الآية ١٥ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٥ من سورة محمد

مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌۭ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍۢ وَأَنْهَـٰرٌۭ مِّن لَّبَنٍۢ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌۭ مِّنْ خَمْرٍۢ لَّذَّةٍۢ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌۭ مِّنْ عَسَلٍۢ مُّصَفًّۭى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌۭ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًۭا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) قال عكرمة : ( مثل الجنة ) أي : نعتها : ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة : يعني غير متغير .

وقال قتادة ، والضحاك ، وعطاء الخراساني : غير منتن .

والعرب تقول : أسن الماء ، إذا تغير ريحه .

وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم : ( غير آسن ) يعني : الصافي الذي لا كدر فيه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق قال : قال عبد الله : أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك .

( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) أي : بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة .

وفي حديث مرفوع : " لم يخرج من ضروع الماشية " .

( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) أي : ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا ، بل [ هي ] حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل ، ( لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ) [ الصافات : 47 ] ، ( لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) [ الواقعة : 19 ] ، ( بيضاء لذة للشاربين ) [ الصافات : 46 ] ، وفي حديث مرفوع : " لم تعصرها الرجال بأقدامها " .

[ وقوله ] ( وأنهار من عسل مصفى ) أي : وهو في غاية الصفاء ، وحسن اللون والطعم والريح ، وفي حديث مرفوع : " لم يخرج من بطون النحل " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الجريري ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " في الجنة بحر اللبن ، وبحر الماء ، وبحر العسل ، وبحر الخمر ، ثم تشقق الأنهار منها بعد " .

ورواه الترمذي في " صفة الجنة " ، عن محمد بن بشار ، عن يزيد بن هارون ، عن سعيد بن إياس الجريري به وقال : حسن صحيح .

وقال أبو بكر بن مردويه حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم ، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبة ، ثم تصدع بعد أنهارا " وفي الصحيح : " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، وفوقه عرش الرحمن " .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري ، وعبد الله بن الصقر السكري قالا : حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة ، حدثني عبد الرحمن بن عياش ، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي ، عن أبيه ، عن عمه لقيط بن عامر ، قال دلهم : وحدثنيه أيضا أبو الأسود ، عن عاصم بن لقيط أن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : يا رسول الله ، فعلام نطلع من الجنة ؟

قال : " على أنهار عسل مصفى ، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وماء غير آسن ، وفاكهة ، لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله ، وأزواج مطهرة " قلت : يا رسول الله ، أولنا فيها أزواج مصلحات ؟

قال : " الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم ، غير ألا توالد " .

وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا : حدثنا يعقوب بن عبيدة ، عن يزيد بن هارون ، أخبرني الجريري ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك قال : لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض ، والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض ، حافاتها قباب اللؤلؤ ، وطينها المسك الأذفر .

وقد رواه أبو بكر بن مردويه ، من حديث مهدي بن حكيم ، عن يزيد بن هارون به مرفوعا .

وقوله : ( ولهم فيها من كل الثمرات ) ، كقوله : ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) [ الدخان : 55 ] .

وقوله : ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) [ الرحمن : 52 ] .

وقوله : ( ومغفرة من ربهم ) أي : مع ذلك كله .

وقوله : ( كمن هو خالد في النار ) أي : أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار ؟

ليس هؤلاء كهؤلاء ، أي : ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات ، ( وسقوا ماء حميما ) أي : حارا شديد الحر ، لا يستطاع .

( فقطع أمعاءهم ) أي : قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء ، عياذا بالله من ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) يقول تعالى ذكره: صفة الجنة التي وعدها المتقون, وهم الذين اتقوا في الدنيا عقابه بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه ( فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) يقول تعالى ذكره في هذه الجنة التي: ذكرها أنهار من ماء غير متغير الريح, يقال منه: قد أسن ماء هذه البئر: إذا تغيرت ريح مائها فأنتنت, فهو يأسَن أسَنًا, وكذلك يُقال للرجل إذا أصابته ريح منتنة: قد أَسِن فهو يأْسَن.

وأما إذا أَجَنَ الماء وتغير, فإنه يقال له: أسِن فهو يأسَن, ويأسن أسونا, وماء أسن.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله ( فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) يقول: غير متغير.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) قال: من ماء غير مُنْتن.

حدثني عيسى بن عمرو, قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد, قال: ثنا مصعب بن سلام, عن سعد بن طريف, قال: سألت أبا إسحاق عن ( مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) قال: سألت عنها الحارث, فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم, قال: بلغني أنه لا تمسه يد, وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فى فيه.

وقوله ( وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) يقول تعالى ذكره: وفيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع, ولكنه خلقه الله ابتداء في الأنهار, فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه.

وقوله ( وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) يقول: وفيها أنهار من خمر لذة للشاربين يلتذّون بشربها.

كما حدثني عيسى, قال: ثنا إبراهيم بن محمد, قال: ثنا مصعب, عن سعد بن طريف, قال: سألت عنها الحارث, فقال: لم تدسه المجوس, ولم ينفخ فيه الشيطان, ولم تؤذها شمس, ولكنها فوحاء (1) قال: قلت لعكرمة: ما الفوحاء: قال: الصفراء.

وكما حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم, قال: ثنا حفص بن عمر, قال: ثنا الحكم بن أبان, عن عكرمة, في قوله ( مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) قال: لم يحلب, وخُفِضت اللذة على النعت للخمر, ولو جاءت رفعا على النعت للأنهار جاز, أو نصبا على يتلذّذ بها لذة, كما يقال: هذا لك هبة.

كان جائزا ; فأما القراءة فلا أستجيزها فيها إلا خفضا لإجماع الحجة من القرّاء عليها.

وقوله ( وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ) يقول: وفيها أنهار من عسل قد صُفِّي من القَذى, وما يكون في عسل أهل الدنيا قبل التصفية, إنما أعلم تعالى ذكره عباده بوصفه ذلك العسل بأنه مصفى أنه خلق في الأنهار ابتداء سائلا جاريا سيل الماء واللبن المخلوقين فيها, فهو من أجل ذلك مصفًّى, قد صفاه الله من الأقذاء التي تكون في عسل أهل الدنيا الذي لا يصفو من الأقذاء إلا بعد التصفية, لأنه كان في شمع فصُفي منه.

وقوله ( وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء المتقين في هذه الجنة من هذه الأنهار التي ذكرنا من جميع الثمرات التي تكون على الأشجار ( وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) يقول: وعفو من الله لهم عن ذنوبهم التي أذنبوها في الدنيا, ثم تابوا منها, وصَفْحٌ منه لهم عن العقوبة عليها.

وقوله ( كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ) يقول تعالى ذكره: أمَّن هو في هذه الجنة التي صفتها ما وصفنا, كمن هو خالد في النار.

وابتُدئ الكلام بصفة الجنة, فقيل: مثل الجنة التي وعد المتقون, ولم يقل: أمَّن هو في الجنة.

ثم قيل بعد انقضاء الخبر عن الجنة وصفتها( كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ) .

وإنما قيل ذلك كذلك, استغناء بمعرفة السامع معنى الكلام, ولدلالة قوله ( كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ) على معنى قوله ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ).

وقوله ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا ) يقول تعالى ذكره: وسُقي هؤلاء الذين هم خلود في النار ماء قد انتهى حرّه فقطع ذلك الماء من شدّة حرّه أمعاءهم.

كما حدثني محمد بن خلف العَسْقلانيّ, قال: ثنا حَيْوة بن شُريح الحِمصِيّ, قال: ثنا بقية, عن صفوان بن عمرو, قال: ثني عبيد الله بن بشر, عن أبي أُمامة الباهلي, عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقوله وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ قال: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّهُهُ, فإذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ, وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رأْسِهِ, فإذَا شَرِبَ قَطَّعَ أمْعاءَهُ حتى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ.

قال: يقول الله ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ) يقول الله عزّ وجلّ &; 22-169 &; يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا .

------------------------ الهوامش: (1) في اللسان : الفوح : وجدانك الريح الطيبة .

فاحت ريح المسك تفوح وتفيح ، فوحا وفيحا .

وفوحانا فيحانا : انتشرت رائحته .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم .[ ص: 217 ] قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون لما قال - عز وجل - : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات وصف تلك الجنات ، أي : صفة الجنة المعدة للمتقين .

وقد مضى الكلام في هذا في ( الرعد ) وقرأ علي بن أبي طالب ( مثال الجنة التي وعد المتقون )فيها أنهار من ماء غير آسن أي غير متغير الرائحة .

والآسن من الماء مثل الآجن .

وقد أسن الماء يأسن ويأسن أسنا وأسونا إذا تغيرت رائحته .

وكذلك أجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا .

ويقال بالكسر فيهما : أجن وأسن يأسن ويأجن أسنا وأجنا ، قاله اليزيدي .

وأسن الرجل أيضا يأسن ( بالكسر لا غير ) إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشي عليه أو دار رأسه ، قال زهير :قد أترك القرن مصفرا أنامله يميد في الرمح ميد المائح الأسنويروى ( الوسن ) وتأسن الماء تغير .

أبو زيد : تأسن علي تأسنا اعتل وأبطأ .

أبو عمرو : تأسن الرجل أباه أخذ أخلاقه .

وقال اللحياني : إذا نزع إليه في الشبه ، وقراءة العامة آسن بالمد .

وقرأ ابن كثير وحميد ( أسن ) بالقصر ، وهما لغتان ، مثل حاذر وحذر .

وقال الأخفش : أسن للحال ، وآسن ( مثل فاعل ) يراد به الاستقبال .وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة .

وأنهار من خمر لذة للشاربين أي لم تدنسها الأرجل ولم ترنقها الأيدي كخمر الدنيا ، فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون .

يقال : شراب لذ ولذيذ بمعنى .

واستلذه عده لذيذا .

وأنهار من عسل مصفى العسل ما يسيل من لعاب النحل .

مصفى أي : من الشمع والقذى ، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنسه النحل .

وفي الترمذي عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد .

قال : حديث حسن صحيح .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة .

وقال كعب : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ، ونهر الفرات نهر لبنهم ، ونهر مصر نهر خمرهم ، ونهر سيحان نهر عسلهم .

وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر .

والعسل : يذكر ويؤنث .

وقال ابن عباس : من عسل مصفى أي : لم يخرج من بطون النحل .ولهم فيها من كل الثمرات من زائدة للتأكيد .

ومغفرة من ربهم أي لذنوبهم .

كمن هو خالد في النار قال الفراء : [ ص: 218 ] المعنى أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار .

وقال الزجاج : أي : أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار .

فقوله : كمن بدل من قوله : أفمن زين له سوء عمله .

وقال ابن كيسان : مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم .

ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم .وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم أي حارا شديد الغليان ، إذا أدني منهم شوى وجوههم ، ووقعت فروة رءوسهم ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم .

والأمعاء : جمع معى ، والتثنية معيان ، وهو جميع ما في البطن من الحوايا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: مثل الجنة التي أعدها الله لعباده، الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي: نعتها وصفتها الجميلة.{ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ } أي: غير متغير، لا بوخم ولا بريح منتنة، ولا بمرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحا، وألذها شربا.{ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } بحموضة ولا غيرها، { وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ } أي: يلتذ به شاربه لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا الذي يكره مذاقه ويصدع الرأس، ويغول العقل.{ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى } من شمعه، وسائر أوساخه.{ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } من نخيل، وعنب، وتفاح، ورمان، وأترج، وتين، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا، فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم.ثم قال: { وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ } يزول بها عنهم المرهوب، فأي هؤلاء خير أم من هو خالد في النار التي اشتد حرها، وتضاعف عذابها، { وَسُقُوا } فيها { مَاءً حَمِيمًا } أي: حارا جدا، { فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } فسبحان من فاوت بين الدارين والجزاءين، والعاملين والعملين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثل الجنة التي وعد المتقون ) أي صفتها ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) آجن متغير منتن ، قرأ ابن كثير " أسن " بالقصر ، والآخرون بالمد ، وهما لغتان يقال : أسن الماء يأسن أسنا ، وأجن يأجن ، أسونا وأجونا ، إذا تغير ( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ) [ لذيذة ] ( للشاربين ) لم تدنسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي ( وأنهار من عسل مصفى ) .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير وعلي بن مسهر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة " .

قال كعب الأحبار : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ، ونهر الفرات نهر لبنهم ، ونهر مصر نهر خمرهم ، ونهر سيحان نهر عسلهم ، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر .

( ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار ) أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار ( وسقوا ماء حميما ) شديد الحر تسعر عليهم جهنم منذ خلقت إذا أدني منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رءوسهم فإذا شربوه ( فقطع أمعاءهم ) فخرجت من أدبارهم ، والأمعاء جميع ما في البطن من الحوايا واحدها معى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل» أي صفة «الجنة التي وعد المتقون» المشتركة بين داخليها مبتدأ خبره «فيها أنهار من ماءٍ غير آسن» بالمد والقصر كضارب وحذر، أي غير متغير بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض «وأنهار من لبن لم يتغير طعمه» بخلاف لبن الدنيا لخروجه من الضروع «وأنهار من خمر لذة» لذيذة «للشاربين» بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب «وأنهار من عسل مصفى» بخلاف عسل الدنيا فإنه بخروجه من بطون النحل يخالط الشمع وغيره «ولهم فيها» أصناف «من كل الثمرات ومغفرة من ربهم» فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم «كمن هو خالد في النار» خبر مبتدأ مقدر، أي أمن هو في هذا النعيم «وسقوا ماء حميما» أي شديد الحرارة «فقطَّع أمعاءهم» أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم، وهو جمع معى بالقصر، وألفه عن ياء لقولهم ميعان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

صفة الجنة التي وعدها الله المتقين: فيها أنهارٌ عظيمة من ماء غير متغيِّر، وأنهار من لبن لم يتغيَّر طعمه، وأنهار من خمر يتلذذ به الشاربون، وأنهار من عسل قد صُفِّي من القذى، ولهؤلاء المتقين في هذه الجنة جميع الثمرات من مختلف الفواكه وغيرها، وأعظم من ذلك السَّتر والتجاوزُ عن ذنوبهم، هل مَن هو في هذه الجنة كمَن هو ماكث في النار لا يخرج منها، وسُقوا ماء تناهى في شدة حره فقطَّع أمعاءهم؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال : ( مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون ) .والمراد بالمثل هنا : الصفة .

وهو مبتدأ ، والكلام على تقدير الاستفهام الإِنكارى ، وتقدير مضاف محذوف ، والخبر قوله - تعالى - : ( كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار ) .

أى : أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد فى النار : أو : أمثل الجنة جزاء من هو خالد فى النار ، وقدر الاستفهام فى المبتدأ لأنه مرتب على الإِنكار الساق فى قوله : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) .ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت ما معنى قوله - تعالى - : ( مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ ) كمن هو خالد فى النار؟قلت : هو كلام فى صورة الإِثبات ، ومعناه النفى والإِنكار ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإِنكار ، ودخوله فى حيزه ، وانخراطه فى سلكه ، وهو قوله - تعالى - : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ .

.

) ؟

فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد فى النار ، أى كمثل جزاء من هو خالد فى النار؟فإن قلت : فلم عرَّى فى حرف الإِنكار؟

وما فائدة التعرية؟قلت : تعريته من حرف الإِنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التى تجرى فيها الأنهار ، وبين النار التى يسقى أهلها الجحيم .

.وقوله - سبحانه - : ( فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة أى : صفة الجنة التى وعد الله - تعالى - بها عباده المتقين ، أنها فيها أنهار من ماء ليس متغيرا فى طعمه أو رائحته ، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس .والماء الآسن : هو الماء الذى تغير طعمه وريحه ، لطول مكثه فى مكان معين .

يقال : أَسَنَ الماء يأسِن - كضرب - يضرب ، إذا تغير .( وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) أى : وفيها - أيضا - أنهار من لبن لم يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التى تشرب فى الدنيا .( وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ) أى : وفيها كذلك أنهار من خمر فى غاية اللذة لمن يشربها ، إذ لا يعقبها ذهاب عقل ، ولا صداع .وقال - سبحانه - ( لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ) للإِشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعفها حتى ولو كان على غير دين الإِسلام .( وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ) أى : وفيها - أيضا - أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره .( وَلَهُمْ ) أى : للمؤمنين ( فِيهَا ) أى : فى الجنة فضلا عن كل ذلك ( مِن كُلِّ الثمرات ) التى يشتهونها ، وأهم من كل ذلك أنهم لهم فيها : ( وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ) أى : لهم ثواب عظيم وفضل كبير من ربهم ، حيث ستر لهم ذنوبهم ، وأزالها عنهم ، وحولها إلى حسنات بكرمه وإحسانه .وقوله - سبحانه - : ( كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ) أى : أمثل جزاء المؤمنين الذى هو الجنة التى فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل .

.

كمثل عقاب الكافرين والمتمثل فى نارهم خالدين فيها أبدا ، وفى ماء فى أشد درجات الحرارة ، يشربونه فيقطع أمعاءهم؟لا شك أن كل عاقل يرى فرقا شاسعا ، بين حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الكافرين .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار فى المنهج والسلوك ، وفى المصير الذى يصير إليه كل فريق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون ﴾ .

لما بيّن الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بيّن الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما، وكما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه، قدم حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله، وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ يستدعي أمراً يمثل به فما هو؟

نقول فيه وجوه: الأول: قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف الجنة، وذلك لا يقتضي ممثلاً به، وعلى هذا ففيه احتمالان أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً ويكون ﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ مبتدأ تقديره فيما قصصناه مثل الجنة، ثم يستأنف ويقول: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ ، وكذلك القول في سورة الرعد يكون قوله تعالى: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار  ﴾ ابتداء بيان والاحتمال الثاني: أن يكون فيها أنهار وقوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ﴾ خبراً كما يقال صف لي زيداً، فيقول القائل: زيد أحمر قصير، والقول الثاني: أن المثل زيادة والتقدير: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار.

