الآية ١٦ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٦ من سورة الفتح

قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا۟ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْرًا حَسَنًۭا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم ، الذين هم أولو بأس شديد ، على أقوال : أحدها : أنهم هوازن .

رواه شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة ، أو جميعا - ورواه هشيم عن أبي بشر ، عنهما .

وبه يقول قتادة في رواية عنه .

الثاني : ثقيف ، قاله الضحاك .

الثالث : بنو حنيفة ، قاله جويبر .

ورواه محمد بن إسحاق ، عن الزهري .

وروي مثله عن سعيد وعكرمة .

الرابع : هم أهل فارس .

رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وبه يقول عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة - في إحدى الروايات عنه .

وقال كعب الأحبار : هم الروم .

وعن ابن أبي ليلى ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة : هم فارس والروم .

وعن مجاهد : هم أهل الأوثان .

وعنه أيضا : هم رجال أولو بأس شديد ، ولم يعين فرقة .

وبه يقول ابن جريج ، وهو اختيار ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الأشج ، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري ، عن معمر ، عن الزهري ، في قوله : ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال : لم يأت أولئك بعد .

وحدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي خالد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة في قوله : ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال : هم البارزون .

قال : وحدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ، ذلف الآنف ، كأن وجوههم المجان المطرقة " .

قال سفيان : هم الترك .

قال ابن أبي عمر : وجدت في مكان آخر : ابن أبي خالد عن أبيه قال : نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تقاتلون قوما نعالهم الشعر " قال : هم البارزون ، يعني الأكراد .

وقوله : ( تقاتلونهم أو يسلمون ) يعني : يشرع لكم جهادهم وقتالهم ، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم ، ولكم النصرة عليهم ، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار .

ثم قال : ( فإن تطيعوا ) أي : تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ، ( يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ) يعني : زمن الحديبية ، حيث دعيتم فتخلفتم ، ( يعذبكم عذابا أليما )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( قُلْ ) يا محمد ( لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ ) عن المسير معك,( سَتُدْعَوْنَ إِلَى ) قتال ( قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ ) في القتال ( شَدِيدٍ ).

واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخبر الله عزّ وجلّ عنهم أن هؤلاء المخلفين من الأعراب يُدْعَوْن إلى قتالهم, فقال بعضهم: هم أهل فارس.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) أهل فارس.

حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاريّ, قال: أخبرنا داود بن الزبرقان, عن ثابت البُنَانيّ, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: فارس والروم.

قال: أخبرنا داود, عن سعيد, عن الحسن, مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: قال الحسن, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هم فارس والروم.

حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هم فارس.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: قال الحسن: دُعُوا إلى فارس والروم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: فارس والروم.

وقال آخرون: هم هَوازن بحُنين.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير وعكرمة, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هوازن.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبير وعكرمة في هذه الآية ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هوازن وثقيف.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) قال: هي هَوازن وغَطَفان يوم حُنين.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) فدعوا يوم حُنين إلى هوازن وثقيف فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد.

وقال آخرون: بل هم بنو حنيفة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهري ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال بنو حنيفة مع مُسَيلمة الكذّاب.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن هشيم, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبير وعكرِمة أنهما كانا يزيدان فيه هوازن وبني حنيفة.

وقال آخرون: لم تأت هذه الآية بعد.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن أبي هريرة ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) لم تأت هذه الآية.

وقال آخرون: هم الروم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عوف, قال: ثنا أبو المغيرة, قال: ثنا صفوان بن عمرو, قال: ثنا الفرج بن محمد الكلاعي, عن كعب, قال ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: الروم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال, ونجدة في الحروب, ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أن المعنيَّ بذلك هوازن, ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم, ولا أعيان بأعيانهم, وجائز أن يكون عني بذلك بعض هذه الأجناس, وجائز أن يكون عُنِي بهم غيرهم, ولا قول فيه أصحّ من أن يُقال كما قال الله جلّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد.

وقوله ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) يقول تعالى ذكره للمخلَّفين من الأعراب تقاتلون هؤلاء الذين تُدعون إلى قتالهم, أو يسلمون من غير حرب ولا قتال.

وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات ( تُقَاتِلُونَهُمْ أوْ يَسْلِمُوا ), وعلى هذه القراءة وإن كانت على خلاف مصاحف أهل الأمصار, وخلافا لما عليه الحجة من القرّاء, وغير جائز عندي القراءة بها لذلك تأويل ذلك: تقاتلونهم أبدا إلا أن يسلموا, أو حتى يسلموا.

وقوله ( فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ) يقول تعالى ذكره فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولي البأس الشديد, فتجيبوا إلى قتالهم والجهاد مع المؤمنين ( يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ) يقول: يعطكم الله على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنة, وهي الأجر الحسن ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) يقول: وإن تعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته وتخالفوا أمره, فتتركوا قتال الأولي البأس الشديد إذا دُعيتم إلى قتالهم ( كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) يقول: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى مكة, من قبل أن تُدعَوا إلى قتال أولي البأس الشديد ( يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) يعني: وجيعا, وذلك عذاب النار على عصيانكم إياه, وترككم جهادهم وقتالهم مع المؤمنين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما .فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل للمخلفين من الأعراب أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية .

ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني : هم فارس .

وقال كعب والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى : الروم .

وعن الحسن أيضا : فارس والروم .

وقال ابن جبير : هوازن وثقيف .

وقال عكرمة : هوازن .

وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين .

وقال الزهري ومقاتل : بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة .

وقال رافع بن خديج : والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم .

وقال أبو هريرة : لم تأت هذه الآية بعد .

وظاهر الآية يرده .الثانية : في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ; لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة ، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم .

وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا ; لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول - عليه السلام - ; لأنه قال : لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا فدل على أن المراد بالداعي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - .

الزمخشري : فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين .

أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم .

والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : تقاتلونهم أو يسلمون هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية ، وهو معطوف على تقاتلونهم أي : يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة وإما الإسلام ، لا ثالث لهما .

وفي حرف أبي ( أو يسلموا ) بمعنى حتى يسلموا ، كما تقول : كل أو تشبع ، أي : حتى تشبع .

قال [ امرؤ القيس ] :[ ص: 249 ]فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذراوقال الزجاج : قال أو يسلمون لأن المعنى أو هم يسلمون من غير قتال .

وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب .الرابعة : قوله تعالى : فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا الغنيمة والنصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة .

وإن تتولوا كما توليتم من قبل عام الحديبية .

يعذبكم عذابا أليما وهو عذاب النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم.

{ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، { فَإِنْ تُطِيعُوا } الداعي لكم إلى قتال هؤلاء { يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ } عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، [ وعطاء ] : هم أهل فارس .

وقال كعب : هم الروم ، وقال الحسن : فارس والروم .

وقال سعيد بن جبير : هوازن وثقيف .

وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين .

وقال الزهري ، ومقاتل ، وجماعة : هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب .

.

قال رافع بن خديج : كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة ، فعلمنا أنهم هم .

وقال ابن جريج : دعاهم عمر - رضي الله عنه - إلى قتال فارس .

وقال أبو هريرة : لم تأت هذه الآية بعد .

(تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ) يعني الجنة ) وإن تتولوا ) [ تعرضوا ] ) كما توليتم من قبل ) عام الحديبية ) يعذبكم عذابا أليما ) وهو النار ، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول الله ؟

.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل للمخلفين من الأعراب» المذكورين اختبارا «ستدعوْن إلى قوم أولي» أصحاب «بأس شديد» قيل هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، وقيل فارس والروم «تقاتلونهم» حال مقدرة هي المدعو إليها في المعنى «أو» هم «يسلمون» فلا تقاتلون «فإن تطيعوا» إلى قتالهم «يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذّبكم عذابا أليما» مؤلما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل للذين تخلَّفوا من الأعراب (وهم البدو) عن القتال: ستُدْعون إلى قتال قوم أصحاب بأس شديد في القتال، تقاتلونهم أو يسلمون من غير قتال، فإن تطيعوا الله فيما دعاكم إليه مِن قتال هؤلاء القوم يؤتكم الجنة، وإن تعصوه كما فعلتم حين تخلفتم عن السير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "مكة"، يعذبكم عذابًا موجعًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فتح - سبحانه - أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى الجهاد معه ، فإن صدقوا أفلحوا ، وإن أعرضوا خسروا فقال : ( قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك ، ستدعون فى المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب قوة وشدة فى الحرب ، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما : إما قتالكم لهم ، وإما الإِسلام منهم ." فأو " فى قوله ( أَوْ يُسْلِمُونَ ) للتنويع والحصر .

وجملة ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) مستأنفة للتعليل ، كما فى قوله : سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك .وقد اختلف المفسرون فى المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد ، فمنهم من قال : فارس والروم ، ومنهم من قال : بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب .والذى عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم : هوزان وثقيف الذين التفى بهم المسلمون فى غزوة حنين بعد فتح مكة .وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت فى تلك الغزوة ، حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما يقرب من اثنى عشر ألفا ، ولأن أهل هوزان وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر ، فاستطاعوا فى أول المعركة - بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم - أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين ، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصر عليهم ، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوزان وثقيف .

كما هو معروف فى كتب السيرة .ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوزان وثقيف من قتال فى قوله - تعالى - : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ وذلك جَزَآءُ الكافرين ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَآءُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم أولى البأس الشديد هوزان وثقيف ، فقال ما ملخصه : وتكاد تنفق كتب السيرة على أن الجيش الذى ذهب لفتح مكة ، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزوة هوزان وثقيف يوم حنين ، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ومزينة .وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية ، ساهمت فى الجهاد بقسط وافر يوم .

فتح مكة ، ويوم حنين .وقد أقام المسلمون بمكة بعد أن فتحوها - بدون قتال يذكر - خمسة عشر يوما .

.

ثم ذهبوا لقتال هوزان وثقيف .

.

.

وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية ، وراية بفنون القتال فهمزموا المسلمين فى أول الأمر ، ثم هزمهم المسلمون .ومن كل ذلك يرجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوزان ، وأن كثيرا من المخلفين أسلم إسلاما خالصا ، وحسنت توبته .

.

.وقوله - سبحانه - : ( فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) بيان للثواب العظيم الذى أعده - سبحانه - للطائفين ، وللعذاب الأليم الذى توعد به الفاسقين .أى : فإن تطعيوا - أيها المخالفون - رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يؤتكم الله من فضله أجرا حسنا ، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة ، كما أعرضتم من قبل فى صلح الحديبية عن طاعته ، يعذبكم - سبحانه - عذابا أليما .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا  ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا  ﴾ فكان المخلفون جمعاً كثيراً، من قبائل متشعبة، دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم فإنهم لم يبقوا على ذلك ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق، بل منهم من حسن حاله وصلح باله فجعل لقبول توبتهم علامة، وهو أنهم يدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ويطيعون بخلاف حال ثعلبة حيث امتنع من أداء الزكاة ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال ولم يقبل منه أحد من الصحابة، كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أنه تعالى بيّن أنهم يدعون فإن كانوا يطيعون يؤتون الأجر الحسن وما كان أحد من الصحابة يتركهم يتبعونه، والفرق بين حال ثعلبة وبين حال هؤلاء من وجهين: أحدهما: أن ثعلبة جاز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله، فلم يبين لتوبته علامة، والأعراب تغيرت، فإن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق من المنافقين على النفاق أحد على مذهب أهل السنة وثانيهما: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير والجم الغفير أمس، لأنه لولا البيان لكان يفضي الأمر إلى قيام الفتنة بين فرق المسلمين، وفي قوله: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ وجوه أشهرها وأظهرها أنهم بنو حنيفة حيث تابعوا مسيلمة وغزاهم أبو بكر.

وثانيها: هم فارس والروم غزاهم عمر ثالثها: هوازن وثقيف غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوى الوجوه هو أن الدعاء كان من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الأظهر غيره، أما الدليل على قوة هذا الوجه هو أن أهل السنة اتفقوا على أن أمر العرب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ولم يبق إلا كافر مجاهر، أو مؤمن تقي طاهر، وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتى المنافقين، وترك المؤمنون مخالطتهم حتى إن عبادة بن كعب مع كونه بين المؤمنين لم يكلمه المؤمنون مدة، وما ذكره الله علامة لظهور حال من كان منافقاً، فإن كان ظهر حالهم بغير هذا، فلا معنى لجعل هذا علامة وإن ظهر بهذا الظهور كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو امتنع من قبولهم لاتباعه لامتنع أبو بكر وعمر لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه  ﴾ وقوله: ﴿ فاتبعوني  ﴾ فإن قيل هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا  ﴾ وقال: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا  ﴾ فكيف كانوا يتبعونه مع النفي؟

الثاني: قوله تعالى: ﴿ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ولم يبق بعد ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام حرب قوم أولي بأسٍ شديد فإن الرعب استولى على قلوب الناس ولم يبق الكفار بعده شدة وبأس، واتفاق الجمهور يدل على القوة والظهور، نقول أما الجواب عن الأول فمن وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك مقيداً، تقديره: لن تخرجوا معي أبداً وأنتم على ما أنتم عليه، ويجب هذا التقييد لأنا أجمعنا على أن منهم من أسلم وحسن إسلامه بل الأكثر ذلك، وما كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم مسلمين لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً  ﴾ ومع القول بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم ما كان من الجهاد في سبيل الله مع وجوبه عليهم وكان ذلك مقيداً، وقد تبيّن حسن حالهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى جهاد فأطاعه قوم وامتنع آخرون، وظهر أمرهم وعلم من استمر على الكفر ممن استقر قلبه على الإيمان الثاني: المراد من قوله: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا  ﴾ في هذا القتال فحسب وقوله: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ  ﴾ كان في غير هذا وهم المنافقون الذين تخلفوا في غزوة تبوك، وأما اتفاق الجمهور فنقول لا مخالفة بيننا وبينهم لأنا نقول النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم أولاً، وأبو بكر رضي الله عنه أيضاً دعاهم بعد معرفته جواز ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إنما نحن نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم فإن قالوا أبو بكر رضي الله عنه دعاهم لم يكن بين القولين تناف، وإن قالوا لم يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم فالنفي والجزم به في غاية البعد لجواز أن يكون ذلك قد وقع، وكيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام قال من كلام الله ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني  ﴾ وقال: ﴿ واتبعون هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ  ﴾ ومنهم من أحب الله واختار اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن بقاء جمعهم على النفاق والكفر بعد ما اتسعت دائرة الإسلام واجتمعت العرب على الإيمان بعيد، ويوم قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ كان أكثر العرب على الكفر والنفاق، لأنه كان قبل فتح مكة وقبل أخذ حصون كثيرة.

وأما قوله لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع أولي بأس شديد، قلنا لا نسلم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية دعاهم إلى الحرب لأنه خرج محرماً ومعه الهدي ليعلم قريش أنه لا يطلب القتال وامتنعوا فقال ستدعون إلى الحرب ولا شك أن من يكون خصمه مسلحاً محارباً أكثر بأساً ممن يكون على خلاف ذلك فكان قد علم من حال مكة أنهم لا يوقرون حاجاً ولا معتمراً فقوله: ﴿ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ يعني أولي سلاح من آلة الحديد فيه بأس شديد، ومن قال بأن الداعي أبو بكر وعمر تمسك بالآية على خلافتهما ودلالتها ظاهرة، وحينئذ ﴿ تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ إشارة إلى أن أحدهما يقع، وقرئ ﴿ أَوْ يسلموا ﴾ بالنصب بإضمار أن على معنى تقاتلونهم إلى أن يسلموا، والتحقيق فيه هو أن ﴿ أَوْ ﴾ لا تجيء إلا بين المتغايرين وتنبئ عن الحصر فيقال العدد زوج أو فرد، ولهذا لا يصح أن يقال هو زيد أو عمرو، ولهذا يقال العدد زوج أو خمسة أو غيرهما، إذا علم هذا فقال القائل لألزمنك أو تقضيني حقي يفهم منه أن الزمان انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاء الحق، فلا يكون بين الملازمة وقضاء الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ولا قضاء الحق، فيكون في قوله لألزمنك أو تقضيني، كما حكي في قول القائل، لألزمنك إلى أن تقضيني، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء، وهذا ما يضعف قول القائل الداعي هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران بالجزية، فالقتال معهم لا يمتد إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية، وقوله تعالى: ﴿ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ فيه فائدة لأن التولي إذا كان بعذر كما قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ  ﴾ لا يكون للمتولي عذاب أليم، فقال: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يعني إن كان توليكم بناء على الظن الفاسد والاعتقاد الباطل كما كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم ﴿ شَغَلَتْنَا أموالنا  ﴾ فالله يعذبكم عذاباً أليماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ ﴾ هم الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ يعني بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب.

والمجوس تقبل منهم الجزية، وعن الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته.

وكيف يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا ﴾ [التوبة: 83] وقيل: هم فارس والروم.

ومعنى ﴿ يُسْلِمُونَ ﴾ ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية.

فإن قلت: عن قتادة أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: إن صح ذلك فالمعنى: لن تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين.

أو على قول مجاهد: كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ يريد في غزوة الحديبية.

أو يسلمون.

معطوف على تقاتلونهم، أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ أو يسلموا ﴾ بمعنى: إلى أن يسلموا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا الِاسْمِ مُبالَغَةً في الذَّمِّ وإشْعارًا بِشَناعَةِ التَّخَلُّفِ.

﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ بَنِي حَنِيفَةَ أوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهُ قالَ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أيْ يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةُ أوِ الإسْلامُ لا غَيْرَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قِراءَةُ «أوْ يُسْلِمُوا»، ومَن عَداهم يُقاتَلُ حَتّى يُسْلِمَ أوْ يُعْطِيَ الجِزْيَةَ.

وهو يَدُلُّ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا لَمْ تَتَّفِقْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ لِغَيْرِهِ إلّا إذا صَحَّ أنَّهم ثَقِيفٌ وهَوازِنُ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ.

وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ ومَعْنى يُسْلِمُونَ يَنْقادُونَ لِيَتَناوَلَ تَقَبُّلَهُمُ الجِزْيَةَ.

﴿ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الآخِرَةِ.

﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ.

﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم.

﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ لَمّا أوْعَدَ عَلى التَّخَلُّفِ نَفى الحَرَجِ عَنْ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ اسْتِثْناءً لَهم عَنِ الوَعِيدِ.

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ فَصَّلَ الوَعْدَ وأجْمَلَ الوَعِيدَ مُبالَغَةً في الوَعْدِ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ جَبَرَ ذَلِكَ بِالتَّكْرِيرِ عَلى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ إذِ التَّرْهِيبُ ها هُنا أنْفَعُ مِنَ التَّرْغِيبِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ نُدْخِلْهُ ونُعَذِّبْهُ بِالنُّونِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب} هم الذين تخلفوا عن الحديبية {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم ابو بكر رضى الله عنه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وقيل هم فارس وقد دعاهم عمر رضى الله عنه {تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ} أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام ومعنى يسلمون على هذا التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية وفي الآية دلالة صحة خلاف الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند عوته بقوله {فَإِن تُطِيعُواْ} من دعاكم إلى قتاله {يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً} فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي عن الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أليما} في

{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حرج}

الآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ مُبالَغَةً في الذَّمِّ وإشْعارًا بِشَناعَةِ التَّخَلُّفِ ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ذَوِي نَجْدَةٍ وشِدَّةٍ قَوِيَّةٍ في الحَرْبِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الزَّهْرِيِّ بَنُو حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةُ وقَوْمُهُ أهْلُ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ جَماعَةٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةُ أهْلِ الرِّدَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ إنّا كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيما مَضى ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دَعا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنا أنَّهم أُرِيدُوا بِها، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُجاهِدٍ في رِوايَةٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى: هُمُ الفُرْسُ.

وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: دَعا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِقِتالِ فارِسِ أعْرابِ المَدِينَةِ جُهَيْنَةَ ومُزَيَّنَةَ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ  دَعاهم لِلْخُرُوجِ إلى مَكَّةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ: هم هَوازِنُ ومَن حارَبَ الرَّسُولَ  في حُنَيْنٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ التَّصْرِيحُ بِثَقِيفٍ مَعَ هَوازِنَ، وفي رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هم هَوازِنُ وبَنُو حَنِيفَةَ، وقالَ كَعْبٌ: هُمُ الرُّومُ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ تَبُوكَ والَّذِينَ بَعَثَ إلَيْهِمْ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحُسْنِ قالَ: هم فارِسُ والرُّومُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: البارِزُ يَعْنِي الأكْرادَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أعْرابُ فارِسَ وأكْرادُ العَجَمِ، وظاهِرُ العَطْفِ أنَّ أكْرادَ العَجَمِ لَيْسُوا مِن أعْرابِ فارِسَ، وظاهِرُ إضافَةِ أكْرادٍ إلى العَجَمِ يُشْعِرُ بِأنَّ مِنَ الأكْرادِ ما يُقالُ لَهم أكْرادُ العَرَبِ، ولا نَعْرِفُ هَذا التَّقْسِيمَ وإنَّما نَعْرِفُ جِيلًا مِنَ النّاسِ يُقالُ لَهُمْ: أكْرادٌ مِن غَيْرِ إضافَةٍ إلى عَرَبٍ أوْ عَجَمٍ، ولِلْعُلَماءِ اخْتِلافٌ في كَوْنِهِمْ في الأصْلِ عَرَبًا أوْ غَيْرَهم فَقِيلَ: لَيْسُوا مِنالعَرَبِ، وقِيلَ مِنهُمْ، قالَ القاضِي شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خِلِّكانَ في تَرْجَمَةِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ ما نَصَّهُ: حَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ صاحِبُ كِتابِ (الِاسْتِيعابُ) في كِتابِهِ (القَصْدُ والأُمَمُ في أنْسابِ العَرَبِ والعَجَمِ) أنَّ الأكْرادَ مِن نَسْلِ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ بْنِ ماءِ السَّماءِ وأنَّهم وقَعُوا إلى أرْضِ العَجَمِ فَتَناسَلُوا بِها وكَثُرَ ولَدُهم فَسُمُوُّا الأكْرادَ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في ذَلِكَ وهو يُعَضِّدُ ما قالَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَعُمْرُكَ ما الأكْرادُ أبْناءُ فارِسَ ولَكِنَّهُ كُرْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عامِرِ انْتَهى، وفي القامُوسِ: الكُرْدُ بِالضَّمِّ جِيلٌ مِنَ النّاسِ مَعْرُوفٌ والجَمْعُ أكْرادٌ وجَدُّهم كُرْدُ بْنُ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ ماءِ السَّماءِ انْتَهى، وعامِرٌ هَذا مِنَ العَرَبِ بِلا شُبْهَةٍ فَإنَّهُ ابْنُ حارِثَةَ الغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ البِطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مازِنِ بْنِ الأزْدِ ويُقالُ لَهُ: الأسَدُ بْنُ الغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبا بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ ويُسَمّى عامِرًا وهو عِنْدَ الأكْثَرِ ابْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: مِن ولَدِ هُودٍ، وقِيلَ: هو هُودٌ نَفْسُهُ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، وذَهَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ إلى أنَّ قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قَحْطانُ بْنُ الهَمَيْسَعِ بْنِ تَيْمِ بْنِ نَبْتِ بْنِ إسْماعِيلَ، والَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ قَبائِلَ اليَمَنِ كُلَّها ومِنها قَبِيلَةُ عَمْرِو مَزِيقِيا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ لَهُ تَبْوِيبُ البُخارِيِّ بابَ نِسْبَةِ اليَمَنِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ عَلِيِّ السَّمْهُودِيِّ في تارِيخِ المَدِينَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْصارَ الأوْسُ والخَزْرَجَ مِنَ أوْلادِ ثَعْلَبَةِ العَنْقاءِ بْنِ عَمْرِو مَزِيقِيا المَذْكُورِ وكانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا ذُكُورًا مِنهم ثَعْلَبَةُ المَذْكُورُ، وحارِثَةُ والِدُ خُزاعَةَ، وجَفْنَةُ والِدُ غَسّانَ، ووَداعَةُ وأبُو حارِثَةَ وعَوْفٌ وكَعْبٌ ومالِكٌ وعِمْرانُ وكُرْدٌ كَما في القامُوسِ انْتَهى.

وفائِدَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في أُمُورٍ مِنها الكَفاءَةُ في النِّكاحِ، والعامَّةُ لا يَعُدُّونَهم مِنَ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ هَؤُلاءِ الجِيلَ الَّذِينَ يُقالُ لَهُمِ اليَوْمَ: أكْرادٌ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِن أوْلادِ عَمْرِو مَزِيقِيا وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِنَ العَرَبِ ولَيْسَ مِن أوْلادِ عَمْرٍو المَذْكُورِ إلّا أنَّ الكَثِيرَ مِنهم لَيْسُوا مِنَ العَرَبِ أصْلًا، وقَدِ انْتَظَمَ في سِلْكِ هَذا الجِيلِ أُناسٌ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن بَنِي أُمَيَّةَ ولا يَصِحُّ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ بَيْدَ أنَّهُ سَكَنَ مَعَ الأكْرادِ طائِفَةٌ مِنَ السّادَةِ أبْناءِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُقالُ لَهُمُ: البَرَزْنَجِيَّةُ لا شَكَّ في صِحَّةِ نَسَبِهِمْ وكَذا في جَلالَةِ حَسَبِهِمْ، وبِالجُمْلَةِ الأكْرادُ مَشْهُورُونَ بِاليَأْسِ وقَدْ كانَ مِنهم كَثِيرٌ مِن أهْلِ الفَضْلِ بَلْ ثَبَتَ لِبَعْضِهِمُ الصُّحْبَةُ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَمْيِيزِ الصَّحابَةِ في حَرْفِ الجِيمِ: جابانُ والِدُ مَيْمُونٍ رَوى ابْنُ مَندَهْ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ أبِي خَلَدَةَ سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ جابانَ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ  غَيْرَ مَرَّةٍ حَتّى بَلَغَ عَشْرًا وذَكَرَ الحَدِيثَ.

وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ في المُعْجَمِ الصَّغِيرِ عَنْ مَيْمُونٍ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أيْضًا وهو أتَمُّ مِنهُ ولَفْظُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «أيُّما رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى ما قَلَّ مِنَ المَهْرِ أوْ كَثُرَ لَيْسَ في نَفْسِهِ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْها حَقَّها خَدَعَها فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْها حَقَّها لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو زانٍ، وأيُّما رَجُلٍ اسْتَدانَ دَيْنًا لا يُرِيدُ أنْ يُؤَدِّيَ إلى صاحِبِهِ حَقَّهُ خَدَعَهُ حَتّى أخَذَ مالَهُ فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وهو سارِقٌ)».

ويُكَنّى مَيْمُونٌ هَذا بِأبِي بَصِيرٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ، وقِيلَ: بِالنُّونِ، وهو كَما في التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ، هَذا وأشْهَرُ الأقْوالِ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أقُولُهُ إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ تَمْثِيلاتٌ مِن قائِلِها لا تَعْيِينُ القَوْمِ، وهَذا وإنْ حَصَلَ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الأقْوالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ عَلى مَعْنى يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةَ أوِ الإسْلامَ لا ثالِثَ لَهُما، فَأوْ لِلتَّنْوِيعِ والحَصْرِ لا لِلشَّكِّ وهو كَثِيرٌ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (أوْ يُسْلِمُوا) بِحَذْفِ النُّونِ لِأنَّ ذَلِكَ لِلنّاصِبِ وهو يَقْتَضِي أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا أيْ إلّا أنْ يُسْلِمُوا فَيُفِيدُ الحَصْرَ أوْ بِمَعْنى إلى أيْ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والغايَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ القِتالُ بِغَيْرِ الإسْلامِ فَيُفِيدُهُ أيْضًا كَما قِيلَ: والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِكَ: سَيَدْعُوكَ الأمِيرُ يُكْرِمُكَ أوْ يَكْبِتُ عَدُوَّكَ، قالَ في الكَشْفِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ لِأنَّهم دُعُوا إلى قِتالِ القَوْمِ لا أنَّهم دُعُوا إلى قَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِالمُقاتَلَةِ أوِ الإسْلامِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها حالِيَّةً وحالُهُ كَحالِ الوَصْفِيَّةِ، وأصْلُ الكَلامِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ لِتُقاتِلُوهم أوْ يُسْلِمُوا فَعَدَلَ إلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ فِيهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ وحَصَّلُوا الغَرَضَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ واقِعًا.

والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَنْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما لِصِدْقِ إخْبارِهِ تَعالى ونَحْنُ نَرى الِانْفِكاكَ بِأنْ يُتْرَكُوا سُدًى أوْ بِالهُدْنَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ عَلى ما في أمالِيِّ ابْنِ الحاجِبِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ القَوْمَ مَخْصُوصُونَ لا عُمُومَ فِيهِمْ، وكانَ الواقِعُ أنَّهم قُوتِلُوا إلى أنْ أسْلَمُوا سَواءٌ فُسِّرَ القَوْمُ بِبَنِي حَنِيفَةَ أوْ بِثَقِيفٍ وهَوازِنَ أوْ فارِسَ والرُّومِ عَلى أنَّ الإسْلامَ الِانْقِيادُ فَما انْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما وقَعا، وأمّا امْتِناعُ الِانْفِكاكِ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى الوَضْعِ ولا الِاسْتِعْمالِ بَلْ ذَلِكَ في الكَلامِ الِاسْتِدْلالِيِّ قَدْ يَتَّفِقُ.

وأطالَ الطَّيِّبِيُّ الكَلامَ في هَذا المَقامِ ثُمَّ قالَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّحْبِيرِ مِن أنَّ ﴿ يُسْلِمُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تُقاتِلُونَهُمْ ﴾ إمّا عَلى الظّاهِرِ أوْ بِتَقْدِيرِهِمْ يُسْلِمُونَ لِيَكُونَ مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ المُناسَبَةُ أكْثَرَ إذْ تَخْرُجُ الجُمْلَةُ إلى بابِ الكِنايَةِ، والمَعْنى تُقاتِلُونَهم أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهم يُسْلِمُونَ، وقَدْ وُضِعَ فِيهِ ﴿ أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ مَوْضِعَ أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهُمِ اذا أسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهم قِتالُهم ضَرُورَةً، والِاسْتِدْعاءُ عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا لِلِاخْتِبارِ، و( أوْ ) لِلتَّرْدِيدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وفِيهِ ما فِيهِ، وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ووَجَّهَ ذَلِكَ الإمامُ فَقالَ: الدّاعِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ  أوِ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ أوْ مَن بَعْدَهم لا يَجُوزُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ إلَخْ ولا أنْ يَكُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ لِأنَّهُ إنَّما قاتَلَ البُغاةَ والخَوارِجَ وتِلْكَ المُقاتَلَةُ لِلْإسْلامِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ولا مِن مَلَكَ بَعْدَهم لِأنَّهم عِنْدَنا عَلى الخَطَأِ وعِنْدَ الشِّيعَةِ عَلى الكُفْرِ ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدّاعِي أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ طاعَتَهُ وأوْعَدَ عَلى مُخالَفَتِهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إمامَتَهُ وأيَّ الثَّلاثَةِ كانَ ثَبْتَ المَطْلُوبِ، أمّا إذا كانَ أبا بَكْرٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ عُمَرَ أوْ عُثْمانَ فَلِأنَّ إمامَتَهُ فَرْعُ إمامَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّاعِيَ كانَ رَسُولَ اللَّهِ  ويُشْعِرُ بِذَلِكَ السِّينِ قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ إلَخْ فِيهِ أنَّ ( لَنْ ) لا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ عَلى الصَّحِيحِ وظاهِرُ السِّياقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ لَنْ تَتْبَعُونا في الِانْطِلاقِ إلى خَيْبَرَ كَما سَمِعْتَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ أوْ هو مُقَيَّدٌ بِما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: القَوْلُ بِأنَّهم لَمْ يَدْعُوا إلى حَرْبٍ في أيّامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ حَضَرَ كَثِيرٌ مِنهم مَعَ جَعْفَرٍ في مُؤْتَةَ وحَضَرُوا حَرْبَ هَوازِنَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَضَرُوا مَعَهُ  أيْضًا في سَفْرَةِ تَبُوكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إذا صَحَّ يَنْفِي حَمْلَ النَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ.

ومِنَ الشِّيعَةِ مَنِ اقْتَصَرَ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ عَلى الدَّعْوَةِ في تَبُوكَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيها ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الدّاعِيَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَعَمَ كُفْرَ البُغاةِ والخَوارِجِ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ إسْلامُهم يُرادُ بِالإسْلامِ في الآيَةِ الِانْقِيادُ إلى الطّاعَةِ ومُوالاةُ الأمِيرِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والإنْصافُ أنَّ الآيَةَ لا تَكادُ تَصِحُّ دَلِيلًا عَلى إمامَةِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا إنْ صَحَّ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ في كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ بَنِي حَنِيفَةَ ونَحْوَهم ودُونَ ذَلِكَ خَرْطَ القَتادِ، ونَفى بَعْضُهم صِحَّةَ كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ فارِسًا والرُّومَ لِأنَّ المُرادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ وفارِسُ مَجُوسٌ والرُّومُ نَصارى فَلا يَتَعَيَّنُ فِيهِمْ أحَدُ الأمْرَيْنِ مِنَ المُقاتَلَةِ والإسْلامِ إذْ يَقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، وكَذا اليَهُودُ ومُشْرِكُوالعَجَمِ والصّابِئَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهم مُرْتَدِّينَ أوْ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، ومِثْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ مُشْرِكُو العَجَمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَعِنْدَهُ لا تُقْبَلُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن فَسَّرَ القَوْمُ بِذَلِكَ يُفَسِّرُ الإسْلامَ بِالِانْقِيادِ وهو يَكُونُ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ فَلا يَتِمُّ لَهُ أمْرُ النَّفْيِ فَلا تُغْفَلْ ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ الدَّعِيَّ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو عَلى ما قِيلَ الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الأُخْرى ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الدَّعْوَةِ ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم، وهَذا التَّعْذِيبُ قالَ في البَحْرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وهو الأوْفَقُ بِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ فِيهِما ولا بَأْسَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الإيتاءِ والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ بَلْ لَعَلَّهُ المُتَبادَرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما في ذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ كَوْنُ الأمْرَيْنِ في الدُّنْيا ولا كَوْنُ الأوَّلِ في الآخِرَةِ أوْ فِيها وفي الدُّنْيا والثّانِي في الدُّنْيا فَقَطْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعني: إلى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يعني: اتركونا نتّبعكم في ذلك الغزو يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يعني: يغيروا كلام الله.

يعني: ما قاله الله لرسوله  : لا تأذن لهم في غزاة أخرى.

قرأ حمزة والكسائي: وهو جمع كلمة.

والباقون كَلامَ اللَّهِ والكلام اسم لكل ما يتكلم به.

قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا في المسير إلى خيبر إلاَّ متطوعين، من غير أن يكون لكم شرك في الغنيمة.

كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل الحديبية.

فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا يعني: يقولون للمؤمنين: إن الله لم ينهكم عن ذلك، بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم.

قال الله تعالى: بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا يعقلون، ولا يرغبون في ترك النفاق، لا قليلاً، ولا كثيراً.

ويقال: بل كانوا لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلاً منهم.

قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية، مخافة القتال سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: قتال شديد.

قال بعضهم: يعني: قتال أهل اليمامة بعد رسول الله  .

قاتلهم أبو بكر الصديق  .

وقال مجاهد: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: أهل الأوثان.

وقال أيضاً: هم أهل فارس، وكذا قال عطاء، وقال سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف.

وقال الحسن: فارس، والروم.

تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ قرأ بعضهم أَوْ يُسْلِمُوا بألف من غير نون، وقراءة العامة بالنون.

فمن قرأ: أو يسلموا يعني: حتى يسلموا، أو إلى أن يسلموا.

ومن قرأ: بالنون.

فمعناه: تقاتلونهم أو هم يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يعني: تجيبوا، وتوقعوا القتال، وتخلصوا لله تعالى.

يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يعني: ثواباً حسناً في الآخرة.

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية.

يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً، فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة والضعفاء: فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم، ولا نستطيع الخروج، فيعذبنا الله؟

فنزل قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية.

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس عليهم إثم في التخلف وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: إثم.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو ويقال: وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ في الغزو، في السر، والعلانية يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن ذلك.

يعني: عن طاعة الله، ورسوله، بالتخلف يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً.

قرأ نافع: وابن عامر نُدْخِلْهُ وَنُعَذِّبْهُ كلاهما بالنون.

والباقون: كلاهما بالياء.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعني: شجرة السمرة.

ويقال: أم غيلان.

قال قتادة: بايعوهُ يومئذٍ وهم ألف وأربعمائة رجل.

وكان عثمان يومئذٍ بمكة.

فقال النبي  : «إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه بَيْعَةُ عُثْمَان» .

فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: مَا فِى قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء.

وهذا قول ابن عباس.

وقال مقاتل: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا، ولا يفروا.

فَأَنْزَلَ الله السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعني: أنزل الله تعالى الطمأنينة، والرضى عليهم.

وَأَثابَهُمْ يعني: أعطاهم.

فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني: يغنمونها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً حكم عليهم بالقتل، والسبي.

ويقال: حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين.

ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها يعني: تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله  وبعده إلى يوم القيامة.

وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني: فتح خيبر، قرأ بعضهم وَأَتاهُمُ أي: أعطاهم وقراءة العامة وَأَثابَهُمْ يعني: كافأهم.

قوله تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة.

ويقال: أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر، فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبيّ  على ألا يكونوا له، ولا عليه.

ثم قال: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً.

ثم قال: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يرشدكم ديناً قيماً، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجراً عظيما، وهو الجنة.

وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره «١» : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] «٢» عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:

قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود «٣» : إنْ أراد بكم سوءا

ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ...

الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد «١» : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره صلّى الله عليه وسلّم وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.

ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.

وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.

وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ «٢» ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره «٣» : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد «٤» ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» «٥» على القطع أي: أو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الغَزْوَ والغَنِيمَةَ فَسَتُدْعَوْنَ إلى جِهادِ قَوْمٍ ﴿ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ .

وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم فارِسُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الأوْثانِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ كَعْبٌ.

والخامِسُ: أنَّهم هَوازِنُ وغَطَفانُ، وذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ اليَمامَةِ، وهم أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

قالَ مُقاتِلٌ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ بَيِّنَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.

وَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دُعِيَ أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هم.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، وفارِسُ والرُّومُ إنَّما يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِها بَنُو حَنِيفَةَ، فَأبُو بَكْرٍ دَعا إلى قِتالِهِمْ، وإنْ أُرِيدَ بِها فارِسُ والرُّومُ، فَعُمَرُ دَعا إلى قِتالِهِمْ، والآيَةُ تُلْزِمُهُمُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهُمْ، وتَتَوَعَّدُهم عَلى التَّخَلُّفِ بِالعِقابِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما إذا كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَإنْ تُطِيعُوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَتِهِما ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ  في المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمْ نِفاقَكم وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الزَّمانَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" و "نُعَذِّبُهُ" بِالنُّونِ فِيهِما؛ والباقُونَ: بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أو يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالتَقْدِمَةِ إلى هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ بِأنَّهم سَيُدْعَوْنَ إلى قِتالِ عَدُوٍّ بَئِيسٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ، وإلّا فَلَمْ يَكُونُوا أهْلًا لِذَلِكَ الآخَرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ، مِنَ القَوْمِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ؟

فَقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هم هَوازِنُ ومَن حارَبَ رَسُولَ اللهِ  في حُنَيْنٍ، ويَنْدَرِجُ في هَذا القَوْلِ عِنْدِي مَن حُورِبَ وغَلَبَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ كَعْبٌ: هُمُ الرُومُ الَّذِينَ خَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  عامَ تَبُوكَ والَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وقالَ الزَهْرِيُّ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ الرِدَّةِ وبَنُو حَنِيفَةَ بِاليَمامَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَتَرَكَّبُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ مُؤْذِنَةٌ بِخِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُما، يُرِيدُ: لَمّا كَشَفَ الغَيْبَ أنَّهُما دَعَوا إلى قِتالِ أهْلِ الرِدَّةِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أنَّهُ قالَ: واللهِ لَقَدْ كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيما مَضى ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دَعا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى: هُمُ الفُرْسُ، وقالَ الحَسَنُ: هم فارِسُ والرُومُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هم قَوْمٌ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، والقَوْلانِ الأوَّلانِ حَسَنانِ، لِأنَّهُما الَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، وباقِيهِما ضَعِيفٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: رَفَعَ اللهُ في هَذِهِ الجِزْيَةِ، ولَيْسَ إلّا القِتالُ أوِ الإسْلامُ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا في أهْلِ الرِدَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ مَن حُورِبَ في فَتْحِ مَكَّةَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يُسْلِمُونَ" ﴾ عَلى القَطْعِ، أيْ: أو هم يُسْلِمُونَ دُونَ حَرْبٍ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "أو يُسْلِمُوا" بِنَصْبِ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِ: أو يَكُونُ أنْ يُسْلِمُوا، ومِثْلُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْناكَ إنَّما ∗∗∗ نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا يُرْوى "نَمُوتَ" بِالنَصْبِ والرَفْعِ، فالنَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: أو يَكُونُ أنْ نَمُوتَ، والرَفْعُ عَلى القَطْعِ، أو نَحْنُ نَمُوتُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ مَعْناهُ: فِيما تُدْعَوْنَ إلَيْهِ، والعَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَبَيِّنٌ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى طمأنة المخلفين بأنهم سينالون مغانم في غزوات آتية ليعلموا أن حرمانهم من الخروج إلى خيبر مع جيش الإسلام ليس لانسلاخ الإسلام عنهم ولكنه لِحكمة نوط المسبّبات بأسبابها على طريقة حكمة الشريعة فهو حرمان خاص بوقعة معينة كما تقدم آنفاً، وأنهم سيدعون بعد ذلك إلى قتال قوم كافرين كما تُدعى طوائف المسلمين، فذِكر هذا في هذا المقام إدخال للمسرة بعد الحزن ليزيل عنهم انكسار خواطرهم من جراء الحرمان.

وفي هذه البشارة فرصة لهم ليستدركوا ما جنوه من التخلف عن الحديبية وكل ذلك دال على أنهم لم ينسلخوا عن الإيمان، ألا ترى أن الله لم يعامل المنافقين المبطنين للكفر بمثل هذه المعاملة في قوله: ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تَخْرجُوا معي أبداً ولن تقاتلوا معِي عدوّاً إنكم رضِيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ﴾ [التوبة: 83].

وكرر وصف من ﴿ الأعراب ﴾ هنا ليظهر أن هذه المقالة قصد بها الذين نزل فيهم قوله: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ﴾ [الفتح: 11] فلا يتوهم السامعون أن المعنى بالمخلفين كل من يقع منه التخلف.

وأسند ﴿ تدعون ﴾ إلى المجهول لأنّ الغرض الأمر بامتثال الدّاعي وهو وليّ أمر المسلمين بقرينة قوله بعد في تذييله ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ [الفتح: 17] ودعوة خلفاء الرّسول صلى الله عليه وسلم من بعده ترجع إلى دعوة الله ورسوله لقوله: (ومن أطاع أمري فقد أطاعني).

وعدي فعل ﴿ ستدعون ﴾ بحرف ﴿ إلى ﴾ لإفادة أنها مضمنة معنى المشي، وهذا فرق دقيق بين تعدية فعل الدعوة بحرف ﴿ إلى ﴾ وبين تعديته باللام نحو قولكَ: دعوت فلاناً لما نَابني، قال طرفة: وإن أُدْع للجُلَّى أكن من حُماتِهَا *** وقد يتعاقب الاستعمالان بضرببٍ من المجاز والتسامح.

والقوم أولو البأس الشديد يتعين أنهم قوم من العرب لأن قوله تعالى: ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ يشعر بأن القتال لا يرفع عنهم إلا إذا أسلموا، وإنما يكون هذا حُكماً في قتال مشركي العرب إذ لا تقبل منهم الجزية.

فيجوز أن يكون المراد هوازنَ وثقيف.

وهذا مروي عن سعيد بن جُبير، وعكرمة وقتادة، وذلك غزوة حنين وهي بَعد غزوة خيبر، وأما فتح مكة فلم يكن فيه قتال.

وعن الزهري ومقاتل: أنهم أهل الردة لأنهم من قبائل العرب المعروفة بالبأس، وكان ذلك صدرَ خلافة أبي بكر الصديق.

وعن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية ﴿ ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ﴾ فلا نعلم من هم حتى دَعَانَا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم، وعن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، والحسن هم فارس والروم.

وجملة ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ إمّا حال من ضمير ﴿ تدعون ﴾ ، وإما بدل اشتمال من مضمون ﴿ تدعون ﴾ .

و ﴿ أو ﴾ للترديد بين الأمرين والتنويع في حالة تُدعون، أي تدعون إلى قتالهم وإسلامهم، وذلك يستلزم الإمعان في مقاتلتهم والاستمرار فيها ما لم يسلموا، فبذلك كان ﴿ أو يسلمون ﴾ حالاً معطوفاً على جملة ﴿ تقاتلونهم ﴾ وهو حال من ضمير ﴿ تدعون ﴾ .

وقوله: ﴿ وإن تتولوا كما توليتُم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ تَعبير بالتوالي الذي مضى، وتحذير من ارتكاب مثله في مثل هذه الدعوة بأنه تَوَلَّ يوقع في الإثم لأنه تولَ عن دعوة إلى واجب وهو القتال للجهاد.

فالتشبيه في قوله: ﴿ كما توليتم من قبل ﴾ تشبيه في مطلق التولّي لقصد التشويه وليس تشبيهاً فيما يترتب على ذلك التولي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ وهَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ هم أحَدُ أصْنافِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَنَّفَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، مِنهم مَن أعْلَمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأوْعَدَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ العَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ  ﴾ الآيَةَ.

وَمِنهم مَنِ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وتابَ، وهم مَن قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا  ﴾ الآيَةَ.

وَمِنهم مَن وقَفُوا بَيْنَ الرَّجاءِ لَهم والخَوْفِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ  ﴾ فَهَؤُلاءِ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ دُونَ الصِّنْفَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ لِتَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ أمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِمْ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ فارِسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.

الثّالِثُ: هَوازِنُ وغَطَفانُ بِحُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.

الرّابِعُ: بَنُو حَنِيفَةَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعا أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى خروجه إلى مكة دعاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قتال فارس قال: فإن تطيعوا إذا دعاكم عمر تكن توبة لتخلفكم عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا إذا دعاكم عمر كما توليتم من قبل إذ دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذاباً أليماً.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: فارس والروم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: أهل الأوثان.

وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: هوازن وبني حنيفة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: هوازن يوم حنين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: هم بنو حنيفة (١) (٢) (٣) (٤) (٥)  - إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم (٦) وعلى هذا التفسير، الآية تدل على خلافة أبي بكر -  -، وذلك أن الله تعالى ذكر أنهم يدعون إلى قتال بني حنيفة، وعلم أن ذلك الداعي أبو بكر، ووعدهم على طاعته وإجابته الأجر الحسن وهو الجنة، فقال: ﴿ فَإِنْ تُطِيعُوا ﴾ يعني الداعي إلى قتال من ذكرهم وهو أبو بكر ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ قال مقاتل: يعني: الجنة (٧) ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ يعني: تعرضوا عن قتال أهل اليمامة ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أعرضتم عن المسير إلى الحديبية ﴿ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ في الآخرة ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ فأوعد على مخالفة أبي بكر -  - كما أوعد على مخالفة الرسول -  - بالنار، وهذا ظاهر بحمد الله.

وقال أبو إسحاق: ﴿ فَإِنْ تُطِيعُوا ﴾ أي تبتم وتركتم النفاق وجاهدتم ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ أي إن أقمتم على نفاقكم ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ على عهد رسول الله -  - ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ (٨) وذكر المفسرون في تفسير قوله: ﴿ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ أنهم فارس، وقيل: الروم (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ قال الفراء: تقاتلونهم أو يكون منهم الإسلام (١٤) وقال الزجاج: المعنى: أو هم يسلمون (١٥) قال أبو صالح عن ابن عباس: لما أنزل ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ إلى قوله: ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ أتى أهل الزمانة رسول الله -  - وقالوا: كيف لنا إذا دعينا ولا نستطيع الخروج، فأنزل الله قوله تعالى: (١) بنو حنيفة: حي من بكر بن وائل من العدنانية، وهم بنو حنيفة بن لحيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وبكر كان له من الولد: الرول، وعدي، وعامر، وكانت منازل لي حنيفة اليمامة، وكان يسكنها منهم: هودة بن علي بن ثمامة بن عمرو بن عبد العزى بن لحيم بن مرة بن الدوك بن حنيفة وهو الذي كتب إليه النبي -  - يدعوه إلى الإسلام.

انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 223.

(٢) أخرج الطبري 13/ 83 هذا القول منسوبًا لسعيد بن جبير وعكرمة، ونسبه الثعلبي 10/ 136 ب للزهري ومقاتل، وكذلك البغوي والقرطبي نسباه للزهري ومقاتل، انظر: "تفسير البغوي" 7/ 353، "الجامع" 16/ 272.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 72، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 226، "تنوير المقباس" ص 513.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 66، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 24.

(٥) هو: رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، الحارثي أبو عبد الله أو أبو خديج، شهد أحدًا وما بعدها، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح.

انظر: "الإصابة" 1/ 495، "تهذيب التهذيب" 3/ 229، "الأعلام" 3/ 12.

(٦) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 136 ب، والألوسي في "روح المعاني" 26/ 102، والبغوي 7/ 303، والقرطبي 16/ 272، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 138.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 73.

(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 25.

(٩) أخرج الطبري 13/ 83 عن ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن ومجاهد وابن زيد أنهم فارس، وأخرج عن الحسن وابن أبي ليلى وابن زيد أنهم فارس والروم.

وذكر الثعلبي عن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد (أنهم فارس) وذكر عن كعب أنهم الروم وعن الحسن أنهم فارس والروم.

انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 136 ب.

(١٠) هوزان: هم بطن من قيس عيلان من العدنانية وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة == بن خصفة بن قيس بن عيلان وهم الذين أغار عليهم النبي -  - وغزاهم.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 264، "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 391.

(١١) ثقيف: هم بطن من هوزان من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال: لهم ثقيف واسمه قيس بن منبه بن بكر بن هوزان، قال أبو عبيد: وكان لثقيف من الولد جشم وناصرة، قال في "العبر": وهم بطن متسع.

قال: وكانت منازلهم بالطائف، وهي مدينة من أرض نجد على مرحلتين من مكة.

انظر: "نهاية الأرب" ص 186.

(١٢) أخرج ذلك الطبري 13/ 83 عن عكرمة وسعيد بن جبير، ونسبه الثعلبي 10/ 136 ب، والبغوي 7/ 303 لسعيد بن جبير.

(١٣) أخرج الطبري عن قتادة أنهم هوازن وغطفان يوم حنين، وكذلك ذكر الثعلبي عن قتادة أنهم هوزان وغطفان يوم حنين، وكذلك ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنهم هوازن وغطفان وثقيف يوم حنين.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 226.

وذكر الماوردي 5/ 316 عن سعيد بن جبير وقتادة أنهم هوازن وغطفان.

(١٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 66.

(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 24 بلفظ: (تقاتلونهم حتى يسلموا وإلا أن يسلموا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ اختُلِف في هؤلاء القوم على أربعة أقوال الأول: أنهم هوازن ومن حارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر والثاني أنهم الروم إذ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم في غزوة تبوك والثالث أنهم أهل الردة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والرابع أنهم الفرس ويتقوى الأول والثاني بأن ذلك ظهر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوّى المنذر بن سعيد القول الثالث بأن الله جعل حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية، قال: وهذا لا يوجد إلا في أهل الردّة، قلت: وكذلك هو موجود في كفار العرب، إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوِّي ذلك أنهم هوازن أو يسلمون عطف على تقاتلونهم وقال ابن عطية: هو مستأنف ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ يريد في غزوة الحديبية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.

الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله  ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.

الباقون: ساكنة الطاء.

الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.

التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.

والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.

عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال  : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .

والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي  فجاء بالماء حتى عمهم.

وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.

وقال الشعبي: أصاب النبي  في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله  وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.

وذلك أن رسول الله  بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.

واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.

فلما رأى أصحاب النبي  فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟

فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.

فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي  مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب  "بسم الله الرحمن الرحيم".

قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".

ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله  ".

قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.

فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله  وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.

فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي  وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.

وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.

وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.

وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.

قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا  ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.

وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون  ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم  ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.

سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟

الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.

ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.

قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح  ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.

وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول  عرف أنه حبيب الله المغفور له.

أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.

ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.

وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.

وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.

وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.

والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي  عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.

وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.

والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.

وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.

وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.

ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.

ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.

وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي  التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.

وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.

وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.

ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.

وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله  لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.

ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.

قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين  ﴾ ونحو ذلك.

والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.

مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله  هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.

نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد  ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.

وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.

ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه  ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.

وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.

قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.

وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.

وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.

و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.

﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.

وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.

وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم  ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.

ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.

وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم  ﴾ قال القفال: هو من قوله  : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.

وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.

وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله  يحفظهم على بيعتهم.

ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.

والنكث والنقض أخوان.

وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.

قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله  تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.

ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.

وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.

والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه  حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.

فلما رجع رسول الله  اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.

وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً  ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.

والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.

وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.

وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.

وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله  وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.

وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.

قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله  كسهم من حضر.

وكان انصراف النبي  في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي  أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي  لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.

وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.

وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.

وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.

وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.

ثم إن الله  أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.

وقيل: هم هوازن وغطفان.

وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله  في تبوك.

والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه  قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.

هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.

وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله  ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً  ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.

وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.

ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.

وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.

والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.

وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.

وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.

قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟

فأنزل الله  ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.

وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.

نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.

وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.

والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.

فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.

وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.

ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.

والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .

وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.

وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.

وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.

وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي  أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.

وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.

قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.

عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.

أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.

قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.

ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.

وجوز الجر بإضمار "رب".

ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.

والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.

عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي  من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي  وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله  ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.

وقيل: هو التنعيم.

وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.

وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله  فأخذ الله  بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم  : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.

وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.

وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي  لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.

فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.

فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.

فأنزلت الآية.

وسمي خالد يومئذ سيف الله.

وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.

ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".

ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.

و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.

وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال  : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.

وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.

والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.

وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.

وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.

وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.

والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد  ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.

وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد  ، اختارها الله للمؤمنين.

ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.

﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.

وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.

وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.

وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.

ثم قص رؤيا نبيه  بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي  أن نأتي البيت فنطوف به؟

فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟

فقالوا: لا.

قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.

ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.

وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله  ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .

والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.

وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.

والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.

والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.

والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله  وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.

الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.

ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.

ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.

وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.

وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.

ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.

وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى  فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.

ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.

وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.

وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم  ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين  ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.

والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة  وإن كان التقبيل على اليد.

ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين  وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.

والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.

وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.

وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.

ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.

وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله  كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.

كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع  ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.

والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.

﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.

ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.

﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.

والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.

ووجه التشبيه أن النبي  خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.

وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد  وأصحابه كفار مكة والعجم.

وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي  ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.

وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.

وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ ﴾ .

قوله -  -: ﴿ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ سماهم: مخلفين، ولم يخلفهم رسول الله  ولا أصحابه، ولكن الله  خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف، كقوله  : ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ  ﴾ أي: منعهم، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن الله -  وتعالى - خلفهم عن ذلك، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم؛ دل أن خالق أفعال العباد هو الله  ، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: خبرا عنهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ .

هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول الله  .

وقولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف بقولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ يقولون: وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم يكن لنا التخلف عنك، فاستغفر لنا، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم؛ لأنهم كانوا لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...

﴾ الآية [المنافقون: 5]؛ دل هذا الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ؛ حيث قال: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ ، أي: يقولون بألسنتهم قولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك.

ولا جائز أن يصرف قولهم: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ إلى قولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ أي: كاذبين في العذر، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة، لا يقال هذا؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك، فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ﴾ .

قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله  يكون على الإيجاب فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟

فيكون من الله  على الإيجاب: أن لا أحد يملك لكم نفعاً إن كان الله أراد بكم ضرا، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان الله أراد بكم نفعاً، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم، فإن الله  لو أراد بكم ضرّاً لا تملكون دفعه عن أنفسكم، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه، فلا يملك أحد الضرر لكم، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول الله  .

ثم أوعدهم فقال: ﴿ بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ جعل الله - عز وجل - أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله  في حق المنافقين، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا في قلوبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - جل وعلا - وجعل الآية له في حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه بالله قدر على ذلك، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: ﴿ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً ﴾ أي: الهزيمة ﴿ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ﴾ ظهورا على عدوكم وغنيمة، يحتمل أن يكون الخطاب بهذا لأهل الإيمان والوعظ لهم بذلك؛ لأن أهل النفاق كانوا لا يصدقون رسول الله  ولا يقبلون ما يقول من المواعظ وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً ﴾ .

فإن قيل: ما الذي حملهم على الظن الذي ظنوا أن رسول الله  والمؤمنين لا يرجعون إلى أهليهم أبدا إذا كان ذلك في خروجهم إلى الحديبية - على ما قال أهل التأويل: إن ذلك كان في خروجهم إلى الحديبية - وكان خروجهم للحج وقضاء المناسك لا للقتال والحرب معهم، حتى يقع عندهم أنهم لا يرجعون، بل يهلكون في ذلك، وأهل مكة لم يكونوا يتبعون أحدا من أهل الإيمان يدخل مكة للحج وقضاء المناسك.

قيل: لأن أهل النفاق كانوا قد كتبوا إلى أهل مكة وأعلموهم أن رسول الله  وأصحابه -  م - خرجوا إليكم للحج وزيارة البيت، فقالوا: إنا لا ندعهم يدخلون مكة بل نقاتلهم ونحاربهم ولا نتركهم يدخلونها، فإذا كان منهم ما ذكرنا، فجائز أن يكونوا ظنوا ما ذكرنا من ظنهم، فأما على غير ذلك فلا يحتمل مع اجتماع أهل التأويل على أن ذلك كان في أمر الحديبية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ .

أي: ظننتم برسول الله  وأصحابه -  م - ظن السوء أنهم لا يرجعون إلى أهليهم.

ويحتمل ظننتم بالله ظن السوء أنه لا ينصر رسوله ولا يعينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بُوراً ﴾ أي: هلكى، أي: تصيرون قوما هلكى؛ فيه دليل أنهم يموتون على نفاقهم.

وقال الحسن: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ أي: فاسدون لا خير فهم، وكذلك يقول ابن عباس -  ما -: إن البور هو الفاسد.

وقال بعضهم: البور في كلام العرب: لا شيء.

وقال القتبي: البور: الهلكى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾ فهو ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قيل فيه بوجوه: أحدها: ولله خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود -  - أنه كان يقرؤه: ﴿ ولله خزائن السماوات والأرض ﴾ .

والثاني: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض، أي: لله حقيقة ملك كل ملك في السماوات والأرض.

والثالث: ولله ولاية أهل السماوات والأرض وسلطانه، أي: الولاية والسلطان له على أهل السماوات والأرض.

ثم يحتمل ذكره هذا وجهين: أحدهما: يخبر أنه فيما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم بأنواع المحن إنما يأمرهم وينهى ويمتحن لا لحاجة نفسه ولا لمنفعة له؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولا يحتمل من له ملك ما ذكر أن يقع له الحاجة إلى ما ذكر أو المنفعة؛ لأنه غني بذاته؛ ولكن يأمرهم وينهاهم، ويمتحنهم بما امتحن؛ لحاجتهم ولمنفعتهم، والله أعلم.

والثاني: يذكر هذا ليقطعوا الرجاء عما في أيدي الخلق، ويصرفوا الطمع والرجاء إلى الله -  - ومنه يرون كل نفع وخير يصل إليهم، ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، لا يخافون سواه، ولا يطمعون غيره، وهو ما أخبر: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ يقول - والله أعلم -: هو يغفر لمن يشاء، وهو المالك لذلك، وهو يعذب من يشاء؛ أي ليس يملك أحد مغفرة ذنوب أحد سواه ولا تعذيبه، إنما ذلك منه، وله ملك ذلك، وله الفعل دون خلقه؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم في كل أمر إلى الله -  - ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، وكان الله لم يزل رحيما، لا أنه حدث ذلك له بخلقة، والله الموفق.

وقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ من الحديبية، خلفهم الله - عز وجل - لما علم منهم من اختيار التخلف.

وقوله: ﴿ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ...

﴾ الآية.

ذكر أهل التأويل: أن رسول الله  لما صالح أهل مكة عام الحديبية ورجع اشتد ذلك على أصحابه -  م - لما كانوا طمعوا دخول مكة والزيارة لبيته، فبشره ربه بفتح خيبر والغنيمة لهم، فعند ذلك لما انتهى إلى المنافقين المخلفين عن الحديبية تلك البشارة له بفتح خيبر عليهم - قالوا: ذرونا نتبعكم؛ فنصيب معكم الغنائم؛ وإنما رغبوا في اتباعهم معهم؛ لما علموا أن رسول الله  يصدق فيما يخبر من البشارة له والفتح والغنيمة له بلا مؤنة قتال ولا حرب تقع هنالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأن البشارة بفتح خيبر، وجعله غنيمة لمن شهد الحديبية، فأما من تخلف عنها، فليس له في ذلك من نصيب، فأخبر الله -  - أنهم يريدون أن يبدلوا ما وعد الله -  - للمؤمنين الذين شهدوا الحديبية - فتح خبير خاصة؛ بأن يشركوا فيها، وفي ذلك تبديل ما وعد؛ إذ لم يشهدوا هم الحديبية، والبشارة بالفتح لمن شهدها، فأما من تخلف عنها فلا.

وقال بعضهم: تبديل كلام الله ما قال في سورة براءة: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فلما سألوا الخروج إلى خيبر والاتباع لهم، وقد نهاهم عن الخروج معهم أبدا، يريدون أن يبدلوا ذلك النهي الذي نهوا في سورة براءة؛ فيحتمل الأمرين جميعاً؛ كذا ذكر الشيخ - رحمه الله - وعامة أهل التأويل على أن قوله: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ نزل في غزوة تبوك، وأنها بعد خيبر، فلم يكن خروجهم مع رسول الله  بخيبر تبديل النهي الذي نهوا عن الخروج معه، لكن كأنه لم يثبت عنده نزول الآية في غزوة تبوك، أو وقع الخطأ من الذين تلقنوا منه وكتبوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ هي البشارة التي ذكرنا لمن شهد الحديبية، قال: إن مغانم خيبر لمن شهد الحديبية، وأمّا من لم يشهد فلا.

ويحتمل قوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ما ذكر في سورة براءة: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ كانوا يقيسون أصحاب رسول الله  بأنفسهم؛ لأنهم إذا أصابوا شيئاً - أعني: المنافقين - كانوا يحسدون أصحاب رسول الله  ، وأرادوا ألا يكون لهم في ذلك نصيب ولا حظ؛ حسداً منهم لهم، فلما منعهم المؤمنون عن الخروج إلى خيبر وقالوا: إن الله نهاكم أن تخرجوا معنا، وقد بشروا بالفتح، قالوا عند ذلك: بل تحسدوننا في إصابة تلك الغنائم، لم ينهنا الله -  - عن الخروج معكم؛ قاسوا المؤمنين بأنفسهم، ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ الفقه هو الاستدلال بما عرفوه وشهدوه على الذي لم يعلموه وغاب عنهم؛ يخبر أن هؤلاء لا يعرفون الاستدلال.

وقال بعضهم: الفقه هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ ﴾ وهم الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ على قول ابن عباس -  - ومقاتل: وهؤلاء هم بنو حنيفة، وفيهم مسيلمة الحنفي الكذاب، استقرت إليهم الأعراب بعد نبيّ الله  فدعاهم أبو بكر الصديق إلى قتالهم.

وقال الحسن: هم أهل فارس والروم.

وقال قتادة وغيره: دعوا إلى قتال هوازن وثقيف يوم حنين.

ويروى عن جابر بن عبد الله -  - يقول: دعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد، ومنهم من أبى.

لكن ما قال قتادة غير محتمل؛ لأن قتال هوازن وثقيف يوم حنين كان في زمن رسول الله  وهو تولى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً...

﴾ الآية [التوبة: 83]، فلا يحتمل أن يدعوا إلى قتال هؤلاء وهو تولى قتالهم، وقد قال الله -  - خبراً عنه: ﴿ وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فإذا لم يحتمل هذا رجع التأويل إلى ما قال ابن عباس ومقاتل -  ما - أنهم إنما دعوا إلى قتال أهل اليمامة وهم بنو حنيفة، دعاهم أبو بكر الصديق -  - لكن لو كان ما قال أهل التأويل أن قوله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ نزل في غزوة تبوك، وهي بعد يوم حنين، فيكون ما قاله قتادة محتملا، والله أعلم.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ في قوم خاص، وهو ما قال: ﴿ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ  ﴾ أي: أهل الغناء والثروة، إنما قال ذلك لأولي الطول الذين استأذنوه القعود مع القاعدين، والله أعلم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ في أهل فارس والروم؛ على ما قال الحسن، وذلك إنما فتح في زمن عمر،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، ومن قرأها: ﴿ تقاتلونهم أو يسلموا ﴾ بالألف فيكون تأويله: تقاتلونهم حتى يسلموا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً ﴾ ، أي: إن تطيعوا فيما دعيتم إلى الجهاد يؤتكم الله أجراً حسناً، ذكر أنه يؤتيهم أجراً حسناً؛ لأن توبتهم تكون فيما كان كفرهم وكان نفاقهم إنما ظهر بتخلفهم عن الجهاد، فعلى ذلك تكون توبتهم في تحقيق الجهاد.

وقوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ فيما دعيتم إليه ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن الحديبية وغيره ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

ثم عذر أهل العذر منهم بقوله -  -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ كما عذر أهل العذر من المؤمنين بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ...

﴾ الآية [التوبة: 91].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ؛ لأنهم إذا تولوا عادوا إلى ما كانوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للذين تخلَّفوا من الأعراب عن المسير معك إلى مكة مختبرًا إياهم: ستُدعون إلى قتال قوم أصحاب بأس قوي في القتال، تقاتلونهم في سبيل الله، أو يدخلون في الإسلام من غير قتال، فإن تطيعوا الله فيما دعاكم إليه من قتالهم يعطكم أجرًا حسنًا هو الجنة، وإن تتولوا عن طاعته -كتولِّيكم عنها حين تخلفتم عن السير معه إلى مكة- يعذبكم عذابًا موجعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.VPQwW"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله