الآية ٣٤ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٣٤ من سورة محمد

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 46 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) ، كقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الذين أنكروا توحيد الله, وصدوا من أراد الإيمان بالله وبرسوله عن ذلك, ففتنوهم عنه, وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك, ثم ماتوا وهم كفار: يقول: ثم ماتوا وهم على ذلك من كفرهم ( فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) يقول: فلن يعفو الله عما صنع من ذلك, ولكنه يعاقبه عليه, ويفضحه به على رءوس الأشهاد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بين أن الاعتبار بالوفاة على الكفر يوجب الخلود في النار .وقد مضى في " البقرة " الكلام فيه .وقيل : إن المراد بالآية أصحاب القليب .وحكمها عام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآية والتي في البقرة قوله: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } مقيدتان، لكل نص مطلق، فيه إحباط العمل بالكفر، فإنه مقيد بالموت عليه، فقال هنا: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر { وَصَدُّوا } الخلق { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } بتزهيدهم إياهم بالحق، ودعوتهم إلى الباطل، وتزيينه، { ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ } لم يتوبوا منه، { فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } لا بشفاعة ولا بغيرها، لأنه قد تحتم عليهم العقاب، وفاتهم الثواب، ووجب عليهم الخلود في النار، وسدت عليهم رحمة الرحيم الغفار.ومفهوم الآية الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، ويدخلهم الجنة، ولو كانوا مفنين أعمارهم في الكفر به والصد عن سبيله، والإقدام على معاصيه، فسبحان من فتح لعباده أبواب الرحمة، ولم يغلقها عن أحد، ما دام حيا متمكنا من التوبة.وسبحان الحليم، الذي لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يعافيهم، ويرزقهم، كأنهم ما عصوه مع قدرته عليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) قيل : هم أصحاب القليب .

وحكمها عام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله» طريقه وهو الهدى «ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم» نزلت في أصحاب القليب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين جحدوا أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له وصدُّوا الناس عن دينه، ثم ماتوا على ذلك، فلن يغفر الله لهم، وسيعذبهم عقابًا لهم على كفرهم، ويفضحهم على رؤوس الأشهاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين استمروا على كفرهم حتى ماتوا عليه فقال : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ ) بالله - تعالى - ، وبكل ما يجب الإِيمان به .( وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ) أى : ومنعوا غيرهم عن الطريق التى توصلهم إلى طاعة الله ورضاه .

( ثُمَّ مَاتُواْ ) جميعا ، ( وَهُمْ كُفَّارٌ ) دون أن يقلعوا عن كفرهم .( فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ) شيئا من ذنوبهم ، لأن استمرارهم على الكفر حال بينهم وبين المغفرة .ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً وَلَوِ افتدى بِهِ أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

بيّن أن الله لا يغفر الشرك وما دون ذلك يغفره إن شاء حتى لا يظن ظان أن أعمالهم وإن بطلت لكن فضل الله باق يغفر لهم بفضله، وإن لم يغفر لهم بعملهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ وإنْ صَحَّ نُزُولُهُ في أصْحابِ القَلِيبِ، ويَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَمُتْ عَلى كُفْرِهِ سائِرَ ذُنُوبِهِ.

﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ فَلا تَضْعُفُوا.

﴿ وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ ولا تَدْعُوا إلى الصُّلْحِ خَوْرًا وتَذَلُّلًا، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِإضْمارِ أنْ وقُرِئَ «وَلا تَدَّعُوا» مِنِ ادَّعى بِمَعْنى دَعا، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ بِكَسْرِ السِّينِ.

﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ الأغْلَبُونَ.

﴿ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ ناصِرُكم.

﴿ وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ ولَنْ يُضِيعَ أعْمالَكُمْ، مَن وتَرْتُ الرَّجُلَ إذا قَتَلْتَ مُتَعَلِّقًا بِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ حَمِيمٍ فَأفْرَدْتُهُ مِنهُ مِنَ الوَتْرِ، شُبِّهَ بِهِ تَعْطِيلُ ثَوابِ العَمَلِ وإفْرادُهُ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} قيل هم أصحاب القليب والظاهر العموم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ امْتَنَعُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ أوْ صَدُّوا النّاسَ عَنْهُ ﴿ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ القَلِيبِ كَما قِيلَ، وحُكْمُها عامٌّ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في كُلِّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لَهُ فَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ العُمُومَ مَعَ تَخْصِيصِ الكُفْرِ بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ مَحَلُّ نَظَرٍ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ الأجِلَّةِ أنَّ العُمُومَ لِأنَّ مَدارَ عَدَمِ المَغْفِرَةِ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ حَسْبَما يُشْعِرُ اعْتِبارُهُ قَيْدًا في الكَلامِ فَتَدَبَّرْ.

واسْتَدَلَّ بِمَفْهُومِ الآيَةِ بَعْضُ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَمُتْ عَلى كُفْرِهِ سائِرَ ذُنُوبِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني: أطيعوه في السر، كما في العلانية.

ويقال: أَطِيعُوا اللَّهَ في الفرائض وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في السنن، وفيما يأمركم من الجهاد وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ يعني: حسناتكم بالرياء.

وقال أبو العالية: كان أصحاب النبي  يرون أنه لا يضر مع قول لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فخافوا أن تبطل الذنوب الأعمال.

وقال مقاتل: نزلت في الذين يمنون عليك أن أسلموا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل: وذلك أن رجلاً سأله عن والده أنه كان محسناً في كفره، قال: هو في النار.

فولى الرجل يبكي، فدعاه، فقال له: «والدك ووالدي ووالد إبراهيم في النار» .

فنزل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال الكلبي: نزلت الآية في رؤساء أهل بدر.

قوله تعالى: فَلا تَهِنُوا يعني: لا تضعفوا عن عدوكم وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ يعني: إلى الصلح.

أي: لا تهنوا، ولا تدعوا إلى الصلح نظير.

قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة: 42] يعني: ولا تكتموا الحق!

وفي هذه الآية دليل على أن أيدي المسلمين، إذا كانت عالية على المشركين، لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يجيبوهم إلى الصلح، لأن فيه ترك الجهاد.

وإن لم تكن يدهم عالية عليهم، فلا بأس بالصلح لقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: 61] يعني: إن مالوا للصلح فمل إليه.

قرأ حمزة في رواية أبي بكر: إلى السلم بكسر السين.

والباقون: بالنصب.

قال بعضهم: وهما لغتان.

وقال بعضهم: أحدهما صلح، والآخر استسلام.

ثم قال: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني: العالين يكون آخر الأمر لكم وَاللَّهُ مَعَكُمْ يعني: معينكم، وناصركم، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ يعني: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً.

يقال: وترتني حقي يعني: بخستني فيه.

وقال مجاهد: لن ينقصكم.

وقال قتادة: لن يظلمكم.

إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني: باطل، وفرح.

وَإِنْ تُؤْمِنُوا أي: تستقيموا على التوحيد وَتَتَّقُوا النفاق يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ يعني: يعطكم ثواب أعمالكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ يعني: لا يسألكم جميع أموالكم، ولكن ما فضل منها إِنْ يَسْئَلْكُمُوها يعني: جميع الأموال فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا يعني: إن يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم.

ويقال: فَيُحْفِكُمْ يعني: يجهدكم كثرة المسألة تَبْخَلُوا بالدفع وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ يعني: يظهر بغضكم، وعدواتكم لله تعالى، ولرسوله  وللمؤمنين.

ويقال: ويخرج ما في قلوبكم من حب المال.

يقول: هذا للمسلمين.

ويقال: هذا للمنافقين.

يعني: يظهر نفاقكم.

وقال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان.

قوله عز وجل: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ قرأ نافع، وأبو عمرو ها أَنْتُمْ بمدة طويلة، بغير همز.

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي.

بالمد، والهمز، فَهَا تنبيه، وأنتم كلمة على حدة، وإنما مد ليفصل ألف هاء من ألف أنتم.

وقرأ ابن كثير: بالهمز بغير مد ومعناه: أَأَنتم.

ثم قلبت إحدى الهمزتين هاء.

ومعنى هذه القراءات كلها أنتم يا معشر المؤمنين تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: لتتصدقوا في سبيل الله، وتعينوا الضعفاء.

فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله وَمَنْ يَبْخَلْ بالنفقة فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: لا يكون له ثواب النفقة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عما عندكم من الأموال، وعن أعمالكم.

وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ما عند الله من الثواب، والرحمة، والمغفرة.

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يعني: تعرضوا عما أمركم الله به من الصدقة، وغير ذلك مما افترض الله عليكم من حق.

يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ يعني: يهلككم، ويأت بخير منكم، وأطوع لله تعالى منكم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ يعني: أشباهكم في معصية الله تعالى.

قال بعضهم: لم يتولوا، ولم يستبدل بهم.

وقال بعضهم: استبدل بهم أناس من كندا وغيرها.

وروى أبو هريرة قال: لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله  من هؤلاء الذين، إِنْ تولينا استبدلوا بِنَا؟

قال: وَعنده سلمان.

فوضع النبي  يده عليه، ثم قال: «هذا وَقَوْمُهُ» ، ثم قال: «لَوْ كَانَ الإِيمَانُ مُعَلَّقاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَاِرس» وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ  .

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ  ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿ فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ.

وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ: مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿ حَتّى نَعْلَمَ ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ «أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا  ﴾ ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهِ لَهُمْ ﴾ ﴿ فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ مِنَ العَرَبِ؛ وذَلِكَ «أنَّهم أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : نَحْنُ قَدْ آثَرْناكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِينا، كَأنَّهم مَنُّوا بِذَلِكَ، فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا  ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَإنْ كانَ هَذا فالإبْطالُ الَّذِي نُهُوا عنهُ لَيْسَ بِمَعْنى الإفْسادِ التامِّ؛ لِأنَّ الإفْسادَ التامَّ لا يَكُونُ إلّا بِالكُفْرِ، وإلّا فالحَسَناتُ لا تُبْطِلُها المَعاصِي، وإنْ كانَتِ الآيَةُ عامَّةً عَلى ظاهِرِها نَهْيُ الناسِ عن إبْطالِ أعْمالِهِمْ، فالإبْطالُ هو الإفْسادُ التامُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ حاتِمًا كانَتْ لَهُ أفْعالُ بِرٍّ، فَما حالُهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "هُوَ في النارِ"، فَبَكى عَدِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ووَلّى، فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ  فَقالَ لَهُ: "أبِي وأبُوكَ وأبُو إبْراهِيمَ خَلِيلُ الرَحْمَنِ في النارِ"، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ ما تَناوَلَتْهُ الصِفَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ مَعْناهُ: فَلا تَضْعُفُوا، وهو مِن "وَهَنَ الرَجُلُ" إذا ضَعُفَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَتَدْعُوا إلى السَلْمِ"، ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "وَتَدَّعُوا إلى السَلْمِ" بِالتَشْدِيدِ في الدالِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "السَلَمِ" بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "السِلْمِ" بِكَسْرِ السِينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وهو بِمَعْنى المُسالَمَةِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِكَسْرِ السِينِ: إنَّهُ بِمَعْنى الإسْلامِ، أيْ: فَلا تَهِنُوا وتَكُونُوا داعِينَ إلى الإسْلامِ فَقَطْ دُونَ مُقاتِلِينَ بِسَبَبِهِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَكُونُوا أوَّلَ الطائِفَتَيْنِ ضَرِعَتْ لِلْأُخْرى، وهَذا حَسَنٌ مُلْتَئِمٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا تَهِنُوا وأنْتُمْ في هَذِهِ الحالِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ إخْبارًا مَقْطُوعًا، أخْبَرَهم فِيهِ بِمَغِيبٍ أبْرَزَهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، و[الأعْلَوْنَ] مَعْناهُ: الغالِبُونَ والظاهِرُونَ، ويَذْهَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلُهُ ومالُهُ"،» أيْ: ذَهَبَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَغَلُّبِ والقَهْرِ، والمَعْنى: لَنْ يَتِرَكم ثَوابَ أعْمالِكم أو جَزاءَها واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوِتْرِ الَّذِي هو الذَحْلُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ الوِتْرِ الَّذِي هو الفَرْدُ، والمَعْنى: لَنْ يُفْرِدَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، والأوَّلُ أصَحُّ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأصْحابُهُ: يَظْلِمُكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآية تكملة لآية ﴿ إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول ﴾ [محمد: 32] الخ لأن تلك مسوقة لعدم الاكتراث بمشاقّهم ولبيان أن الله مبطل صنائعهم وهذه مسوقة لبيان عدم انتفاعهم لمغفرة الله إذ ماتوا على ما هم عليه من الكفر فهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

واقتران خبر الموصول بالفاء إيماء إلى أنه أشرف معنى الشرط فلا يراد به ذو صلة معيّن بل المراد كل من تحققت فيه ماهية الصلة وهي الكفر والموت على الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أطِيعُوا اللَّهَ بِتَوْحِيدِهِ، وأطِيعُوا الرَّسُولَ بِتَصْدِيقِهِ.

الثّانِي: أطِيعُوا اللَّهَ في حُرْمَةِ الرَّسُولِ، وأطِيعُوا الرَّسُولَ في تَعْظِيمِ اللَّهِ.

﴿ وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تُبْطِلُوا حَسَناتِكم بِالمَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: لا تُبْطِلُوها بِالكَبائِرِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّالِثُ: لا تُبْطِلُوها بِالرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأخْلِصُوها لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَنْ يُنْقِصَكم أعْمالَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ وقُطْرُبٌ.

وَأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ إنْ تَتِرَنِي مِنَ الإجارَةِ شَيْئًا لا يَفُتْنِي عَلى الصِّراطِ بِحَقِّي الثّانِي: لَنْ يَظْلِمَكم، قالَهُ قَتادَةُ، يَعْنِي أُجُورَ أعْمالِكم.

الثّالِثُ: ولا يَسْتَلِبَكم أعْمالَكم، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « (مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: من استطاع منكم أن لا يبطل عملاً صالحاً بعمل سوء فليفعل ولا قوّة إلا بالله فإن الخير ينسخ الشر، فإنما ملاك الأعمال خواتيمها.

وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع من الشرك عمل حتى نزلت ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم.

وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟

فقال: الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: هلك، حتى نزلت هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ﴾ يقول: ولا تكونوا أول الطائفتين صرعت صاحبتها ودعتها إلى الموادعة، وأنتم أولى بالله منهم ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ يقول: لن يظلمكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلا تهنوا ﴾ قال: لا تضعفوا ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ قال: الغالبون ﴿ ولن يتركم ﴾ قال: لن ينقصكم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتركم ﴾ قال: يظلمكم.

وأخرج الخطيب عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ﴾ قال: محمد بن المنتشر منتصبة السين.

وأخرج أبو نصر السجزي في الإِنابة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان النبي صل الله عليه وسلم يقرأ هؤلاء الأحرف ﴿ ادخلوا في السلم ﴾ [ البقرة: 208] ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ [ الأنفال: 61] ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ بنصب السين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن يسألكموها ﴾ قال: علم الله في مسألة الأموال خروج الأضغان.

قوله تعالى: ﴿ وإن تتولوا ﴾ الآية.

أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ قيل: من هؤلاء وسلمان رضي الله عنه إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هم الفرس وهذا وقومه» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ فقالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: «هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ الآية فسئل من هم، قال: «فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ قال: من شاء.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ﴾ هذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر الله له، وقد أجمع المسلمون على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وتقطعوا ﴾ بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب.

والآخرون: بالتشديد من التقطيع ﴿ وأملى لهم ﴾ مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب ﴿ وأملى ﴾ مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس.

الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل ﴿ إسرارهم ﴾ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ وليبلونكم حتى يعلم ﴾ ﴿ ويبلوا ﴾ بالياءات: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بالنون في الكل.

وقرأ يعقوب ﴿ ونبلو ﴾ بالنون مرفوعاً ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد.

الوقوف: ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ ومثواكم ﴾ ه ﴿ نزلت سورة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ القتال ﴾ لا ﴿ الموت ﴾ ط للابتداء بالدعاء عليهم ﴿ لهم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء ﴿ معروف ﴾ قف ﴿ الأمر ﴾ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ﴿ خيراً لهم ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أرحامكم ﴾ ه ﴿ أبصارهم ﴾ ه ﴿ أقفالها ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن الجملة بعده خبر "إن" ﴿ سوّل لهم ﴾ ط لأن فاعل ﴿ وأملى ﴾ ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم.

والحال على قراءة ﴿ وأملى ﴾ بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي.

ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأمر ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها ﴿ إسرارهم ﴾ ه ﴿ وأدبارهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أضغانهم ﴾ ه ﴿ بسيماهم ﴾ ط للابتداء بما هو جواب القسم ﴿ القول ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ والصابرين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ونبلو ﴾ بسكون الواو أي ونحن نبلو ﴿ أخباركم ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ إلى السلم ﴾ قف قد قيل: على أن قوله ﴿ وأنتم ﴾ مبتدأ، وجعله حالاً أولى ﴿ الأعلون ﴾ قف كذلك ﴿ أعمالكم ﴾ ه قف ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ أموالكم ﴾ ه ﴿ أضغانكم ﴾ ه ﴿ سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ من يبخل ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ الفقراء ﴾ ه للشرط مع العطف ﴿ غيركم ﴾ لا للعطف ﴿ أمثالكم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه  : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك.

أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً.

أو أراد فاذكر لا إله إلا الله.

والهاء في ﴿ أنه ﴾ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.

عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية.

وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.

والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.

وفي الآية نكتة وهي أن النبي  له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة.

ثم قال ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر.

وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل.

وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة.

وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار.

والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية.

ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم ﴿ لولا نزلت ﴾ سورة في باب القتال ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين.

قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ.

قوله ﴿ فأولى لهم ﴾ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره.

هذه عبارة كثير من المفسرين.

وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك.

أي قاربت العطب ثم نجوت.

وهو في الفرقان على معنى التحذير.

وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.

وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على ﴿ لهم ﴾ كما أشير إليه في الوقف.

واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال.

ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره.

ثم حثهم على الامتثال بقوله ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله ﴿ طاعة معروفة  ﴾ ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.

﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال.

ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله ﴿ فهل عسيتم ﴾ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  ﴾ فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس ﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي  بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله  بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية.

ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ بعدهم عن رحمته.

ثم بين نتيجة اللعن قائلاً ﴿ فأصمهم ﴾ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات.

قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن.

وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم.

قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي.

فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.

سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ ؟

وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة.

قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها.

وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ.

ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال ﴿ إن الذين ارتدوا ﴾ الآية.

﴿ ذلك ﴾ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ﴿ فكيف ﴾ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.

وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ﴿ ذلك ﴾ الإذلال والإهانة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله.

وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين.

وإنما قال ﴿ ما أسخط الله ﴾ ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء.

ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله ﴿ أم حسب ﴾ وهي منقطعة.

والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة.

وإخراج الإضغان إبرازها للرسول  وللمؤمنين كما قال ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ أي لو شئنا أريناك أماراتهم ﴿ فلعرفتهم ﴾ كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم.

عن أنس أنه ما خفي على رسول الله  بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق".

ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة  ﴾ ﴿ إن بيوتنا عورة  ﴾ أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ ﴿ ومنهم من عاهد الله  ﴾ وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته.

وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.

وقال الكلبي: لحن القول كذبه.

ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله  إلا عرفه.

وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ﴿ ولنبلونكم ﴾ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.

﴿ ونبلو أخباركم ﴾ التي تحكي عنكم كقولكم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر  ﴾ أو عهودكم كقوله ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار  ﴾ أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله ﴿ والمرجفون في المدينة  ﴾ عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.

ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول  أو إطعامهم.

ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى.

عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي  يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.

وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.

ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي  عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره.

وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.

﴿ فلا تهنوا ﴾ لا تضعفوا ولا تجبنوا ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح.

ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الغالبون المستولون عليهم ﴿ والله معكم ﴾ بالنصرة والكلاءة ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله.

وفي الحديث " "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" " وهو من فصيح الكلام.

ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه  إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد.

وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه.

وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه.

والقول هو الأوّل لقوله ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً ﴿ تبخلوا ويخرج ﴾ الإحفاء أو الله  على طريق التسبب ﴿ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.

ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون.

ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به.

وقيل: ﴿ هؤلاء ﴾ موصول صلته ﴿ تدعون ﴾ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران".

ثم قبح أمر البخل بقوله ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه.

قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه.

وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير.

نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً.

ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب.

ثم هددهم بقوله ﴿ وإن تتولوا ﴾ وهو معطوف على ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ ومعنى ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم.

وقيل: في جميع الأحوال.

وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم.

قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله  سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: أطيعوا الله في الجهاد، ولا تبطلوا حسناتكم بالرياء والسمعة.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ .

ويحتمل: ولا تبطلوا أعمالكم بالارتداد والكفر بعد الإيمان.

ويحتمل: أي: لا تبطلوا أعمالكم بالمن على الله، أو على الرسول في الإسلام؛ أي: تسلمون ممتنون على الله أو على رسوله؛ كقوله -  -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ...

﴾ الآية [الحجرات: 17].

وقال قتادة: ولا تبطلوا أعمالكم بالرياء، وقال: فمن استطاع منكم ألا يبطل عملا صالحاً بعمل شر فليفعل؛ إن الشر ينسخ الخير، وإنما ملاك العمل بخواتيمه، فمن استطاع أن يختم بخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله.

وعن عبد الله بن عمر -  ما - قال: ما كنا معشر أصحاب محمد  نرى شيئاً يبطل أعمالنا حتى نزلت هذه الآية، فعلمنا ما الذي يبطل أعمالنا؟!

الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا على ذلك حتى أنزل الله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

﴾ الآية [النساء: 48، 116]، فلما نزلت هذه الآية كففنا عن هذا القول.

وجائز أن يكون قوله -  -: ﴿ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ قال: هذا ليكونوا أبداً على اليقظة والحذر؛ لئلا تبطل أعمالهم من حيث لا يشعرون؛ كقوله: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ .

وفي حرف أبي -  -: ﴿ ولا تبطلوا إيمانكم ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ تأويلها ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ ﴾ أي: لا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح، كذلك قال القتبي.

وقال أبو عوسجة: السلم - بكسر السين -: الصلح، ولا أعرف بفتح السين هاهنا له معنى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ أي: وأنتم الغالبون.

فيه النهي عن الدعاء إلى الصلح إذا كانوا هم الأعلون؛ أعني: أهل الإسلام.

ثم قوله -  -: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأعلون بالحجج والبراهين في كل وقت.

ويحتمل: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ بالقهر والغلبة في العاقبة؛ أي: آخر الأمر لكم.

ويحتمل ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ في الدنيا والآخرة؛ لأنهم وإن غلبوا في الدنيا وقتلوا كانت لهم الآخرة، وإن ظفروا بهم كانت لهم الدنيا والأموال.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ أي: وأنتم أولى بالله منهم، وهو ما ذكرنا في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ في النصر والغلبة.

ويحتمل معكم في الوعد الذي وعد؛ أي: ينجز ما وعد لكم في الدنيا ويفي بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم أي: لن يجعل الله للكافرين عليكم مظلمة ولا تبعة، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ أي: لن ينقصكم أعمالكم، وكذا قال أبو عوسجة؛ يقال: وتره: أي: نقصه.

وقال بعضهم: لن يظلمكم أعمالكم؛ يقال: وترني حقي، أي: بخسنيه، كذلك قال القتبي: ولكن كلاهما واحد في المعنى، أي: لا ينقص من أعمالهم شيئا، ولا يظلمون فيها، ولا يبخسون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أي: حياة الدنيا على ما عندهم وعلى ما يقدرون لعب ولهو؛ لأنهم كانوا يقولون أن لا بعث ولا حياة فعلى ما عندهم تكون حياة الدنيا على ما ذكر من اللهو.

ويحتمل أنه سماها: لهواً ولعبا؛ لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع والفناء، لا لتكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة؛ وإنشاء الشيء للانقطاع والفناء خاصة بلا عاقبة تقصد يكون لعباً ولهواً، ثم اللعب واللهو يجوز أن يكونا شيئاً واحداً، ويجوز أن يكون أحدهما ما يستمتع بظاهر الأشياء، والآخر ما يستمتع بباطن الأشياء: اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء، واللهو هو ما يتلهى ببواطنها، والله وأعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ﴾ أي: وإن تؤمنوا بما أمرتم الإيمان [به] وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره - ﴿ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ﴾ : جعل الله - عز وجل - بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجراً؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم الله -  - حيث أسدى عليهم النعم ابتداء، لكنه جعل لأعمالهم أجراً كأنهم يعملون له ابتداء، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في الحقيقة، وإليه ترجع منافع أعمالهم، ولأن أنفسهم وأموالهم - في الحقيقة - لله -  - فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم؟

وهذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك، وأن ليس له ذلك، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله -  - فضلا منه وكرماً، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم، وإنما يسألكم من ماله يستمتعوا بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخراً لأنفسكم غير ﴿ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ ، أي: لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها.

والثاني: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ﴾ أي: ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم ﴿ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ ﴾ أي: لو يسألكم جميع أموالكم، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق، فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلماذا بخلتم وتركتم الإنفاق؟!

وقوله: ﴿ فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ يخرج من وجوه: أحدها: أي: يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال.

ويحتمل ﴿ فَيُحْفِكُمْ ﴾ أي: يجعلكم حفاة لا شيء يبقى عندكم: الإحفاء: أن يأخذ كل شيء عنده، وهو من الاستئصال، ومنه إحفاء الشوارب.

وقال أبو عوسجة: الإحفاء: شدة المسألة؛ أي: إن يلح عليكم فيما يوجبه في أموالكم تبخلوا؛ يقال: أحفى في المسألة وألحف وألح واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴾ أي: لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم ومن أموالكم حقيقة يظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم من الضغائن للرسل، عليهم السلام.

فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين؛ فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار نفاقهم وضغائنهم وعداوتهم، فكان كالأمر بالقتال؛ كان سبباً لإظهار نفاقهم.

وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك؛ تحريضاً لهم على الإنفاق والتصدق، أي: إنه سبب إخراج الضغائن والعداوة؛ لما فيه من التحبب والتودد بإيصال ما هو محبوب إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: هأنتم يا هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، أي: في إظهار دين الله، أو في طاعة الله، أو في الجهاد؛ لأن الإنفاق في ذلك كله في سبيل الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ جعل الله - عز وجل -: الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا فيما أمرهم الله -  - بالإنفاق في طاعته عند ذلك تصير تلك الأموال لهم؛ لأنهم إذا أنفقوا فيما أمر الله -  - انتفعوا بها في الدنيا، واستمتعت أنفسهم وتلذذت، وانتفعوا بها - أيضاً - في الآخرة وقت حاجتهم وفقرهم بذلك تتحقق وتحصل لهم تلك الأموال، فأما عند تركهم الإنفاق فيما أمروا بالإنفاق والبذل فلا تتحقق لهم تلك الأموال المجعولة في أيديهم؛ لأنه إما أن تجعل لوارثهم أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل لهم بذلك نفع يحصل لهم، فيكون ما ذكرنا، فذلك تأويل قوله -  -: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ - والله أعلم - لما يهلك نفسه بترك الإنفاق منه ولم يتمتع ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ﴾ عن الصدقة والإنفاق في طاعة الله، ﴿ وَمَن يَبْخَلْ ﴾ بالصدقة في طاعة الله ﴿ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ بالجزاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ أي: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ ﴾ عن إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق، ﴿ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ إلى ما تنفقون؛ أي: أنتم المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به، لا أنه ترجع منفعة ذلك إليه، أو يأمر لحاجة نفسه، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يوماً، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون يقول: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ ﴾ عنكم وعما في أيديكم، ﴿ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ إليه في كل وقت، وكل ساعة، في جميع أحوالكم وأوقاتكم؛ كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ ﴾ عن أموالكم، ﴿ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ إلى مغفرته ورزقه وجنته ورحمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ﴾ .

قال بعضهم: قد تولوا، وهم أهل مكة، واستبدل قوماً غيرهم وهم أهل المدينة، لكن هذا بعيد؛ لأن السورة مدنية؛ فلا يحتمل الخطاب بها لأهل مكة بقوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ .

ومنهم من يقول: الله - عز وجل - أخبر ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولوا استبدل غيرهم أطوع منهم لله -  - فلا تولوا هؤلاء ولا استبدل غيرهم.

وقال بعضهم: هو على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً ﴾ ، أي: [لم] تتولوا ولم يستبدل قوماً غيركم.

والوجه الآخر: قد تولوا واستبدل بهم النخع، وأحمس، وناس من كندة، والذين تولوا حنظلة وأسد، وغطفان، وبنو فلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ﴾ أي: لا يكون أمثالكم في الطاعة لله -  - بل أطوع له وأخضع، والله أعلم.

"وذكر أن رسول الله  سئل عن قوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ فضرب بيده على فخذ سلمان الفارسي، وقال: والذي نفسي بيده، لو كان الدين منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس" وقال رسول الله  : "رأيت غيما سوداء، ردفها غيم بيض، فاختلطت بها فتعقب بهن جميعاً قالوا: يا رسول الله، فما أولت؟

قال: العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم، قالوا: العجم يا رسول الله؟!

قال: نعم، لو كان الإيمان معلقاً بالثريا، لناله رجال من العجم، وأسعدهم به أهل فارس" فإن ثبت هذا الخبر، فجائز أن يستدل به على جعل العجم أكفاء العرب؛ لأنه قال: "يشركونكم في أنسابكم" فإذا أشركوهم في أنسابهم صاروا أكفاء لهم.

ويحتمل أن يكون قوله: "يشركونكم في أنسابكم" ؛ لأنهم يسبونهم، فيلدون منهم أولاداً فيشتركون فيما ذكر، والله أعلم.

وعن أبي هريرة -  - أنه قال: "تلا رسول الله  هذه الآية: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ﴾ ، قالوا: ومن يستبدل قوماً؟

قال: فضرب رسول الله  على منكب سلمان، ثم قال: هذا وقومه هذا" ، وقال في حديث آخر: "والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا، لناله رجال من فارس" ، والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين كفروا بالله، وصرفوا أنفسهم وصرفوا الناس عن دين الله، ثم ماتوا على كفرهم قبل التوبة -فلن يتجاوز الله عن ذنوبهم بسترها، بل سيؤاخذهم بها، ويدخلهم النار خالدين فيها أبدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.aJ4jo"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر