكفار ( من يستمع إليك ) وهم المنافقون ، يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه ، تهاونا به وتغافلا ( حتى إذا خرجوا من عندك ) يعني فإذا خرجوا من عندك ( قالوا للذين أوتوا العلم ) من الصحابة : ( ماذا قال ) محمد ( آنفا ) ؟
يعني الآن ، هو من الائتناف ويقال : ائتنفت الأمر أي ابتدأته وأنف الشيء أوله .
قال مقاتل : وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ويعيب المنافقين ، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء : ماذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
قال ابن عباس : وقد سئلت فيمن سئل .
( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) فلم يؤمنوا ( واتبعوا أهواءهم ) في الكفر والنفاق .
«ومنهم» أي الكفار «من يستمع إليك» في خطبة الجمعة وهم المنافقون «حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم» لعلماء الصحابة منهم ابن مسعود وابن عباس استهزاء وسخرية «ماذا قال آنفا» بالمد والقصر، الساعة، أي لا نرجع إليه «أولئك الذين طبع الله على قلوبهم بالكفر «واتبعوا أهواءهم» في النفاق.
ومن هؤلاء المنافقين مَن يستمع إليك -أيها النبي- بغير فهم؛ تهاونًا منهم واستخفافًا، حتى إذا انصرفوا من مجلسك قالوا لمن حضروا مجلسك من أهل العلم بكتاب الله على سبيل الاستهزاء: ماذا قال محمد الآن؟
أولئك الذين ختم الله على قلوبهم، فلا تفقه الحق ولا تهتدي إليه، واتبعوا أهواءهم في الكفر والضلال.
وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين وعن مصير كل فريق .
انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين ، وعن موقفهم من النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - عليه ، فقال - سبحانه - : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ .
.
.
يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) .وضمير الجمع فى قوله - تعالى - : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) يعود إلى هؤلاء الكافرين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام ، وذلك باعتبار أن المنافقين فرقة من الكافرين ، إلا أنها تخفى هذا الكفر وتبطنه .كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإِسلام ، باعتبار أن من بينهم قوما قالوا كلمة الإِسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم .وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة ، بعد أن قويت شوكة المسلمين بها .
وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم ، هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون بالإِسلام على كره وهم يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء .
.
.
ويؤيدهم فى ذلك اليهود وغيرهم من الضالين .أى : ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء - أيها الرسول الكريم قوم يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم .( حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ) أى : من مجلسك الذى كانوا يستمعون إليك فيه ، ( قَالُواْ ) على سبيل الاستهزاء والتهكم ( لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم ) من أصحابك ، الذين فقهوا كلامك وحفظوه .( مَاذَا قَالَ آنِفاً ) أى : ماذا كان يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن نفارق مجلسه .فقوله : ( آنِفاً ) اسم فاعل ، ولم يسمع له فعل ثلاثى ، بل سمع ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ابتدأ .قال القرطبى : قوله : ( مَاذَا قَالَ آنِفاً ) أى : ماذا قال الآن .
.
فآنفا يراد به الساعة التى هى أقرب الأوقات إليك ، من قولك استأنفت الشئ إذا ابتدأت به ومنه قولهم : أمر أُنف ، وروضة أُنُف ، أى : لم يرعها أحد .وقال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ .
.
.
) هم المنافقون ، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ ، كما أن جمعه باعتبار المعنى .قال ابن جرير ، كانوا مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم .ومقصود بقولهم : ( مَاذَا قَالَ آنِفاً ) الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام .و ( آنِفاً ) اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له ثلاثى ، بل المسموع : استأنف وأتنف .ثم بين - سبحانه - حالهم فقال : ( أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ ) .
أى : أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح ، هم الذين طبع الله - تعالى - على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحباهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح ، ولا يستجيبون لخير ، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا ، ولا يفقهون حديثا .فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر وخداع ، ومن خبث وسوء طوية .
وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذى يناسب جرمهم .
لما بيّن الله تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار، وقوله: ﴿ وَمِنْهُمُ ﴾ يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الناس، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله ﴾ بعد ذكر الكفار، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى أهل مكة، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى: ﴿ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ أهلكناهم ﴾ ويحتمل أن يكون راجعاً إلى معنى قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد فِي النار وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً ﴾ يعني ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك، وقوله: ﴿ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ على ما ذكرنا حمل على المعنى الذي هو الجمع، ويستمع حمل على اللفظ، وقد سبق التحقيق فيه، وقوله: ﴿ حتى ﴾ للعطف في قول المفسرين، وعلى هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءاً من المعطوف عليه إما أعلاه أو دونه، كقول القائل: أكرمني الناس حتى الملك، وجاء الحاج حتى المشاة، وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى، ولا يشترط في العطف بالواو ذلك، فيجوز أن تقول في الواو: جاء الحاج وما علمت، ولا يجوز مثل ذلك في حتى، إذا علمت هذا فوجه التعلق هاهنا هو أن قوله: ﴿ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ يفيد معنى زائداً في الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعاً بالغاً جيداً، لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم، فإن قلت فعلى هذا يكون هذا صفة مدح لهم، وهو ذكرهم في معرض الذم، نقول يتميز بما بعده، وهو أحد أمرين: إما كونهم بذلك مستهزئين، كالذكي يقول للبليد: أعد كلامك حتى أفهمه، ويرى في نفسه أنه مستمع إليه غاية الاستماع، وكل أحد يعلم أنه مستهزئ غير مستفيد ولا مستعيد، وإما كونهم لا يفهمون مع أنهم يستمعون ويستعيدون، ويناسب هذا الثاني قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين ﴾ ، والأول: يؤكده قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ ﴾ .
والثاني: يؤكده قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ءانِفاً ﴾ قال بعض المفسرين: معناه الساعة، ومنه الاستئناف وهو الابتداء، فعلى هذا فالأولى أن يقال يقولون ماذا قال آنفاً بمعنى أنهم يستعيدون كلامه من الابتداء، كما يقول المستعيد للمعيد: أعد كلامك من الابتداء حتى لا يفوتني شيء منه.
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ .
أي تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة واتبعوا ضده.
<div class="verse-tafsir"
هم المنافقون: كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالاً تهاوناً منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولى العلم من الصحابة، ماذا قال الساعة؟
على جهة الاستهزاء.
وقيل: كان يخطب فإذا عاب المنافقين خرجوا فقالوا ذلك للعلماء.
وقيل: قالوه لعبد الله بن مسعود.
وعن ابن عباس: أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل ﴿ ءانِفاً ﴾ وقرئ: ﴿ أنفاً ﴾ على فعل، نصب على الظرف قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته.
والمعنى: ماذا قال في أوّل وقت يقرب منا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ الرَّسُولِ ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ فَإذا خَرَجُوا.
﴿ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ لِعُلَماءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ما الَّذِي قالَ السّاعَةَ، اسْتِهْزاءً أوِ اسْتِعْلامًا إذْ لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ، وآنِفًا مِن قَوْلِهِمْ أنِفَ الشَّيْءَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ، ومِنهُ اسْتَأْنَفَ وائْتَنَفَ وهو ظَرْفٌ بِمَعْنى وقْتًا مُؤْتَنِفًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قالَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أنِفًا».
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَهْزَءُوا وتَهاوَنُوا بِكَلامِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قال آنفا} هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالانهاونا منهم فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء {أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أهواءهم}
﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كَما أنَّ جَمْعَهُ بَعْدُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعُونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ تَهاوُنًا مِنهم ﴿ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الواعُونَ لِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّاعُونَ لَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ أيْ ما الَّذِي قالَ قُبَيْلَ هَذا الوَقْتِ ومَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءُ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِعْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهم حَقِيقَةَ الِاسْتِعْلامِ إذا لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ ولِذَلِكَ ذُمُّوا والأوَّلُ أوْلى، قِيلَ: ذَلِكَ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنا مِنهم وقَدْ سُمِّيتُ فِيمَن سُئِلَ وأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِنَصِّ القُرْآنِ.
وما أحْسَنَ ما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ، ( وآنِفًا ) اسْمُ فاعِلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ بِتَجْرِيدِ فِعْلِهِ مِنَ الزَّوائِدِ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ بَلِ اسْتَأْنَفَ وأْتَنَفَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ إذا ابْتَدَأْتَهُ وكانَ أصْلُ مَعْنى هَذا أخَذْتُ أنْفَهُ أيْ مَبْدَأهُ، وأصْلُ الأنْفِ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ ثُمَّ يُسَمّى بِهِ طَرَفُ الشَّيْءِ ومُقَدَّمُهُ وأشْرَفُهُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ آنِفًا مِن ذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ اسْمٌ لِلسّاعَةِ الَّتِي قَبْلَ ساعَتِكَ الَّتِي أنْتَ فِيها مِنَ الأنْفِ بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ وقَدِ اسْتُعِيرَ مِنَ الجارِحَةِ لِتَقَدُّمِها عَلى الوَقْتِ الحاضِرِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى زَمانِ الحالِ، وهو عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يُنافِي كَوْنَهُ اسْمَ فاعِلٍ كَما في بادِئٍ فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ غَلَبَ عَلى مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ النُّحاةِ عَدَّهُ في الظُّرُوفِ وأوْجَبَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (قالَ) أيْ ماذا قالَ مُبْتَدِئًا أيْ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (أنِفًا) عَلى وزْنِ فَعِلٍ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فَعَدَمُ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الخَيْرِ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ فَلِذَلِكَ كانَ مِنهم ما كانَ.
<div class="verse-tafsir"
فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يعني: إن تنصروا دين الله بقتال الكفار، يَنْصُرْكُمْ بالغلبة على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تزول في الحرب.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني: بعداً، ونكساً، وخيبة لهم.
وهو من قولك: تعست أي: عثرت، وسقطت، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب حسناتهم، فلم يقبلها منهم.
ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم، فقال: ذلِكَ يعني: ذلك الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: أنكروا، وكرهوا الإيمان بما أنزل الله على محمد .
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: ثواب أعمالهم.
ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أفلم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني: فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر أمرهم.
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: أهلكهم الله تعالى بالعذاب وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يعني: للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب، وهذا وعيد لكفار قريش.
ثم قال: ذلِكَ يعني: النصرة التي ذكر في قوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7] بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني: إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ يعني: لا ناصر، ولا ولي لهم، لا تنصرهم آلهتهم، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب.
ثم ذكر مستقر المؤمنين، ومستقر الكافرين، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ يعني: يعيشون بما أعطوا في الدنيا، وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم هَمٌّ إِلاَّ الأكل، والشرب، والجماع، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: منزلاً، ومستقرا لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ: صِفَتُها، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الرَّعْدِ: ٣٥] .
و "المُتَّقُونَ" عِنْدَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
و "الآسِنُ" المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ والطَّعْمِ، و "الآجِنُ" نَحْوُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "غَيْرِ أسِنٍ" بِغَيْرِ مَدٍّ.
وقَدْ شَرَحْنا قَوْلَهُ ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ في [الصّافّاتِ: ٤٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ أيْ: مِن عَسَلٍ لَيْسَ فِيهِ عَكَرٌ ولا كَدَرٌ كَعَسَلِ أهْلِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: مَن كانَ في هَذا النَّعِيمِ، كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ؟!
.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً حَمِيمًا ﴾ أيْ: حارًّا شَدِيدَ الحَرارَةِ.
و "الأمْعاءُ" جَمِيعُ ما في البَطْنِ مِنَ الحَوايا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مَن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ الآيَةُ.
تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وهي مُعادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُحَمَّدٍ في أنَّهُ الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وإلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في أنَّهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، وبَقِيَ اللَفْظُ عامًّا لِأهْلِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ غابِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى قَضِيَّةٍ واضِحَةٍ وعَقِيدَةٍ نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ ودِينٍ بَيِّنٍ" وألْحَقَ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "زُيِّنَ" ﴾ هو الشَيْطانُ، و"اتِّباعُ الأهْواءِ": طاعَتُها، كَأنَّها تَذْهَبُ إلى ناحِيَةٍ والمَرْءُ يَذْهَبُ مَعَها.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهُ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: صِفَةُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ فِيها كَذا وكَذا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلى بِقَوْلِهِ: فِيها كَذا وكَذا، والَّذِي ساقَ إلى أنْ تَجْعَلَ "مَثَلُ" بِمَثابَةِ "صِفَةٍ" هو أنَّ المُمَثَّلَ بِهِ لَيْسَ في الآيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ القَصْدَ في التَمْثِيلِ هو إلى الشَيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ المَرْءُ عِنْدَ سَماعِهِ: "فِيها كَذا وكَذا"، فَإنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقاعًا عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، وذَلِكَ هي مَثَلُ الجَنَّةِ ومِثالُها، أو فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَثَلُ الجَنَّةِ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعى هَذِهِ الأوصافَ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِثالُ الجَنَّةِ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أمْثالُ الجَنَّةِ"، وعَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ كُلِّها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أساكِنُ هَذِهِ؟
أو تَقْدِيرُهُ: أهَؤُلاءِ؟
إشارَةٌ إلى المُتَّقِينَ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَذْفُ في صَدْرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟
ويَكُونُ قَوْلُهُ مُسْتَفْهِمًا عنهُ بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ - وهي بِهَذِهِ الأوصافِ - كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟
فَتَكُونُ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَن" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِيها أنْهارٌ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
و ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، وسَواءٌ أُنْتِنَ أو لَمْ يُنْتَنْ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ - بِفَتْحِ السِينِ - وأسِنَ بِكَسْرِها - وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "آسِنٍ" ﴾ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أسِنَ" عَلى وزْنِ فَعِلَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأسْنُ: الَّذِي يَخْشى عَلَيْهِ مِن رِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن ماءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: التارِكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ ∗∗∗ يَمِيلُ في الرُمْحِ مَيْلَ المائِحِ الأسِنِ وقالَ الأخْفَشُ: "آسِنٍ" لُغَةٌ، والمَعْنى الإخْبارُ بِهِ عَنِ الحالِ، ومَن قالَ: "آسِنٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، فَهو يُرِيدُ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَنَفى ذَلِكَ في الآيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَيْرَ يَسِنٍ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ عن عَوْفٍ: كَذَلِكَ كانَتْ في المُصْحَفِ "غَيْرَ يَسِنٍ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في اللَبَنِ: ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الفَسادِ في اللَبَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ جَمَعْتُ طِيبَ المَطْعَمِ وزَوالَ الآفاتِ مِنَ الصُداعِ وغَيْرَهُ، و"لَذَّةٍ" نَعْتٌ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، وتَصْفِيَةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لِبَوْسَتِهِ وضَرَرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأنْواعِ، لَكِنَّها بَعِيدَةُ الشَبَهِ، إذْ تِلْكَ لا عَيْبَ فِيها ولا تَعَبَ بِوَجْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مَعْناهُ: وتَنْعِيمٌ أعْطَتْهُ المَغْفِرَةُ وسَبَّبَتْهُ؛ وإلّا فالمَغْفِرَةُ إنَّما هي قَبْلَ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَسُقُوا" ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ النَبِيِّ ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ وتِلاوَتَهُ، فَإذا خَرَجُوا قالَ بَعْضُهم لِمَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا وانْتَفَعُوا: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟
فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ هَذا اسْتِخْفافًا، أيْ: ما مَعْنى ما قالَ؟
وما نَفْعُهُ؟
وما قَدْرُهُ؟
ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَهْلًا ونَسْيانًا لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ الكَلامِ مُقْبِلًا عَلى فِكْرَتِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وفي كُفْرِهِ، فَكانَ القَوْلُ يَمُرُّ صَفْحًا، فَإذا خَرَجَ قالَ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟
وهَذا أيْضًا فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ لِأنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ كانَ يَقْصِدُ الإعْراضَ وقْتَ الكَلامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ لَمٍ يَبْعُدْ أنْ يَجْرِيَ عَلى بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ سُئِلَ هَذا السُؤالَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و" آنِفًا" مَعْناهُ: مُبْتَدِئًا، كَأنَّهُ قالَ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عنهُ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنِفًا" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "أنْفًا" عَلى وزْنِ فَعْلٍ، وهُما اسْما فاعِلٍ مِنِ "ائْتَنَفَ"، وجَرَيا عَلى غَيْرِ فِعْلِهِما، وهَذا كَما جَرى "فَقِيرٌ" عَلى "افْتَقَرَ" ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "فَقْرٌ"، وهَذا كَثِيرٌ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: "أنْفًا" مَعْناهُ: الساعَةُ الماضِيَةُ القَرِيبَةُ مِنّا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الفاعِلِينَ لِهَذا، وهَذا الطَبْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْعَآءَهُمْ * وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ ءَانِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .
ضمير ﴿ ومنهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ [محمد: 12] الذين جرى ذكرهم غير مرة من أول السورة، أي ومن الكافرين قوم يستمعون إليك، وأراد بمن يستمع معهم المنافقين بقرينة قوله: ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ﴾ وقوله: ﴿ خرجوا من عندك ﴾ .
وليس المراد مجرد المستمعين مثل ما في قوله: ﴿ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تُسمع الصم ﴾ [يونس: 42] وقوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ [الأنعام: 25] للفرق الواضح بين الأسلوبين، وهذا صنف آخر من الكافرين الذين أسرّوا الكفر وتظاهروا بالإيمان، وقد كان المنافقون بعد الهجرة مقصودين من لفظ الكفار.
وهذه السورة نازلة بقرب عهد من الهجرة فلذلك ذكر فيها الفريقان من الكفار.
ومعنى ﴿ يستمع إليك ﴾ : يحضرون مجلسك ويسمعون كلامك وما تقرأ عليهم من القرآن.
وهذه صفة من يتظاهر بالإسلام فلا يُعرضون عن سماع القرآن إعراض المشركين بمكة.
روي عن الكلبي ومقاتل: أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن الثابوت والحارث بن عَمرو وزيد بن الصلت ومالك بن الدخشم.
والاستماع: أشد السمع وأقواه، أي يستمعون باهتمام يظهرون أنهم حريصون على وَعي ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم يُلقون إليه بالهم، وهذا من استعمال الفعل في معنى إظهاره لا في معنى حصوله.
وحق فعل استمع أن يعدّى إلى المفعول بنفسه كما في قوله: ﴿ يستمعون القرآن ﴾ [الأحقاف: 29] فإذا أريد تعلقه بالشخص المَسموع منه يقال: استمع إلى فلان كما قال هنا ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ ، وكذا جاء في مواقعه كلها من القرآن.
و ﴿ حتى ﴾ في قوله: ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ ابتدائية و ﴿ إذَا ﴾ اسم زمان متعلق ب ﴿ قالوا ﴾ .
والمعنى: فإذا خرجوا من عندك قالوا الخ.
والخروج: مغادرة مكان معيّن محصوراً وغير محصور، فمنه ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ [يوسف: 100]، ومنه ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ [الأعراف: 110].
والخروج من عند النبي صلى الله عليه وسلم مغادرة مجلسه الذي في المسجد وهو الذي عبر عنه هنا بلفظ ﴿ عندك ﴾ .
و ﴿ مِن ﴾ لتعدية فعل ﴿ خرجوا ﴾ وليست التي تزاد مع الظروف في نحو قوله تعالى: ﴿ مِن عند الله ﴾ [البقرة: 89].
والذين أوتوا العلم: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملازمون لمجلسه وسُمِّي منهم عبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عبّاس.
وروي عنه أنه قال: أنا منهم وسُئِلتُ فيمن سُئل.
والمعنى: أنهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن وما يقوله من الإرشاد وحذف مفعول ﴿ يستمعون ﴾ ليشمل ذلك.
ومعنى ﴿ آنفاً ﴾ : وقتاً قريباً من زمن التكلم، ولم ترد هذه الكلمة إلا منصوبة على الظرفية.
قال الزجاج: هو من استَأنف الشيءَ إذا ابتدأه اه يريد أنه مشتق من فعل مزيد ولم يسمع له فعل مجرد، وظاهر كلامهم أن اشتقاقه من الاسم الجامد وهو الأنْفُ، أي جَارحة الشمّ وكأنهم عنوا به أنف البعير لأن الأنف أول ما يَبْدُو لراكبه فيأخذ بخطامه، فلوحظ في اسم الأنْف معنى الوصف بالظهور، وكني بذلك عن القرب، وقال غيره: هو مشتق من أُنُف بضم الهمزة وضم النون يوصف به الكأس التي لم يُشرب منها من قَبل، وتُوصف به الروضة التي لم تُرْع قبلُ، كأنهم لاحَظوا فيها لازم وصف عدم الاستعمال وهو أنه جديد، أي زمن قريب، ف ﴿ آنفاً ﴾ زماناً لم يبعد العهد به.
قال ابن عطية: «والمفسّرون يقولون: ﴿ آنفاً ﴾ معناه: الساعة القريبة مِنا وهذا تفسيرُ المعنى» اه.
وفي كلامه نظر لأن أهل اللغة فسروه بوقت يقرب منا.
وصيغ على زنة اسم الفاعل وليس فيه معنى اسم الفاعل، فهذا اسم غريب التصريففِ ولا يحفظ شيء من شعر العرب وقع فيه هذا اللفظ.
واتفق القراء على قراءته بصيغة فاعل وشذت رواية عن البزي عن ابن كثير أنه قرأ ﴿ آنفاً ﴾ بوزن كتف.
وقد أنكر بعض علماء القراءات نِسبتها إلى ابن كثير ولكن الشاطبي أثبتها في حرز الأماني وقد ذكرها أبو علي في الحجة.
فإذا صحت هذه الرواية عن البزّي عنه كان ﴿ آنِفاً ﴾ حالاً من ضمير ﴿ من يستمع ﴾ أجري على الإفراد رعياً للفظ ﴿ مَن ﴾ .
ومعناه: أنه يقول ذلك في حال أنه شديد الأنفة، أي التكبر إظهاراً لترفعه عن وعي ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم وينتهي الكلام عند ماذا.
وزعم أبو علي في الحجة: أن البزي توهمه مثل: حَاذر وحَذر.
ولا يظن مثل هذا بالبزي لو صحت الرواية عنه عن ابن كثير.
وسياق الكلام يدل على ذم هذا السؤال لقوله عقبه ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ فهو سؤال يُنْبئ عن مذمة سائليه، فإن كان سؤالهم حقيقة أنبأ عن قلة وعيهم لما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم فهم يستعيدونه من الذين علموه فلعل استعادتهم إياه لقصد أن يتدارسوه إذا خلوا مع إخوانهم ليختلقوا مغامر يهيئونها بينهم، أو أن يجيبوا من يسألهم من إخوانهم عما سمعوه في المجلس الذي كانوا فيه.
ويجوز أن يكون السؤال على غير حقيقته ناوين به الاستهزاء يُظهرون للمؤمنين اهتمامهم باستعادة ما سمعوه ويقولون لإخوانهم: إنما نحن مستهزؤون، أو أن يكون سؤالهم تعريضا بأنهم سمعوا كلاماً لا يستبين المراد منه لإدخال الشك في نفوس مَن يُحسون منهم الرغبة في حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم تعريضاً لقلة جدوى حضورها.
ويجوز أن تكون الآية أشارتْ إلى حادثة خاصة ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين وأحوالهم وعَلِم الذين كانوا حاضرين منهم أنهم المعنيّون بذلك، فأرادوا أن يسألوا سؤال استطلاع هل شعر أهل العلم بأن أولئك هم المعنيّون، فيكون مفعول ﴿ يستمعون ﴾ محذوفاً للعلم به عند النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ءَانِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا ﴾ .
استئناف بياني لأن قولهم: ﴿ ماذا قال آنفاً ﴾ سؤال غريب من شأنه إثارة سؤال من يسأل عن سبب حصوله على جميع التقادير السابقة في مرادهم منه.
وجيء باسم الإشارة بعد ذكر صفاتهم تشهيراً بهم، وجيء بالموصول وصلتيه خبراً عن اسم الإشارة لإفادة أن هؤلاء المتميزين بهذه الصفات هم أشخاص الفريق المتقرر بين الناس أنهم فريق مطبوع على قلوبهم لأنه قد تقرر عند المسلمين أن الذين صمّموا على الكفر هم قد طبع الله على قلوبهم وأنهم متّبعون لأهوائهم، فأفادت أن هؤلاء المستمعين زمرة من ذلك الفريق، فهذا التركيب على أسلوب قوله تعالى: ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ في سورة البقرة (5).
والطبع على القلب: تمثيل لعدم مخالطة الهدى والرشد لعقولهم بحال الكِتاب المطبوع عليه، أو الإناء المختوم بحيث لا يصل إليه من يحاول الوصول إلى داخله، فمعناه أن الله خلق قلوبهم، أي عقولهم غير مدركة ومصدقة للحقائق والهدى.
وهذا الطبع متفاوت يزول بعضه عَن بعض أهله في مدد متفاوتة ويدوم مع بعض إلى الموت كما وقعَ، وزواله بانتهاء ما في العقل من غشاوة الضلالة وبتوجه لطف الله بمن شاء بحكمته اللطف به المسمى بالتوفيق الذي فسره الأشعرية بخلق القدرة والداعية إلى الطاعة، وبأنه ما يقع عنده صلاح العبد آخره.
وفسر المعتزلة اللطف بإيصال المنافع إلى العبد من وجه يدق إدراكه وتمكينُه بالقدرة والآلات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والبَيِّنَةُ الوَحْيُ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والبَيِّنَةُ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُهُمُ الأوْثانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: شِرْكُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ المُشْرِكِينَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الِاثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.
وَفِيمَن زَيَّنَهُ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ.
الثّانِي: أنْفُسُهم.
﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتٌ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنهار من ماء غير آسن ﴾ قال: غير متغير.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من ماء غير آسن ﴾ قال: غير منتن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يحلب.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: لم يخرج من بين فرث ودم ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ قال: لم تدنسه الرجال بأرجلهم ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ قال: لم يخرج من بطون النحل.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن معاوية بن حيدة رضي الله الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد» .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة؟
ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.
وأخرج ابن مردويه عن الكلبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية قال: حدثني أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي فانطلق بي الملك فانتهى بي إلى نهر الخمر فإذا عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟
فقال: هذا نهر دجلة.
فقلت له: إنه ماء قال هو ماء في الدنيا يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة خمر لأهل الجنة.
قال: ثم انطلقت مع الملك إلى نهر الرب فقلت للملك: أي نهر هذا؟
قال: هو جيحون وهو الماء غير آسن، وهو في الدنيا ماء يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسن، ثم انطلق بي فأبلغني نهر اللبن الذي يلي القبلة، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟
قال: هذا نهر الفرات، فقلت: هو ماء قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذرية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم، ثم انطلق بي فأبلغني نهر العسل الذي يخرج من جانب المدينة، فقلت للملك الذي أرسل معي: أيّ نهر هذا؟
قال: هذا نهر مصر.
قلت: هو ماء.
قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو في الآخرة عسلٌ لأهل الجنة» ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ يقول: في الجنة ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ يقول: لذنوبهم.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي وائل رضي اللهعنه قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان ألى ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟
أياء تجده أما الفا؟
من ماء غير ياسن أو من ماء غير آسن؟
فقال له عبد الله رضي الله عنه: وكل القرآن أحصيت غير هذا؟
فقال أني لأقرأ المفصل في ركعة.
قال: هذا كهذا الشعر إن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن سعد بن طريف رضي الله عنه قال: سألت أبا إسحاق رضي الله عنه عن ﴿ ماء غير آسن ﴾ قال: سألت عنها الحارث فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم، قال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فمه والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني المنافقين يستمعون خطبة النبي - - يوم الجمعة، وكان يعرض بالمنافقين ويعيبهم، فإذا خرجوا من المسجد قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال آنفاً، وذلك قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ (١) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنت فيمن سئل، يعني أنه من الذين ذكرهم الله في قوله: (قالوا للذين أوتوا العلم) (٢) (٣) (٤) قوله: ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾ أي: ماذا قال الساعة، ويعني الآنف من الائتناف، وهو الابتداء يقال: ائتنفت الكلام ائتنافاً، أي: ابتدأته.
قال: ذلك أبو زيد، والاستئناف أيضًا بهذا المعنى، وهما من الأنف وهو أول كل شيء يقال هذا ثم أنف العدو، وأنف البرد، وأنف المطر، أي: أوله (٥) (٦) أي: في أول جريه، ومن هذا أنف الجبل، وأنف الإنسان، وأنف خف البعير، وقال أبو علي الفارسي: و (آنفا) من أنف، أي ابتدأ وهو غير مستعمل، وإن كان القياس يوجبه، وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير، جاء على فَقره، والمستعمل افتقر، وكذلك شديد، والمستعمل اشتد، فكذلك قوله: آنفاً، والمستعمل ائتنف (٧) وروى أحمد بن موسى بإسناده عن ابن كثير من طريق البزي: (أنِفاً) بالقمر (٨) ويحرُمُ سِرُّ جَارَتِهم عليهم ...
ويَأْكُلُ جَارُهُم أُنُفَ القِصَاعِ (٩) يريد: أنهم يؤثرونه بأفضل الطعام وأوله لا البقايا، وأُنُف جمع أَنْف بالمد، مثل: قَاتِل وقُتُلٍ، وبازلٍ وبُزُلٍ (١٠) وذكر المفسرون في وجه سؤال المنافقين قولين: أحدهما: أنهم سألوا استهزاء منهم وإعلاماً أنهم لم يستمعوا إلى كلامه ولم يلتفتوا إلى ما قال، وهذا اختيار الزجاج (١١) (١٢) قال مقاتل: وقد سمعوا قول النبي - - فلم يفقهوه (١٣) - يخرجون فيقولون: ماذا قال آنفاً (١٤) ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ قال مقاتل: ختم على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان ﴿ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ في الكفر (١٥) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 243، "تنوير المقباس" ص 508.
(٢) خرج ذلك الطبري.
انظر: "تفسيره" 13/ 51، والحاكم في "المستدرك" 2/ 457 وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
انظر: "المستدرك" كتاب التفسير تفسير سورة محمد - -.
(٣) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 238.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (أنف) 15/ 482، "اللسان" (أنف) 9/ 14.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (أنف) 15/ 482، "اللسان" 9/ 14.
(٧) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 193.
(٨) انظر: "الحجة" 6/ 192، "التذكرة في القراءات" لابن غلبون 2/ 683.
(٩) البيت للحطيئة.
انظر: "ديوانه" ص 62، "لسان العرب" (أنف) 9/ 13، و"الزاهر" 2/ 312.
(١٠) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 194.
(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10، "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"زاد المسير" 7/ 402.
(١٢) "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"زاد المسير" 7/ 402.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.
(١٤) ذكر أبو حيان في البحر المحيط قريبًا من ذلك ولم ينسبه.
انظر: "البحر المحيط" 8/ 79، وكذلك ذكر نحوه ابن كثير في "تفسيره" 6/ 316.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ يعني المنافقين، وجاء يستمعون بلفظ الجمع رعياً لمعنى من ﴿ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم ﴾ روي أنه عبد الله بن مسعود ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفاً ﴾ كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين: إما احتقاراً لكلامه، كأنهم قالوا: أي فائدة فيه، وإما جهلاً منهم ونسياناً لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه، وآنفاً معناه الساعة الماضية قريباً، وأصله من: استأنفت الشيء إذا ابتدأته.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله، وهو قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم.
وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله - - وما يعقب لهم نفعاً في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، والله أعلم.
والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيئاً لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئاً ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ كانت سنة الله - - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ هو خير من الله - - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.
والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.
ثم في ذلك وجهان: أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، والله أعلم.
والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك داراً أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله - -: ﴿ وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟
والله أعلم.
ويخرج على هذا التأويل قوله - -: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ أي: ليس من كان خالداً في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.
والثاني: يحتمل قوله - -: ﴿ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن...
﴾ كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: ﴿ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً...
﴾ الآية.
والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله - - فيما تقدم من حيث قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...
﴾ الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه, والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدراً [ثم] صفي، أو كان خلق بعضه كدراً وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله - -: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.
أو يقول: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ التي يريدون فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ومن المنافقين من يستمع إليك -أيها الرسول- سماعًا لا قبول معه، بل مع إعراض، حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أعطاهم الله علمًا: ماذا قال في حديثه قريبًا؟
تجاهلًا منهم وإعراضًا، أولئك هم الذين ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، واتبعوا أهواءهم فأعمتهم عن الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.mPlQJ"