الوجه الثاني: هاهنا الممثل به محذوف غير مذكور وهو يحتمل قولين أحدهما: قال الزجاج حيث قال: ﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ جنة تجري ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد في رجل منكر لا يكون هو في الحقيقة إلا زيداً الثاني: من القولين هو أن يقال معناه ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون ﴾ مثل عجيب، أو شيء عظيم أو مثل ذلك، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ كلاماً مستأنفاً محققاً لقولنا مثل عجيب الوجه الثالث: الممثل به مذكور وهو قول الزمخشري حيث قال: ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد فِي النار ﴾ مشبه به على طريقة الإنكار، وحينئذ فهذا كقول القائل حركات زيد أو أخلاقه كعمرو، وكذلك على أحد التأويلين، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر، وكذلك على أحد التأويلين، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر، وكذلك هاهنا كأنه تعالى قال: مثل الجنة كمن هو خالد في النار، وهذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول الزمخشري، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ وما بعد هذا جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر كما يقال نظير زيد فيه مروءة وعنده علم وله أصل عمرو.

ثم قال تعالى: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفّىً ﴾ .

اختار الأنهار من الأجناس الأربعة، وذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه، وإما أن يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم، فإن كان للطعم فالطعوم تسعة: المر والمالح والحريف والحامض والعفص والقابض والتفه والحلو والدسم ألذها الحلو والدسم، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسم الأشياء فالدهن، لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدهن لا يؤكل ولا يشرب كما هو في الغالب، وأما اللبن فيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب للأكل وبه تغذية الحيوان أولاً فذكره الله تعالى، وأما ما يشرب لا لأمر عائد إلى الطعم فالماء والخمر فإن الخمر فيها أمر يشربها الشارب لأجله، هي كريهة الطعم باتفاق من يشربها وحصول التواتر به ثم عرى كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التي هي فيها وتتغير بها الدنيا فالماء يتغير يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن يأمن فهو آسن وأسن اللبن إذا بقي زماناً تغير طعمه، والخمر يكرهه الشارب عند الشرب، والعسل يشوبه أجزاء من الشمع ومن النحل يموت فيه كثيراً، ثم إن الله تعالى خلط الجنسين فذكر الماء الذي يشرب لا للطعم وهو عام الشرب، وقرن به اللبن الذي يشرب لطعمه وهو عام الشرب إذ ما من أحد إلا وكان شربه اللبن، ثم ذكر الخمر الذي يشرب لا للطعم وهو قليل الشرب، وقرن به العسل الذي يشرب للطعم وهو قليل الشرب، فإن قيل العسل لا يشرب، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر قريب الزمان، ألا ترى أن السكنجبين من سركه وانكبين وهو الخل والعسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولاً من الخل والعسل ولم يعرف السكر إلا في زمان متأخر، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل للتمييز، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال في الخمر ﴿ لَّذَّةٍ للشاربين ﴾ ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر، فقال: ﴿ لَّذَّةٍ للشاربين ﴾ بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد كذلك، لكنه قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة، وقوله: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة وثانيهما: أن يكون ذلك وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله وللعاقل كله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ ﴾ .

بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول، ولما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم، وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا  ﴾ حيث أشار إلى المأكول والمشروب، وهاهنا لطيفة وهي أنه تعالى قال فيها ﴿ وِظِلُّهَا ﴾ ولم يقل هاهنا ذلك، نقول قال هاهنا ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا يمسهم حر ولا برد.

المسألة الثالثة: المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة؟

فنقول الجواب عنه من وجهين: الأول: ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها، بل يكون عطفاً على قوله (لهم) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها والثاني: هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب، ووجه آخر وهو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز، فقال: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ ﴾ لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره: يا معلم غفر الله لك، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم، فقلت في نفسي معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل، وأما في الدنيا، فلأن للأكل توابع ولوازم لابد منها فيفهم من قولهم حاجتهم.

ثم قال تعالى: ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد فِي النار وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ﴾ وفيه أيضاً مسائل: المسألة الأولى: على قول من قال: ﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ معناه وصف الجنة فقوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ ﴾ بماذا يتعلق؟

نقول قوله: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات ﴾ يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار، فالمشبه يكون محذوفاً مدلولاً عليه بما سبق، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار.

المسألة الثانية: قال الزجاج قوله تعالى: ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد فِي النار ﴾ راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا؟

نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلاً عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد ﴾ على ﴿ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ ﴾ أو ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد فِي النار ﴾ ، وأما التعسف فبيّن نظراً إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال: أفمن كان على بينة كمن هو خالد؟

وهو سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضاً يصير مستقلاً في التشبيه، اللّهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه، وهو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار، وعلى هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه، وبين من زين له سوء عمله، وبين من في الجنة وبين من هو خالد في النار، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماءً حميماً وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب.

المسألة الثالثة: قال: ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد ﴾ حملاً على اللفظ الواحد وقال: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً ﴾ على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل ﴿ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ  ﴾ على التوحيد والإفراد ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ على الجمع فما الوجه فيه؟

نقول المسند إلى من إذا كان متصلاً فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولاً، لأن اللفظ لا يبقى في السمع، والمعنى يبقى في ذهن السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع ﴿ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا  ﴾ و ﴿ فَمَن تَابَ...

وَأَصْلَحَ  ﴾ ؟

نقول إذا كان المعطوف مفرداً أو شبيهاً بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال: كمن هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع، فإن قوله: ﴿ سُقُواْ مَاء ﴾ جملة غير مشابهة لقوله: ﴿ هُوَ خالد ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً ﴾ بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن، ولهم ماء حميم، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله: ﴿ على بَيّنَةٍ ﴾ في مقابلة ﴿ زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ ﴾ و ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ والجنة في مقابلة النار في قوله: ﴿ خالد فِي النار ﴾ والماء الحميم في مقابلة الأنهار، فأين ما يقابل قوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ ﴾ فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها، كأنه قال: للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد.

المسألة الرابعة: الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة، وهي الحدة التي تكون في السموم المدوفة، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع، فإن قيل قوله تعالى: ﴿ فَقَطَّعَ ﴾ بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر، نقول نعم، لكنه لا يقتضي أن يقال: يقطع، لأنه ماء حميم فحسب، بل ماء حميم مخصوص يقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ ﴾ ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ ؟

قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِه ﴾ فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أي كمثل جزاء من هو خالد في النار.

فإن قلت: فلم عرّى في حرف الإنكار؟

وما فائدة التعرية؟

قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم.

ونظيره قول القائل: أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الْكِرَامَ وَأَنْ ** أُورَثَ ذُوداً شَصَائِصاً نَبلاً هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريه عن حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم قول من قال: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله، والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصوّر قبح ما أزنّ به فكأنه قال له: نعم مثلى يفرح بمرزأة الكرام وبأن يستبدل منهم ذوداً يقل طائلةُ وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار، ومثل الجنة: صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، وخبره: كمن هو خالد.

وقوله: فيها أنهار، داخل في حكم الصلة كالتكرير لها.

ألا ترى إلى صحة قولك: التي فيها أنهار.

ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف هي فيها أنهار، وكأن قائلاً قال: وما مثلها؟

فقيل: فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال، أي: مستقرّة فيها أنهار، وفي قراءة علي رضي الله عنه ﴿ أمثال الجنة ﴾ أي: ما صفاتها كصفات النار.

وقرئ: ﴿ أسن ﴾ يقال: أسن الماء وأجن: إذا تغير طعمه وريحه.

وأنشد ليزيد بن معاوية: لَقَدْ سَقَتْنِي رُضَاباً غَيْرَ ذِي أَسنٍ ** كَالمِسْكِ فُتَّ عَلَى مَاءِ الْعَنَاقِيدِ ﴿ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا، فلا يعود قارصاً ولا حاذراً.

ولا ما يكره من الطعوم ﴿ لذة ﴾ تأنيث لذّ، وهو اللذيذ، أو وصف بمصدر.

وقرئ بالحركات الثلاث، فالجر على صفة الخمر، والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة، أي: لأجل لذة الشاربين.

والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع، ولا آفة من آفات الخمر ﴿ مُّصَفًّى ﴾ لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره ﴿ مَآءً حَمِيماً ﴾ قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم، وانمازت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ صِفَتَها العَجِيبَةَ.

وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَثَلِ مَن هو خالِدٌ، أوْ أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ فَعُرِّيَ عَنْ حَرْفِ الإنْكارِ وحُذِفَ ما حُذِفَ اسْتِغْناءً يَجْرِي مِثْلُهُ تَصْوِيرًا لِمُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِالبَيِّنَةِ والتّابِعِ لِلْهَوى، بِمُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أفَمَن هو خالِدٌ في هَذِهِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ، أوْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَمَن زُيِّنَ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما يَمْتازُ بِهِ مَن عَلى بَيِّنَةٍ في الآخِرَةِ تَقْرِيرًا لِإنْكارِ المُساواةِ.

﴿ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِشَرْحِ المَثَلِ أوْ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أوْ خَبَرٌ لِـ مِثَلُ وآسِنٍ مَن أسَنَ الماءُ بِالفَتْحِ إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ ورِيحُهُ، أوْ بِالكَسْرِ عَلى مَعْنى الحُدُوثِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أسِنٍ».

﴿ وَأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ لَمْ يَصِرْ قارِصًا ولا حازِرًا.

﴿ وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ لَذِيذَةٍ لا يَكُونُ فِيها كَراهَةُ طَعْمٍ ورِيحٍ ولا غائِلَةُ سُكْرٍ وخُمارٍ تَأْنِيثُ لَذٍّ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ بِإضْمارِ ذاتٍ، أوْ تَجَوُّزٍ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى صِفَةِ الأنْهارِ والنَّصْبِ عَلى العِلَّةِ.

﴿ وَأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ لَمْ يُخالِطْهُ الشَّمْعُ وفَضَلاتُ النَّحْلِ وغَيْرُها، وفي ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِما يَقُومُ مَقامَ الأشْرِبَةِ في الجَنَّةِ بِأنْواعِ ما يُسْتَلَذُّ مِنها في الدُّنْيا بِالتَّجْرِيدِ عَمّا يَنْقُصُها ويُنَغِّصُها، والتَّوْصِيفُ بِما يُوجِبُ غَزارَتَها واسْتِمْرارَها.

﴿ وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ صِنْفٌ عَلى هَذا القِياسِ.

﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّنْفِ المَحْذُوفِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهم مَغْفِرَةٌ.

﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا ﴾ مَكانَ تِلْكَ الأشْرِبَةِ.

﴿ فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَّثَلُ الجنة} صفة الجنة العجيبة الشأن {التى وُعِدَ المتقون} عن الشرك {فِيهَآ أَنْهَارٌ} داخل في حكم الصلة كالتكرير لها ألا ترى الى صحة فولك التي فيها انهار او حال اى مسقرة فيها انهار {من ماء غير آسن} غير متغير اللون والريح والطعم يقال أسن الماء إذا تغير طعمه وريحه أسِن مكي {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة وغيرها {وأنهار من خمر لذة} تأنيث للذيذ وهو لاذيذ {لِّلشَّارِبِينَ} أي ما هو إلا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر {وأنهار مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره {وَلَهُمْ فِيهَا

مِن كُلِّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبِّهِمْ} مَثَلُ مبتدأ خبره {كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} حاراً في النهاية {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} والتقدير أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار وهو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه وهو قوله أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ وفائدة حذف حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين التمسك بالبينة والتابع لهواه وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك

{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ من عندك}

الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لَشَرَحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ آنِفًا لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيانُ كَيْفِيَّةِ أنْهارِها الَّتِي أُشِيرَ إلى جَرَيانِها مِن تَحْتِها وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ إيذانًا بِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مِن بابِ التَّقْوى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ، والمَثَلُ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ وهو مُبْتَدَأٌ بِاتِّفاقِ المُعْرِبِينَ، واخْتُلِفَ في خَبَرِهِ فَقِيلَ مَحْذُوفٌ فَقالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: تَقْدِيرُهُ ما تَسْمَعُونَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فِيها أنْهارٌ ﴾ إلى آخِرِهِ مُفَسِّرٌ لَهُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: تَقْدِيرُهُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم أوْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا ( وفِيها أنْهارٌ ) إلَخْ بَيانٌ لِذَلِكَ المَثَلِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعِيَ هَذِهِ الأوْصافَ ولَيْسَ بِذاكَ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِصَدْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ تَقْدِيرُ النَّضِرِ، وقِيلَ: هو مَذْكُورٌ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها أنْهارٌ ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى: مَثَلُ الجَنَّةِ وصِفَتِها مَضْمُونُ هَذا الكَلامِ ولا يَحْتاجُ مِثْلُ هَذا الخَيْرِ إلى رابِطٍ.

وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ إلّا أنَّ لَفْظَ ( مَثَلُ ) زائِدٌ زِيادَةِ اسْمٍ في قَوْلِ مَن قالَ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما فالمُبْتَدَأُ في الحَقِيقَةِ هو المُضافُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الجَنَّةُ فِيها أنْهارٌ إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ الكَلامِ فِيهِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ (أمْثالُ الجَنَّةِ) أيْ صِفاتُها، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ بِالتَّوْحِيدِ مَعْناها الكَثْرَةُ لِما في ”مَثَلُ“ مِن مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ ولِذا جازَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلَ رَجُلَيْنِ وبِرَجُلَيْنِ مِثْلَ رِجالٍ وبِامْرَأةٍ مِثْلَ رَجُلٍ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ (مِثالُ الجَنَّةِ) ومِثالُ الشَّيْءِ في الأصْلِ نَظِيرُهُ الَّذِي يُقابَلُ بِهِ.

﴿ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ أيْ غَيْرِ مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ والرِّيحِ لِطُولِ مُكْثٍ ونَحْوَهُ، وماضِيهِ أسَنَ بِالفَتْحِ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ وبِالكَسْرِ مِن بابِ عَلِمَ حَكى ذَلِكَ الخَفاجِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ.

وفي البَحْرِ أسِنَ الماءُ تَغَيَّرَ رِيحُهُ يَأْسَنُ ويَأْسِنُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ في الفَصِيحِ، والمَصْدَرُ أُسُونٌ، وأسِنَ بِكَسْرِ السِّينِ يَأْسَنُ بِفَتْحِها لُغَةَ أسِنا قالَهُ اليَزِيدِيُّ، وأسِنَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ إذا دَخَلَ البِئْرَ فَأصابَتْهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ مِنها فَغُشِيَ عَلَيْهِ أوْ دارَ رَأْسُهُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ يَمِيدُ في الرِّيحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ (أسِنَ) عَلى وزْنِ حَذِرَ فَهو صِفَةٌ مُشَبِّهَةٌ أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وقَرَأ (يَسِنُ) بِالياءِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ﴿ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ لَمْ يَحْمُضْ ولَمْ يَصِرْ قارِصًا ولا حاذِرًا كَألْبانِ الدُّنْيا وتَغَيَّرُ الرِّيحِ لا يُفارِقُ تَغَيُّرَ الطَّعْمِ ﴿ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ أيْ لَذِيذَةٍ لَهم لَيْسَ فِيها كَراهَةُ طَعْمٍ ورِيحٍ ولا غائِلَةُ سُكْرٍ وخِمارٍ كَخُمُورِ الدُّنْيا فَإنَّها لا لَذَّةَ في نَفْسِ شُرْبِها وفِيها مِنَ المَكارِهِ والغَوائِلِ ما فِيها وهي صِفَةٌ مُشَبِّهَةٌ مُؤَنَّثُ لَذٍّ وُصِفَتْ بِها الخَمْرُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ بِجَعْلِها عَيْنَ اللَّذَّةَ مُبالَغَةً عَلى ما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِ ذَلِكَ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ ﴿ أنْهارٌ ﴾ وبِالنَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ كائِنَةً لِأجْلِ اللَّذَّةِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ الصُّداعِ وسائِرِ آفاتِ خُمُورِ الدُّنْيا ﴿ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ مِمّا يُخالِفُهُ فَلا يُخالِطُهُ الشَّمْعُ وفَضَلاتُ النَّحْلِ وغَيْرُها، ووَصْفُهُ بِمُصَفّى لِأنَّهُ الغالِبُ عَلى العَسَلِ التَّذْكِيرُ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ تَمْثِيلٌ لِما يَجْرِي مَجْرى الأشْرِبَةِ في الجَنَّةِ بِأنْواعِ ما يُسْتَطابُ مِنها أوْ يُسْتَلَذُّ في الدُّنْيا بِالتَّخْلِيَةِ عَمّا يَنْقُصُها ويُنَغِّصُها والتَّحْلِيَةِ بِما يُوجِبُ غَزارَتَها ودَوامَها.

وبُدِئَ بِالماءِ لِأنَّهُ في الدُّنْيا مِمّا لا يُسْتَغْنى عَنْهُ ثُمَّ بِاللَّبَنِ إذْ كانَ يَجْرِي مَجْرى المَطْعَمِ لِكَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِمْ ثُمَّ بِالخَمْرِ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الرِّيُّ والمَطْعُومُ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يُلْتَذُّ بِهِ ثُمَّ بِالعَسَلِ لِأنَّ فِيهِ الشِّفاءَ في الدُّنْيا مِمّا يُعْرَضُ مِنَ المَشْرُوبِ والمَطْعُومِ فَهو مُتَأخِّرٌ بِالرُّتْبَةِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَبَنَ تِلْكَ الأنْهارِ لَمْ يُحْلَبْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وإنَّ خَمْرَها لَمْ تَدُسْها الرِّجالُ بِأرْجُلِها وإنَّ عَسَلَها لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبا إسْحاقَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ فَقالَ: سَألْتُ عَنْهُ الحارِثَ فَحَدَّثَنِي أنَّ ذَلِكَ الماءَ تَسْنِيمٌ وقالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لا تَمَسُّهُ يَدٌ وأنَّهُ يَجِيءُ الماءُ هَكَذا حَتّى يَدْخُلَ الفَمَ.

وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ نَهْرَ دِجْلَةَ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ وأنَّ عَلَيْهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَهْرَ جَيْحُونَ نَهْرُ الماءِ فِيها ويُقالُ لَهُ نَهْرُ الرَّبِّ ونَهْرَ الفُراتِ نَهْرُ اللَّبَنِ وأنَّهُ لِذُرِّيَّةِ المُؤْمِنِينَ ونَهْرَ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ.

وأخْرَجَ الحَرْثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مَسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ الخَمْرِ ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِكُلِّ أنْهارٍ بِالجَمْعِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّها إنْ صَحَّتْ لا يَبْعُدُ تَأْوِيلُها وإنْ كانَتِ القُدْرَةُ الإلَهِيَّةُ لا يَتَعاصاها شَيْءٌ ﴿ ولَهم فِيها ﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ الأنْهارِ ﴿ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ أيْ أنْواعٍ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فالجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَوْجانِ وكَأنَّهُ انْتَزَعَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ وقِيلَ: ( مِن ) زائِدَةٌ أيْ ولَهم فِيها كُلُّ الثَّمَراتِ ﴿ ومَغْفِرَةٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَهم مَغْفِرَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُبْتَدَأِ قَبْلُ بِدُونِ قَيْدٍ فِيها لِأنَّ المَغْفِرَةَ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ أوْ بِالقَيْدِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ونَعِيمُ مَغْفِرَةٍ أوْ جَعْلِ المَغْفِرَةِ عِبارَةً عَنْ أثَرِها وهو النَّعِيمُ أوْ مَجازًا عَنْ رِضْوانِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ هُنا سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ وعَدَمُ ذِكْرِها لَهم لِئَلّا يَسْتَحْيُوا فَتَتَنَغَّصَ لَذَّتُهم والمَغْفِرَةُ السّابِقَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِها وحِينَئِذٍ العَطْفُ عَلى المُبْتَدَأِ مِن غَيْرِ ارْتِكابِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، وقَدْ رَأيْتُ نَحْوَ هَذا بَعْدَ كِتابَتِهِ لِلطَّبَرْسِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قالُوهُ، وتَنْوِينُ ( مَغْفِرَةٌ ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُقادَرُ قَدْرُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لَها مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ كائِنَةً مِن رَبِّهِمْ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمَّنَ هو خالِدٌ في هَذِهِ الجَنَّةِ حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعْدُ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما يَمْتازُ بِهِ مَن عَلى بَيِّنَةٍ في الآخِرَةِ تَقْرِيرًا لِإنْكارِ المُساواةِ وفِيهِ بُعْدٌ.

وذَهَبَ جارُ اللَّهِ إلى أنَّهُ خَبْرُ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ وأنَّ ذاكَ مُرَتَّبٌ عَلى الإنْكارِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ إلَخْ، والمَعْنى أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ فالمُضافانِ مَحْذُوفانِ الجَزاءُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ الجَنَّةِ ولَفْظُ المَثَلِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وفائِدَةُ التَّعْرِيَةِ عَنْ حَرْفِ الإنْكارِ أنَّ مَنِ اشْتُبِهَ عَلَيْهِ الأوَّلُ أعْنِي حالَ المُتَمَسِّكِ بِالبَيِّنَةِ وحالَ التّابِعِ لِهَواهُ فالثّانِي مِثْلُهُ عِنْدَهُ وإذْ ذاكَ لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ حَضْرَمِيِّ بْنِ عامِرٍ: أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ أُورِثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نُبْلًا فَإنَّهُ كَلامٌ مُنْكَرٌ لِلْفَرَحِ بِرَزِيَّةِ الكِرامِ ووِراثَةِ الذَّوْدِ مَعَ تَعَرِّيهِ مِن حَرْفِ الإنْكارِ لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ مَن قالَ لَهُ: أتَفْرَحُ بِمَوْتِ أخِيكَ وبِوِراثَةِ إبِلِهِ وذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي يَقِلُّ تَحْتَهُ كُلُّ إنْكارٍ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيها أنْهارٌ ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِلصِّلَةِ أيْ صِلَةً بَعْدَ صِلَةٍ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَها لِأنَّهُ كالتَّفْصِيلِ لِلْمَوْعُودِ، ولِهَذا لَمْ يَتَخَلَّلِ العاطِفَةَ بَيْنَهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى أنَّ الظَّرْفَ في مَوْضِعِ ذَلِكَ ﴿ وأنْهارٌ ﴾ فاعِلُهُ لا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حالٌ لِعَدَمِ الواوِ فِيها، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الِاكْتِفاءَ فِيها بِالضَّمِيرِ غَيْرُ فَصِيحٍ، واعْتِبارُها فِعْلِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ اسْتَقَرَّ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: في الحالِ ضَعْفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ الفَضَلاتِ وهي أُمُّ الإنْكارِ، وأيْضًا هو حالٌ مِنَ الجَنَّةِ لا مِن ضَمِيرِها في الصِّلَةِ وفي العامِلِ تَكَلُّفٌ، ثُمَّ الحالُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ وجَعْلُها مُؤَكِّدَةً وقَدْ عُلِمَ كَوْنُها كَذَلِكَ مِن إخْبارِهِ تَعالى فِيهِ أيْضًا تَكَلُّفٌ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، قالَ في الكَشْفِ: وهو الوَجْهُ، والتَّقْدِيرُ هي فِيها أنْهارٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: أنّى يَكُونُ صِفَةَ الجَنَّةِ وهي كَذا وكَذا كَصِفَةِ النّارِ الِاسْتِئْنافُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: وهي كَذا وكَذا اعْتِراضًا لِما في لَفْظِ المَثَلِ مِنَ الأشْعارِ بِالوَصْفِ العَجِيبِ، ولَيْسَ خَبَرُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ مَوْرِدَ السُّؤالِ لِيُعْتَرَضَ بِوُقُوعِ الِاسْتِئْنافِ قَبْلَ مُضِيِّهِ.

وأوْرَدَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لِأنَّ ﴿ فِيها أنْهارٌ ﴾ جُمْلَةٌ بِرَأْسِها، والجَوابُ أنَّ التَّقْدِيرَ مِثْلُها فِيها أنْهارٌ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا ثُمَّ حُذِفَ ولِهَذا قالَ في السُّؤالِ: كَأنَّ قائِلًا قالَ: وما مِثْلُها؟

ويَجْرِي ما قُرِّرَ في قِراءَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ أمْثالُ بِالجَمْعِ فَيُقالُ: التَّقْدِيرُ أمْثالُ الجَنَّةِ كَأمْثالِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ، ويُقَدَّرُ المُضافُ الأوَّلُ جَمْعًا لِلْمُطابَقَةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ جارُ اللَّهِ المَغْزى، وقَدِ اسْتَحْسَنَ ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ تَقْرِيرِ جَعْلِ ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ خَبَرًا لِمِثَلِ الجَنَّةِ: هَذا هو الوَجْهُ اللّائِحُ المُناسِبُ المَساقِ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: في الِانْتِصافِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَمْ ذَكَرَ النّاسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ فَلَمْ أرَ أطَلى ولا أحْلى مِن هَذِهِ النُّكَتِ الَّتِي ذَكَرَها لا يَعُوزُها إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا لِيَتَعادَلَ.

والتَّقْدِيرُ مَثَلُ ساكِنِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ، ومِن هَذا النَّمَطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ إلَخْ، وما قَدَّرْناهُ لِتَحْصِيلِ التَّعادُلِ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ كَثْرَةُ حَذْفٍ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ أعْنِي ( هو ) راجِعٌ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ لَفْظِها كَما أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا ﴾ راجِعٌ إلَيْها بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمُرادُ وسُقُوا ماءً حارًّا مَكانَ تِلْكَ الأشْرِبَةِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿ فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ.

رُوِيَ أنَّهُ إذا أُدْنِي مِنهم شَوى وُجُوهَهم وامْتازَتْ فَرْوَةُ رَؤُوسِهِمْ فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُمْ، وهي جَمْعُ مِعًى بِالفَتْحِ والكَسْرِ ما يَنْتَقِلُ الطَّعامُ إلَيْهِ بَعْدَ المَعِدَةِ ويُقالُ لَهُ عَفاجٌ وهو مُذَكَّرٌ وقَدْ يُؤَنَّثُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: وكم من قرية فيما مضى.

يعني: أهل قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني: أشد منعة، وأكثر عدداً، وأكثر أموالاً، مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة، أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب فَلا ناصِرَ لَهُمْ يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة.

قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قال مقاتل والكلبي: يعني: محمدا  وأبا جهل بن هشام يعني: لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى، كمن حسن له قبح عمله.

وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان.

ويقال: هذا في جميع المسلمين، وجميع الكافرين.

لا يكون حال الكفار، مثل حال المؤمنين في الثواب.

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتقون الشرك، والفواحش، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قرأ ابن كثير: مِن مّاء غير أسن بغير مد.

والباقون: بالمد، ومعناهما واحد.

يعني: ماء غير منتن، ولا متغير الطعم والريح.

وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى.

وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني: لذيذة.

ويقال: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) [الواقعة: 19] .

وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيها العكر، ولا الكدرة، ولا الدردي، كعسل أهل الدنيا.

قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر، إلى أهل الجنة.

ويقال: من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة.

وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم في الآخرة.

ويقال: في الدنيا.

كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني: هل يكون حال من هو في هذه النعم، كمن هو في النار أبداً.

وَسُقُوا مَاء حَمِيماً أي: حاراً قد انتهى حره فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ من شدة الحر، فذابت أمعاؤهم، كقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) [الحج: 20] .

ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: من المنافقين من يستمع إليك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً وذلك أن النبيّ  خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود، وهو الذي أوتي العلم.

ماذا قال آنفاً؟

يعني: الساعة، على جهة الاستهزاء.

قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يعني: عملوا بهوى أنفسهم.

ثم ذكر المؤمنين، المصدقين، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبيّ  : زادَهُمْ هُدىً يعني: زادهم الله بصيرة في دينهم، وتصديقاً لنبيهم.

ويقال: زادهم بما قال رسول الله  هدى.

ويقال: زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم.

هُدىً يعني: تصديقاً، وثباتاً على الإسلام، وشكر الله تعالى.

وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ حين بيّن لهم التقوى.

ويقال: ألهمهم قبول الناسخ، وترك المنسوخ.

قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي: ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة.

يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني: علاماتها، وهو انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي  .

وروى مكحول عن حذيفة قال: سئل رسول الله  : متى الساعة؟

فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ: تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني: كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني: مطر في غَيْرِ حِينِهِ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ» .

ثم قال: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني: من أين لهم التوبة، إذا جاءتهم الساعة.

وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة.

وقال مقاتل: فيه تقديم.

يعني: أنى لهم التذكرة، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ: صِفَتُها، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الرَّعْدِ: ٣٥] .

و "المُتَّقُونَ" عِنْدَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.

و "الآسِنُ" المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ والطَّعْمِ، و "الآجِنُ" نَحْوُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "غَيْرِ أسِنٍ" بِغَيْرِ مَدٍّ.

وقَدْ شَرَحْنا قَوْلَهُ ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ في [الصّافّاتِ: ٤٦] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ أيْ: مِن عَسَلٍ لَيْسَ فِيهِ عَكَرٌ ولا كَدَرٌ كَعَسَلِ أهْلِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: مَن كانَ في هَذا النَّعِيمِ، كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ؟!

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً حَمِيمًا ﴾ أيْ: حارًّا شَدِيدَ الحَرارَةِ.

و "الأمْعاءُ" جَمِيعُ ما في البَطْنِ مِنَ الحَوايا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مَن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ الآيَةُ.

تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وهي مُعادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُحَمَّدٍ  في أنَّهُ الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وإلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في أنَّهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، وبَقِيَ اللَفْظُ عامًّا لِأهْلِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ غابِرَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى قَضِيَّةٍ واضِحَةٍ وعَقِيدَةٍ نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ ودِينٍ بَيِّنٍ" وألْحَقَ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "زُيِّنَ" ﴾ هو الشَيْطانُ، و"اتِّباعُ الأهْواءِ": طاعَتُها، كَأنَّها تَذْهَبُ إلى ناحِيَةٍ والمَرْءُ يَذْهَبُ مَعَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهُ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: صِفَةُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ فِيها كَذا وكَذا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلى بِقَوْلِهِ: فِيها كَذا وكَذا، والَّذِي ساقَ إلى أنْ تَجْعَلَ "مَثَلُ" بِمَثابَةِ "صِفَةٍ" هو أنَّ المُمَثَّلَ بِهِ لَيْسَ في الآيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ القَصْدَ في التَمْثِيلِ هو إلى الشَيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ المَرْءُ عِنْدَ سَماعِهِ: "فِيها كَذا وكَذا"، فَإنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقاعًا عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، وذَلِكَ هي مَثَلُ الجَنَّةِ ومِثالُها، أو فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَثَلُ الجَنَّةِ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعى هَذِهِ الأوصافَ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِثالُ الجَنَّةِ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أمْثالُ الجَنَّةِ"، وعَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ كُلِّها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أساكِنُ هَذِهِ؟

أو تَقْدِيرُهُ: أهَؤُلاءِ؟

إشارَةٌ إلى المُتَّقِينَ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَذْفُ في صَدْرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟

ويَكُونُ قَوْلُهُ مُسْتَفْهِمًا عنهُ بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ - وهي بِهَذِهِ الأوصافِ - كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟

فَتَكُونُ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَن" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِيها أنْهارٌ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

و ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، وسَواءٌ أُنْتِنَ أو لَمْ يُنْتَنْ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ - بِفَتْحِ السِينِ - وأسِنَ بِكَسْرِها - وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "آسِنٍ" ﴾ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أسِنَ" عَلى وزْنِ فَعِلَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأسْنُ: الَّذِي يَخْشى عَلَيْهِ مِن رِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن ماءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: التارِكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ ∗∗∗ يَمِيلُ في الرُمْحِ مَيْلَ المائِحِ الأسِنِ وقالَ الأخْفَشُ: "آسِنٍ" لُغَةٌ، والمَعْنى الإخْبارُ بِهِ عَنِ الحالِ، ومَن قالَ: "آسِنٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، فَهو يُرِيدُ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَنَفى ذَلِكَ في الآيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَيْرَ يَسِنٍ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ عن عَوْفٍ: كَذَلِكَ كانَتْ في المُصْحَفِ "غَيْرَ يَسِنٍ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في اللَبَنِ: ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الفَسادِ في اللَبَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ جَمَعْتُ طِيبَ المَطْعَمِ وزَوالَ الآفاتِ مِنَ الصُداعِ وغَيْرَهُ، و"لَذَّةٍ" نَعْتٌ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، وتَصْفِيَةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لِبَوْسَتِهِ وضَرَرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأنْواعِ، لَكِنَّها بَعِيدَةُ الشَبَهِ، إذْ تِلْكَ لا عَيْبَ فِيها ولا تَعَبَ بِوَجْهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مَعْناهُ: وتَنْعِيمٌ أعْطَتْهُ المَغْفِرَةُ وسَبَّبَتْهُ؛ وإلّا فالمَغْفِرَةُ إنَّما هي قَبْلَ الجَنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَسُقُوا" ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ النَبِيِّ  ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ وتِلاوَتَهُ، فَإذا خَرَجُوا قالَ بَعْضُهم لِمَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا وانْتَفَعُوا: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟

فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ هَذا اسْتِخْفافًا، أيْ: ما مَعْنى ما قالَ؟

وما نَفْعُهُ؟

وما قَدْرُهُ؟

ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَهْلًا ونَسْيانًا لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ الكَلامِ مُقْبِلًا عَلى فِكْرَتِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وفي كُفْرِهِ، فَكانَ القَوْلُ يَمُرُّ صَفْحًا، فَإذا خَرَجَ قالَ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟

وهَذا أيْضًا فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ لِأنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ كانَ يَقْصِدُ الإعْراضَ وقْتَ الكَلامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ لَمٍ يَبْعُدْ أنْ يَجْرِيَ عَلى بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ سُئِلَ هَذا السُؤالَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و" آنِفًا" مَعْناهُ: مُبْتَدِئًا، كَأنَّهُ قالَ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عنهُ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنِفًا" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "أنْفًا" عَلى وزْنِ فَعْلٍ، وهُما اسْما فاعِلٍ مِنِ "ائْتَنَفَ"، وجَرَيا عَلى غَيْرِ فِعْلِهِما، وهَذا كَما جَرى "فَقِيرٌ" عَلى "افْتَقَرَ" ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "فَقْرٌ"، وهَذا كَثِيرٌ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: "أنْفًا" مَعْناهُ: الساعَةُ الماضِيَةُ القَرِيبَةُ مِنّا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الفاعِلِينَ لِهَذا، وهَذا الطَبْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأن ما جرى من ذكر الجنة في قوله: ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتتٍ تجري من تحتها الأنهار ﴾ [محمد: 12] مما يستشرف السامعُ إلى تفصيل بعض صفاتها، وإذ قد ذكر أنها تجري من تحتها الأنهار مُوهم السامع أنها أنهار المياه لأن جري الأنهار أكمل محاسن الجنات المرغوب فيها، فلما فُرغ من توصيف حال فريقي الإيمان والكفر، ومما أعد لكليهما، ومن إعلان تباين حاليهما ثُني العنان إلى بيان ما في الجنة التي وعد المتقون، وخص من ذلك بيان أنواع الأنهار، ولما كان ذلك موقع الجملة كان قوله: ﴿ مثَل الجنة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر.

والتقدير: مَا سيوصف أو ما سيتلى عليكم، أو مما يتلى عليكم.

وقوله: ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ كلام مستأنف مقدر فيه استفهام إنكاري دلّ عليه ما سبق من قوله: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زيّن له سوء عمله ﴾ [محمد: 14].

والتقدير: أكَمَنْ هو خالد في النار.

والإنكار متسلط على التشبيه الذي هو بمعنى التسوية.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ مثَل الجنة ﴾ بدلاً من جملة ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ فهي داخلة في حيز الاستفهام الإنكاري.

والخبر قوله: ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ ، أي كحال من هو خالد في النار وذلك يستلزم اختلاف حال النار عن حال الجنة، فحصل نحو الاحتباك إذ دل ﴿ مَثَل الجنة ﴾ على مَثَل أصحابها ودلّ مثل من هو خالد في النار على مثل النار.

والمقصود: بيان البَون بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين حالي مصيرهما المقرر في قوله: ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعمل الصالحات جناتٍ ﴾ [الحج: 23] إلى آخره، ولذلك لم يترك ذكر أصحاب الجنّة وأصحاب النار في خلال ذكر الجنة والنار فقال: ﴿ مثل الجنة التي وُعد المتقون ﴾ وقال بعده ﴿ كمن هو خالد في النار ﴾ .

ولقصد زيادة تصوير مكابرة من يُسَوِّي بين المتمسك ببينةِ ربه وبين التابع لهواه، أي هو أيضاً كالذي يسوي بين الجنّة ذات تلك الصفات وبين النار ذاتتِ صفاتتٍ ضدها.

وفيه اطراد أساليب السورة إذ افتتحت بالمقابلة بين الذين كفروا والذين آمنوا، وأعقب باتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق، وثُلّثَ بقوله: ﴿ أفمن كان على بيّنة من ربّه ﴾ الخ.

والمثل: الحال العجيب.

وجملة ﴿ فيها أنهار ﴾ وما عطف عليها تفصيل للإجمال الذي في جملة ﴿ مَثل الجنة ﴾ ، فهو استئناف، أو بدل مفصَّل من مجمل على رأي من يثبته في أنواع البدل.

والأنهار: جمع نهْر، وهو الماء المستبحر الجاري في أخدود عظيم من الأرض، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قال إن الله مبْتلِيكم بنهَر ﴾ في سورة البقرة (249).

فأما إطلاق الأنهار على أنهار الماء فهو حقيقة، وأما إطلاق الأنهار على ما هو من لبن وخَمر وعَسل فذلك على طريقة التشبيه البليغ، أي مماثلة للأنهار، فيجوز أن تكون المماثلة تامة في أنها كالأنهار مستبحرة في أخاديد من أرض الجنة فإن أحوال الآخرة خارقة للعادة المعروفة في الدنيا، فإن مرأى أنهار من هذه الأصناف مرأى مُبهج.

ويجوز أن تكون مماثلة هذه الأصناف للأنهار في بعض صفات الأنهار وهي الاستبحار.

وهذه الأصناف الخمسة المذكورة في الآية كانت من أفضل ما يتنافسون فيه ومن أعزّ ما يتيسر الحصول عليه، فكيف الكثير منها، فكيف إذا كان منها أنهار في الجنة.

وتناولُ هذه الأصناف من التَفَكُّهِ الذي هو تنعم أهل اليسار والرفاهية.

وقد ذكر هنا أربعة أشربة هي أجناس أشربتهم، فكانوا يستجيدون الماء الصافي لأن غالب مياههم من الغُدران والأحواض بالبادية تمتلئ من ماء المطر أو من مرور السيول فإذا استقرت أياماً أخذت تتغير بالطحلب وبما يدخل فيها من الأيدي والدلاء، وشرب الوحوش وقليلٌ البلاد التي تكون مجاورة الأنهار الجارية.

وكذلك اللبن كانوا إذا حلبوا وشربوا أبقوا ما استفضلوه إلى وقت آخر لأنهم لا يحلبون إلا حَلْبة واحدة أو حلْبتين في اليوم فيقع في طعم اللبن تغيير.

فأما الخمر فكانت قليلة عزيزة عندهم لقلة الأعناب في الحجاز إلا قليلاً في الطائف، فكانت الخمر تجتلب من بلاد الشام ومن بلاد اليمن، وكانت غالية الثمن وقد ينقطع جلبها زماناً في فصل الشتاء لعسر السير بها في الطرق وفي أوقات الحروب أيضاً خوف انتهابها.

والعسل هو أيضاً من أشربتهم، قال تعالى في النحل (69) ﴿ يَخرج من بطونها شَراب مختلف ألوانه ﴾ والعرب يقولون: سقاه عسلاً، ويقولون: أطعمه عسلاً.

وكان العسل مرغوباً فيه يجتلب من بلاد الجبال ذات النبات المستمر.

فأما الثمرات فبعضها كثير عندهم كالتمر وبعضها قليل كالرمان.

والآسِن: وصف من أسَن الماء من باب ضرب ونصر وفرح، إذا تغيّر لونه.

وقرأه ابن كثير أسِنٍ} بدون ألف بعد الهمزة على وزن فَعِللٍ للمبالغة.

والخمر: عصير العنب الذي يترك حتى يصيبه التخمر وهو الحموضة مثل خمير العجين.

و ﴿ لَذَة ﴾ وصفٌ وليس باسم، وهو تأنيث اللذّ، أي اللذيذ قال بشار: ذكرت شبابي اللذّ غير قريب *** ومجلس لهو طاب بين شروب واللّذاذة: انفعال نفساني فيه مسرة، وهي ضد الألم وأكثر حصوله من الطعوم والأشربة والملامس البدنية، فوصف خمر هنا بأنها ﴿ لذة ﴾ معناه يجد شاربها لذاذة في طعمها، أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلولا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحُموضة طعمها.

والعسل المصفى: الذي خُلِّص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت فيه، وتقدم الكلام على العسل وتربيته في سورة النحل.

ومعنى ﴿ من كلّ الثمرات ﴾ أصناف من جميع أجناس الثمرات، فالتعريف في ﴿ الثمرات ﴾ للجنس، و ﴿ كُلّ ﴾ مستعملة في حقيقتها وهو الإحاطة، أي جميع ما خلق الله من الثمرات مما علموه في الدنيا وما لم يعلموه مما خلقه الله للجنة.

و ﴿ مِن ﴾ تبعيضية، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ [الرحمن: 52].

و ﴿ مغفرة ﴾ عطف على ﴿ أنهار ﴾ وما بعده، أي وفيها مغفرة لهم، أي تجاوز عنهم، أي إطلاق في أعمالهم لا تكليف عليهم كمغفرته لأهل بدر إذ بينت بأن يعملوا ما شاؤوا في الحديث «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وقد تكون المغفرة كناية عن الرضوان عليهم كما قال تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72].

وتقدير المضاف في ﴿ مثله ﴾ ظاهر للقرينة.

وقوله: ﴿ وسُقوا ماءً حميعاً ﴾ جيء به لمقابلة ما وصف من حال أهل الجنة الذي في قوله: ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ إلى قوله: ﴿ من كل الثمرات ﴾ ، أي أن أهل النار محرومون من جميع ما ذكر من المشروبات.

وليسوا بذائقين إلا الماء الحميم الذي يقطع أمعاءهم بفور سقيه.

ولذلك لم يعرج هنا على طعام أهل النار الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿ لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم ﴾ [الواقعة: 52 54] وقوله: ﴿ أذلك خير نُزُلاً أم شجرة الزقوم ﴾ [الصافات: 62] إلى قوله: ﴿ فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ﴾ [الصافات: 66 67].

وضمير ﴿ سقوا ﴾ راجع إلى ﴿ من هو خالد في النار ﴾ باعتبار معنى (من) وهو الفريق من الكافرين بعد أن أعيد عليه ضمير المفرد في قوله: ﴿ هو خالد ﴾ .

والأمعاء: جمع مِعًى مقصوراً وبفتح الميم وكسرها، وهو ما ينتقل الطعام إليه بعد نزوله من المعدة.

ويسمى عَفِج بوَزن كَتِف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والبَيِّنَةُ الوَحْيُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والبَيِّنَةُ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُهُمُ الأوْثانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: شِرْكُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ المُشْرِكِينَ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الِاثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.

وَفِيمَن زَيَّنَهُ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ.

الثّانِي: أنْفُسُهم.

﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتٌ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنهار من ماء غير آسن ﴾ قال: غير متغير.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من ماء غير آسن ﴾ قال: غير منتن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يحلب.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: لم يخرج من بين فرث ودم ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ قال: لم تدنسه الرجال بأرجلهم ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ قال: لم يخرج من بطون النحل.

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن معاوية بن حيدة رضي الله الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد» .

وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة؟

ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية قال: حدثني أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي فانطلق بي الملك فانتهى بي إلى نهر الخمر فإذا عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟

فقال: هذا نهر دجلة.

فقلت له: إنه ماء قال هو ماء في الدنيا يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة خمر لأهل الجنة.

قال: ثم انطلقت مع الملك إلى نهر الرب فقلت للملك: أي نهر هذا؟

قال: هو جيحون وهو الماء غير آسن، وهو في الدنيا ماء يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسن، ثم انطلق بي فأبلغني نهر اللبن الذي يلي القبلة، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟

قال: هذا نهر الفرات، فقلت: هو ماء قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذرية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم، ثم انطلق بي فأبلغني نهر العسل الذي يخرج من جانب المدينة، فقلت للملك الذي أرسل معي: أيّ نهر هذا؟

قال: هذا نهر مصر.

قلت: هو ماء.

قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو في الآخرة عسلٌ لأهل الجنة» ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ يقول: في الجنة ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ يقول: لذنوبهم.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي وائل رضي اللهعنه قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان ألى ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟

أياء تجده أما الفا؟

من ماء غير ياسن أو من ماء غير آسن؟

فقال له عبد الله رضي الله عنه: وكل القرآن أحصيت غير هذا؟

فقال أني لأقرأ المفصل في ركعة.

قال: هذا كهذا الشعر إن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن سعد بن طريف رضي الله عنه قال: سألت أبا إسحاق رضي الله عنه عن ﴿ ماء غير آسن ﴾ قال: سألت عنها الحارث فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم، قال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فمه والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} الآية، والكلام في معنى (مثل الجنة) وإعرابه قد مر في سورة الرعد [آية: 35] بأبلغ استقصاء.

قوله تعالى: ﴿ الْمُتَّقُونَ ﴾ قال الكلبي ومقاتل: هم أمة محمد -  - يتقون الشرك (١) قوله تعالى: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ وتقرأ: أسن.

بالقصر، روى أبو عبيد عن أبي زيد: أسَنَ الماءُ يأسِنُ أَسْنا وأُسُوناً، إذا تغير، وهو الذي لا يشربه أحدٌ من نتنه (٢) (٣) يُغادِرُ القِرْنَ مُصْفَرَّاً أنامِلُه ...

يَمِيْدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ (٤) وهو الرجل الذي دخل بئراً فاشتد عليه ريحها حتى يصيبه دوار فيسقط، وقال المبرد: يقال أسن يأسِن أسَناً فهو آسِن وأسِن، وهو المتغير الرائحة وقياسه: حذر يحذر حذرًا فهو حاذر وحَذِر (٥) (٦) ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ قالوا: لا يحمض كما تتغير ألبان أهل الدنيا، وذلك أنها لم تخرج من ضروع الإبل ولا الغنم (٧) ﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴾ كقوله: ﴿ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ  ﴾ وقد مر.

قال ابن عباس: يريد لم تعصره الرجال (٨) قوله: ﴿ مِنْ عَسَلٍ ﴾ العسل هو المستحلى من لعاب النحل، والعرب تسمي ما يستحلى عسلاً كصمغ العُرْفُط (٩) (١٠) وأقرأني العروضي رحمه الله قال: أقرأني الأزهري قال: أخبرني عبد الملك (١١) وأرْي دُبُورٍ شارَه النحلَ عاسلُ (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ قال مقاتل: ليس فيها عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ قال أبو علي الفارسي: (من) زائدة للتوكيد (١٦) تبَسَّمْنَ عن نَوْر الأقاحِي في الثَّرَى ...

وفَتَّرنَ من أَبْصار مَضرُوجَةٍ كحْلِ (١٧) أراد وفترن أبصار مضروجة.

قوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ قال أبو إسحاق: يغفر ذنوبهم ولا يجازون بالسيئات ولا يوبخون في الجنة فَيُهَنَّونَ الفوز العظيم والعطاء الجزيل (١٨) قوله ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ﴾ قال الفراء: لم يقل: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، ولكن هذا المعنى في ضمن هذا الكلام فبني عليه (١٩) وقال أبو إسحاق: المعنى: أفمن كان على بينة من ربه، وأعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار (٢٠) ﴿ كمَن ﴾ في هذه الآية: بدل من قوله: ﴿ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ واختار صاحب النظم قول الفراء، وقال: الكاف في قوله: ﴿ كَمَن ﴾ تدل على مبتدأ قبله، ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، فكأنه -عز وجل- قال: أفمن هو في الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الابتداء (٢١) قوله تعالى ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ قال مقاتل: ماء شديد الحر تستعر عليهم جهنم، فهي تغلي منذ خلقت السموات والأرض، فقطع أمعاءهم في الجوف من شدة الحر (٢٢) وروى أبو أمامة عن النبي -  - قال: "إذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره" (٢٣) قال ابن عباس: وهذه الآية كقوله (٢٤) ﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ  ﴾ ونحو هذه الآية قوله: ﴿ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ  ﴾ الآية، وواحد الأمعاء: مِعَى، مثل ضِلَع.

وتثنيته: معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا (٢٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46، "تنوير المقباس" ص 508.

(٢) انظر هذا القول بنصه في "تهذيب اللغة" (أسن) 13/ 84، وانظر: "اللسان" (أسن) 13/ 16.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (أسن) 13/ 85، "اللسان" (أسن) 13/ 17.

(٤) انظر: "ديوان زهير" ص 121، و: تهذيب اللغة" (أسن) 13/ 84، "اللسان" (أسن) 13/ 17، "الحجة" 6/ 191، "الدر المصون" 6/ 150، "البحر المحيط" 8/ 70.

(٥) انظر: "الكامل" للمبرد 3/ 68.

(٦) انظر: "جامع البيان" 13/ 49، "تفسير الثعلبي" 10/ 126 أ، "البغوي" 7/ 282.

(٧) قال ابن جرير: لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه== خلقه الله ابتداء في الأنهار فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه.

انظر: "تفسير الطبري" 13/ 49.

(٨) قال الثعلبي في "تفسيره": أي لم تدسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي.

انظر: "تفسيره" 10/ 126 أ، ولم أقف على قول ابن عباس.

(٩) قال شمر: العُرْفُط: شجرة قصيرة متدانية الأغصان ذات شوك كثير، طولها في السماء كطول البعير باركًا، ولها وريقة صغيرة، تنبت بالجبال تَعْلقُها الإبل أي تأكل بفيها أعراض غِصَنَتِها.

أبو عبيد عن الأصمعي: العُرْفُط: شجرة من العضاة.

انظر: "تهذيب اللغة" (باب العين والطاء) 3/ 346.

(١٠) قال الليث: والصَّقر: ما تَحلَّبَ من العنبِ والتمر من غير عصر.

انظر: "تهذيب اللغة" (قصر) 8/ 364.

(١١) هو: عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الجرجاني الأستراباذي سمع من الربيع ابن سليمان وغيره، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة ومن الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتيقظ وورع.

توفي سنة 323 هـ انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 428، "طبقات الشافعية الكبرى" 2/ 242، "تذكرة الحفاظ" 3/ 816.

(١٢) عجز البيت في "تهذيب اللغة".

(عسل) 2/ 94، "اللسان" (عسل) 11/ 445.

(١٣) من بداية الحديث عن العسل.

انظره بنصه في "تهذيب اللغة" (عسل) 2/ 93 - 94.

(١٤) ذكر ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 79.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46.

(١٦) انظر: "الدر المصون" 6/ 151، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 237، ولم أقف عليه عند أبي علي.

(١٧) انظر: "ديوانه" ص 487.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10.

(١٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 60.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10.

(٢١) انظر: "تفسير ابن عطية" 15/ 60، "الدر المصون" 6/ 151.

(٢٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.

(٢٣) أخرج ذلك الطبري عن أبي أمامة.

انظر: "تفسيره" 13/ 50، "تفسير الوسيط" 4/ 123، وأخرجه الحاكم عن أبي أمامة.

انظر: "المستدرك"، كتاب التفسير، تفسير سورة محمد -  - 2/ 457، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 283، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 237.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ أي على حجة ويعني به النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعني قريشاً بقوله: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ﴾ واللفظ أعم من ذلك.

﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ ذكر في [الرعد: 35] ﴿ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ أي غير متغير ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار ﴾ تقديره: أمثلُ أهل الجنة المذكورة كمن هو خالد في النار؟

فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي، وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدم وهو قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله، وهو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم.

وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله -  - وما يعقب لهم نفعاً في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.

ثم قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، والله أعلم.

والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيئاً لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئاً ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ كانت سنة الله -  - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.

ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ هو خير من الله -  - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.

والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.

ثم في ذلك وجهان: أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، والله أعلم.

والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك داراً أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله -  -: ﴿ وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟

والله أعلم.

ويخرج على هذا التأويل قوله -  -: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ أي: ليس من كان خالداً في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.

والثاني: يحتمل قوله -  -: ﴿ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن...

﴾ كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: ﴿ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً...

﴾ الآية.

والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله -  - فيما تقدم من حيث قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...

﴾ الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه, والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدراً [ثم] صفي، أو كان خلق بعضه كدراً وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله -  -: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.

أو يقول: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ التي يريدون فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

صفة الجنة التي وعد الله المتقين له -بامتثال أوامره واجتناب نواهيه- أن يدخلهم فيها: فيها أنهار من ماء غير متغير ريحًا ولا طعمًا لطول مُكْث، وفيها أنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وفيها أنهار من خمر لذيذة للشاربين، وأنهار من عسل قد صُفِّي من الشوائب، ولهم فيها من كل أنواع الثمرات ما يشاؤون، ولهم فوق ذلك كله محو من الله لذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، هل يستوي من كان هذا جزاءه مع من هو ماكث في النار لا يخرج منها أبدًا، وسُقوا ماءً شديد الحرارة، فقطّع أمعاء بطونهم من شدّة حرّه؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.eWE2j"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله