الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٤ من سورة محمد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 50 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول : ( أفمن كان على بينة من ربه ) أي : على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه ، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم ، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة ، ( كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ) أي : ليس هذا كهذا كقوله : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) [ الرعد : 19 ] ، وكقوله : ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) [ الحشر : 20 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) يقول تعالى ذكره: ( أَفَمَنْ كَانَ ) على برهان وحجة وبيان ( مِنْ ) أمر ( رَبِّهِ ) والعلم بوحدانيته, فهو يعبده على بصيرة منه, بأن له رَبًّا يجازيه على طاعته إياه الجنة, وعلى إساءته ومعصيته إياه النار,( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) يقول: كمن حسَّن له الشيطان قبيح عمله وسيئه, فأراه جميلا فهو على العمل به مقيم ( وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) يقول: واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم من معصية الله, وعبادة الأوثان من غير أن يكون عندهم بما يعملون من ذلك برهان وحجة.
وقيل: إن الذي عني بقوله: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) نبينا عليه الصلاة والسلام , وإن الذي عُنِي بقوله: ( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) هم المشركون.
قوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم .قوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه الألف ألف تقرير .
ومعنى على بينة أي : على ثبات ويقين ، قاله ابن عباس .
أبو العالية : وهو محمد صلى الله عليه وسلم .
والبينة : الوحي .
كمن زين له سوء عمله أي عبادة الأصنام ، وهو أبو جهل والكفار .
واتبعوا أهواءهم أي ما اشتهوا .
وهذا التزيين من جهة الله خلقا .
ويجوز أن يكون من الشيطان دعاء ووسوسة .
ويجوز أن يكون من الكافر ، أي : زين لنفسه سوء عمله وأصر على الكفر .
وقال : ( سوء ) على لفظ ( من ) ( واتبعوا ) على معناه .
أي: لا يستوي من هو على بصيرة من أمر دينه، علما وعملا، قد علم الحق واتبعه، ورجا ما وعده الله لأهل الحق، كمن هو أعمى القلب، قد رفض الحق وأضله، واتبع هواه بغير هدى من الله، ومع ذلك، يرى أن ما هو عليه من الحق، فما أبعد الفرق بين الفريقين!
وما أعظم التفاوت بين الطائفتين، أهل الحق وأهل الغي!
( أفمن كان على بينة من ربه ) يقين من دينه ، محمد والمؤمنون ( كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ) يعني عبادة الأوثان ، وهم أبو جهل والمشركون .
«أفمن كان على بيِّنة» حجة وبرهان «من ربه» وهو المؤمنون «كمن زُيّن له سوءُ عمله» فرآه حسنا وهم كفار مكة «واتبعوا أهواءهم» في عبادة الأوثان، أي لا مماثلة بينهما.
أفمن كان على برهان واضح من ربه والعلم بوحدانيته، كمن حسَّن له الشيطان قبيح عمله، واتبع ما دعته إليه نفسه من معصية الله وعبادة غيره مِن غير حجة ولا برهان؟
لا يستوون.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها فى الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين .
فقال - تعالى - : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ .
.
.
فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ) .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) للإِنكار والنفى ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق ، و " من " مبتدأ ، والخبر قوله ( كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ) .
والبينة : ما يتبين به الحق من كل شئ ، كالنصوص الصحيحة فى النقليات والبراهين السليمة فى العقليات .والمراد بمن كان على بينة من ربه : الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه ، والمراد بمن زين له سوء عمله ، واتبعوا أهوائهم : المشركون الذين استحبوا العمى على الهدى .والمعنى : أفمن كان على بينة من أمر ربه ، وعلى طريقة سليمة من هديه ، يستوى مع من كان على ضلالة من أمره ، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأ ، ها حسنات ، واتبع هواه دون أن يفرق بين القبيح والحسن؟
لا شك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل .
فإن الفريق الأول مهتد فى منهجه وسلوكه ، والفريق الثانى فى النقيض منه .
اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام والكفار ليعلم أن إهلاك الكفار ونصرة النبي عليه السلام في الدنيا محقق، وأن الحال يناسب تعذيب الكافر وإثابة المؤمن، وقوله: ﴿ على بَيّنَةٍ ﴾ فرق فارق، وقوله: ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ مكمل له، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين المتمسك بها وبين القائل قولاً لا دليل عليه، فإذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى وأبهر، ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله: ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآء ﴾ وقولنا الهداية من الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فرق فارق، وقوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ تكملة وذلك أن من زين له سوء عمله وراجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان وقبله، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر ويرجع إلى الحق، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان، وقد يتبع هواه ولا يتدبر في البرهان ولا يتفكر في البيان فيكون في غاية البعد، فإذن حصل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن مع الكافر في طرفي التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة، والكافر له الشبهة وهو مع الله وأولئك مع الهوى وعلى قولنا ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ معناه الإضافة إلى الله، كقولنا الهداية من الله، فقوله: ﴿ اتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ مع ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ وقوله: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ بصيغة التوحيد محمول على لفظة من، وقوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ محمول على معناه فإنها للجميع والعموم، وذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ لقربه منه في الحس والذكر، وعند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه، فظهر التعدد فحمل على المعنى.
<div class="verse-tafsir"
من زين له: هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، ومن كان على بينة من ربه أي على حجة من عنده وبرهان: وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقرئ: ﴿ أمن كان على بينة من ربه ﴾ وقال تعالى: ﴿ سواء عَمَلِهِ واتبعوا ﴾ للحمل على لفظ ﴿ مِّن ﴾ ومعناه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ﴾ يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا.
﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ حَرِيصِينَ غافِلِينَ عَنِ العاقِبَةِ.
﴿ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ مَنزِلٌ ومَقامٌ.
﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإجْراءِ أحْكامِهِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، والإخْراجُ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ.
﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ بِأنْواعِ العَذابِ.
﴿ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ وهو كالحالِ المَحْكِيَّةِ.
﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ حُجَّةٍ مِن عِنْدِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّهُ والحُجَجُ العَقْلِيَّةُ كالنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ كالشِّرْكِ والمَعاصِي.
﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ في ذَلِكَ لا شُبْهَةَ لَهم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ} أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله وقال سوء عمله {واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} للحمل على لفظ من ومعناه
﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِتَبايُنِ حالِ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكَوْنِ الأوَّلِينَ في أعْلى عِلِّيِّينَ والآخَرِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ وبَيانٌ لِعِلَّةٍ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الحالِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اسْتِوائِهِما أوْ لِإنْكارِ كَوْنِ الأمْرِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وقَدْ قُرِئَ بِدُونِها، و(مَن) عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَمَسِّكِينَ بِأدِلَّةِ الدِّينِ كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنْ أضْدّادِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ( مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ) هو رَسُولُ اللَّهِ و( مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) هُمُ المُشْرِكُونَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ولا داعِيَ إلَيْهِ، قِيلَ: ومَثَلُهُ كَوْنُ (مَنِ) الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أيَسْتَوِي الفَرِيقانِ أوْ ألَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَمَن كانَ ثابِتًا عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ مِن مالِكِ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ والحُجَجِ العَقْلِيَّةِ كَمَن زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ عَمَلَهُ السَّيِّئَ مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي كَإخْراجِكَ مِن قَرْيَتِكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ أقْبَحَ القَبائِحِ ﴿ واتَّبَعُوا ﴾ في ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّزْيِينِ ﴿ أهْواءَهُمْ ﴾ الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ تُوِهِمُ صِحَّةَ ما هم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ تَدُلُّكَ عَلَيْها.
وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ إفْرادَ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: وكم من قرية فيما مضى.
يعني: أهل قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني: أشد منعة، وأكثر عدداً، وأكثر أموالاً، مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة، أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب فَلا ناصِرَ لَهُمْ يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة.
قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قال مقاتل والكلبي: يعني: محمدا وأبا جهل بن هشام يعني: لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى، كمن حسن له قبح عمله.
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان.
ويقال: هذا في جميع المسلمين، وجميع الكافرين.
لا يكون حال الكفار، مثل حال المؤمنين في الثواب.
قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتقون الشرك، والفواحش، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قرأ ابن كثير: مِن مّاء غير أسن بغير مد.
والباقون: بالمد، ومعناهما واحد.
يعني: ماء غير منتن، ولا متغير الطعم والريح.
وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى.
وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني: لذيذة.
ويقال: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) [الواقعة: 19] .
وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيها العكر، ولا الكدرة، ولا الدردي، كعسل أهل الدنيا.
قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر، إلى أهل الجنة.
ويقال: من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة.
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم في الآخرة.
ويقال: في الدنيا.
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني: هل يكون حال من هو في هذه النعم، كمن هو في النار أبداً.
وَسُقُوا مَاء حَمِيماً أي: حاراً قد انتهى حره فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ من شدة الحر، فذابت أمعاؤهم، كقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) [الحج: 20] .
ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: من المنافقين من يستمع إليك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً وذلك أن النبيّ خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود، وهو الذي أوتي العلم.
ماذا قال آنفاً؟
يعني: الساعة، على جهة الاستهزاء.
قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يعني: عملوا بهوى أنفسهم.
ثم ذكر المؤمنين، المصدقين، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبيّ : زادَهُمْ هُدىً يعني: زادهم الله بصيرة في دينهم، وتصديقاً لنبيهم.
ويقال: زادهم بما قال رسول الله هدى.
ويقال: زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم.
هُدىً يعني: تصديقاً، وثباتاً على الإسلام، وشكر الله تعالى.
وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ حين بيّن لهم التقوى.
ويقال: ألهمهم قبول الناسخ، وترك المنسوخ.
قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي: ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة.
يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني: علاماتها، وهو انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي .
وروى مكحول عن حذيفة قال: سئل رسول الله : متى الساعة؟
فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ: تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني: كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني: مطر في غَيْرِ حِينِهِ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ» .
ثم قال: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني: من أين لهم التوبة، إذا جاءتهم الساعة.
وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة.
وقال مقاتل: فيه تقديم.
يعني: أنى لهم التذكرة، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿ يَنْصُرْكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ عِنْدَ القِتالِ.
ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿ وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها ﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ.
و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] .
والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ بِعِبادَتِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مَن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ الآيَةُ.
تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وهي مُعادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُحَمَّدٍ في أنَّهُ الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وإلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في أنَّهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، وبَقِيَ اللَفْظُ عامًّا لِأهْلِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ غابِرَ الدَهْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى قَضِيَّةٍ واضِحَةٍ وعَقِيدَةٍ نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ ودِينٍ بَيِّنٍ" وألْحَقَ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "زُيِّنَ" ﴾ هو الشَيْطانُ، و"اتِّباعُ الأهْواءِ": طاعَتُها، كَأنَّها تَذْهَبُ إلى ناحِيَةٍ والمَرْءُ يَذْهَبُ مَعَها.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهُ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: صِفَةُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ فِيها كَذا وكَذا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلى بِقَوْلِهِ: فِيها كَذا وكَذا، والَّذِي ساقَ إلى أنْ تَجْعَلَ "مَثَلُ" بِمَثابَةِ "صِفَةٍ" هو أنَّ المُمَثَّلَ بِهِ لَيْسَ في الآيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ القَصْدَ في التَمْثِيلِ هو إلى الشَيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ المَرْءُ عِنْدَ سَماعِهِ: "فِيها كَذا وكَذا"، فَإنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقاعًا عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، وذَلِكَ هي مَثَلُ الجَنَّةِ ومِثالُها، أو فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَثَلُ الجَنَّةِ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعى هَذِهِ الأوصافَ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِثالُ الجَنَّةِ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أمْثالُ الجَنَّةِ"، وعَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ كُلِّها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أساكِنُ هَذِهِ؟
أو تَقْدِيرُهُ: أهَؤُلاءِ؟
إشارَةٌ إلى المُتَّقِينَ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَذْفُ في صَدْرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟
ويَكُونُ قَوْلُهُ مُسْتَفْهِمًا عنهُ بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ - وهي بِهَذِهِ الأوصافِ - كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟
فَتَكُونُ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَن" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِيها أنْهارٌ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
و ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، وسَواءٌ أُنْتِنَ أو لَمْ يُنْتَنْ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ - بِفَتْحِ السِينِ - وأسِنَ بِكَسْرِها - وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "آسِنٍ" ﴾ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أسِنَ" عَلى وزْنِ فَعِلَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأسْنُ: الَّذِي يَخْشى عَلَيْهِ مِن رِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن ماءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: التارِكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ ∗∗∗ يَمِيلُ في الرُمْحِ مَيْلَ المائِحِ الأسِنِ وقالَ الأخْفَشُ: "آسِنٍ" لُغَةٌ، والمَعْنى الإخْبارُ بِهِ عَنِ الحالِ، ومَن قالَ: "آسِنٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، فَهو يُرِيدُ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَنَفى ذَلِكَ في الآيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَيْرَ يَسِنٍ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ عن عَوْفٍ: كَذَلِكَ كانَتْ في المُصْحَفِ "غَيْرَ يَسِنٍ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في اللَبَنِ: ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الفَسادِ في اللَبَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ جَمَعْتُ طِيبَ المَطْعَمِ وزَوالَ الآفاتِ مِنَ الصُداعِ وغَيْرَهُ، و"لَذَّةٍ" نَعْتٌ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، وتَصْفِيَةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لِبَوْسَتِهِ وضَرَرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأنْواعِ، لَكِنَّها بَعِيدَةُ الشَبَهِ، إذْ تِلْكَ لا عَيْبَ فِيها ولا تَعَبَ بِوَجْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مَعْناهُ: وتَنْعِيمٌ أعْطَتْهُ المَغْفِرَةُ وسَبَّبَتْهُ؛ وإلّا فالمَغْفِرَةُ إنَّما هي قَبْلَ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَسُقُوا" ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ النَبِيِّ ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ وتِلاوَتَهُ، فَإذا خَرَجُوا قالَ بَعْضُهم لِمَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا وانْتَفَعُوا: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟
فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ هَذا اسْتِخْفافًا، أيْ: ما مَعْنى ما قالَ؟
وما نَفْعُهُ؟
وما قَدْرُهُ؟
ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَهْلًا ونَسْيانًا لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ الكَلامِ مُقْبِلًا عَلى فِكْرَتِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وفي كُفْرِهِ، فَكانَ القَوْلُ يَمُرُّ صَفْحًا، فَإذا خَرَجَ قالَ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟
وهَذا أيْضًا فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ لِأنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ كانَ يَقْصِدُ الإعْراضَ وقْتَ الكَلامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ لَمٍ يَبْعُدْ أنْ يَجْرِيَ عَلى بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ سُئِلَ هَذا السُؤالَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و" آنِفًا" مَعْناهُ: مُبْتَدِئًا، كَأنَّهُ قالَ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عنهُ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنِفًا" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "أنْفًا" عَلى وزْنِ فَعْلٍ، وهُما اسْما فاعِلٍ مِنِ "ائْتَنَفَ"، وجَرَيا عَلى غَيْرِ فِعْلِهِما، وهَذا كَما جَرى "فَقِيرٌ" عَلى "افْتَقَرَ" ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "فَقْرٌ"، وهَذا كَثِيرٌ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: "أنْفًا" مَعْناهُ: الساعَةُ الماضِيَةُ القَرِيبَةُ مِنّا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الفاعِلِينَ لِهَذا، وهَذا الطَبْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ [محمد: 13] لتحقيق أنهم لا ناصر لهم تحقيقاً يرجع إلى ما في الكلام من المعنى التعريضي فهو شبيه بالاستئناف البياني جاء بأسلوب التفريع.
ويجوز مع ذلك أن يكون مفرَّعاً على ما سبق من قوله: ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [محمد: 12] الآية، فيكون له حكم الاعتراض لأنه تفريع على اعتراض.
وهذا تفنن في تلوين الكلام لتجديد نشاط السامعين هو من الأساليب التي ابتكرها القرآن في كلام العرب.
والاستفهام مستعمل في إنكار المماثلة التي يقتضيها حرف التشبيه.
والمقصود من إنكار المشابهة بين هؤلاء وهؤلاء هو تفضيل الفريق الأول، وإنكار زعم المشركين أنهم خير من المؤمنين كما ظهر ذلك عليهم في مواطن كثيرة كقولهم: ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ [الأحقاف: 11] ﴿ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ﴾ [المطففين: 32] ﴿ فاتخذتموهم سُخرياً حتى أنسوكم ذِكري وكنتم منهم تضحكون ﴾ [المؤمنون: 110].
والمراد بالموصولين فريقان كما دل عليه قوله في أحدهما ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ .
والبينة: البرهان والحجة، أي حجة على أنه محق.
و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية، وفي التعبير بوصف الرب وإضافته إلى ضمير الفريق تنبيه على زلفى الفريق الذي تمسك بحجة الله.
ومعنى وصف البينة بأنها من الله: أن الله أرشدهم إليها وحرّك أذهانهم فامتثلوا وأدركوا الحق، فالحجة حجة في نفسها وكونها من عند الله تزكية لها وكشف للتردّد فيها وإتمام لدلالتها، كما يظهر الفرق بين أخذ العلم عن متضلع فيه وأخذه عن مستضعف فيه وإن كان مصيباً.
و(عَلى) للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكن كما في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5).
وهذا الفريق هم المؤمنون وهم ثابتون على الدين واثقون بأنهم على الحق.
فلا جرم يكون لهم الفوز في الدنيا لأن الله يسّر لهم أسبابه فإن قاتلوا كانوا على ثقة بأنهم على الحق وأنهم صائرون إلى إحدى الحسنيين فقويت شجاعتهم، وإن سالموا عُنوا بتدبير شأنه وما فيه نفع الأمة والدين فلم يَألوا جهداً في حسن أعمالهم، وذلك من آثار أن الله أصلح بالهم وهداهم.
والفريق الذين زيّن له سوء عمله هم المشركون، فإنهم كانوا في أحوال السُوأى من عبادة الأصنام والظلم والعدوان وارتكاب الفواحش، فلما نبههم الله لفساد أعمالهم بأن أرسل إليهم رسولاً بين لهم صالح الأعمال وسيئاتها لم يدركوا ذلك ورأوا فسادهم صلاحاً فتزينت أعمالهم في أنظارهم ولم يستطيعوا الإقلاع عنها وغَلب إلفُهم وهواهم على رأيهم فلم يعبأوا باتباع ما هو صلاح لهم في العاجل والآجل، فذلك معنى قوله: كمن زُيّن له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} بإيجاز.
وبني فعل ﴿ زُيّن ﴾ للمجهول ليشمل المزيّنين لهم من أيمة كفرهم، وما سولته لهم أيضاً عقولهم الآفنة من أفعالهم السيئة اغتراراً بالإلف أو اتباعاً للذات العاجلة أو لِجلب الرئاسة، أي زَيَّن له مُزيّنَ سوءَ عمله، وفي هذا البناء إلى المجهول تنبيه لهم أيضاً ليرجعوا إلى أنفسهم فيتأمّلوا فيمن زيّن لهم سوء أعمالهم.
ولمّا كان تزيين أعمالهم لهم يبعثهم على الدأب عليها كان يتولد من ذلك إلفهم بها وولعهم بها فتصير لهم أهواء لا يستطيعون مفارقتها أعقب بقوله: ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ .
والفرق بين الفريقين بَيّن للعاقل المتأمل بحيث يحق أن يُسأل عن مماثلة الفريقين سُؤال من يعلم انتفاء المماثلة ويُنكِر على من عسى أن يزعمها.
والمراد بانتفاء المماثلة الكناية عن التفاضل، والمقصود بالفضل ظاهر وهو الفريق الذي وقع الثناء عليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والبَيِّنَةُ الوَحْيُ.
الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والبَيِّنَةُ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُهُمُ الأوْثانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: شِرْكُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ المُشْرِكِينَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الِاثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.
وَفِيمَن زَيَّنَهُ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ.
الثّانِي: أنْفُسُهم.
﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتٌ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ قال: لا يلتفت إلى آخرته.
قوله تعالى: ﴿ وكأين من قرية ﴾ الآيتين.
أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأعتى الأعداء من عدا على الله في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول أهل الجاهلية» فأنزل الله تعالى ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك ﴾ قال: قريته مكة وفي قوله: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾ قال: هم المشركون.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كلُّ هوىً ضلالة.
وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: هذه ألِفُ توقيف وتقرير؛ لأن الجواب معلوم (١) قال ابن عباس (٢) (٣) (٤) - على شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ يعني: عبادة الأوثان، وهو أبو جهل والكفار ﴿ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ في عبادة الحجارة.
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 508.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ أي على حجة ويعني به النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعني قريشاً بقوله: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ﴾ واللفظ أعم من ذلك.
﴿ مَّثَلُ الجنة ﴾ ذكر في [الرعد: 35] ﴿ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ أي غير متغير ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار ﴾ تقديره: أمثلُ أهل الجنة المذكورة كمن هو خالد في النار؟
فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي، وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدم وهو قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.
الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.
﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.
التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟
فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.
وقيل: هم أهل الكتاب.
والأظهر العموم.
قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.
وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.
وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد لا يرد عليه النسخ أبداً.
وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.
والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.
وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.
وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.
قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.
وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.
وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".
﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.
فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.
وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.
لأن رسول الله منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.
وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.
وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.
وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.
والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.
وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.
قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.
وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.
وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى .
عن أبي هريرة أن النبي قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.
وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.
ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.
ومعنى الابتلاء من الله قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.
وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.
وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.
يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.
عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.
وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.
ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.
ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.
والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.
والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.
ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.
وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.
وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.
وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟
وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.
وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.
والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.
قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.
والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.
فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟
والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.
وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.
ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.
وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.
ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.
وعن السدي: بين لهم ما يتقون.
وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول .
ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.
ومنه مبعث محمد فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.
وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".
وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟
والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله، وهو قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم.
وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله - - وما يعقب لهم نفعاً في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.
ثم قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، والله أعلم.
والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيئاً لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئاً ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ كانت سنة الله - - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله - -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ هو خير من الله - - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.
والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.
ثم في ذلك وجهان: أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، والله أعلم.
والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك داراً أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله - -: ﴿ وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟
والله أعلم.
ويخرج على هذا التأويل قوله - -: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ أي: ليس من كان خالداً في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.
والثاني: يحتمل قوله - -: ﴿ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن...
﴾ كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: ﴿ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً...
﴾ الآية.
والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله - - فيما تقدم من حيث قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...
﴾ الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه, والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدراً [ثم] صفي، أو كان خلق بعضه كدراً وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله - -: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.
أو يقول: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ التي يريدون فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هل من كان له برهان بيّن وحجة واضحة من ربه، فهو يعبده على بصيرة، كمن زَيَّن له الشيطان سوء عمله، واتبعوا ما تمليه عليهم أهواؤهم من عبادة الأصنام وارتكاب الإثم، والتكذيب بالرسل؟
<div class="verse-tafsir" id="91.yqYML"