تفسير الآية ١٥ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٥ من سورة الفتح

سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ١٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٥ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الحديبية ، إذ ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها : أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم ، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم ، فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يأذن لهم في ذلك ، معاقبة لهم من جنس ذنبهم .

فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين ، فلا يقع غير ذلك شرعا وقدرا ; ولهذا قال : ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) قال مجاهد ، وقتادة ، وجويبر : وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية .

واختاره ابن جرير .

وقال ابن زيد : هو قوله : ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ) [ التوبة : 83 ] .

وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر ; لأن هذه الآية التي في " براءة " نزلت في غزوة تبوك ، وهي متأخرة عن غزوة الحديبية .

وقال ابن جريج : ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) يعني : بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد .

( قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) أي : وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم ، ( فسيقولون بل تحسدوننا ) أي : أن نشرككم في المغانم ، ( بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) أي : ليس الأمر كما زعموا ، ولكن لا فهم لهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا (15) يقول تعالى ذكره لنييه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرت معتمرا تريد بيت الله الحرام, إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة ( لِتَأْخُذُوهَا ) وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) إلى خيبر, فنشهد معكم قتال أهلها( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) يقول: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية, وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم, ووعدهم ذلك عوضا من غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح, ولم يصيبوا منهم شيئا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: رجع, يعني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن مكة, فوعده الله مغانم كثيرة, فعجلت له خيبر, فقال المخلفون ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) وهي المغانم ليأخذوها, التي قال الله جلّ ثناؤه ( إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ) وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن رجل من أصحابه, عن مقسم قال: لما وعدهم الله أن يفتح عليهم خيبر, وكان الله قد وعدها من شهد الحديبية لم يعط أحدا غيرهم منها شيئا, فلما علم المنافقون أنها الغنيمة قالوا( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) يقول: ما وعدهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ )....

الآية, وهم الذين تخلفوا عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الحديبية.

ذُكر لنا أن المشركين لما صدّوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الحديبية عن المسجد الحرام والهدي, قال المقداد: يا نبيّ الله, إنا والله لا نقول كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون; فلما سمع ذلك أصحاب نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تبايعوا على ما قال; فلما رأى ذلك نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم صالح قريشا, ورجع من عامه ذلك ".

وقال آخرون: بل عنى بقوله ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) إرادتهم الخروج مع نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في غزوه, وقد قال الله تبارك وتعالى فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا .

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ )...

الآية, قال الله عزّ وجلّ حين رجع من غزوه, فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ....

الآية يريدون أن يبدّلوا كلام الله: أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ويخرجوا معه وأبى الله ذلك عليهم ونبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له, لأن قول الله عزّ وجلّ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنما نـزل على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مُنْصَرَفَه من تَبوك, وعُنِي به الذين تخلَّفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم, ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضا, فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنيا بقول الله ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, إذ شخص معتمرا يريد البيت, فصدّه المشركون عن البيت, الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك, وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نـزلت هذه الآية, ولا كان أُوحِيَ إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قوله فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا .

فإذ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول في ذلك: ما قاله مجاهد وقتادة على ما قد بيَّنا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة, وبعض قرّاء الكوفة ( كَلامَ اللهِ ) على وجه المصدر, بإثبات الألف.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ( كَلِمَ اللهِ ) بغير ألف, بمعنى جمع كلمة, وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, وإن كنتُ إلى قراءته بالألف أَمْيل.

وقوله ( قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل لهؤلاء المخلفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم لقتالهم ( كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ) يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مَرْجِعنا إليكم, إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا, ولستم ممن شهدها, فليس لكم أن تَتَّبعونا إلى خيبر, لأن غنيمتها لغيركم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ) أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد, وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب.

وقوله ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ) أن نصيب معكم مغنما إن نحن شهدنا معكم, فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ) أن نصيب معكم غنائم.

وقوله ( بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا ) يقول تعالى ذكره لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب من أنكم إنما تمنعونهم من اتباعكم حسدا منكم لهم على أن يصيبوا معكم من العدوّ مغنما, بل كانوا لا يفقهون عن الله ما لهم وعليهم من أمر الدين إلا قليلا يسيرا, ولو عقلوا ذلك ما قالوا لرسول الله والمؤمنين به, وقد أخبروهم عن الله تعالى ذكره أنه حرمهم غنائم خيبر, إنما تمنعوننا من صحبتكم إليها لأنكم تحسدوننا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا .[ ص: 247 ] قوله تعالى : سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها يعني مغانم خيبر ; لأن الله - عز وجل - وعد أهل الحديبية فتح خيبر ، وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر .

ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كسهم من حضر .

قال ابن إسحاق : وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة ، وزيد بن ثابت من بني النجار ، كانا حاسبين قاسمين .

ذرونا نتبعكم أي دعونا .

تقول : ذره ، أي : دعه .

وهو يذره ، أي : يدعه .

وأصله وذره يذره مثال وسعه يسعه .

وقد أميت صدره ، لا يقال : وذره ولا واذر ، ولكن تركه وهو تارك .

قال مجاهد : تخلفوا عن الخروج إلى مكة ، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخذ قوما ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم .يريدون أن يبدلوا كلام الله أي يغيروا .

قال ابن زيد : هو قوله تعالى : فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا الآية .

وأنكر هذا القول الطبري وغيره ، بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة .

وقيل : المعنى يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد لأهل الحديبية ، وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح ، قاله مجاهد وقتادة ، واختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل .

وقرأ حمزة والكسائي ( كلم ) بإسقاط الألف وكسر اللام ، جمع كلمة ، نحو سلمة وسلم .

الباقون ( كلام ) على المصدر .

واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، واختارا بقوله : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي .

والكلام : ما استقل بنفسه من الجمل .

قال الجوهري : الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير .

والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة ، مثل نبقة ونبق .

ولهذا قال سيبويه : ( هذا باب علم ما الكلم من العربية ) ولم يقل ما الكلام ; لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء : الاسم ، والفعل ، والحرف ، فجاء بما لا يكون إلا جمعا ، وترك ما يمكن أن يقع على الواحد والجماعة .

وتميم تقول : هي كلمة ، بكسر الكاف ، وقد مضى في ( براءة ) القول فيها .( كذلكم قال الله من قبل ) أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة .

فسيقولون بل تحسدوننا أن نصيب معكم من الغنائم .

وقيل : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، [ إن خرجتم لم أمنعكم إلا أنه لا سهم لكم ] .

فقالوا : هذا حسد .

فقال المسلمون : قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى : فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا .

وقيل : لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلا ، وهو ترك القتال .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى المخلفين وذمهم، ذكر أن من عقوبتهم الدنيوية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا انطلقوا إلى غنائم لا قتال فيها ليأخذوها، طلبوا منهم الصحبة والمشاركة، ويقولون: { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ } بذلك { أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ } حيث حكم بعقوبتهم، واختصاص الصحابة المؤمنين بتلك الغنائم، شرعا وقدرا.

{ قُلْ } لهم { لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } إنكم محرومون منها بما جنيتم على أنفسكم، وبما تركتم القتال أول مرة.{ فَسَيَقُولُونَ } مجيبين لهذا الكلام، الذي منعوا به عن الخروج: { بَلْ تَحْسُدُونَنَا } على الغنائم، هذا منتهى علمهم في هذا الموضع، ولو فهموا رشدهم، لعلموا أن حرمانهم بسبب عصيانهم، وأن المعاصي لها عقوبات دنيوية ودينية، ولهذا قال: { بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( سيقول المخلفون ) يعني هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية ( إذا انطلقتم ) سرتم وذهبتم [ أيها المؤمنون ] ( إلى مغانم لتأخذوها ) يعني غنائم خيبر ( ذرونا نتبعكم ) إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها ، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة إذ انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئا .

قال الله تعالى : ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) قرأ حمزة والكسائي : " كلم الله " بغير ألف جمع كلمة ، وقرأ الآخرون : " كلام الله " ، يريدون أن يغيروا مواعيد الله تعالى لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة .

وقال مقاتل : يعني أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن لا يسير منهم أحد .

وقال ابن زيد : هو قول الله - عز وجل - : " فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا " ( التوبة - 83 ) ، والأول أصوب ، وعليه عامة أهل التأويل .

قل لن تتبعونا ) إلى خيبر ) كذلكم قال الله من قبل ) أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ) فسيقولون بل تحسدوننا ) أي يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم ) بل كانوا لا يفقهون ) لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين ) إلا قليلا ) منهم وهو من صدق الله والرسول .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سيقول المخلفون» المذكورون «إذا انطقتم إلى مغانم» هي مغانم خيبر، «لتأخذوها ذرونا» اتركونا «نتبعكم» لنأخذ منها «يريدون» بذلك «أن يبدّلوا كلام الله» وفي قراءة: كلِم الله بكسر اللام أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة «قل لن تتبعونا كذالكم قال الله من قبل» أي قبل عودنا «فسيقولون بل تحسدوننا» أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك «بل كانوا لا يفقهون» من الدين «إلا قليلا» منهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سيقول المخلَّفون، إذا انطلقت -أيها النبي- أنت وأصحابك إلى غنائم "خيبر" التي وعدكم الله بها، اتركونا نذهب معكم إلى "خيبر"، يريدون أن يغيِّروا بذلك وعد الله لكم.

قل لهم: لن تخرجوا معنا إلى "خيبر"؛ لأن الله تعالى قال لنا من قبل رجوعنا إلى "المدينة": إن غنائم "خيبر" هي لمن شهد "الحديبية" معنا، فسيقولون: ليس الأمر كما تقولون، إن الله لم يأمركم بهذا، إنكم تمنعوننا من الخروج معكم حسدًا منكم؛ لئلا نصيب معكم الغنيمة، وليس الأمر كما زعموا، بل كانوا لا يفقهون عن الله ما لهم وما عليهم من أمر الدين إلا يسيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عادت السورة الكريمة إلى حكاية أقوال هؤلاء المنافقين ، وإلى الرد عليها ، فقال - تعالى - : ( سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ .

.

) .والمراد بالمخلفين هنا : السابقون الذين وصفوا بأنهم من الأعراب ، فاللام للعهد .أى : سيقول المخلفون عن الخروج معك يا محمد إلى مكة بعد أن خاب ظنهم فرجعتم سالمين إليهم بعد صلح الحديبية ، سيقولون لك ولأصحابك : ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) أى : اتركونا لنسير معكم ، لنشارككم فى جمع الغنائم التى تنالونها من أعدائكم .فقوله ( ذَرُونَا ) بمعنى اتركونا ودعونا .قال الآلوسى : والمراد بالمغانم هنا : مغانم خيبر - كما عليه عامة المفسرين - ولم نقف على خلاف فى ذلك ، وأيد بأن السين تدل على القرب ، وخيبر أقرب المغانم التى انطلقوا إليها من الحديبية - كما علمت - فإرادتها كالمتعينة ، وقد جاء فى الأخبار الصحيحة أن الله - تعالى - وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر ، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئا .وقد كان رجوع النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من صلح الحديبية فى ذى الحجة من السنة السادسة ، وخروجهم إلى خيبر كان فى المحرم من السنة السابعة ، وقد أصاب المسلمون من خيبر غنائم كثيرة ، وقد جعلها - صلى الله عليه وسلم - لمن شهد معه صلح الحديبية دون غيرهم .وقوله : ( يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله ) أى : يريد هؤلاء المخلفون بقولهم ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) أن يغيروا حكم الله - تعالى - الذى حكم به ، وهو أن غنائم خيبر خاصة لمن شهد صلح الحديبية ، أما هؤلاء المخلفون فلا نصيب لهم فيها .ثم لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - الرد الذى يخرسهم فقال : ( قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ .

.

) أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين - على سبيل الإِقناط والتيئيس والزجر - لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها .

فالنفى فى قوله ( لَّن تَتَّبِعُونَا ) بمعنى النهى للمبالغة فى منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خيبر .وقوله : ( كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ ) أى : مثل هذا النهى الصادر منى قد قاله الله - تعالى - من قبل رجوعنا من الحديبية ، فقد أمرنى بمنعكم من الخروج معى إلى خيبر ، وبحرمانكم من غنائمها ، عقابا لكم على معصيتكم لى ، وعلى سوء ظنكم بى وبأصحابى .

.ثم حكى - سبحانه - ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابهتهم بتلك الحقيقة فقال : ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .أى : فيسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خيبير ، وبعد أن ذكرت لهم حكم الله فيهم .

.

سيقولون لك على سبيل السفاعة وسوء الأدب : أنتم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خيبر ، أن تحسدوننا وتمنعوننا حقنا فى الغنيمة ، والله - تعالى - لم يأمركم بمنعنا ، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا .وقوله : ( بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) إضراب عن قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - أى ليس الحق كما زعموا ، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة ، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فقها قليلا ، لا يسمن ولا يغنى من جوع .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين حرفى الإِضراب؟

قلت : الأول إضراب معناه : رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد .

والثانى : إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين ، إلى وصفهم بما هو أطم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ .

أوضح الله كذبهم بهذا حيث كانوا عندما يكون السير إلى مغانم يتوقعونها يقولون من تلقاء أنفسهم ﴿ ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ فإذا كان أموالهم وأهلوهم شغلتهم يوم دعوتكم إياهم إلى أهل مكة، فما بالهم لا يشتغلون بأموالهم يوم الغنيمة، والمراد من المغانم مغانم أهل خيبر وفتحها وغنم المسلمون ولم يكن معهم إلا من كان معه في المدينة، وفي قوله: ﴿ سَيَقُولُ المخلفون ﴾ وعد المبايعين الموافقين بالغنيمة والمتخلفين المخالفين بالحرمان.

وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ ﴾ .

يحتمل وجوهاً أحدها: هو ما قال الله إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وعاهد بها لا غير وهو الأشهر عند المفسرين، والأظهر نظراً إلى قوله تعالى: ﴿ كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ ﴾ ، ثانيها: يريدون أن يبدلوا كلام الله وهو قوله: ﴿ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ  ﴾ وذلك لأنهم لو اتبعوكم لكانوا في حكم بيعة أهل الرضوان الموعودين بالغنيمة فيكونون من الذين رضي الله عنهم كما قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة  ﴾ فلا يكونون من الذين غضب الله عليهم فيلزم تبديل كلام الله ثالثها: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله على باطنهم وأظهر له نفاقهم وأنه يريد أن يعاقبهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِيَ عَدُوّا  ﴾ فأرادوا أن يبدلوا ذلك الكلام بالخروج معه، لا يقال فالآية التي ذكرتم واردة في غزوة تبوك لا في هذه الواقعة، لأنا نقول قد وجد هاهنا بقوله: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ على صيغة النفي بدلاً عن قوله: لا تتبعونا، على صيغة النهي معنى لطيف وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى على إخبار الله تعالى عنهم النفي لوثوقه وقطعه بصدقه فجزم وقال: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ يعني لو أذنتكم ولو أردتم واخترتم لا يتم لكم ذلك لما أخبر الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ﴾ .

رداً على قوله تعالى: ﴿ كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ ﴾ كأنهم قالوا: ما قال الله كذلك من قبل، بل تحسدوننا، وبل للاضراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين، أما هاهنا فهو بتقدير ما قال الله وكذلك، فإن قيل بماذا كان الحسد في اعتقادهم؟

نقول كأنهم قالوا نحن كنا مصيبين في عدم الخروج حيث رجعوا من الحديبية من غير حاصل ونحن استرحنا، فإن خرجنا معهم ويكون فيه غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا.

ثم قال تعالى رداً عليهم كما ردوا ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي لم يفقهوا من قولك لا تخرجوا إلا ظاهر النهي ولم يفهموا من حكمه إلا قليلاً فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَيَقُولُ المخلفون ﴾ الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿ إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ ﴾ إلى غنائم خيبر ﴿ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله ﴾ وقرئ: ﴿ كلم الله ﴾ أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً.

وقيل: هو قوله تعالى: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا ﴾ [التوبة: 83] ﴿ تحسدوننا ﴾ أن نصيب معكم من الغنائم.

قرئ: بضم السين وكسرها ﴿ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ لا يفهمون إلا فهماً ﴿ قَلِيلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، كقوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا ﴾ [الروم: 7] فإن قلت: ما الفرق بين حرفي الإضراب؟

قلت: الأوّل إضراب معناه: ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد.

والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ ﴾ يَعْنِي المَذْكُورِينَ.

﴿ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ﴾ يَعْنِي مَغانِمَ خَيْبَرَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحَجَّةِ مِن سَنَةِ سِتٍّ وأقامَ بِالمَدِينَةِ بَقِيَّتَها وأوائِلَ المُحَرَّمِ، ثُمَّ غَزا خَيْبَرَ بِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فَفَتَحَها وغَنِمَ أمْوالًا كَثِيرَةً فَخَصَّها بِهِمْ.

﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ أنْ يُغَيِّرُوهُ وهو وعْدُهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ مَكَّةِ مَغانِمَ خَيْبَرَ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ في تَبُوكَ.

والكَلامُ اسْمٌ لِلتَّكْلِيمِ غَلَبَ في الجُمْلَةِ المُفِيدَةِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «كَلَمَ اللَّهِ» وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ.

﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ.

﴿ كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ تَهَيُّئِهِمْ لِلْخُرُوجِ إلى خَيْبَرَ.

﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ أنْ يُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ.

﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ ﴾ لا يَفْهَمُونَ.

﴿ إلا قَلِيلا ﴾ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فِطْنَتُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا، ومَعْنى الإضْرابِ الأوَّلِ رَدٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ حُكْمُ اللَّهِ أنْ لا يَتْبَعُوهم وإثْباتٌ لِلْحَسَدِ، والثّانِي رَدٌّ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ وإثْباتٌ لِجَهْلِهِمْ بِأُمُورِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سَيَقُولُ المخلفون} الذين تخلفوا عن الحديبية {إِذَا انطلقتم إلى مغانم} اى غنائم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كلام الله} كَلِمَ الله حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية

وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} إلى خيبر وهو اخبار من الله بعد اتباعهم ولا يبدل القول لديه {كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ} من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} من كلام الله {إِلاَّ قَلِيلاً} إلا شيئاً قليلاً يعني مجرد القول والفرق بين الإضرابين أن الاول أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم وإثبات الحسد والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ ﴾ المَذْكُورُونَ مِنَ الأعْرابِ فاللّامُ لِلْعَهْدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ﴾ ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ لا شَرْطَ لِما بَعْدَهُ، والمُرادُ بِالمَغانِمِ مَغانِمُ خَيْبَرَ كَما عَلَيْهِ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ نَقِفْ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وأُيِّدَ بِأنَّ السِّينَ تَدُلُّ عَلى القُرْبِ وخَيْبَرُ أقْرَبُ المَغانِمِ الَّتِي انْطَلَقُوا إلَيْها مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، فَإرادَتُها كالمُتَعَيَّنَةِ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ مَكَّةَ خَيْبَرَ إذا قَفَلُوا مُوادِعِينَ لا يُصِيبُونَ شَيْئًا، وخَصَّ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِهِمْ أيْ سَيَقُولُونَ عِنْدَ إطْلاقِكم إلى مَغانِمِ خَيْبَرَ لِتَأْخُذُوها حَسْبَما وعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى إيّاها وخَصَّكم بِها طَمَعًا في عَرَضِ الدُّنْيا لِما أنَّهم يَرَوْنَ ضَعْفَ العَدُوِّ ويَتَحَقَّقُونَ النُّصْرَةَ ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ إلى خَيْبَرَ ونَشْهَدْ مَعَكم قِتالَ أهْلِها ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ بِأنْ يُشارِكُوا في الغَنائِمِ الَّتِي خَصَّها سُبْحانَهُ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وحاصِلُهُ يُرِيدُونَ الشَّرِكَةَ الَّتِي لا تَحْصُلُ لَهم دُونَ نُصْرَةِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مُرادِهِمْ بِذَلِكَ القَوْلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُخَلَّفِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا يُنافِي خَبَرَ التَّخْصِيصِ إعْطاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْضَ مُهاجِرِي الحَبَشَةِ القادِمِينَ مَعَ جَعْفَرٍ وبَعْضَ الدَّوْسِيِّينَ والأشْعَرِيِّينَ مِن ذَلِكَ وهم أصْحابُ السَّفِينَةِ كَما في البُخارِيِّ، فَإنَّهُ كانَ اسْتِنْزالًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِهِمْ لَهم أوْ أنَّ بَعْضَها فُتِحَ صُلْحًا وما أعْطاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَهو بَعْضٌ مِمّا صالَحَ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في السِّيَرِ لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ المُحَدِّثُونَ أنَّهُ لا صُلْحَ فِيها.

وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّما أعْطاهم  بِرِضا أصْحابِ الوَقْعَةِ أوْ أعْطاهم مِنَ الخُمُسِ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَيْلُ البُخارِيِّ إلى الثّانِي وحَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وعْدِهِ بِتِلْكَ الغَنائِمِ لَهم خاصَّةً هو الَّذِي عَلَيْهِ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَلامُ اللَّهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ) ووافَقَهُ الجِبائِيُّ عَلى ذَلِكَ وشَنَّعَ عَلَيْهِما غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ ذَلِكَ نازِلٌ في المُخَلَّفِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ وكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ يَوْمَ الخَمِيسِ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ بِلا خِلافٍ كَما قالَ القَسْطَلانِيُّ والحُدَيْبِيَةُ في سَنَةِ سِتٍّ كَما قالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ إنَّما نَزَلَتْ بُعَيْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ، وأيْضًا قالَ في البَحْرِ: قَدْ غَزَتْ مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفَضَّلَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَمِيمٍ وغَطَفانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، وفي الكَشْفِ لَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ أرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ لَمّا كانُوا مُنافِقِينَ مِثْلَ المُخَلَّفِينَ عَنْ تَبُوكَ كانَ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ واحِدًا، ألا تَرى أنَّ المَعْنى المُوجِبَ مُشْتَرِكٌ وهو رِضاهم بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى أُرِيدَ بِهِ حُكْمُهُ السّابِقُ وهو أنَّ المُنافِقَ لا يُسْتَصْحَبُ في الغَزْوِ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ هَذا الحُكْمَ مُنْقاسٌ عَلى ذَلِكَ الأصْلِ أوِ الآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ أيْضًا فَهَذا ما يُمْكِنُ في تَصْحِيحِهِ انْتَهى، ويُقالُ عَمّا في البَحْرِ: إنَّ الَّذِينَ غَزَوْا بَعْدُ لَمْ يَغْزُوا حَتّى أخْلَصُوا ولَمْ يَبْقُوا مُنافِقِينَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَلَمَ اللَّهِ) وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ واحِدُهُ كَلِمَةٌ ﴿ قُلْ ﴾ إقْناطًا لَهم ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ أيْ لا تَتْبَعُونا فَإنَّهُ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاتِّباعِ فِيما أرادُوا الِاتِّباعَ فِيهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ وهو الِانْطِلاقُ إلى خَيْبَرَ كَما نُقِلَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: المُرادُ ولا تَتَّبِعُونا ما دُمْتُمْ مَرْضى القُلُوبِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: كانَ المَوْعِدُ أيِ المَوْعِدُ الَّذِي تَغْيِيرُهُ تَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو مَوْعِدُهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ  إلّا مُتَطَوِّعِينَ لا نَصِيبَ لَهم في المَغْنَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَتَّبِعُونا إلّا مُتَطَوِّعِينَ، وقِيلَ: المُرادُ التَّأْبِيدُ، وظاهِرُ السِّياقِ الأوَّلُ ﴿ كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ تَهَيَّأْتُمْ لِلْخُرُوجِ مَعَنا وذَلِكَ عِنْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ ﴿ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ أنْ نُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ بَلْ إنَّما ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم حَسَدًا.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَحْسِدُونَنا) بِكَسْرِ السِّينِ ﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ ﴾ لا يَفْهَمُونَ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فَهْمُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا، وهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ في المُؤْمِنِينَ ووَصْفٌ لَهم بِما هو أعْظَمُ مِنَ الحَسَدِ وأطَمُّ وهو الجَهْلُ المُفْرِطُ وسُوءُ الفَهْمِ في أُمُورِ الدِّينِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى وإثْباتِهِمُ الحَسَدَ لِأُولَئِكَ السّادَةِ مِنَ الجَهْلِ وقِلَّةِ التَّفَكُّرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يعني: يوم الحديبية تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، قال الكلبي: بايعوا تحت الشجرة، وهي شجرة السَّمرة، وهم يومئذٍ ألف وخمسمائة وأربعون رجلاً.

وروى هشام عن محمد بن الحسن قال: كانت الشجرة أم غيلان.

إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يعني: كأنهم يبايعون الله، لأن النبيّ  إنما بايعهم بأمر الله تعالى.

ويقال: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي: لأجله، وطلب رضاه.

ثم قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يعني: يد الله بالنصرة، والغلبة، والمغفرة، فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالطاعة.

وقال الزجاج: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يحتمل ثلاثة أوجه.

أحدها يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالوفاء، ويحتمل يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالثواب، فهذان وجهان جاءا في التفسير، ويحتمل أيضاً يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ في المِنَّة عليهم، وفي الهداية فوق أيديهم في الطاعة.

فَمَنْ نَكَثَ يعني: نقض العهد، والبيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ يعني: عقوبته على نَفْسِهِ.

وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ قرأ حفص: برفع الهاء.

أي: وفى بما عاهد عليه من البيعة، فيتم ذلك مع رسول الله  يعني: أوفى بما عاهد الله عليه من البيعة، والتمام في ذلك مع رسول الله  .

فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً في الجنة.

قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر: فَسَنُؤْتِيهِ بالنون.

والباقون: بالياء.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

يعني: سيؤتيه الله ثواباً عظيماً.

قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ وهم أسلم، وأشجع، وغفار، وذلك أن النبي  حين خرج إلى مكة عام الحديبية، فاستتبعهم، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة.

فقالوا فيما بينهم: نذهب معه إلى قوم جاءوه فقتلوا أصحابه، فقاتلهم، فاعتلوا عليه بالشغل، حتى رجع، فأخبر الله تعالى رسوله قبل ذلك، أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر، وهم كاذبون.

فقال: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن بيعة الحديبية شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا يعني: خفنا عليهم الضيعة، ولولا ذلك لخرجنا معك.

فَاسْتَغْفِرْ لَنا في التخلف.

يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يعني: من طلب الاستغفار وهم لا يبالون، أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تستغفر لهم.

قُلْ يا محمد فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا يعني: قتلاً، أو هزيمة، أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً يعني: النصرة.

قرأ حمزة والكسائي ضَرًّا بضم الضاد، وهو سوء الحال والمرض، وما أشبه ذلك.

والباقون: بالنصب.

وهو ضد النفع.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير.

يعني: لا يقدر أحد على دفع الضر، ومنع النفع غير الله.

ثم استأنف الكلام فقال: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يعني: عالماً بتخلفكم، ومرادكم.

قوله عز وجل: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ يعني: بل منعكم من السير معه، لأنكم ظننتم أن لن ينقلب الرسول وَالْمُؤْمِنُونَ من الحديبية إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حُسِّن التخلف فى قلوبكم وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يعني: حسبتم الظن القبيح وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً يعني: هلكى.

وروي عن ابن عباس أنه قال: البور في لغة أزد عمان: الشيء الفاسد.

والبور في كلام العرب: لا شيء.

يعني: أعمالهم بور أي: مبطلة.

قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: من لم يصدق بالله في السر، كما صدقه في العلانية فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً يعني: هيأنا لهم عذاب السعير.

قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.

ويقال: ونفاذ الأمر في السموات والأرض.

يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وهو فضل منه المغفرة، وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء على الذنب الصغير، وهو عدل منه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وغيره: تعزّزوه بزاءين من العِزَّةِ «١» ، قال الجمهور: الضمير في تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي تُسَبِّحُوهُ لله عز وجل، والبكرة: الغدوّ، والأصيل: العشيّ.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ: يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم صلّى الله عليه وسلّم على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الموت «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه: بايعنا رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم على أَلاَّ نَفِرّ «٣» ، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح/ الثمن اللَّه تعالى.

ت: وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ: «إنما يبايعون اللَّه» أي: أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن.

وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» : التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل:

المعنى: قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك.

ت: وقال الثعلبيُّ: «يد اللَّه فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، وقيل:

بالثواب، وقيل: «يد اللَّه» : في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم» : في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول.

وقوله تعالى: فَمَنْ نَكَثَ أي: فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ ﴾ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ ﴾ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ بِالصُّلْحِ وعَدَهُمُ اللَّهُ فَتَحَ خَيْبَرَ، وخُصَّ بِها مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فانْطَلَقُوا إلَيْها، فَقالَ هَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ: ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "أنْ يُبَدِّلُوا كَلِمَ اللَّهِ" بِكَسْرِ اللّامِ.

وَفِي المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَواعِيدُ اللَّهِ بِغَنِيمَةِ خَيْبَرَ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أمْرُ اللَّهِ نَبِيَّهُ أنْ لا يَسِيرَ مَعَهُ مِنهم أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِالحُدَيْبِيَةِ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ خَيْبَرَ، ونَهاهُ أنْ يَسِيرَ مَعَهُ أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَعَلى القَوْلَيْنِ: قَصَدُوا أنْ يُجِيزَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  ما يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ، فَيَكُونُ تَبْدِيلًا لِأمْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قالَ: إنَّ غَنائِمَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: قالَ: لَنْ تَتْبَّعُونا، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ أيْ: يَمْنَعُكُمُ الحَسَدُ مِن أنْ نُصِيبَ مَعَكُمُ الغَنائِمَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن لَمْ يُؤْمِن بِاللهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللهِ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا ﴾ لَمّا قالَ تَعالى لَهُمْ: ﴿ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا  ﴾ تَوَعَّدَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يُؤْمِن بِاللهِ ورَسُولِهِ ﴾ الآيَةُ، وأنْتُمْ هَكَذا فَأنْتُمْ مِمَّنْ أُعِدَّتْ لَهُمُ السَعِيرُ، وهي النارُ المُؤَجَّجَةُ، والمُسَعَّرُ: ما يُحَرَّكُ بِهِ النارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ".» ثُمَّ رَجّى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ وعِيدُهم وتَوْبِيخُهم مَمْزُوجًا فِيهِ بَعْضُ الإمْهالِ والتَرْجِيَةِ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ كانَ عَلِمَ مِنهم أنَّهم سَيُؤْمِنُونَ.

ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبِيَّهُ  - عَلى ما رُوِيَ - بِغَزْوِ خَيْبَرَ ووَعَدَهُ بِفَتْحِها، وأعْلَمَهُ أنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رَأوا مَسِيرَهُ إلى يَهُودَ - وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ - طَلَبُوا الكَوْنَ مَعَهُ رَغْبَةً في عَرْضِ الدُنْيا والغَنِيمَةِ، وكانَ كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: يُرِيدُونَ أنْ يُغَيِّرُوا وعْدَهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ بِغَنِيمَةِ خَيْبَرَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: كَلامُ اللهِ تَعالى هو قَوْلُهُ: ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رُجُوعِ رَسُولِ اللهِ  مِن تَبُوكَ، وهَذا في آخِرِ عُمْرِهِ  ، وآيَةُ هَذِهِ السُورَةِ نَزَلَتْ سَنَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وأيْضًا فَقَدْ غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بَعْدَ هَذِهِ المُدَّةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، وقَدْ فَضَّلَهم رَسُولُ اللهِ  - بَعْدَ ذَلِكَ - عَلى تَمِيمٍ وغَطَفانَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، الحَدِيثُ المَشْهُورُ، فَأخْبَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهم في هَذِهِ الغَزْوَةِ إلى خَيْبَرَ: ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ ، وخَصَّ اللهُ بِها أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكم قالَ اللهُ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُ وعْدَهُ قَبْلُ بِاخْتِصاصِهِمْ بِها، وقَوْلُ الأعْرابِ: ﴿ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ مَعْناهُ: بَلْ يَعِزُّ عَلَيْكم أنْ نُصِيبَ مَغْنَمًا ومالًا، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ المَقالَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلا ﴾ ، أيْ: لا يَفْقَهُونَ مِنَ الأُمُورِ مَواضِعَ الرُشْدِ، وذَلِكَ هو الَّذِي خَلَّفَهم عن رَسُولِ اللهِ  حَتّى كانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلى مَنعِهِمْ مِن غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَحْسِدُونَنا" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "كَلامَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو أخَصُّ بِما كانَ مُفِيدًا حَدِيثًا، وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "كَلِمَ"، والمَعْنى فِيهِما مُتَقارِبٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا استئناف ثان بعد قوله: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ﴾ [الفتح: 11].

وهو أيضاً إعلام للنبيء صلى الله عليه وسلم بما سيقوله المخلفون عن الحديبيّة يتعلّق بتخلّفهم عن الحديبية وعذرهم الكاذب، وأنهم سيندمون على تخلفهم حين يرون اجتناء أهل الحديبيّة ثمرة غزوهم، ويتضمن تأكيد تكذيبهم في اعتذارهم عن التخلف بأنهم حين يعلمون أن هنالك مغانم من قتال غير شديد يحرصون على الخروج ولا تشغلهم أموالهم ولا أهاليهم، فلو كان عذرهم حقاً لما حرصوا على الخروج إذا توقعوا المغانم ولأقبلوا على الاشتغال بأموالهم وأهليهم.

ولكون هذه المقالة صدرت منهم عن قريحة ورغبة لم يؤت معها بمجرور ﴿ لك ﴾ كما أُتي به في قوله: ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ آنفاً لأن هذا قولُ راغب صادق غير مزوِّر لأجل الترويج على النبي صلى الله عليه وسلم كما علمت ذلك فيما تقدم.

واستُغني عن وصفهم بأنهم من الأعراب لأن تعريف ﴿ المخلفون ﴾ تعريف العهد، أي المخلفون المذكورون.

وقوله: ﴿ إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴾ متعلق ب ﴿ سيقول المخلَّفون ﴾ وليس هو مقول القول.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف للمستقبل، ووقوع فعل المضي بعده دون المضارع مستعار لمعنى التحقيق، و ﴿ إذا ﴾ قرينة على ذلك لأنها خاصة بالزمن المستقبل.

والمراد بالمغانم في قوله: ﴿ إذا انطلقتم إلى مغانم ﴾ : الخروج إلى غزوة خيبر فأطلق عليها اسم مغانم مجازا لعلاقة الأوْل مثل إطلاق خَمراً في قوله: ﴿ إني أرانِيَ أعصر خمراً ﴾ [يوسف: 36].

وفي هذا المجاز إيماء إلى أنهم منصورون في غزوتهم.

وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجَع من الحديبيّة إلى المدينة أقام شهر ذي الحجة سنة وست وأياماً من محرم سنة سبع ثم خرج إلى غزوة خيبر ورام المخلفون عن الحديبيّة أن يخرجوا معه فمنعهم لأن الله جعلَ غزوة خيبر غنيمة لأهل بيعة الرضوان خاصة إذ وعدهم بفتح قريب.

وقوله: ﴿ لتأخذوها ﴾ ترشيح للمجاز وهو إيماء إلى أن المغانم حاصلة لهم لا محالة.

وذلك أن الله أخبر نبيئه صلى الله عليه وسلم أنه وعد أهل الحديبيّة أن يعوضهم عن عدم دخول مكة مغانم خبير.

و ﴿ مغانم ﴾ : جمع مغنم وهو اسم مشتق من غَنم إذا أصاب ما فيه نفع له كأنهم سموه مغنماً باعتبار تشبيه الشيء المغنوم بمكان فيه غنم فصيغ له وزن المَفْعَل.

وأشعر قوله: ﴿ ذَرُونا ﴾ بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيمنعهم من الخروج معه إلى غزو خيبر لأن الله أمره أن لا يُخرج معه إلى خيبر إلا من حضر الحديبيّة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وقال فرعون ذروني أقتل موسى ﴾ في سورة غافر (26).

وقوله: نتبعكم} حكاية لمقالتهم وهو يقتضي أنهم قالوا هذه الكلمة استنزالاً لإجابة طلبهم بأن أظهروا أنهم يخرجون إلى غزو خيبر كالأتباع، أي أنهم راضِون بأن يكونوا في مؤخرة الجيش فيكون حظهم في مغانمه ضعيفاً.

وتبديل كلام الله: مخالفة وحيه من الأمر والنهي والوعد كرامة للمجاهدين وتأديباً للمخلفين عن الخروج إلى الحديبيّة.

فالمراد بكلام الله ما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من وعد أهل الحديبيّة بمغانم خيبر خاصة لهم، وليس المراد بكلام الله هنا القرآن إذ لم ينزل في ذلك قرآن يومئذٍ.

وقد أشرك مع أهل الحديبية من ألحق بهم من أهل هجرة الحبشة الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم بوحي.

وأما ما روي عن عبد الله بن زيد بن أسلم أن المراد بكلام الله قوله تعالى: ﴿ فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً ﴾ [التوبة: 83] فقد رده ابن عطية بأنها نزلت بعد هذه السورة وهؤلاء المخلفون لم يمنعوا منعاً مؤبداً بل منعوا من المشاركة في غزوة خيبر لئلا يشاركوا في مغانمها فلا يلاقي قوله فيها ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ وينافي قوله في هذه السورة ﴿ قُل للمخلَّفين من الأعراب ستُدَعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ﴾ [الفتح: 16] الآية، فإنها نزلت في غزوة تبوك وهي بعد الحديبيّة بثلاث سنين.

وجملة ﴿ يريدون أن يُبدِّلوا كلام الله ﴾ في موضع الحال.

والإرادة في قوله: ﴿ يُريدون أن يُبدلوا كلام الله ﴾ على حقيقتها لأنهم سيعلمون حينئذٍ يقولون: ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ أن الله أوحَى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بمنعهم من المشاركة في فتح خيبر كما دل عليه تنازلهم في قولهم: ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فهم يريدون حينئذٍ أن يغيروا ما أمر الله به رسوله حين يقولون ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ إذ اتباع الجيش والخروج في أوله سواء في المقصود من الخروج.

وقرأ الجمهور ﴿ كلام الله ﴾ .

وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ كَلِم الله ﴾ اسم جمع كَلمة.

وجيء ب ﴿ لن ﴾ المفيدة تأكيد النفي لقطع أطماعهم في الإذن لهم باتباع الجيش الخارج إلى خيبر ولذلك حذف متعلق ﴿ تتبعونا ﴾ للعلم به.

و ﴿ مِن قبلُ ﴾ تقديره: من قبل طلبكم الذي تطلبونه وقد أخبر الله عنهم بما سيقولونه إذ قال: ﴿ فسيقولون بل تحسدوننا ﴾ ، وقد قالوا ذلك بعد نحو شهر ونصف فلما سمع المسلمون المتأهبون للخروج إلى خيبر مقالتهم قالوا: قد أخبرنا الله في الحديبية بأنهم سيقولون هذا.

و ﴿ بل ﴾ هنا للإضراب عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ لن تتبعونا ﴾ وهو إضراب إبطال نشأ عن فورة الغضب المخلوط بالجهالة وسوء النظر، أي ليس بكم الحفاظ على أمر الله، بل بكم أن لا نقاسمكم في المغانم حسداً لنا على ما نصيب من المغانم.

والحسد: كراهية أن ينال غيرُك خيراً معيَّناً أو مطلقاً سواء كان مع تمني انتقاله إليك أو بدون ذلك، فالحسد هنا أريد به الحرص على الانفراد بالمغانم وكراهية المشاركة فيها لئلا ينقص سهام الكارهين.

وتقدم الحسد عند قوله تعالى: ﴿ بَغياً أن ينزل الله من فضله ﴾ [البقرة: 90] وعند قوله: ﴿ حسداً من عند أنفسهم ﴾ [البقرة: 109] كلاهما في سورة البقرة.

وضمير الرفع مراد به أهل الحديبية، نسبوهم إلى الحسد لأنهم ظنوا أن الجواب بمنعهم لعدم رضى أهل الحديبية بمشاركتهم في المغانم.

ولا يظن بهم أن يريدوا بذلك الضميرِ شمولَ النبي صلى الله عليه وسلم لأن المخلفين كانوا مؤمنين لا يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بالحسد ولذلك أبطل الله كلامهم بالإضراب الإبطالي فقال: ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً ﴾ ، أي ليس قولك لهم ذلك لقصد الاستبشار بالمغانم لأهل الحديبية ولكنه أمر الله وحقه لأهل الحديبية وتأديب للمخلفين ليكونوا عبرة لغيرهم فيما يأتي وهم ظنوه تمالؤًا من جيش الحديبية لأنهم لم يفهموا حكمته وسببهم.

وإنّما نفى الله عنهم الفهم دون الإيمان لأنهم كانوا مؤمنين ولكنهم كانوا جاهلين بشرائع الإسلام ونظمه.

وأفاد قوله: ﴿ لا يفقهون ﴾ انتفاء الفهم عنهم لأن الفعل في سياق النفي كالنكرة في سياق النفي يعم، فلذلك استثنى منه بقوله: ﴿ إلا قليلاً ﴾ أي إلا فهماً قليلاً وإنما قَلّلَهُ لكون فهمهم مقتصراً على الأمور الواضحة من العاديات لا ينفذ إلى المهمات ودقائق المعاني، ومن ذلك ظنهم حرمانهم من الالتحاق بجيش غزوة خيبر منبعثاً على الحسد.

وقد جروا في ظنهم هذا على المعروف من أهل الأنظار القاصرة والنفوس الضئيلة من التوسم في أعمال أهل الكمال بمنظار ما يجدون من دواعي أعمالهم وأعمال خلطائهم.

و ﴿ قليلاً ﴾ وصف للمستثنى المحذوف، والتقدير: إلا فقهاً قليلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

الثّانِي: قَوْلُهُ ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ﴾ حِينَ سَألُوهُ الخُرُوجَ مَعَهُ لِأجْلِ المَغانِمِ بَعْدَ امْتِناعِهِمْ مِنهُ وظَنِّ السُّوءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء ﴾ قال: ظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وهم كاذبون بما يقولون ﴿ سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴾ قال: هم الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية كذلكم قال الله من قبل قال: إنما جعلت الغنيمة لأجل الجهاد إنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: فدعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف فمنهم من أحسن الإِجابة، ورغب في الجهاد، ثم عذر الله أهل العذر من الناس، فقال: ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ﴾ [ النور: 61] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ﴾ قال: نافق القوم ﴿ وظننتم ظن السوء ﴾ أن لن ينقلب الرسول.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾ قال: كتاب الله كانوا يبطئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفروا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أولي بأس شديد ﴾ يقول: فارس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: هم فارس والروم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولي بأس شديد ﴾ قال: هم البآرز يعني الأكراد.

وأخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: أعراب فارس وأكراد العجم.

وأخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري رضي الله عنه قال: هم بنو حنيفة.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: لم يأتِ أولئك بعد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ﴾ يعني: هؤلاء القبائل الذين ذكرناهم إذا انطلقتم أيها المؤمنون، أي: سرتم وذهبتم إلى مغانم لتأخذوها، يعني: مغانم خيبر (١) قال المفسرون: وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر، وخصَّ بغنائمها من شهد الحديبية دون غيرهم، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون (٢) ﴿ ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ .

قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ﴾ وقرئ: (كَلِمَ الله) (٣) ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ  ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعبد الله لأن الله تعالى جعل خيبر لأهل الحديبية خاصة (٤) وقال مقاتل: يعني: يغيروا كلام الله الذي أمر الله النبي -  - أن لا يسير معه منهم أحد (٥) ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا  ﴾ فأرادوا أن يأتوا بما ينقض هذا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يفعلون ولا يقدرون على ذلك (٦) ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: في الحديبية (٧) (٨) وقال غيره: من قبل مرجعنا إليكم، أخبرنا الله أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية (٩) وقال الكلبي: لما قالوا لهم: لن تتبعونا، قالوا: والله ما أمركم الله بذلك وما بكم إلا الحسد (١٠) ﴿ كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ واختار الفراء هذا القول، فقال: إنهم قالوا لرسول الله: ذرنا نتبعك، قال: نعم على أن لا نسهم لكم، فإن خرجتم على ذا فاخرجوا، فقالوا للمسلمين: كذلكم (١١) قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ﴾ والأول أظهر لأن ذكر الحسد لم يتقدم طى قوله: (كذلكم قال الله)، وإنما ذكر بعد، قال مقاتل: يقولون: يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم (١٢) ﴿ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من أمر الدين ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قال الكلبي: إلا يسيراً، منهم وهو من ترك النفاق وصدق بالله وبالرسول (١٣) قيل لهم: إن كنتم إنما ترغبون في الغزو والجهاد لا في الغنائم ، فستدعون غداً إلى أهل اليمامة، وهو قوله تعالى: (١) خيبر: الموضع المذكور في غزاة النبي -  - وهي: ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل هذه الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، وقد فتحها النبي -  - سنة سبع من الهجرة، وقيل.

سنة ثمان، انظر: "معجم البلدان" 2/ 409.

(٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 80، "تفسير البغوي" 7/ 302، "زاد المسير" 7/ 430، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 270.

(٣) قرأ حمزة والكسائي: (كَلِمَ)، وقرأ الباقون: (كلام)، انظر: "الحجة" 6/ 202، و"التذكرة في القراءات" 2/ 687.

(٤) ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 430.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 72.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 24، لكن بلفظ: (لا يعقلون) بدل: (لا يفعلون).

(٧) معنى هذا القول عند الطبري منسوبًا لقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 81، وعند البغوي غير منسوب 7/ 302.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 72.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 81، "تفسير الثعلبي" 10/ 136 ب، "تفسير البغوي" 7/ 302.

(١٠) انظر: "تنوير المقباس" ص 512.

(١١) العبارة فيها تصحيف، ونصها عند الفراء في "المعاني" 3/ 66: (فقالوا للمسلمين: ما هذا لكم ما فعلتموه بنا إلا حسدًا؟

قال المسلمون: كذلكم قال الله لنا من قبل أن تقولوا).

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 72.

(١٣) ذكر ذلك في "الوسيط" 4/ 138 ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيَقُولُ المخلفون ﴾ الآية: أخبر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المخلفين عن غزوة الحديبية يريدون الخروج معه إذا خرجوا إلى غزوة أخرى، وهي غزوة خيبر، فأمر الله بمنعهم من ذلك، وأن يقول لهم: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله ﴾ أي يريدون أن يبدلوا وعد الله لأهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم أن يعوضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها، وأن يكون ذلك مختصاً بهم دون غيرهم، وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك، فهذا هو ما أرادوا من التبديل.

وقيل: كلام الله قوله: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ [التوبة: 83].

وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية نزلت بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك بعد الحديبية بمدة ﴿ كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ ﴾ يريد وعده باختصاصه أهل الحديبية بغنائم خيبر ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ﴾ معناه يعز عليكم أن نصيب معكم مالاً وغنيمة، وبل هنا للإضراب عن الكلام المتقدم وهو قوله: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ ﴾ فمعناها: ردٌ أن يكون الله حكم بأن لا يتبعوهم.

وأما بل في قوله تعالى ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فهي إضراب عن وصف المؤمنين بالحسد، وإثبات لوصف المخلفين بالجهل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ لله ما لله -  - على عباده، [و]ما لبعضهم على بعض؛ فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ أي: مبيناً؛ أي لتبين ما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض؛ وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: أي: شاهداً للرسل - عليهم السلام - بالتبليغ بالإجابة لمن أجابهم، وشاهداً على من أبى الإجابة بالإباء والرد، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ على حقيقة الشهادة؛ على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقال بعضهم: أي: أرسلناك شاهداً على أمتك وعلى الأنبياء - عليهم السلام - بالتبليغ ومن ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : البشارة: هي تذكر عواقب الخيرات والحسنات، والإخبار عن أحوالها: أنها إلى ماذا يفضي أربابها وعما لهم؛ ليرغبهم فيها.

والنذارة: هي تذكر عواقب الشرور والسيئات، والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يفضي أربابها ومرتكبيها؛ ليزجرهم عنها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ خاطب بهذا البشر كلهم وفي الأول خاطب رسول الله  ، كأنه يقول على الجمع بينهما في الخطاب: أرسلناك رسولا شاهداً؛ لتؤمنوا أنتم بالله ورسوله.

ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ أي: إنا أرسلناك مبشراً ونذيرا، وقل لهم: إنما أرسلت لتؤمنوا بالله ورسوله، وهو كقوله -  -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ  ﴾ ، معناه: يأيها النبي، قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، فعلى ذلك جائز ما ذكرنا، والله أعلم.

وقرئ بالياء، وهي ظاهرة.

ثم الإيمان بالله -  - هو أن يشهد له بالوحدانية والألوهية، وأن له الخلق والأمر في كل شيء وكل أمر.

والإيمان برسوله: هو أن يشهد له بالصدق في كل أمر، وبالعدالة له فيما يحكم ويقضي، ويصدقه في كل ما يقوله، ويجيبه في كل ما يدعو إليه، ويطيعه في كل أمر يأمر به، وينهى عنه؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: تنصروه وتعينوه.

وقال بعضهم: أي: تطيعوه.

وقال بعضهم: أي: تعظموه.

فمن يقول: إن قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ ليس على النصر والإعانة، ولكن على التعظيم، أو على الطاعة - استدل بما قال في آية أخرى: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ  ﴾ ذكر التعزير وعطف النصر عليه؛ والمعطوف غير المعطوف عليه، فدل أنه غير النصر، ولكن جائز أن يذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين ومعناهما واحد على التأكيد، وكذلك من يقول بالتعظيم يقول: أمرهم بتعظيمه في الحرفين؛ أعني: قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وذلك جائز في الكلام.

ويحتمل أن يكون التعزير هو الطاعة له، والتوقير هو التعظيم، وفي الطاعة له تعظيمه، والله أعلم.

ومن قال بالنصر والمعونة في التبليغ تبليغ الرسالة إلى الخلق، والدفع عنه، والذب، والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ والتسبيح، أجمع أهل التأويل أن قوله -  -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً ﴾ راجع إلى الله -  - وكذلك ذكر في بعض القراءة ﴿ ويسبحون الله بكرة وأصيلا ﴾ ، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال والأقوال، فجائز نسبة ذلك إلى رسول الله  ؛ لأنه كان برئيا من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب، وإن كان هو تنزيهاً عن الحدثية، والفناء، وآفات كل في نفسه، فذلك لا يجوز إضافته ونسبته [إلا] إلى الله - عز وجل - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه.

وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر، والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن النهار، والأصيل كناية وعبارة عن الليل، فكأنه يقول: سبحوه بالليل والنهار جملة في كل وقت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا عدوا.

قال معقل بن يسار: "لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي  يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة؛ أي: ألف وأربعمائة نفر، وقال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر".

وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ  ﴾ والمبايعة هي المعاهدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ ﴾ ذكر في أول الآية المبايعة، وفي آخرها المعاهدة؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء، والله أعلم.

ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين: أحدهما: لما بأمره يبايعونه.

أو ذكر ونسب إلى نفسه؛ لعظيم قدره، وجليل منزلته عنده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قال بعضهم: يد الله في جزاء المبايعة فوق أيديهم في المبايعة؛ أو كلام نحوه.

وجائز أن يكون قوله ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في الجزاء إذا وفوا بالعهد فوق أيديهم عند رسول الله  ؛ لأنه لما بايعوا رسول الله  كانت لهم عنده يد، فيخبر أن جزاء الله الذي يجزيهم بوفاء تلك المبايعة فوق أيديهم التي عند رسول الله  .

ويحتمل أن يكون ما ذكر من يد الله وإضافتها إليه يريد بها رسول الله  كأنه يقول: يد رسول الله  عندكم فيما بايعكم فوق أيديكم عنده؛ لما يحتمل أن يقع عندهم أن يكون لهم يد عند رسول الله  بما بايعوه؛ كقوله -  -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]؛ فيخبر أن يد رسول الله  فوق أيديكم عنده بالمبايعة التي بايعتم، والله أعلم.

ويحتمل: أي: يد رسول الله  بالمد والبسط بالمبايعة فوق أيديهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: توفيق الله -  - إياكم ومعونته على مبايعتكم رسوله فوق وخير من وفائكم ببيعته وعهده، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في النصر لرسوله فوق أيديهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ  ﴾ حقيقة النصر إنما يكون بالله  ؛ ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ أي: من نكث فعليه ضرر نكثه، وإليه يرجع ذلك الضرر لا إلى رسول الله  وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - لأن الله - جل وعلا - وعد النصر له والظفر بأولئك، فمن نكث فإنما يرجع ضرر نكثه إليه؛ إذ الله يفي لرسوله  ما وعد الله من النصر له، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيقول الذين خلفهم الله إذا انطلقتم -أيها المؤمنون- إلى غنائم خيبر التي وعدكم الله إياها بعد صلح الحديبية لتأخذوها-: اتركونا نخرج معكم لنصيب منها؛ يريد هؤلاء المُخَلَّفون أن يبدلوا بطلبهم هذا وعد الله الذي وعد به المؤمنين بعد صلح الحديبية أن يعطيهم وحدهم غنائم خيبر، قل لهم -أيها الرسول-: لن تتبعونا إلى تلك الغنائم، فقد وعدنا الله أن غنائم خيبر خاصة بمن شهد الحديبية، فسيقولون: مَنْعُكم لنا من اتباعكم إلى خيبر ليس بأمر من الله، بل بسبب حسدكم لنا.

وليس الأمر كما زعم هؤلاء المُخَلَّفون، بل هم لا يفقهون أوامر الله ونواهيه إلا قليلًا؛ لذلك وقعوا في معصيته.

من فوائد الآيات مكانة بيعة الرضوان عند الله عظيمة، وأهلها من خير الناس على وجه الأرض.

سوء الظن بالله من أسباب الوقوع في المعصية وقد يوصل إلى الكفر.

ضعاف الإيمان قليلون عند الفزع، كثيرون عند الطمع.

<div class="verse-tafsir" id="91.2nRb1"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله