تفسير الآية ٣٥ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٣٥ من سورة محمد

فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ ٣٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٥ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٥ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال لعباده المؤمنين : ( فلا تهنوا ) أي : لا تضعفوا عن الأعداء ، ( وتدعوا إلى السلم ) أي : المهادنة والمسالمة ، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم ; ولهذا قال : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ) أي : في حال علوكم على عدوكم ، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين ، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة ، فله أن يفعل ذلك ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صده كفار قريش عن مكة ، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين ، فأجابهم إلى ذلك .

وقوله : ( والله معكم ) فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ، ( ولن يتركم أعمالكم ) أي : ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها ، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) يقول تعالى ذكره: فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين وتجبُنوا عن قتالهم.

كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَلا تَهِنُوا ) قال: لا تضعفوا.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَلا تَهِنُوا ) لا تضعف أنت.

وقوله ( وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) يقول: لا تضعفوا عنهم وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة, وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) يقول: والله معكم بالنصر لكم عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, غير أنهم اختلفوا في معنى قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) فقال بعضهم: معناه: وأنتم أولى بالله منهم.

وقال بعضهم: مثل الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك, وقال معنى قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) أنتم أولى بالله منهم.

حدثني أحمد بن المقدام, قال: ثنا المعتمر, قال: سمعت أبي يحدّث, عن قتادة, في قوله ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) قال: أي لا تكونوا أولى الطائفتين تصرع.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) قال: لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت لصاحبتها, ودعتها إلى الموادعة, وأنتم أولى بالله منهم والله معكم.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ ) قال: لا تكونوا أولى الطائفتين صرعت إلى صاحبتها( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) قال: يقول: وأنتم أولى بالله منهم ذكر من قال معنى قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) : أنتم الغالبون الأعزّ منهم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد, قوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) قال: الغالبون مثل يوم أُحد, تكون عليهم الدائرة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) قال: هذا منسوخ, قال: نسخه القتال والجهاد, يقول: لا تضعف أنت وتدعوهم أنت إلى السلم وأنت الأعلى, قال: وهذا حين كانت العهود والهدنة فيما بينه وبين المشركين قبل أن يكون القتال, يقول: لا تهن فتضعف, فيرى أنك تدعو.

إلى السلم وأنت فوقه, وأعزّ منه ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) أنتم أعزّ منهم, ثم جاء القتال بعد فنسخ هذا أجمع, فأمره بجهادهم والغلظة عليهم.

وقد قيل: عنى بقوله ( وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) وأنتم الغالبون آخر الأمر, وإن غلبوكم في بعض الأوقات, وقهروكم في بعض الحروب.

وقوله ( فَلا تَهِنُوا ) جزم بالنهي, وفي قوله ( وَتَدْعُوا ) وجهان: أحدهما الجزم على العطف على تهنوا, فيكون معنى الكلام: فلا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم, والآخر النصب على الصرف.

وقوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) يقول: ولن يظلمكم أجور أعمالكم فينقصكم ثوابها, من قولهم: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا فأخذت له مالا غصبا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله يقول ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) يقول: لن يظلمكم أجور أعمالكم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) قال: لن ينقصكم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) : أي لن يظلمكم أعمالكم.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, مثله.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) قال: لن يظلمكم, أعمالكم ذلك يتركم.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) قال: لن يظلمكم أعمالكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم .فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فلا تهنوا أي تضعفوا عن القتال .

والوهن : الضعف وقد وهن الإنسان ووهنه غيره ، يتعدى ولا يتعدى .

قال :إنني لست بموهون فقرووهن أيضا ( بالكسر ) وهنا أي : ضعف ، وقرئ ( فما وهنوا ) بضم الهاء وكسرها .

وقد مضى في ( آل عمران ) .الثانية : قوله تعالى : وتدعوا إلى السلم أي الصلح .

وأنتم الأعلون أي وأنتم [ ص: 234 ] أعلم بالله منهم .

وقيل : وأنتم الأعلون في الحجة .

وقيل : المعنى وأنتم الغالبون لأنكم مؤمنون وإن غلبوكم في الظاهر في بعض الأحوال .

وقال قتادة : لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها .الثالثة : واختلف العلماء في حكمها ، فقيل : إنها ناسخة لقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها لأن الله تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح .

وقيل : منسوخة بقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وقيل : هي محكمة .

والآيتان نزلتا في وقتين مختلفي الحال .

وقيل : إن قوله : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها مخصوص في قوم بأعيانهم ، والأخرى عامة .

فلا يجوز مهادنة الكفار إلا عند الضرورة ، وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين .

وقد مضى هذا المعنى مستوفى .والله معكم أي بالنصر والمعونة ، مثل : وإن الله لمع المحسنين ولن يتركم أعمالكم أي لن ينقصكم ، عن ابن عباس وغيره .

ومنه الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه ، تقول منه : وتره يتره وترا وترة .

ومنه قوله - عليه السلام - : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله أي : ذهب بهما .

وكذلك وتره حقه أي : نقصه .

وقوله تعالى : ولن يتركم أعمالكم أي : لن ينتقصكم في أعمالكم ، كما تقول : دخلت البيت ، وأنت تريد في البيت ، قاله الجوهري .

الفراء : ولن يتركم هو مشتق من الوتر وهو الفرد ، فكان المعنى : ولن يفردكم بغير ثواب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلَا تَهِنُوا } أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان.ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، { و } الحال أنكم { أنتم الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ } أي: ينقصكم { أَعْمَالُكُم } فهذه الأمور الثلاثة، كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن كونهم الأعلين، أي: قد توفرت لهم أسباب النصر، ووعدوا من الله بالوعد الصادق، فإن الإنسان، لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددا، وعددا، وقوة داخلية وخارجية.الثاني: أن الله معهم، فإنهم مؤمنون، والله مع المؤمنين، بالعون، والنصر، والتأييد، وذلك موجب لقوة قلوبهم، وإقدامهم على عدوهم.الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، بل سيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، خصوصا عبادة الجهاد، فإن النفقة تضاعف فيه، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده، أوجب له ذلك النشاط، وبذل الجهد فيما يترتب عليه الأجر والثواب، فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فإن ذلك يوجب النشاط التام، فهذا من ترغيب الله لعباده، وتنشيطهم، وتقوية أنفسهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلا تهنوا ) لا تضعفوا ( وتدعوا إلى السلم ) أي لا تدعوا إلى الصلح ابتداء ، منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح ، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا ( وأنتم الأعلون ) الغالبون ، قال الكلبي : آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات ( والله معكم ) بالعون والنصرة ( ولن يتركم أعمالكم ) لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم ، يقال : وتره يتره وترا وترة : إذا نقص حقه ، قال ابن عباس ، وقتادة ، ومقاتل ، والضحاك : لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها .

ثم حض على طلب الآخرة فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلا تهنوا» تضعفوا «وتدعوا إلى السَِّلم» بفتح السين وكسرها، أي الصلح مع الكفار إذا لقيتموهم «وأنتم الأعلوْن» حذف منه واو لام الفعل الأغلبون القاهرون «والله معكم» بالعون والنصر «ولن يَتِركُم» ينقصكم «أعمالكم» أي ثوابها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلا تضعفوا -أيها المؤمنون بالله ورسوله- عن جهاد المشركين، وتجْبُنوا عن قتالهم، وتدعوهم إلى الصلح والمسالمة، وأنتم القاهرون لهم والعالون عليهم، والله تعالى معكم بنصره وتأييده.

وفي ذلك بشارة عظيمة بالنصر والظَّفَر على الأعداء.

ولن يُنْقصكم الله ثواب أعمالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله : ( فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم وَأَنتُمُ الأعلون ) فصيحة ، والخطاب للمؤمنين على سبيل التبشير والتثبيت والحض على مجاهدة المشركين .أى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من أن الله - تعالى - لن يغفر للكافرين .

.

( فَلاَ تَهِنُواْ ) أى : فلا تضعفوا - أيها المؤمنون - أمامهم .

ولا تخافوا من قتالهم .

.

من الوهن بمعنى الضعف ، وفعله وهن بمعنى ضعف ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ) وقوله : ( وتدعوا إِلَى السلم ) معطوف على ( تَهِنُواْ ) داخل فى حيز النهى .أى : فلا تضعفوا عن قتال الكافرين ، ولا تدعوهم إلى الصلح والمسالمة على سبيل الخوف منهم ، وإظهار العجز أمامهم ، فإن ذلك نوع من إعطاء الدنية التى تأباها تعاليم دينكم .وقوله : ( وَأَنتُمُ الأعلون والله مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) جمل حالية .أى : لا تطعفوا ولا تستكينوا لأعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون ، أى : الأكثر قهراً وغلبة لأعدائكم ، والله - تعالى - معكم - بعونه وصنره وتأييده .( وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) أى : ولن ينقصكم شيئا من أجور أعمالكم ، يقال : وَتَرْتُ فلانا حقه - من باب وعد - إذ انقصته حقه ولم تعظه له كاملا ، وترت الرجل ، إذا قتلت له قتيلا ، أو سلبت منه ماله .قالوا : ومحل النهى عن الدعوة إلى صلح الكفار ومسالمتهم ، إذا كان هذا الصلح أو تلك المسالمة تؤدى إلى إذلال المسلمين أو إظهارهم بمظهر الضعيف القابل لشروط أعدائه .

.

أما إذا كانت الدعوة إلى السلم لا تضر بمصلحة المسلمين فلا بأس من قبولها ، عملا بقوله - تعالى - : ( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما بيّن أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبط، وذنبه الذي هو أقبح السيئات غير مغفور، بين أن لا حرمة في الدنيا ولا في الآخرة، وقد أمر الله تعالى بطاعة الرسول بقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول  ﴾ وأمر بالقتال بقوله: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ ﴾ أي لا تضعفوا بعد ما وجد السبب في الجد في الأمر والاجتهاد في الجهاد فقاله ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السلم ﴾ وفي الآيات ترتيب في غاية الحسن، وذلك لأن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يقتضي السعي في القتال لأن أمر الله وأمر الرسول ورد بالجهاد وقد أمروا بالطاعة، فذلك يقتضي أن لا يضعف المكلف ولا يكسل ولا يهن ولا يتهاون، ثم إن بعد المقتضي قد يتحقق مانع ولا يتحقق المسبب، والمانع من القتال إما أخروي وإما دنيوي، فذكر الأخروي وهو أن الكافر لا حرمة له في الدنيا والآخرة، لأنه لا عمل له في الدنيا ولا مغفرة له في الآخرة، فإذا وجد السبب ولم يوجد المانع ينبغي أن يتحقق المسبب، ولم يقدم المانع الدنيوي على قوله: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ ﴾ إشارة إلى أن الأمور الدنيوية لا ينبغي أن تكون مانعة من الإتيان، فلا تهنوا فإن لكم النصر، أو عليكم بالعزيمة على تقدير الاعتزام للهزيمة.

ثم قال تعالى بعد ذلك المانع الدنيوي مع أنه لا ينبغي أن يكون مانعاً ليس بموجود أيضاً حيث أنتم الأعلون والأعلون والمصطفون في الجمع حالة الرفع معلوم الأصل، ومعلوم أن الأمر كيف آل إلى هذه الصيغة في التصريف، وذلك لأن أصله في الجمع الموافق أعليون ومصطفيون فسكنت الياء لكونها حرف علة فتحرك ما قبلها والواو كانت ساكنة فالتقى ساكنان ولم يكن بد من حذف أحدهما أو تحريكه والتحريك كان يوقع في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف، والواو كانت فيه لمعنى لا يستفاد إلا منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي أعلون، وبهذا الدليل صار في الجر أعلين ومصطفين، وقوله تعالى: ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ هداية وإرشاد يمنع الملكف من الإعجاب بنفسه، وذلك لأنه تعالى لما قال: ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ كان ذلك سبب الافتخار فقال: ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ يعني ليس ذلك من أنفسكم بل من الله، أو نقول لما قال: ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ فكان المؤمنون يرون ضعف أنفسهم وقلتهم مع كثرة الكفار وشوكتهم وكان يقع في نفس بعضهم أنهم كيف يكون لهم الغلبة فقال إن الله معكم لا يبقى لكم شك ولا ارتياب في أن الغلبة لكم وهذا كقوله تعالى: ﴿ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم ﴾ وعد آخر وذلك لأن الله لما قال إن الله معكم، كان فيه أن النصرة بالله لا بكم فكان القائل يقول لم يصدر مني عمل له اعتبار فلا أستحق تعظيماً، فقال هو ينصركم ومع ذلك لا ينقص من أعمالكم شيئاً، ويجعل كأن النصرة جعلت بكم ومنكم فكأنكم مستقلون في ذلك ويعطيكم أجر المستبد، والترة النقص، ومنه الموتر كأنه نقص منه ما يشفعه، ويقول عند القتال إن قتل من الكافرين أحد فقد وتروا في أهلهم وعملهم حيث نقص عددهم وضاع عملهم، والمؤمن إن قتل فإنما ينقص من عدده ولم ينقص من عمله، وكيف ولم ينقص من عدده أيضاً، فإنه حي مرزوق، فرح بما هو إليه مسوق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلاَ تَهِنُواْ ﴾ ولا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ (و) لا ﴿ تَدْعُواْ إِلَى السلم ﴾ وقرئ: ﴿ السلم ﴾ وهم المسالمة ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ أي الأغلبون الأقهرون ﴿ والله مَعَكُمْ ﴾ أي ناصركم.

وعن قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة.

وقرئ: ﴿ لا تدّعوا ﴾ من ادّعى القوم وتداعوا: إذا دعوا.

نحو قولك: ارتموا الصيد وتراموه.

وتدعوا: مجزوم لدخوله في حكم النهى.

أو منصوب لإضمار أنْ.

ونحو قوله تعالى: ﴿ وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ ﴾ : قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ الاعلى ﴾ [طه: 68] .

﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ ﴾ من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر وهو الفرد؛ فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» أي أفرد عنهما قتلاً ونهباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ وإنْ صَحَّ نُزُولُهُ في أصْحابِ القَلِيبِ، ويَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَمُتْ عَلى كُفْرِهِ سائِرَ ذُنُوبِهِ.

﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ فَلا تَضْعُفُوا.

﴿ وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ ولا تَدْعُوا إلى الصُّلْحِ خَوْرًا وتَذَلُّلًا، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِإضْمارِ أنْ وقُرِئَ «وَلا تَدَّعُوا» مِنِ ادَّعى بِمَعْنى دَعا، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِكَسْرِ السِّينِ.

﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ الأغْلَبُونَ.

﴿ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ ناصِرُكم.

﴿ وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ ولَنْ يُضِيعَ أعْمالَكُمْ، مَن وتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ مُتَعَلِّقًا بِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ حَمِيمٍ فَأفْرَدْتُهُ مِنهُ مِنَ الوَتْرِ، شُبِّهَ بِهِ تَعْطِيلُ ثَوابِ العَمَلِ وإفْرادُهُ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فلا تهنوا} فلا تضغفوا ولا تذلوا للعدو {وَتَدْعُواْ إِلَى السلم} وبالكسر حمزة وأبو بكر وهما المسالة أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي الاعلبون وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهي {والله مَعَكُمْ} بالنصرة أي ناصركم {وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم} ولن ينقصكم أجر أعمالكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ أيْ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُبْطِلُ أعْمالِهِمْ ومُعاقِبُهم فَهو خاذِلُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلا تُبالُوا بِهِمْ ولا تُظْهِرُوا ضَعْفًا، فالهاءُ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: هي لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ ﴿ وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( تَهِنُوا ) داخِلٌ في حَيِّزِ النَّهْيِ أيْ ولا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ خَوْرًا وإظْهارًا لِلْعَجْزِ فَإنَّ ذَلِكَ إعْطاءُ الدَّنِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ فَيُعْطَفُ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِمّا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ.

واسْتَدَلَّ الكِيا بِهَذا النَّهْيِ عَلى مَنعِ مُهادِنَةِ الكُفّارِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

وعَلى تَحْرِيمِ تَرْكِ الجِهادِ إلّا عِنْدَ العَجْزِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (وتَدَّعُوا) بِتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنِ ادَّعى بِمَعْنى دَعا، وفي الكَشّافِ ذِكْرُ لا في هَذِهِ القِراءَةِ، ولَعَلى ذَلِكَ رِوايَةٌ أُخْرى، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وعِيسى وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (السِّلْمِ) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ أيِ الأغْلَبُونَ، والعُلُوُّ بِمَعْنى الغَلَبَةِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى النَّهْيِ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ أيْ ناصِرُكم فَإنَّ كَوْنَهُمُ الأغْلَبِينَ وكَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ ناصِرَهم مِن أقْوى مُوجِباتِ الِاجْتِنابِ عَمّا يُوهِمُ الذُّلَّ والضَّراعَةَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا جُمْلَتَيْنِ مُسْتَأْنِفَتَيْنِ أخْبَرُوا أوَّلًا أنَّهُمُ الأعْلَوْنَ وهو إخْبارٌ بِمَغِيبٍ أبْرَزَهُ الوُجُودُ ثُمَّ ارْتَقى إلى رُتْبَةٍ أعْلى مِنَ الَّتِي قَبْلَها وهي كَوْنُ اللَّهِ تَعالى مَعَهم ﴿ ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ قالَ: ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، وقِيلَ: ولَنْ يَنْقُصَكُمْ، وقِيلَ: ولَنْ يُضَيِّعَها، وهو كَما قالَ أبُو عُبَيْدٍ.

والمُبَرِّدُ مِن وتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلًا مِن ولَدٍ أوْ أخٍ أوْ حَمِيمٍ أوْ سَلَبْتَهُ مالَهُ وذَهَبْتَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقِيقَتُهُ أفْرَدْتُهُ مِن قَرِيبِهِ أوْ مالِهِ مِنَ الوِتْرِ وهو الفَرْدُ، فَشَبَّهَ إضاعَةَ عَمَلِ العامِلِ وتَعْطِيلَ ثَوابِهِ بِوِتْرِ الواتِرِ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ، وفِيهِ هُنا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ لُطْفِ اللَّهِ تَعالى ما فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ  : «(مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ)».

والظّاهِرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْمِينِ وتِرْتُهُ مَعْنى السَّلْبِ ونَحْوِهِ لِيَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ، وفي الصِّحاحِ أنَّهُ مِنَ التِّرَّةِ وحَمْلُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ جَعَلْتُهُ مُوتُورًا لَمْ يُدْرِكْ ثارَهُ في ذَلِكَ كَأنَّهُ نَقَصَهُ فِيهِ وجَعَلَهُ نَظِيرَ دَخَلْتُ البَيْتَ أيْ فِيهِ وهو سَدِيدٌ أيْضًا.

وجَوَّزَ بَعْضُهم (يَتِرُ) هاهُنا مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ ( وأعْمالَكم ) بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ أيْ لَنْ يَتِرَ أعْمالَكم مِن ثَوابِها والجُمْلَةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( مَعَكم ) وهي وإنْ لَمْ تَقَعْ حالًا اسْتِقْلالًا لِتَصْدِيرِها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ المُنافِي لِلْحالِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: المانِعُ مِن وُقُوعِ المُصَدَّرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ حالًا مُخالَفَتُهُ لِلسَّماعِ وإلّا فَلا مانِعَ مِن كَوْنِها حالًا مُقَدَّرَةً مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (لَنْ) لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ، والظّاهِرُ أنَّ المانِعِينَ بَنَوُا المَنعَ عَلى المُنافاةِ وإنَّها إذا زالَتْ بِاعْتِبارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ فَلا مَنعَ لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الحالَ المَقْصُودَ مِنها بَيانُ الهَيْئَةِ غَيْرُ الحالِ الَّذِي هو أحَدُ الأزْمِنَةِ، والمُنافاةُ إنَّما هي بَيْنَ هَذا الحالِ والِاسْتِقْبالِ.

وهَذا نَظِيرُ ما قالَ مُجَوِّزُو مَجِيءَ الجُمْلَةِ الماضِيَةِ حالًا بِدُونٍ قَدْ، وما لِذَلِكَ وما عَلَيْهِ في كُتُبِ النَّحْوِ، وإذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ قَبْلُ مُسْتَأْنَفَةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في العَطْفِ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني: أفلا يسمعون القرآن، ويعتبرون به، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه، من وعد ووعيد، وكثرة عجائبه، حتى يعلموا أنه من الله تعالى، وتقدس.

أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها يعني: بل على قلوب أقفالها.

يعني: أقفل على قلوبهم ومعناه: أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ يعني: رجعوا إلى الشرك مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يعني: من بعد ما ظهر لهم الإسلام.

قال قتادة: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبيّ  ، وكفروا به.

ويقال: نزلت في المرتدين.

ثم قال عز وجل: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني: زين لهم ترك الهدى، وزين لهم الضلالة.

وَأَمْلى لَهُمْ ذلِكَ قرأ أبو عمرو: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وفتح الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

والباقون وَأَمْلى بنصب اللام، والألف.

يعني: أمهل الله لهم، فلم يعاقبهم حين كذبوا محمدا  .

ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان، وأملى لهم الشيطان.

يعني: خيل لهم تطويل المدة، والبقاء.

وقرأ يعقوب الحضرمي: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وسكون الياء.

ومعناه: أنا أملي يعني: أطول لهم المدة كما قال: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ثم قال ذلك: يعني: اللعن، والصمم، والعمى، والتزين، والإملاء.

بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ وهم المنافقون، قالوا ليهود بني قريظة والنضير وهم الذين كرهوا ما نزل الله.

يعني: تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن، سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ يعني: سنغنيكم في بعض الأمر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فيما قالوا فيما بينهم.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص: إِسْرارَهُمْ بكسر الألف.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ: بالنصب.

فهو جمع السر.

ومن قرأ: بالكسر، فهو مصدر أسررت إسراراً.

ويقال: سر وأسرار.

ثم خوفهم فقال الله تعالى: فَكَيْفَ يعني: كيف يصنعون إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني: تقبض أرواحهم الملائكة، ملك الموت، وأعوانه، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ يعني: عند قبض الأرواح.

ويقال: يعني: يوم القيامة في النار.

ذلِكَ أي: ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت، وفي النار.

بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ يعني: اتبعوا الكفر، وتكذيب محمد  .

وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يعني: عملوا بما لم يرض الله به، وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى.

فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب أعمالهم.

قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: أيظن أهل النفاق، والشك، أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ يعني: لم يظهر الله نفاقهم.

ويقال: يعني: الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين، وعداوتهم للنبي  .

وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ يعني: لعرفتك المنافقين، وأعلمتك، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني: بعلاماتهم الخبيثة.

ويقال: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ إذا رأيتهم.

ويقال: لو نشاء، لجعلنا على المنافقين علامة، فلعرفتهم بسيماهم.

يعني: حتى عرفتهم.

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: في محاورة الكلام.

ويقال: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: كذبهم إذا تكلموا، فلم يخف على النبيّ  بعد نزول هذه الآية، منافق عنده إلا عرفه بكلامه.

ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ يعني: لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها، فكيف يخفى عليه إذا عملتموها.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني: لنختبرنكم عند القتال حَتَّى نَعْلَمَ أي: نميز الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ يعني: صبر الصابرين عند القتال وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ يعني: نختبر أعمالكم.

ويقال: أسراركم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلَيَبْلُونَّكُم حَتَّى يَعْلَمَ وَيَبْلُوَا الثلاثة كلها بالياء.

يعني: يختبركم الله.

والباقون الثلاثة كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا وَصَدُّوا يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل: يعني: اليهود.

وقال الكلبي: يعني: رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد وَشَاقُّوا الرَّسُولَ يعني: عادوا الله تعالى، ورسوله، وخالفوا رسول الله  في الدين مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى يعني: الإسلام، وأمر النبي  أنه الحق لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يعني: لن ينقصوا الله من ملكه شيئاً بكفرهم، بل يضروا بأنفسهم وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ يعني: يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في الدنيا، فلا يقبلها منهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ  .

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ  ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿ فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ.

وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ: مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿ حَتّى نَعْلَمَ ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ «أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا  ﴾ ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهِ لَهُمْ ﴾ ﴿ فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ مِنَ العَرَبِ؛ وذَلِكَ «أنَّهم أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : نَحْنُ قَدْ آثَرْناكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِينا، كَأنَّهم مَنُّوا بِذَلِكَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا  ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَإنْ كانَ هَذا فالإبْطالُ الَّذِي نُهُوا عنهُ لَيْسَ بِمَعْنى الإفْسادِ التامِّ؛ لِأنَّ الإفْسادَ التامَّ لا يَكُونُ إلّا بِالكُفْرِ، وإلّا فالحَسَناتُ لا تُبْطِلُها المَعاصِي، وإنْ كانَتِ الآيَةُ عامَّةً عَلى ظاهِرِها نَهْيُ الناسِ عن إبْطالِ أعْمالِهِمْ، فالإبْطالُ هو الإفْسادُ التامُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ حاتِمًا كانَتْ لَهُ أفْعالُ بِرٍّ، فَما حالُهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "هُوَ في النارِ"، فَبَكى عَدِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ووَلّى، فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ  فَقالَ لَهُ: "أبِي وأبُوكَ وأبُو إبْراهِيمَ خَلِيلُ الرَحْمَنِ في النارِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ ما تَناوَلَتْهُ الصِفَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ مَعْناهُ: فَلا تَضْعُفُوا، وهو مِن "وَهَنَ الرَجُلُ" إذا ضَعُفَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَتَدْعُوا إلى السَلْمِ"، ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "وَتَدَّعُوا إلى السَلْمِ" بِالتَشْدِيدِ في الدالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "السَلَمِ" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "السِلْمِ" بِكَسْرِ السِينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وهو بِمَعْنى المُسالَمَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِكَسْرِ السِينِ: إنَّهُ بِمَعْنى الإسْلامِ، أيْ: فَلا تَهِنُوا وتَكُونُوا داعِينَ إلى الإسْلامِ فَقَطْ دُونَ مُقاتِلِينَ بِسَبَبِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَكُونُوا أوَّلَ الطائِفَتَيْنِ ضَرِعَتْ لِلْأُخْرى، وهَذا حَسَنٌ مُلْتَئِمٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا تَهِنُوا وأنْتُمْ في هَذِهِ الحالِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ إخْبارًا مَقْطُوعًا، أخْبَرَهم فِيهِ بِمَغِيبٍ أبْرَزَهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، و[الأعْلَوْنَ] مَعْناهُ: الغالِبُونَ والظاهِرُونَ، ويَذْهَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلُهُ ومالُهُ"،» أيْ: ذَهَبَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَغَلُّبِ والقَهْرِ، والمَعْنى: لَنْ يَتِرَكم ثَوابَ أعْمالِكم أو جَزاءَها واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوِتْرِ الَّذِي هو الذَحْلُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ الوِتْرِ الَّذِي هو الفَرْدُ، والمَعْنى: لَنْ يُفْرِدَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، والأوَّلُ أصَحُّ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأصْحابُهُ: يَظْلِمُكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع على ما تقرر في نفوس المؤمنين من خذل الله تعالى المشركين بما أخبر به من أنه أضل أعمالهم وقدّر لهم التعس، وبما ضرب لهم من مصائر أمثالهم من الذين من قبلهم دمرهم الله وأهلكهم ولم يجدوا ناصراً، وما وعد به المؤمنين من النصر عليهم وما أمرهم به من قتالهم وبتكلفه للمؤمنين بالولاية وما وعدهم من الجزاء في دارالخلد وبما أتبع ذلك من وصف كَيْد فريق المنافقين للمؤمنين وتعهدهم بإعانة المشركين، وذلك مما يوجس منه المؤمنون خيفة إذ يعلمون أن أعداء لهم منبثون بين ظهرانيهم.

فعلى ذلك كله فرع نهيهم عن الوهن وعن الميل إلى الدعة ووعدهم بأنهم المنتصرون وأن الله مؤيدهم.

ويجوز أن يجعل التفريع على أقرب الأخبار المتقدمة وهو قوله: ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ﴾ [محمد: 31].

وهذا النهي عن الوهن وعن الدعاء إلى السَّلْم تحذير من أمر توفرت أسباب حصوله متهيئة للإقدام على الحرب عند الأمر بها وليس نهياً عن وهن حصل لهم ولا عن دعائهم إلى السلم لأن هذه السورة نزلت بعد غزوة بدر وقبل غزوة أُحُد في مدة لم يكن فيها قتال بين المسلمين والمشركين ولكن التحذير من أن يستوهنهم المنافقون عند توجه أمر القتال فيقولوا: لو سالمنا القوم مدة حتى نستعيد عُدتنا ونسترجع قوتنا بعد يوم بدر، وقد كان أبو سفيان ومن معه من المشركين لما رجعوا إلى مكة مفلولين بعد وقعة بدر، يتربصُون بالمسلمين فرصة يقاتلونهم فيها لِما ضايقهم من تعرض المسلمين لهم في طريق تجارتهم إلى الشام مثل ما وقع في غزوة السويق، وغزوة ذي قَرَد، فلما كان في المدينة منافقون وكان عند أهل مكة رجال من أهل يثرب خرجوا منها مع أبي عامر الضبغي الملقب في الجاهلية بالراهب والذي غيّر النبي صلى الله عليه وسلم لقبَه فلقبه الفاسق.

كان من المتوقع أن يكيد للمسلمين أعداؤهم من أهل يثرب فيظاهِروا عليهم المشركين متسترين بعلة طلب السلم فحذرهم الله من أن يقعوا في هذه الحبالة.

والوهن: الضعف والعَجز، وهو هنا مجاز في طلب الدعة.

ومعناه: النهي عن إسلام أنفسهم لخواطر الضعف، والعمل بهذا النهي يكون باستحضار مساوي تلك الخواطر فإن الخواطر الشريرة إذا لم تقاومها همة الإنسان دبّت في نفسه رُويداً رُويداً حتى تتمكن منها فتصبح ملكةً وسجيّة.

فالمعنى: ادفعوا عن أنفسكم خواطر الوهن واجتنبوا مظاهره، وأوَّلُها الدعاءُ إلى السلم وهو المقصود بالنهي.

والنهي عن الوهن يقتضي أنهم لم يكونوا يومئذٍ في حال وهَن.

وعُطف ﴿ وتَدعوا ﴾ على ﴿ تهنوا ﴾ فهو معمول لِحرف النهي، والمعنى: ولا تدعوا إلى السلم وهو عطف خاص على عام من وجهٍ لأن الدعاء إلى السلم مع المقدرة من طلب الدعة لغير مصلحة.

وإنما خص بالذكر لئلا يظن أن فيه مصلحة استبقاء النفوس والعُدة بالاستراحة من عُدوان العدوّ على المسلمين، فإن المشركين يومئذٍ كانوا متكالبين على المسلمين، فربما ظن المسلمون أنهم إن تداعوا معهم للسلم أمِنوا منهم، وجعلوا ذلك فرصة لينشُوا الدعوة فعرفّهم الله أن ذلك يعود عليهم بالمضرة لأنه يحط من شوكتهم في نظر المشركين فيحسبونهم طلبوا السلم عن ضعف فيزيدهم ذلك ضراوة عليهم وتستخف بهم قبائل العرب بعد أن أخذوا من قلوبهم مكان الحرمة وتوقِع البأس.

ولهذا المقصد الدقيق جمع بين النهي عن الوهن والدعاء إلى السلم وأُتبع بقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ .

فتحصل مما تقرر أن الدعاء إلى السلم المنهي عنه هو طلب المسالمة من العدّو في حال قدرة المسلمين وخوف العدوّ منهم، فهو سلم مقيد بكون المسلمين داعين له وبكونه عن وهن في حال قوة.

قال قتادة: أي لا تكونوا أول الطائفتين ضَرعت إلى صاحبتها.

فهذا لا ينافي السلم المأذون فيه بقوله: ﴿ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ﴾ في سورة الأنفال (61)، فإنه سلم طلبه العدو، فليست هذه الآية ناسخة لآية الأنفال ولا العكس ولكل حالة خاصة، ومقيّد بكون المسلمين في حالة قوة ومنعة وعِدّة وعُدّة بحيث يدعون إلى السلم رغبة في الدعَة.

فإذا كان للمسلمين مصلحة في السلم أو كان أخفّ ضرًّا عليهم فلهم أن يبتدئوا إذا احتاجوا إليه وأن يجيبوا إليه إذا دعُوا إليه.

وقد صالح النبي المشركين يوم الحديبية لمصلحة ظهرت فيما بعد، وصالح المسلمون في غزوهم أفريقية أهلها وانكفأوا راجعين إلى مصر.

وقال عمر بن الخطاب في كلام له مع بعض أمراء الجيش فقد آثرتُ سلامة المسلمين.

وأما الصلح على بعض الأرض مع فتحها فذلك لا ينافي قوة الفاتحين كما صالح أمراء أبي بكر نصف أهل دمشق وكما صالح أمراء عمر أهل سود العراق وكانوا أعلم بما فيه صلاحهم.

وقرأ الجمهور إلى السَّلم } بفتح السين.

وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة بكسر السين وهما لغتان.

وجملة ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ عطف على النهي عطف الخبر على الإنشاء، والخبر مستعمل في الوعد.

والأعلون: مبالغة في العلوّ.

وهو هنا بمعنى الغلبة والنصر كقوله تعالى لموسى: ﴿ إنك أنت الأعلى ﴾ [طه: 68]، أي والله جاعلكم غالبين.

و ﴿ الله معكم ﴾ عطف على الوعد.

والمعية معية الرعاية والكلاءة، أي والله حافظكم وراعيكم فلا يجعل الكافرين عليكم سبيلاً.

والمعنى: وأنتم الغالبون بعناية الله ونصره.

وصيغ كل من جملتي ﴿ أنتم الأعلون والله معكم ﴾ جملة اسمية للدلالة على ثبات الغلب لهم وثبات عناية الله بهم.

وقوله: ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ وعد بتسديد الأعمال ونجاحها عكس قوله في أول السورة ﴿ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم ﴾ [محمد: 1] فكني عن توفيق الأعمال ونجاحها بعدم وترها، أي نقصها للعلم بأنه إذا كان لا ينقصها فبالحري أن لا يبطلها، أي أن لا يخيبها، وهو ما تقدم من قوله: ﴿ والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضلّ أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ﴾ [محمد: 4، 5].

يقال: وتره يتره وَتْراً وتِرَة كوعد، إذا نقصه، وفي حديث «الموطأ» " من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهلَه ومالَه " ويجوز أيضاً أن يراد منه صريحه، أي ينقصكم ثوابكم على أعمالكم، أي الجهاد المستفاد من قوله ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ﴾ فيفيد التحريض على الجهاد بالوعد بأجره كاملاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أطِيعُوا اللَّهَ بِتَوْحِيدِهِ، وأطِيعُوا الرَّسُولَ بِتَصْدِيقِهِ.

الثّانِي: أطِيعُوا اللَّهَ في حُرْمَةِ الرَّسُولِ، وأطِيعُوا الرَّسُولَ في تَعْظِيمِ اللَّهِ.

﴿ وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُبْطِلُوا حَسَناتِكم بِالمَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لا تُبْطِلُوها بِالكَبائِرِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّالِثُ: لا تُبْطِلُوها بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأخْلِصُوها لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَنْ يُنْقِصَكم أعْمالَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ وقُطْرُبٌ.

وَأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ إنْ تَتِرَنِي مِنَ الإجارَةِ شَيْئًا لا يَفُتْنِي عَلى الصِّراطِ بِحَقِّي الثّانِي: لَنْ يَظْلِمَكم، قالَهُ قَتادَةُ، يَعْنِي أُجُورَ أعْمالِكم.

الثّالِثُ: ولا يَسْتَلِبَكم أعْمالَكم، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « (مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ قال: أعمالهم.

خبثهم والحسد الذي في قلوبهم، ثم دل الله النبي صلى الله عليه وسلم بعد على المنافقين، فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ قال: ببغضهم علي بن أبي طالب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم علي بن أبي طالب.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ﴾ الآية فقال: اللهم عافنا واسترنا ولا تبل أخبارنا.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أو ليبلونكم ﴾ بالياء ﴿ حتى يعلم ﴾ بالياء ﴿ ويبلو ﴾ بالياء ونصب الواو والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم قال للمسلمين: ﴿ فَلَا تَهِنُوا ﴾ فلا تضعفوا، قاله الجميع (١) ﴿ وَتَدْعُوا ﴾ في محل الجزم بالعطف على ما قبله (٢) قوله: ﴿ إِلَى السَّلْمِ ﴾ وقرئ بفتح السين (٣) (٤) قال ابن حيان: ولا تبدؤا فتدعوا إلى الصلح (٥) قال أبو إسحاق: منع الله المسلمين أن يدعوا الكافرين إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا (٦) وقال أبو علي: المعنى: لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم؛ لأنكم الأعلون فلا ضعف بكم فتدعوا إلى الموادعة (٧) (٨) وقال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات (٩) وقال الزجاج: وأنتم الأعلون في الحجة (١٠) قوله: ﴿ وَاللهُ مَعَكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد على عدوكم، وقال مقاتل وغيره: والله معكم بالنصر (١١) ﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ قال الكسائي: لن ينقصكم، يقال: وتره يتره وِتْرًا ووَتْرًا ووترة، ونحو هذا قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج (١٢) (١٣) قال الزجاج: أي لن ينقصكم شيئاً من ثوابكم (١٤) وقال الفراء: هو من وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلاً، وأخذت ماله فقد وترته (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 247، و"تفسير البغوي" 7/ 290، و"زاد المسير" 7/ 413، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 255.

(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 192، و"الدر المصون" 6/ 158.

(٣) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 198.

(٤) ذكر ذلك الثعلبي في تفسيره 10/ 13 أ، والقرطبي في "الجامع" 16/ 156.

(٥) ذكر معنى ذلك مقاتل في "تفسيره" 4/ 53.

(٦) انظر: "معاني القرآن للزجاج" 5/ 16.

(٧) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 199.

(٨) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد.

انظر: "تفسيره" 13/ 63، و"تفسير مجاهد" ص 605، و"تفسير مقاتل" 4/ 53، و"تفسير البغوي" ولم ينسبه 7/ 290.

(٩) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 290، وانظر: "تنوير المقباس" ص 510.

(١٠) انظر: "معاني القرآن للزجاج" 5/ 16.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 53، و"البغوي" 7/ 290، و"زاد المسير" 7/ 514.

(١٢) انظر: "مجاز القرآن لأبي عبيدة" 2/ 216، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 16، و"معاني القرآن" للنحاس 6/ 486، و"تفسير الطبري" 13/ 64، و"تفسير غريب القرآن لابن قتيبة" ص 411.

(١٣) أخرجه البخاري عن ابن عمر بلفظ: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" كتاب المواقيت، باب أثم من فاتته العصر 1/ 138، وأخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب التغليظ في تفويت صلاة العصر 1/ 435، وأخرجه مالك في "الموطأ"، كتاب وقوت الصلاة، باب 5، 1/ 11، 12 (١٤) انظر: "معاني القرآن للزجاج" 5/ 16.

(١٥) انظر: "معاني القرآن للفراء" 3/ 64.

(١٦) ذكر ذلك الأزهري في "تهذيب اللغة" (وتر) 14/ 314، وانظر: "اللسان" (وتر) 5/ 247.

(١٧) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة 13/ 64، وذكره الماوردي في "تفسيره" ونسبه لمجاهد وقتادة 5/ 306، ونسبه البغوي لابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك 7/ 290.

(١٨) ذكر ذلك البغوي 7/ 290، ولم ينسبه، ونسبه في "الوسيط" 4/ 130 لابن حيان.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم ﴾ أي لا تضعفوا عن مقاتلة الكفار وتبتدئوهم بالصلح، هو كقوله: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ﴾ [الأنفال: 61] ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ أي لن ينقصكم أجور أعمالكم، يقال: وترت الرجال أتره إذا نقصته شيئاً، أو أذهبت له متاعاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ أي: حسب المنافقون أن لن يظهر الله عداوتهم، وأن لن يبدي الله ما في قلوبهم من العداوة؛ جعل الله - جل وعلا - في إظهار ما أسر أهل النفاق وإبداء ما أخفوه فيما بينهم - آية عظيمة، ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولو نشاء لأريناكهم بسيماهم بالنظر إليهم بالبديهة، ولتعرفنهم - أيضاً - في لحن القول؛ أي: لو نشاء لجعلنا لهم أعلاماً في الوجه والقول لتعرفنهم، ولكن لم نجعل لهم، ولكن جعل معرفتهم بأعمال يعملون فيظهر نفاقهم بذلك - والله أعلم - كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ...

﴾ الآية [محمد: 20]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما كان يظهر نفاقهم وخلافهم بالأعمال التي كانوا يعملون؛ فدلت هذه الآيات على أنه كان لا يعرفهم بالسيماء والنطق والقول والأجسام، وإنما يعرفهم بأفعال كانوا يفعلونها، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: فحوى الكلام، فكان يعرفهم رسول الله  إذا تكلموا؛ فيخرج على هذا التأويل.

وقوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ على الوعد؛ أي: تعرفهم في حادث الوقت، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: يقال: رجل ألحن بحججه، ويقال: لحن يلحن - إذا أخطأ - لحناً، فهو لاحن؛ كأنه من العدول والميل عن الحق.

وقال القتبي: ﴿ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: في فحوى كلامهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: والله يعلم ما تسرون من الأعمال وتخفونها.

والثاني: على الجملة؛ أي: يعلم جميع أعمالهم: ما أسروا وأعلنوا؛ يخرج على الوعيد، كقوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه؛ كقوله -  -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ ، ونحوه، فالمراد منه أولياؤه على أحد التأويلات، والله أعلم.

والثاني: يكون المراد بالعلم: المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة؛ كقول الناس: الصلاة أمر الله: أي: مأمور الله، وكقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ أي: الموقن به، وقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ  ﴾ أي: بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير.

والثالث: أي: يعلم كائناً ما قد علمه أنه سيكون؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو بعلم ما سيكون بعلمه كائناً، أو بعلم ما قد كان بعلمه أنه يكون كائناً، ولكن يوصف بما قد علمه كائناً أنه علمه كائناً، أو يعلم ما علم أنه سيكون أنه يكون؛ لأنه يوجب الجهل، ويكون التغير في ذلك المعلوم لا في علمه، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ﴾ أي: ونبلو في أخباركم التي أخبرتم عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ابتلوا في تلك الأخبار التي أخبروا عن أنفسهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكونوا ابتلوا في قولهم الذي قالوا لو أعطوا بلسانهم؛ حيث قالوا: آمنا؛ كقوله -  -: ﴿ الۤـمۤ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  ﴾ فتنوا فيما قالوا وأخبروا؛ أي: ابتلوا، فالفتنة والمحنة والابتلاء والبلاء واحد، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ﴾ أي: نظهر نفاقكم للمسلمين؛ إذ كان الله -  - عالماً قبل أن يبلوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ أي: كفروا بنعم الله؛ من الكفران.

أو كفروا بتوحيد الله.

وقوله: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَصَدُّواْ ﴾ أي: أعرضوا بأنفسهم عن دين الله.

ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ ﴾ أي: صرفوا الناس عن دين الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ أي: عادوه وعاندوه ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ يحتمل: لن يضروا الله بكفرانهم نعمه أو كفرهم بوحدانية الله -  - ومعناه - والله أعلم -: أنه ليس يأمر بما يأمر أو ينهى عما ينهى لدفع مضرة عن نفسه، أو لجر منفعة إلى نفسه، ولكن يأمر وينهى لحاجة أنفس أولئك ولمنافعهم، فهم بتركهم اتباع أمره والانتهاء عن نهيه، ضروا أنفسهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد من قوله ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ أي: لن يضروا أولياء الله بما كفروا وصدوهم عن سبيله؛ بل ضروا أنفسهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ أي: إن تنصروا أولياء الله ينصركم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .

يحتمل حبط الأعمال بالارتداد بعد الإيمان، وإحداث الكفر بعد الإسلام.

ويحتمل أعمالهم التي كانت لهم بالإيمان قبل بعثه  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلا تضعفوا -أيها المؤمنون- عن مواجهة عدوّكم، وتدعوهم إلى الصلح قبل أن يدعوكم إليه، وأنتم القاهرون الغالبون لهم، والله معكم بنصره وتأييده، ولن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا، بل يزيدكم منًّا منه وتفضلًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.p3w2d"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله