الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٤ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 32 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٤ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول : ( أفمن كان على بينة من ربه ) أي : على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه ، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم ، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة ، ( كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ) أي : ليس هذا كهذا كقوله : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) [ الرعد : 19 ] ، وكقوله : ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ) [ الحشر : 20 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) يقول تعالى ذكره: ( أَفَمَنْ كَانَ ) على برهان وحجة وبيان ( مِنْ ) أمر ( رَبِّهِ ) والعلم بوحدانيته, فهو يعبده على بصيرة منه, بأن له رَبًّا يجازيه على طاعته إياه الجنة, وعلى إساءته ومعصيته إياه النار,( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) يقول: كمن حسَّن له الشيطان قبيح عمله وسيئه, فأراه جميلا فهو على العمل به مقيم ( وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) يقول: واتبعوا ما دعتهم إليه أنفسهم من معصية الله, وعبادة الأوثان من غير أن يكون عندهم بما يعملون من ذلك برهان وحجة.
وقيل: إن الذي عني بقوله: ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) نبينا عليه الصلاة والسلام , وإن الذي عُنِي بقوله: ( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) هم المشركون.
قوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم .قوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه الألف ألف تقرير .
ومعنى على بينة أي : على ثبات ويقين ، قاله ابن عباس .
أبو العالية : وهو محمد صلى الله عليه وسلم .
والبينة : الوحي .
كمن زين له سوء عمله أي عبادة الأصنام ، وهو أبو جهل والكفار .
واتبعوا أهواءهم أي ما اشتهوا .
وهذا التزيين من جهة الله خلقا .
ويجوز أن يكون من الشيطان دعاء ووسوسة .
ويجوز أن يكون من الكافر ، أي : زين لنفسه سوء عمله وأصر على الكفر .
وقال : ( سوء ) على لفظ ( من ) ( واتبعوا ) على معناه .
أي: لا يستوي من هو على بصيرة من أمر دينه، علما وعملا، قد علم الحق واتبعه، ورجا ما وعده الله لأهل الحق، كمن هو أعمى القلب، قد رفض الحق وأضله، واتبع هواه بغير هدى من الله، ومع ذلك، يرى أن ما هو عليه من الحق، فما أبعد الفرق بين الفريقين!
وما أعظم التفاوت بين الطائفتين، أهل الحق وأهل الغي!
( أفمن كان على بينة من ربه ) يقين من دينه ، محمد والمؤمنون ( كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ) يعني عبادة الأوثان ، وهم أبو جهل والمشركون .
«أفمن كان على بيِّنة» حجة وبرهان «من ربه» وهو المؤمنون «كمن زُيّن له سوءُ عمله» فرآه حسنا وهم كفار مكة «واتبعوا أهواءهم» في عبادة الأوثان، أي لا مماثلة بينهما.
أفمن كان على برهان واضح من ربه والعلم بوحدانيته، كمن حسَّن له الشيطان قبيح عمله، واتبع ما دعته إليه نفسه من معصية الله وعبادة غيره مِن غير حجة ولا برهان؟
لا يستوون.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها فى الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين وحال الكافرين .
فقال - تعالى - : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ .
.
.
فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ) .والاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ) للإِنكار والنفى ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق ، و " من " مبتدأ ، والخبر قوله ( كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ ) .
والبينة : ما يتبين به الحق من كل شئ ، كالنصوص الصحيحة فى النقليات والبراهين السليمة فى العقليات .والمراد بمن كان على بينة من ربه : الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه ، والمراد بمن زين له سوء عمله ، واتبعوا أهوائهم : المشركون الذين استحبوا العمى على الهدى .والمعنى : أفمن كان على بينة من أمر ربه ، وعلى طريقة سليمة من هديه ، يستوى مع من كان على ضلالة من أمره ، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه بأ ، ها حسنات ، واتبع هواه دون أن يفرق بين القبيح والحسن؟
لا شك أنهما لا يستويان فى عقل أى عاقل .
فإن الفريق الأول مهتد فى منهجه وسلوكه ، والفريق الثانى فى النقيض منه .
اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام والكفار ليعلم أن إهلاك الكفار ونصرة النبي عليه السلام في الدنيا محقق، وأن الحال يناسب تعذيب الكافر وإثابة المؤمن، وقوله: ﴿ على بَيّنَةٍ ﴾ فرق فارق، وقوله: ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ مكمل له، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين المتمسك بها وبين القائل قولاً لا دليل عليه، فإذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى وأبهر، ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله: ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآء ﴾ وقولنا الهداية من الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فرق فارق، وقوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ تكملة وذلك أن من زين له سوء عمله وراجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان وقبله، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر ويرجع إلى الحق، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان، وقد يتبع هواه ولا يتدبر في البرهان ولا يتفكر في البيان فيكون في غاية البعد، فإذن حصل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن مع الكافر في طرفي التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة، والكافر له الشبهة وهو مع الله وأولئك مع الهوى وعلى قولنا ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ معناه الإضافة إلى الله، كقولنا الهداية من الله، فقوله: ﴿ اتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ مع ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى: ﴿ مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ وقوله: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ بصيغة التوحيد محمول على لفظة من، وقوله: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ محمول على معناه فإنها للجميع والعموم، وذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ لقربه منه في الحس والذكر، وعند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه، فظهر التعدد فحمل على المعنى.
<div class="verse-tafsir"
من زين له: هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، ومن كان على بينة من ربه أي على حجة من عنده وبرهان: وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقرئ: ﴿ أمن كان على بينة من ربه ﴾ وقال تعالى: ﴿ سواء عَمَلِهِ واتبعوا ﴾ للحمل على لفظ ﴿ مِّن ﴾ ومعناه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ﴾ يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا.
﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ حَرِيصِينَ غافِلِينَ عَنِ العاقِبَةِ.
﴿ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ مَنزِلٌ ومَقامٌ.
﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإجْراءِ أحْكامِهِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، والإخْراجُ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ.
﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ بِأنْواعِ العَذابِ.
﴿ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ وهو كالحالِ المَحْكِيَّةِ.
﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ حُجَّةٍ مِن عِنْدِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ ما يَعُمُّهُ والحُجَجُ العَقْلِيَّةُ كالنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ كالشِّرْكِ والمَعاصِي.
﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ في ذَلِكَ لا شُبْهَةَ لَهم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ} أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله وقال سوء عمله {واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} للحمل على لفظ من ومعناه
﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِتَبايُنِ حالِ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكَوْنِ الأوَّلِينَ في أعْلى عِلِّيِّينَ والآخَرِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ وبَيانٌ لِعِلَّةٍ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الحالِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اسْتِوائِهِما أوْ لِإنْكارِ كَوْنِ الأمْرِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وقَدْ قُرِئَ بِدُونِها، و(مَن) عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَمَسِّكِينَ بِأدِلَّةِ الدِّينِ كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنْ أضْدّادِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ( مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ) هو رَسُولُ اللَّهِ و( مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) هُمُ المُشْرِكُونَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وتُعِقِّبَ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ولا داعِيَ إلَيْهِ، قِيلَ: ومَثَلُهُ كَوْنُ (مَنِ) الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أيَسْتَوِي الفَرِيقانِ أوْ ألَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَمَن كانَ ثابِتًا عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ مِن مالِكِ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ والحُجَجِ العَقْلِيَّةِ كَمَن زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ عَمَلَهُ السَّيِّئَ مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي كَإخْراجِكَ مِن قَرْيَتِكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ أقْبَحَ القَبائِحِ ﴿ واتَّبَعُوا ﴾ في ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّزْيِينِ ﴿ أهْواءَهُمْ ﴾ الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ تُوِهِمُ صِحَّةَ ما هم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ تَدُلُّكَ عَلَيْها.
وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ إفْرادَ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
<div class="verse-tafsir"
فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يعني: إن تنصروا دين الله بقتال الكفار، يَنْصُرْكُمْ بالغلبة على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تزول في الحرب.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني: بعداً، ونكساً، وخيبة لهم.
وهو من قولك: تعست أي: عثرت، وسقطت، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب حسناتهم، فلم يقبلها منهم.
ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم، فقال: ذلِكَ يعني: ذلك الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: أنكروا، وكرهوا الإيمان بما أنزل الله على محمد .
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: ثواب أعمالهم.
ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أفلم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني: فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر أمرهم.
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: أهلكهم الله تعالى بالعذاب وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يعني: للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب، وهذا وعيد لكفار قريش.
ثم قال: ذلِكَ يعني: النصرة التي ذكر في قوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7] بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني: إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ يعني: لا ناصر، ولا ولي لهم، لا تنصرهم آلهتهم، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب.
ثم ذكر مستقر المؤمنين، ومستقر الكافرين، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ يعني: يعيشون بما أعطوا في الدنيا، وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم هَمٌّ إِلاَّ الأكل، والشرب، والجماع، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: منزلاً، ومستقرا لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: تَنْصُرُوا دِينَهُ ورَسُولَهُ ﴿ يَنْصُرْكُمْ ﴾ عَلى عَدُوِّكم ﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ عِنْدَ القِتالِ.
ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فَأتْعَسَهُمُ اللَّهُ: والدُّعاءُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: تَعَسْتُ، أيْ: عَثَرْتُ وسَقَطْتُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: التَّعْسُ في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ والعُثُورُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الكَهْفِ: ١٠٥، يُوسُفَ: ١٠٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: أهْلَكَهُمُ [اللَّهُ] ﴿ وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها ﴾ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وبِالكافِرِينَ مِنَ الدَّمارِ ﴿ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: ولِيُّهم.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ أيْ: أنَّ الأنْعامَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ، ولا تَدْرِي ما في غَدٍ، فَكَذَلِكَ الكُفّارُ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الآخِرَةِ.
و "المَثْوى": المَنزِلُ.
﴿ وَكَأيِّنْ ﴾ مَشْرُوحٌ في [آلِ عِمْرانَ: ١٤٦] .
والمُرادُ بِقَرْيَتِهِ: مَكَّةُ؛ وأضافَ القُوَّةَ والإخْراجَ إلَيْها، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي "البَيِّنَةِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ الأوْثانِ، وهو الكافِرُ ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ بِعِبادَتِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ تَوْقِيفٌ لِقُرَيْشٍ وتَوْبِيخٌ، و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يُرِيدُ ثَمُودَ وقَوْمَ لُوطٍ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وأهْلَ السَدِّ وغَيْرَهُمْ، و"الدَمارُ": الإفْسادُ وهَدْمُ البِناءِ وإذْهابُ العُمْرانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ مِن ذَلِكَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أمْثالُها" ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العاقِبَةِ المَذْكُورَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَعُودَ عَلى الفِعْلَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في "أنَّ"، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، ومِنها انْتَزَعَ رَسُولُ اللهِ رَدَّهُ عَلى أبِي سُفْيانَ حِينَ قالَ لَهُ: « "اللهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكُمْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ ، أيْ أكْلًا مُجَرَّدًا مِن فِكْرَةٍ ونَظَرٍ، فالتَشْبِيهُ بِالمَعْنى إنَّما وقَعَ فِيما عَدا الأكْلَ مِن قِلَّةِ الفِكْرِ وعَدَمِ النَظَرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "كَما" في مَوْضِعِ الحالِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الجاهِلُ يَعِيشُ عَيْشَ البَهِيمَةِ، فَأمّا بِمُقْتَضى اللَفْظِ فالجاهِلُ والعالِمُ والبَهِيمَةُ مِن حَيْثُ لَهم عَيْشٌ فَهم سَواءٌ، ولَكِنْ مَعْنى كَلامِكَ: يَعِيشُ عَدِيمَ النَظَرِ والفَهْمِ كَما تَعِيشُ البَهِيمَةُ.
و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَأيِّنْ"، وضَرَبَ اللهُ تَعالى لِمَكَّةَ مَثَلًا بِالقُرى المُهْلِكَةِ عَلى عَظَمِها كَقَرْيَةِ قَوْمِ عادٍ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ "أخْرَجَتْكَ" ﴾ مَعْناهُ: وقْتُ الهِجْرَةِ، ونَسَبَ الإخْراجَ إلى القَرْيَةِ حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، وقالَ: ﴿ "أهْلَكْناهُمْ" ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى، ويُقالُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إثْرَ خُرُوجِ النَبِيِّ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِ المَدِينَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ بِمَكَّةَ عامَ دَخَلَها رَسُولُ اللهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: عامُ الفَتْحِ وهو مُقْبِلٌ إلَيْها، وهَذا كُلُّهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَدَنِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على جملة ﴿ أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ [محمد: 13] لتحقيق أنهم لا ناصر لهم تحقيقاً يرجع إلى ما في الكلام من المعنى التعريضي فهو شبيه بالاستئناف البياني جاء بأسلوب التفريع.
ويجوز مع ذلك أن يكون مفرَّعاً على ما سبق من قوله: ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [محمد: 12] الآية، فيكون له حكم الاعتراض لأنه تفريع على اعتراض.
وهذا تفنن في تلوين الكلام لتجديد نشاط السامعين هو من الأساليب التي ابتكرها القرآن في كلام العرب.
والاستفهام مستعمل في إنكار المماثلة التي يقتضيها حرف التشبيه.
والمقصود من إنكار المشابهة بين هؤلاء وهؤلاء هو تفضيل الفريق الأول، وإنكار زعم المشركين أنهم خير من المؤمنين كما ظهر ذلك عليهم في مواطن كثيرة كقولهم: ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ [الأحقاف: 11] ﴿ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ﴾ [المطففين: 32] ﴿ فاتخذتموهم سُخرياً حتى أنسوكم ذِكري وكنتم منهم تضحكون ﴾ [المؤمنون: 110].
والمراد بالموصولين فريقان كما دل عليه قوله في أحدهما ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ .
والبينة: البرهان والحجة، أي حجة على أنه محق.
و ﴿ مِن ﴾ ابتدائية، وفي التعبير بوصف الرب وإضافته إلى ضمير الفريق تنبيه على زلفى الفريق الذي تمسك بحجة الله.
ومعنى وصف البينة بأنها من الله: أن الله أرشدهم إليها وحرّك أذهانهم فامتثلوا وأدركوا الحق، فالحجة حجة في نفسها وكونها من عند الله تزكية لها وكشف للتردّد فيها وإتمام لدلالتها، كما يظهر الفرق بين أخذ العلم عن متضلع فيه وأخذه عن مستضعف فيه وإن كان مصيباً.
و(عَلى) للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكن كما في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في سورة البقرة (5).
وهذا الفريق هم المؤمنون وهم ثابتون على الدين واثقون بأنهم على الحق.
فلا جرم يكون لهم الفوز في الدنيا لأن الله يسّر لهم أسبابه فإن قاتلوا كانوا على ثقة بأنهم على الحق وأنهم صائرون إلى إحدى الحسنيين فقويت شجاعتهم، وإن سالموا عُنوا بتدبير شأنه وما فيه نفع الأمة والدين فلم يَألوا جهداً في حسن أعمالهم، وذلك من آثار أن الله أصلح بالهم وهداهم.
والفريق الذين زيّن له سوء عمله هم المشركون، فإنهم كانوا في أحوال السُوأى من عبادة الأصنام والظلم والعدوان وارتكاب الفواحش، فلما نبههم الله لفساد أعمالهم بأن أرسل إليهم رسولاً بين لهم صالح الأعمال وسيئاتها لم يدركوا ذلك ورأوا فسادهم صلاحاً فتزينت أعمالهم في أنظارهم ولم يستطيعوا الإقلاع عنها وغَلب إلفُهم وهواهم على رأيهم فلم يعبأوا باتباع ما هو صلاح لهم في العاجل والآجل، فذلك معنى قوله: كمن زُيّن له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} بإيجاز.
وبني فعل ﴿ زُيّن ﴾ للمجهول ليشمل المزيّنين لهم من أيمة كفرهم، وما سولته لهم أيضاً عقولهم الآفنة من أفعالهم السيئة اغتراراً بالإلف أو اتباعاً للذات العاجلة أو لِجلب الرئاسة، أي زَيَّن له مُزيّنَ سوءَ عمله، وفي هذا البناء إلى المجهول تنبيه لهم أيضاً ليرجعوا إلى أنفسهم فيتأمّلوا فيمن زيّن لهم سوء أعمالهم.
ولمّا كان تزيين أعمالهم لهم يبعثهم على الدأب عليها كان يتولد من ذلك إلفهم بها وولعهم بها فتصير لهم أهواء لا يستطيعون مفارقتها أعقب بقوله: ﴿ واتبعوا أهواءهم ﴾ .
والفرق بين الفريقين بَيّن للعاقل المتأمل بحيث يحق أن يُسأل عن مماثلة الفريقين سُؤال من يعلم انتفاء المماثلة ويُنكِر على من عسى أن يزعمها.
والمراد بانتفاء المماثلة الكناية عن التفاضل، والمقصود بالفضل ظاهر وهو الفريق الذي وقع الثناء عليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ أيْ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ لِلَبِيدٍ وكائِنٍ رَأيْنا مِن مُلُوكٍ وسُوقَةٍ ومِفْتاحِ قَيْدٍ لِلْأسِيرِ المُكَبَّلِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.
﴿ هِيَ أشَدُّ قُوَّةً ﴾ أيْ أهْلُها أشَدُّ قُوَّةً.
﴿ مِن قَرْيَتِكَ ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ.
﴿ الَّتِي أخْرَجَتْكَ ﴾ أيْ أخْرَجَكَ أهْلُها عِنْدَ هِجْرَتِكَ مِنها.
﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بِالعَذابِ.
﴿ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَلا مانِعَ لَهم مِنّا، وهَذا وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ قال: لا يلتفت إلى آخرته.
قوله تعالى: ﴿ وكأين من قرية ﴾ الآيتين.
أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأعتى الأعداء من عدا على الله في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول أهل الجاهلية» فأنزل الله تعالى ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك ﴾ قال: قريته مكة وفي قوله: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾ قال: هم المشركون.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كلُّ هوىً ضلالة.
وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: هذه ألِفُ توقيف وتقرير؛ لأن الجواب معلوم (١) قال ابن عباس (٢) (٣) (٤) - على شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ يعني: عبادة الأوثان، وهو أبو جهل والكفار ﴿ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ في عبادة الحجارة.
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 9.
(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 508.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ ﴾ يعني مكة.
وخروجه صلى الله عليه وسلم من وقت الهجرة، ونسب الإخراج إلى القرية.
والمراد بأهلها، لأنهم آذوه حتى خرج ﴿ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ وجمعه حملاً على المعنى والمراد أهلكنا: أهلها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ ، جائز أن يكون قوله - -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ في القتال والحرب، وكذلك قوله - -: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ في الحرب والقتال - أيضاً - يضربون ويقتلون على ما يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل، ولكن إبانة من المفصل - والله أعلم - لما روي في الخبر: "إذا قتلتم فأحسنوا القتل" وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من المفصل، والله أعلم.
فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله : ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ وتأويل قوله: ﴿ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ .
وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، والله أعلم.
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال - -: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى [إذا] أثخنتموهم وأسرتموهم، فاضربوا فوق الأعناق؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر بهم إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم وتركهم بالجزية، لقوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ ﴾ ويكون قوله: ﴿ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ على هذا في المن يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم، لكنهم اختلفوا في المفاداة.
قال بعضهم: يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم.
وقال بعضهم: يفادون بالأسراء منهم، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال، وهو قولنا.
وقال بعضهم: لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال؛ وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله .
واختلفوا في قتل الأسراء منهم: قال بعضهم: لا يقتلون، ولكن يمن عليهم أو يفادون.
وقال بعضهم: الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأسارى من المسلمين؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ ، ولما روي عن رسول الله "أنه استشار أبا بكر، وعمر، وسائر الصحابة - رضي الله عهم - في أسارى بدر، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم، وقال رسول الله عند ذلك: لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر" أو كلام نحوه - دل أن الحكم فيهم القتل؛ أعني: في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر - - بالقتل؛ لذلك قال رسول الله : "ما نجا إلا عمر" فدل هذ الخبر أن للإمام أن يقتل أسارى أهل الشرك، وله أن يمن عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعجم، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركهم على ما هم عليه، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم.
ثم قال بعضهم: الآية - وهو قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ - تخالف من حيث الظاهر لقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ ﴾ ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين: هذه في قوم، والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت والأخرى في وقت آخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ .
قال بعضهم: حتى يخرج عيسى بن مريم - عليهما السلام - فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي: اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى - - وقال بعضهم: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: حتى يضعوا أسلحتهم ويتركوا القتال.
وقال بعضهم: حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو كقوله - -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، أي: شرك وكفر، والله أعلم.
قيل: الإثخان: هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ ، أي: أكثرتم فيهم القتل والجراحة، ويقال في الكلام: ضربته حتى أثخنته: حتى لا يقدر أن يتحرك، والوثاق: ما أوثقت به كل يدي الرجل أو رجليه؛ يقال: أوثقته واستوثقت منه.
وقوله: ﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: أثقالها، واحدها: وزر، وهو الثقل.
وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: يضع أهل الحرب السلاح.
وأصل الوزر ما حملته، فسمّى السلاح: وزراً؛ لأنه يحمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله - -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ ﴾ لأوليائه من أعدائه بلا قتال، ولا نصب الحروب فيما بينهم، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكاً، ويقهرهم قهراً، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم، فيقهرهم بأضعف خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: يمتحن بعضكم بقتال بعض، وبأنواع المحن: أنشأ الله - عز وجل - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابهاً لبعض غير مخالف بعضهم بعضاً فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب، والمحق من المبطل، والموافق من المخالف، والمتحقق من المضطرب، والموقن من الشاك؛ على ما ذكر - -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب [و]التحقيق وغيره.
ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصراً بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار، لا بحق الاختيار؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكاً بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال، ﴿ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ ، أي: يوفقهم ثانياً - مرة أخرى - للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة.
والثاني: أي: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ في الآخرة، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ في الآخرة الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قال بعضهم: أي: يدخلهم الجنة التي بينها لهم في الدنيا ووصفها.
وقال بعضهم: عرفها لهم في الآخرة حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام وأدلة جعلت لهم، كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وأهله وخدمه، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي: طيبها لهم؛ يقال: فلان معرف، أي: مطيب، وطعام معرف، أي: مطيب؛ وهو قول القتبي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم.
أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم.
ثم نصرنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه، والثاني: يكون نصراً بالحجج والبراهين بإقامتها عليهم بما أمرنا من إقامة الحجج والآيات.
ثم يكون نصر الله إيانا من وجهين: أحدهما: ينصرنا على أعدائه بما يغلبهم ويقهرهم، لكن إن كان هذا، فيكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال.
والثاني: يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة [لنا]، وإن كنا غلبنا وقهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا، قاهرين لنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .
يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبت أقدامهم في الآخرة؛ كي لا تزول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ ، أي: هلاكاً لهم.
وقيل: أي: محنة عند الهزيمة والقتل.
وجائز أن يكون أريد به الهلاك، وأصل التعس هو العثور والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر لهم من التعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل الله على رسوله؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقاداً، فقد كرهه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ أي: كرهوا ما أنزل الله على غير بني إسرائيل، فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب؛ لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: بتركهم اتباع ما أنزل الله وقبوله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: لو ساروا في الأرض، لعرفوا ما نزل بأولئك بماذا نزل بهم؟
وهو تكذيبهم للرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا؟
وهو التصديق لهم، والإيمان بهم.
والثاني: على الأمر؛ أي: سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذبي الرسل ومستهزئيهم؛ ليكون ذلك مزجراً لهم عن مثل معاملتهم الرسول؛ .
والثالث: أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا ولم يعتبروا فيما نزل بأولئك أنه بماذا نزل بهم؛ ولو تأملوا فيهم، لكان ذلك زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ سوى هؤلاء الكفار الذين دمر الله عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل.
والثاني: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ أي: للكافرين من قومك أمثالها، وهذا وعيد لقومه.
والثالث: أن يقول: لقومه ولكل كافر أمثال ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ تأويله: أي: ذلك الذي ذكر لهم؛ لأجل أن الله ناصر الذين اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وإن للكافرين ذلك؛ لما ليس هو بناصر لهم؛ لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم.
أو يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي: دفع العذاب عن الذين آمنوا؛ لما أن الله يتولى أمورهم، ويعصمهم، وأنه لم يتول أمور الكفرة، أي: لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا؛ لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولى المؤمنين وعصمهم؛ لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هل من كان له برهان بيّن وحجة واضحة من ربه، فهو يعبده على بصيرة، كمن زَيَّن له الشيطان سوء عمله، واتبعوا ما تمليه عليهم أهواؤهم من عبادة الأصنام وارتكاب الإثم، والتكذيب بالرسل؟
<div class="verse-tafsir" id="91.yqYML"