الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٣٨ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 82 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٨ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقوله : ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ) أي : لا يجيب إلى ذلك ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) أي : إنما نقص نفسه من الأجر ، وإنما يعود وبال ذلك عليه ، ( والله الغني ) أي : عن كل ما سواه ، وكل شيء فقير إليه دائما ; ولهذا قال : ( وأنتم الفقراء ) أي : بالذات إليه .
فوصفه بالغنى وصف لازم له ، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم ، [ أي ] لا ينفكون عنه .
وقوله : ( وإن تتولوا ) أي : عن طاعته واتباع شرعه ( يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) أي : ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره .
وقال ابن أبي حاتم ، وابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني مسلم بن خالد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ، قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ؟
قال : فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال : " هذا وقومه ، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس " تفرد به مسلم بن خالد الزنجي ، ورواه عنه غير واحد ، وقد تكلم فيه بعض الأئمة ، والله أعلم .
آخر تفسير سورة القتال .
القول في تأويل قوله تعالى : هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ( هاأنْتُمْ ) أيها الناس ( هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول: تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونُصرة دينه ( فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ) بالنفقة فيه, وأدخلت " ها " في موضعين, لأن العرب إذا أرادت التقريب جعلت المكنّى بين " ها " وبين " ذا ", فقالت: ها أنت ذا قائما, لأن التقريب جواب الكلام, فربما أعادت " ها " مع " ذا ", وربما اجتزأت بالأولى, وقد حُذفت الثانية, ولا يقدّمون أنتم قبل " ها ", لأن ها جواب فلا تقرب بها بعد الكلمة.
وقال بعض نحويي البصرة: جعل التنبيه في موضعين للتوكيد.
وقوله ( وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ) يقول تعالى ذكره: ومن يبخل بالنفقة في سبيل الله, فإنما يبخل عن بخل نفسه, لأن نفسه لو كانت جوادا لم تبخل بالنفقة في سبيل الله, ولكن كانت تجود بها( وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ) يقول تعالى ذكره: ولا حاجة لله أيها الناس إلى أموالكم ولا نفقاتكم, لأنه الغنيّ عن خلقه والخلق الفقراء إليه, وأنتم من خلقه, فأنتم الفقراء إليه, وإنما حضكم على النفقة في سبيله, ليُكسبكم بذلك الجزيل من ثوابه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ) قال: ليس بالله تعالى ذكره إليكم حاجة وأنتم أحوج إليه.
وقوله تعالى ذكره: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) يقول تعالى ذكره: وإن تتولوا أيها الناس عن هذا الدين الذي جاءكم.
به محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فترتدّوا راجعين عنه ( يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) يقول: يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين غيركم بدلا منكم يصدّقون به, ويعملون بشرائعه ( ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) يقول: ثم لا يبخلوا بما أُمروا به من النفقة في سبيل الله, ولا يضيعون شيئا من حدود دينهم, ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يُؤمرون به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي أستبدل قوما غيركم.
قادر والله ربنا على ذلك على أن يهلكهم, ويأتي من بعدهم من هو خير منهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) قال: إن تولوا عن طاعة الله.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) (3) .
وذُكر أنه عنى بقوله ( يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) : العجم من عجم فارس.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بزيع البغدادي أبو سعيد, قال: ثنا إسحاق بن منصور, عن مسلم بن خالد, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: " لما نـزلت ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) كان سلمان إلى جنب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين إن تولينا استبدلوا بنا, قال: فضرب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على منكب سلمان, فقال: من هذا وقومه, والذي نفسي بيده لَوْ أنَّ الدّينَ تَعَلَّقَ بالثُّرَيَّا لَنالَتْهُ رِجالٌ من أهْل فارِس ".
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني مسلم بن خالد, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة " أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تلا هذه الآية ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولَّينا استبدلوا بنا, ثم لا يكونوا أمثالنا, فضرب على فخذ سلمان قال: هَذَا وَقَوْمُهُ, وَلَوْ كانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتنَاولَهُ رِجالٌ مِنَ الفُرْسِ" .
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذيّ, قال: ثنا عبد الله بن الوليد العَدَني, قال: ثنا مسلم بن خالد, عن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة, قال: " نـزلت هذه الآية وسلمان الفارسيّ إلي جنب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تحكّ ركبته ركبته ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) قالوا: يا رسول الله ومن الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا, قال: فضرب فخذ سلمان ثم قال: هَذَا وَقَوْمُهُ".
وقال: مجاهد في ذلك ما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ) من شاء.
وقال آخرون: هم أهل اليمن.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عوف الطائيّ, قال: ثنا أبو المغيرة, قال: ثنا صفوان بن عمرو, قال: ثنا راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جُبير وشريح بن عبيد, في قوله ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) قال: أهل اليمن.
آخر تفسير سورة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .
------------------------ الهوامش: (3) لم يأت بالتأويل هنا ، اكتفاء بدلالة ما قبله عليه ، لأن الرواية في الحديثين عن يونس بن عبد الأعلى .
قوله تعالى : هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .قوله تعالى : هاأنتم هؤلاء تدعون أي ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون تدعون لتنفقوا في سبيل الله أي في الجهاد وطريق الخير .
فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه أي على نفسه ، أي : يمنعها الأجر والثواب .
والله الغني أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم .
وأنتم الفقراء إليها .
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم أي أطوع لله منكم .
روى الترمذي عن أبى هريرة قال : تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم قالوا : ومن يستبدل بنا ؟
قال : فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على منكب سلمان ثم قال : [ هذا وقومه .
هذا وقومه ] قال : حديث غريب في إسناده مقال .
وقد روى عبد الله بن [ ص: 236 ] جعفر بن نجيح والد علي بن المديني أيضا هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال أنس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله ، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا ثم لا يكونوا أمثالنا ؟
قال : وكان سلمان جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذ سلمان ، قال : [ هذا وأصحابه .
والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس ] .
وقال الحسن : هم العجم .
وقال عكرمة : هم فارس والروم .
قال المحاسبي : فلا أحد بعد العربي من جميع أجناس الأعاجم أحسن دينا ، ولا كانت العلماء منهم إلا الفرس .
وقيل : إنهم اليمن ، وهم الأنصار ، قاله شريح بن عبيد .
وكذا قال ابن عباس : هم الأنصار .
وعنه أنهم الملائكة .
وعنه هم التابعون .
وقال مجاهد : إنهم من شاء من سائر الناس .
ثم لا يكونوا قال الطبري : أي : في البخل بالإنفاق في سبيل الله .
وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : [ هي أحب إلي من الدنيا ] .
والله أعلم .ختمت السورة بحمد الله وعونه ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه الأطهار .
أنكم { تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } على هذا الوجه، الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية.{ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ } أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة عاجلة؟
أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك.ثم قال: { وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ } لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا.فإن الله هو { الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } تحتاجون إليه في جميع أوقاتكم، لجميع أموركم.{ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا } عن الإيمان بالله، وامتثال ما يأمركم به { يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } في التولي، بل يطيعون الله ورسوله، ويحبون الله ورسوله، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } تم تفسير سورة القتال، والحمد لله رب العالمين.
( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) يعني إخراج ما فرض الله عليكم ( فمنكم من يبخل ) بما فرض عليه من الزكاة ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني ) عن صدقاتكم وطاعتكم ( وأنتم الفقراء ) إليه وإلى ما عنده من الخير .
( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم .
قال الكلبي : هم كندة والنخع ، وقال الحسن : هم العجم ، وقال عكرمة : فارس والروم .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر ، حدثنا إسحاق النجيبي المصري المعروف بابن النحاس ، أخبرنا أبو الطيب الحسن بن محمد الرياش ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا مسلم بن خالد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " ، قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا ؟
فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال : " هذا وقومه ، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس " .
«ها أنتم» يا «هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله» ما فرض عليكم «فمنكم من يبخل ومن يبخلْ فإنما يبخل عن نفسه» يقال بخل عليه وعنه «والله الغني» عن نفقتكم «وأنتم الفقراء» إليه «وإن تتولوا» عن طاعته «يستبدل قوما غيركم» أي يجعلهم بدلكم «ثم لا يكونوا أمثالكم» في التولي عن طاعته بل مطيعين له عز وجل.
ها أنتم -أيها المؤمنون- تُدْعَون إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونصرة دينه، فمنكم مَن يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله، ومَن يَبْخَلْ فإنما يبخل عن نفسه، والله تعالى هو الغنيُّ عنكم وأنتم الفقراء إليه، وإن تتولوا عن الإيمان بالله وامتثال أمره يهلكُّم، ويأت بقوم آخرين، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن أمر الله، بل يطيعونه ويطيعون رسوله، ويجاهدون في سبيله بأموالهم وأنفسهم.
ثم تختتم السورة الكريمة بالدعوة إلى الإِنفاق فى سبيل الله فقال : ( هَا أَنتُمْ هؤلاء ) - أيها المؤمنون - ( تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ) أى : فى وجوه الخير التى على رأسها الجهاد فى سبيل إعلاء كلمة الله ، ونصرة دينه .( فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ) أى : فمنكم - أيها المخاطبون - من يبخل بماله عن الإِنفاق فى وجوه الخير ( وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ) أى : ومن يبخل فإنما يبخل عن داعى نفسه لا عن داعى ربه ، أو فإنما يبخل على نفسه .
يقال : بخل عليه وعنه - كفرح وكرم - بمعنى ، لأن البخل فيه معنى المنع والإِمساك ومعنى التضييق على مُنِع عنه المعروف ، فعدى بلفظ ( عَن ) نظرا للمعنى الأول ، ولفظ ( على ) نظرا للمعنى الثانى :( والله ) - تعالى - هو ( الغني وَأَنتُمُ الفقرآء ) إليه ، لاحتياجكم إلى عونه احتياجا تاما ، ( وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ) أى : وإن تعرضوا عن هذا الإِرشاد الحكيم .( يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) أى : يخلق بدلكم قوما آخرين .( ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) أى : ثم لا يكونوا أمثالكم فى الإِعراض عن الخير ، وفى البخل بما آتاهم الله من فضله .والمتأمل فى هذه الآية يراها قد اشتملت على أسمى ألوان الدعوة إلى الإِيمان والسخاء ، والنهى عن الجحود والبخل .وبعد فهذا تفسير وسيط لسورة محمد - صلى الله عليه وسلم - نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
(يعني) قد طلبت منكم اليسير فبخلتم فكيف لو طلبت منكم الكل وقوله: ﴿ هؤلاء ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون موصولة كأنه قال: أنتم هؤلاء الذين تدعون لتنفقوا في سبيل الله وثانيهما: ﴿ هؤلاء ﴾ وحدها خبر ﴿ أَنتُمْ ﴾ كما يقال أنت هذا تحقيقاً للشهرة والظهور أي ظهر أثركم بحيث لا حاجة إلى الإخبار عنكم بأمر مغاير ثم يبتدئ ﴿ تَدْعُونَ ﴾ وقوله: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ أي إلى الإنفاق إما في سبيل الله تعالى بالجهاد، وإما في صرفه إلى المستحقين من إخوانكم، وبالجملة ففي الجهتين تخذيل الأعداء ونصرة الأولياء ﴿ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ﴾ ، ثم بيّن أن ذلك البخل ضرر عائد إليه فلا تظنوا أنهم لا ينفقونه على غيرهم بل لا ينفقونه على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن الدواء وهو مريض فلا يبخل إلا على نفسه، ثم حقق ذلك بقوله: ﴿ والله الغني ﴾ غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله: ﴿ وَأَنتُمُ الفقراء ﴾ حتى لا تقولوا إنا أيضاً أغنياء عن القتال، ودفع حاجة الفقراء فإنهم لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلأنه لولا القتال لقتلوا، فإن الكافر إن يغز يغز، والمحتاج إن لم يدفع حاجته يقصده، لا سيما أباح الشارع للمضطر ذلك، وأما في الآخرة فظاهر فكيف لا يكون فقيراً وهو موقوف مسؤول يوم لا ينفع مال ولا بنون.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم ﴾ بيان الترتيب من وجهين: أحدهما: أنه ذكره بياناً للاستغناء، كما قال تعالى: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وقد ذكر أن هذا تقرير بعد التسليم، كأنه تعالى يقول: الله غني عن العالم بأسره فلا حاجة له إليكم.
فإن كان ذاهب يذهب إلى أن ملكه بالعالم وجبروته يظهر به وعظمته بعباده، فنقول هب أن هذا الباطل حق لكنكم غير متعينين له، بل الله قادر على أن يخلق خلقاً غيركم يفتخرون بعبادته، وعالماً غير هذا يشهد بعظمته وكبريائه وثانيهما: أنه تعالى لما بيّن الأمور وأقام عليها البراهين وأوضحها بالأمثلة قال إن أطعتم فلكم أجوركم وزيادة وإن تتولوا لم يبق لكم إلا الإهلاك فإن ما من نبي أنذر قومه وأصروا على تكذيبه إلا وقد حق عليهم القول بالإهلاك وطهر الله الأرض منهم وأتى بقوم آخرين طاهرين، وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم ﴾ فيه مسألة نحوية يتبين منها فوائد عزيزة وهي: أن النحاة قالوا: يجوز في المعطوف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم، الجزم والرفع جميعاً، قال الله تعالى هاهنا ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم ﴾ بالجزم، وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ بالرفع بإثبات النون وهو مع الجواز، ففيه تدقيق: وهو أن هاهنا لا يكون متعلقاً بالتولي لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين، كون من يأتي بهم مطيعين، وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلم يكن للتعليق هناك وجه فرفع بالابتداء، وهاهنا جزم للتعليق.
وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم ﴾ في الوصف ولا في الجنس وهو لائق الوجه الثاني: وفيه وجوه: أحدها: قوم من العجم ثانيها: قوم من فارس روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يستبدل بهم إن تولوا وسلمان إلى جنبه فقال: هذا وقومه ثم قال: لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لناله رجال من فارس.
وثالثها: قوم من الأنصار، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وعترته وآل بيته أجمعين وسلم تسليماً كثيراً آمين.
﴿ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم ﴿ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أمْوَالَكُمْ ﴾ أي ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر، ثم قال: ﴿ إِن يَسْألْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ ﴾ أي يجهدكم ويطلبه كله، والإحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح.
وأحفى شاربه: إذا استأصله ﴿ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، والضمير في ﴿ يُخْرِجَ ﴾ لله عز وجل، أي يضغنكم بطلب أموالكم.
أو للبخل؛ لأنه سبب الاضطغان، وقرئ ﴿ تخرج ﴾ بالنون.
ويخرج، بالياء والتاء مع فتحهما ورفع أضغانكم ﴿ هؤلاءآء ﴾ موصول بمعنى الذين صلته ﴿ تُدْعَوْنَ ﴾ أي أنتم الذين تدعون.
أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا: وما وصفنا؟
فقيل: تدعون ﴿ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ قيل: هي النفقة في الغزو.
وقيل: الزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به، ثم قال: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ ﴾ بالصدقة وأداء الفريضة.
فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما ﴿ يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ يقال بخلت عليه وعنه، وكذلك ضننت عليه وعنه.
ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ معطوف على: وإن تؤمنوا وتتقوا ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ يخلق قوماً سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى: ﴿ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [إبراهيم: 19] وقيل: هم الملائكة.
وقيل: الأنصار.
وعن ابن عباس: كندة والنخع.
وعن الحسن: العجم.
وعن عكرمة: فارس والروم.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه وقال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس» وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم كان حقاً على الله أن يسقيه من أنهار الجنة»
﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ أنْتُمْ يا مُخاطِبُونَ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ وقَوْلُهُ: ﴿ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِذَلِكَ، أوْ صِلَةٌ لِ هَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِينَ وهو يَعُمُّ نَفَقَةَ الغَزْوِ والزَّكاةَ وغَيْرَهُما.
﴿ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ﴾ ناسٌ يَبْخَلُونَ وهو كالدَّلِيلِ عَلى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ فَإنَّ نَفْعَ الإنْفاقِ وضُرَّ البُخْلِ عائِدانِ إلَيْهِ، والبُخْلُ يُعَدّى بِعْنَ وعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإمْساكِ والتَّعَدِّي فَإنَّهُ إمْساكٌ عَنْ مُسْتَحَقٍّ.
﴿ واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ ﴾ فَما يَأْمُرُكم بِهِ فَهو لِاحْتِياجِكم إلَيْهِ فَإنِ امْتَثَلْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكم.
﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَطْفٌ عَلى إنْ تُؤْمِنُوا.
﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ يُقِمْ مَقامَكم قَوْمًا آخَرِينَ.
﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ في التَّوَلِّي والزُّهْدِ في الإيمانِ، وهُمُ الفُرْسُ لِأنَّهُ «سُئِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ وكانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِهِ فَضَرَبَ فَخِذَهُ وقالَ: «هَذا وقَوْمُهُ»:» أوِ الأنْصارُ أوِ اليَمَنُ أوِ المَلائِكَةُ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ مُحَمَّدٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ».»
{ها أنتم} ها للتنبيه {هؤلاء} موصول بمعنى الذين صلته {تَدْعُونَ} أي أنتم الذين تدعون {لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله} هي النفقة في الغزو أو الزكاة كأنه قال الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} بالرفع لأن من هذه ليست للشرط أي فمنكم ناس يبخلون به {وَمَن يَبْخَلْ} بالصدقة وأداء الفريضة {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه وقيل يبخل على نفسه يقال بخلت عليه وعند {والله الغنى وَأَنتُمُ الفقرآء} أي أنه لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه غني عن الحاجات ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله والإنفاق في سبيله وهو معطوف على وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يخلق قوماً خيراً منكم وأطوع وهم فارس وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال
هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناله رجال من فارس {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم} أي ثم لا يكونوا في الطاعة أمثالكم بل اطوع منكم
سورة الفتح
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ أنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ هَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَسْألْكُمُوها ﴾ إلَخْ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وكُرِّرَتْ ها التَّنْبِيهِيَّةُ لِلتَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ ومُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ لِاتِّحادِ مُحَصِّلِ مَعْناهُما فَإنَّ دَعْوَتَهم لِلْإنْفاقِ هو سُؤْلُ الأمْوالِ مِنهم وبُخْلُ ناسٍ مِنهم هو مَعْنى عَدَمِ الإعْطاءِ المَذْكُورِ مُجْمَلًا أوَّلًا أوْ صِلَةً لِهَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِينَ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ مَوْصُولًا مُطْلَقًا عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلَمْ يُثْبِتُوا اسْمَ الإشارَةِ مَوْصُولًا إلّا إذا تَقَدَّمَهُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاتِّفاقٍ أوْ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِاخْتِلافٍ، والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى هو الإنْفاقُ المُرْضِي لَهُ تَعالى شَأْنُهُ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ النَّفَقَةَ لِلْعِيالِ والأقارِبِ والغَزْوَ وإطْعامَ الضُّيُوفِ والزَّكاةَ وغَيْرَ ذَلِكَ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالإنْفاقِ لِلْغَزْوِ أوْ بِالزَّكاةِ كَما قِيلَ.
﴿ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ﴾ أيْ ناسٌ يَبْخَلُونَ ﴿ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ فَلا يَتَعَدّى ضَرَرُ بُخْلِهِ إلى غَيْرِها يُقالُ: بَخِلْتُ عَلَيْهِ وبَخِلْتُ عَنْهُ لِأنَّ البُخْلَ فِيهِ مَعْنى المَنعِ ومَعْنى التَّضْيِيقِ عَلى مَن مَنَعَ عَنْهُ المَعْرُوفَ والإضْرارَ فَناسَبَ أنْ يُعَدّى بِعَنْ لِلْأوَّلِ وبِعَلى لِلثّانِي، وظاهِرٌ أنَّ مَن مَنَعَ المَعْرُوفَ عَنْ نَفْسِهِ فَإضْرارُهُ عَلَيْها فَلا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ في الحاصِلِ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ عَلى مَعْنى يَصْدُرُ البُخْلُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّها مَكانُ البُخْلِ ومَنبَعُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وهو كَما تَرى ﴿ واللَّهُ الغَنِيُّ ﴾ لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وأنْتُمُ الفُقَراءُ ﴾ الكامِلُونَ في الفَقْرِ فَما يَأْمُرُكم بِهِ سُبْحانَهُ فَهو لِاحْتِياجِكم إلى ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إيصالَها بِدُونِ ذَلِكَ فَإنِ امْتَثَلْتُمْ فَلَكم وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنْ تُؤْمِنُوا ) أيْ وإنْ تُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ يَخْلُقْ مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ( يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ في التَّوَلِّي عَنِ الإيمانِ والتَّقْوى بَلْ يَكُونُونَ راغِبِينَ فِيهِما.
وثُمَّ لِلتَّراخِي حَقِيقَةً أوْ لِبُعْدِ المَرْتَبَةِ عَمّا قَبْلُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ أهْلُ فارِسَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ.
والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والتِّرْمِذِيُّ وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «(تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ إلَخْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ تَوَلَّيْنا اسْتَبْدَلُوا بِنا ثُمَّ لا يَكُونُونَ أمْثالَنا؟
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ ثُمَّ قالَ: هَذا وقَوْمُهُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ)».
وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ الدِّينُ بَدَلَ الإيمانِ، وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ، وقِيلَ: أهْلُ اليَمَنِ، وقِيلَ: كِنْدَةُ والنَّخْعُ، وقِيلَ: العَجَمُ، وقِيلَ: الرُّومُ، وقِيلَ: المَلائِكَةُ، وحَمْلُ القَوْمِ عَلَيْهِمْ بَعِيدٌ في الِاسْتِعْمالِ، وحَيْثُ صَحَّ الحَدِيثُ فَهو مَذْهَبِي.
والخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِأهْلِ المَدِينَةِ قَوْلانِ والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْمُخاطَبِينَ قَبْلُ والشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ واقِعَةٍ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ شَرْطٌ في الِاسْتِبْدالِ تَوَلِّيهم لَكِنَّهم لَمْ يَتَوَلَّوْا فَلَمْ يَسْتَبْدِلْ سُبْحانَهُ قَوْمًا غَيْرَهم واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِمّا قالَهُ بَعْضُ أرْبابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ عَلى وجْهَيْنِ صُورَةً ومَعْنى، أمّا نُصْرَتُهُ تَعالى في الصُّورَةِ فَنُصْرَةُ دِينِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِإيضاحِ الدَّلِيلِ وتَبْيِينِهِ وشَرْحِ فَرائِضِهِ وسُنَنِهِ وإظْهارِ مَعانِيهِ وأسْرارِهِ وحَقائِقِهِ ثُمَّ بِالجِهادِ عَلَيْهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وقَمْعِ أعْدائِهِ وأمّا نُصْرَتُهُ في المَعْنى فَبِإفْناءِ النّاسُوتِ فِي اللّاهُوتِ، ونُصْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ عَلى وجْهَيْنِ أيْضًا صُورَةً ومَعْنًى، أمّا نُصْرَتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ في الصُّورَةِ فَبِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ والآياتِ وتَبْيِينِ السُّبُلِ إلى النَّعِيمِ والجَحِيمِ، ثُمَّ بِالأمْرِ بِالجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ وتَوْفِيقِ السَّعْيِ فِيهِما طَلَبًا لِرِضاهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا نُصْرَتُهُ تَعالى لَهُ في المَعْنى فَبِإفْناءِ وجُودِهِ في وُجُودِهِ سُبْحانَهُ بِتَجَلِّي صِفاتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ يُشِيرُ إلى جَنَّةِ قُلُوبِ أرْبابِ الحَقائِقِ الَّذِينَ اتَّقُوا عَمّا سِواهُ جَلَّ وعَلا ﴿ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ هو ماءُ الحَياةِ الرُّوحانِيَّةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِطُولِ المُكْثِ ﴿ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ ﴾ وهو العَلَمُ الحَقّانِيُّ الَّذِي هو غِذاءُ الأرْواحِ أوْ لَبَنُ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها ﴿ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ بِحُمُوضَةِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ أوِ الأهْواءِ والبِدَعِ ﴿ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ وهي خَمْرُ الشَّوْقِ والمَحَبَّةِ: يَقُولُونَ لِي صِفْها فَأنْتَ بِوَصْفِها خَبِيرُ أجَلْ عِنْدِي بِأوْصافِها عِلْمُ صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوى ∗∗∗ ونُورٌ ولا نارٌ ورُوحٌ ولا جِسْمُ ﴿ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ ﴾ وهو عَسَلُ الوِصالِ ﴿ مُصَفًّى ﴾ عَنْ كَدَرِ المَلالِ وخَوْفِ الزَّوالِ ﴿ ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ اللَّذائِذِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ سَتْرٌ لِذَنْبِ وجُودِهِمْ كَما قِيلَ: وجُودُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ بِهِ ذَنْبٌ ﴿ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ﴾ نارِ الجَفاءِ ﴿ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا ﴾ وهو ماءُ الخِذْلانِ ﴿ فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ ﴾ مِنَ الحِرْمانِ ﴿ ولَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ﴾ وهي ظُلْمَةٌ في وُجُوهِهِمْ تُدْرَكُ بِالنَّظَرِ الإلَهِيِّ قِيلَ: المُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ الفِراسَةِ والعارِفُ بِنُورِ التَّحْقِيقِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْظُرُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: كُلٌّ مِن رِزْقِ قُرْبِ النَّوافِلِ يَنْظُرُ بِهِ تَعالى لِحَدِيثِ «(لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)» الحَدِيثَ.
وحِينَئِذٍ يُبْصِرُ كُلَّ شَيْءٍ، ومِن هُنا كانَ بَعْضُ الأوْلِياءِ الكامِلِينَ يَرى عَلى ما حُكِيَ عَنْهُ أعْمالَ العِبادِ حِينَ يُعْرَجُ بِها وسُبْحانَ السَّمِيعِ البَصِيرِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني: أطيعوه في السر، كما في العلانية.
ويقال: أَطِيعُوا اللَّهَ في الفرائض وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في السنن، وفيما يأمركم من الجهاد وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ يعني: حسناتكم بالرياء.
وقال أبو العالية: كان أصحاب النبي يرون أنه لا يضر مع قول لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فخافوا أن تبطل الذنوب الأعمال.
وقال مقاتل: نزلت في الذين يمنون عليك أن أسلموا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل: وذلك أن رجلاً سأله عن والده أنه كان محسناً في كفره، قال: هو في النار.
فولى الرجل يبكي، فدعاه، فقال له: «والدك ووالدي ووالد إبراهيم في النار» .
فنزل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قال الكلبي: نزلت الآية في رؤساء أهل بدر.
قوله تعالى: فَلا تَهِنُوا يعني: لا تضعفوا عن عدوكم وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ يعني: إلى الصلح.
أي: لا تهنوا، ولا تدعوا إلى الصلح نظير.
قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة: 42] يعني: ولا تكتموا الحق!
وفي هذه الآية دليل على أن أيدي المسلمين، إذا كانت عالية على المشركين، لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يجيبوهم إلى الصلح، لأن فيه ترك الجهاد.
وإن لم تكن يدهم عالية عليهم، فلا بأس بالصلح لقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: 61] يعني: إن مالوا للصلح فمل إليه.
قرأ حمزة في رواية أبي بكر: إلى السلم بكسر السين.
والباقون: بالنصب.
قال بعضهم: وهما لغتان.
وقال بعضهم: أحدهما صلح، والآخر استسلام.
ثم قال: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني: العالين يكون آخر الأمر لكم وَاللَّهُ مَعَكُمْ يعني: معينكم، وناصركم، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ يعني: لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً.
يقال: وترتني حقي يعني: بخستني فيه.
وقال مجاهد: لن ينقصكم.
وقال قتادة: لن يظلمكم.
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني: باطل، وفرح.
وَإِنْ تُؤْمِنُوا أي: تستقيموا على التوحيد وَتَتَّقُوا النفاق يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ يعني: يعطكم ثواب أعمالكم وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ يعني: لا يسألكم جميع أموالكم، ولكن ما فضل منها إِنْ يَسْئَلْكُمُوها يعني: جميع الأموال فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا يعني: إن يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم.
ويقال: فَيُحْفِكُمْ يعني: يجهدكم كثرة المسألة تَبْخَلُوا بالدفع وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ يعني: يظهر بغضكم، وعدواتكم لله تعالى، ولرسوله وللمؤمنين.
ويقال: ويخرج ما في قلوبكم من حب المال.
يقول: هذا للمسلمين.
ويقال: هذا للمنافقين.
يعني: يظهر نفاقكم.
وقال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان.
قوله عز وجل: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ قرأ نافع، وأبو عمرو ها أَنْتُمْ بمدة طويلة، بغير همز.
وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي.
بالمد، والهمز، فَهَا تنبيه، وأنتم كلمة على حدة، وإنما مد ليفصل ألف هاء من ألف أنتم.
وقرأ ابن كثير: بالهمز بغير مد ومعناه: أَأَنتم.
ثم قلبت إحدى الهمزتين هاء.
ومعنى هذه القراءات كلها أنتم يا معشر المؤمنين تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: لتتصدقوا في سبيل الله، وتعينوا الضعفاء.
فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ بالنفقة في سبيل الله وَمَنْ يَبْخَلْ بالنفقة فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: لا يكون له ثواب النفقة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عما عندكم من الأموال، وعن أعمالكم.
وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إلى ما عند الله من الثواب، والرحمة، والمغفرة.
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يعني: تعرضوا عما أمركم الله به من الصدقة، وغير ذلك مما افترض الله عليكم من حق.
يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ يعني: يهلككم، ويأت بخير منكم، وأطوع لله تعالى منكم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ يعني: أشباهكم في معصية الله تعالى.
قال بعضهم: لم يتولوا، ولم يستبدل بهم.
وقال بعضهم: استبدل بهم أناس من كندا وغيرها.
وروى أبو هريرة قال: لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين، إِنْ تولينا استبدلوا بِنَا؟
قال: وَعنده سلمان.
فوضع النبي يده عليه، ثم قال: «هذا وَقَوْمُهُ» ، ثم قال: «لَوْ كَانَ الإِيمَانُ مُعَلَّقاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَاِرس» وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَهِنُوا ﴾ أيْ: فَلا تَضْعُفُوا ﴿ وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "إلى السَّلْمِ" بِفَتْحِ السِّينِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ السِّينِ، والمَعْنى: لا تَدْعُوا الكُفّارَ إلى الصُّلْحِ ابْتَداءً.
وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الصُّلْحِ مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ صُلْحًا، لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ الصُّلْحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ أيْ: أنْتُمْ أعَزُّ مِنهُمْ، والحُجَّةُ لَكُمْ، وآخِرُ الأمْرِ لَكم وإنْ غَلَبُوكم في بَعْضِ الأوْقاتِ ﴿ واللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ ﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَنْ يَنْقُصَكم ولَنْ يَظْلِمَكُمْ، يُقالُ: وتَرْتَنِي حَقِّي، أيْ: بَخَسْتَنِيهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: لَنْ يَنْقُصَكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ ﴾ أيْ: لَنْ يَسْألَكُمُوها كُلَّها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُحْفِكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُجْهِدْكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُلِحَّ عَلَيْكم بِما يُوجِبُهُ في أمْوالِكم ﴿ تَبْخَلُوا ﴾ \[يُقالُ: أحْفانِي بِالمَسْألَةِ وألْحَفَ: إذا ألَحَّ.
وقالَ السُّدِّيُّ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكم تَبْخَلُوا\] .
﴿ وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ ﴾ وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: "وَيُخْرَجُ" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والجَحْدَرِيُّ: "وَتَخْرُجُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ "أضْغانُكُمْ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَنَخْرِجُ" بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ "أضْغانَكُمْ" بِنَصْبِ النُّونِ، أيْ: يُظْهِرُ بُغْضَكم وعَداوَتَكم لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ؛ ولَكِنَّهُ فَرَضَ عَلَيْكم يَسِيرًا.
وَفِيمَن يُضافُ إلَيْهِ هَذا الإخْراجُ وجْهانِ.
أحَدُهُما: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: البُخْلُ، حَكاهُما الفَرّاءُ.
وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ يَسْألْكم جَمِيعَ أمْوالِكُمْ؛ والزَّكاةُ لا تُنافِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي ما فُرِضَ عَلَيْكم في أمْوَلِكم ﴿ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ﴾ بِما فُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكاةِ ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أيْ: عَلى نَفْسِهِ بِما يَنْفَعُها في الآخِرَةِ ﴿ واللَّهُ الغَنِيُّ ﴾ عَنْكم وعَنْ أمْوالِكم ﴿ وَأنْتُمُ الفُقَراءُ ﴾ إلَيْهِ وإلى ما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ أطْوَعُ لَهُ مِنكم ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ بَلْ خَيْرًا مِنكم.
وفي هَؤُلاءِ القَوْمِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ العَجَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وفِيهِ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إذا تَوَلَّيْنا اسْتُبْدِلُوا بِنا؟
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ [يَدَهُ] عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ، فَقالَ: "هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ" .» والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: مَن يَشاءُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: يَأْتِي بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غَيْرِكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
والخامِسُ: كِنْدَةُ والنَّخَعُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والسّادِسُ: أهْلُ اليَمَنِ، قالَهُ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ.
والسّابِعُ: الأنْصارُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّامِنُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ وقالَ: فِيهِ بُعْدٌ [لِأنَّهُ] لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ "قَوْمٌ"، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ لِلْآدَمِيِّينَ؛ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وهَذا [مَعْنى] ما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ ﴾ ﴿ إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ ﴾ ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلُ فَإنَّما يَبْخَلُ عن نَفْسِهِ واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهِنُوا في الجِهادِ بِسَبَبِها، ووَصَفَها بِاللَعِبِ واللهْوِ هو عَلى أنَّها وما فِيها مِمّا يُخْتَصُّ بِها لَعِبٌ ولَهْوٌ، وإلّا فَفي الدُنْيا ما لَيْسَ بِلَعِبٍ ولا لَهْوٍ وهو الطاعَةُ وأمْرُ الآخِرَةِ وما جَرى مَجْراهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: هَذا هو المَطْلُوبُ مِنكم لا غَيْرُهُ، لا تَسْألُونَ أمْوالَكم أنْ تُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: المَعْنى: لا يَسْألُكم كَثِيرًا مِن أمْوالِكم إحْفاءً، إنَّما يَسْألُكم غَيْضًا مِن فَيْضٍ، رُبْعُ العُشْرِ، فَطَيَّبُوا أنْفُسَكُمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى خُلُقِ ابْنِ آدَمَ: ﴿ إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ﴾ ، والإحْفاءُ هو أشَدُّ السُؤالِ، وهو المُخْجِلُ المُخْرِجُ ما عِنْدَ المَسْؤُولِ كُرْهًا، ومِنهُ حَفاءُ الرَجُلِ والتَحَفِّي مِنَ البَحْثِ عَنِ الشَيْءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَبْخَلُوا" ﴾ جُزِمَ عَلى جَوابِ شَرْطٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَخْرُجُ" جَزْمًا عَلى "تَبْخَلُوا"، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيَخْرُجُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: وهو يَخْرُجُ، وحَكاها أبُو حاتِمٍ عن عِيسى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَخْرُجُ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: يَكُنْ بُخْلٌ وإخْراجٌ، فَلَمّا جاءَتِ العِبارَةُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلى أنَّ "أنَّ" الَّتِي مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ الَّذِي هو الإخْراجُ، والفاعِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُخْرِجْ" عَلى كُلِّ الِاخْتِلافاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللهُ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ البُخْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ اللَفْظُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السُؤالُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ اللَفْظُ أيْضًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأيُّوبَ: "وَيَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ "أضْغانَكُمْ" رَفْعًا عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، ورُوِيَ عنهم "وَتَخْرُجُ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَنُخْرِجُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الراءِ "أضْغانَكُمْ" نَصْبًا.
و"الأضْغانُ" كَما قُلْنا: مُعْتَقَداتُ السُوءِ، وهَذا الَّذِي كانَ يَخافُ أنْ يَعْتَرِيَ المُسْلِمِينَ هو الَّذِي تُقَرِّبُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ حِينَ قالَ لَهُ: إنَّ هَذا الرَجُلَ قَدْ أكْثَرَ عَلَيْنا وطَلَبَ مِنّا الأمْوالَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِبَعْضِهِمْ: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ ، وكَرَّرَ هاءَ التَنْبِيهِ تَأْكِيدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن نَفْسِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فَإنَّما يَبْخَلُ عن شُحِّ نَفْسِهِ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ "عَلى" لِأنَّكَ تَقُولُ: بَخِلْتُ عَلَيْكَ بِكَذا وبَخِلْتُ عنكَ بِمَعْنى أمْسَكْتُ عنكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ ﴾ مَعْنًى مُطَّرِدٌ في قَلِيلِ الأشْياءِ وكَثِيرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ، والقَوْمُ الغَيْرُ هم أهْلُ المَدِينَةِ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ وشُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ: الخِطابُ لِمَن حَضَرَ المَدِينَةَ، والقَوْمُ الغَيْرُ هم أهْلُ اليَمَنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ والعَرَبِ حِينَئِذٍ، والقَرْمُ الغَيْرُ فارِسٍ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «أنَّ النَبِيَّ سُئِلَ عن هَذا وكانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فَخْذِهِ وقالَ: "قَوْمٌ هَذا، لَوْ كانَ الدَيْنُ في الثُرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أهْلِ فارِسٍ"،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: في الخِلافِ والتَوَلِّي والبُخْلِ بِالأمْوالِ ونَحْوِ هَذا، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا أنَّ القَوْمَ الغَيْرُ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
﴿ أضغانكم * هَآ أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى ﴾ كلام المفسرين من قوله: ﴿ ولا يسألْكُم أموالَكم ﴾ إلى قوله: ﴿ عن نفسه ﴾ [محمد: 36 38] يعرب عن حَيرة في مراد الله بهذا الكلام.
وقد فسرناه آنفاً بما يشفي وبقي علينا قوله: ﴿ ها أنتم هؤلاء تُدْعَوْن لتنفقوا ﴾ الخ كيف موقعه بعد قوله: ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ فإن الدعوة للإنفاق عين سؤال الأموال فكيف يجمع بين ما هنا وبين قوله آنفاً ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ .
فيجوز أن يكون المعنى: تُدْعَون لتنفقوا في سبيل الله لتدفعوا أعداءكم عنكم وليس ذلك لينتفع به الله كما قال: ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ .
ونظم الكلام يقتضي أن هذه دعوة للإنفاق في الحال وليس إعلاماً لهم بأنهم سيدعون للإنفاق فهو طلبٌ حاصل.
ويحمل ﴿ تدْعَون ﴾ على معنى تؤمرون أي أمر إيجاب.
ويجوز أن يحمل ﴿ تدعون ﴾ على دعوة الترغيب، فتكون الآية تمهيداً للآيات المقتضية إيجاب الإنفاق في المستقبل مثل آية ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ [التوبة: 41] ونحوها، ويجوز أن يكون إعلاماً بأنهم سيدعون إلى الإنفاق في سبيل الله فيما بعد هذا الوقت فيكون المضارع مستعملاً في زمن الاستقبال والمضارع يحتمله في أصْل وضعه.
وعلى الاحتمالين فقوله: ﴿ فمنكم من يبْخل ومن يبْخل فإنما يبْخل عن نفسه ﴾ إما مسوق مساق التوبيخ أو مساق التنبيه على الخطإ في الشح ببذل المال في الجهاد الذي هو محلّ السياق لأن المرء قد يبخل بُخلاً ليس عائداً بخلُه عن نفسه.
ومعنى قوله: ﴿ فإنما يبخل عن نفسه ﴾ على الاحتمال الأول فإنما يبْخل عن نفسه إذ يتمكن عدّوه من التسلط عليه فعاد بُخله بالضر عليه، وعلى الاحتمال الثاني فإنما يبْخل عن نفسه بحرمانها من ثواب الإنفاق.
والقصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ قصر قلب باعتبار لازم بُخله لأن الباخل اعتقد أنه منع من دَعاه إلى الإنفاق ولكن لازم بخله عاد عليه بحرمان نفسه من منافع ذلك الإنفاق، فالقصر مجاز مرسل مركَّب.
وفعل (بخل) يتعدى ب ﴿ عن ﴾ لما فيه من معنى الإمساك ويتعدى ب (على) لما فيه من معنى التضييق على المبخول عليه.
وقد عدي هنا بحرف ﴿ عن ﴾ .
﴿ وها أنتم هؤلاء ﴾ مركب من كلمة (ها) تنبيه في ابتداء الجملة، ومن ضمير الخطاب ثم من (هَا) التنبيه الداخلة على اسم الإشارة المفيدة تأكيد مدلول الضمير.
ونظيرُه قوله: ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ في سورة النساء (109).
والأكثر أن يكون اسم الإشارة في مثله مجرداً عن (ها) اكتفاء ب (هاء) التنبيه التي في أول التركيب كقوله تعالى: ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ﴾ في سورة آل عمران (119).
وجملة تُدْعَون} في موضع الحال من اسم الإشارة، ومجموع ذلك يفيد حصول مدلول جملة الحال لصاحبها حصولاً واضحاً.
وزعم كثير من النحاة أن عدم ذكر اسم الإشارة بعد (ها أنا) ونحوه لحن، لأنه لم يسمع دخول (ها) التنبيه على اسم غير اسم الإشارة كما ذكره صاحب «مغني اللبيب»، بناء على أن (ها) التنبيه المذكورة في أول الكلام هي التي تدخل على أسماء الإشارة في نحو: هذا وهؤلاء، وأن الضمير الذي يذكر بعدها فصل بينها وبين اسم الإشارة.
ولكن قد وقع ذلك في كلام صاحب «المغني» في ديباجة كتابه إذ قال: وها أنا بائح بما أسررته، وفي موضعين آخرين منه نبه عليهما بدر الدين الدماميني في شرحه «المزج على المغني»، وذكر في شرحه الذي بالقول المشتهر ب«الحواشي الهندية» أن تمثيل الزمخشري في «المفصل» بقوله: ها إن زيداً منطلق يقتضي جواز: ها أنا أفعل، لكن الرضِيّ قال: لم أعثر بشاهد على وقوع ذلك.
وجملة ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ تذييل للشيء قبلها فالله الغني المطلق، والغني المطلق لا يسأل الناس مالاً في شيء، والمخاطبون فقراء فلا يطمع منهم البذل فتعين أن دعاءهم لينفقوا في سبيل الله دعاء بصرف أموالهم في منافعهم كما أشار إلى ذلك قوله: ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ .
والتعريف باللام في ﴿ الغني ﴾ وفي ﴿ الفقراء ﴾ تعريف الجنس، وهو فيهما مؤذن بكمال الجنس في المخبر عنه، ولما وقعا خبرين وهما معرفتان أفادا الحصْر، أي قصر الصفة على الموصوف، أي قصر جنس الغنِيّ على الله وقصر جنس الفقراء على المخاطبين ب ﴿ أنتم ﴾ وهو قصر ادعائي فيهما مرتب على دلالة ال على معنى كمال الجنس، فإن كمال الغنى لله لا محالة لعمومه ودوامه، وإن كان يثبت بعض جنس الغني لغيره.
وأما كمال الفقر للناس فبالنسبة إلى غنى الله تعالى وإن كانوا قد يغْنَون في بعض الأحوال لكن ذلك غنًى قليل وغير دائم.
﴿ وَأَنتُمُ الفقرآء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ ﴾ .
عطف على قوله: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ﴾ [محمد: 36].
والتولي: الرجوع، واستعير هنا لاستبدال الإيمان بالكفر، ولذلك جعل جزاؤه استبدال قوم غيرهم كما استبدلوا دينَ الله بدين الشرك.
والاستبدال: التبديل، فالسين والتاء للمبالغة، ومفعوله ﴿ قوماً ﴾ .
والمستبدَل به محذوف دل على تقديره قوله ﴿ غيركم ﴾ ، فعلم أن المستبدل به هو ما أضيف إليه (غير) لِتعيّن انحصار الاستبدال في شيئين، فإذا ذكر أحدهما علم الآخر.
والتقدير: يستبدل قوماً بكم لأن المستعمَل في فعل الاستبدال والتبديل أن يكون المفعولُ هو المعوَّض ومجرور الباء هو العوَض كقوله: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ تقدم في سورة البقرة (61).
وإن كان كلا المتعلقين هو في المعنى معوض وعوض باختلاف الاعتبار، ولذلك عدل في هذه الآية عن ذكر المجرور بالباء مع المفعول للإيجاز.
والمعنى: يتخذ قوماً غيركم للإيمان والتقوى، وهذا لا يقتضي أن الله لا يوجد قوماً آخرين إلاّ عند ارتداد المخاطبين، بل المراد: أنكم إن ارتددتم عن الدين كان لله قوم من المؤمنين لا يرتدون وكان لله قوم يدخلون في الإيمان ولا يرتدون.
روى الترمذي عن أبي هريرة قال: تَلا رسول الله هذه الآية وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}.
قالوا: ومن يُستبدَل بنا؟
قال: فضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على منكب سَلْمان الفارسي ثم قال: هذا وقومُه، هذا وقومه» قال الترمذي حديث غريب.
وفي إسناده مقال.
وروى الطبراني في «الأوسط»: هذا الحديث على شرطِ مسلم وزاد فيه " والذي نفسي بيده لو كان الإيمانُ منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس " وأقول هو يدل على أن فارس إذا آمنوا لا يرتدون وهو من دلائل نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة فيما حكاه الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم.
و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي لإفادة الاهتمام بصفة الثبات على الإيمان وعلوّها على مجرد الإيمان، أي ولا يكونوا أمثالكم في التولِّي.
والجملة معطوفة ب (ثم) على جملة ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ فهي في حيّز جواب الشرط والمعطوف على جواب الشرط بحرف من حروف التشريك يجوز جزمه على العطف، ويجوز رفعه على الاستئناف.
وقد جاء في هذه الآية على الجزم وجاء في قوله تعالى: ﴿ وإن يقاتلوكم يولُّوكم الأدبار ثم لا ينصرون ﴾ [آل عمران: 111] على الرفع.
وأبدى الفخر وجهاً لإيثار الجزم هنا وإيثار الاستئناف هنالك فقال: وهو مع الجواز فيه تدقيق وهو أن ههنا لا يكون متعلقاً بالتولّي لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتي الله بهم على الطاعة، وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين وكون من يأتي الله بهم مطيعين، وأما هنالك فسواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا يُنصرون فلم يكن للتعليق أي بالشرط هنالك وجه فرفع بالابتداء وههنا جُزم للتعليق اه.
وهو دقيق ويزاد أن الفعل المعطوف على الجزاء في آية آل عمران وقع في آخر الفاصلة التي جرت أخواتها على حرف الواو والنون فلو أوثر جزم الفعل لأزيلت النون فاختلّت الفاصلة.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَسْألُكم أمْوالَكم لِنَفْسِهِ.
الثّانِي: لا يَسْألُكم جَمِيعَ أمْوالِكم في الزَّكاةِ ولَكِنْ بَعْضَها.
الثّالِثُ: لا يَسْألُكم أمْوالَكم وإنَّما يَسْألُكم أمْوالَهُ، لِأنَّهُ أمْلَكُ بِها وهو المُنْعِمُ بِإعْطائِها.
﴿ إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الإحْفاءَ أخْذُ الجَمِيعِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وقُطْرُبٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الإلْحاحُ وإكْثارُ السُّؤالِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَفاءِ وهو المَشْيُ بِغَيْرِ حِذاءٍ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى فَيُحْفِكم أيْ فَيَجِدُكم تَبْخَلُوا، قالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
﴿ وَيُخْرِجْ أضْغانَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُظْهِرُ بِامْتِناعِكم ما أضْمَرْتُمُوهُ مِن عُدْوانِكم.
الثّانِي: تُظْهِرُونَ عِنْدَ مَسْألَتِكم ما أضْمَرْتُمُوهُ مِن عَداوَتِكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وإنْ تَتَوَلَّوْا عَنْ كِتابِي، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَنْ طاعَتِي، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
الثّالِثُ: عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: عَنْ هَذا الأمْرِ فَلا تَقْبَلُونَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ وهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الفُرْسُ.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَ ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ «كانَ سَلْمانُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ إنْ تَوَلَّيْنا يُسْتَبْدَلُوا بِنا؟
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ وقالَ: (هَذا وقَوْمُهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ الدِّينَ مُعَلَّقٌ بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أبْناءِ فارِسَ» .
الثّالِثُ: أنَّهم مَن شاءَ مِن سائِرِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في البُخْلِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: في المَعْصِيَةِ وتَرْكِ الطّاعَةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَرِحَ بِها رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: (هِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا» .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: من استطاع منكم أن لا يبطل عملاً صالحاً بعمل سوء فليفعل ولا قوّة إلا بالله فإن الخير ينسخ الشر، فإنما ملاك الأعمال خواتيمها.
وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع من الشرك عمل حتى نزلت ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل، ولفظ عبد بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم.
وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟
فقال: الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا: هلك، حتى نزلت هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ﴾ يقول: ولا تكونوا أول الطائفتين صرعت صاحبتها ودعتها إلى الموادعة، وأنتم أولى بالله منهم ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ يقول: لن يظلمكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلا تهنوا ﴾ قال: لا تضعفوا ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ قال: الغالبون ﴿ ولن يتركم ﴾ قال: لن ينقصكم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتركم ﴾ قال: يظلمكم.
وأخرج الخطيب عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ﴾ قال: محمد بن المنتشر منتصبة السين.
وأخرج أبو نصر السجزي في الإِنابة عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان النبي صل الله عليه وسلم يقرأ هؤلاء الأحرف ﴿ ادخلوا في السلم ﴾ [ البقرة: 208] ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ [ الأنفال: 61] ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ بنصب السين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن يسألكموها ﴾ قال: علم الله في مسألة الأموال خروج الأضغان.
قوله تعالى: ﴿ وإن تتولوا ﴾ الآية.
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ قيل: من هؤلاء وسلمان رضي الله عنه إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هم الفرس وهذا وقومه» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ فقالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: «هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس» .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ﴾ الآية فسئل من هم، قال: «فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ قال: من شاء.
قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد أن لا ينفق أحد في سبيل الله إلا أعطاه الله في الدنيا أضعافه، وفي الآخرة ما لا يقدر الواصفون يصفونه (١) وقال مقاتل بن سليمان: فإنما يبخل بالخير والفضل في الآخرة عن نفسه (٢) (٣) ﴿ وَاللهُ الْغَنِيُّ ﴾ عما عندكم من الأموال وقال عطاء: عن خلقه (٤) ﴿ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴾ إليه وإلى ما عنده من الخير والرحمة.
﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ قال ابن عباس: عن الإسلام (٥) ﴿ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ قال مقاتل: يعني قوماً أمثل وأطوع لله منكم (٦) قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ قال: يكونوا خيراً منكم، وقال عطاء عن ابن عباس: لا يكونوا أمثالكم في النفاق والبخل (٧) وقال الكلبي: لم يتولوا ولم يستبدل بهم (٨) وروى أبو هريرة أن النبي - - سئل عن الذين يستبدل بهم إن تولوا، فضرب على منكب سلمان، وقال: "هذا وقومه" (٩) وهذا كما قال الحسن: هم العجم (١٠) (١١) وأحسن مجاهد في قوله: من شاء (١٢) (١) لم أقف عليه.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 54.
(٣) ذكر ذلك في "الوسيط" عن مقاتل، انظر: 4/ 130.
(٤) قال ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 415: (عنكم وعن أموالكم) ولم ينسبه.
(٥) أخرج الطبري عن قتادة قال: (عن كتابي وطاعتي) 13/ 66، وذكره في "الوسيط" بهذا اللفظ، ولم ينسبه.
انظر: 4/ 130.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 54.
(٧) قال الطبري 13/ 66: (لا يبخلوا بما أمروا به من النفقة في سبيل الله ولا يضيعون شيئًا من حدود دينهم ولكنهم يقومون بذلك كله على ما يؤمرون به).
(٨) ذكر المؤلف ذلك في تفسيره "الوسيط" 4/ 130 عن الكلبي.
(٩) أخرجه الطبري عن أبي هريرة.
انظر: "تفسيره" 13/ 66، وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة، انظر: كتاب التفسير، باب 48، ومن سورة محمد - - 5/ 384، وأخرجه المؤلف في "الوسيط" عن أبي هريرة.
انظر: 4/ 131.
(١٠) انظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 291، "تفسير البغوي" فقد نسب القول للحسن 7/ 291، وكذلك ابن الجوزي نسبه للحسن 7/ 415، والقرطبي 16/ 258.
(١١) ذكر ذلك البغوي 7/ 291، وابن الجوزي 7/ 415، والقرطبي 16/ 258 عن عكرمة.
(١٢) انظر: "تفسير مجاهد" ص 606، "زاد المسير" 7/ 416، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 258، "الدر المنثور" 7/ 506.
﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص أو منادى ﴿ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني الجهاد والزكاة ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي إنما ضرر بخله على نفسه فكأنه بخل على نفسه بالثواب الذي يستحقه بالإنفاق ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ أي يأت بقوم على خلاف صفتكم، بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله، فقيل إن هذا الخطاب لقريش، والقوم غيرهم هم الأنصار؛ وهذا ضعيف لأن الآية مدنية نزلت والأنصار حاضرون، وقيل: الخطاب لكل من كان حينئذ بالمدينة، والقوم هم أهل اليمن وقيل فارس.
القراءات: ﴿ وتقطعوا ﴾ بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب.
والآخرون: بالتشديد من التقطيع ﴿ وأملى لهم ﴾ مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب ﴿ وأملى ﴾ مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس.
الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل ﴿ إسرارهم ﴾ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ وليبلونكم حتى يعلم ﴾ ﴿ ويبلوا ﴾ بالياءات: أبو بكر وحماد.
الآخرون: بالنون في الكل.
وقرأ يعقوب ﴿ ونبلو ﴾ بالنون مرفوعاً ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد.
الوقوف: ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ ومثواكم ﴾ ه ﴿ نزلت سورة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ القتال ﴾ لا ﴿ الموت ﴾ ط للابتداء بالدعاء عليهم ﴿ لهم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء ﴿ معروف ﴾ قف ﴿ الأمر ﴾ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ﴿ خيراً لهم ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أرحامكم ﴾ ه ﴿ أبصارهم ﴾ ه ﴿ أقفالها ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن الجملة بعده خبر "إن" ﴿ سوّل لهم ﴾ ط لأن فاعل ﴿ وأملى ﴾ ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم.
والحال على قراءة ﴿ وأملى ﴾ بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي.
ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأمر ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها ﴿ إسرارهم ﴾ ه ﴿ وأدبارهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أضغانهم ﴾ ه ﴿ بسيماهم ﴾ ط للابتداء بما هو جواب القسم ﴿ القول ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ والصابرين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ونبلو ﴾ بسكون الواو أي ونحن نبلو ﴿ أخباركم ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ إلى السلم ﴾ قف قد قيل: على أن قوله ﴿ وأنتم ﴾ مبتدأ، وجعله حالاً أولى ﴿ الأعلون ﴾ قف كذلك ﴿ أعمالكم ﴾ ه قف ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ أموالكم ﴾ ه ﴿ أضغانكم ﴾ ه ﴿ سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ من يبخل ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ الفقراء ﴾ ه للشرط مع العطف ﴿ غيركم ﴾ لا للعطف ﴿ أمثالكم ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك.
أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً.
أو أراد فاذكر لا إله إلا الله.
والهاء في ﴿ أنه ﴾ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.
عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية.
وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.
والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.
وفي الآية نكتة وهي أن النبي له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة.
ثم قال ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر.
وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل.
وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة.
وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار.
والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية.
ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم ﴿ لولا نزلت ﴾ سورة في باب القتال ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين.
قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ.
قوله ﴿ فأولى لهم ﴾ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره.
هذه عبارة كثير من المفسرين.
وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك.
أي قاربت العطب ثم نجوت.
وهو في الفرقان على معنى التحذير.
وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.
وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على ﴿ لهم ﴾ كما أشير إليه في الوقف.
واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال.
ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره.
ثم حثهم على الامتثال بقوله ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.
﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال.
ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله ﴿ فهل عسيتم ﴾ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس ﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية.
ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ بعدهم عن رحمته.
ثم بين نتيجة اللعن قائلاً ﴿ فأصمهم ﴾ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات.
قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن.
وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم.
قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي.
فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.
سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ ؟
وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة.
قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها.
وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ.
ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال ﴿ إن الذين ارتدوا ﴾ الآية.
﴿ ذلك ﴾ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ﴿ فكيف ﴾ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.
وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ﴿ ذلك ﴾ الإذلال والإهانة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله.
وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين.
وإنما قال ﴿ ما أسخط الله ﴾ ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء.
ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله ﴿ أم حسب ﴾ وهي منقطعة.
والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة.
وإخراج الإضغان إبرازها للرسول وللمؤمنين كما قال ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ أي لو شئنا أريناك أماراتهم ﴿ فلعرفتهم ﴾ كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم.
عن أنس أنه ما خفي على رسول الله بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق".
ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ﴾ ﴿ إن بيوتنا عورة ﴾ أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ ﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته.
وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
وقال الكلبي: لحن القول كذبه.
ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله إلا عرفه.
وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ﴿ ولنبلونكم ﴾ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.
﴿ ونبلو أخباركم ﴾ التي تحكي عنكم كقولكم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ أو عهودكم كقوله ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ﴾ أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله ﴿ والمرجفون في المدينة ﴾ عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.
ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول أو إطعامهم.
ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى.
عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.
وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.
ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره.
وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.
﴿ فلا تهنوا ﴾ لا تضعفوا ولا تجبنوا ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح.
ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الغالبون المستولون عليهم ﴿ والله معكم ﴾ بالنصرة والكلاءة ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله.
وفي الحديث " "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" " وهو من فصيح الكلام.
ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد.
وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه.
وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه.
والقول هو الأوّل لقوله ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً ﴿ تبخلوا ويخرج ﴾ الإحفاء أو الله على طريق التسبب ﴿ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.
ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون.
ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به.
وقيل: ﴿ هؤلاء ﴾ موصول صلته ﴿ تدعون ﴾ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران".
ثم قبح أمر البخل بقوله ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه.
قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه.
وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير.
نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً.
ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب.
ثم هددهم بقوله ﴿ وإن تتولوا ﴾ وهو معطوف على ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ ومعنى ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم.
وقيل: في جميع الأحوال.
وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم.
قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: أي: أطيعوا الله في الجهاد، ولا تبطلوا حسناتكم بالرياء والسمعة.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ .
ويحتمل: ولا تبطلوا أعمالكم بالارتداد والكفر بعد الإيمان.
ويحتمل: أي: لا تبطلوا أعمالكم بالمن على الله، أو على الرسول في الإسلام؛ أي: تسلمون ممتنون على الله أو على رسوله؛ كقوله - -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ...
﴾ الآية [الحجرات: 17].
وقال قتادة: ولا تبطلوا أعمالكم بالرياء، وقال: فمن استطاع منكم ألا يبطل عملا صالحاً بعمل شر فليفعل؛ إن الشر ينسخ الخير، وإنما ملاك العمل بخواتيمه، فمن استطاع أن يختم بخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله.
وعن عبد الله بن عمر - ما - قال: ما كنا معشر أصحاب محمد نرى شيئاً يبطل أعمالنا حتى نزلت هذه الآية، فعلمنا ما الذي يبطل أعمالنا؟!
الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا على ذلك حتى أنزل الله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ...
﴾ الآية [النساء: 48، 116]، فلما نزلت هذه الآية كففنا عن هذا القول.
وجائز أن يكون قوله - -: ﴿ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ قال: هذا ليكونوا أبداً على اليقظة والحذر؛ لئلا تبطل أعمالهم من حيث لا يشعرون؛ كقوله: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ .
وفي حرف أبي - -: ﴿ ولا تبطلوا إيمانكم ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ تأويلها ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ ﴾ أي: لا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح، كذلك قال القتبي.
وقال أبو عوسجة: السلم - بكسر السين -: الصلح، ولا أعرف بفتح السين هاهنا له معنى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ أي: وأنتم الغالبون.
فيه النهي عن الدعاء إلى الصلح إذا كانوا هم الأعلون؛ أعني: أهل الإسلام.
ثم قوله - -: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأعلون بالحجج والبراهين في كل وقت.
ويحتمل: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ بالقهر والغلبة في العاقبة؛ أي: آخر الأمر لكم.
ويحتمل ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ في الدنيا والآخرة؛ لأنهم وإن غلبوا في الدنيا وقتلوا كانت لهم الآخرة، وإن ظفروا بهم كانت لهم الدنيا والأموال.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ ﴾ أي: وأنتم أولى بالله منهم، وهو ما ذكرنا في الآخرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ في النصر والغلبة.
ويحتمل معكم في الوعد الذي وعد؛ أي: ينجز ما وعد لكم في الدنيا ويفي بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم أي: لن يجعل الله للكافرين عليكم مظلمة ولا تبعة، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة؛ كقوله - -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ أي: لن ينقصكم أعمالكم، وكذا قال أبو عوسجة؛ يقال: وتره: أي: نقصه.
وقال بعضهم: لن يظلمكم أعمالكم؛ يقال: وترني حقي، أي: بخسنيه، كذلك قال القتبي: ولكن كلاهما واحد في المعنى، أي: لا ينقص من أعمالهم شيئا، ولا يظلمون فيها، ولا يبخسون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ ، أي: حياة الدنيا على ما عندهم وعلى ما يقدرون لعب ولهو؛ لأنهم كانوا يقولون أن لا بعث ولا حياة فعلى ما عندهم تكون حياة الدنيا على ما ذكر من اللهو.
ويحتمل أنه سماها: لهواً ولعبا؛ لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع والفناء، لا لتكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة؛ وإنشاء الشيء للانقطاع والفناء خاصة بلا عاقبة تقصد يكون لعباً ولهواً، ثم اللعب واللهو يجوز أن يكونا شيئاً واحداً، ويجوز أن يكون أحدهما ما يستمتع بظاهر الأشياء، والآخر ما يستمتع بباطن الأشياء: اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء، واللهو هو ما يتلهى ببواطنها، والله وأعلم.
وقوله - -: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ﴾ أي: وإن تؤمنوا بما أمرتم الإيمان [به] وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره - ﴿ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ ﴾ : جعل الله - عز وجل - بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجراً؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم الله - - حيث أسدى عليهم النعم ابتداء، لكنه جعل لأعمالهم أجراً كأنهم يعملون له ابتداء، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في الحقيقة، وإليه ترجع منافع أعمالهم، ولأن أنفسهم وأموالهم - في الحقيقة - لله - - فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم؟
وهذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك، وأن ليس له ذلك، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله - - فضلا منه وكرماً، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم، وإنما يسألكم من ماله يستمتعوا بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخراً لأنفسكم غير ﴿ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ ، أي: لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها.
والثاني: ﴿ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ ﴾ أي: ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم ﴿ إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ ﴾ أي: لو يسألكم جميع أموالكم، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق، فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلماذا بخلتم وتركتم الإنفاق؟!
وقوله: ﴿ فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ ﴾ يخرج من وجوه: أحدها: أي: يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال.
ويحتمل ﴿ فَيُحْفِكُمْ ﴾ أي: يجعلكم حفاة لا شيء يبقى عندكم: الإحفاء: أن يأخذ كل شيء عنده، وهو من الاستئصال، ومنه إحفاء الشوارب.
وقال أبو عوسجة: الإحفاء: شدة المسألة؛ أي: إن يلح عليكم فيما يوجبه في أموالكم تبخلوا؛ يقال: أحفى في المسألة وألحف وألح واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴾ أي: لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم ومن أموالكم حقيقة يظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم من الضغائن للرسل، عليهم السلام.
فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين؛ فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار نفاقهم وضغائنهم وعداوتهم، فكان كالأمر بالقتال؛ كان سبباً لإظهار نفاقهم.
وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك؛ تحريضاً لهم على الإنفاق والتصدق، أي: إنه سبب إخراج الضغائن والعداوة؛ لما فيه من التحبب والتودد بإيصال ما هو محبوب إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: هأنتم يا هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، أي: في إظهار دين الله، أو في طاعة الله، أو في الجهاد؛ لأن الإنفاق في ذلك كله في سبيل الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ جعل الله - عز وجل -: الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا فيما أمرهم الله - - بالإنفاق في طاعته عند ذلك تصير تلك الأموال لهم؛ لأنهم إذا أنفقوا فيما أمر الله - - انتفعوا بها في الدنيا، واستمتعت أنفسهم وتلذذت، وانتفعوا بها - أيضاً - في الآخرة وقت حاجتهم وفقرهم بذلك تتحقق وتحصل لهم تلك الأموال، فأما عند تركهم الإنفاق فيما أمروا بالإنفاق والبذل فلا تتحقق لهم تلك الأموال المجعولة في أيديهم؛ لأنه إما أن تجعل لوارثهم أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل لهم بذلك نفع يحصل لهم، فيكون ما ذكرنا، فذلك تأويل قوله - -: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ - والله أعلم - لما يهلك نفسه بترك الإنفاق منه ولم يتمتع ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ﴾ عن الصدقة والإنفاق في طاعة الله، ﴿ وَمَن يَبْخَلْ ﴾ بالصدقة في طاعة الله ﴿ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ بالجزاء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ أي: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ ﴾ عن إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق، ﴿ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ إلى ما تنفقون؛ أي: أنتم المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به، لا أنه ترجع منفعة ذلك إليه، أو يأمر لحاجة نفسه، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يوماً، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون يقول: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ ﴾ عنكم وعما في أيديكم، ﴿ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ إليه في كل وقت، وكل ساعة، في جميع أحوالكم وأوقاتكم؛ كقوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ ﴾ عن أموالكم، ﴿ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ﴾ إلى مغفرته ورزقه وجنته ورحمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ﴾ .
قال بعضهم: قد تولوا، وهم أهل مكة، واستبدل قوماً غيرهم وهم أهل المدينة، لكن هذا بعيد؛ لأن السورة مدنية؛ فلا يحتمل الخطاب بها لأهل مكة بقوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ .
ومنهم من يقول: الله - عز وجل - أخبر ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولوا استبدل غيرهم أطوع منهم لله - - فلا تولوا هؤلاء ولا استبدل غيرهم.
وقال بعضهم: هو على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً ﴾ ، أي: [لم] تتولوا ولم يستبدل قوماً غيركم.
والوجه الآخر: قد تولوا واستبدل بهم النخع، وأحمس، وناس من كندة، والذين تولوا حنظلة وأسد، وغطفان، وبنو فلان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ﴾ أي: لا يكون أمثالكم في الطاعة لله - - بل أطوع له وأخضع، والله أعلم.
"وذكر أن رسول الله سئل عن قوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ فضرب بيده على فخذ سلمان الفارسي، وقال: والذي نفسي بيده، لو كان الدين منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس" وقال رسول الله : "رأيت غيما سوداء، ردفها غيم بيض، فاختلطت بها فتعقب بهن جميعاً قالوا: يا رسول الله، فما أولت؟
قال: العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم، قالوا: العجم يا رسول الله؟!
قال: نعم، لو كان الإيمان معلقاً بالثريا، لناله رجال من العجم، وأسعدهم به أهل فارس" فإن ثبت هذا الخبر، فجائز أن يستدل به على جعل العجم أكفاء العرب؛ لأنه قال: "يشركونكم في أنسابكم" فإذا أشركوهم في أنسابهم صاروا أكفاء لهم.
ويحتمل أن يكون قوله: "يشركونكم في أنسابكم" ؛ لأنهم يسبونهم، فيلدون منهم أولاداً فيشتركون فيما ذكر، والله أعلم.
وعن أبي هريرة - - أنه قال: "تلا رسول الله هذه الآية: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم ﴾ ، قالوا: ومن يستبدل قوماً؟
قال: فضرب رسول الله على منكب سلمان، ثم قال: هذا وقومه هذا" ، وقال في حديث آخر: "والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا، لناله رجال من فارس" ، والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.
ها أنتم هؤلاء تُدْعَون لتنفقوا جزءًا من أموالكم في سبيل الله، ولا يطلب منكم إنفاق أموالكم كلها، فمنكم من يمنع الإنفاق المطلوب بخلًا منه، ومن يبخل بإنفاق جزء من ماله في سبيل الله، فإنما يبخل في الواقع على نفسه؛ بحرمانها ثواب الإنفاق، والله الغني فلا يحتاج إلى إنفاقكم، وأنتم الفقراء إليه، وإن ترجعوا عن الإسلام إلى الكفر يهلككم، ويأت بقوم غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، بل يكونون مطيعين له.
من فوائد الآيات سرائر المنافقين وخبثهم يظهر على قسمات وجوههم وأسلوب كلامهم.
الاختبار سُنَّة إلهية لتمييز المؤمنين من المنافقين.
تأييد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتسديد.
من رفق الله بعباده أنه لا يطلب منهم إنفاق كل أموالهم في سبيل الله.