تفسير الآية ١٧ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٧ من سورة محمد

وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ زَادَهُمْ هُدًۭى وَءَاتَىٰهُمْ تَقْوَىٰهُمْ ١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 39 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٧ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) أي : والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها ، وثبتهم عليها وزادهم منها ، ( وآتاهم تقواهم ) أي : ألهمهم رشدهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) يقول تعالى ذكره: وأما الذين وفَّقهم الله لاتباع الحقّ, وشرح صدورهم للإيمان به وبرسوله من الذين استمعوا إليك يا محمد, فإن ما تلوته عليهم, وسمعوه منك ( زَادَهُمْ هُدًى ) يقول: زادهم الله بذلك إيمانا إلى إيمانهم, وبيانا لحقيقة ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان عندهم.

وقد ذُكر أن الذي تلا عليهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من القرآن, فقال أهل النفاق منهم لأهل الإيمان, ماذا قال آنفا, وزاد الله أهل الهدى منهم هدى, كان بعض ما أنـزل الله من القرآن ينسخ بعض ما قد كان الحكم مضى به قبل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثنى أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) قال: لما أنـزل الله القرآن آمنوا به, فكان هدى, فلما تبين الناسخ والمنسوخ زادهم هدى.

وقوله ( وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) يقول تعالى ذكره: وأعطى الله هؤلاء المهتدين تقواهم, وذلك استعماله إياهم تقواهم إياه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

والذين اهتدوا أي للإيمان زادهم الله هدى .

وقيل : زادهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هدى .

وقيل : ما يستمعونه من القرآن هدى ، أي : يتضاعف يقينهم .

وقال الفراء : زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى .

وقيل : زادهم نزول الناسخ هدى .

وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل : أحدها : زادهم علما ، قاله الربيع بن أنس .

الثاني : أنهم علموا ما سمعوا وعملوا بما علموا ، قاله الضحاك .

الثالث : زادهم بصيرة في دينهم وتصديقا لنبيهم ، قاله الكلبي .

الرابع : شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان .

وآتاهم تقواهم أي ألهمهم إياها .

وقيل : فيه خمسة أوجه : أحدها : آتاهم الخشية ، قاله الربيع .

الثاني : ثواب تقواهم في الآخرة ، قاله السدي .

الثالث : وفقهم للعمل الذي فرض عليهم ، قاله مقاتل .

الرابع : بين لهم ما يتقون ، قاله ابن زياد والسدي أيضا .

الخامس : أنه ترك المنسوخ والعمل بالناسخ ، قاله عطية .

الماوردي : ويحتمل .

سادسا : أنه ترك الرخص والأخذ بالعزائم .

وقرئ ( وأعطاهم ) بدل وآتاهم وقال عكرمة : هذه نزلت فيمن آمن من أهل الكتاب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم بين حال المهتدين، فقال: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا } بالإيمان والانقياد، واتباع ما يرضي الله { زَادَهُمْ هُدًى } شكرا منه تعالى لهم على ذلك، { وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } أي: وفقهم للخير، وحفظهم من الشر، فذكر للمهتدين جزاءين: العلم النافع، والعمل الصالح.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين اهتدوا ) يعني المؤمنين ( زادهم ) ما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( هدى وآتاهم تقواهم ) وفقهم للعمل بما أمرهم به ، وهو التقوى ، قال سعيد بن جبير : وآتاهم ثواب تقواهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين اهتدوا» وهم المؤمنون «زادهم» الله «هدىّ وآتاهم تقواهم» ألهمهم ما يتقون به النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين اهتدوا لاتِّباع الحق زادهم الله هدى، فقوي بذلك هداهم، ووفقهم للتقوى، ويسَّرها لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يعقب - سبحانه - على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول : ( والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ ) أى : هذا هو حال المنافقين ، وهذا هو الحكم الذى يناسبهم ، أما الذين اهتدوا إلى الحق ، واستجابوا له ، وخالطت بشاشته قلوبهم ، فهم الذين زادهم الله - تعالى - هداية على هدايتهم .وزادهم علما وبصيرة وفقها فى الدين ، ومنحهم بفضله وإحسانه خلق التقوى والخشية منه ، والطاعة لأمره ، وكافأهم على ذلك بما يستحقون من ثواب جزيل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بيّن الله تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، والمنافق يستعيد، والمهتدي يفسر ويعيد، وفيه فائدتان إحداهما: ما ذكرنا من بيان التباين بين الفريقين وثانيهما: قطع عذر المنافق وإيضاح كونه مذموم الطريقة، فإنه لو قال ما فهمته لغموضه وكونه معمى، يرد عليه ويقول ليس كذلك، فإن المهتدي فهم واستنبط لوازمه وتوابعه، فذلك لعماء القلوب، لا لخفاء المطلوب وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفاعل للزيادة في قوله: ﴿ زَادَهُمْ ﴾ ؟

نقول فيه وجوه: الأول: المسموع من النبي عليه الصلاة والسلام من كلام الله وكلام الرسول يدل عليه قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ  ﴾ فإنه يدل على مسموع، والمقصود بيان التباين بين الفريقين، فكأنه قال: هم لم يفهموه، وهؤلاء فهموه والثاني: أن الله تعالى زادهم ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ  ﴾ وكأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم عمى، والمهتدين زاده هدىً والثالث: استهزاء المنافق زاد المهتدي هدى، ووجهه أنه تعالى لما قال: ﴿ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ ﴾ قال: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ ﴾ اتباعهم الهدى هدى، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه.

المسألة الثانية: ما معنى قوله: ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ ؟

نقول فيه وجوه منقولة ومستنبطة، أما المنقولة فنقول: قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب تقواهم، وقيل آتاهم نفس تقواهم من غير إضمار، يعني بيّن لهم التقوى، وقيل آتاهم توفيق العمل بما علموا.

وأما المستنبط فنقول: يحتمل أن يكون المراد به بيان حال المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له بياناً لغاية الخلاف بين المنافق، فإنه استمع ولم يفهمه، وستعاد ولم يعلمه، والمهتدي فإنه علمه وبينه لغيره، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ زَادَهُمْ هُدىً ﴾ ولم يقل اهتداء، والهدى مصدر من هدى، قال الله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقتده  ﴾ أي خذ بما هدوا واهتد كما هدوا، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ معناه جنبهم عن القول في القرآن بغير برهان، وحملهم على الاتقاء من التفسير بالرأي، وعلى هذا فقوله: ﴿ زَادَهُمْ هُدىً ﴾ معناه كانوا مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ زَادَهُمْ هُدىً ﴾ إشارة إلى العلم ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ إشارة إلى الأخذ بالاحتياط فيما لم يعلموه، وهو مستنبط من قوله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ  ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا ٱلْأَلْبَٰبِ  ﴾ وقوله: ﴿ والرسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ  ﴾ .

المعنى الثالث: يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى من غيره، وتحقيقه هو أنه لما قال: ﴿ زَادَهُمْ هُدىً ﴾ أفاد أنهم ازداد علمهم، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ فقال آتاهم خشيتهم التي يفيدها العلم.

والمعنى الرابع: تقواهم من يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ  ﴾ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ كأن ذكر الساعة عقيب التقوى يدل عليه.

المعنى الخامس: آتاهم تقواهم، التقوى التي تليق بالمؤمن، وهي التقوى التي لا يخاف معها لومة لائم.

ثم قال تعالى: ﴿ الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله  ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿ يا أيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  ﴾ وهذا الوجه مناسب لأن الآية لبيان تباين الفريقين، وهذا يحقق ذلك، من حيث إن المنافق كان يخشى الناس وهم الفريقان، المؤمنون والكافرون فكان يتردد بينهما ويرضي الفريقين ويسخط الله فقال الله تعالى المؤمن المهتدي بخلاف المنافق حيث علم ذاك ولم يعلم ذلك واتقى الله لا غير، واتقى ذلك غير الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ زَادَهُمْ ﴾ الله ﴿ هُدًى ﴾ بالتوفيق ﴿ وَءَاتَ اهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها.

أو أتاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقرئ: ﴿ وأعطاهم ﴾ وقيل: الضمير في زادهم، لقول الرسول أو لاستهزاء المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ الرَّسُولِ  ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ فَإذا خَرَجُوا.

﴿ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ أيْ لِعُلَماءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ما الَّذِي قالَ السّاعَةَ، اسْتِهْزاءً أوِ اسْتِعْلامًا إذْ لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ، وآنِفًا مِن قَوْلِهِمْ أنِفَ الشَّيْءَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ، ومِنهُ اسْتَأْنَفَ وائْتَنَفَ وهو ظَرْفٌ بِمَعْنى وقْتًا مُؤْتَنِفًا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قالَ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «أنِفًا».

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فَلِذَلِكَ اسْتَهْزَءُوا وتَهاوَنُوا بِكَلامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)

{والذين اهتدوا} بالإيمان واستماع القرآن {زَادَهُمْ} الله {هُدًى} أي بصيرة وعلماً أو شرح صدورهم {وآتاهم تقواهم} اعلنهم عليها أو آتاهم جزاء تقواهم أو بين لهم ما يتقون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ إلى طَرِيقِ الحَقِّ ﴿ زادَهُمْ ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ هُدًى ﴾ بِالتَّوْفِيقِ والإلْهامِ، والمَوْصُولُ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ والنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ ( وهُدىً ) مَفْعُولٌ ثانِي لِأنَّ زادَ قَدْ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ هُدًى عَظِيمًا ﴿ وآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ أيْ أعْطاهم تَقْواهم إيّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِأنْ خَلَقَها فِيهِمْ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ الأشاعِرَةُ في أفْعالِ العِبادِ أوْ بِأنْ خَلَقَ فِيهِمْ قُدْرَةً عَلَيْها مُؤَثِّرَةً في فِعْلِها بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ عَلى ما نَسَبَهُ الكُورانِيُّ إلى الأشْعَرِيِّ وسائِرِ المُحَقِّقِينَ في أفْعالِ العِبادِ مِن أنَّها بِقُدْرَةٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ تَعالى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: بِأنْ جَعَلَهم جَلَّ شَأْنُهُ مُتَّقِينَ لَهُ سُبْحانَهُ يُمْكِنُ تَطْبِيقُهُ عَلى كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: أيْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ أوْ أعانَهم عَلى تَقْواهم أوْ أعْطاهم جَزاءَها فالإيتاءُ عِنْدَهُ مَجازٌ عَنِ البَيانِ أوِ الإعانَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ والتَّقْوى مَجازٌ عَنْ جَزائِها لِأنَّها سَبَبُهُ أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما يَأْباهُ مَذْهَبُ أهْلِ الحَقِّ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِي والثّالِثَ مِن ذَلِكَ، واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ الأوَّلَ مِن هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ وقالَ: هو أوْفَقُ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ أغْلَبَ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ رُوعِيَ فِيها التَّقابُلُ فَقُوبِلَ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ لِأنَّ الطَّبْعَ يَحْصُلُ مِن تَزايُدِ الرَّيْنِ وتَرادُفِ ما يَزِيدُ في الكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ وآتاهم تَقْواهُمْ ﴾ فَيُحْمَلُ عَلى كَمالِ التَّقْوى وهو أنْ يَتَنَزَّهَ العارِفُ عَمّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ ويَتَبَتَّلَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بَشَراشِرِهِ وهو التَّقْوى الحَقِيقِيَّةُ المَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ فَإنَّ المَزِيدَ عَلى مَزِيدِ الهُدى مَزِيدٌ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وفي التَّرَفُّعِ عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى النُّزُوعُ إلى المَوْلى والعُزُوبُ عَنْ شَهَواتِ الحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ في إسْنادِ إيتاءِ التَّقْوى إلَيْهِ تَعالى وإسْنادِ مُتابِعَةِ الهَوى إلَيْهِمْ إيماءٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً: ﴿ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ وتَلْوِيحٌ إلى أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى مَرَضٌ رُوحانِيُّ ومُلازِمَةَ التَّقْوى دَواءٌ إلَهِيٌّ انْتَهى.

وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّقابُلِ جارٍ فِيما ذَكَرْناهُ أيْضًا، وكَذا يَجْرِي التَّقابُلُ عَلى تَفْسِيرِ إيتاءِ التَّقْوى بِبَيانِ ما يَتَّقُونَ لِإشْعارِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِأنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ مِنِ ارْتِكابِ الهَوى والتَّشَهِّي بَلْ هو أمْرٌ حَقٌّ مَبْنِيٌّ عَلى أساسٍ قَوِيٍّ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِإعْطاءِ جَزاءِ التَّقْوى مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وذَهَبَ إلَيْهِ الجُبّائِيُّ، والكَلامُ عَلَيْهِ أفْيَدُ وأبْعَدُ عَنِ التَّأْكِيدِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَمْلِ التَّقْوى عَلى أعْلى مَراتِبِها، وأمْرُ التَّقابُلِ هَيِّنٌ فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( اهْتَدَوْا ) في مُقابَلَةِ ( اتَّبَعُوا أهْواءَهم ) وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ زادَهم هُدًى ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فَلْيُتَدَبَّرْ، وقِيلَ: فاعِلُ ( زادَهم ) ضَمِيرُ قَوْلِهِ  المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ وكَذا فاعِلُ ( آتاهم ) أيْ أعانَهم أوْ بَيَّنَ لَهُمْ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا إذا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زادَهم هُدًى ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فالأوْلى أنْ يَتَّحِدَ فاعِلُهُ مَعَ فاعِلِهِ ويَجْرِيَ نَحْوَ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى قَوْلِ المُنافِقِينَ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْجَبُ مِنهُ المُؤْمِنُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعالى عَلى إيمانِهِ ويَزِيدُ بَصِيرَةً في دِينِهِ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يعني: إن تنصروا دين الله بقتال الكفار، يَنْصُرْكُمْ بالغلبة على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تزول في الحرب.

ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني: بعداً، ونكساً، وخيبة لهم.

وهو من قولك: تعست أي: عثرت، وسقطت، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب حسناتهم، فلم يقبلها منهم.

ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم، فقال: ذلِكَ يعني: ذلك الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: أنكروا، وكرهوا الإيمان بما أنزل الله على محمد  .

فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: ثواب أعمالهم.

ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أفلم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني: فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر أمرهم.

دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: أهلكهم الله تعالى بالعذاب وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يعني: للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب، وهذا وعيد لكفار قريش.

ثم قال: ذلِكَ يعني: النصرة التي ذكر في قوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7] بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني: إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ يعني: لا ناصر، ولا ولي لهم، لا تنصرهم آلهتهم، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب.

ثم ذكر مستقر المؤمنين، ومستقر الكافرين، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ يعني: يعيشون بما أعطوا في الدنيا، وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم هَمٌّ إِلاَّ الأكل، والشرب، والجماع، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: منزلاً، ومستقرا لهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ: صِفَتُها، وقَدْ شَرَحْناهُ في [الرَّعْدِ: ٣٥] .

و "المُتَّقُونَ" عِنْدَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.

و "الآسِنُ" المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المُتَغَيِّرُ الرِّيحِ والطَّعْمِ، و "الآجِنُ" نَحْوُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "غَيْرِ أسِنٍ" بِغَيْرِ مَدٍّ.

وقَدْ شَرَحْنا قَوْلَهُ ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ في [الصّافّاتِ: ٤٦] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾ أيْ: مِن عَسَلٍ لَيْسَ فِيهِ عَكَرٌ ولا كَدَرٌ كَعَسَلِ أهْلِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أرادَ: مَن كانَ في هَذا النَّعِيمِ، كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ؟!

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماءً حَمِيمًا ﴾ أيْ: حارًّا شَدِيدَ الحَرارَةِ.

و "الأمْعاءُ" جَمِيعُ ما في البَطْنِ مِنَ الحَوايا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مَن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ ﴾ الآيَةُ.

تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وهي مُعادَلَةٌ بَيْنَ هَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ: الإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُحَمَّدٍ  في أنَّهُ الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وإلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في أنَّهُمُ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، وبَقِيَ اللَفْظُ عامًّا لِأهْلِ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ غابِرَ الدَهْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى قَضِيَّةٍ واضِحَةٍ وعَقِيدَةٍ نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ ودِينٍ بَيِّنٍ" وألْحَقَ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ "زُيِّنَ" ﴾ هو الشَيْطانُ، و"اتِّباعُ الأهْواءِ": طاعَتُها، كَأنَّها تَذْهَبُ إلى ناحِيَةٍ والمَرْءُ يَذْهَبُ مَعَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ الآيَةُ، فَقالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ وغَيْرُهُ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: صِفَةُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ فِيها كَذا وكَذا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الَّذِي يُتْلى بِقَوْلِهِ: فِيها كَذا وكَذا، والَّذِي ساقَ إلى أنْ تَجْعَلَ "مَثَلُ" بِمَثابَةِ "صِفَةٍ" هو أنَّ المُمَثَّلَ بِهِ لَيْسَ في الآيَةِ، ويَظْهَرُ أنَّ القَصْدَ في التَمْثِيلِ هو إلى الشَيْءِ الَّذِي يَتَخَيَّلُهُ المَرْءُ عِنْدَ سَماعِهِ: "فِيها كَذا وكَذا"، فَإنَّهُ يَتَصَوَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقاعًا عَلى هَذِهِ الصُورَةِ، وذَلِكَ هي مَثَلُ الجَنَّةِ ومِثالُها، أو فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَثَلُ الجَنَّةِ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعى هَذِهِ الأوصافَ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِثالُ الجَنَّةِ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أمْثالُ الجَنَّةِ"، وعَلى هَذِهِ التَأْوِيلاتِ كُلِّها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَن هو خالِدٌ ﴾ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أساكِنُ هَذِهِ؟

أو تَقْدِيرُهُ: أهَؤُلاءِ؟

إشارَةٌ إلى المُتَّقِينَ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أيْضًا أنْ يَكُونَ الحَذْفُ في صَدْرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟

ويَكُونُ قَوْلُهُ مُسْتَفْهِمًا عنهُ بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، فالمَعْنى: أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ - وهي بِهَذِهِ الأوصافِ - كَمَن هو خالِدٌ في النارِ؟

فَتَكُونُ الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَمَن" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فِيها أنْهارٌ" ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

و ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ مَعْناهُ: غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقَتادَةُ، وسَواءٌ أُنْتِنَ أو لَمْ يُنْتَنْ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ - بِفَتْحِ السِينِ - وأسِنَ بِكَسْرِها - وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "آسِنٍ" ﴾ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أسِنَ" عَلى وزْنِ فَعِلَ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، والأسْنُ: الَّذِي يَخْشى عَلَيْهِ مِن رِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن ماءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: التارِكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ ∗∗∗ يَمِيلُ في الرُمْحِ مَيْلَ المائِحِ الأسِنِ وقالَ الأخْفَشُ: "آسِنٍ" لُغَةٌ، والمَعْنى الإخْبارُ بِهِ عَنِ الحالِ، ومَن قالَ: "آسِنٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، فَهو يُرِيدُ بِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ، فَنَفى ذَلِكَ في الآيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غَيْرَ يَسِنٍ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ عن عَوْفٍ: كَذَلِكَ كانَتْ في المُصْحَفِ "غَيْرَ يَسِنٍ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في اللَبَنِ: ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ نَفْيٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ الفَسادِ في اللَبَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ جَمَعْتُ طِيبَ المَطْعَمِ وزَوالَ الآفاتِ مِنَ الصُداعِ وغَيْرَهُ، و"لَذَّةٍ" نَعْتٌ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، وتَصْفِيَةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لِبَوْسَتِهِ وضَرَرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ الثَمَراتِ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأنْواعِ، لَكِنَّها بَعِيدَةُ الشَبَهِ، إذْ تِلْكَ لا عَيْبَ فِيها ولا تَعَبَ بِوَجْهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مَعْناهُ: وتَنْعِيمٌ أعْطَتْهُ المَغْفِرَةُ وسَبَّبَتْهُ؛ وإلّا فالمَغْفِرَةُ إنَّما هي قَبْلَ الجَنَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَسُقُوا" ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ النَبِيِّ  ويَسْمَعُونَ كَلامَهُ وتِلاوَتَهُ، فَإذا خَرَجُوا قالَ بَعْضُهم لِمَن شاءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا وانْتَفَعُوا: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟

فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ هَذا اسْتِخْفافًا، أيْ: ما مَعْنى ما قالَ؟

وما نَفْعُهُ؟

وما قَدْرُهُ؟

ومِنهم مَن كانَ يَقُولُ ذَلِكَ جَهْلًا ونَسْيانًا لِأنَّهُ كانَ في وقْتِ الكَلامِ مُقْبِلًا عَلى فِكْرَتِهِ في أمْرِ دُنْياهُ وفي كُفْرِهِ، فَكانَ القَوْلُ يَمُرُّ صَفْحًا، فَإذا خَرَجَ قالَ: ﴿ ماذا قالَ آنِفًا ﴾ ؟

وهَذا أيْضًا فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِخْفافِ لِأنَّهُ كانَ يُصَرِّحُ أنَّهُ كانَ يَقْصِدُ الإعْراضَ وقْتَ الكَلامِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ لَمٍ يَبْعُدْ أنْ يَجْرِيَ عَلى بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ سُئِلَ هَذا السُؤالَ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و" آنِفًا" مَعْناهُ: مُبْتَدِئًا، كَأنَّهُ قالَ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عنهُ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنِفًا" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "أنْفًا" عَلى وزْنِ فَعْلٍ، وهُما اسْما فاعِلٍ مِنِ "ائْتَنَفَ"، وجَرَيا عَلى غَيْرِ فِعْلِهِما، وهَذا كَما جَرى "فَقِيرٌ" عَلى "افْتَقَرَ" ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "فَقْرٌ"، وهَذا كَثِيرٌ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: "أنْفًا" مَعْناهُ: الساعَةُ الماضِيَةُ القَرِيبَةُ مِنّا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الفاعِلِينَ لِهَذا، وهَذا الطَبْعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة بين جملة ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ [الأنعام: 25] وما فيهم عنها من قوله: ﴿ فهل ينظرون إلا الساعة ﴾ [الزخرف: 66] والواو اعتراضية.

والمقصود من هذا الاعتراض: مقابلة فريق الضلالة بفريق الهداية على الأسلوب الذي أقيمت عليه هذه السورة كما تقدم في أولها.

فهذا أسلوب مستمر وإن اختلفت مواقع جمله.

والمعنى: والذين شرح الله صدرهم للإيمان فاهتدوا لطَفَ الله بهم فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى، فاتقوا وغالبوا أهواءهم.

وإيتاء التقوى مستعار لتيسير أسبابها إذ التقوى معنى نفساني، والإيتاء يتعدى حقيقة للذوات.

وإضافة التقوَى إلى ضمير ﴿ الذين اهتدوا ﴾ إيماء إلى أنهم عرفوا بها واختصت بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والبَيِّنَةُ الوَحْيُ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والبَيِّنَةُ مُعْجِزَةُ الرَّسُولِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُهُمُ الأوْثانَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: شِرْكُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ المُشْرِكِينَ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الِاثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ.

وَفِيمَن زَيَّنَهُ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّيْطانُ.

الثّانِي: أنْفُسُهم.

﴿ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَعْتٌ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأنهار من ماء غير آسن ﴾ قال: غير متغير.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من ماء غير آسن ﴾ قال: غير منتن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يحلب.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ﴾ قال: لم يخرج من بين فرث ودم ﴿ وأنهار من خمر لذة للشاربين ﴾ قال: لم تدنسه الرجال بأرجلهم ﴿ وأنهار من عسل مصفى ﴾ قال: لم يخرج من بطون النحل.

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن معاوية بن حيدة رضي الله الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد» .

وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة؟

ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.

وأخرج ابن مردويه عن الكلبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ﴾ الآية قال: حدثني أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي فانطلق بي الملك فانتهى بي إلى نهر الخمر فإذا عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟

فقال: هذا نهر دجلة.

فقلت له: إنه ماء قال هو ماء في الدنيا يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة خمر لأهل الجنة.

قال: ثم انطلقت مع الملك إلى نهر الرب فقلت للملك: أي نهر هذا؟

قال: هو جيحون وهو الماء غير آسن، وهو في الدنيا ماء يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسن، ثم انطلق بي فأبلغني نهر اللبن الذي يلي القبلة، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟

قال: هذا نهر الفرات، فقلت: هو ماء قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذرية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم، ثم انطلق بي فأبلغني نهر العسل الذي يخرج من جانب المدينة، فقلت للملك الذي أرسل معي: أيّ نهر هذا؟

قال: هذا نهر مصر.

قلت: هو ماء.

قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو في الآخرة عسلٌ لأهل الجنة» ﴿ ولهم فيها من كل الثمرات ﴾ يقول: في الجنة ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ يقول: لذنوبهم.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي وائل رضي اللهعنه قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان ألى ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟

أياء تجده أما الفا؟

من ماء غير ياسن أو من ماء غير آسن؟

فقال له عبد الله رضي الله عنه: وكل القرآن أحصيت غير هذا؟

فقال أني لأقرأ المفصل في ركعة.

قال: هذا كهذا الشعر إن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن سعد بن طريف رضي الله عنه قال: سألت أبا إسحاق رضي الله عنه عن ﴿ ماء غير آسن ﴾ قال: سألت عنها الحارث فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم، قال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فمه والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ قال الكلبي: يعني أهل الإسلام (١) ﴿ زَادَهُمْ ﴾ أي: زادهم الله هدى.

قاله عطاء عن ابن عباس (٢) (٣) وقال مقاتل بن سليمان: والذين اهتدوا من الضلالة زادهم الله هدى بالحكم الذي نسخ الأمر الأول (٤) وقال مقاتل بن حيان: والذين اهتدوا هم المؤمنون الذين كانوا يؤمرون بالأمر من طاعة ربهم فيعملون به، ثم ينسخه الله فيحولهم إلى غيره فيتحولون إلى ما يؤمرون به، فيأجرهم الله لما مضى ويزيدهم بتحويلهم عما كانوا أمروا به إلى الذي تحولوا إليه هُدًى مع هديهم (٥) وذكر الفراء وأبو إسحاق في (زادهم هدى) وجهين آخرين؛ أحدهما: زادهم إعراضُ المنافقين واستهزاؤهم هدى.

والثاني: زادهم ما قال الرسول آنفاً هدى (٦) وقال الضحاك: كلما أتاهم من الله تنزيل فرحوا به، فزادهم الله به هدى (٧) قوله تعالى: ﴿ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ قال الكلبي: وألهمهم تقواهم (٨) وقال سعيد بن جبير: وألهمهم ثواب تقواهم (٩) (١٠) ثم خوف كفار مكة بقرب الساعة، وأنها إذا أتت لم يقبل منهم شيء فقال: (١) قال الثعلبي في "تفسيره" 10/ 127 أ: يعني المؤمنين.

وقال في "تنوير المقباس" ص 508: والذين اهتدوا بالإيمان.

(٢) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" من غير نسبة.

انظر 7/ 403، وكذلك ذكره من غير نسبة القرطبي في "الجامع" 16/ 239.

(٣) ذكر نحوه القرطبي في "الجامع" 16/ 239.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 61، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 11.

(٧) ذكر ذلك المؤلف في "تفسيره الوسيط" عن الضحاك.

انظر 4/ 124.

(٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 508، وأورده القرطبي 16/ 239 من غير نسبة.

(٩) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 127 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 283.

(١٠) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ يعني المؤمنين والضمير في زادهم الله تعالى أو للكلام الذي قال فيه المنافقون: ماذا قال آنفاً.

وقيل: يعني بالذين اهتدوا قوماً من النصارى آمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاهتداؤهم هو إيمانهم بعيسى وزيادة هداهم إسلامهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله، وهو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم.

وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر الله -  - وما يعقب لهم نفعاً في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.

ثم قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ يحتمل تشبيه أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، والله أعلم.

والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيئاً لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئاً ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أولئك الكفرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ كانت سنة الله -  - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.

ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشاً من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ هو خير من الله -  - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.

والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ لم يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.

ثم في ذلك وجهان: أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، والله أعلم.

والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك داراً أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله -  -: ﴿ وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟

والله أعلم.

ويخرج على هذا التأويل قوله -  -: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ أي: ليس من كان خالداً في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.

والثاني: يحتمل قوله -  -: ﴿ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: ﴿ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ أي: صفتها ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن...

﴾ كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ ﴾ يحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ ، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: ﴿ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً...

﴾ الآية.

والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: ﴿ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله -  - فيما تقدم من حيث قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ ، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ...

﴾ الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه, والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدراً [ثم] صفي، أو كان خلق بعضه كدراً وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله -  -: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ  ﴾ أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.

أو يقول: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ﴾ التي يريدون فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ ﴾ أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين اهتدوا إلى طريق الحق، واتباع ما جاء به الرسول  ، زادهم ربهم هداية وتوفيقًا للخير، وألهمهم العمل بما يقيهم من النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.nxA6P"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله