الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٧ من سورة الفتح
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الفتح: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم ذكر الأعذار في ترك الجهاد ، فمنها لازم كالعمى والعرج المستمر ، وعارض كالمرض الذي يطرأ أياما ثم يزول ، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ .
ثم قال تعالى مرغبا في الجهاد وطاعة الله ورسوله : ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول ) أي : ينكل عن الجهاد ، ويقبل على المعاش ( يعذبه عذابا أليما ) في الدنيا بالمذلة ، وفي الآخرة بالنار .
القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) يقول تعالى ذكره: ليس على الأعمى منكم أيها الناس ضيق, ولا على الأعرج ضيق, ولا على المريض ضيق أن يتخلفوا عن الجهاد مع المؤمنين, وشهود الحرب معهم إذا هم لقوا عدوّهم, للعلل التي بهم, والأسباب التي تمنعهم من شهودها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) .
قال: هذا كله في الجهاد.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: ثُمَّ عذر الله أهل العذر من الناس, فقال: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ).
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) قال: في الجهاد في سبيل الله.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ )...
الآية, يعني في القتال.
وقوله ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول تعالى ذكره: ومن يُطع الله ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك, وإلى القتال مع المؤمنين ابتغاء وجه الله إذا دعي إلى ذلك, يُدخله الله يوم القيامة جنَّات تجري من تحتها الأنهار ( وَمَنْ يَتَوَلَّ ) يقول: ومن يعص الله ورسوله, فيتخلَّف عن قتال أهل الشرك بالله إذا دعي إليه, ولم يستجب لدعاء الله ورسوله يعذّبه عذابا موجعا, وذلك عذاب جهنم يوم القيامة.
قوله تعالى : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما .قال ابن عباس : لما نزلت : وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول الله ؟
فنزلت ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج أي : لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد لعماهم وزمانتهم وضعفهم .
وقد مضى في ( براءة ) وغيرها الكلام فيه مبينا .
والعرج : آفة تعرض لرجل واحدة ، وإذا كان ذلك مؤثرا فخلل الرجلين أولى أن يؤثر .
وقال مقاتل : هم أهل الزمانة الذين تخلفوا عن الحديبية وقد عذرهم .
أي : من شاء أن يسير منهم معكم إلى خيبر فليفعل .ومن يطع الله ورسوله فيما أمره .
يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار قرأ نافع وابن عامر ( ندخله ) بالنون على التعظيم .
الباقون بالياء ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لتقدم اسم الله أولا .
ومن يتول يعذبه عذابا أليما
ثم ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد، فقال: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع.{ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، { وَمَنْ يَتَوَلَّ } عن طاعة الله ورسوله { يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة في معصيته ومخالفته.
فأنزل الله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) [ يعني في التخلف عن الجهاد ] ) ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما ) قرأ أهل المدينة والشام " ندخله " و " نعذبه " بالنون فيهما ، وقرأ الآخرون بالياء لقوله : ) ومن يطع الله ) .
«ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج» في ترك الجهاد «ومن يطع الله ورسوله يدخله» بالياء والنون «جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذّبه» بالياء والنون «عذابا أليما».
ليس على الأعمى منكم- أيها الناس- إثم، ولا على الأعرج إثم، ولا على المريض إثم، في أن يتخلَّفوا عن الجهاد مع المؤمنين؛ لعدم استطاعتهم.
ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري مِن تحت أشجارها وقصورها الأنهار، ومن يعص الله ورسوله، فيتخلَّف عن الجهاد مع المؤمنين، يعذبه عذابًا مؤلمًا موجعًا.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات برفع الحرج عن الذين تخلفوا لأعذار حقيقته فقال : ( لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ .
.
) .أى : ليس على هؤلاء إثم فى التخلف عن الجهاد ، لما بهم من الأعذار والعاهات المرخصة لهم فى التخلف عنه .( وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ) فيما أَمَراَ به أو نَهَيا عنه ، ( يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ ) عن طاعتهما ( يُعَذِّبْهُ ) الله - تعالى - ( عَذَاباً أَلِيماً ) لا يقادر قدره .
بين من يجوز له التخلف وترك الجهاد وما بسببه يجوز ترك الجهاد وهو ما يمنع من الكر والفر وبين ذلك ببيان ثلاثة أصناف الأول: ﴿ الأعمى ﴾ فإنه لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الاحتراز والهرب، والأعرج كذلك والمريض كذلك، وفي معنى الأعرج الأقطع والمقعد، بل ذلك أولى بأن يعذر، ومن به عرج لا يمنعه من الكر والفر لا يعذر، وكذلك المرض القليل الذي لا يمنع من الكر والفر كالطحال والسعال إذ به يضعف وبعض أوجاع المفاصل لا يكون عذراً وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن هذه أعذار تكون في نفس المجاهد ولنا أعذار خارجة كالفقر الذي لا يتمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج إليه والاشتغال بمن لولاه لضاع كطفل أو مريض، والأعذار تعلم من الفقه ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير في بيان مسائل: المسألة الأولى: ذكر الأعذار التي في السفر، لأن غيرها ممكن الإزالة بخلاف العرج والعمى.
المسألة الثانية: اقتصر منها على الأصناف الثلاثة، لأن العذر إما أن يكون بإختلال في عضو أو بإخلال في القوة، والذي بسبب إخلال العضو، فإما أن يكون بسبب اختلال في العضو الذي به الوصول إلى العدو والانتقال في مواضع القتال، أو في العضو الذي تتم به فائدة الحصول في المعركة والوصول، والأول: هو الرجل، والثاني: هو العين، لأن بالرجل يحصل الانتقال، وبالعين يحصل الانتفاع في الطلب والهرب.
وأما الأذن والأنف واللسان وغيرها من الأعضاء، فلا مدخل لها في شيء من الأمرين، بقيت اليد، فإن المقطوع اليدين لا يقدر على شيء، وهو عذر واضح ولم يذكره، نقول: لأن فائدة الرجل وهي الانتقال تبطل بالخلل في إحداهما، وفائدة اليد وهي الضراب والبطش لا تبطل إلا ببطلان اليدين جميعاً، ومقطوع اليدين لا يوجد إلا نادراً، ولعل في جماعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد مقطوع اليدين فلم يذكره، أو لأن المقطوع ينتفع به في الجهاد، فإنه ينظر ولولاه لاستقل به مقاتل فيمكن أن يقاتل، وهو غير معذور في التخلف، لأن المجاهدين ينتفعون به بخلاف الأعمى، فإن قيل كما أن مقطوع اليد الواحدة لا تبطل منفعة بطشه كذلك الأعور لا تبطل منفعة رؤيته، وقد ذكر الأعمى، وما ذكر الأشل وأقطع اليدين، قلنا لما بينا أن مقطوع اليدين نادر الوجود والآفة النازلة بإحدى اليدين لا تعمهما والآفة النازلة بالعين الواحدة تعم العينين لأن منبع النور واحد وهما متجاذبان والوجود يفرق بينهما، فإن الأعمى كثير الوجود ومقطوع اليدين نادر.
المسألة الثالثة: قدم الآفة في الآلة على الآفة في القوة، لأن الآفة في القوة تزول وتطرأ، والآفة في الآلة إذ طرأت لا تزول، فإن الأعمى لا يعود بصيراً فالعذر في محل الآلة أتم.
المسألة الرابعة: قدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكباً أو بطريق آخر يقدر على القتال بالرمي وغيره.
<div class="verse-tafsir"
نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو.
وقرئ: ﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا الِاسْمِ مُبالَغَةً في الذَّمِّ وإشْعارًا بِشَناعَةِ التَّخَلُّفِ.
﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ بَنِي حَنِيفَةَ أوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، أوِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهُ قالَ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أيْ يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةُ أوِ الإسْلامُ لا غَيْرَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قِراءَةُ «أوْ يُسْلِمُوا»، ومَن عَداهم يُقاتَلُ حَتّى يُسْلِمَ أوْ يُعْطِيَ الجِزْيَةَ.
وهو يَدُلُّ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا لَمْ تَتَّفِقْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ لِغَيْرِهِ إلّا إذا صَحَّ أنَّهم ثَقِيفٌ وهَوازِنُ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ.
وقِيلَ: فارِسُ والرُّومُ ومَعْنى يُسْلِمُونَ يَنْقادُونَ لِيَتَناوَلَ تَقَبُّلَهُمُ الجِزْيَةَ.
﴿ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الآخِرَةِ.
﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ.
﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم.
﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ لَمّا أوْعَدَ عَلى التَّخَلُّفِ نَفى الحَرَجِ عَنْ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ اسْتِثْناءً لَهم عَنِ الوَعِيدِ.
﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ فَصَّلَ الوَعْدَ وأجْمَلَ الوَعِيدَ مُبالَغَةً في الوَعْدِ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ، ثُمَّ جَبَرَ ذَلِكَ بِالتَّكْرِيرِ عَلى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ فَقالَ: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ إذِ التَّرْهِيبُ ها هُنا أنْفَعُ مِنَ التَّرْغِيبِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ نُدْخِلْهُ ونُعَذِّبْهُ بِالنُّونِ.
<div class="verse-tafsir"
{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} نفي الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} في الجهاد وغير
ذلك {يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ} يعرض عن الطاعة {يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أليما} ندخله ونعذبه مدنى وشامى
﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ أيْ إثْمٌ ﴿ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ أيْ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ لِما بِهِمْ مِنَ العُذْرِ والعاهَةِ، وفي نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ مَزِيدُ اعْتِناءٍ بِأمْرِهِمْ وتَوْسِيعٌ لِدائِرَةِ الرُّخْصَةِ، ولَيْسَ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهم نَهْيٌ لَهم عَنِ الغَزْوِ بَلْ قالُوا: إنَّ أجْرَهم مُضاعَفٌ في الغَزْوِ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ أعْمى رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحَضَرَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ وكانَ يَمْسِكُ الرّايَةَ.
وفي البَحْرِ لَوْ حُصِرَ المُسْلِمُونَ فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ في الجِهادِ ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي.
﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ ﴾ عَنِ الطّاعَةِ ﴿ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والمَعْنى بِالوَعْدِ والوَعِيدِ هُنا أعَمُّ مِنَ المَعْنى بِهِما فِيما سَبَقَ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِمَن هُنا وبِضَمِيرِ الخِطابِ هُناكَ، وقِيلَ في الوَعِيدِ ﴿ يُعَذِّبْهُ ﴾ إلَخْ دُونَ يُدْخِلْهُ نارًا ونَحْوِهِ مِمّا هو أظْهَرُ في المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ إلَخِ اعْتِناءً بِأمْرِهِ مِن حَيْثُ إنَّ التَّعْذِيبَ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابًا ألِيمًا يَسْتَلْزِمُ إدْخالَ النّارِ وإدْخالُها لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، واعْتَنى بِهِ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ ولِذا جِيءَ بِهِ كالمُكَرَّرِ مَعَ الوَعِيدِ السّابِقِ، ويَكْفِي في الإشارَةِ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ إخْراجُ الوَعْدِ هاهُنا كالتَّفْصِيلِ لِما تَقَدَّمَ والتَّعْبِيرِ هُناكَ بِإيتاءِ الأجْرِ الحَسَنِ الظّاهِرِ في الِاسْتِحْقاقِ مَعَ إسْنادِ الإيتاءِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ نَفْسِهِ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ (نُدْخِلْهُ) و(نُعَذِّبْهُ) بِالنُّونِ فِيهِما، <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعني: إلى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يعني: اتركونا نتّبعكم في ذلك الغزو يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يعني: يغيروا كلام الله.
يعني: ما قاله الله لرسوله : لا تأذن لهم في غزاة أخرى.
قرأ حمزة والكسائي: وهو جمع كلمة.
والباقون كَلامَ اللَّهِ والكلام اسم لكل ما يتكلم به.
قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا في المسير إلى خيبر إلاَّ متطوعين، من غير أن يكون لكم شرك في الغنيمة.
كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل الحديبية.
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا يعني: يقولون للمؤمنين: إن الله لم ينهكم عن ذلك، بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم.
قال الله تعالى: بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا يعقلون، ولا يرغبون في ترك النفاق، لا قليلاً، ولا كثيراً.
ويقال: بل كانوا لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلاً منهم.
قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية، مخافة القتال سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: قتال شديد.
قال بعضهم: يعني: قتال أهل اليمامة بعد رسول الله .
قاتلهم أبو بكر الصديق .
وقال مجاهد: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: أهل الأوثان.
وقال أيضاً: هم أهل فارس، وكذا قال عطاء، وقال سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف.
وقال الحسن: فارس، والروم.
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ قرأ بعضهم أَوْ يُسْلِمُوا بألف من غير نون، وقراءة العامة بالنون.
فمن قرأ: أو يسلموا يعني: حتى يسلموا، أو إلى أن يسلموا.
ومن قرأ: بالنون.
فمعناه: تقاتلونهم أو هم يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يعني: تجيبوا، وتوقعوا القتال، وتخلصوا لله تعالى.
يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يعني: ثواباً حسناً في الآخرة.
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية.
يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً، فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة والضعفاء: فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم، ولا نستطيع الخروج، فيعذبنا الله؟
فنزل قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس عليهم إثم في التخلف وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: إثم.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو ويقال: وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ في الغزو، في السر، والعلانية يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه.
وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن ذلك.
يعني: عن طاعة الله، ورسوله، بالتخلف يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً.
قرأ نافع: وابن عامر نُدْخِلْهُ وَنُعَذِّبْهُ كلاهما بالنون.
والباقون: كلاهما بالياء.
وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.
قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعني: شجرة السمرة.
ويقال: أم غيلان.
قال قتادة: بايعوهُ يومئذٍ وهم ألف وأربعمائة رجل.
وكان عثمان يومئذٍ بمكة.
فقال النبي : «إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه بَيْعَةُ عُثْمَان» .
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: مَا فِى قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء.
وهذا قول ابن عباس.
وقال مقاتل: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا، ولا يفروا.
فَأَنْزَلَ الله السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعني: أنزل الله تعالى الطمأنينة، والرضى عليهم.
وَأَثابَهُمْ يعني: أعطاهم.
فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.
وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني: يغنمونها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً حكم عليهم بالقتل، والسبي.
ويقال: حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين.
ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها يعني: تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله وبعده إلى يوم القيامة.
وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني: فتح خيبر، قرأ بعضهم وَأَتاهُمُ أي: أعطاهم وقراءة العامة وَأَثابَهُمْ يعني: كافأهم.
قوله تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة.
ويقال: أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر، فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبيّ على ألا يكونوا له، ولا عليه.
ثم قال: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً.
ثم قال: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يرشدكم ديناً قيماً، وهو دين الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجراً عظيما، وهو الجنة.
وقوله سبحانه: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ قال مجاهد وغيره «١» : هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب وذلك أَنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] «٢» عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا/ عن النبي- صلّى الله عليه وسلّم- وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأعلم نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم فلذلك قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ثم قال تعالى لنبيّه ع:
قُلْ: لَهُمْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود «٣» : إنْ أراد بكم سوءا
ثم رَدَّ عليهم بقوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ ...
الآية، وبُوراً معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان» : الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسير رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- إلى يهود- وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ- طلبوا الكونَ معه رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك.
وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة/ خيبرَ، وقال ابن زيد «١» : كلام اللَّه هو قوله تعالى: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، قال ع: وهذا ضعيف لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره صلّى الله عليه وسلّم وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة.
ت: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد.
وقوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين.
وقوله سبحانه: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيّ ع يومَ حُنَيْنٍ «٢» ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره «٣» : هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد «٤» ، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» «٥» على القطع أي: أو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ ﴾ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الغَزْوَ والغَنِيمَةَ فَسَتُدْعَوْنَ إلى جِهادِ قَوْمٍ ﴿ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ .
وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم فارِسُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.
والثّانِي: فارِسُ والرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ، ورَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الأوْثانِ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الرُّومُ، قالَهُ كَعْبٌ.
والخامِسُ: أنَّهم هَوازِنُ وغَطَفانُ، وذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.
والسّادِسُ: بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ اليَمامَةِ، وهم أصْحابُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
قالَ مُقاتِلٌ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ بَيِّنَةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
وَقالَ رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دُعِيَ أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هم.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إلّا في العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، وفارِسُ والرُّومُ إنَّما يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِها بَنُو حَنِيفَةَ، فَأبُو بَكْرٍ دَعا إلى قِتالِهِمْ، وإنْ أُرِيدَ بِها فارِسُ والرُّومُ، فَعُمَرُ دَعا إلى قِتالِهِمْ، والآيَةُ تُلْزِمُهُمُ اتِّباعَ طاعَةِ مَن يَدْعُوهُمْ، وتَتَوَعَّدُهم عَلى التَّخَلُّفِ بِالعِقابِ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إمامَتِهِما إذا كانَ المُتَوَلِّي عَنْ طاعَتِهِما مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَإنْ تُطِيعُوا أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنْ طاعَتِهِما ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ في المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمْ نِفاقَكم وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الزَّمانَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ المَسِيرِ إلى الحُدَيْبِيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" و "نُعَذِّبُهُ" بِالنُّونِ فِيهِما؛ والباقُونَ: بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ ﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ لَمّا بَلَغَ عَزَّ وجَلَّ في عَتْبِ هَؤُلاءِ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرَةِ لِلْمَدِينَةِ "كَجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وغِفارٍ وأسْلَمَ وأشْجَعَ" عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَذَّرَ أهْلَ الأعْذارِ مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ جُمْلَةً، ورَفَعَ الحَرَجَ عنهم والضِيقَ والمَأْثَمَ، وهَذا حُكْمُ هَؤُلاءِ المَعاذِيرِ في كُلِّ جِهادٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا أنْ يَحْزُبَ حازِبٌ في حَضْرَةٍ مّا، فالفَرْضُ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ومَعَ ارْتِفاعِ الحَرَجِ، فَجائِزٌ لَهُمُ الغَزْوُ وأجْرُهم فِيهِ مُضاعَفٌ؛ لِأنَّ الأعْرَجَ أحْرى الناسِ بِالصَبْرِ وألّا يَفِرَّ، وقَدْ غَزا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وكانَ يُمْسِكُ الرايَةَ في بَعْضِ حُرُوبِ القادِسِيَّةِ، وقَدْ خَرَّجَ النَسائِيُّ هَذا المَعْنى وذَكَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ: "يُعَذِّبُهُ" و"نُعَذِّبُهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَجَرَةِ ﴾ تَشْرِيفٌ وإعْلامٌ بِرِضاهُ عنهم حِينَ البَيْعَةِ، وبِهَذا سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِضْوانِ، والرِضى بِمَعْنى الإرادَةِ، فَهو صِفَةُ ذاتٍ، ومَن جَعَلَ "إذْ" مُسَبِّبَةً، بِمَعْنى: لِأنَّهم بايَعُوا تَحْتَ الشَجَرَةِ جازَ أنْ يَجْعَلَ "رَضِيَ" بِمَعْنى: إظْهارِ النِعَمِ عَلَيْهِمْ، بِسَبَبِ بَيْعَتِهِمْ، فالرِضى - عَلى هَذا - صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في المُبايَعَةِ ومَعْناها.
وكانَ سَبَبُ هَذِهِ المُبايَعَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ أرادَ أنْ يَبْعَثَ إلى مَكَّةَ رَجُلًا يُبَيِّنُ لِقُرَيْشٍ أنَّ النَبِيَّ لا يُرِيدُ حَرْبًا وإنَّما جاءَ مُعْتَمِرًا، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ خِراشَ بْنَ أُمِّيَّةَ الخُزاعِيَّ، وحَمْلَهُ عَلى جَمَلٍ يُقالُ لَهُ: الثَعْلَبُ، فَلَمّا كَلَّمَهم عَقَرُوا الجُمَلَ وأرادُوا قَتْلَ خِراشٍ فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ، وبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ فَأرادَ بَعْثَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ عُمْرُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَظاظَتِي عَلى قُرَيْشٍ، وهم يُبْغِضُونَنِي، ولَيْسَ هُناكَ مِن بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَن يَحْمِينِي، ولَكِنِ ابْعَثْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ، فَذَهَبَ، فَلَقِيَهُ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، فَنَزَلَ عن دابَّتِهِ وحَمَلَهُ عَلَيْها، وأجارَهُ حَتّى إذا جاءَ قُرَيْشًا فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنْ شِئْتَ يا عُثْمانُ أنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ فَطُفْ، وأمّا دُخُولُكم عَلَيْنا فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كُنْتُ لِأطُوفَ بِهِ حَتّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ، ثُمَّ إنَّ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العاصِي حَبَسُوا عُثْمانَ عَلى جِهَةِ المَبَرَّةِ، فَأبْطَأ عَلى رَسُولِ اللهِ وكانَتِ الحُدَيْبِيَةُ مِن مَكَّةَ عَلى عَشَرَةِ أمْيالٍ، فَصَرَخَ صارِخٌ مِن عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ : قُتِلَ عُثْمانُ، فَحَمِيَ رَسُولُ اللهِ والمُؤْمِنُونَ وقالُوا: لا نَبْرَحُ إنْ كانَ هَذا حَتّى نَلْقى القَوْمَ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ إلى البَيْعَةِ، ونادى مُنادِيهِ: أيُّها الناسُ، البَيْعَةَ البَيْعَةَ.
نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، فَما تَخَلَّفَ عَنِ البَيْعَةِ أحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إلّا الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ المُنافِقُ، وحِينَئِذٍ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَدَهُ عَلى يَدِهِ، وقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ، وهي خَيْرٌ مِن يَدِ عُثْمانَ، ثُمَّ جاءَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ سالِمًا»، والشَجَرَةُ سَمُرَةُ كانَتْ هُنالِكَ، ذَهَبَتْ بَعْدَ سِنِينَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالمَوْضِعِ في خِلافَتِهِ فاخْتَلَفَ أصْحابُهُ في مَوْضِعِها، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ سِيرُوا، هَذا التَكَلُّفُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ ، قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مِن كَراهَةِ البَيْعَةِ عَلى المَوْتِ ونَحْوِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ فِيهِ مَذَمَّةٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالالطَبَرِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: مِنَ الإيمانِ وصِحَّتِهِ والحُبِّ في الدِينِ والحِرْصِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ فَلا يَحْتاجُ إلى نُزُولِ ما يَسْكُنُهُ، أما أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُجازى بِالسَكِينَةَ والفَتْحِ القَرِيبِ والمَغانِمِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: مِنَ الهَمِّ بِالِانْصِرافِ عَنِ المُشْرِكِينَ والأنَفَةِ في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما خاطَبَ فِيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَتَرَتَّبُ مَعَهُ نُزُولُ السَكِينَةِ والتَعْرِيضِ بِالفَتْحِ القَرِيبِ، والسَكِينَةُ هُنا تَقْرِيرُ قُلُوبِهِمْ وتَذْلِيلُها لِقَبُولِ أمْرِ اللهِ تَعالى والصَبْرِ لَهُ.
وقَرَأ الناسُ: ﴿ "وَأثابَهُمْ"، ﴾ قالَ هارُونُ: وقَدْ قُرِئَتْ: "وَأتابَهُمْ" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ.
و"الفَتْحُ القَرِيبُ": خَيْبَرُ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ انْصَرَفَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى المَدِينَةِ وقَدْ وعَدَهُ اللهُ بِخَيْبَرَ، وخَرَجَ إلَيْها لَمْ يَلْبَثْ، قالَ أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ: وقَدْ قِيلَ: الفَتْحُ القَرِيبُ: فَتْحُ مَكَّةَ و"المَغانِمُ الكَثِيرَةُ": فَتْحُ خَيْبَرَ، وقَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ: "تَأْخُذُونَها" عَلى مُخاطَبَتِهِمْ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يَأْخُذُونَها" ﴾ عَلى الغَيْبَةِ.
واخْتُلِفَ في عِدَّةِ المُبايِعِينَ، فَقِيلَ: ألْفٌ وخَمْسِمِائَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: وأرْبَعِمِائَةٍ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وقِيلَ: وخَمْسِمِائَةٍ وخَمْسَةٍ وعِشْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: وثَلاثِمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي أوفى، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا ذَكَرْناهُ مِن قَبْلُ، وأوَّلُ مَن بايَعَ في ذَلِكَ رَجُلٌ مَن بَنِي أسَدٍ يُقالُ لَهُ: أبُو سِنانَ بْنِ وهْبٍ، قالَهُ الشَعْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
جملة معترضة بين جملة ﴿ وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ [الفتح: 16] وبين جملة ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ الآية قصد منها نفي الوعيد عن أصحاب الضَّرارة تنصيصاً على العذر للعناية بحكم التولّي والتحذير منه.
وجملة ﴿ من يطع الله ﴾ الخ تذييل لجملة ﴿ فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً ﴾ [الفتح: 16] الآية لما تضمنته من إيتاء الأجر لكل مطيع من المخاطبين وغيرهم، والتعذيب لكل متولَ كذلك، مع ما في جملة ﴿ ومن يطع اللَّه ﴾ من بيان أن الأجر هو إدخال الجنات، وهو يفيد بطريق المقابلة أن التعذيب الأليم بإدخالهم جهنم.
وقرأ نافع وابن عامر ﴿ ندخلْه ﴾ و ﴿ نعذبْه ﴾ بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الجمهور ﴿ يدخله ﴾ بالياء التحتية جرياً على أسلوب الغيبة بعود الضمير إلى اسم الجلالة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ وهَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ هم أحَدُ أصْنافِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَنَّفَ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، مِنهم مَن أعْلَمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأوْعَدَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ العَذابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ ﴾ الآيَةَ.
وَمِنهم مَنِ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وتابَ، وهم مَن قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ﴾ الآيَةَ.
وَمِنهم مَن وقَفُوا بَيْنَ الرَّجاءِ لَهم والخَوْفِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ فَهَؤُلاءِ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ دُونَ الصِّنْفَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ لِتَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ أمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِمْ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ فارِسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الرُّومُ، قالَهُ الحَسَنُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.
الثّالِثُ: هَوازِنُ وغَطَفانُ بِحُنَيْنٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ.
الرّابِعُ: بَنُو حَنِيفَةَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال: كيف بي وأنا ذاهب البصر فنزلت ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ الآية قال: هذا في الجهاد ليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا.
أما قوله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ فبايع لعثمان رضي الله عنه إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئاً لابن عفان رضي الله عنه يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف» .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟
قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان.
فأتيت سعيد بن المسيب رضي الله عنه فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد رضي الله عنه: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع رضي الله عنه قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت.
وأخرج البخاري وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟
قال: خمس عشرة مائة قلت: فإن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كانوا أربع عشرة مائة.
قال: يرحمه الله وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة.
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة.
وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قيل: على أي شيء كنتم تبايعون؟
قال: على الموت.
وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: «لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية فزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله إني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه يبلغ لك ما أردت.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عماراً وادعهم إلى الإِسلام وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح.
ويخبرهم أن الله وشيك أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإِيمان فانطلق عثمان رضي الله عنه إلى قريش فأخبرهم، فارتهنه المشركون، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين ودعوا إلى الموادعة والصلح» .
وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت.
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.
وأخرج البيهقي في الدلائل عن الشعبي قال: «لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تبايعني؟
قال: على ما في نفسك» .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم» .
وأخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي أوفى في قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر.
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في مراسيله عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لغائب في مقسم لم يشهده إلا يوم خيبر قسم لغيب أهل الحديبية من أجل أن الله كان أعطى أهل خيبر المسلمين من أهل الحديبية، فقال: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ وكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: الوقار والصبر وهم الذين بايعوا زمان الحديبية وكانت الشجرة فيما ذكر لنا سمرة بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها، وكانوا يومئذ خمس عشرة مائة فبايعوه على أن لا يفروا، ولم يبايعوه على الموت، ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة ﴾ قال: هي مغانم خيبر وكانت عقاراً ومالاً فقسمها نبي الله بين أصحابه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى إذا كان بين المدينة ومكة نزلت عليه سورة الفتح فقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله: ﴿ عزيزاً ﴾ ثم ذكر الله الأعراب ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ إلى قوله: ﴿ خبيراً ﴾ ثم قال للأعراب ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ سعيراً ﴾ ثم ذكر البيعة فقال: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ لفتح الحديبية.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمساً وعشرين.
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: لما نزلت ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ قال: يا أبا أمامة أنت مني وأنا منك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حيث رجعوا من صلح الحديبية.
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: فتح خيبر.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: عجلت لهم خيبر.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني الفتح.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أهل مكة أن يستحلوا ما حرم الله أو يستحل بكم وأنتم حرم ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ قال: سنة لمن بعدكم.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ خيبر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع، وادٍ بين غطفان وخيبر، فتخوّف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا عليهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: عن بيضتهم وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا عن المدينة إلى خيبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: فتح خيبر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: الحليفان أسد وغطفان عليهم عيينة بن حصن معه مالك بن عوف النصري أبو النضر وأهل خيبر على بئر معونة فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا ﴾ هم أسد وغطفان ﴿ لولوا الأدبار حتى لا تجد لسنة الله تبديلاً ﴾ يقول سنة الله في الذين خلوا من قبل أنه لن يقاتل أحد نبيه إلا خذله الله فقتله أو رعبه فانهزم ولن يسمع به عدو إلا انهزموا واستسلموا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ أنها ستكون لكم بمنزلة قوله أحاط الله بها علماً أنها لكم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأسود الديلمي أن الزبير بن العوام لما قدم البصرة دخل بيت المال فإذا هو بصفراء وبيضاء فقال: يقول الله: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ﴾ فقال: هذا لنا.
وأخرج ابن عساكر عن علي وابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ فتوح من لدن خيبر ﴿ تأخذونها ﴾ تلونها وتغنمون ما فيها ﴿ فعجل لكم ﴾ من ذلك خيبر ﴿ وكف أيدي الناس ﴾ قريشاً ﴿ عنكم ﴾ بالصلح يوم الحديبية ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ شاهداً على ما بعدها ودليلاً على إنجازها ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ على علم وفيها أقسمها بينكم فارس والروم ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ قضى الله بها أنها لكم.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فارس والروم.
وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فتح فارس.
وأخرج عبد بن حميد عن جويبر ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يزعمون أنها قرى عربية ويزعم آخرون أنها فارس والروم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: بلغنا أنها مكة.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يوم حنين.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هي خيبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ يعني أهل مكة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ﴾ وبين عذرهم (١) وقال مقاتل: عَذَرَ أهل الزمانة الذين يتخلفون عن المسير إلى الحديبية، يقول، لا حرج عليهم، فمن شاء منهم أن يسير معكم إلى خيبر فليسر (٢) (٣) ثم أعلم -عز وجل- بخبر من أخلص نيته فقال: (١) ذكر ذلك الثعلبي عن ابن عباس.
انظر: "تفسيره" 10/ 137 أ، وأخرجه الطبراني == في "المعجم الكبير" 5/ 155 رقم 4926 عن زيد بن ثابت وقال حمدي السلفي في تحقيقه: في إسناده محمد بن جابر اليمامي صدوق، ومحمد بن جابر السحيمي ضعيف ويكتب حديثه وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 73.
(٣) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ الآية معناها أن الله تعالى عذر الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد؛ لسبب أعذارهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليؤمنوا ﴾ ﴿ ويعزروه ويوقروه ويسبحوه ﴾ بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ عليه الله ﴾ بضم الهاء: حفص ﴿ فسنؤتيه ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر.
الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله ﴿ شغلتنا ﴾ بالتشديد: قتيبة ﴿ ضراً ﴾ بالضم ﴿ كلم الله ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف ﴿ بل ظننتم ﴾ بالإدغام: علي وهشام ﴿ بل تحسدوننا ﴾ مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ ندخله ﴾ ﴿ ونعذبه ﴾ بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر ﴿ بما يعملون بصيراً ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو ﴿ الرؤيا ﴾ بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام ﴿ شطأه ﴾ بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس.
الباقون: ساكنة الطاء.
الوقوف: ﴿ مبيناً ﴾ ه لا ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح ﴿ عزيزاً ﴾ ه ﴿ إيمانهم ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ سيئاتهم ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ ظن السوء ﴾ ط ﴿ دائرة السوء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ ونذيراً ﴾ ه لا ﴿ وتوقروه ﴾ ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ يبايعون الله ﴾ ط ﴿ أيديهم ﴾ ج ط للشرط مع الفاء ﴿ على نفسه ﴾ ج للعطف مع الشرط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ فاستغفر لنا ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ نفعاً ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ نتبعكم ﴾ ج لأن ما بعده حال عامله ﴿ سيقول ﴾ أو مستأنف ﴿ كلام الله ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للسين مع الفاء ﴿ تحسدوننا ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ يسلمون ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ المريض حرج ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ قريباً ﴾ ه لا ﴿ يأخذونها ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ عنكم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ﴿ مستقيماً ﴾ ه لا للعطف ﴿ بها ﴾ ج ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ تبديلاً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ محله ﴾ ط ﴿ بغير علم ﴾ ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ وأهلها ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لحق حذف القسم ﴿ آمنين ﴾ لا ﴿ مقصرين ﴾ لا لأنها أحوال متابعة ﴿ لا تخافون ﴾ ط لأن قوله ﴿ فعلم ﴾ بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله ﴿ صدق الله ﴾ ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف ﴿ ورضواناً ﴾ ز لأن ﴿ سيماهم ﴾ مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين ﴿ السجود ﴾ ط ﴿ الإنجيل ﴾ ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به.
والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية.
عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ﴿ إنا فتحنا ﴾ فقال : "لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها" .
والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي فجاء بالماء حتى عمهم.
وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس.
وقال الشعبي: أصاب النبي في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر.
وذلك أن رسول الله بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً.
واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح.
فلما رأى أصحاب النبي فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟
فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً.
والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه.
فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم".
ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله ".
قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله.
فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً.
فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح.
وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله.
وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة.
وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله.
قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال ﴿ ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا ﴾ إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد.
وأيضاً لما قال ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح.
سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟
الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل.
ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب.
قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده.
وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " "خرج كيوم ولدته أمه" وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول عرف أنه حبيب الله المغفور له.
أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً.
ومعنى ﴿ ما تأخر ﴾ أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها.
وقيل ﴿ ما تقدم ﴾ ذنب أبويه آدم وحواء ﴿ وما تأخر ﴾ ذنب أمته.
وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره.
وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً.
والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح.
وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ﴿ ويهديك صراطاً مستقيماً ﴾ أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته.
والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد.
وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم.
وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص.
ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً.
ثم بين سبب النصر بقوله ﴿ هو الذي أنزل السكينة ﴾ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" ﴿ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ﴾ أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله.
وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري.
وعلى هذا ففائدة قوله ﴿ مع إيمانهم ﴾ أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول.
وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان.
ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة.
وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى.
ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة.
قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ ونحو ذلك.
والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف.
مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات.
نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم ﴾ ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال ﴿ وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً ﴾ وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد ﴾ ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة.
وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم.
ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال ﴿ إنا أرسلناك شاهداً ﴾ على أمتك ﴿ ومبشراً ونذيراً ﴾ وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله ﴿ لتؤمنوا بالله ورسوله ﴾ قائم مقام قوله هناك ﴿ وداعياً إلى الله بإذنه ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين.
وقوله ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه.
قوله هناك ﴿ وسراجاً منيراً ﴾ وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية.
وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله.
وقوله ﴿ وتسبحوه ﴾ من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع.
و ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس.
﴿ إن الذين يبايعونك ﴾ هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة.
وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد.
وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ﴾ ﴿ إنما يبايعون الله ﴾ لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة.
ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ يد الله فوق أيديهم ﴾ قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك.
وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال ﴿ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم ﴾ قال القفال: هو من قوله : "اليد العليا خير من اليد السفلى" يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم.
وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله.
وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله يحفظهم على بيعتهم.
ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله ﴿ فمن نكث ﴾ إلى آخره.
والنكث والنقض أخوان.
وقوله ﴿ فإنما ينكث على نفسه ﴾ أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه.
قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم.
ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال ﴿ سيقول لك المخلفون ﴾ هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار.
وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم.
والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا.
فلما رجع رسول الله اعتذروا وقالوا ﴿ شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ﴾ سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله ﴿ يقولون بألسنتهم ﴾ وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله.
وإنما قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ لكم ﴾ لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله ﴿ أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ﴾ ثم ردّ قولهم اللساني فقال ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيراً ﴾ ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله ﴿ بل ظننتم ﴾ الآية.
والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله ﴿ رحيماً ﴾ وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة.
وقوله ﴿ سيقول المخلفون ﴾ إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده.
وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم.
وقوله ﴿ إلى مغانم ﴾ هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها.
وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس.
قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله كسهم من حضر.
وكان انصراف النبي في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ﴿ ذرونا نتبعكم ﴾ فمنعهم النبي لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله ﴿ يريدون أن يبدّلوا كلام الله ﴾ فقال الله لنبيه ﴿ قل لنا تتبعونا ﴾ أي في خيبر.
وقيل: عامّ في غزواته ﴿ كذلكم قال الله من قبل ﴾ أي قبل انصرافهم إلى المدينة ﴿ فسيقولون ﴾ ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به ﴿ بل تحسدوننا ﴾ أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله ﴿ بل كانوا لا يفقهون إلا ﴾ فهماً ﴿ قليلاً ﴾ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله ﴿ قل لن تتبعونا ﴾ مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه.
وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي.
وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني ﴿ سيقول المخلفون ﴾ نزلت في غزوة تبوك أيضاً.
وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور.
ثم إن الله أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب.
وقيل: هم هوازن وغطفان.
وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله في تبوك.
والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه قال ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية.
هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم ﴿ لن تخرجوا معي أبداً ﴾ اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد.
وقوله ﴿ أو يسلمون ﴾ رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون.
ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل.
وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً.
والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة.
وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء.
وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي في الحديبية.
قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟
فأنزل الله ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده.
وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك.
نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً.
وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود.
والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي.
فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك.
وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال.
ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً.
والباقي واضح إلى قوله ﴿ لقد رضى الله ﴾ .
وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة.
وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت.
وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها ﴿ فعلم ما في قلوبهم ﴾ من خلوص النية ﴿ فأنزل السكينة ﴾ الطمأنينة والأمن عليهم ﴿ وأثابهم ﴾ جازاهم عن الإخلاص في البيعة ﴿ فتحاً قريباً ﴾ هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه.
وقيل: هو فتح مكة ﴿ ومغانم كثيرة يأخذونها ﴾ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ هي التي أصابوها مع النبي أو بعده إلى يوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ يعني غنيمة خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ﴿ ولتكون آية ﴾ أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً.
وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة.
قوله ﴿ وأخرى ﴾ أي وعدكم الله مغانم أخرى.
عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم.
أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم.
قال جار الله: يجوز في ﴿ أخرى ﴾ النصب بفعل مضمر يفسره ﴿ قد أحاط ﴾ أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها.
ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و ﴿ قد أحاط ﴾ خبره.
وجوز الجر بإضمار "رب".
ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال ﴿ ولو قاتلكم ﴾ إلى آخره.
والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال ﴿ سنة الله ﴾ إلى آخره.
عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله ﴿ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ﴾ وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم.
وقيل: هو التنعيم.
وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم.
وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم : هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية.
وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم.
وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل.
فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت.
فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة.
فأنزلت الآية.
وسمي خالد يومئذ سيف الله.
وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة.
ثم ذم قريشاً بقوله ﴿ هم الذين كفروا وصدّوكم ﴾ يعني يوم الحديبية ﴿ عن المسجد الحرام ﴾ أن تطوفوا به للعمرة ﴿ و ﴾ صدّوا ﴿ الهدى ﴾ أو صدّوكم مع الهدي حال كونه ﴿ معكوفاً ﴾ أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن ﴿ أن يبلغ محله ﴾ المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة".
ثم بين حكمة المصالحة بقوله ﴿ ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ﴾ وقوله ﴿ لم تعلموهم ﴾ سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب.
و ﴿ أن تطؤهم ﴾ بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿ تعلموهم ﴾ والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك.
وقوله ﴿ فتصيبكم ﴾ جواب النفي أو عطف على ﴿ أن تطؤهم ﴾ والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه.
وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متقدم في النية متعلق بـ ﴿ أن تطؤهم ﴾ والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف.
وجوّزوا أن يكون ﴿ لو تزيلوا ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ ولولا رجال ﴾ لرجعهما إلى معنى واحد.
والتنزيل التميز والتفرق ويكون ﴿ لعذبنا ﴾ هو الجواب.
وقوله ﴿ ليدخل ﴾ تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين.
وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا.
وقوله ﴿ إذ جعل ﴾ يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً ﴿ لعذبنا ﴾ أو لـ ﴿ ـصدّوكم ﴾ وفاعل ﴿ جعل ﴾ يجوز أن يكون ﴿ الله ﴾ وقوله ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الجعل كما مر في قوله { ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ الذين كفروا ﴾ ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله.
والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا.
وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد ، اختارها الله للمؤمنين.
ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله.
﴿ وكانوا أحق بها وأهلها ﴾ لأنهم خيار الأمم.
وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق.
وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك.
وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله ﴿ وألزمهم كلمة التقوى ﴾ أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا.
ثم قص رؤيا نبيه بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له ﴿ لتدخلن ﴾ إلى قوله ﴿ لا تخافون ﴾ فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي أن نأتي البيت فنطوف به؟
فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟
فقالوا: لا.
قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه.
ومعنى ﴿ صدق الله رسوله الرؤيا ﴾ صدقه في رؤياه ولم يكذبه.
وقوله ﴿ بالحق ﴾ إما أن يكون متعلقاً بـ ﴿ صدق ﴾ أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي.
وجوّز أن يكون ﴿ بالحق ﴾ قسماً لأنه إسم من أسماء الله ، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في ﴿ لتدخلنّ ﴾ جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على ﴿ الرؤيا ﴾ .
والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر.
وفي ورود ﴿ إن شاء الله ﴾ في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا.
والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ ﴿ ويعذب المنافقين إن شاء ﴾ والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق.
والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب.
والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله وقد دخل البقيع " "وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" وليس في فروع الموت استثناء.
الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف.
ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ﴿ فعلم ما لم تعلموا ﴾ من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل ﴿ فجعل من دون ذلك ﴾ الفتح ﴿ فتحاً قريباً ﴾ وهو فتح خيبر.
ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله ﴿ هو الذي أرسل ﴾ الآية.
وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته.
وقد مر نظير الآية في سورة التوبة.
ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله.
وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى فلا يبقى على الأرض كافر ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى.
ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال ﴿ محمد رسول الله ﴾ فهو مبتدأ وخبر.
وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله ﴿ أرسل رسوله ﴾ أي هو محمد فيكون ﴿ رسول الله ﴾ صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون ﴿ محمد ﴾ مبتدأ و ﴿ رسول الله ﴾ صفته أو بياناً.
وقوله ﴿ والذين معه ﴾ وهم الصحابة عطفاً على ﴿ محمد ﴾ وخبر الجميع ﴿ أشداء على الكفار ﴾ جمع شديد كما قال ﴿ واغلظ عليهم ﴾ ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه.
والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة وإن كان التقبيل على اليد.
ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم ﴿ تراهم ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب ﴿ ركعاً سجداً ﴾ راكعين ساجدين ﴿ يبتغون فضلاً من الله ﴾ بالعفو عن تقصيرهم ﴿ ورضواناً ﴾ منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم ﴿ سيماهم ﴾ علامتهم ﴿ في وجوههم من أثر السجود ﴾ فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير.
والذي جاء في الحديث "لا تعلبوا صوركم" أي لا تخدشوها.
وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة.
وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض.
ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور.
وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميزعند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: عيناك قد حكتا مبيـ *** ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ *** ـك مبيت صاحبها عياناً قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ﴿ ذلك مثلهم ﴾ أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله ﴿ كزرع ﴾ إلى آخره.
كقوله ﴿ وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ﴾ وقد يقال: تم الكلام عند قوله ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ مثلهم في الإنجيل كزرع ﴾ لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم.
والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر.
﴿ فآزره ﴾ من المؤازره المعاونة.
ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس.
﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين.
والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً.
ووجه التشبيه أن النبي خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم.
وقوله ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾ تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه كفار مكة والعجم.
وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا.
وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله ﴿ والذين معه ﴾ أبو بكر ﴿ أشداء على الكفار ﴾ عمر ﴿ رحماء بينهم ﴾ عثمان ﴿ نراهم ركعاً سجداً ﴾ علي ﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ طلحة والزبير ﴿ سيماهم في وجوههم ﴾ سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح.
وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ.
وقوله ﴿ منهم ﴾ لبيان الجنس.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ ليغيظ ﴾ تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ ﴾ .
قوله - -: ﴿ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ سماهم: مخلفين، ولم يخلفهم رسول الله ولا أصحابه، ولكن الله خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف، كقوله : ﴿ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾ أي: منعهم، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن الله - وتعالى - خلفهم عن ذلك، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم؛ دل أن خالق أفعال العباد هو الله ، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: خبرا عنهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ .
هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول الله .
وقولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف بقولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ يقولون: وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم يكن لنا التخلف عنك، فاستغفر لنا، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم؛ لأنهم كانوا لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...
﴾ الآية [المنافقون: 5]؛ دل هذا الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ؛ حيث قال: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ ، أي: يقولون بألسنتهم قولهم: ﴿ فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ﴾ ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك.
ولا جائز أن يصرف قولهم: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ إلى قولهم: ﴿ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ أي: كاذبين في العذر، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة، لا يقال هذا؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك، فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ﴾ .
قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟
فيكون من الله على الإيجاب: أن لا أحد يملك لكم نفعاً إن كان الله أراد بكم ضرا، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان الله أراد بكم نفعاً، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم، فإن الله لو أراد بكم ضرّاً لا تملكون دفعه عن أنفسكم، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه، فلا يملك أحد الضرر لكم، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول الله .
ثم أوعدهم فقال: ﴿ بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ جعل الله - عز وجل - أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله في حق المنافقين، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا في قلوبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - جل وعلا - وجعل الآية له في حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه بالله قدر على ذلك، والله أعلم.
وقال أهل التأويل: ﴿ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً ﴾ أي: الهزيمة ﴿ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ﴾ ظهورا على عدوكم وغنيمة، يحتمل أن يكون الخطاب بهذا لأهل الإيمان والوعظ لهم بذلك؛ لأن أهل النفاق كانوا لا يصدقون رسول الله ولا يقبلون ما يقول من المواعظ وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً ﴾ .
فإن قيل: ما الذي حملهم على الظن الذي ظنوا أن رسول الله والمؤمنين لا يرجعون إلى أهليهم أبدا إذا كان ذلك في خروجهم إلى الحديبية - على ما قال أهل التأويل: إن ذلك كان في خروجهم إلى الحديبية - وكان خروجهم للحج وقضاء المناسك لا للقتال والحرب معهم، حتى يقع عندهم أنهم لا يرجعون، بل يهلكون في ذلك، وأهل مكة لم يكونوا يتبعون أحدا من أهل الإيمان يدخل مكة للحج وقضاء المناسك.
قيل: لأن أهل النفاق كانوا قد كتبوا إلى أهل مكة وأعلموهم أن رسول الله وأصحابه - م - خرجوا إليكم للحج وزيارة البيت، فقالوا: إنا لا ندعهم يدخلون مكة بل نقاتلهم ونحاربهم ولا نتركهم يدخلونها، فإذا كان منهم ما ذكرنا، فجائز أن يكونوا ظنوا ما ذكرنا من ظنهم، فأما على غير ذلك فلا يحتمل مع اجتماع أهل التأويل على أن ذلك كان في أمر الحديبية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ﴾ .
أي: ظننتم برسول الله وأصحابه - م - ظن السوء أنهم لا يرجعون إلى أهليهم.
ويحتمل ظننتم بالله ظن السوء أنه لا ينصر رسوله ولا يعينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بُوراً ﴾ أي: هلكى، أي: تصيرون قوما هلكى؛ فيه دليل أنهم يموتون على نفاقهم.
وقال الحسن: ﴿ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ﴾ أي: فاسدون لا خير فهم، وكذلك يقول ابن عباس - ما -: إن البور هو الفاسد.
وقال بعضهم: البور في كلام العرب: لا شيء.
وقال القتبي: البور: الهلكى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً ﴾ فهو ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قيل فيه بوجوه: أحدها: ولله خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - - أنه كان يقرؤه: ﴿ ولله خزائن السماوات والأرض ﴾ .
والثاني: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض، أي: لله حقيقة ملك كل ملك في السماوات والأرض.
والثالث: ولله ولاية أهل السماوات والأرض وسلطانه، أي: الولاية والسلطان له على أهل السماوات والأرض.
ثم يحتمل ذكره هذا وجهين: أحدهما: يخبر أنه فيما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم بأنواع المحن إنما يأمرهم وينهى ويمتحن لا لحاجة نفسه ولا لمنفعة له؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولا يحتمل من له ملك ما ذكر أن يقع له الحاجة إلى ما ذكر أو المنفعة؛ لأنه غني بذاته؛ ولكن يأمرهم وينهاهم، ويمتحنهم بما امتحن؛ لحاجتهم ولمنفعتهم، والله أعلم.
والثاني: يذكر هذا ليقطعوا الرجاء عما في أيدي الخلق، ويصرفوا الطمع والرجاء إلى الله - - ومنه يرون كل نفع وخير يصل إليهم، ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، لا يخافون سواه، ولا يطمعون غيره، وهو ما أخبر: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ يقول - والله أعلم -: هو يغفر لمن يشاء، وهو المالك لذلك، وهو يعذب من يشاء؛ أي ليس يملك أحد مغفرة ذنوب أحد سواه ولا تعذيبه، إنما ذلك منه، وله ملك ذلك، وله الفعل دون خلقه؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم في كل أمر إلى الله - - ومنه يخافون في كل أمر فيه خوف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ، وكان الله لم يزل رحيما، لا أنه حدث ذلك له بخلقة، والله الموفق.
وقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ ﴾ من الحديبية، خلفهم الله - عز وجل - لما علم منهم من اختيار التخلف.
وقوله: ﴿ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ...
﴾ الآية.
ذكر أهل التأويل: أن رسول الله لما صالح أهل مكة عام الحديبية ورجع اشتد ذلك على أصحابه - م - لما كانوا طمعوا دخول مكة والزيارة لبيته، فبشره ربه بفتح خيبر والغنيمة لهم، فعند ذلك لما انتهى إلى المنافقين المخلفين عن الحديبية تلك البشارة له بفتح خيبر عليهم - قالوا: ذرونا نتبعكم؛ فنصيب معكم الغنائم؛ وإنما رغبوا في اتباعهم معهم؛ لما علموا أن رسول الله يصدق فيما يخبر من البشارة له والفتح والغنيمة له بلا مؤنة قتال ولا حرب تقع هنالك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأن البشارة بفتح خيبر، وجعله غنيمة لمن شهد الحديبية، فأما من تخلف عنها، فليس له في ذلك من نصيب، فأخبر الله - - أنهم يريدون أن يبدلوا ما وعد الله - - للمؤمنين الذين شهدوا الحديبية - فتح خبير خاصة؛ بأن يشركوا فيها، وفي ذلك تبديل ما وعد؛ إذ لم يشهدوا هم الحديبية، والبشارة بالفتح لمن شهدها، فأما من تخلف عنها فلا.
وقال بعضهم: تبديل كلام الله ما قال في سورة براءة: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ فلما سألوا الخروج إلى خيبر والاتباع لهم، وقد نهاهم عن الخروج معهم أبدا، يريدون أن يبدلوا ذلك النهي الذي نهوا في سورة براءة؛ فيحتمل الأمرين جميعاً؛ كذا ذكر الشيخ - رحمه الله - وعامة أهل التأويل على أن قوله: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ نزل في غزوة تبوك، وأنها بعد خيبر، فلم يكن خروجهم مع رسول الله بخيبر تبديل النهي الذي نهوا عن الخروج معه، لكن كأنه لم يثبت عنده نزول الآية في غزوة تبوك، أو وقع الخطأ من الذين تلقنوا منه وكتبوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ هي البشارة التي ذكرنا لمن شهد الحديبية، قال: إن مغانم خيبر لمن شهد الحديبية، وأمّا من لم يشهد فلا.
ويحتمل قوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ ما ذكر في سورة براءة: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ كانوا يقيسون أصحاب رسول الله بأنفسهم؛ لأنهم إذا أصابوا شيئاً - أعني: المنافقين - كانوا يحسدون أصحاب رسول الله ، وأرادوا ألا يكون لهم في ذلك نصيب ولا حظ؛ حسداً منهم لهم، فلما منعهم المؤمنون عن الخروج إلى خيبر وقالوا: إن الله نهاكم أن تخرجوا معنا، وقد بشروا بالفتح، قالوا عند ذلك: بل تحسدوننا في إصابة تلك الغنائم، لم ينهنا الله - - عن الخروج معكم؛ قاسوا المؤمنين بأنفسهم، ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ الفقه هو الاستدلال بما عرفوه وشهدوه على الذي لم يعلموه وغاب عنهم؛ يخبر أن هؤلاء لا يعرفون الاستدلال.
وقال بعضهم: الفقه هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ ﴾ وهم الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ على قول ابن عباس - - ومقاتل: وهؤلاء هم بنو حنيفة، وفيهم مسيلمة الحنفي الكذاب، استقرت إليهم الأعراب بعد نبيّ الله فدعاهم أبو بكر الصديق إلى قتالهم.
وقال الحسن: هم أهل فارس والروم.
وقال قتادة وغيره: دعوا إلى قتال هوازن وثقيف يوم حنين.
ويروى عن جابر بن عبد الله - - يقول: دعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد، ومنهم من أبى.
لكن ما قال قتادة غير محتمل؛ لأن قتال هوازن وثقيف يوم حنين كان في زمن رسول الله وهو تولى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً...
﴾ الآية [التوبة: 83]، فلا يحتمل أن يدعوا إلى قتال هؤلاء وهو تولى قتالهم، وقد قال الله - - خبراً عنه: ﴿ وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ فإذا لم يحتمل هذا رجع التأويل إلى ما قال ابن عباس ومقاتل - ما - أنهم إنما دعوا إلى قتال أهل اليمامة وهم بنو حنيفة، دعاهم أبو بكر الصديق - - لكن لو كان ما قال أهل التأويل أن قوله - -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ نزل في غزوة تبوك، وهي بعد يوم حنين، فيكون ما قاله قتادة محتملا، والله أعلم.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ في قوم خاص، وهو ما قال: ﴿ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ ﴾ أي: أهل الغناء والثروة، إنما قال ذلك لأولي الطول الذين استأذنوه القعود مع القاعدين، والله أعلم.
ويحتمل قوله - -: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ في أهل فارس والروم؛ على ما قال الحسن، وذلك إنما فتح في زمن عمر، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، ومن قرأها: ﴿ تقاتلونهم أو يسلموا ﴾ بالألف فيكون تأويله: تقاتلونهم حتى يسلموا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً ﴾ ، أي: إن تطيعوا فيما دعيتم إلى الجهاد يؤتكم الله أجراً حسناً، ذكر أنه يؤتيهم أجراً حسناً؛ لأن توبتهم تكون فيما كان كفرهم وكان نفاقهم إنما ظهر بتخلفهم عن الجهاد، فعلى ذلك تكون توبتهم في تحقيق الجهاد.
وقوله: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ﴾ فيما دعيتم إليه ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن الحديبية وغيره ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .
ثم عذر أهل العذر منهم بقوله - -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ كما عذر أهل العذر من المؤمنين بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ...
﴾ الآية [التوبة: 91].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ؛ لأنهم إذا تولوا عادوا إلى ما كانوا.
<div class="verse-tafsir"
ليس على المعذور بعمًى أو عرج أو مرض إثم إذا تخلف عن القتال في سبيل الله، ومن يطع الله ويطع رسوله يدخله جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ومن يعرض عن طاعتهما يعذبه الله عذابًا موجعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.W869M"