الآية ١٦ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٦ من سورة محمد

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُوا۟ مِنْ عِندِكَ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَهْوَآءَهُمْ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئا ، فإذا خرجوا من عنده ( قالوا للذين أوتوا العلم ) من الصحابة : ( ماذا قال آنفا ) أي : الساعة ، لا يعقلون ما يقال ، ولا يكترثون له .

قال الله تعالى : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) أي : فلا فهم صحيح ، ولا قصد صحيح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء الكفار يا محمد ( مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) وهو المنافِق, فيستمع ما تقول فلا يعيه ولا يفهمه, تهاونا منه بما تتلو عليه من كتاب ربك, تغافلا عما تقوله, وتدعو إليه من الإيمان,( حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) قالوا إعلاما منهم لمن حضر معهم مجلسك من أهل العلم بكتاب الله, وتلاوتك عليهم ما تلوت, وقيلك لهم ما قلت إنهم لن يُصْغوا أسماعهم لقولك وتلاوتك ( مَاذَا قَالَ ) لنا محمد ( آنِفًا ) ؟

.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) هؤلاء المنافقون, دخل رجلان: رجل ممن عقل عن الله وانتفع بما سمع ورجل لم يعقل عن الله, فلم ينتفع بما سمع, كان يقال: الناس ثلاثة: فسامع عامل, وسامع غافل, وسامع تارك.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) قال: هم المنافقون.

وكان يقال: الناس ثلاثة: سامع فعامل, وسامع فغافل, وسامع فتارك.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا يحيى بن آدم, قال: ثنا شريك, عن عثمان أبي اليقظان, عن يحيى بن الجزّار, أو سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, في قوله ( حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ) قال ابن عباس: أنا منهم, وقد سُئِلت فيمن سُئِل.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ )...

إلى آخر الآية, قال: هؤلاء المنافقون, والذين أُوتُوا العلم: الصحابة رضي الله عنهم.

وقوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم القوم الذين ختم الله على قلوبهم, فهم لا يهتدون للحقّ الذي بعث الله به رسوله عليه الصلاة والسلام ( وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) يقول: ورفضوا أمر الله, واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم, فهم لا يرجعون مما هم عليه إلى حقيقة ولا برهان, وسوّى جلّ ثناؤه بين صفة هؤلاء المنافقين وبين المشركين, في أن جميعهم إنما يتبعون فيما هم عليه من فراقهم دين الله, الذي ابتعث به محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أهواءهم, فقال في هؤلاء المنافقين: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) وقال في أهل الكفر به من أهل الشرك, كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهمقوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك أي من هؤلاء الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، وزين لهم سوء عملهم قوم يستمعون إليك وهم المنافقون : عبد الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن التابوت وزيد بن الصليت والحارث بن عمرو ومالك بن دخشم ، كانوا يحضرون الخطبة يوم الجمعة فإذا سمعوا ذكر المنافقين فيها أعرضوا عنه ، فإذا خرجوا سألوا عنه ، قاله الكلبي ومقاتل .

وقيل : كانوا يحضرون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع المؤمنين ، فيستمعون منه ما يقول ، فيعيه المؤمن ولا يعيه الكافر .حتى إذا خرجوا من عندك أي إذا فارقوا مجلسك .

قالوا للذين أوتوا العلم قال عكرمة : هو عبد الله بن العباس .

قال ابن عباس : كنت ممن يسأل ، أي : كنت من الذين أوتوا العلم .

وفي رواية عن ابن عباس : أنه يريد عبد الله بن مسعود .

وكذا قال عبد الله بن بريدة : هو عبد الله بن مسعود .

وقال القاسم بن عبد الرحمن : هو أبو الدرداء .

وقال ابن زيد : إنهم الصحابة .

ماذا قال آنفا أي الآن ، على جهة الاستهزاء .

أي : أنا لم ألتفت إلى قوله .

وآنفا يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات إليك ، من قولك : استأنفت الشيء إذا ابتدأت به .

ومنه أمر أنف ، وروضة أنف ، أي : لم يرعها أحد .

وكأس أنف : إذا لم يشرب منها شيء ، كأنه استؤنف شربها مثل روضة أنف .

قال الشاعر [ الحطيئة ] :ويحرم سر جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاعوقال آخر [ لقيط بن زرارة ] :[ ص: 219 ]إن الشواء والنشيل والرغف والقينة الحسناء والكأس الأنفللطاعنين الخيل والخيل قطفوقال امرؤ القيس :قد غدا يحملني في أنفه [ لاحق الإطلين محبوك ممر ]أي : في أوله .

وأنف كل شيء أوله .

وقال قتادة في هؤلاء المنافقين : الناس رجلان : رجل عقل عن الله فانتفع بما سمع ، ورجل لم يعقل ولم ينتفع بما سمع .

وكان يقال : الناس ثلاثة : فسامع عامل ، وسامع عاقل ، وسامع غافل تارك .قوله تعالى : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم فلم يؤمنوا .

واتبعوا أهواءهم في الكفر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: ومن المنافقين { مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } ما تقول استماعا، لا عن قبول وانقياد، بل معرضة قلوبهم عنه، ولهذا قال: { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } مستفهمين عما قلت، وما سمعوا، مما لم يكن لهم فيه رغبة { مَاذَا قَالَ آنِفًا } أي: قريبا، وهذا في غاية الذم لهم، فإنهم لو كانوا حريصين على الخير لألقوا إليه أسماعهم، ووعته قلوبهم، وانقادت له جوارحهم، ولكنهم بعكس هذه الحال، ولهذا قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: ختم عليها، وسد أبواب الخير التي تصل إليها بسبب اتباعهم أهواءهم، التي لا يهوون فيها إلا الباطل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومنهم ) يعني من هؤلاء الكفار ( من يستمع إليك ) وهم المنافقون ، يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه ، تهاونا به وتغافلا ( حتى إذا خرجوا من عندك ) يعني فإذا خرجوا من عندك ( قالوا للذين أوتوا العلم ) من الصحابة : ( ماذا قال ) محمد ( آنفا ) ؟

يعني الآن ، هو من الائتناف ويقال : ائتنفت الأمر أي ابتدأته وأنف الشيء أوله .

قال مقاتل : وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ويعيب المنافقين ، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء : ماذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال ابن عباس : وقد سئلت فيمن سئل .

( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) فلم يؤمنوا ( واتبعوا أهواءهم ) في الكفر والنفاق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومنهم» أي الكفار «من يستمع إليك» في خطبة الجمعة وهم المنافقون «حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم» لعلماء الصحابة منهم ابن مسعود وابن عباس استهزاء وسخرية «ماذا قال آنفا» بالمد والقصر، الساعة، أي لا نرجع إليه «أولئك الذين طبع الله على قلوبهم بالكفر «واتبعوا أهواءهم» في النفاق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن هؤلاء المنافقين مَن يستمع إليك -أيها النبي- بغير فهم؛ تهاونًا منهم واستخفافًا، حتى إذا انصرفوا من مجلسك قالوا لمن حضروا مجلسك من أهل العلم بكتاب الله على سبيل الاستهزاء: ماذا قال محمد الآن؟

أولئك الذين ختم الله على قلوبهم، فلا تفقه الحق ولا تهتدي إليه، واتبعوا أهواءهم في الكفر والضلال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين وعن مصير كل فريق .

انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين ، وعن موقفهم من النبى - صلى الله عليه وسلم - ومن القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - عليه ، فقال - سبحانه - : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ .

.

.

يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) .وضمير الجمع فى قوله - تعالى - : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ) يعود إلى هؤلاء الكافرين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام ، وذلك باعتبار أن المنافقين فرقة من الكافرين ، إلا أنها تخفى هذا الكفر وتبطنه .كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإِسلام ، باعتبار أن من بينهم قوما قالوا كلمة الإِسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم .وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة ، بعد أن قويت شوكة المسلمين بها .

وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم ، هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون بالإِسلام على كره وهم يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء .

.

.

ويؤيدهم فى ذلك اليهود وغيرهم من الضالين .أى : ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء - أيها الرسول الكريم قوم يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم .( حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ) أى : من مجلسك الذى كانوا يستمعون إليك فيه ، ( قَالُواْ ) على سبيل الاستهزاء والتهكم ( لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم ) من أصحابك ، الذين فقهوا كلامك وحفظوه .( مَاذَا قَالَ آنِفاً ) أى : ماذا كان يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن نفارق مجلسه .فقوله : ( آنِفاً ) اسم فاعل ، ولم يسمع له فعل ثلاثى ، بل سمع ائتنف يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ابتدأ .قال القرطبى : قوله : ( مَاذَا قَالَ آنِفاً ) أى : ماذا قال الآن .

.

فآنفا يراد به الساعة التى هى أقرب الأوقات إليك ، من قولك استأنفت الشئ إذا ابتدأت به ومنه قولهم : أمر أُنف ، وروضة أُنُف ، أى : لم يرعها أحد .وقال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ .

.

.

) هم المنافقون ، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ ، كما أن جمعه باعتبار المعنى .قال ابن جرير ، كانوا مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم .ومقصود بقولهم : ( مَاذَا قَالَ آنِفاً ) الاستهزاء وإن كان بصورة الاستعلام .و ( آنِفاً ) اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم يسمع له ثلاثى ، بل المسموع : استأنف وأتنف .ثم بين - سبحانه - حالهم فقال : ( أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ ) .

أى : أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول القبيح ، هم الذين طبع الله - تعالى - على قلوبهم بأن جعلها بسبب استحباهم الضلالة على الهداية لا ينتفعون بنصح ، ولا يستجيبون لخير ، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم فصاروا لا يعقلون حقا ، ولا يفقهون حديثا .فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من مكر وخداع ، ومن خبث وسوء طوية .

وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذى يناسب جرمهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بيّن الله تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار، وقوله: ﴿ وَمِنْهُمُ ﴾ يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الناس، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله  ﴾ بعد ذكر الكفار، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى أهل مكة، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى: ﴿ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ أهلكناهم  ﴾ ويحتمل أن يكون راجعاً إلى معنى قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خالد فِي النار وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً  ﴾ يعني ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك، وقوله: ﴿ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ على ما ذكرنا حمل على المعنى الذي هو الجمع، ويستمع حمل على اللفظ، وقد سبق التحقيق فيه، وقوله: ﴿ حتى ﴾ للعطف في قول المفسرين، وعلى هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءاً من المعطوف عليه إما أعلاه أو دونه، كقول القائل: أكرمني الناس حتى الملك، وجاء الحاج حتى المشاة، وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى، ولا يشترط في العطف بالواو ذلك، فيجوز أن تقول في الواو: جاء الحاج وما علمت، ولا يجوز مثل ذلك في حتى، إذا علمت هذا فوجه التعلق هاهنا هو أن قوله: ﴿ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ ﴾ يفيد معنى زائداً في الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعاً بالغاً جيداً، لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم، فإن قلت فعلى هذا يكون هذا صفة مدح لهم، وهو ذكرهم في معرض الذم، نقول يتميز بما بعده، وهو أحد أمرين: إما كونهم بذلك مستهزئين، كالذكي يقول للبليد: أعد كلامك حتى أفهمه، ويرى في نفسه أنه مستمع إليه غاية الاستماع، وكل أحد يعلم أنه مستهزئ غير مستفيد ولا مستعيد، وإما كونهم لا يفهمون مع أنهم يستمعون ويستعيدون، ويناسب هذا الثاني قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين  ﴾ ، والأول: يؤكده قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ  ﴾ .

