الآية ١٣ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٣ من سورة محمد

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةًۭ مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ) يعني : مكة ، ( أهلكناهم فلا ناصر لهم ) ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة ، في تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء ، فإذا كان الله - عز وجل - قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم ، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء ، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى ؟

فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة ، فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم ، ( يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) [ هود : 20 ] .

قوله : ( من قريتك التي أخرجتك ) أي : الذين أخرجوك من بين أظهرهم .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر أبي ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن حنش ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من مكة إلى الغار أراه قال : التفت إلى مكة - وقال : " أنت أحب بلاد الله إلى الله ، وأنت أحب بلاد الله إلي ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك " .

فأعدى الأعداء من عدا على الله في حرمه ، أو قتل غير قاتله ، أو قتل بذحول الجاهلية ، فأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - : ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ (13) يقول تعالى ذكره: وكم يا محمد من قرية هي أشد قوة من قريتك, يقول أهلها أشدّ بأسا, وأكثر جمعا, وأعدّ عديدا من أهل قريتك, وهي مكة, وأخرج الخبر عن القرية, والمراد به أهلها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ ) قال: هي مكة.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة في قوله ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ ) قال: قريته مكة.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, عن حبيش, عن عكرمة, عن ابن عباس " أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , لما خرج من مكة إلى الغار, أراه قال: التفت إلى مكة, فقال: أَنْتِ أحَبُّ بِلادِ الله إلى الله, وأنْتِ أحَبُّ بِلادِ الله إليَّ, فَلَوْ أنَّ المُشْركِينَ لَمْ يُخْرِجُوني لَمْ أخْرُجْ مِنْكِ, فَأعْتَى الأعْداءِ مَنْ عَتا على الله في حَرَمِهِ, أوْ قَتَلَ غيرَ قاتِلِهِ, أوْ قَتَلَ بذُحُول الجاهِلِيَّةِ", فأنـزل الله تبارك وتعالى : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ) وقال جل ثناؤه: أخرجتك, فأخرج الخبر عن القرية, فلذلك أُنِّث، ثم قال: أهلكناهم, لأن المعنى في قوله أخرجتك, ما وصفت من أنه أريد به أهل القرية, فأخرج الخبر مرّة على اللفظ, ومرّة على المعنى .

وقوله ( فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ) فيه وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون معناه, وإن كان قد نصب الناصر بالتبرئة, فلم يكن لهم ناصر, وذلك أن العرب قد تضمر كان أحيانا في مثل هذا.

والآخر أن يكون معناه: فلا ناصر لهم الآن من عذاب الله ينصرهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم .قوله تعالى : وكأين من قرية تقدم الكلام في كأين في ( آل عمران ) .

وهي هاهنا بمعنى كم ، أي : وكم من قرية .

وأنشد الأخفش قول لبيد :وكائن رأينا من ملوك وسوقة ومفتاح قيد للأسير المكبلفيكون معناه : وكم من أهل قرية .هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أي أخرجك أهلها .

أهلكناهم فلا ناصر لهم قال قتادة وابن عباس : لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال : اللهم أنت أحب البلاد إلى الله وأنت أحب البلاد إلي ولولا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك .

فنزلت الآية ، ذكره الثعلبي ، وهو حديث صحيح .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وكم من قرية من قرى المكذبين، هي أشد قوة من قريتك، في الأموال والأولاد والأعوان، والأبنية والآلات.{ أهلكناهم } حين كذبوا رسلنا، ولم تفد فيهم المواعظ، فلا نجد لهم ناصرا، ولم تغن عنهم قوتهم من عذاب الله شيئا.فكيف حال هؤلاء الضعفاء، أهل قريتك، إذ أخرجوك عن وطنك وكذبوك، وعادوك، وأنت أفضل المرسلين، وخير الأولين والآخرين؟!أليسوا بأحق من غيرهم بالإهلاك والعقوبة، لولا أن الله تعالى بعث رسوله بالرحمة والتأني بكل كافر وجاحد؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ) أي أخرجك أهلها ، قال ابن عباس : كم رجال هم أشد من أهل مكة ؟

يدل عليه قوله : ( أهلكناهم ) ولم يقل : أهلكناها ( فلا ناصر لهم ) قال ابن عباس : لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال : " أنت أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلي ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك " فأنزل الله هذه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكأين» وكم «من قرية» أريد بها أهلها «هي أشد قوة من «قريتك» مكة أي أهلها «التي أخرجتك» روعي لفظ قرية «أهلكناهم» روعي معنى قرية الأولى «فلا ناصر لهم» من إهلاكنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكثير من أهل قرى كانوا أشد بأسًا من أهل قريتك -أيها الرسول، وهي "مكة"- التي أخرجتك، دمَّرناهم بأنواع من العذاب، فلم يكن لهم نصير ينصرهم من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم سلى - سبحانه - نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال : ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ) .وكلمة ( كَأَيِّن ) مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز بعدها .

وهى مبتدأ .

.

وقوله : ( أَهْلَكْنَاهُمْ ) خبرها .

و ( مِّن قَرْيَةٍ ) تمييز لها .

والمراد بالقرية أهلها ، وهم مشركو قريش .أى : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التى أخرجوك منها - أيها الرسول الكريم - فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ناصر ، أو أن يجيرهم من عذابنا مجير .قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة ، فى تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد المرسلين ، وخاتم النبيين .روى ابن أبى حاتم ، بسنده - عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من مكة إلى الغار ، التفت إليها وقال : يا مكة : أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلىَّ ، ولو أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك .

.

فأنزل الله هذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ضرب الله تعالى لهم مثلاً بقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض  ﴾ ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي عليه السلام مثلاً تسلية له فقال: ﴿ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ أهلكناهم ﴾ وكانوا أشد من أهل مكة كذلك نفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم، وقوله: ﴿ فَلاَ ناصر لَهُمْ ﴾ قال الزمخشري كيف قوله: ﴿ فَلاَ ناصر لَهُمْ ﴾ مع أن الإهلاك ماض، وقوله: ﴿ فَلاَ ناصر لَهُمْ ﴾ للحال والاستقبال؟

والجواب أنه محمول على الحكاية والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال أهلكناهم في الدنيا فلا ناصر لهم ينصرهم ويخلصهم من العذاب الذي هم فيه، ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ فَلاَ ناصر لَهُمْ ﴾ عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من تقدم أهل قريتك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويخلصهم مما جرى على الأولين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ وكائن ﴾ بوزن كاعن.

وأراد بالقرية أهلها، ولذلك قال: ﴿ أهلكناهم ﴾ كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم.

ومعنى أخرجوك: كانوا سبب خروجك.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ فَلاَ ناصر لَهُمْ ﴾ ؟

وإنما هو أمر قد مضى.

قلت: مجراه مجرى الحال المحكية، كأنه قال: أهلكناهم فهم لا ينصرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ﴾ يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا.

﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ حَرِيصِينَ غافِلِينَ عَنِ العاقِبَةِ.

﴿ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ مَنزِلٌ ومَقامٌ.

﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإجْراءِ أحْكامِهِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، والإخْراجُ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ.

﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ بِأنْواعِ العَذابِ.

﴿ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ وهو كالحالِ المَحْكِيَّةِ.

﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ حُجَّةٍ مِن عِنْدِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّهُ والحُجَجُ العَقْلِيَّةُ كالنَّبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ.

﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ كالشِّرْكِ والمَعاصِي.

﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ في ذَلِكَ لا شُبْهَةَ لَهم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكأين من قرية} اى كم من قرية للتكثير وأراد بالقرية اهلها ولذكل قال أهلكناهم {هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ} أي وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أي كانوا سبب خروجك {أهلكناهم فَلاَ ناصر لَهُمْ} أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَأيِّنْ ﴾ بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ وهي مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ تَمْيِيزٌ لَها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَتِكَ، وقَدْ حُذِفَ عَنْهُما المُضافُ وأُجْرِيَ أحْكامُهُ عَلَيْهِما كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ أيْ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّذِينَ أخْرَجُوكَ أهْلَكْناهم بِأنْواعِ العَذابِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ حَذْفٌ وإنَّما أُطْلِقُ المَحَلُّ وأُرِيدَ الحالُ مَجازًا، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ  وهي مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ مَجازٌ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ لِأنَّهم عامَلُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما عامَلُوهُ فَكانُوا بِذَلِكَ سَبَبًا لِإخْراجِهِ حِينَ أذِنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالهِجْرَةِ مِنها، ونَظِيرُ ذَلِكَ أقْدِمْنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى ما حَقَّقَهُ الأجِلَّةُ يَحْتَمِلُ أوْجُهًا ثَلاثَةً، مَجازًا في الإسْنادِ إذا كانَ الإقْدامُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وإنْ كانَ مَوْهُومًا.

ومَجازًا في الطَّرَفِ إذا كانَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الحَمْلِ عَلى القُدُومِ.

واسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ إنْ كانَ الحَقُّ مُسْتَعْمَلًا في المَقْدَمِ، والشَّيْخُ يَقُولُ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ مَوْهُومٌ لا فاعِلَ لَهُ لِيَصِيرَ الإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقَةً فَلا إقْدامَ مَثَلًا في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ وإنَّما هو تَصْوِيرُ القُدُومِ بِصُورَةِ الإقْدامِ، وإسْنادُهُ إلى الحَقِّ المُصَوَّرِ بِصُورَةِ المُقَدَّمِ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ داعِيًا لِلْقُدُومِ، وارْتَضاهُ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّلْخِيصِ وذَبَّ عَنْهُ القالَ والقِيلَ، وتَمامُ الكَلامِ هُناكَ، والكَلامُ في الآيَةِ عَلى طُرُزِ ذاكَ، ووَصْفُ القَرْيَةِ الأُولى بِشِدَّةِ القُوَّةِ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنها بِالإهْلاكِ لِضَعْفِ قُوَّتِها كَما أنَّ وصْفَ الثّانِيَةِ بِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّتِها بِهِ لِقُوَّةِ جِنايَتِها، وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُ النّابِغَةِ: كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كانَ أكْثَرَ ناصِرًا وأيْسَرَ جُرْمًا مِنكِ ضَرَجَ بِالدَّمِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ خَلاصِهِمْ بِواسِطَةِ الأعْوانِ والأنْصارِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنهُ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذِكْرِ ما بِالغَيْرِ عَلى ذِكْرِ ما بِالذّاتِ وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ ﴾ ولا نُسَلِّمُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا لَمْ يَعْمَلْ حَقِيقَةً في الماضِيَةِ، والآيَةُ تَسْلِيَةٌ لَهُ  ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلى مَكَّةَ وقالَ: «(أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ وأنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلَيَّ ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ مِنكِ)» فَأعْدى الأعْداءِ مَن عَدا عَلى اللَّهِ تَعالى في حَرَمِهِ أوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ أوْ قَتَلَ بِدُخُولِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني: وكم من قرية فيما مضى.

يعني: أهل قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً يعني: أشد منعة، وأكثر عدداً، وأكثر أموالاً، مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ يعني: أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة، أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب فَلا ناصِرَ لَهُمْ يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة.

قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قال مقاتل والكلبي: يعني: محمدا  وأبا جهل بن هشام يعني: لا يكون حال من كان على بيان من الله تعالى، كمن حسن له قبح عمله.

وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ بعبادة الأوثان.

ويقال: هذا في جميع المسلمين، وجميع الكافرين.

لا يكون حال الكفار، مثل حال المؤمنين في الثواب.

قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ يعني: صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتقون الشرك، والفواحش، فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ قرأ ابن كثير: مِن مّاء غير أسن بغير مد.

والباقون: بالمد، ومعناهما واحد.

يعني: ماء غير منتن، ولا متغير الطعم والريح.

وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى.

وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني: لذيذة.

ويقال: لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) [الواقعة: 19] .

وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ليس فيها العكر، ولا الكدرة، ولا الدردي، كعسل أهل الدنيا.

قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة تتفجر من الكوثر، إلى أهل الجنة.

ويقال: من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة.

وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لذنوبهم في الآخرة.

ويقال: في الدنيا.

كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني: هل يكون حال من هو في هذه النعم، كمن هو في النار أبداً.

وَسُقُوا مَاء حَمِيماً أي: حاراً قد انتهى حره فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ من شدة الحر، فذابت أمعاؤهم، كقوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) [الحج: 20] .

ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: من المنافقين من يستمع إليك حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً وذلك أن النبيّ  خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود، وهو الذي أوتي العلم.

ماذا قال آنفاً؟

يعني: الساعة، على جهة الاستهزاء.

قال الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ مجازاة لهم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ يعني: عملوا بهوى أنفسهم.

ثم ذكر المؤمنين، المصدقين، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال النبيّ  : زادَهُمْ هُدىً يعني: زادهم الله بصيرة في دينهم، وتصديقاً لنبيهم.

ويقال: زادهم بما قال رسول الله  هدى.

ويقال: زادهم قول المنافقين واستهزاؤهم.

هُدىً يعني: تصديقاً، وثباتاً على الإسلام، وشكر الله تعالى.

وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ حين بيّن لهم التقوى.

ويقال: ألهمهم قبول الناسخ، وترك المنسوخ.

قوله تعالى: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أي: ما ينتظر قومك إلا قيام الساعة.

يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها يعني: علاماتها، وهو انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي  .

وروى مكحول عن حذيفة قال: سئل رسول الله  : متى الساعة؟

فقال: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ: تَقَارُبُ الأَسْوَاقِ يعني: كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلاَ نَبَاتَ يعني: مطر في غَيْرِ حِينِهِ، وَتَفْشُو الْفِتْنَةُ، وَتَظْهَرُ أَوْلادُ البَغْيَةِ، وَيَعْظُمُ رَبُّ المَالِ، وَتَعْلُو أصْواتُ الفَسَقَةِ فِي الْمَسِاجِدِ، وَيَظْهَرُ أهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ» .

ثم قال: فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني: من أين لهم التوبة، إذا جاءتهم الساعة.

وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة.

وقال مقاتل: فيه تقديم.

يعني: أنى لهم التذكرة، والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿ يَنْصُرْكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ عِنْدَ القِتالِ.

ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿ وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها ﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: ولِيُّهم.

وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ.

و "المَثْوى": المَنزِلُ.

﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] .

والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ بِعِبادَتِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ وتَوْبِيخٌ، و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ ثَمُودَ وقَوْمَ لُوطٍ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وأهْلَ السَدِّ وغَيْرَهُمْ، و"الدَمارُ": الإفْسادُ وهَدْمُ البِناءِ وإذْهابُ العُمْرانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أمْثالُها" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العاقِبَةِ المَذْكُورَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَعُودَ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في "أنَّ"، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، ومِنها انْتَزَعَ رَسُولُ اللهِ  رَدَّهُ عَلى أبِي سُفْيانَ حِينَ قالَ لَهُ: « "اللهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكُمْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ ، أيْ أكْلًا مُجَرَّدًا مِن فِكْرَةٍ ونَظَرٍ، فالتَشْبِيهُ بِالمَعْنى إنَّما وقَعَ فِيما عَدا الأكْلَ مِن قِلَّةِ الفِكْرِ وعَدَمِ النَظَرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "كَما" في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الجاهِلُ يَعِيشُ عَيْشَ البَهِيمَةِ، فَأمّا بِمُقْتَضى اللَفْظِ فالجاهِلُ والعالِمُ والبَهِيمَةُ مِن حَيْثُ لَهم عَيْشٌ فَهم سَواءٌ، ولَكِنْ مَعْنى كَلامِكَ: يَعِيشُ عَدِيمَ النَظَرِ والفَهْمِ كَما تَعِيشُ البَهِيمَةُ.

و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَأيِّنْ"، وضَرَبَ اللهُ تَعالى لِمَكَّةَ مَثَلًا بِالقُرى المُهْلِكَةِ عَلى عَظَمِها كَقَرْيَةِ قَوْمِ عادٍ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ "أخْرَجَتْكَ" ﴾ مَعْناهُ: وقْتُ الهِجْرَةِ، ونَسَبَ الإخْراجَ إلى القَرْيَةِ حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، وقالَ: ﴿ "أهْلَكْناهُمْ" ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويُقالُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إثْرَ خُرُوجِ النَبِيِّ  مِن مَكَّةَ في طَرِيقِ المَدِينَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ بِمَكَّةَ عامَ دَخَلَها رَسُولُ اللهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: عامُ الفَتْحِ وهو مُقْبِلٌ إلَيْها، وهَذا كُلُّهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَدَنِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ [محمد: 10]، وما بينهما استطراد اتصل بعضه ببعض.

وكلمة ﴿ كأيّن ﴾ تدلّ على كثرة العدد، وتقدم في سورة آل عمران وفي سورة الحج.

والمراد بالقرية: أهلها، بقرينة قوله: ﴿ أهلكناهم ﴾ ، وإنما أجري الإخبار على القرية وضميرها لإفادة الإحاطة بجميع أهلها وجميع أحوالهم وليكون لإسناد إخراج الرسول إلى القرية كلها وقع من التبعة على جميع أهلها سواء منهم من تولى أسباب الخروج، ومن كان ينظر ولا ينهى قال تعالى: ﴿ وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم ﴾ [الممتحنة: 9].

وهذا إطناب في الوعيد لأن مقام التهديد والتوبيخ يقتضي الإطناب، فمفاد هذه الآية مؤكد لمفاد قوله: ﴿ فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمرَّ الله عليهم وللكافرين أمثالها ﴾ [محمد: 10]، فحصل توكيد ذلك بما هو مقارب له من إهلاك الأمم ذوات القُرى والمُدننِ بعد أن شمل قوله: ﴿ الذين من قبلهم ﴾ من كان من أهل القرى، وزاد هنا التصريح بأن الذين من قبلهم كانوا أشد قوة منهم ليفهموا أن إهلاك هؤلاء هيّن على الله، فإنه لما كان التهديد السابق تهديداً بعذاب السيف من قوله: ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضربَ الرقاب ﴾ [محمد: 4] الآيات، قد يُلقي في نفوسهم غروراً فتعذّر استئصالهم بالسيف وهم ما هم من المَنعة وأنهم تمنعهم قريتهم مكةُ وحرمتُها بين العرب فلا يقعدون عن نصرتهم، فربّما استخفَّوا بهذا الوعيد ولم يستكينوا لهذا التهديد، فأعلمهم الله أن قرى كثيرة كانت أشد قوة من قريتهم أهلكهم الله فلم يجدوا نصيرا.

وبهذا يظهر الموقع البديع للتفريع في قوله: ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ وزاد أيضاً إجراءُ الإضافة في قوله: ﴿ قريتك ﴾ ، ووصفها ب ﴿ التي أخرجتك ﴾ لما تفيده إضافة القرية إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من تعبير أهلها بمذمة القطيعة ولما تؤذن به الصلة من تعليل إهلاكهم بسبب إخراجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قريته قال تعالى: ﴿ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ﴾ [البقرة: 191].

وإطلاق الإخراج على ما عامل به المشركون النبي صلى الله عليه وسلم من الجفاء والأذى ومقاومة نشر الدين إطلاق من قبيل الاستعارة لأن سوء معاملتهم إياه كان سبباً في خروجه من مكة وهي قريته، فشبه سبب الخروج بالإخراج ثم أطلق عليه فعل ﴿ أخرجتك ﴾ ، وليس ذلك بإخراج وإنما هو خروج فإن المشركين لم يُلجِئوا النبي صلى الله عليه وسلم بالإخراج بل كانوا على العكس يرصدون أن يمنعوه من الخروج خشيَة اعتصامه بقبائل تنصره فلذلك أخفَى على الناس أمر هجرته إلا عن أبي بكر رضي الله عنه، فقوله: ﴿ أخرجتك ﴾ من باب قولك: أقدمني بلدك حقٌّ لي على فلان، وهو استعارة على التحقيق، وليس مجازاً عقلياً إذ ليس ثمة إخراج حتى يدعى أن سَببه بمنزلة فاعل الإخراج، ولا هو من الكناية وإن كان قد مثل به الشيخ في دلائل الإعجاز للمجاز العقلي، والمثالُ يكفي فيه الفرض والاحتمال.

وفُرع على الإخبار بإهلاك الله إياهم الإخبارُ بانتفاء جنس الناصر لهم، أي المنقذ لهم من الإهلاك.

والمقصود: التذكير بأن أمثال هؤلاء المشركين لم يجدوا دافعاً يدفع عنهم الإهلاك، وذلك تعريض بتأييس المشركين من إلفاء ناصر ينصرهم في حربهم للمسلمين قطعاً لما قد يخالج نفوس المشركين أنهم لا يغلبون لتظاهر قبائل العرب معهم، ولذلك حزبوا الأحزاب في وقعة الخندق.

وضمير ﴿ لهم ﴾ عائد إلى ﴿ من قرية ﴾ لأن المراد بالقرى أهلها.

والمعنى: أهلكناهم إهلاكاً لا بقاء معه لشيء منهم لأن بقاء شيء منهم نصر لذلك الباقي بنجاته من الإهلاك.

واسم الفاعل في قوله: ﴿ فلا ناصر ﴾ مراد به الجنس لوقوعه بعد (لا) النافية للجنس فلذلك لا يقصد تضمنه لزمن مَّا لأنه غير مراد به معنى الفعل بل مجرد الاتصاف بالمصدر فتمحض للاسمية، ولا التفات فيه إلى زمن من الأزمنة الثلاثة، ولذا فمعنى ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ : فلم ينصرهم أحد فيما مضى.

ولا حاجة إلى إجراء ما حصل في الزمن الماضي مجرى زمن الحال، وقولهم اسم الفاعل حقيقة في الحال جرى على الغالب فيما إذا أريد به معنى الفعل.

وقرأ الجمهور: ﴿ وكأيِّن ﴾ بهمزة بعد الكاف وبتشديد الياء.

وقرأه ابن كثير بألف بعد الكاف وتخفيف الياء مكسورة وهي لغة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ أيْ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ لِلَبِيدٍ وكائِنٍ رَأيْنا مِن مُلُوكٍ وسُوقَةٍ ومِفْتاحِ قَيْدٍ لِلْأسِيرِ المُكَبَّلِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.

﴿ هِيَ أشَدُّ قُوَّةً ﴾ أيْ أهْلُها أشَدُّ قُوَّةً.

﴿ مِن قَرْيَتِكَ ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ.

﴿ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ أيْ أخْرَجَكَ أهْلُها عِنْدَ هِجْرَتِكَ مِنها.

﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ.

﴿ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَلا مانِعَ لَهم مِنّا، وهَذا وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ قال: لا يلتفت إلى آخرته.

قوله تعالى: ﴿ وكأين من قرية ﴾ الآيتين.

أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأعتى الأعداء من عدا على الله في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول أهل الجاهلية» فأنزل الله تعالى ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك ﴾ قال: قريته مكة وفي قوله: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾ قال: هم المشركون.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كلُّ هوىً ضلالة.

وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ ﴾ يعني: مكة ﴿ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ﴾ خرج الكلام على القرية والمراد أهلها، وهكذا ذكر المفسرون، قال ابن عباس: وكأين من رجال هم أشد من أهل مكة (١) (٢) ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ قال مقاتل: أي بالعذاب حين كذبوا رسلهم (٣) ﴿ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: فلم يكن لهم ناصر (٤) قال الفراء: ويجوز إضمار (كان) وإن كنت قد نصبت الناصر بالتبرية، قال: ويكون: (أهلكناهم فلا ناصر لهم) الآن، هذان وجهان ذكرهما الفراء في نظم الآية.

أحدهما: إضمار كان.

والآخر: أن يكون المعنى: فلا ناصر لهم الآن (٥) ﴿ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ  ﴾ وفي آيات سواها، ويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً ﴾ .

ولا يقال فيها وهي مهلكة: هي أشد قوة، ولا يصح في هذا شيء من الوجهين الذين ذكرهما، وإنما يصح فيه الحكاية؛ أي: التي كان يقال فيها هي أشد قوة من مكة، ثم ذكر بُعْد ما بين المؤمن والكافر.

(١) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 282.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46.

(٤) ذكر ذلك المؤلف في "الوسيط" عن ابن عباس.

انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 122.

(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 59.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ ﴾ يعني مكة.

وخروجه صلى الله عليه وسلم من وقت الهجرة، ونسب الإخراج إلى القرية.

والمراد بأهلها، لأنهم آذوه حتى خرج ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ وجمعه حملاً على المعنى والمراد أهلكنا: أهلها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله، وهو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم.

وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله -  - وما يعقب لهم نفعاً في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.

ثم قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، والله أعلم.

والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيئاً لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئاً ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ كانت سنة الله -  - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.

ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ هو خير من الله -  - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.

والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.

ثم في ذلك وجهان: أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، والله أعلم.

والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك داراً أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله -  -: ﴿ وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟

والله أعلم.

ويخرج على هذا التأويل قوله -  -: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ أي: ليس من كان خالداً في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.

والثاني: يحتمل قوله -  -: ﴿ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن...

﴾ كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: ﴿ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً...

﴾ الآية.

والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله -  - فيما تقدم من حيث قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...

﴾ الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه, والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدراً [ثم] صفي، أو كان خلق بعضه كدراً وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله -  -: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.

أو يقول: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ التي يريدون فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكم من قرية من قرى الأمم المتقدمة هي أشدّ قوة وأكثر أموالا وأولادًا من مكة التي أخرجك أهلها منها، أهلكناهم لما كذبوا رسلهم، فلا ناصر لهم ينقذهم من عذاب الله لما جاءهم، فلا يعجزنا إهلاك أهل مكة إذا أردناه.

<div class="verse-tafsir" id="91.6jP5V"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله