الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٣٠ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 73 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٠ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ) يقول تعالى : ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم ، فعرفتهم عيانا ، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه ، وحملا للأمور على ظاهر السلامة ، ورد السرائر إلى عالمها ، ( ولتعرفنهم في لحن القول ) أي : فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم ، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه ، وهو المراد من لحن القول ، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه .
وفي الحديث : " ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر " .
وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل ، وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد في أول " شرح البخاري " ، بما أغنى عن إعادته هاهنا .
وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين .
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن سلمة ، عن عياض بن عياض ، عن أبيه ، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو - رضي الله عنه - قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم " .
ثم قال : " قم يا فلان ، قم يا فلان ، قم يا فلان " .
حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال : " إن فيكم - أو : منكم - فاتقوا الله " .
قال : فمر عمر برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه ، فقال : ما لك ؟
فحدثه بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : بعدا لك سائر اليوم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) ( وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ ) يقول تعالى : ولو نشاء يا محمد لعرّفناك هؤلاء المنافقين حتى تعرفهم من قول القائل: سأريك ما أصنع، بمعنى سأعلمك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
وقوله: (فلعرفتهم بسيماهم) يقول: فلتعرفهم بعلامات النفاق الظاهرة منهم في فحوى كلامهم وظاهر أفعالهم ثم إن الله تعالى ذكره عرفه إياهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ )...
إلى آخر الآية, قال: هم أهل النفاق, وقد عرّفه إياهم في براءة, فقال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، وقال: فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا .
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ )...
الآية, هم أهل النفاق ( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) فعرّفه الله إياهم في سوره براءة, فقال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ، وقال ( قل لهم لن تَنْفِرُوا (1) معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) .
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ) قال: هؤلاء المنافقون, قال: والذي أسروا من النفاق هو الكفر.
قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ) قال: هؤلاء المنافقون, قال: وقد أراه الله إياهم, وأمر بهم أن يخرجوا من المسجد, قال: فأبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا الله; فلما أبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا إلله حُقِنت دماؤهم, ونكحوا ونوكحوا بها.
وقوله ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) يقول: ولتعرفنّ هؤلاء المنافقين في معنى قولهم نحوه.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) قال قولهم: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) لا يخفى عليه العامل منكم بطاعته, والمخالف ذلك, وهو مجازي جميعكم عليها.
الهوامش: (1) التلاوة " لن تخرجوا"
ولو نشاء لأريناكهم أي لعرفناكهم .
قال ابن عباس : وقد عرفه إياهم في سورة ( التوبة ) تقول العرب : سأريك ما أصنع ، أي : سأعلمك ، ومنه قوله تعالى : بما أراك الله أي : بما أعلمك .
فلعرفتهم بسيماهم أي بعلاماتهم .
قال أنس ما خفي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية أحد من المنافقين ، كان يعرفهم بسيماهم .
وقد كنا في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشك فيهم الناس ، فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب ( هذا منافق ) فذلك سيماهم .
وقال ابن زيد : قدر الله إظهارهم وأمر أن يخرجوا من المسجد فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله ، فحقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها .
ولتعرفنهم في لحن القول أي في فحواه ومعناه .
ومنه قول الشاعر :وخير الكلام ما كان لحناأي : ما عرف بالمعنى ولم يصرح به .
مأخوذ من اللحن في الإعراب ، وهو الذهاب عن الصواب ، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من [ ص: 231 ] بعض أي : أذهب بها في الجواب لقوته على تصريف الكلام .
أبو زيد : لحنت له ( بالفتح ) ألحن لحنا إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره .
ولحنه هو عني ( بالكسر ) يلحنه لحنا أي : فهمه .
وألحنته أنا إياه ، ولاحنت الناس فاطنتهم ، قال الفزاري :وحديث ألذه هو مما ينعت الناعتون يوزن وزنامنطق رائع وتلحن أحيا نا وخير الحديث ما كان لحنايريد أنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره ، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها .
وقد قال تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول وقال القتال الكلابي :ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا ولحنت لحنا ليس بالمرتابوقال مرار الأسدي :ولحنت لحنا فيه غش ورابني صدودك ترضين الوشاة الأعادياقال الكلبي : فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق إلا عرفه .
وقيل : كان المنافقون يخاطبون النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلام تواضعوه فيما بينهم ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد ، فنبهه الله تعالى عليه ، فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم .
قال أنس : فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، عرفه الله ذلك بوحي أو علامة عرفها بتعريف الله إياه .
والله يعلم أعمالكم أي لا يخفى عليه شيء منها .
{ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } أي: بعلاماتهم التي هي كالوسم في وجوههم.
{ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } أي: لا بد أن يظهر ما في قلوبهم، ويتبين بفلتات ألسنتهم، فإن الألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر { وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } فيجازيكم عليها.
( ولو نشاء لأريناكهم ) أي لأعلمناكهم وعرفناكهم ( فلعرفتهم بسيماهم ) بعلامتهم ، قال الزجاج : المعنى : لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها .
قال أنس : ما خفي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين ، كان يعرفهم بسيماهم .
( ولتعرفنهم في لحن القول ) في معناه ومقصده .
" واللحن " : وجهان صواب وخطأ ، فالفعل من الصواب : لحن يلحن لحنا فهو لحن إذا فطن للشيء ، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " .
والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا فهو لاحن .
والأصل فيه : إزالة الكلام عن جهته .
والمعنى : إنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم ، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عرفه بقوله ، ويستدل بفحوى كلامه على فساد دخيلته .
( والله يعلم أعمالكم ) .
«ولو نشاء لأريناكهم» عرفناكهم وكررت اللام في «فلعرفتهم بسيماهم» علامتهم «ولتعرفنهم» الواو لقسم محذوف وما بعدها جوابه «في لحن القوْل» أي معناه إذا تكلموا عندك بأن يعرضوا بما فيه تهجين أمر المسلمين «والله يعلم أعمالكم».
ولو نشاء -أيها النبي- لأريناك أشخاصهم، فلعرفتهم بعلامات ظاهرة فيهم، ولتعرفنَّهم فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم.
والله تعالى لا تخفى عليه أعمال مَن أطاعه ولا أعمال من عصاه، وسيجازي كلا بما يستحق.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال : ( وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول ) .والمراد بالإِرادة هنا : التعريف والعلم الذى يقوم مقام الرؤية بالبصر ، كما فى قولهم : سأريك يا فلان ماأصنع بك .
أى : سأعلمك بذلك .والفاء فى قوله : ( فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ) لترتيب المعرفة على الإِرادة ، والمراد بسيماهم : علاماتهم .
يقال : سوم فلان فرسه تسويما ، إذا جعل له علامة يتميز بها .وكررت اللام فى قوله : ( فَلَعَرَفْتَهُم ) للتأكيد .ولحن القول : أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة ، كأن يقول للقائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض والإِبهام ، يقال : لَحْنتُ لفلان ألْحَن لَحْنا ، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره .قال الجمل : واللحن يقال على معنيين ، أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك - ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه فى غزوة الأحزاب : " وإن وجدتموهم - أى : بنى قريظة - على الغدر فالحنوا لى الحنا أعرفه " .والثانى : صرف الكلام من الإِعراب إلى الخطأ - أى : من النطق السليم إلى النطق الخطأ - .ويقال من الأول : لحنَتْ - بفتح الحاء - ألحن فأنا لاحن ، ويقال من الثانى : لَحِن - بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما - فهو لحن .والمعنى : ولو نشاء إعلامك وتعريفك - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء المنافقين وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شئ ( فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ) أى : بعلاماتهم الخاصة بهم ، والتى يتميزون بها عن غيرهم .( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ) - أيضا - ( فِي لَحْنِ القول ) أى : ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن الأساليب المعروفة فى الكلام ، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظهرها ، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإِساءة إليك وإلى أتباعك .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ) يقول - تعالى - : ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم ، فعرفتهم عيانا ، ولكن لم يفعل سبحانه - ذلك فى جميع المنافقين ، سترا منه على خلقه .( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول ) أى : فيما يبدون من كلامهم الدالة على مقاصدهم .
كما عثمان - رضى الله عنه - : ما أسر أحد قال سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه .
وفى الحديث : " ما اسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها " .وعن أبى مسعود عقبة بن عمرو قال : " خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم .
ثم قال : قم فلان ، قم يا فلان - حتى سمى ستة وثلاثين رجلا - ثم قال : إن فيكم - أو منكم فاتقوا الله " " .وقوله - سبحانه - : ( والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) ببان لعلمه الشامل - سبحانه - وتهديد لم يجترح السيئات ، أى : والله - تالى - يعمل أعمالكم علما تاما كاملا ، وسيجازيكم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لأريناكهم فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول والله يَعْلَمُ أعمالكم ﴾ .
لما كان مفهوم قوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم ﴾ أن الله يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلاً قال فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم، كما لا تفشى أسرار الأكابر خوفاً منهم ﴿ وَلَوْ نَشَاء لأريناكهم ﴾ أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى التعريف، وقوله: ﴿ فلتعرفنهم ﴾ لزيادة فائدة، وهي أن التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة، يقال عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم فقال هاهنا ﴿ فَلَعَرَفْتَهُم ﴾ يعني عرفناهم تعريفاً تعرفهم به، إشارة إلى قوة التعريف، واللام في قوله: ﴿ فَلَعَرَفْتَهُم ﴾ هي التي تقع في جزاء لو كما في قوله: ﴿ لأريناكهم ﴾ أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة على المشيئة كأنه قال: ولو نشاء لعرفتهم، ليفهم أن المعرفة غير متأخرة عن التعريف فتفيد تأكيد التعريف، أي لو نشاء لعرفناك تعريفاً معه المعرفة لا بعده، وأما اللام في قوله تعالى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ جواب لقسم محذوف كأنه قال ولتعرفنهم والله، وقوله: ﴿ فِي لَحْنِ القول ﴾ فيه وجوه: أحدها: في معنى القول وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد من القول قولهم أي لتعرفنهم في معنى قولهم حيث يقولون ما معناه النفاق كقولهم حين مجيء النصر إنا كنا معكم، وقولهم: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ ﴾ وقولهم: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ وغير ذلك، ويحتمل أن يكون المراد قول الله عزّ وجل أي لتعرفنهم في معنى قول الله تعالى حيث قال ما تعلم منه حال المنافقين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءَامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى غير ذلك.
وثانيها: في ميل القول عن الصواب حيث قالوا ما لم يعتقدوا، فأمالوا كلامهم حيث قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون ﴾ وقالوا: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ﴾ ، ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار ﴾ إلى غير ذلك.
وثالثها: في لحن القول أي في الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه السلام ولا يفهمه غيره، وهذا يحتمل أمرين أيضاً والنبي عليه السلام كان يعرف المنافق ولم يكن يظهر أمره إلى أن أذن الله تعالى له في إظهار أمرهم ومنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم، وأما قوله: ﴿ بسيماهم ﴾ فالظاهر أن المراد أن الله تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم ﴾ وروي أن جماعة منهم أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق، وقوله تعالى: ﴿ والله يَعْلَمُ أعمالكم ﴾ وعد للمؤمنين، وبيان لكون حالهم على خلاف حال المنافق، فإن المنافق كان له قول بلا عمل، والمؤمن كان له عمل ولا يقول به، وإنما قوله التسبيح ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ وقوله: ﴿ رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا ﴾ وكانوا يعملون الصالحات ويتكلمون في السيئات مستغفرين مشفقين، والمنافق كان يتكلم في الصالحات كقوله: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ ﴿ قَالَتِ الأعراب ءَامَنَّا ﴾ ، ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءَامَنَّا ﴾ ويعمل السيء فقال تعالى الله يسمع أقوالهم الفارغة ويعلم أعمالكم الصالحة فلا يضيع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أضغانهم ﴾ أحقادهم وإخراجها: إبرازها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.
وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلى حنقاً عليهم ﴿ لاريناكهم ﴾ لعرفناكهم ودللناك عليهم.
حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم: وهو أن يسمهم الله تعالى بعلامة يُعلمون بها.
وعن أنس رضي الله عنه: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين: كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق.
فإن قلت: أي فرق بين اللامين في ﴿ فَلَعَرَفْتَهُم ﴾ و ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ ؟
قلت: الأولى هي الداخلة في جواب (لو) كالتي في ﴿ لأريناكهم ﴾ كررت في المعطوف، وأما اللام في ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف ﴿ فِى لَحْنِ القول ﴾ في نحوه وأسلوبه.
وعن ابن عباس: هو قولهم: ما لنا إن أطعنا من الثواب؟
ولا يقولون: ما علينا إن عصينا من العقاب.
وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك، أي: تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية.
قال: وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُم لِكَيْمَا تَفْقَهُوا ** وَاللَّحْنُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ وقيل للمخطئ: لاحن؛ لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ فَكَيْفَ يَعْمَلُونَ ويَحْتالُونَ حِينَئِذٍ، وقُرِئَ «تَوَفّاهُمْ» وهو يَحْتَمِلُ الماضِيَ والمُضارِعَ المَحْذُوفَ إحْدى تاءَيْهِ.
﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ بِما يَخافُونَ مِنهُ ويَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ لَهُ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَفِّي المَوْصُوفِ.
﴿ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ كَكِتْمانِ نَعْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِصْيانِ الأمْرِ.
﴿ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ﴾ ما يَرْضاهُ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ وغَيْرِهِما مِنَ الطّاعاتِ.
﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ لِذَلِكَ.
﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ ﴾ أنْ لَنْ يُبْرِزَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ أضْغانَهُمْ ﴾ أحْقادَهم.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَوْ نَشَآءُ لأريناكهم} لعرّفناكهم ودللناك عليهم {فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم} بعلامتهم وهو أن يسمهم الله بعلامة بها وعن انس رضى الله عنه ماخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية احد من المافقين كان يعرفهم بسيماهم {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول} في نحوه وأسلوبه الحسن من فحوى كلامهم لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم واللام في فَلَعَرَفْتَهُم داخلة في جواب لو كالتى في لاريناكم كررت في المعطوف وأما اللام في وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف
{والله يَعْلَمُ أعمالكم} فيميز خيرها من شرها
﴿ ولَوْ نَشاءُ ﴾ إراءَتَكَ إيّاهم ﴿ لأرَيْناكَهُمْ ﴾ أيْ لَعَرَّفْناكَهم عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةٌ ﴿ فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ﴾ تَفْرِيعٌ لِمَعْرِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَعْرِيفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً عَلى أنَّ المَعْنى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِفُهم مَعْرِفَةً مُتَفَرِّعَةً عَلى إراءَتِهِ إيّاهُمْ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإيماءِ إلى العِنايَةِ بِالإراءَةِ، والسِّيما العَلامَةُ، والمَعْنى هُنا عَلى الجَمْعِ لِعُمُومِها بِالإضافَةِ لَكِنَّها أُفْرِدَتْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ عَلاماتِهِمْ مُتَّحِدَةُ الجِنْسِ فَكَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ أيْ فَلَعَرَفْتَهم بِعَلاماتٍ نَسِمُهم بِها ولامُ ﴿ فَلَعَرَفْتَهُمْ ﴾ كَلامٌ لَأرَيْناكَهُمُ الواقِعَةِ في جَوابِ لَوْ لَأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، وكُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ فَواقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ ( ولَحْنِ القَوْلِ ) أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِهِ مُطْلَقًا، أوِ المائِلَةُ عَنِ الطَّرِيقِ المَعْرُوفَةِ كانَ يَعْدِلُ عَنْ ظاهِرِهِ مِنَ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ والإبْهامِ، ولِذا سُمِّيَ خَطَأً الإعْرابِ بِهِ لِعُدُولِهِ عَنِ الصَّوابِ، وقالَ الرّاغِبُ: اللَّحْنُ صَرْفُ الكَلامِ عَنْ سُنَنِهِ الجارِي عَلَيْهِ إمّا بِإزالَةِ الإعْرابِ أوِ التَّصْحِيفِ وهو المَذْمُومُ وذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وإمّا بِإزالَتِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ وصَرْفِهِ بِمَعْناهُ إلى تَعْرِيضٍ وفَحْوى وهو مَحْمُودٌ مِن حَيْثُ البَلاغَةُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ الشّاعِرِ عِنْدَ أكْثَرِ الأُدَباءِ: مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نًا وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنا وإيّاهُ قُصِدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ وفي البَحْرِ يُقالُ: لَحَّنْتُ لَهُ بِفَتْحِ الحاءِ ألْحَنُ لَحْنًا قُلْتُ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ ويَخْفى عَلى غَيْرِهِ، ولَحِنَهُ هو بِالكَسْرِ فَهِمَهُ وألْحَنْتُهُ أنا إيّاهُ ولاحَنْتُ النّاسَ فاطَنْتُهُمْ، وقِيلَ: لَحْنُ القَوْلِ الذَّهابُ عَنِ الصَّوابِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ لَحْنِ القَوْلِ ﴾ هُنا قَوْلُهم ما لَنا إنْ أطَعْنا مِنَ الثَّوابِ ولا يَقُولُونَ ما عَلَيْنا إنْ عَصَيْنا مِنَ العِقابِ وكانَ هَذا الَّذِي يَنْبَغِي مِنهُمْ، وقالَ بَعْضُ مَن فَسَّرَهُ بِالأُسْلُوبِ المائِلِ عَنِ الطَّرِيقِ المَعْرُوفَةِ: إنَّهم كانُوا يَصْطَلِحُونَ فِيما بَيْنَهم عَلى ألْفاظٍ يُخاطِبُونَ بِها الرَّسُولَ مِمّا ظاهِرُهُ حَسَنٌ ويَعْنُونَ بِهِ القَبِيحَ وكانُوا أيْضًا يَتَكَلَّمُونَ بِما يُشْعِرُ بِالِاتِّباعِ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ إذا دَعاهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى نَصْرِهِمْ: إنّا مَعَكُمْ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ ذِي دَسائِسَ وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِفُهم بِذَلِكَ، وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما خَفِيَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْرِفُهم بِسِيماهم ولَقَدْ كُنّا في بَعْضِ الغَزَواتِ وفِيها تِسْعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَشْكُوهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا وعَلى جَبْهَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ هَذا مُنافِقٌ.
وفي دَعْواهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم أشْكالٌ فَإنَّ ( لَوْ ) ظاهِرُها عَدَمُ الوُقُوعِ بَلِ المُناسِبُ مَعْرِفَتُهم مِن لَحْنِ القَوْلِ، وكَأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أنَّهُ وعْدٌ بِالوُقُوعِ دالٌّ عَلى الِامْتِناعِ فِيما سَلَفَ، ولَقَدْ صَدَقَ وعْدُهُ واسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِما اتَّفَقَ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ولا تَنْحَصِرُ السِّيما بِالكِتابَةِ بَلْ تَكُونُ بِغَيْرِها أيْضًا مِمّا يَعْرِفُهم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يَعْرِفُ القائِفُ حالَ الشَّخْصِ بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وكَثِيرًا ما يَعْرِفُ الإنْسانُ مُحِبَّهُ ومُبْغِضَهُ مِنَ النَّظَرِ ويَكادُ النَّظَرُ يَنْطِقُ بِما في القَلْبِ، وقَدْ شاهَدْنا غَيْرَ واحِدٍ يَعْرِفُ السُّنِّيَّ والشِّيعِيَّ بِسِماتٍ في الوَجْهِ، وإنْ صَحَّ أنَّ بَعْضَ الأوْلِياءِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم كانَ يَعْرِفُ البَرَّ والفاجِرَ والمُؤْمِنَ والكافِرَ ويَقُولُ: أشُمُّ مِن فُلانٍ رائِحَةَ الطّاعَةِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ المَعْصِيَةِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ الإيمانِ ومِن فُلانٍ رائِحَةَ الكُفْرِ ويَظْهَرُ الأمْرُ حَسْبَما أشارَ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتِلْكَ المَعْرِفَةِ أوْلى وأوْلى ولَعَلَّها بِعَلاماتٍ وراءَ طَوْرِ عُقُولِنا، والنُّورُ المَذْكُورُ في خَبَرِ «(اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى)» مُتَفاوِتُ الظُّهُورِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ولِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَمُّهُ، وذَكَرُوا مِن عَلاماتِ النِّفاقِ بُغْضَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كُنّا نَعْرِفُ المُنافِقِينَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ ابْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ هو وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ما يُؤَيِّدُهُ، وعِنْدِي أنَّ بُغْضَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أقْوى عَلاماتِ النِّفاقِ فَإنْ آمَنتَ بِذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي ماذا تَقُولُ في يَزِيدَ الطَّرِيدِ أكانَ يُحِبُّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أمْ كانَ يُبْغِضُهُ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ يُبْغِضُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أشَدَّ البُغْضِ وكَذا يُبْغِضُ ولَدَيْهِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ عَلى جَدِّهِما وأبَوَيْهِما وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الآثارُ المُتَواتِرَةُ مَعْنًى، وحِينَئِذٍ لا مَجالَ لَكَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ اللَّعِينَ كانَ مُنافِقًا، وقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلاماتُ النِّفاقِ غَيْرُ ما ذُكِرَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(عَلاماتُ المُنافِقِ ثَلاثٌ)» الحَدِيثَ لَكِنْ قالَ العُلَماءُ: هي عَلاماتٌ لِلنِّفاقِ العَمَلِيِّ لا الإيمانِيِّ، وقِيلَ: الحَدِيثُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّنْفِيرِ عَنِ اتِّصافِ المُؤْمِنِ المُخْلِصٍ بِشَيْءٍ مِنها لِما أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ مِن عَلاماتِ المُنافِقِينَ.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ مِن جَعْلِ التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ مُوجِبًا الحَدَّ، ولا يَخْفى حالُهُ ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْها بِحَسَبِ قَصْدِكم وهَذا عَلى ما قِيلَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإيذانٌ بِأنَّ حالَهم بِخِلافِ حالِ المُنافِقِينَ وقِيلَ: وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ وإيذانٌ لَهم بِأنَّ المُجْزى عَلَيْهِ ما يَقْصِدُونَهُ لا ما يُعَرِّضُونَ أوْ يُوَرُّونَ بِهِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ خِطابٌ عامٌّ فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ، وحُمِلَ عَلى العُمُومِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال الزجاج: هذه الفاء جواب الجزاء.
ومعناه قد بينا ما يدل على توحيد الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي قد علم أن الله تعالى واحد.
إنما خاطبه والمراد به أمته.
وقال: هذا الأمر للنبي خاصة.
ومعناه.
فاثبت على إظهار قول لا إله إلا الله.
يعني: ادع الناس إلى ذلك.
ويقال: كان رسول الله يقول: «لَيْتَنِي أَعْلَمُ أَيُّ الكَلامِ أَفْضَلُ وَأَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ.
فَأَعْلَمَهُ الله تَعَالَى، أنَّ أَفْضَلَ الكَلاَمِ التَّوْحِيدُ، وَأَفْضَلَ الدُّعَاءِ الاسْتِغْفارُ» .
ثم قال: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ روى الزهري أن النبيّ قال: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله، وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ» .
وروى أبو هريرة عن النبيّ أنه قال: «إني أستغفر الله تَعَالَى، وَأَتُوبُ إلَيْهِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن جريج قال: قيل لعطاء: استغفر للمؤمنين في المكتوبة؟
قال: نعم.
قلت: فمن ابتدئ؟
قال: فبنفسك، كما قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ يعني: منتشركم بالنهار، ومأواكم بالليل.
ويقال: ذهابكم، ومجيئكم.
قوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، فاشتاقوا إلى الوحي، فقالوا: لولا نزلت.
هلاّ نزلت سورة.
قال الله تعالى: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ يعني: مبينة الحلال، والحرام وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ يعني: أمروا فيها بالقتال.
وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها ذكر القتال فهي محكمة.
وقال القتبي في قراءة ابن مسعود: سورة محدثة، وتسمى المحدثة محكمة، لأنها إذا نزلت تكون محكمة ما لم ينسخ منها شيء.
ويقال: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ فِيها ذكر القتال، وطاعة النبيّ فرح بها المؤمنون، وكره المنافقون، فذلك قوله: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: الشك، والنفاق.
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ كراهية لنزول القرآن.
يعني: إنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظراً شديداً من شدة العداوة، كما ينظر المريض عند الموت.
فَأَوْلى لَهُمْ فهذا تهديد، ووعيد.
يعني: وليهم المكروه.
يعني: قل لهم احذروا العذاب، وقد تم الكلام.
ثم قال: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قال القتبي: هذا مخصوص.
يعني: قولهم قبل نزول الفرض، سمعاً لك وطاعة.
فإذا أمروا به كرهوا.
ذلك.
ويقال: معناه طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمثل لهم.
ويقال: معناه فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، يؤمر فيها بالطاعة، وقول معروف فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي: جاء الجد، ووقت القتال، فلم يذكر في الآية جوابه.
والجواب فيه مضمر.
معناه: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ يعني: وجب الأمر، وجد الأمر، كرهوا ذلك.
ثم ابتدأ فقال: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني: لو صدقوا الله في النبي، وما جاء به، لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ من الشرك والنفاق.
قوله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: لعلكم وَإِن وليتم أمر هذه الأمة أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي.
يعني: أن تعصوا الله في الأرض وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ.
قال السدي: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ فإن المؤمنين إخوة.
فإذا قتلوهم، فقد قطعوا أرحامهم.
وروى جبير عن الضحاك قال: نزلت في الأمراء: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أمر الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ.
ويقال: معناه إن أعرضتم عن دين الإسلام، وعما جاء به النبيّ ، أن تفسدوا فى الارض بسفك الدماء، ودفن البنات، وقطع الأرحام، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: هل تريدون إذا أنتم تركتم النبيّ ، وما أمركم به، أَلاَّ أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر، والمعاصي، وقطع الأرحام.
قرأ نافع: فَهَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين.
والباقون: بالنصب.
وهما لغتان، إلا أن النصب أظهر عند أهل اللغة.
قوله عز وجل: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يعني: أهل هذه الصفة خذلهم الله، وطردهم من رحمته.
قوله: فَأَصَمَّهُمْ عن الهدى، فلا يعقلونه وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عن الهدى: فلا يبصرونه عقوبة لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ.
والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.
والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ.
فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ﴿ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.
وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ.
ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى.
[قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ.
ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ.
و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ.
﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ ﴾ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ .
والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟
وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ﴾ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَيْطانُ سَوَّلَ لَهُمُ وأمْلى لَهُمُ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وتَدَبُّرُ القُرْآنِ.
زَعِيمٌ بِالتَبْيِينِ والهُدى، و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وهي المَقَدَّرَةُ بِبَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها ﴾ اسْتِعارَةٌ لِلرَّيْنِ الَّذِي مَنَعَهُمُ الإيمانُ، ويُرْوى «أنَّ وفْدَ اليَمَنِ وفَدَ عَلى النَبِيِّ وفِيهِمْ شابٌّ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الفَتى: عَلَيْها أقْفالُها حَتّى يَفْتَحَها اللهُ ويُفَرِّجَها، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَعَظُمَ في عَيْنِي، فَما زالَتْ في نَفْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حَتّى ولِيَ الخِلافَةَ فاسْتَعانَ بِذَلِكَ الفَتى.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا قَدْ عَرَفُوا مِنَ التَوْراةِ أمْرَ مُحَمَّدٍ وتَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى بِهَذا الوَجْهِ، فَلَمّا باشَرُوا أمْرَهُ حَسَدُوهُ فارْتَدُّوا عن ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الهُدى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، والآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ في ضِمْنِ لَفْظِها غابِرَ الدَهْرِ، و"سَوَّلَ" مَعْناهُ: رَجاهم سُؤْلُهم وأمانِيهِمْ، وقالَ أبُو الفَتْحِ عن أبِي عَلِيٍّ: أنَّهُ بِمَعْنى: دَلّاهُمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ السَوَلِ: وهو الِاسْتِرْخاءُ والتَدَلِّي، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "وَأمْلى لَهُمْ"، ﴾ وأمالَ ابْنُ كَثِيرٍ، وشِبْلُ، وابْنُ مُصَرِّفٍ "أمْلى"، وفاعِلُ "أمْلى" هُنا قالَ الحَسَنُ: هو الشَيْطانُ، جَعَلَ وعْدَهُ الكاذِبَ بِالبَقاءِ كالإبْقاءِ، وذَلِكَ أنَّ الإمْلاءَ هو الإبْقاءُ مِلاوَةً مِنَ الدَهْرِ، يُقالُ: مِلاوَةٌ ومُلاوَةٌ ومَلاوَةٌ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها وكَسْرِها، وهي القِطْعَةُ مِنَ الزَمانِ، ومِنهُ "المَلَوانِ"، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، فَإذا أمْلى الشَيْطانُ إمْلاءً لا صِحَّةَ لَهُ إلّا بِطَمَعِهِمُ الكاذِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في "أمْلى" اللهُ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الشَيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وأمْلى اللهُ لَهُمْ، وحَقِيقَةُ الإمْلاءِ إنَّما هو بِيَدِ اللهِ تَعالى، وهَذا هو الأرْجَحُ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، والأعْمَشُ: "وَأُمْلِي لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللامِ وإرْسالِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، ورَواها الخِفافُ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَأُمْلِيَ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ، وابْنِ سِيرِينَ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى البَصَرِيِّ، وعِيسى الهَمَذانِيِّ، وهَذا يَحْتَمِلُ فاعِلَهُ مِنَ الخِلافِ ما في القِراءَةِ الأُولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا ﴾ ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ كانُوا يَعُدُّونَ المُنافِقِينَ في أمْرِ رَسُولِ اللهِ والخِلافُ عَلَيْهِ بِنَصْرٍ ومُوازَرَةٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أسْرارَهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ عَلى جَمْعِ "سَرٍّ" لِأنَّ أسْرارَهم كانَتْ كَثِيرَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إسْرارَهُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وهو مَصْدَرُ اسْمِ الجِنْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَتَوَعَّدُوا بِها، وأنَّها عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما هَذا هَلَعُهم وجَزَعُهم لِفَرْضِ القِتالِ وقِراعِ الأعْداءِ، فَكَيْفَ فَزَعُهم وجَزَعُهم إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟
والثانِي أنْ يُرِيدَ: هَذِهِ مَعاصِيهِمْ وعِنادُهم وكُفْرُهُمْ، فَكَيْفَ تَكُونُ حالُهم مَعَ اللهِ تَعالى إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟
وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: واللهُ أعْلَمُ بِإسْرارِهِمْ، فَكَيْفَ عِلْمُهُ بِها إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ؟
وهم هُنا مَلَكُ المَوْتِ والمُتَصَرِّفُونَ مَعَهُ، والضَمِيرُ في "يَضْرِبُونَ" لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ.
و ﴿ ما أسْخَطَ اللهَ ﴾ هو الكُفْرُ، و"الرِضْوانُ" هُنا: الشَرْعُ والحَقُّ المُؤَدِّي إلى الرِضْوانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَكَيْفَ إذا تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أضغانهم * وَلَوْ نَشَآءُ لأريناكهم فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول والله يَعْلَمُ ﴾ .
كان مرض قلوبهم خفياً لأنهم يبالغون في كتمانه وتمويهه بالتظاهر بالإيمان، فذكر الله لنبيئه صلى الله عليه وسلم أنه لو شاء لأطلعه عليهم واحداً واحداً فيعرف ذواتهم بعلاماتهم.
والسّيمَى بالقصر: العَلامة الملازمة، أصله: وِسْمَى بوزن فِعلى من الوسم وهو جعل سمة للشيء، وهو بكسر أوله.
فهو من المثال الواوي الفاء حولت الواو من موضع فاء الكلمة فوضعت في مكان عين الكلمة وحولت عين الكلمة إلى موضع الفاء فصارت سِوْمَى فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ في سورة البقرة (273).
والمعنى: لأريناكَ أشخاصهم فعرفتهم، أو لذكرنَا لك أوصافهم فعرفتهم بها ثم يحتمل أن الله شاء ذلك وأراهم للرسول فعن أنس ما خفي على النبي بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم ذكره البغوي والثعلبي بدون سند.
ومما يروى عن حذيفة ما يقتضي أن النبي عرفه بالمنافقين أو ببعضهم، ولكن إذا صح هذا فَإن الله لم يأمر بإجرائهم على غير حالة الإسلام، ويحتمل أن الله قال هذا إكراماً لرسوله ولم يطلعه عليهم.
واللام في لأريناكهم } لام جواب ﴿ لو ﴾ التي تزاد فيه غالباً.
واللام في ﴿ فلعرفتهم ﴾ تأكيد لِلام ﴿ لأريناكهم ﴾ لزيادة تحقيق تفرع المعرفة على الإراءة.
﴿ بسيماهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ﴾ .
هذا في معنى الاحتراس مما يقتضيه مفهوم ﴿ لو نشاء لأريناكهم ﴾ من عدم وقوع المشيئة لإراءته إياهم بنعوتهم.
والمعنى: فإن لم نرك إياهم بسيماهم فلتقعن معرفتك بهم من لحن كلامهم بإلهام يجعله الله في علم رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يخفى عليه شيء من لحن كلامهم فيحصل له العلم بكل واحد منهم إذا لحن في قوله، وهم لا يخلو واحد منهم من اللحن في قوله، فمعرفة الرسول بكل واحد منهم حاصلة وإنما ترك الله تعريفه إياهم بسيماهم ووكله إلى معرفتهم بلحن قولهم إبقاء على سنة الله تعالى في نظام الخلق بقدر الإمكان لأنها سنة ناشئة عن الحكمة فلما أريد تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم بإطلاعه على دخائل المنافقين سلك الله في ذلك مسلك الرمز.
واللام في ﴿ ولتعرفنهم ﴾ لام القسم المحذوف.
ولحن القول: الكلام المحال به إلى غير ظاهره ليفطن له من يُراد أن يفهمه دون أن يفهمه غيره بأن يكون في الكلام تعريض أو تورية أو ألفاظ مصطلح عليها بين شخصين أو فرقة كالألفاظ العلمية قال القتَّال الكِلائي: ولقد وَحيت لكم لكيما تفهموا *** ولَحنتُ لحناً ليس بالمرتاب كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما بينهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذهم بظاهر كلامهم فنبهه الله إليه فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم.
﴿ القول والله يَعْلَمُ ﴾ .
تذييل، فهو لعمومه خطاب لجميع الأمة المقصود منه التعليم وهو مع ذلك كناية عن لازمه وهو الوعيد لأهل الأعمال السيّئة على أعمالهم، والوعد لأهل الأعمال الصالحة على أعمالهم، وتنبيه لأهل النفاق بأن الله يوشك أن يفضح نفاقهم كما قال آنفاً ﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ [محمد: 29].
واجتلاب المضارع في قوله: ﴿ يعلم ﴾ للدلالة على أن علمه بذلك مستمر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا في التَّوْراةِ أنَّهُ نَبِيٌّ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: المُنافِقُونَ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوهُ في القُرْآنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْطاهم سُؤالَهم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: زَيَّنَ لَهم خَطاياهم، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ وَأمْلى لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمْهَلَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ فَعَلى هَذا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أمْلى لَهم بِالإمْهالِ في عَذابِهِمْ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى أمْلى لَهم أيْ مَدَّ لَهم في الأمَلِ فَعَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أمْلى لَهم في الأمَلِ، قالَهُ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ.
الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ هو الَّذِي أمْلى لَهم في مَدِّ الأمَلِ بِالتَّسْوِيفِ، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ ﴾ وفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ قالُوا لِلْمُنافِقِينَ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ.
وَفِيما أرادُوا بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَنُطِيعُكم في ألّا نُصَدِّقَ بِشَيْءٍ، مِن مَقالَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: سَنُطِيعُكم في كَتْمِ ما عَلِمْنا مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ قالُوا لِلْيَهُودِ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، وفِيما أرادُوهُ بِذَلِكَ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: سَنُطِيعُكم في غَيْرِ القِتالِ مِن بُغْضِ مُحَمَّدٍ والقُعُودِ عَنْ نُصْرَتِهِ، قالَ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: سَنُطِيعُكم في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ .
الثّالِثُ: سَنُطِيعُكم في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما أسَرَّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِن هَذا القَوْلِ.
الثّانِي: ما أسَرُّوهُ في أنْفُسِهِمْ مِن هَذا الِاعْتِقادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالقِتالِ نُصْرَةً لِرَسُولِ اللَّهِ .
الثّانِي: بِقَبْضِ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ.
﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ يَكُونُ عَلى احْتِمالِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم في القِتالِ عِنْدَ الطَّلَبِ وأدْبارَهم عِنْدَ الهَرَبِ.
الثّانِي: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم عِنْدَ المَوْتِ بِصَحائِفِ كُفْرِهِمْ، وأدْبارَهم في القِيامَةِ عِنْدَ سَوْقِهِمْ إلى النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ قال: هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم ويجدونه مكتوباً في التوراة والإِنجيل، ثم يكفرون به ﴿ الشيطان سوّل لهم ﴾ قال: زين لهم ﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله ﴾ قال: هم المنافقون.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ﴾ قال: اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي، ﴿ الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ﴾ قال: أملى الله لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله قال: يهود تقول للمنافقين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يسرون إليهم إنا ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ وكان بعض الأمر أنهم يعلمون أن محمداً نبي وقالوا اليهودية الدين فكان المنافقون يطيعون اليهود بما أمرتهم ﴿ والله يعلم إسرارهم ﴾ قال: ذلك سر القول ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال: عند الموت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم...
إلى إسرارهم ﴾ هم أهل النفاق.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ قال: يضربون وجوههم وأستاهم، ولكن الله كريم يكني.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ ﴾ قال مقاتل والمفسرون: لأعلمناكهم (١) ﴿ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ أي: بما علمك الله، وقد مر، وقال الفراء والزجاج: يريد لعرفناكهم، وأنت تقول للرجل أريتك كذا وكذا، تريد عَرَّفتكه وعَلَّمتكه (٢) قوله: ﴿ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾ أي: فعرفتهم، ودخلت اللام لتأكيد المعرفة، والكلام في تفسير السيما قد سبق في سورة البقرة [آية: 273].
قال أبو إسحاق: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة (٣) قوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ قال أبو عبيدة والفراء والزجاج: في نحو القول معنى القول (٤) - في سعد (٥) (٦) (٧) وقال الليث: ما تلحن إليه بلسانك: تميل إليه (٨) وقال أبو زيد: لحنت له ألحن، إذا قلت له قولاً يفقه عنك ويخفي على غيره (٩) وقال ابن دريد (١٠) (١١) وقيل لمعاوية: إن عبد الله يلحن، فقال: أوليس بظريف لابن أخي (١٢) وقال الفزاري (١٣) (١٤) يريد أنها تتكلم بالشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من ذكائها وفطنتها كما قال الله -عز وجل- ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ وكما قال القَتَّال الكلابي (١٥) وَلَقدْ وَحَيْتُ لَكُم لِكَيْمَا تَفْهَمُوا ...
وَلَحنْتَ لَحناً لَيْسَ بِالمرْتَابِ (١٦) واللحن في العربية راجع إلى هذا، لأنه العدول عن الصواب، هذا كلامه فيما حكاه حمزة (١٧) (١٨) وأَدَّتْ إليَّ القَولَ عَنْهنَّ زَوْلةٌ ...
تُلاحِنُ أوْ تَرْنُو لقَوْلِ المُلاحِنِ (١٩) أي: تتكلم بمعنى كلام لا يفطن له غيري، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ أي في فحواه ومعناه، يعني: المنافقين، وذلك أنهم كانوا يخاطبون النبي - - بكلام تواضعوه بينهم والنبي - - يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى على ذلك، فكان بعد نزول هذه الآية يعرف المنافقين إذا سمع [كلام (٢٠) وحكى سلمة (٢١) (٢٢) ومنه قول النبي - -: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" (٢٣) قال أبو عبيد (٢٤) (٢٥) وقومٌ لهم لَحْنٌ سِوى لَحْنِ قَوْمِنا ...
وشَكْلٌ وبيتِ اللهِ لَسْنا نُشاكِلُهْ (٢٦) أي: لغة ومذهب في الكلام يذهبون إليه سوى كلام الناس المعتاد، لأنهم عدلوا به إلى ما أرادوا وتركوا ما يتعارفه الناس، والألحان: الضروب من الأصوات في الأغاني كقولهم: لحن معبد ولحن سريج، سمي بذلك لأن كل صوت له طريق ومذهب غير مذهب الصوت الآخر، فكأن المعنى عدل بالصوت إلى طريق آخر، والملحِّن الذي يسوي طريق الأغاني.
وقال النضر: سألت الخليل عن قولهم: لحن القارئ فيما قرأ، فقال: ترك إعراب الصواب وعدل عنه (٢٧) وأما المفسرون؛ فقال ابن عباس: في معنى القول (٢٨) وقال الحسن: في فحواه (٢٩) (٣٠) (٣١) - إلا عرفه بكلامه (٣٢) وقال مقاتل: لم يَخْفَ منافقٌ بعد هذه الآية على النَّبي - - (٣٣) ونحو هذا روي عن أنس أنه قال: خفي بعد نزول هذه الآية على رسول الله - - شيء من المنافقين (٣٤) - تأمل كلامهم وتفكر في أنحاء مخاطباتهم لما نبهه الله على ذلك بقوله: (ولتعرفنهم في من القول).
فاستدل بفحوى كلامهم على فساد دخيلتهم وسوء اعتقادهم.
قال مقاتل: ثم رجع إلى المؤمنين أهل التوحيد فقال: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ من الخير والشر (٣٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 50، "تفسير البغوي" 7/ 288، "زاد المسير" 7/ 411، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 252.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 63، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 15.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 15.
(٤) انظر: "جاز القرآن لأبي عبيدة" 2/ 215 بلفظ: (في فحوى القول)، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 63، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 15.
(٥) سعد بن معاذ بن النعمان الأوسى، سيد قومه، وهو الذي حكم على بني قريظة بأن تقتل وتسبى النساء والذرية، انظر: "الاستيعاب" 2/ 27، "أسد الغابة" 2/ 296.
(٦) هو: سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري سيد الخزرج، انظر: "الاستيعاب" 2/ 35، و"الإصابة" 2/ 300.
(٧) لم أقف على هذا الحديث إلا أن ابن الأثير في "النهاية" ذكر نحوه وهو (أنه بعث رجلين إلى بعض الثغور عينًا.
فقال لهما: إذا انصرفتما فالحنا) أي: أشيرا إلىَّ ولا تفصحا، وعرضا بما رأيتما.
أمرهما بذلك لأنهما ربما أخبرا عن العدو ببأس وقوة فأحب ألا يقف عليه المسلمون.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" (لحن) 4/ 241.
(٨) انظر: كتاب "العين" (لحن) 3/ 229.
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 60.
(١٠) هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة، من أئمة اللغة والأدب، كانوا يقولون ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء ولد في البصرة سنة 223 هـ، ومن كتبه: "الاشتقاق"، و"المقصور والممدود"، و"الجمهرة"، و"المجتبى" وغيرها، مات سنة 321 هـ.
انظر: مقدمة "جمهرة اللغة" 1/ 3، 4، و"فيات الأعيان" 1/ 497، و"تاريخ بغداد" 2/ 195.
(١١) انظر: "جمهرة اللغة" (لحن) 2/ 192، بلفظ: (اللحن صرفك الكلام عن جهته، لحن يلحن لَحْنا ولَحَنا، وعرفت ذلك في لحن كلامه أي فيما دل عليه كلامه).
(١٢) انظر: "اللسان" (لحن) 13/ 380.
(١٣) هو: مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر القزاري أبو الحسن شاعر غزل ظريف من الولاة كان هو وأبوه من أشراف الكوفة وتزوج الحجاج أخته هند بنت أسماء، واختار له أبو تمام أبياتًا في الحماسة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 527، و"لسان الميزان" 5/ 2، و"الأعلام" 5/ 257.
(١٤) انظر: "الشعر والشعراء" ص 527، "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 61، "اللسان" (لحن) 13/ 380، "الدر المصون" 6/ 157.
(١٥) ورد خلاف في اسمه والمشهور: عبد الله بن مجيب بن مضرحى الكلابي أبو المسيب شاعر إسلامي غلب عليه لقب القتال لشجاعته.
له ديوان مطبوع وهو من بني أبي بكر بن كلاب بن ربيعة.
انظر: "الأغاني" 2/ 159، "المحبر" ص 288، "الخزانة" 3/ 688، "الشعر والشعراء" ص 471.
(١٦) انظر: "ديوانه" ص 36، "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 306، واستشهد القرطبي بهذا البيت بهذا اللفظ.
انظر 16/ 253، وهو في "اللسان" بلفظ (لحنت لكم (بدل) وحيت لكم).
انظر: "اللسان" (لحن) 13/ 380، وانظر: "الدر المصون" 6/ 157.
(١٧) لعله: حمزة بن الحسن الأصبهاني أبو عبد الله إمام لغوي له مؤلفات حسان توفي حوالي 360 هـ له كتاب "الأمثال السائرة، والأمثال الصادرة في بيوت الشعر".
انظر ترجمته في: "أخبار أصبهان" 1/ 300، "الأعلام" للزركلي 2/ 309، "معجم المؤلفين" 4/ 78.
(١٨) لم أقف عليه عند الزجاجي وانظر: "مقاييس اللغة" (لحن) 5/ 239.
(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 63، "اللسان" (لحن) 13/ 379.
(٢٠) كذا في الأصل ولعل الصواب (كلامهم).
(٢١) هو: سلمة بن عاصم أبو محمد البغدادي النحوي صاحب الفراء، روى القراءة عن أبي الحارث الليث بن خالد وروي القراءة عنه أحمد بن يحيى ثعلب، قال ابن الأنباري: كتاب سلمة في "معاني القرآن للفراء" أجود الكتب لأن سلمة كان عالمًا وكان يراجع الفراء فيما عليه ويرجع عنه، توفي بعد 270 هـ.
انظر: "طبقات النحويين واللغويين" 137، و"إنباه الرواة" 2/ 56، و"غاية النهاية" 1/ 311.
(٢٢) انظر: "كتاب العين" (لحن) 3/ 230، و"معاني القرآن للفراء" 3/ 63.
(٢٣) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب 37 من أقام البينة بعد اليمين 3/ 162، وفي كتاب الحيل، باب 10، 8/ 62، وفي كتاب الأحكام، باب 20 موعظة الإمام للخصوم 8/ 112، وأخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب 3 الحكم بالظاهر واللحن وبالحجة 2/ 112، وأخرجه الترمذي في كتاب الأحكام، باب 11 ما جاء في التشديد على من يقضى له بشيء ليس له أن يأخذه 3/ 233، وفي باب 33 ما يقطع القضاء 8/ 247، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام، باب 5 قضية الحاكم لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً 2/ 719، وأخرجه مالك في الموطأ كتاب الأقضية، باب 1، الترغيب في القضاء بالحق 2/ 719، وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة 2/ 332، وأخرجه أيضًا عن أم سلمة 6/ 203، 6/ 290، 6/ 307، 6/ 308، 6/ 320.
(٢٤) انظر: "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 62 بتصرف.
(٢٥) كذا في الأصل بمد اللام وفي "تهذيب اللغة" الكلبية.
انظر: "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 62، "اللسان" (لحن) 13/ 380، ولم أقف لها على ترجمة.
(٢٦) انظر هذا الشاهد وكلام أبي عبيد الذي قبله في "تهذيب اللغة" (لحن) 5/ 62، "اللسان" (لحن) 13/ 380.
(٢٧) لم أقف عليه.
(٢٨) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 289 ولم ينسبه، والقرطبي ولم ينسبه 16/ 252.
(٢٩) ذكر ابن الجوزي هذا المعنى 7/ 411، والقرطبي 16/ 252 ولم ينسباه.
(٣٠) ذكر ذلك في "الوسيط"، ولم ينسبه، انظر: 4/ 129.
(٣١) انظر: "معاني القرآن للزجاج" 5/ 15.
(٣٢) ذكر هذا القول أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 3/ 246 ولم ينسبه، ونسبه القرطبي في "الجامع" 16/ 253 للكلبي، وذكره في "الوسيط" 4/ 129 ولم ينسبه.
(٣٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 50.
(٣٤) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 166/ 253.
(٣٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 50.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ ﴾ نزلت في المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل: نزلت في قوم من اليهود، كانوا قد عرفوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة ثم كفروا به ﴿ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ أي زيَّن لهم ورجّاهم ومنّاهم و ﴿ وأملى لَهُمْ ﴾ أي مدَّ لهم في الأماني والآمال، والفاعل هو الشيطان وقيل: الله تعالى والأول أظهر، لتناسب الضمير بين الفاعلين، في سوّل وأملى ﴿ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر ﴾ قال ذلك اليهود للمنافقين، وبعض الأمر: يعنون به مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربته ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة ﴾ أي كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة؟
يعني ملك الموت ومن معه، والفاء رابطة للكلام مع ما قبله.
والمعنى: هذا جزعهم من ذكر القتال، فكيف يكون حالهم عند الموت؟
﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ﴾ ضمير الفاعل للملائكة، وقيل: إنه للكفار أي يضربون وجوه أنفسهم وذلك ضعيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.
الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.
الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.
﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.
التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟
فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.
وقيل: هم أهل الكتاب.
والأظهر العموم.
قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.
وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.
وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد لا يرد عليه النسخ أبداً.
وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.
والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.
وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.
وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.
قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.
وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.
وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".
﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.
فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.
وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.
لأن رسول الله منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.
وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.
وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.
وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.
والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.
وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.
قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.
وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.
وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.
وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى .
عن أبي هريرة أن النبي قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.
وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.
ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.
ومعنى الابتلاء من الله قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.
ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.
وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.
وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.
ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.
يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.
عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.
وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.
ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.
ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.
والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.
والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.
ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.
وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.
وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.
وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟
وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.
وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.
والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.
قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.
والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.
فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟
والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.
ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.
وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.
ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.
وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.
ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.
وعن السدي: بين لهم ما يتقون.
وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول .
ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.
ومنه مبعث محمد فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.
وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".
وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟
والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ اختلف في تأويل هذه الآية: قال بعضهم: قوله - -: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ أي: فلعلكم ﴿ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: وليتم أمر هذه الأمة ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ ﴾ قال ابن عباس - -: قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله ، وكان منهم ما ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول الله ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر؛ كقوله - -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ ﴾ .
وقال بعضهم: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج.
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله أعلم.
وقال قتادة: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ ، أي: طواعية الله ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي ﴿ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟!
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله - -: ﴿ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أي: طردهم عن رحمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ...
﴾ الآية.
فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه.
وفيه - أيضاً - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ﴾ أي: على قلوب أقفالها.
ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطي نور البصر ونور السمع.
وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين الله - - كالإضلال المضاف إلى الله - - والمضاف إلى الشيطان، فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 178]، أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى...
﴾ الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...
﴾ الآية [البقرة: 89]، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.
وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله بعدما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ إن كان راجعاً إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ ﴾ فإن كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.
وإن كان قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ فإذا احتمل ذلك الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.
ثم قال بعضهم: الذين كرهوا ما نزل الله هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه.
وقال بعضهم: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على محمد وأصحابه، م.
ثم كراهة نزول ما أنزل الله على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله - -: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ ﴾ ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر الله - - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَٰنَهُ ﴾ لا أحد يقصد قصد اتباع سخط الله، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان الله يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان الله يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله - -: ﴿ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولو نشاء تعريفك -أيها الرسول- المنافقين لعرّفناكهم، فلعرفتهم بعلامتهم، وسوف تعرفهم بأسلوب كلامهم، والله يعلم أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.EWK3J"