والثاني: يؤكده قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ ءانِفاً ﴾ قال بعض المفسرين: معناه الساعة، ومنه الاستئناف وهو الابتداء، فعلى هذا فالأولى أن يقال يقولون ماذا قال آنفاً بمعنى أنهم يستعيدون كلامه من الابتداء، كما يقول المستعيد للمعيد: أعد كلامك من الابتداء حتى لا يفوتني شيء منه.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ .

أي تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة واتبعوا ضده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم المنافقون: كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالاً تهاوناً منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولى العلم من الصحابة، ماذا قال الساعة؟

على جهة الاستهزاء.

وقيل: كان يخطب فإذا عاب المنافقين خرجوا فقالوا ذلك للعلماء.

وقيل: قالوه لعبد الله بن مسعود.

وعن ابن عباس: أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل ﴿ ءانِفاً ﴾ وقرئ: ﴿ أنفاً ﴾ على فعل، نصب على الظرف قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته.

والمعنى: ماذا قال في أوّل وقت يقرب منا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ الرَّسُولِ  ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ فَإذا خَرَجُوا.

﴿ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ لِعُلَماءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ما الَّذِي قالَ السّاعَةَ، اسْتِهْزاءً أوِ اسْتِعْلامًا إذْ لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ، وآنِفًا مِن قَوْلِهِمْ أنِفَ الشَّيْءَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ، ومِنهُ اسْتَأْنَفَ وائْتَنَفَ وهو ظَرْفٌ بِمَعْنى وقْتًا مُؤْتَنِفًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قالَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أنِفًا».

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَهْزَءُوا وتَهاوَنُوا بِكَلامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قال آنفا} هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالانهاونا منهم فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء {أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أهواءهم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كَما أنَّ جَمْعَهُ بَعْدُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعُونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ تَهاوُنًا مِنهم ﴿ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الواعُونَ لِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّاعُونَ لَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ أيْ ما الَّذِي قالَ قُبَيْلَ هَذا الوَقْتِ ومَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءُ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِعْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهم حَقِيقَةَ الِاسْتِعْلامِ إذا لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ ولِذَلِكَ ذُمُّوا والأوَّلُ أوْلى، قِيلَ: ذَلِكَ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنا مِنهم وقَدْ سُمِّيتُ فِيمَن سُئِلَ وأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِنَصِّ القُرْآنِ.

وما أحْسَنَ ما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ، ( وآنِفًا ) اسْمُ فاعِلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ بِتَجْرِيدِ فِعْلِهِ مِنَ الزَّوائِدِ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ بَلِ اسْتَأْنَفَ وأْتَنَفَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ إذا ابْتَدَأْتَهُ وكانَ أصْلُ مَعْنى هَذا أخَذْتُ أنْفَهُ أيْ مَبْدَأهُ، وأصْلُ الأنْفِ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ ثُمَّ يُسَمّى بِهِ طَرَفُ الشَّيْءِ ومُقَدَّمُهُ وأشْرَفُهُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ آنِفًا مِن ذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ اسْمٌ لِلسّاعَةِ الَّتِي قَبْلَ ساعَتِكَ الَّتِي أنْتَ فِيها مِنَ الأنْفِ بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ وقَدِ اسْتُعِيرَ مِنَ الجارِحَةِ لِتَقَدُّمِها عَلى الوَقْتِ الحاضِرِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى زَمانِ الحالِ، وهو عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يُنافِي كَوْنَهُ اسْمَ فاعِلٍ كَما في بادِئٍ فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ غَلَبَ عَلى مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ النُّحاةِ عَدَّهُ في الظُّرُوفِ وأوْجَبَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (قالَ) أيْ ماذا قالَ مُبْتَدِئًا أيْ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (أنِفًا) عَلى وزْنِ فَعِلٍ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فَعَدَمُ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الخَيْرِ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ فَلِذَلِكَ كانَ مِنهم ما كانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: وكم من قرية فيما مضى.

يعني: أهل قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني: أشد منعة، وأكثر عدداً، وأكثر أموالاً، مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة، أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب فَلا ناصِرَ لَهُمْ يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة.

قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قال مقاتل والكلبي: يعني: محمدا  وأبا جهل بن هشام يعني: لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى، كمن حسن له قبح عمله.

وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان.

ويقال: هذا في جميع المسلمين، وجميع الكافرين.

لا يكون حال الكفار، مثل حال المؤمنين في الثواب.

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتقون الشرك، والفواحش، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قرأ ابن كثير: مِن مّاء غير أسن بغير مد.

والباقون: بالمد، ومعناهما واحد.

يعني: ماء غير منتن، ولا متغير الطعم والريح.

وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى.

وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني: لذيذة.

ويقال: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) [الواقعة: 19] .

وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيها العكر، ولا الكدرة، ولا الدردي، كعسل أهل الدنيا.

قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر، إلى أهل الجنة.

ويقال: من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة.

وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم في الآخرة.

ويقال: في الدنيا.

كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني: هل يكون حال من هو في هذه النعم، كمن هو في النار أبداً.

وَسُقُوا مَاء حَمِيماً أي: حاراً قد انتهى حره فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ من شدة الحر، فذابت أمعاؤهم، كقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) [الحج: 20] .

ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: من المنافقين من يستمع إليك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً وذلك أن النبيّ  خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود، وهو الذي أوتي العلم.

ماذا قال آنفاً؟

يعني: الساعة، على جهة الاستهزاء.

قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يعني: عملوا بهوى أنفسهم.

ثم ذكر المؤمنين، المصدقين، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبيّ  : زادَهُمْ هُدىً يعني: زادهم الله بصيرة في دينهم، وتصديقاً لنبيهم.

ويقال: زادهم بما قال رسول الله  هدى.

ويقال: زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم.

هُدىً يعني: تصديقاً، وثباتاً على الإسلام، وشكر الله تعالى.

وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ حين بيّن لهم التقوى.

ويقال: ألهمهم قبول الناسخ، وترك المنسوخ.

قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي: ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة.

يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني: علاماتها، وهو انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي  .

وروى مكحول عن حذيفة قال: سئل رسول الله  : متى الساعة؟

فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ: تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني: كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني: مطر في غَيْرِ حِينِهِ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ» .

ثم قال: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني: من أين لهم التوبة، إذا جاءتهم الساعة.

وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة.

وقال مقاتل: فيه تقديم.

يعني: أنى لهم التذكرة، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.

وفِيما يَسْتَمِعُونَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ سَماعُ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ الجُمُعَةِ.

والثّانِي: سَماعُ قَوْلِهِ عَلى عُمُومِ الأوْقاتِ.

فَأمّا " الَّذِينَ أُوتُوا العَلَمَ "، فالمُرادُ: بِهِمْ عُلَماءُ الصَّحابَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ماذا قالَ السّاعَةَ، وهو مِن قَوْلِكَ: اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ: إذا ابْتَدَأْتَهُ، ورَوْضَةٌ أنُفٌ: لِمَن تُرْعَ، أيْ: لَها أوَّلُ يُرْعى؛ فالمَعْنى: ماذا قالَ في أوَّلِ وقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا.

وحُدِّثْنا عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبَ أنَّهُ قالَ: مَعْنى "آنِفًا" مُذْ ساعَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: "أنِفًا" بِالقَصْرِ، وهَذِهِ قِراءَةُ عِكْرِمَةَ، وحُمَيْدٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ تَوَهَّمَ، مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ، وفاكِهٍ وفَكِهٍ.

وَفِي اسْتِفْهامِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا ما يَقُولُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ باقِي الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى الإيمانِ بِأنْبِيائِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ  ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ  آمَنُوا بِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي الَّذِي زادَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: قَوْلُ الرَّسُولِ.

والثّالِثُ: اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، ذَكَرَهُنَّ الزَّجّاجُ.

وفي مَعْنى الهُدى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ.

والثّانِي: البَصِيرَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: اتِّقاءُ المَنسُوخِ والعَمَلُ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّالِثُ: أعْطاهُمُ التَّقْوى مَعَ الهُدى، فاتَّقَوا مَعْصِيَتَهُ خَوْفًا مِن عُقُوبَتِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، ﴿ أنْ تَأْتِيَهُمْ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الأشْهَبِ، وحُمَيْدٌ: "إنْ تَأْتِهِمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَ التّاءِ.

والأشْراطُ: العَلاماتُ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأشْراطُ: الأعْلامُ، وإنَّما سُمِّيَ الشَّرَطَ -فِيما تَرى- لِأنَّهم أعْلَمُوا أنْفُسَهم.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ظُهُورُ النَّبِيِّ  مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وانْشِقاقُ القَمَرِ والدُّخانُ وغَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ فَأنّى لَهُمْ ﴾ أيْ: فَمِن أيْنَ لَهم ﴿ إذا جاءَتْهُمْ ﴾ السّاعَةُ ﴿ ذِكْراهُمْ ﴾ ؟!

قالَ قَتادَةُ: أنّى لَهم أنْ يَذْكُرُوا ويَتُوبُوا إذا جاءَتْ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مَن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ الآيَةُ.

تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وهي مُعادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُحَمَّدٍ  في أنَّهُ الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وإلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في أنَّهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، وبَقِيَ اللَفْظُ عامًّا لِأهْلِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ غابِرَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى قَضِيَّةٍ واضِحَةٍ وعَقِيدَةٍ نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ ودِينٍ بَيِّنٍ" وألْحَقَ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "زُيِّنَ" ﴾ هو الشَيْطانُ، و"اتِّباعُ الأهْواءِ": طاعَتُها، كَأنَّها تَذْهَبُ إلى ناحِيَةٍ والمَرْءُ يَذْهَبُ مَعَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهُ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: صِفَةُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ فِيها كَذا وكَذا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلى بِقَوْلِهِ: فِيها كَذا وكَذا، والَّذِي ساقَ إلى أنْ تَجْعَلَ "مَثَلُ" بِمَثابَةِ "صِفَةٍ" هو أنَّ المُمَثَّلَ بِهِ لَيْسَ في الآيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ القَصْدَ في التَمْثِيلِ هو إلى الشَيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ المَرْءُ عِنْدَ سَماعِهِ: "فِيها كَذا وكَذا"، فَإنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقاعًا عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، وذَلِكَ هي مَثَلُ الجَنَّةِ ومِثالُها، أو فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَثَلُ الجَنَّةِ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعى هَذِهِ الأوصافَ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِثالُ الجَنَّةِ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أمْثالُ الجَنَّةِ"، وعَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ كُلِّها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أساكِنُ هَذِهِ؟

أو تَقْدِيرُهُ: أهَؤُلاءِ؟

إشارَةٌ إلى المُتَّقِينَ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَذْفُ في صَدْرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟

ويَكُونُ قَوْلُهُ مُسْتَفْهِمًا عنهُ بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ - وهي بِهَذِهِ الأوصافِ - كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟

فَتَكُونُ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَن" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِيها أنْهارٌ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

و ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، وسَواءٌ أُنْتِنَ أو لَمْ يُنْتَنْ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ - بِفَتْحِ السِينِ - وأسِنَ بِكَسْرِها - وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "آسِنٍ" ﴾ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أسِنَ" عَلى وزْنِ فَعِلَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأسْنُ: الَّذِي يَخْشى عَلَيْهِ مِن رِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن ماءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: التارِكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ ∗∗∗ يَمِيلُ في الرُمْحِ مَيْلَ المائِحِ الأسِنِ وقالَ الأخْفَشُ: "آسِنٍ" لُغَةٌ، والمَعْنى الإخْبارُ بِهِ عَنِ الحالِ، ومَن قالَ: "آسِنٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، فَهو يُرِيدُ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَنَفى ذَلِكَ في الآيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَيْرَ يَسِنٍ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ عن عَوْفٍ: كَذَلِكَ كانَتْ في المُصْحَفِ "غَيْرَ يَسِنٍ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في اللَبَنِ: ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الفَسادِ في اللَبَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ جَمَعْتُ طِيبَ المَطْعَمِ وزَوالَ الآفاتِ مِنَ الصُداعِ وغَيْرَهُ، و"لَذَّةٍ" نَعْتٌ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، وتَصْفِيَةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لِبَوْسَتِهِ وضَرَرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأنْواعِ، لَكِنَّها بَعِيدَةُ الشَبَهِ، إذْ تِلْكَ لا عَيْبَ فِيها ولا تَعَبَ بِوَجْهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مَعْناهُ: وتَنْعِيمٌ أعْطَتْهُ المَغْفِرَةُ وسَبَّبَتْهُ؛ وإلّا فالمَغْفِرَةُ إنَّما هي قَبْلَ الجَنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَسُقُوا" ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ النَبِيِّ  ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ وتِلاوَتَهُ، فَإذا خَرَجُوا قالَ بَعْضُهم لِمَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا وانْتَفَعُوا: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟

فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ هَذا اسْتِخْفافًا، أيْ: ما مَعْنى ما قالَ؟

وما نَفْعُهُ؟

وما قَدْرُهُ؟

ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَهْلًا ونَسْيانًا لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ الكَلامِ مُقْبِلًا عَلى فِكْرَتِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وفي كُفْرِهِ، فَكانَ القَوْلُ يَمُرُّ صَفْحًا، فَإذا خَرَجَ قالَ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟

وهَذا أيْضًا فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ لِأنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ كانَ يَقْصِدُ الإعْراضَ وقْتَ الكَلامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ لَمٍ يَبْعُدْ أنْ يَجْرِيَ عَلى بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ سُئِلَ هَذا السُؤالَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و" آنِفًا" مَعْناهُ: مُبْتَدِئًا، كَأنَّهُ قالَ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عنهُ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنِفًا" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "أنْفًا" عَلى وزْنِ فَعْلٍ، وهُما اسْما فاعِلٍ مِنِ "ائْتَنَفَ"، وجَرَيا عَلى غَيْرِ فِعْلِهِما، وهَذا كَما جَرى "فَقِيرٌ" عَلى "افْتَقَرَ" ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "فَقْرٌ"، وهَذا كَثِيرٌ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: "أنْفًا" مَعْناهُ: الساعَةُ الماضِيَةُ القَرِيبَةُ مِنّا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الفاعِلِينَ لِهَذا، وهَذا الطَبْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَمْعَآءَهُمْ * وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ ءَانِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

ضمير ﴿ ومنهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ [محمد: 12] الذين جرى ذكرهم غير مرة من أول السورة، أي ومن الكافرين قوم يستمعون إليك، وأراد بمن يستمع معهم المنافقين بقرينة قوله: ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ﴾ وقوله: ﴿ خرجوا من عندك ﴾ .

وليس المراد مجرد المستمعين مثل ما في قوله: ﴿ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تُسمع الصم ﴾ [يونس: 42] وقوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ [الأنعام: 25] للفرق الواضح بين الأسلوبين، وهذا صنف آخر من الكافرين الذين أسرّوا الكفر وتظاهروا بالإيمان، وقد كان المنافقون بعد الهجرة مقصودين من لفظ الكفار.

وهذه السورة نازلة بقرب عهد من الهجرة فلذلك ذكر فيها الفريقان من الكفار.

ومعنى ﴿ يستمع إليك ﴾ : يحضرون مجلسك ويسمعون كلامك وما تقرأ عليهم من القرآن.

وهذه صفة من يتظاهر بالإسلام فلا يُعرضون عن سماع القرآن إعراض المشركين بمكة.

روي عن الكلبي ومقاتل: أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ورفاعة بن الثابوت والحارث بن عَمرو وزيد بن الصلت ومالك بن الدخشم.

والاستماع: أشد السمع وأقواه، أي يستمعون باهتمام يظهرون أنهم حريصون على وَعي ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم يُلقون إليه بالهم، وهذا من استعمال الفعل في معنى إظهاره لا في معنى حصوله.

وحق فعل استمع أن يعدّى إلى المفعول بنفسه كما في قوله: ﴿ يستمعون القرآن ﴾ [الأحقاف: 29] فإذا أريد تعلقه بالشخص المَسموع منه يقال: استمع إلى فلان كما قال هنا ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ ، وكذا جاء في مواقعه كلها من القرآن.

و ﴿ حتى ﴾ في قوله: ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك ﴾ ابتدائية و ﴿ إذَا ﴾ اسم زمان متعلق ب ﴿ قالوا ﴾ .

والمعنى: فإذا خرجوا من عندك قالوا الخ.

والخروج: مغادرة مكان معيّن محصوراً وغير محصور، فمنه ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ [يوسف: 100]، ومنه ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ [الأعراف: 110].

والخروج من عند النبي صلى الله عليه وسلم مغادرة مجلسه الذي في المسجد وهو الذي عبر عنه هنا بلفظ ﴿ عندك ﴾ .

و ﴿ مِن ﴾ لتعدية فعل ﴿ خرجوا ﴾ وليست التي تزاد مع الظروف في نحو قوله تعالى: ﴿ مِن عند الله ﴾ [البقرة: 89].

والذين أوتوا العلم: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الملازمون لمجلسه وسُمِّي منهم عبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عبّاس.

وروي عنه أنه قال: أنا منهم وسُئِلتُ فيمن سُئل.

والمعنى: أنهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن وما يقوله من الإرشاد وحذف مفعول ﴿ يستمعون ﴾ ليشمل ذلك.

ومعنى ﴿ آنفاً ﴾ : وقتاً قريباً من زمن التكلم، ولم ترد هذه الكلمة إلا منصوبة على الظرفية.

قال الزجاج: هو من استَأنف الشيءَ إذا ابتدأه اه يريد أنه مشتق من فعل مزيد ولم يسمع له فعل مجرد، وظاهر كلامهم أن اشتقاقه من الاسم الجامد وهو الأنْفُ، أي جَارحة الشمّ وكأنهم عنوا به أنف البعير لأن الأنف أول ما يَبْدُو لراكبه فيأخذ بخطامه، فلوحظ في اسم الأنْف معنى الوصف بالظهور، وكني بذلك عن القرب، وقال غيره: هو مشتق من أُنُف بضم الهمزة وضم النون يوصف به الكأس التي لم يُشرب منها من قَبل، وتُوصف به الروضة التي لم تُرْع قبلُ، كأنهم لاحَظوا فيها لازم وصف عدم الاستعمال وهو أنه جديد، أي زمن قريب، ف ﴿ آنفاً ﴾ زماناً لم يبعد العهد به.

قال ابن عطية: «والمفسّرون يقولون: ﴿ آنفاً ﴾ معناه: الساعة القريبة مِنا وهذا تفسيرُ المعنى» اه.

وفي كلامه نظر لأن أهل اللغة فسروه بوقت يقرب منا.

وصيغ على زنة اسم الفاعل وليس فيه معنى اسم الفاعل، فهذا اسم غريب التصريففِ ولا يحفظ شيء من شعر العرب وقع فيه هذا اللفظ.

واتفق القراء على قراءته بصيغة فاعل وشذت رواية عن البزي عن ابن كثير أنه قرأ ﴿ آنفاً ﴾ بوزن كتف.

وقد أنكر بعض علماء القراءات نِسبتها إلى ابن كثير ولكن الشاطبي أثبتها في حرز الأماني وقد ذكرها أبو علي في الحجة.

فإذا صحت هذه الرواية عن البزّي عنه كان ﴿ آنِفاً ﴾ حالاً من ضمير ﴿ من يستمع ﴾ أجري على الإفراد رعياً للفظ ﴿ مَن ﴾ .

ومعناه: أنه يقول ذلك في حال أنه شديد الأنفة، أي التكبر إظهاراً لترفعه عن وعي ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم وينتهي الكلام عند ماذا.

وزعم أبو علي في الحجة: أن البزي توهمه مثل: حَاذر وحَذر.

ولا يظن مثل هذا بالبزي لو صحت الرواية عنه عن ابن كثير.

وسياق الكلام يدل على ذم هذا السؤال لقوله عقبه ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ فهو سؤال يُنْبئ عن مذمة سائليه، فإن كان سؤالهم حقيقة أنبأ عن قلة وعيهم لما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم فهم يستعيدونه من الذين علموه فلعل استعادتهم إياه لقصد أن يتدارسوه إذا خلوا مع إخوانهم ليختلقوا مغامر يهيئونها بينهم، أو أن يجيبوا من يسألهم من إخوانهم عما سمعوه في المجلس الذي كانوا فيه.

ويجوز أن يكون السؤال على غير حقيقته ناوين به الاستهزاء يُظهرون للمؤمنين اهتمامهم باستعادة ما سمعوه ويقولون لإخوانهم: إنما نحن مستهزؤون، أو أن يكون سؤالهم تعريضا بأنهم سمعوا كلاماً لا يستبين المراد منه لإدخال الشك في نفوس مَن يُحسون منهم الرغبة في حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم تعريضاً لقلة جدوى حضورها.

ويجوز أن تكون الآية أشارتْ إلى حادثة خاصة ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين وأحوالهم وعَلِم الذين كانوا حاضرين منهم أنهم المعنيّون بذلك، فأرادوا أن يسألوا سؤال استطلاع هل شعر أهل العلم بأن أولئك هم المعنيّون، فيكون مفعول ﴿ يستمعون ﴾ محذوفاً للعلم به عند النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ءَانِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا ﴾ .

استئناف بياني لأن قولهم: ﴿ ماذا قال آنفاً ﴾ سؤال غريب من شأنه إثارة سؤال من يسأل عن سبب حصوله على جميع التقادير السابقة في مرادهم منه.

وجيء باسم الإشارة بعد ذكر صفاتهم تشهيراً بهم، وجيء بالموصول وصلتيه خبراً عن اسم الإشارة لإفادة أن هؤلاء المتميزين بهذه الصفات هم أشخاص الفريق المتقرر بين الناس أنهم فريق مطبوع على قلوبهم لأنه قد تقرر عند المسلمين أن الذين صمّموا على الكفر هم قد طبع الله على قلوبهم وأنهم متّبعون لأهوائهم، فأفادت أن هؤلاء المستمعين زمرة من ذلك الفريق، فهذا التركيب على أسلوب قوله تعالى: ﴿ أولئك هم المفلحون ﴾ في سورة البقرة (5).

والطبع على القلب: تمثيل لعدم مخالطة الهدى والرشد لعقولهم بحال الكِتاب المطبوع عليه، أو الإناء المختوم بحيث لا يصل إليه من يحاول الوصول إلى داخله، فمعناه أن الله خلق قلوبهم، أي عقولهم غير مدركة ومصدقة للحقائق والهدى.

وهذا الطبع متفاوت يزول بعضه عَن بعض أهله في مدد متفاوتة ويدوم مع بعض إلى الموت كما وقعَ، وزواله بانتهاء ما في العقل من غشاوة الضلالة وبتوجه لطف الله بمن شاء بحكمته اللطف به المسمى بالتوفيق الذي فسره الأشعرية بخلق القدرة والداعية إلى الطاعة، وبأنه ما يقع عنده صلاح العبد آخره.

وفسر المعتزلة اللطف بإيصال المنافع إلى العبد من وجه يدق إدراكه وتمكينُه بالقدرة والآلات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، وزَيْدُ بْنُ الصُّلَيْتِ، والحارِثُ بْنُ عَمْرٍو، ومالِكُ بْنُ الدَّخْشَمِ.

وَفِيما يَسْتَمِعُونَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ الخُطْبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَإذا سَمِعُوا ذِكْرَ المُنافِقِينَ فِيها أعْرَضُوا عَنْهُ، فَإذا خَرَجُوا سَألُوا عَنْهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  مَعَ المُؤْمِنِينَ، فَيَسْمَعُونَ مِنهُ ما يَقُولُ، فَيَعِيهِ المُؤْمِنُ ولا يَعِيهِ المُنافِقُ.

﴿ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.

الثّالِثُ: أبُو الدَّرْداءِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الصَّحابَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ هَذا سُؤالُ المُنافِقِينَ لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ  .

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَرِيبًا.

الثّانِي: مُبْتَدِئًا.

وَفي مَقْصُودِهِمْ بِهَذا السُّؤالِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاسْتِهْزاءُ بِما سَمِعُوهُ.

الثّانِي: البَحْثُ عَمّا جَهِلُوهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِهْزاءَ زادَ المُؤْمِنِينَ هُدًى، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ زادَهم هُدًى، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ زادَهم هُدًى، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وَفي الهُدى الَّذِي زادَهم أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زادَهم عِلْمًا، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: عَلِمُوا ما سَمِعُوا، وعَلِمُوا بِما عَمِلُوا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: زادَهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ وتَصْدِيقًا لِنَبِيِّهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: شَرَحَ صُدُورَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: والَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالحَقِّ زادَهم هُدًى لِلْحَقِّ.

﴿ وَآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: آتاهُمُ الخَشْيَةَ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّانِي: ثَوابُ تَقْواهم في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: وفَّقَهم لِلْعَمَلِ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ تَرَكَ المَنسُوخَ والعَمَلَ بِالنّاسِخِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً.

﴿ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أشْراطُها آياتُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أوائِلُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ انْشِقاقُ القَمَرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ظُهُورُ النَّبِيِّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ الضَّحّاكُ لِأنَّهُ آخِرُ الرُّسُلِ وأُمَّتُهُ آخِرُ الأُمَمِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (بُعِثْتُ والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبّابَةُ والوُسْطى.

» ﴿ فَأنّى لَهُمْ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: مَعْناهُ فَكَيْفَ لَهُمُ النَّجاةُ.

﴿ إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إذا جاءَتْهُمُ الذِّكْرى عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الذِّكْرى وجْهانِ: أحَدُهُما: تَذْكِيرُهم بِما عَمِلُوهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.

الثّانِي: هو دُعاؤُهم بِأسْمائِهِمْ تَبْشِيرًا أوْ تَخْوِيفًا.

رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أحْسِنُوا أسْماءَكم فَإنَّكم تُدْعَوْنَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ، يا فُلانُ قُمْ إلى نُورِكَ، يا فُلانُ قُمْ فَلا نُورَ لَكَ)» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ وفِيهِ - وإنْ كانَ الرَّسُولُ  عالِمًا بِهِ - ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَكَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

الثّانِي: ما عَلِمْتَهُ اسْتِدْلالًا فاعْلَمْهُ خَبَرًا يَقِينًا.

الثّالِثُ: يَعْنِي فاذْكُرْ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الذِّكْرِ بِالعِلْمِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ.

﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اسْتِغْفِرِ اللَّهَ أنْ يَقَعَ مِنكَ ذَنْبٌ.

الثّانِي: اسْتِغْفِرِ اللَّهَ لِيَعْصِمَكَ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيِ اسْتِغْفِرْ لَهم ذُنُوبَهم.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مُتَقَلَّبَكم في أسْفارِكم، ومَثْواكم في أوْطانِكم.

الثّانِي: مُتَقَلَّبَكم في أعْمالِكم نَهارًا ومَثْواكم في لَيْلِكم نِيامًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون إلى النبي صلى الله عليه سولم فيستمع المؤمنون منه ما يقول ويعونه، ويسمعه المنافقون فلا يعونه، فإذا اخرجوا سألوا المؤمنين ماذا قال آنفاً؟

فنزلت ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس رضي الله عنهما: ماذا قال آنفاً؟

فيقول: كذا وكذا.

وكان ابن عباس رضي الله عنهما من الذين أوتوا العلم.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً ﴾ قال: أنا منهم، ولقد سئلت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال: هؤلاء المنافقون دخل رجلان، فرجل عقل عن الله وانتفع بما يسمع ورجل لم يعقل عن الله ولم يعه ولم ينتفع به.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن ابن بريدة رضي الله عنه ﴿ قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً ﴾ قال: هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

قوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عكرمة رضي الله عنه أن ناساً من أهل الكتاب آمنوا برسلهم وصدقوهم، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به فذلك قوله: ﴿ فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ وكان قوم من أهل الكتاب آمنوا برسلهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث آمنوا به فذلك قوله: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ قال: لما أنزل القرآن آمنوا به فكان هدى فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.

أما قوله تعالى: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ قال: دنت الساعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ قال: أول الساعات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقد جاء أشراطها ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم من أشراطها.

وأخرج البخاري «عن سهل بن مسعود رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا الوسطى والتي تليها بعثت أنا والساعة كهاتين» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى» .

وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن أبي عروبة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ﴾ قال: كان قتادة رضي الله عنه يقول: قد دنت الساعة ودنا منكم فداء ودنا من الله فراغ للعباد، قال قتادة رضي الله عنه وذكر لنا أن النبي الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه بعد العصر حتى كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا أسف أي شيء قال: «والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا مثل ما مضى من يومكم هذا فيما بقي منه وما بقي منه إلا اليسير» .

وأخرج أحمد عن بريدة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بعثت أنا والساعة جميعاً إن كادت تسبقني» .

وأخرج البخاري وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت في سم الساعة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون على خمسين امرأة قيم واحد» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله متى الساعة؟

فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها وإذا كانت الحفاة العراة رعاء الشاء رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها» .

وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة؟

فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.

قال يا رسول الله: وكيف إضاعتها؟

قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل فقال يا رسول الله متى الساعة؟

قال: ما السائل بأعلم من المسؤول.

قال: فلو علمتنا أشراطها.

قال: تقارب الأسواق.

قلت: وما تقارب الأسواق؟

قال: أن يشكو الناس بعضهم إلى بعض قلة إصابتهم، ويكثر ولد البغي وتفشوا الغيبة، ويعظم رب المال، وترتفع أصوات الفساق في المساجد، ويظهر أهل المنكر، ويظهر البغاء» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسو الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة سوء الجوار وقطيعة الأرحام وأن يعطل السيف من الجهاد وأن ينتحل الدنيا بالدين» .

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تذهب الدنيا حتى تصير للكع بن لكع» .

وأخرج أحمد والبخاري وابن ماجة عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة» .

وأخرج النسائي عن عمرو بن تغلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يقبض العلم ويفشو المال وتفشو التجارة ويظهر القلم» قال عمرو: فإن كان هذا الرجل ليبيع البيع فيقول حتى استأمر تاجر بن فلان ويلتمس في الحواء العظيم الكاتب فلا يوجد.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون بين يدي الساعة أيام فيرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر في الهرج» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن ربيب الجندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا الوليد يا عبادة بن الصامت إذا رأيت الصدقة كتمت وغلت واستؤجر في الغزو، وعمر الخراب، وخرب العامر، والرجل يتمرس بأمانته كما يتمرس البعير بالشجرة، فإنك والساعة كهاتين» وأشار بأصبعه السبابة والتي تليها.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» .

وأخرج أحمد والترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فيكون السنة كالشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كالضرم بالنار» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة» .

وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن وكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً.

ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوباً بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه لا يسقي به، ولتقومن الساعة وقد رفعت أكلته إلى فيه فلا يطعمها» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفحش وسوء الجوار وقطيعة الأرحام، وحتى يخون الأمين ويؤتمن الخائن.

ثم قال: إنما مثل المؤمن مثل النخلة وقعت فأكلت طيباً ولم تفسد ولم تكسر، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذهب الأحمر أدخلت النار فنفخ عليها ولم تتغير ووزنت فلم تنقص» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً عامّاً ولا تنبت الأرض شيئاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جابر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بين يدي الساعة كذابون منهم صاحب اليمامة وصاحب صنعاء العنسي، ومنهم صاحب حمير، ومنهم الدجال وهو أعظمهم فتنة» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين الساعة قريب من ثلاثين دجالين كلهم يقول أنا نبي أنا نبي» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في أمتي دجالون كذّابون يأتونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يفتنونكم» .

وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر» .

وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن في أمتي لنيفاً وسبعين داعياً كلهم داع إلى النار لو أشاء لأنبأتكم بأسمائهم وقبائلهم» .

وأخرج أبو يعلى عن أبي الجلاس قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول لعبد الله السبائي: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً» وإنك لأحدهم.

وأخرج أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون قبل خروج الدجال ينيف على سبعين دجالاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه أن بين يدي الساعة لستاً وسبعين دجالاً.

وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء مطراً لا يكن منه بيوت المدر ولا يكن منه إلا بيوت الشعر» .

وأخرج البيهقي في البعث والنشور عن الحسن قال: قال عليّ خرجت في طلب العلم فقدمت الكوفة فإذا أنا بعبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقلت يا أبا عبد الرحمن: هل للساعة من علم تعرف به؟

قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «إن من أشراط الساعة أن يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً، وتفيض الأشرار فيضاً، ويصدق الكاذب، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويسود كل قبيلة وكل سوق فجارهم، وتزخرف المحاريب، وتخرب القلوب ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويخرب عمران الدنيا، ويعمر خرابها، وتظهر الفتنة، وأكل الربا وتظهر المعازف والكنوز وشرب الخمر، ويكثر الشرط والغمازون والهمازون» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتراب الساعة اثنتان وسبعون خصلة، إذ رأيتم الناس أماتوا الصلاة وأضاعوا الأمانة وأكلوا الربا واستحلوا الكذب واستخفوا بالدماء واستعلوا البناء وباعوا الدين بالدنيا وتقطعت الأرحام ويكون الحكم ضعفاً والكذب صدقاً والحرير لباساً وظهر الجور وكثرة الطلاق وموت الفجاءة وائتمن الخائن وخوّن الأمين وصدق الكاذب وكذب الصادق وكثر القذف وكان المطر قيظاً والولد غيظاً وفاض اللئام فيضاً، وغاض الكرام غيضاً، وكان الأمراء والوزراء كذبة والأمناء خونة والعرفاء ظَلَمَة والقراء فَسَقَة إذا لبسوا مسوك الضأن قلوبهم أنتن من الجيف وأمرّ من الصبر يغشيهم الله تعالى فتنة يتهاركون فيها تهارك اليهود الظلمة وتظهر الصفراء يعني الدنانير، وتطلب البيضاء وتكثر الخطايا ويقل الأمن، وحليت المصاحف وصورت المساجد وطوّلت المنائر وخرّبت القلوب وشربت الخمور وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكاً، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وحلف بغير الله، وشهد المؤمن من غير أن يستشهد، وسلم للمعرفة، وتفقه لغير دين الله، وطلب الدنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دولاً والأمانة مغنماً والزكاة مغرماً، وكان زعيم القوم أرذلهم، وعق الرجل أباه وجفا أمه وضر صديقه وأطاع امرأته، وعلت أصوات الفسقة في المساجد، واتخذ القينات والمعازف، وشربت الخمور في الطرق، واتخذ الظلم فخراً وبيع الحكم، وكثرت الشرط، واتخذ القرآن مزامير وجلود السباع خفافاً، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنهم سألوا متى الساعة فقال: لقد سألتموني عن أمر ما يعلمه جبريل ولا ميكائيل، ولكن إن شئتم أنبأتكم بأشياء إذا كانت لم يكن للساعة كثير لبث إذا كانت الألسن لينة والقلوب جنادل ورغب الناس في الدنيا وظهر البناء على وجه الأرض، واختلف الإِخوان فصار هواهما شتى، وبيع حكم الله بيعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: «إن من اقتراب الساعة أن يظهر البناء على وجه الأرض، وأن تقطع الأرحام، وأن يؤذي الجار جاره» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن من أشراط الساعة أن يظهر الفحش والتفحش وسوء الخلق وسوء الجوار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: إن من أشراط الساعة أن يظهر القول ويخزن العمل ويرتفع الأشرار ويوضع الأخيار ويقرأ المثاني عليهم فلا يعيها أحد منهم.

قلت: ما المثاني؟

قال: كل كتاب سوى كتاب الله .

وأخرج ابن أبي شيبة عن رجاء بن حيوة قال: لا تقوم الساعة حتى تحمل النخلة إلا تمرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس قال: لا تقوم الساعة حتى تقوم رأس البقرة بالأوقية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الوداك قال: من اقتراب الساعة انتفاخ الإِهلّة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال ابن ليلتين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شيبة عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً فيقال ابن ليلتين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل ويرفع العلم حتى يقوم الرجل إلى أمه فيكربها بالسيف من الجهل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمر قال: يأتي على الناس زمان يجتمعون ويصلون في المساجد وليس فيهم مؤمن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلاً والجهل علماً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال: ليأتين على الناس زمان يجد النسوة نعلاً ملقى على الطريق فيقول بعضهن لبعض قد كانت هذه النعلة مرة لرجل.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن علي رضي الله عنه قال: «قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟

فزبره رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا صلى الفجر رفع رأسه إلى السماء فقال: تبارك خالقها ورافعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب ثم تطلع إلى الأرض فقال تبارك خالقها وواضعها ومبدلها وطاويها كطي السجل للكتاب ثم قال: أين السائل عن الساعة؟فجثا رجل من آخر القوم على ركبتيه فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم، وقوم يتخذون الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً والفاحشة زيارة، فسألته عن الفاحشة زيارة، قال: الرجلان من أهل الفسق يصنع أحدهما طعاماً وشراباً ويأتيه بالمرأة فيقول اصنع لي كما صنعت فيتزاورون على ذلك قال: فعند ذلك هلكت أمتي يا ابن الخطاب» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة، وحتى تتخذ المساجد طرقاً لا يسجد لله فيها حتى يجاوز، وحتى يبعث الغلام بالشيخ بريداً بين الأفقين، وحتى ينطلق الفاحر إلى الأرض النامية فلا يجد فضلاًّ» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة؟

فقام إليه سلمان رضي الله عنه فقال: أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله.

قال: إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة، والميل مع الهوى، وتعظيم رب المال.

فقال سلمان: ويكون هذا يا رسول الله؟

قال: نعم والذي نفس محمد بيده، فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماً والفيء مغنماً، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، ويتكلم الرويبضة.

قال: وما الرويبضة؟

قال: يتكلم في الناس من لم يتكلم، وينكر الحق تسعة أعشارهم، ويذهب الإِسلام فلا يبقى إلا اسمه، ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه، وتحلى المصاحف بالذهب وتتسمن ذكور أمتي وتكون المشورة للإِماء ويخطب على المنابر الصبيان وتكون المخاطبة للنساء، فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع، وتطول المنائر وتكثر الصفوف، مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة.

قال سلمان: ويكون ذلك يا رسول الله؟

قال: نعم والذي نفس محمد بيده، عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر، فعند ذلك يا سلمان يكون أمراء فسقة ووزراء فجرة وأمناء خونة يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها.

عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً، عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم للتجارة ومساكينهم للمسألة وقراؤهم رياء وسمعة.

قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟

قال: نعم والذي نفسي بيده، عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب، وتشارك المرأة زوجها في التجارة وتتقارب الأسواق.

قال: وما تقاربها؟

قال: كسادها وقلة أرباحها عند ذلك يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر فتلتقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟

قال: نعم والذي بعث محمداً بالحق» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن حذيفة رضي الله عنه قال: والله لا تقوم الساعة حتى يلي عليكم من لا يزن عشر بعوضة يوم القيامة.

وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني عن سلامة بنت الحر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إماماً يصلي بهم» .

وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أيام الدجال خداعة يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة.

قيل: وما الرويبضة؟

قال: الفاسق يتكلم في أمر العامة» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قبل الساعة سنون خداعة يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق بها الرويبضة» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في البعث والضياء عن بريدة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي يسوقها قوم اعراض الوجوه، صغار الأعين كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب.

أما السابقة الأولى فينجو من هرب منهم وإما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم.

قالوا يا رسول الله: من هم؟

قال: هم الترك» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس في الطرق تسافد الحمر.

وفي لفظ: حتى يتهارجون في الطرق تهارج الحمر فيأتيهم إبليس، فيصرفهم إلى عبادة الأوثان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين ذلف الأنف كأن وجوههم المجانّ الْمُطَرَّقَة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن حذيفة رضي الله عنه قال: «إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر كيما أعرفه فأتقيه، قلت يا رسول الله: أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله يكون بعده شر؟

قال: نعم قلت: فما العصمة من ذلك؟

قال: السيف.

قلت: وهل للسيف من بقية؟

قال: نعم.

قلت: ثم ماذا؟

قال: ثم على دخن جماعة على فرية، فإن كان يومئذ لله خليفة ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع وإلا فمت عاضّاً بجذل شجرة، قلت: ثم ماذا؟

قال: يخرج الدجال ومعه نهر ونار فمن وقع في ناره وقع وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره.

قلت: ثم ماذا؟

قال: ثم إنما هي قيام الساعة» .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم، وصححه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، وحتى تمر المرأة بقطعة النعل فتقول: قد كان لهذه رجل مرة وحتى يكون الرجل قيم خمسين امرأة، وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة على رجل يقول لا إله إلا الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر» وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد لله فيه حاجة، وحتى تؤخذ المرأة نهاراً جهاراً تُنْكحُ وسط الطريق، لا ينكر ذلك أحد، فيكون أمثلهم الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلاً فذاك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن علباء السلمي مرفوعاً: «لا تقوم الساعة إلا على حثالة الناس» .

وأخرج أحمد ومسلم عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركني زمان لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» .

وأخرج أحمد عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا يدركني زمان ولا تدركون زماناً لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب اليات نساء دوس على ذي الخلصة، وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمر قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء حول الأصنام» .

وأخرج الطبراني عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن تعزب العقول وتنقص الأحلام» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: كان يقال من اقتراب الساعة موت الفجأة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: من أشراط الساعة موت البدار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: كنا نتحدث أنه سيأتي على الناس زمان خير أهله الذي يرى الخير فيجانبه قريباً.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في البعث عن طلحة بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة هلاك العرب» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقاً وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص فلا تغلوا إلى يوم القيامة» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة وقطع الأرحام وفشو القلم وظهور الشهادة بالزور وكتمان شهادة الحق» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين، وأن لا يسلم الرجل إلا على من يعرفه، وأن يبرد الصبي الشيخ لفقره، وأن تتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض فيبقى منها عجاج لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً» .

وأخرج أحمد ومسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن طالت بك مدة يوشك أن ترى قوماً يغدون في سخط ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: «يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم» .

فقلت لأبي: وما المياثر؟

قال: سروجٌ عظام.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي أمامة مرفوعاً: «يخرج في هذه الأمة في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقرة يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته» .

وأخرج البزار والحاكم بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف.

قالوا: ومتى ذاك يا نبي الله؟

قال: إذا رأيت النساء ركبن السروج وكثرت القينات وشهد شهادت الزور وشرب المصلون في آنية أهل الشرك الذهب والفضة، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء فاستبدروا واستعدوا» .

وأخرج الطبراني وصححه عن أبي أمامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزداد الأمر إلى شدة ولا المال إلا إفاضة، ولا تقوم الساعة إلا على شرار خلقه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجعنا تعجل ناس فدخلوا المدينة، فسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر أنهم تعجلوا المدينة، فقال: «يوشك أن يدعوها أحسن ما كانت ليت شعري متى تخرج نار من جبل الوراق يضيء لها أعناق البخت ببصرى يروها كضوء النهار» .

وأخرج أحمد والحاكم عن رافع بن بشر السلمي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تخرج نار من حبس سيل تسير بطيبة تكمن بالليل وتسير بالنهار تغدو وتروح، يقال غدت النار أيها الناس فاغدوا قالت النار: أيها الناس فقيلوا راحت النار فروحوا من أدركته أكلته» .

وأخرج الحاكم عن أبي البداح بن عاصم الأنصاري رضي الله عنه بسند ضعيف قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثان ما قدم فقال: أي حبس سيل؟

قلنا: لا ندري فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: ومن أين جئت؟

قال: من حبس سيل.

فأتيت فقلت يا رسول الله: إن هذا الرجل يخبر أن أهله بحبس سيل، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أخر أهلك فإنه يوشك ان تخرج منه نار تضيء أعناق الإِبل ببصرى» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار الحجاز تضيء منها أعناق الإِبل ببصرى» .

وأخرج أحمد وصححه، وضعفه الذهبي، عن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال الأمة على شريعة ما لم يظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر ولد الخبث، ويظهر فيهم السقارون.

قالوا: وما السقارون؟

قال: بشر يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا التلاعن» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة فيصبح القوم فيقولون: من صعق البارحة فيقولون: صعق فلان وفلان» .

وأخرج البزار وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يُحج البيت» .

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عداً، ثم قال: والذي نفسي بيده ليعودن الأمر كما بدأ ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ بها حتى يكون كل إيمان بالمدينة.

ثم قال: لا يخرج رجل من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه، وليسمعن ناس برخص من أسعار وزيف فيتبعونه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضبّ لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على أمتي زمان يكثر فيه القراء وتقل الفقهاء ويقل العلم ويكثر الهرج.

قالوا وما الهرج يا رسول الله؟

قال: القتل بينكم.

ثم يأتي بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم.

ثم يأتي بعد ذلك زمان يحاول المنافق الكافر المشرك بالله المؤمن بمثل ما يقول» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإِنسان، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: يكون فتنة فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون الخامسة وهي مجللة تنشق في الأرض كما ينشق الماء.

وأخرج مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن لا يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرّ في ذلك شيئاً لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلساً أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئاً ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار قال حذيفة رضي الله عنه: فذهب أولئك الرهط غيري.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكون في هذه الأمة أربع فتن آخرها الغناء» .

وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل يا رسول الله: وما فتنة الأحلاس؟

قال: هي فتنة حرب وهرب ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه نبي وليس مني إنما أوليائي المتقون ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته، حتى إذا قيل انقضت عادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذاكم فانظروا الدجال من يومه أو من غده» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً فمنا من يضرب خباءه، ومنا من ينتضل إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة.

فانتهيت إليه وهو يخطب الناس ويقول: «أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيراً لهم، وينذرهم ما يعلمه شراً لهم، الا وان عافية هذه الأمة في أولها سيصيب آخرها بلاء وفتن يرفق بعضها بعضاً، تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه تهلكني، ثم تنكشف، ثم تجيء فيقول هذه وهذه ثم تجيء فيقول هذه وهذه، ثم تنكشف فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع» .

وأخرج ابن خزيمة والحاكم عن العداء بن خالد رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قام قومة له كأنه مفزع ثم رجع فقال: أحذركم الدجالين الثلاث فقال ابن مسعود رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرتنا عن الدجال الأعور وعن أكذب الكذابين فمن الثالث؟

قال: رجل يخرج في قوم أولهم مثبور وآخرهم مثبور عليهم اللعنة دائبة في فتنة الجارفة وهو الدجال الأكيس يأكل عباد الله قال محمد: وهو أبعد الناس من سننه قال الذهبي: الحديث منكر بمرة.

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر بن سمرة مرفوعاً: «ليفتحن لكم كنوز كسرى.

الأبيض أو الذي في الأبيض عصابة من المسلمين» .

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «تكون هدة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان ثم تظهر عصابة في شوال ثم مقمعة في ذي الحجة تنتهك المحارم ثم يكون موت في صفر، ثم تتنازل القبائل في ربيع ثم العجب كل العجب بين جمادى ورجب، ثم في المحرم ناقة مقتبة خير من دسكرة تقل مائة ألف» قال الحاكم: غريب المتن، وقال الذهبي: موضوع.

وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب راعي الخيل غلامه في القوم الظلمة» قال الذهبي ما أبعده من الصحة وأنكره!

وأخرج ابن أبي شيبة عن أرقم بن يعقوب قال: سمعت عبد الله رضي الله عنه يقول: كيف أنتم إذا أخرجتم من أرضكم هذه إلى جزيرة العرب ومنابت الشيخ؟

قلت: من يخرجنا؟

قال: عدو الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال: كأني أراهم مسر آذان خيلهم وابطبها بحافتي الفرات.

وأخرج الحاكم وصححه عن معيقيب ونعيم بن حماد عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً: «لن تفنى أمتي حتى يظهر فيهم التمايز والتمايل والمقامع.

قلت يا رسول الله: ما التمايز؟

قال: عصبية يظهرها الناس بعدي في الإِسلام.

قلت: فما التمايل؟

قال: تميل القبيلة علن القبيلة فتستحل حرمتها.

قلت: فما المقامع؟

قال: تسير الأحبار بعضها إلى بعض تختلف أعناقها في الحرب» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وقعت الملاحم خرج بعث من الموالي من دمشق هم أكرم العرب فرساً وأجودهم سلاحاً يؤيد الله بهم هذا الدين» .

وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ستكون فتنة تحصل الناس منها كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبوا أهل الشام وسبوا ظَلَمَتَهُمْ، فإن فيهم الأبدال، وسيرسل الله سيباً من السماء فيغرقهم حتى لو قاتلهم الثعالب غلبتهم، ثم يبعث الله عند ذلك رجلاً من عترة الرسول عليه الصلاة والسلام في إثني عشر ألفاً إن قلوا أو خمسة عشر ألفاً إن كثروا أمارتهم أن علامتهم أمت أمت على ثلاث رايات يقاتلهم أهل سبع رايات ليس من صاحب راية إلا وهو يطمع في الملك، فيقتلون ويهزمون ثم يظهر الهاشمي فيردّ الله على الناس إلفتهم ونعمتهم فيكونون على ذلك حتى يخرج الدجال.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتستصعبن الأرض بأهلها حتى لا يكون على ظهرها أهل بيت مَدَر ولا وبر وليبتلين آخر هذه الأمة بالرجف فإن تابوا تاب عليهم، وإن عادوا عاد الله عليهم بالرجف والقذف والمسخ والصواعق» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشركم بالمهدي يبعثه الله في أمتي على اختلاف من الزمان وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ويرضى عنه ساكنوا السماء وساكنوا الأرض، يقسم الأرض ضحاحاً.

فقال له رجل: ما ضحاحا؟

قال: بالسوية بين الناس، ويملأ قلوب أمة محمد غنى، ويسعهم عدله حتى يأمر مناد ينادي يقول: من كانت له في مال حاجة فما يقوم من المسلمين إلا رجلٌ واحد، فيقول: ائت السادن يعني الخازن فقل له: إن المهديّ يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له: أحث حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً إذ عجز عني ما وسعهم قال: فيرد، فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين ثم لا خير في العيش بعده قال: ثم لا خير في الحياة بعده» .

وأخرج أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يملك الأرض رجل من أهل بيتي أجلي أقنى» ولفظ أبي داود: «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت قبله ظلماً وجوراً يكون سبع سنين» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج المهدي في أمتي خمساً أو سبعاً- شك أبو الجوري- قلنا: أي شيء قال: سنين، ثم ترسل السماء عليهم مدراراً ولا تدخر الأرض من نباتها شيئاً، ويكون المال كردساً يجيء الرجل إليه فيقول يا مهدي أعطني أعطني فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل» .

وأخرج أحمد ومسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج في آخر الزمان خليفة يعطي الحق بغير عدد» .

عن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يكون عطاؤه حثياً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلاً منا يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة» .

وأخرج أبو داود عن أبي إسحاق قال: قال علي، ونظر إلى ابنه الحسن، فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل مني أو من أهل بيتي، وفي لفظ، لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً» .

وأخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وأبو يعلى والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة فيأتيه ناس من أهل المدينة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه إبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش اخواله كلب فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم فذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس سنة نبيهم ويلقى الإِسلام يجرانه إلى الأرض فليبث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اغرورقت عيناه وتغير لونه، فقلت: ما تزال ترى في وجهك شيئاً نكرهه فقال: إنا أهل بيت اختار لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يُعْطونَهُ فيقاتلون فَيُنْصَرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملأوها قسطاً كما ملأوها جوراً فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم ذكر شيئاً لا أحفظه، قال: فإذا رأيتموه فتابعوه ولو حَبْواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» .

وأخرج الترمذي ونعيم بن حماد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل بأمتي آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم حتى تضيق عليهم الأرض فيبعث الله رجلاً من عترتي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ولا السماء شيئاً من قطرها إلا صبته، يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن المهدي لا يخرج حتى يقتل النفس الزكية فإذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض فأتى الناس المهدي فزفوه كما تزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها، وهو يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء مطرها وتنعم أمتي في ولايته نعمة لا تنعمها قط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الجلد قال: تكون فتنة بعدها فتنة ألا وفي الآخرة كثمرة السوط يتبعها ذباب السيف، ثم لا يكون بعد ذلك فتنة تُسْتَحَلُّ فيها المحارم كلها ثم يأتي الخلافة خير أهل الأرض وهو قاعد في بيته ههنا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عاصم بن عمرو البجلي رضّي الله عنه قال: لَيُنادَيَنَّ باسم رجل من السماء لا ينكره الذليل ولا يمتنع منه الدليل.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ثابت بن عطية عن عبدالله قال: الزموا هذه الطاعة والجماعة فإنه حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة إن الله لم يخلق شيئاً إلا جعل له منتهى، وإن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى نقصان وإن أمارة ذلك أن تقطع الأرحام، ويؤخذ المال بغير حقه، ويسفك الدماء ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه شيء، ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء، فبينما هم كذلك إذ خارت الأرض خور البقرة يحسب كل إنسان أنها خارت من قبلهم فبينما الناس كذلك إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة لا ينفع بعد شيء منه ذهب ولا فضة.

وأخرج أحمد «عن عبدالله بن عمرو قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فرفع رأسه فنظر إليّ فقال: ست فيكم أيتها الأمة موت نبيكم، فكأنما انتزع قلبي من مكانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واحدة قال: ويفيض المال فيكم حتى إن الرجل ليعطى عشرة آلاف فيظل يسخطها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين قال: وفتنة تدخل بيت كل رجل منكم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث.

قال: وموت كقعاص الغنم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربع، وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيجمعون لكم تسعة أشهر بقدر حمل المرأة ثم يكونون أولى بالغدر منكم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس، وفتح مدينة.

قلت يا رسول الله: أي مدينة؟

قال: قسطنطينية» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة «عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة أدم فقال: أعدد ستّاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفاً زاد أحمد فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة في مدينة يقال لها دمشق» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ست من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس، وموت يأخذ في الناس كقعاص الغنم، وفتنة يدخل حرها بيت كل مسلم، وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها، وأن يغدر الروم فيسيرون بثمانين بنداً تحت كل بند اثنا عشر ألفاً» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن دمشق» .

وأخرج الحاكم عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: «إذا رأيت بيدة بيد رجل وأهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطينية» .

وأخرج مسلم والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟

فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق حتى إذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، فيقولون لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها، ثم يقولون الثانية لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلونها، فيغنمون فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ أن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون» قال الحاكم: يقال إن هذه المدينة هي القسطنطينية صح أن فتحها مع قيام الساعة.

وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وأبو يعلى ونعيم بن حماد في الفتن والطبراني والبيهقي في البعث والضياء والمقدسي في المختارة عن عبدالله بن بسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين الملحمة وفتح القسطنطينية سنين ويخرج الدجال في السابعة» .

وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فتح القسطنطينية مع قيام الساعة.

وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق فيخرج إليهم جلب من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافوا قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم فيقاتل المسلمون لا والله، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله ويصبح ثلث لا يفتنون أبداً فيبلغون القسطنطينية فيفتتحون، فبينما هم يقتسمون غنائمهم وقد علقوا سلاحهم بالزيتون إذ صاح الشيطان؛ أن المسيح قد خلفكم في أهليكم، وذاك باطل، فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة صلاة الصبح، فينزل عيسى ابن مريم فأمهم فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن الله يقتله بيده فيريهم دمه في حربته» .

وأخرج ابن ماجة والحاكم عن كثير بن عبدالله المزني عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تذهب الدنيا حتى تقاتلوا بني الأصفر يخرج إليهم روقة المؤمنين أهل الحجاز الذين يجاهدون في سبيل الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير فينهدم حصنها فيصيبون نيلاً عظيماً لم يصيبوا مثله قط حتى إنهم يقتسمون بالترس ثم يصرخ صارخ بأهل الإِسلام قد خرج الدجال في بلادكم وذراريكم فينفضّ الناس حتى عن المال منهم الآخذ ومنهم التارك فالآخذ نادم والتارك نادم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب حضور الملحمة، وحضور الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية، خروج الدجال» ثم ضرب معاذ على منكب عمر بن الخطاب وقال، والله إن ذلك لحق كما أنك جالس.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن ذي مخمر ابن أخي النجاشي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستصالحكم الروم صلحاً آمناً حتى تغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم فتنصرون وتغتنمون وتنصرفون تنزلوا بمرج ذي تلال فيقول قائل من الروم: غلب الصليب ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب فيتداولانها بينهم فيثور المسلم إلى صليبهم وهم منهم غير بعيد فيدقه وتثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة من المسلمين بالشهادة فتقول الروم لصاحب الروم كفيناك حد العرب، فيندرون فيجمعون الملحمة فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً» .

وأخرج أحمد والبخاري والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن بشر الغنوي حدثني أبي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي قبيل قال: تذاكر فتح القسطنطينية والرومية أيهما تفتح أولاً فدعا عبدالله بن عمر بصندوق ففتحه فأخرج منه كتاباً قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب فقيل: أي المدينتين تفتح أوّلاً يا رسول الله قسطنطينية أو رومية؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أوّلاًيريد القسطنطينية» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عوف بن مالك رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم واقناء معلقة وقنو منها حشف ومعه عصا فطعن بالعصا في القنو وقال: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها.

إن صاحب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة، أما والله يا أهل المدينة لتدعنها مذللة أربعين عاماً للعوافي.

قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أتدرون ما العوافي؟

قالوا: لا.

قال:الطير والسباع» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً «لتتركن المدينة على خير ما كانت تأكلها الطير والسباع» .

وأخرج الحاكم وصححه «عن محجن بن الأدرع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وصعدت معه فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال لها قولاً، ويل أمك أو ويح أمها قرية يدعها أهلها أينع ما تكون يأكلها عافية الطير والسباع ولا يدخلها الدجال إن شاء الله، كلما أراد دخولها يلقاه، بكل نقب من أنقابها ملك مصلت يمنعه عنها» .

وأخرج الحاكم وصححه عن واثلة بن الأسقع سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدجال ونزول يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذر والنمل» .

وأخرج أبو يعلي والروياني وابن قانع والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله ريحاً يبعثها على رأس مائة سنة تقبض روح كل مؤمن» .

وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عياش بن أبي ربيعة.

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تجيء ريح بن يدي الساعة تقبض فيها روح كل مؤمن» .

وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته» .

وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، ويبعث الله ريحاً طيبة فتتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين على العدوّ لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك» فقال عبدالله بن عمرو: أجل ويبعث الله ريحاً ريحها المسك ومسها مس الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإِيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة.

وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال: لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحاً لا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهي إلا قبضته، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية، ويبقى عجاج من الناس لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، يتناكحون في الطرق، فإذا كان ذلك اشتد غضب الله على أهل الأرض فأقام الساعة.

وخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون الذي أنجو» .

وأخرج مسلم عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله.

قال: فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تخرج معادن مختلفة فيها قريب من الحجاز يأتيه شرار الناس يقال له فرعون فبينما هم يعملون فيه إذ حسر عن الذهب فأعجبهم معتمله إذ خسف به وبهم.

وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ» .

وأخرج أحمد والبغوي وابن قانع والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن صحار العبدي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب فيقال من بني فلان» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال: ليخسفن بالدار إلى جنب الدار وبالدار إلى جنب الدار حيث تكون المظالم.

وأخرج ابن سعد عن أبي عاصم الغطفاني قال: كان حذيفة رضي الله عنه لا يزال يحدث الحديث يستفظعونه، فقيل له يوشك أن تحدثنا أنه سيكون فينا مسخ، قال: نعم ليكونن فيكم مسخ قردة وخنازير.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن فرقد السبخي قال: قرأت في التوراة التي جاء بها جبريل إلى موسى عليه السلام: ليكونن مسخ وقذف وخسف في أمة محمد في أهل القبلة.

قيل يا أبا يعقوب: ما أعمالهم؟

قال: باتخاذهم القينات وضربهم بالدفوف ولباسهم الحرير والذهب، ولن تغيب حتى ترى أعمالاً أزلية فاستيقن واستعد واحذر.

قيل: ما هي؟

قال: تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء.

ورغبت العرب في آنية العجم، فعند ذلك ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء بالحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل، وليخسف بقوم كما خسف بقارون.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد رضي الله عنه قال: ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل منهم ينتظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه الحاجة، فيخرج إليهم، وقد مسخ قرداً أو خنزيراً وليمرنَّ الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع عليه وقد مسخ قرداً أو خنزيراً.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الزاهرية رضي الله عنه قال: لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيخسف بأحدهما، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته منه.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن غنم قال: يوشك أن تعقد أمتان على رحى فتطحنان فتمسخ إحداهما والأخرى تنظر.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن غنم قال: سيكون خباءان متجاوران فينشق بينهما نهر فيسقيان منه بسهم واحد يقبس بعضهم من بعض، فيصبحان يوماً من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حيّ.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: بلغني أن ريحاً تكون في آخر الزمان وظلمة، فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا.

وأخرج الترمذي في نوادر الأصول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه قال: لتعملن عمل بني إسرائيل فلا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله.

فقال رجل: يكون منا قدرة وخنازير؟

قال: وما يبرئك من ذلك لا أم لك؟

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: كيف أنتم إذا أتاكم زمان يخرج أحدهم من حجلته إلى حشه فيرجع وقد مسخ قرداً؟

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن أنس أن عبدالله بن سلام قال يا رسول الله: ما أول أشراط الساعة؟

قال: «نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» .

وأخرج الدارقطني في الأفراد والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف تسوقهم سوق الجمل الكسير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وقال: حسن صحيح عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضرموت تحشر الناس، قالوا يا رسول الله: فما تأمرنا؟

قال: عليكم بالشام» .

أما قوله تعالى: ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ .

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ يقول: إذا جاءت الساعة أنى لهم الذكرى؟

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ﴾ قال: إذا جاءتهم الساعة فأنى لهم أن يذكروا ويتوبوا ويعملوا، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فأعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ .

أخرج الطبراني وابن مردويه والديلمي عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الذكر لا إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار، ثم قرأ ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ » .

وأخرج أبو يعلى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك اهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون» .

وأخرج أحمد والنسائي والطبراني والحاكم والترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا دخل الجنة» وفي لفظ: «إلا غفر الله له» .

وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول لا إله إلا الله ودعاء الوالد» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش» .

وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «اعلم أنه من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة» وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله إلا حرم على النار» .

وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فلن تطعمه النار» .

وأخرج أحمد والطبراني «عن سهيل بن البيضاء رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا رديفه، فقال: يا سهيل بن بيضاء ورفع صوته، فاجتمع الناس، فقال: إنه من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب له الجنة» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: رؤي طلحة حزيناً فقيل له: ما لك؟

قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا نفَّسَ الله عنه كربته وأشرق لونه ورأى ما يسره» وما منعني أن أسأله عنها إلا القدرة عليه حتى مات فقال عمر: إني لأعلمها فقال: فما هي؟

قال: لا نعلم كلمة هي أعظم من كلمة أمر بها عمه.

لا إله إلا الله قال: فهي والله هي.

وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والبيهقي عن عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» .

وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر بشّر الناس أنه من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» .

وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم ومسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله أنجته يوماً من الدهر أصابه قبلها ما أصابه» .

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله طلست ما في صحيفته من السيئات حتى يعود إلى مثلها» .

وأخرج البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ختم له بشهادة أن لا إله إلا الله صادقاً دخل الجنة، ومن ختم له بصوم يوم يبتغي به وجه الله دخل الجنة، ومن ختم له عند الموت بإطعام مسكين يبتغي به وجه الله دخل الجنة» .

قوله تعالى: ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ الآية.

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه «عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلت معه من طعام فقلت: غفر الله لك يا رسول الله.

قال: ولك.

فقيل: أستغفر لك يا رسول الله؟

قال: نعم ولكم، وقرأ ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه وابن مردويه «عن عبيد بن المغيرة رضي الله عنه قال: سمعت حذيفة رضي الله عنه تلا قوله تعالى ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ﴾ قال: كنت ذرب اللسان على أهلي، فقلت يا رسول الله: إني أخشى أن يُدخلني لساني النار.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أنت عن الإِستغفار أني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والطبراني عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني وابن مردويه عن رجل من المهاجرين يقال له الأغر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني استغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن الأغر المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة» وفي لفظ «التواب والغفور» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» .

أما قوله تعالى: ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والله يعلم متقلبكم ﴾ في الدنيا ﴿ ومثواكم ﴾ في الآخرة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ قال: متقلب كل دابة بالليل والنهار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني المنافقين يستمعون خطبة النبي -  - يوم الجمعة، وكان يعرض بالمنافقين ويعيبهم، فإذا خرجوا من المسجد قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال آنفاً، وذلك قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ (١) وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنت فيمن سئل، يعني أنه من الذين ذكرهم الله في قوله: (قالوا للذين أوتوا العلم) (٢) (٣) (٤) قوله: ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾ أي: ماذا قال الساعة، ويعني الآنف من الائتناف، وهو الابتداء يقال: ائتنفت الكلام ائتنافاً، أي: ابتدأته.

قال: ذلك أبو زيد، والاستئناف أيضًا بهذا المعنى، وهما من الأنف وهو أول كل شيء يقال هذا ثم أنف العدو، وأنف البرد، وأنف المطر، أي: أوله (٥) (٦) أي: في أول جريه، ومن هذا أنف الجبل، وأنف الإنسان، وأنف خف البعير، وقال أبو علي الفارسي: و (آنفا) من أنف، أي ابتدأ وهو غير مستعمل، وإن كان القياس يوجبه، وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير، جاء على فَقره، والمستعمل افتقر، وكذلك شديد، والمستعمل اشتد، فكذلك قوله: آنفاً، والمستعمل ائتنف (٧) وروى أحمد بن موسى بإسناده عن ابن كثير من طريق البزي: (أنِفاً) بالقمر (٨) ويحرُمُ سِرُّ جَارَتِهم عليهم ...

ويَأْكُلُ جَارُهُم أُنُفَ القِصَاعِ (٩) يريد: أنهم يؤثرونه بأفضل الطعام وأوله لا البقايا، وأُنُف جمع أَنْف بالمد، مثل: قَاتِل وقُتُلٍ، وبازلٍ وبُزُلٍ (١٠) وذكر المفسرون في وجه سؤال المنافقين قولين: أحدهما: أنهم سألوا استهزاء منهم وإعلاماً أنهم لم يستمعوا إلى كلامه ولم يلتفتوا إلى ما قال، وهذا اختيار الزجاج (١١) (١٢) قال مقاتل: وقد سمعوا قول النبي -  - فلم يفقهوه (١٣)  - يخرجون فيقولون: ماذا قال آنفاً (١٤) ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ قال مقاتل: ختم على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان ﴿ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ في الكفر (١٥) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 243، "تنوير المقباس" ص 508.

(٢) خرج ذلك الطبري.

انظر: "تفسيره" 13/ 51، والحاكم في "المستدرك" 2/ 457 وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

انظر: "المستدرك" كتاب التفسير تفسير سورة محمد -  -.

(٣) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 238.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (أنف) 15/ 482، "اللسان" (أنف) 9/ 14.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (أنف) 15/ 482، "اللسان" 9/ 14.

(٧) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 193.

(٨) انظر: "الحجة" 6/ 192، "التذكرة في القراءات" لابن غلبون 2/ 683.

(٩) البيت للحطيئة.

انظر: "ديوانه" ص 62، "لسان العرب" (أنف) 9/ 13، و"الزاهر" 2/ 312.

(١٠) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 194.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10، "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"زاد المسير" 7/ 402.

(١٢) "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"زاد المسير" 7/ 402.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.

(١٤) ذكر أبو حيان في البحر المحيط قريبًا من ذلك ولم ينسبه.

انظر: "البحر المحيط" 8/ 79، وكذلك ذكر نحوه ابن كثير في "تفسيره" 6/ 316.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ يعني المنافقين، وجاء يستمعون بلفظ الجمع رعياً لمعنى من ﴿ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم ﴾ روي أنه عبد الله بن مسعود ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفاً ﴾ كانوا يقولون ذلك على أحد وجهين: إما احتقاراً لكلامه، كأنهم قالوا: أي فائدة فيه، وإما جهلاً منهم ونسياناً لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه، وآنفاً معناه الساعة الماضية قريباً، وأصله من: استأنفت الشيء إذا ابتدأته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ﴾ جعل الله - عز وجل - آيات رسالة رسوله  وحججه على المنافقين - صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، فأطلع الله رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه؛ ليكون ذلك آية لرسالته، وحجة لنبوته؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا الله -  - فإذا أخبر رسول الله لهم بما أسروا وأضمروا، وعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله -  - [كقوله:] ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك.

ثم الناس في الاستماع إلى رسول الله  يفرقون إلى فرق ثلاث: فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهو كقوله -  -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً...

﴾ الآية [التوبة: 124] ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...

﴾ الآية [التوبة: 125].

وقوله -  -: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ أي: أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره.

ويحتمل: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ أي: يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في المستأنف.

وقال بعضهم: أي: أعطاهم الله ثواب أعمالهم في الآخرة؛ يقول: كلما جاء من الله أمر أخذوا به، فزادهم الله -  - هدى ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ ؛ أي: أجرهم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ وأنطاهم تقواهم ﴾ أي: أعطاهم، وهي لغة معروفة، أنطى: أي: أعطى، وكذلك قرأ: ﴿ إنا أنطيناك الكوثر ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ كأن هذه الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة؛ كأنه يقول: ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، كأنه - والله أعلم - يؤيس رسوله  عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول الله  ؛ لأنه خاتم الأنبياء، وبه ختمت النبوة، وروي عنه أنه قال: "بعثت [أنا] والساعة كهاتين" ، وأشار إلى أصبعين جمع بينهما، فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط الساعة؛ أي: قد جاءت أشراط الساعة حقيقة وتحققت.

والثاني: يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها هي الأعلام والشرائط التي جعلت علماً لقيامها؛ من نحو نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج الدجال، وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام؛ فيكون قوله: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ أي: كأن قد جاء أشراطها؛ إذ كل ما هو آت جاءٍ؛ فكأنه قد جاء؛ كقوله -  -: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: من أنى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت؟

وكيف لهم منفعة الذكرى إذا جاءت، والتوبة لا تقبل حينئذ؟

والثاني: من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى؛ أي: ما يذكرهم في الدنيا قبل ذلك فلم يؤمنوا، ولم يتذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: اعلم في حادث الوقت أنه لا إلا إلا الله؛ كقوله  : ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك.

والثاني: يقول: فاعلم أن الإله المستحق للعبادة والمعبود الحق هو الإله الذي لا إله غيره؛ إذ الإله عند العرب هو المعبود؛ يقول: إن المعبود الذي يستحق العبادة هو الله -  - لا الأصنام التي تعبدونها دونه [و] تزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إليه زلفى.

والثالث: أمره أن يشعر قلبه في كل وقت [و]حال كلمة الإخلاص، والتوحيد له، والقول به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ إنما هو لافتتاح الكلام وابتدائه، على ما يؤمر المرء أن يبتدئ بالدعاء لنفسه عند أمره بالدعاء لغيره، وكان حقيقة الأمر بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات دون نفسه، ولكن أمر بالدعاء لنفسه استحباباً، والله أعلم.

وجائز أن يكون له ذنب فيأمره بالاستغفار له، لكن نحن لا نعلم، وليس علينا أن نتكلف حفظ ذنوب الأنبياء - عليهم السلام - وذكرها، وكل موهوم منه الذنب يجوز أن يؤمر بالاستغفار، كقول إبراهيم -  - حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ  ﴾ لكن ليس ذنب الأنبياء وخطاياهم كذنب غيرهم؛ فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر، وذنبهم ترك الأفضل دون مباشرة القبيح في نفسه، والله الموفق.

ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية؛ لأنه - عز وجل - أمر رسوله -  - أن يستغفر لهم، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار، ثم لا يحتمل - أيضاً - أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له، وكذلك دعاء سائر الأنبياء - عليهم السلام - نحو دعاء نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وقول إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ  ﴾ ، ونحو ذلك، وكذا استغفار الملائكة لهم - أيضاً - لقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ...

﴾ الآية [غافر: 7] هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء - عليهم السلام - أفضل وسائل تكون إلى الله -  - وأعظم قربة عنده، والله الموفق.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله -  - أن يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جوراً ووضع الشيء في غير موضعه.

فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، والله الموفق للصواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في النهار ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ من الليل.

وقيل: يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل؛ وهما واحد.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في الدنيا ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ في الآخرة؛ أي: مقامكم فيها.

وهو يخرج عندنا على وجوه: أحدها: يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن الله -  - يجهل عواقب الأمور؛ حيث أنشأ هذا العالم، فجحدوه وجحدوا نعمه، فلا يحتمل أن ينشئهم، ويجعل لهم النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم، فعلى ذلك هذا، على زعمهم، فقال -  - جواباً لهم: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم، لا عن جهل على ما ظنوا هم، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى الله -  - لجهلهم بحق الحكمة في فعله؛ لأن الله - جل وعلا - لم ينشئ هذا العالم لحاجة له، أو لمنافع نفسه؛ بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم، ولحاجتهم، فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد، فأما في الشاهد فمن يأمر أحداً أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود فهو سفيه غير حكيم؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له، فإذا علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم، فافترق الشاهد والغائب؛ لافتراق وجه الحكمة، والله الموفق.

والثاني: قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم، وسكونكم، وجميع تقلبكم؛ لتكونوا أبداً على حذر ويقظة، والله أعلم.

والثالث: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، ويعلم إلى ماذا يكون مرجعكم في الآخرة؛ أي: أنشأ كلا على ما علم أنه يكون منهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة، ويقولون: هلا نزلت سورة؛ لوجوه: أحدها: لتكون السورة حجة لهم، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد.

والثاني: كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في الدين؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  ﴾ وأما المنافقون ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ؛ على ما ذكر.

والثالث: يتمنون نزول السورة؛ ليتبين لهم المصدق من المكذب، والمتحقق من المرتاب.

هذه الوجوه التي ذكرنا تكون لأهل الإيمان؛ لذلك يتمنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ ﴾ أي: محدثة، والمحدثة ليست بتفسير للمحكمة، إلا أن يعنوا بالمحدث: الناسخ، والناسخ هو المحدث والمتأخر نزولا، وهو محكم؛ لأنه يلزم العمل به، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ لولا نزلت سورة محدثة ﴾ ، والوجه ما ذكرنا.

والمحكمة عندنا على وجهين: أحدهما: أي: محكمة بالحجج والبراهين.

والثاني: لما أنزلت على أيدي قوم وتداولت فيما بينهم فلم يغيروه ولم يبدلوه؛ بل حفظوه؛ ليعلم أنه من عند الله حقّاً ومنه نزل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ جعل الله - عز وجل - في القتال خصالا: أحدها: كثرة أهل الإسلام، وكثرة الأموال، وإن كان في ظاهر القتال إفناء الأنفس والأموال؛ لأنه قبل أن يفرض القتال كان يدخل من الإسلام واحد، فلما فرض القتال دخل فيه فوج فوج؛ على ما أخبر: ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً  ﴾ .

والثاني: ليتبين المصدق منهم من المكذب لهم، والمتحقق من المرتاب؛ لأنه لم يكن ليظهر ويتبين لهم المنافق من غيره إلى ذلك الوقت، فلما فرض القتال عند ذلك ظهر وتبين لهم أهل النفاق والارتياب من أهل الإيمان والتصديق.

والثالث: فيه آية الرسالة والبعث، وأما آية الرسالة فلأن أصحاب رسول الله  كانوا عدداً قليلا لا عدة لهم ولا قوة، أمروا بالقتال مع عدد لا يحصون، ولهم عدة وقوة؛ ليعلم أنهم لا بأنفسهم يقاتلون، ولكن بالله -  - إذ لا يحتمل قيام أمثالهم لأمثال أولئك مع كثرتهم وقوتهم، والله أعلم.

وأما آية البعث فلأنهم أمروا بقتال أقاربهم، وأرحامهم، والمتعلق بهم، وفي ذلك قطع أرحامهم، وقطع صلة قراباتهم؛ ليعلم أنهم إنما يفعلون هذا بالأمر لعاقبة تؤمل وتقصد؛ إذ لا يحتمل فعل ذلك بلا عاقبة تقصد، وبلا شيء يعتقد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ﴾ كان أهل النفاق يكرهون نزول ما ينبئهم عما في ضميرهم من النفاق والارتياب، كقوله -  -: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ وإذا أنزلت السورة يزداد لهم ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ قال أهل التأويل: هذا وعيد لهم؛ كقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ...

﴾ الآية [القيامة: 34]، لكن ظاهره ليس بتوعد ولا تهدد، إنما ظاهره، أي: أحرى لكم وأولى أن تطيعوه، وأن تقولوا معروفاً، فإذا تركوا ذلك يكون وعيداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ اختلف في تأويله: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ﴾ ، وعزم الأمر؛ فعند ذلك كان ما ذكر من المنافقين حيث قال: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ ، وليس في نفس ذكر القتال ما ذكر من نظر المغشي عليه من الموت إنما ذلك الوصف وتلك الحال عند وجوب القتال، ولزومه، وتأكيده عليهم، وذلك في قوله -  -: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: وجب وفرض، فعند ذلك يكون حالهم ما ذكر، فأما بذكر نفس القتال فلا، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ ﴾ هو في الآخرة، أي: فإذا تحقق وظهر ما كان أوعدهم الرسول -  - من نزول العذاب بهم في الآخرة ﴿ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في الدنيا لكان خيراً لهم في الآخرة؛ حيث كان لا ينزل العذاب بهم في الآخرة؛ أي: لو صدقوا رسول الله فيما يوعدهم من العذاب أنه ينزل بهم في الآخرة وتركوا مخالفته في الدنيا - لكان خيراً لهم في الآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن المنافقين من يستمع إليك -أيها الرسول- سماعًا لا قبول معه، بل مع إعراض، حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أعطاهم الله علمًا: ماذا قال في حديثه قريبًا؟

تجاهلًا منهم وإعراضًا، أولئك هم الذين ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، واتبعوا أهواءهم فأعمتهم عن الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.mPlQJ"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله