الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ١٦ من سورة الفتح
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٦ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم ، الذين هم أولو بأس شديد ، على أقوال : أحدها : أنهم هوازن .
رواه شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة ، أو جميعا - ورواه هشيم عن أبي بشر ، عنهما .
وبه يقول قتادة في رواية عنه .
الثاني : ثقيف ، قاله الضحاك .
الثالث : بنو حنيفة ، قاله جويبر .
ورواه محمد بن إسحاق ، عن الزهري .
وروي مثله عن سعيد وعكرمة .
الرابع : هم أهل فارس .
رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وبه يقول عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة - في إحدى الروايات عنه .
وقال كعب الأحبار : هم الروم .
وعن ابن أبي ليلى ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة : هم فارس والروم .
وعن مجاهد : هم أهل الأوثان .
وعنه أيضا : هم رجال أولو بأس شديد ، ولم يعين فرقة .
وبه يقول ابن جريج ، وهو اختيار ابن جرير .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الأشج ، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري ، عن معمر ، عن الزهري ، في قوله : ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال : لم يأت أولئك بعد .
وحدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي خالد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة في قوله : ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال : هم البارزون .
قال : وحدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ، ذلف الآنف ، كأن وجوههم المجان المطرقة " .
قال سفيان : هم الترك .
قال ابن أبي عمر : وجدت في مكان آخر : ابن أبي خالد عن أبيه قال : نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تقاتلون قوما نعالهم الشعر " قال : هم البارزون ، يعني الأكراد .
وقوله : ( تقاتلونهم أو يسلمون ) يعني : يشرع لكم جهادهم وقتالهم ، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم ، ولكم النصرة عليهم ، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار .
ثم قال : ( فإن تطيعوا ) أي : تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ، ( يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ) يعني : زمن الحديبية ، حيث دعيتم فتخلفتم ، ( يعذبكم عذابا أليما )
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( قُلْ ) يا محمد ( لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ ) عن المسير معك,( سَتُدْعَوْنَ إِلَى ) قتال ( قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ ) في القتال ( شَدِيدٍ ).
واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخبر الله عزّ وجلّ عنهم أن هؤلاء المخلفين من الأعراب يُدْعَوْن إلى قتالهم, فقال بعضهم: هم أهل فارس.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن عطاء بن أبي رباح, عن ابن عباس ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) أهل فارس.
حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاريّ, قال: أخبرنا داود بن الزبرقان, عن ثابت البُنَانيّ, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: فارس والروم.
قال: أخبرنا داود, عن سعيد, عن الحسن, مثله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: قال الحسن, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هم فارس والروم.
حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هم فارس.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: قال الحسن: دُعُوا إلى فارس والروم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: فارس والروم.
وقال آخرون: هم هَوازن بحُنين.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير وعكرمة, في قوله ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هوازن.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبير وعكرمة في هذه الآية ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: هوازن وثقيف.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) قال: هي هَوازن وغَطَفان يوم حُنين.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) فدعوا يوم حُنين إلى هوازن وثقيف فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد.
وقال آخرون: بل هم بنو حنيفة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن الزهري ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال بنو حنيفة مع مُسَيلمة الكذّاب.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن هشيم, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبير وعكرِمة أنهما كانا يزيدان فيه هوازن وبني حنيفة.
وقال آخرون: لم تأت هذه الآية بعد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن أبي هريرة ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) لم تأت هذه الآية.
وقال آخرون: هم الروم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عوف, قال: ثنا أبو المغيرة, قال: ثنا صفوان بن عمرو, قال: ثنا الفرج بن محمد الكلاعي, عن كعب, قال ( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال: الروم.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال, ونجدة في الحروب, ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أن المعنيَّ بذلك هوازن, ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم, ولا أعيان بأعيانهم, وجائز أن يكون عني بذلك بعض هذه الأجناس, وجائز أن يكون عُنِي بهم غيرهم, ولا قول فيه أصحّ من أن يُقال كما قال الله جلّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد.
وقوله ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) يقول تعالى ذكره للمخلَّفين من الأعراب تقاتلون هؤلاء الذين تُدعون إلى قتالهم, أو يسلمون من غير حرب ولا قتال.
وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات ( تُقَاتِلُونَهُمْ أوْ يَسْلِمُوا ), وعلى هذه القراءة وإن كانت على خلاف مصاحف أهل الأمصار, وخلافا لما عليه الحجة من القرّاء, وغير جائز عندي القراءة بها لذلك تأويل ذلك: تقاتلونهم أبدا إلا أن يسلموا, أو حتى يسلموا.
وقوله ( فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ) يقول تعالى ذكره فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولي البأس الشديد, فتجيبوا إلى قتالهم والجهاد مع المؤمنين ( يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ) يقول: يعطكم الله على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنة, وهي الأجر الحسن ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) يقول: وإن تعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته وتخالفوا أمره, فتتركوا قتال الأولي البأس الشديد إذا دُعيتم إلى قتالهم ( كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) يقول: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى مكة, من قبل أن تُدعَوا إلى قتال أولي البأس الشديد ( يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) يعني: وجيعا, وذلك عذاب النار على عصيانكم إياه, وترككم جهادهم وقتالهم مع المؤمنين.
قوله تعالى : قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما .فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل للمخلفين من الأعراب أي قل لهؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية .
ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني : هم فارس .
وقال كعب والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى : الروم .
وعن الحسن أيضا : فارس والروم .
وقال ابن جبير : هوازن وثقيف .
وقال عكرمة : هوازن .
وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين .
وقال الزهري ومقاتل : بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة .
وقال رافع بن خديج : والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم .
وقال أبو هريرة : لم تأت هذه الآية بعد .
وظاهر الآية يرده .الثانية : في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ; لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة ، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم .
وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا ; لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول - عليه السلام - ; لأنه قال : لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا فدل على أن المراد بالداعي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - .
الزمخشري : فإن صح ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين .
أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم .
والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : تقاتلونهم أو يسلمون هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية ، وهو معطوف على تقاتلونهم أي : يكون أحد الأمرين : إما المقاتلة وإما الإسلام ، لا ثالث لهما .
وفي حرف أبي ( أو يسلموا ) بمعنى حتى يسلموا ، كما تقول : كل أو تشبع ، أي : حتى تشبع .
قال [ امرؤ القيس ] :[ ص: 249 ]فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذراوقال الزجاج : قال أو يسلمون لأن المعنى أو هم يسلمون من غير قتال .
وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب .الرابعة : قوله تعالى : فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا الغنيمة والنصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة .
وإن تتولوا كما توليتم من قبل عام الحديبية .
يعذبكم عذابا أليما وهو عذاب النار .
لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم.
{ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، { فَإِنْ تُطِيعُوا } الداعي لكم إلى قتال هؤلاء { يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ } عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك.
(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، [ وعطاء ] : هم أهل فارس .
وقال كعب : هم الروم ، وقال الحسن : فارس والروم .
وقال سعيد بن جبير : هوازن وثقيف .
وقال قتادة : هوازن وغطفان يوم حنين .
وقال الزهري ، ومقاتل ، وجماعة : هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب .
.
قال رافع بن خديج : كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة ، فعلمنا أنهم هم .
وقال ابن جريج : دعاهم عمر - رضي الله عنه - إلى قتال فارس .
وقال أبو هريرة : لم تأت هذه الآية بعد .
(تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ) يعني الجنة ) وإن تتولوا ) [ تعرضوا ] ) كما توليتم من قبل ) عام الحديبية ) يعذبكم عذابا أليما ) وهو النار ، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة : كيف بنا يا رسول الله ؟
.
«قل للمخلفين من الأعراب» المذكورين اختبارا «ستدعوْن إلى قوم أولي» أصحاب «بأس شديد» قيل هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، وقيل فارس والروم «تقاتلونهم» حال مقدرة هي المدعو إليها في المعنى «أو» هم «يسلمون» فلا تقاتلون «فإن تطيعوا» إلى قتالهم «يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذّبكم عذابا أليما» مؤلما.
قل للذين تخلَّفوا من الأعراب (وهم البدو) عن القتال: ستُدْعون إلى قتال قوم أصحاب بأس شديد في القتال، تقاتلونهم أو يسلمون من غير قتال، فإن تطيعوا الله فيما دعاكم إليه مِن قتال هؤلاء القوم يؤتكم الجنة، وإن تعصوه كما فعلتم حين تخلفتم عن السير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "مكة"، يعذبكم عذابًا موجعًا.
ثم فتح - سبحانه - أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة ، فأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى الجهاد معه ، فإن صدقوا أفلحوا ، وإن أعرضوا خسروا فقال : ( قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك ، ستدعون فى المستقبل إلى القتال معى لقوم أصحاب قوة وشدة فى الحرب ، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما : إما قتالكم لهم ، وإما الإِسلام منهم ." فأو " فى قوله ( أَوْ يُسْلِمُونَ ) للتنويع والحصر .
وجملة ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) مستأنفة للتعليل ، كما فى قوله : سيدعوك الأمير للقائه يكرمك أو يخزى عدوك .وقد اختلف المفسرون فى المراد بهؤلاء القوم أولى البأس الشديد ، فمنهم من قال : فارس والروم ، ومنهم من قال : بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب .والذى عليه المحققون من العلماء أن المقصود بهم : هوزان وثقيف الذين التفى بهم المسلمون فى غزوة حنين بعد فتح مكة .وذلك لأن عددا كبيرا من تلك القبائل المتخلفة قد اشتركت فى تلك الغزوة ، حتى لقد بلغ عدد المسلمين فيها ما يقرب من اثنى عشر ألفا ، ولأن أهل هوزان وثقيف قد كانوا يجيدون الرماية والكر والفر ، فاستطاعوا فى أول المعركة - بعد أن اغتر المسلمون بقوتهم - أن يفرقوا بعض صفوف المسلمين ، ثم تجمع المسلمون بعد ذلك وانتصر عليهم ، ثم كانت النتيجة أن انتهت تلك الغزوة بإسلام هوزان وثقيف .
كما هو معروف فى كتب السيرة .ولقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان بين المسلمين وبين هوزان وثقيف من قتال فى قوله - تعالى - : ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ وذلك جَزَآءُ الكافرين ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَآءُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .وقد رجح فضيلة شيخنا الدكتور أحمد السيد الكومى أن يكون المقصود بالقوم أولى البأس الشديد هوزان وثقيف ، فقال ما ملخصه : وتكاد تنفق كتب السيرة على أن الجيش الذى ذهب لفتح مكة ، ثم ذهب بعد ذلك إلى غزوة هوزان وثقيف يوم حنين ، كان يضم بين جوانحه العدد الكثير من قبائل أسلم وأشجع وجهينة وغفار ومزينة .وإذن فالأمر المحقق أن القبائل المتخلفة يوم الحديبية ، ساهمت فى الجهاد بقسط وافر يوم .
فتح مكة ، ويوم حنين .وقد أقام المسلمون بمكة بعد أن فتحوها - بدون قتال يذكر - خمسة عشر يوما .
.
ثم ذهبوا لقتال هوزان وثقيف .
.
.
وكانوا رماة مهرة ذوى مهارة حربية ، وراية بفنون القتال فهمزموا المسلمين فى أول الأمر ، ثم هزمهم المسلمون .ومن كل ذلك يرجح الحكم بأن هؤلاء القوم هم هوزان ، وأن كثيرا من المخلفين أسلم إسلاما خالصا ، وحسنت توبته .
.
.وقوله - سبحانه - : ( فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) بيان للثواب العظيم الذى أعده - سبحانه - للطائفين ، وللعذاب الأليم الذى توعد به الفاسقين .أى : فإن تطعيوا - أيها المخالفون - رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يؤتكم الله من فضله أجرا حسنا ، وإن تتولوا وتعرضوا عن الطاعة ، كما أعرضتم من قبل فى صلح الحديبية عن طاعته ، يعذبكم - سبحانه - عذابا أليما .
لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا ﴾ فكان المخلفون جمعاً كثيراً، من قبائل متشعبة، دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم فإنهم لم يبقوا على ذلك ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق، بل منهم من حسن حاله وصلح باله فجعل لقبول توبتهم علامة، وهو أنهم يدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ويطيعون بخلاف حال ثعلبة حيث امتنع من أداء الزكاة ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال ولم يقبل منه أحد من الصحابة، كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أنه تعالى بيّن أنهم يدعون فإن كانوا يطيعون يؤتون الأجر الحسن وما كان أحد من الصحابة يتركهم يتبعونه، والفرق بين حال ثعلبة وبين حال هؤلاء من وجهين: أحدهما: أن ثعلبة جاز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله، فلم يبين لتوبته علامة، والأعراب تغيرت، فإن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق من المنافقين على النفاق أحد على مذهب أهل السنة وثانيهما: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير والجم الغفير أمس، لأنه لولا البيان لكان يفضي الأمر إلى قيام الفتنة بين فرق المسلمين، وفي قوله: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ وجوه أشهرها وأظهرها أنهم بنو حنيفة حيث تابعوا مسيلمة وغزاهم أبو بكر.
وثانيها: هم فارس والروم غزاهم عمر ثالثها: هوازن وثقيف غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوى الوجوه هو أن الدعاء كان من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الأظهر غيره، أما الدليل على قوة هذا الوجه هو أن أهل السنة اتفقوا على أن أمر العرب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ولم يبق إلا كافر مجاهر، أو مؤمن تقي طاهر، وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتى المنافقين، وترك المؤمنون مخالطتهم حتى إن عبادة بن كعب مع كونه بين المؤمنين لم يكلمه المؤمنون مدة، وما ذكره الله علامة لظهور حال من كان منافقاً، فإن كان ظهر حالهم بغير هذا، فلا معنى لجعل هذا علامة وإن ظهر بهذا الظهور كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو امتنع من قبولهم لاتباعه لامتنع أبو بكر وعمر لقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ وقوله: ﴿ فاتبعوني ﴾ فإن قيل هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ وقال: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا ﴾ فكيف كانوا يتبعونه مع النفي؟
الثاني: قوله تعالى: ﴿ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ولم يبق بعد ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام حرب قوم أولي بأسٍ شديد فإن الرعب استولى على قلوب الناس ولم يبق الكفار بعده شدة وبأس، واتفاق الجمهور يدل على القوة والظهور، نقول أما الجواب عن الأول فمن وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك مقيداً، تقديره: لن تخرجوا معي أبداً وأنتم على ما أنتم عليه، ويجب هذا التقييد لأنا أجمعنا على أن منهم من أسلم وحسن إسلامه بل الأكثر ذلك، وما كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم مسلمين لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ ومع القول بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم ما كان من الجهاد في سبيل الله مع وجوبه عليهم وكان ذلك مقيداً، وقد تبيّن حسن حالهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى جهاد فأطاعه قوم وامتنع آخرون، وظهر أمرهم وعلم من استمر على الكفر ممن استقر قلبه على الإيمان الثاني: المراد من قوله: ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ في هذا القتال فحسب وقوله: ﴿ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ ﴾ كان في غير هذا وهم المنافقون الذين تخلفوا في غزوة تبوك، وأما اتفاق الجمهور فنقول لا مخالفة بيننا وبينهم لأنا نقول النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم أولاً، وأبو بكر رضي الله عنه أيضاً دعاهم بعد معرفته جواز ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إنما نحن نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم فإن قالوا أبو بكر رضي الله عنه دعاهم لم يكن بين القولين تناف، وإن قالوا لم يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم فالنفي والجزم به في غاية البعد لجواز أن يكون ذلك قد وقع، وكيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام قال من كلام الله ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني ﴾ وقال: ﴿ واتبعون هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ ومنهم من أحب الله واختار اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن بقاء جمعهم على النفاق والكفر بعد ما اتسعت دائرة الإسلام واجتمعت العرب على الإيمان بعيد، ويوم قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾ كان أكثر العرب على الكفر والنفاق، لأنه كان قبل فتح مكة وقبل أخذ حصون كثيرة.
وأما قوله لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع أولي بأس شديد، قلنا لا نسلم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية دعاهم إلى الحرب لأنه خرج محرماً ومعه الهدي ليعلم قريش أنه لا يطلب القتال وامتنعوا فقال ستدعون إلى الحرب ولا شك أن من يكون خصمه مسلحاً محارباً أكثر بأساً ممن يكون على خلاف ذلك فكان قد علم من حال مكة أنهم لا يوقرون حاجاً ولا معتمراً فقوله: ﴿ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ يعني أولي سلاح من آلة الحديد فيه بأس شديد، ومن قال بأن الداعي أبو بكر وعمر تمسك بالآية على خلافتهما ودلالتها ظاهرة، وحينئذ ﴿ تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ إشارة إلى أن أحدهما يقع، وقرئ ﴿ أَوْ يسلموا ﴾ بالنصب بإضمار أن على معنى تقاتلونهم إلى أن يسلموا، والتحقيق فيه هو أن ﴿ أَوْ ﴾ لا تجيء إلا بين المتغايرين وتنبئ عن الحصر فيقال العدد زوج أو فرد، ولهذا لا يصح أن يقال هو زيد أو عمرو، ولهذا يقال العدد زوج أو خمسة أو غيرهما، إذا علم هذا فقال القائل لألزمنك أو تقضيني حقي يفهم منه أن الزمان انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاء الحق، فلا يكون بين الملازمة وقضاء الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ولا قضاء الحق، فيكون في قوله لألزمنك أو تقضيني، كما حكي في قول القائل، لألزمنك إلى أن تقضيني، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء، وهذا ما يضعف قول القائل الداعي هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران بالجزية، فالقتال معهم لا يمتد إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية، وقوله تعالى: ﴿ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ فيه فائدة لأن التولي إذا كان بعذر كما قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ لا يكون للمتولي عذاب أليم، فقال: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يعني إن كان توليكم بناء على الظن الفاسد والاعتقاد الباطل كما كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم ﴿ شَغَلَتْنَا أموالنا ﴾ فالله يعذبكم عذاباً أليماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ ﴾ هم الذين تخلفوا عن الحديبية ﴿ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ يعني بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب.
والمجوس تقبل منهم الجزية، وعن الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب.
وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته.
وكيف يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا ﴾ [التوبة: 83] وقيل: هم فارس والروم.
ومعنى ﴿ يُسْلِمُونَ ﴾ ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية.
فإن قلت: عن قتادة أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلت: إن صح ذلك فالمعنى: لن تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين.
أو على قول مجاهد: كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ ﴾ يريد في غزوة الحديبية.
أو يسلمون.
معطوف على تقاتلونهم، أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ أو يسلموا ﴾ بمعنى: إلى أن يسلموا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ ﴾ يَعْنِي المَذْكُورِينَ.
﴿ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ﴾ يَعْنِي مَغانِمَ خَيْبَرَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحَجَّةِ مِن سَنَةِ سِتٍّ وأقامَ بِالمَدِينَةِ بَقِيَّتَها وأوائِلَ المُحَرَّمِ، ثُمَّ غَزا خَيْبَرَ بِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فَفَتَحَها وغَنِمَ أمْوالًا كَثِيرَةً فَخَصَّها بِهِمْ.
﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ أنْ يُغَيِّرُوهُ وهو وعْدُهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يُعَوِّضَهم مِن مَغانِمِ مَكَّةِ مَغانِمَ خَيْبَرَ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ في تَبُوكَ.
والكَلامُ اسْمٌ لِلتَّكْلِيمِ غَلَبَ في الجُمْلَةِ المُفِيدَةِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «كَلَمَ اللَّهِ» وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ.
﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ.
﴿ كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ تَهَيُّئِهِمْ لِلْخُرُوجِ إلى خَيْبَرَ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ أنْ يُشارِكَكم في الغَنائِمِ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ.
﴿ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ ﴾ لا يَفْهَمُونَ.
﴿ إلا قَلِيلا ﴾ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وهو فِطْنَتُهم لِأُمُورِ الدُّنْيا، ومَعْنى الإضْرابِ الأوَّلِ رَدٌّ مِنهم أنْ يَكُونَ حُكْمُ اللَّهِ أنْ لا يَتْبَعُوهم وإثْباتٌ لِلْحَسَدِ، والثّانِي رَدٌّ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ وإثْباتٌ لِجَهْلِهِمْ بِأُمُورِ الدِّينِ.
<div class="verse-tafsir"
{قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب} هم الذين تخلفوا عن الحديبية {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم ابو بكر رضى الله عنه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وقيل هم فارس وقد دعاهم عمر رضى الله عنه {تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ} أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام ومعنى يسلمون على هذا التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية وفي الآية دلالة صحة خلاف الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند عوته بقوله {فَإِن تُطِيعُواْ} من دعاكم إلى قتاله {يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً} فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي عن الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أليما} في
{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حرج}
الآخرة
﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ مُبالَغَةً في الذَّمِّ وإشْعارًا بِشَناعَةِ التَّخَلُّفِ ﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ذَوِي نَجْدَةٍ وشِدَّةٍ قَوِيَّةٍ في الحَرْبِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الزَّهْرِيِّ بَنُو حَنِيفَةَ مُسَيْلِمَةُ وقَوْمُهُ أهْلُ اليَمامَةِ، وعَلَيْهِ جَماعَةٌ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ زِيادَةُ أهْلِ الرِّدَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ إنّا كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيما مَضى ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دَعا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنا أنَّهم أُرِيدُوا بِها، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ ومُجاهِدٍ في رِوايَةٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى: هُمُ الفُرْسُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: دَعا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِقِتالِ فارِسِ أعْرابِ المَدِينَةِ جُهَيْنَةَ ومُزَيَّنَةَ الَّذِينَ كانَ النَّبِيُّ دَعاهم لِلْخُرُوجِ إلى مَكَّةَ، وقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ: هم هَوازِنُ ومَن حارَبَ الرَّسُولَ في حُنَيْنٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ التَّصْرِيحُ بِثَقِيفٍ مَعَ هَوازِنَ، وفي رِوايَةِ الفِرْيابِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هم هَوازِنُ وبَنُو حَنِيفَةَ، وقالَ كَعْبٌ: هُمُ الرُّومُ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ تَبُوكَ والَّذِينَ بَعَثَ إلَيْهِمْ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحُسْنِ قالَ: هم فارِسُ والرُّومُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: البارِزُ يَعْنِي الأكْرادَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أعْرابُ فارِسَ وأكْرادُ العَجَمِ، وظاهِرُ العَطْفِ أنَّ أكْرادَ العَجَمِ لَيْسُوا مِن أعْرابِ فارِسَ، وظاهِرُ إضافَةِ أكْرادٍ إلى العَجَمِ يُشْعِرُ بِأنَّ مِنَ الأكْرادِ ما يُقالُ لَهم أكْرادُ العَرَبِ، ولا نَعْرِفُ هَذا التَّقْسِيمَ وإنَّما نَعْرِفُ جِيلًا مِنَ النّاسِ يُقالُ لَهُمْ: أكْرادٌ مِن غَيْرِ إضافَةٍ إلى عَرَبٍ أوْ عَجَمٍ، ولِلْعُلَماءِ اخْتِلافٌ في كَوْنِهِمْ في الأصْلِ عَرَبًا أوْ غَيْرَهم فَقِيلَ: لَيْسُوا مِنالعَرَبِ، وقِيلَ مِنهُمْ، قالَ القاضِي شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خِلِّكانَ في تَرْجَمَةِ المُهَلَّبِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ ما نَصَّهُ: حَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ صاحِبُ كِتابِ (الِاسْتِيعابُ) في كِتابِهِ (القَصْدُ والأُمَمُ في أنْسابِ العَرَبِ والعَجَمِ) أنَّ الأكْرادَ مِن نَسْلِ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ بْنِ ماءِ السَّماءِ وأنَّهم وقَعُوا إلى أرْضِ العَجَمِ فَتَناسَلُوا بِها وكَثُرَ ولَدُهم فَسُمُوُّا الأكْرادَ، وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في ذَلِكَ وهو يُعَضِّدُ ما قالَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَعُمْرُكَ ما الأكْرادُ أبْناءُ فارِسَ ولَكِنَّهُ كُرْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عامِرِ انْتَهى، وفي القامُوسِ: الكُرْدُ بِالضَّمِّ جِيلٌ مِنَ النّاسِ مَعْرُوفٌ والجَمْعُ أكْرادٌ وجَدُّهم كُرْدُ بْنُ عَمْرِو مَزِيقِيا بْنِ عامِرِ ماءِ السَّماءِ انْتَهى، وعامِرٌ هَذا مِنَ العَرَبِ بِلا شُبْهَةٍ فَإنَّهُ ابْنُ حارِثَةَ الغِطْرِيفِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ البِطْرِيقِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مازِنِ بْنِ الأزْدِ ويُقالُ لَهُ: الأسَدُ بْنُ الغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبا بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ ويُسَمّى عامِرًا وهو عِنْدَ الأكْثَرِ ابْنُ شالَخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وقِيلَ: مِن ولَدِ هُودٍ، وقِيلَ: هو هُودٌ نَفْسُهُ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، وذَهَبَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ إلى أنَّ قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قَحْطانُ بْنُ الهَمَيْسَعِ بْنِ تَيْمِ بْنِ نَبْتِ بْنِ إسْماعِيلَ، والَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ قَبائِلَ اليَمَنِ كُلَّها ومِنها قَبِيلَةُ عَمْرِو مَزِيقِيا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَدُلُّ لَهُ تَبْوِيبُ البُخارِيِّ بابَ نِسْبَةِ اليَمَنِ إلى إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ عَلِيِّ السَّمْهُودِيِّ في تارِيخِ المَدِينَةِ، وفِيهِ أنَّ الأنْصارَ الأوْسُ والخَزْرَجَ مِنَ أوْلادِ ثَعْلَبَةِ العَنْقاءِ بْنِ عَمْرِو مَزِيقِيا المَذْكُورِ وكانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ ولَدًا ذُكُورًا مِنهم ثَعْلَبَةُ المَذْكُورُ، وحارِثَةُ والِدُ خُزاعَةَ، وجَفْنَةُ والِدُ غَسّانَ، ووَداعَةُ وأبُو حارِثَةَ وعَوْفٌ وكَعْبٌ ومالِكٌ وعِمْرانُ وكُرْدٌ كَما في القامُوسِ انْتَهى.
وفائِدَةُ الخِلافِ تَظْهَرُ في أُمُورٍ مِنها الكَفاءَةُ في النِّكاحِ، والعامَّةُ لا يَعُدُّونَهم مِنَ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ هَؤُلاءِ الجِيلَ الَّذِينَ يُقالُ لَهُمِ اليَوْمَ: أكْرادٌ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِن أوْلادِ عَمْرِو مَزِيقِيا وكَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو مِنَ العَرَبِ ولَيْسَ مِن أوْلادِ عَمْرٍو المَذْكُورِ إلّا أنَّ الكَثِيرَ مِنهم لَيْسُوا مِنَ العَرَبِ أصْلًا، وقَدِ انْتَظَمَ في سِلْكِ هَذا الجِيلِ أُناسٌ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وآخَرُونَ يُقالُ: إنَّهم مِن بَنِي أُمَيَّةَ ولا يَصِحُّ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ بَيْدَ أنَّهُ سَكَنَ مَعَ الأكْرادِ طائِفَةٌ مِنَ السّادَةِ أبْناءِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُقالُ لَهُمُ: البَرَزْنَجِيَّةُ لا شَكَّ في صِحَّةِ نَسَبِهِمْ وكَذا في جَلالَةِ حَسَبِهِمْ، وبِالجُمْلَةِ الأكْرادُ مَشْهُورُونَ بِاليَأْسِ وقَدْ كانَ مِنهم كَثِيرٌ مِن أهْلِ الفَضْلِ بَلْ ثَبَتَ لِبَعْضِهِمُ الصُّحْبَةُ، قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَمْيِيزِ الصَّحابَةِ في حَرْفِ الجِيمِ: جابانُ والِدُ مَيْمُونٍ رَوى ابْنُ مَندَهْ مِن طَرِيقِ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي هاشِمٍ عَنْ أبِي خَلَدَةَ سَمِعْتُ مَيْمُونَ بْنَ جابانَ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتّى بَلَغَ عَشْرًا وذَكَرَ الحَدِيثَ.
وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرانِيُّ في المُعْجَمِ الصَّغِيرِ عَنْ مَيْمُونٍ الكُرْدِيِّ عَنْ أبِيهِ أيْضًا وهو أتَمُّ مِنهُ ولَفْظُهُ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «أيُّما رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلى ما قَلَّ مِنَ المَهْرِ أوْ كَثُرَ لَيْسَ في نَفْسِهِ أنْ يُؤَدِّيَ إلَيْها حَقَّها خَدَعَها فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْها حَقَّها لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو زانٍ، وأيُّما رَجُلٍ اسْتَدانَ دَيْنًا لا يُرِيدُ أنْ يُؤَدِّيَ إلى صاحِبِهِ حَقَّهُ خَدَعَهُ حَتّى أخَذَ مالَهُ فَماتَ ولَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وهو سارِقٌ)».
ويُكَنّى مَيْمُونٌ هَذا بِأبِي بَصِيرٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ، وقِيلَ: بِالنُّونِ، وهو كَما في التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ، هَذا وأشْهَرُ الأقْوالِ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ أنَّهم بَنُو حَنِيفَةَ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أقُولُهُ إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ تَمْثِيلاتٌ مِن قائِلِها لا تَعْيِينُ القَوْمِ، وهَذا وإنْ حَصَلَ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الأقْوالِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ عَلى مَعْنى يَكُونُ أحَدُ الأمْرَيْنِ إمّا المُقاتَلَةَ أوِ الإسْلامَ لا ثالِثَ لَهُما، فَأوْ لِلتَّنْوِيعِ والحَصْرِ لا لِلشَّكِّ وهو كَثِيرٌ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ (أوْ يُسْلِمُوا) بِحَذْفِ النُّونِ لِأنَّ ذَلِكَ لِلنّاصِبِ وهو يَقْتَضِي أنَّ أوْ بِمَعْنى إلّا أيْ إلّا أنْ يُسْلِمُوا فَيُفِيدُ الحَصْرَ أوْ بِمَعْنى إلى أيْ إلى أنْ يُسْلِمُوا، والغايَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ القِتالُ بِغَيْرِ الإسْلامِ فَيُفِيدُهُ أيْضًا كَما قِيلَ: والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِكَ: سَيَدْعُوكَ الأمِيرُ يُكْرِمُكَ أوْ يَكْبِتُ عَدُوَّكَ، قالَ في الكَشْفِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْمٍ لِأنَّهم دُعُوا إلى قِتالِ القَوْمِ لا أنَّهم دُعُوا إلى قَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِالمُقاتَلَةِ أوِ الإسْلامِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها حالِيَّةً وحالُهُ كَحالِ الوَصْفِيَّةِ، وأصْلُ الكَلامِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ لِتُقاتِلُوهم أوْ يُسْلِمُوا فَعَدَلَ إلى الِاسْتِئْنافِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ فِيهِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ وحَصَّلُوا الغَرَضَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ واقِعًا.
والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَنْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما لِصِدْقِ إخْبارِهِ تَعالى ونَحْنُ نَرى الِانْفِكاكَ بِأنْ يُتْرَكُوا سُدًى أوْ بِالهُدْنَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ عَلى ما في أمالِيِّ ابْنِ الحاجِبِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ القَوْمَ مَخْصُوصُونَ لا عُمُومَ فِيهِمْ، وكانَ الواقِعُ أنَّهم قُوتِلُوا إلى أنْ أسْلَمُوا سَواءٌ فُسِّرَ القَوْمُ بِبَنِي حَنِيفَةَ أوْ بِثَقِيفٍ وهَوازِنَ أوْ فارِسَ والرُّومِ عَلى أنَّ الإسْلامَ الِانْقِيادُ فَما انْفَكَّ الوُجُودُ عَنْ أحَدِهِما وقَعا، وأمّا امْتِناعُ الِانْفِكاكِ فَلَيْسَ مِن مُقْتَضى الوَضْعِ ولا الِاسْتِعْمالِ بَلْ ذَلِكَ في الكَلامِ الِاسْتِدْلالِيِّ قَدْ يَتَّفِقُ.
وأطالَ الطَّيِّبِيُّ الكَلامَ في هَذا المَقامِ ثُمَّ قالَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّحْبِيرِ مِن أنَّ ﴿ يُسْلِمُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تُقاتِلُونَهُمْ ﴾ إمّا عَلى الظّاهِرِ أوْ بِتَقْدِيرِهِمْ يُسْلِمُونَ لِيَكُونَ مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ المُناسَبَةُ أكْثَرَ إذْ تَخْرُجُ الجُمْلَةُ إلى بابِ الكِنايَةِ، والمَعْنى تُقاتِلُونَهم أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهم يُسْلِمُونَ، وقَدْ وُضِعَ فِيهِ ﴿ أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ مَوْضِعَ أوْ لا تُقاتِلُونَهم لِأنَّهُمِ اذا أسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهم قِتالُهم ضَرُورَةً، والِاسْتِدْعاءُ عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا لِلِاخْتِبارِ، و( أوْ ) لِلتَّرْدِيدِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وفِيهِ ما فِيهِ، وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ووَجَّهَ ذَلِكَ الإمامُ فَقالَ: الدّاعِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَتُدْعَوْنَ ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ أوِ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ أوْ مَن بَعْدَهم لا يَجُوزُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ إلَخْ ولا أنْ يَكُونَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ لِأنَّهُ إنَّما قاتَلَ البُغاةَ والخَوارِجَ وتِلْكَ المُقاتَلَةُ لِلْإسْلامِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ولا مِن مَلَكَ بَعْدَهم لِأنَّهم عِنْدَنا عَلى الخَطَأِ وعِنْدَ الشِّيعَةِ عَلى الكُفْرِ ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدّاعِي أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ طاعَتَهُ وأوْعَدَ عَلى مُخالَفَتِهِ وذَلِكَ يَقْتَضِي إمامَتَهُ وأيَّ الثَّلاثَةِ كانَ ثَبْتَ المَطْلُوبِ، أمّا إذا كانَ أبا بَكْرٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ عُمَرَ أوْ عُثْمانَ فَلِأنَّ إمامَتَهُ فَرْعُ إمامَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الدّاعِيَ كانَ رَسُولَ اللَّهِ ويُشْعِرُ بِذَلِكَ السِّينِ قَوْلُهُ: لا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَنْ تَتَّبِعُونا ﴾ إلَخْ فِيهِ أنَّ ( لَنْ ) لا تُفِيدُ التَّأْبِيدَ عَلى الصَّحِيحِ وظاهِرُ السِّياقِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ لَنْ تَتْبَعُونا في الِانْطِلاقِ إلى خَيْبَرَ كَما سَمِعْتَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ أوْ هو مُقَيَّدٌ بِما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: القَوْلُ بِأنَّهم لَمْ يَدْعُوا إلى حَرْبٍ في أيّامِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ حَضَرَ كَثِيرٌ مِنهم مَعَ جَعْفَرٍ في مُؤْتَةَ وحَضَرُوا حَرْبَ هَوازِنَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحَضَرُوا مَعَهُ أيْضًا في سَفْرَةِ تَبُوكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إذا صَحَّ يَنْفِي حَمْلَ النَّفْيِ عَلى التَّأْيِيدِ.
ومِنَ الشِّيعَةِ مَنِ اقْتَصَرَ في رَدِّ الِاسْتِدْلالِ عَلى الدَّعْوَةِ في تَبُوكَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيها ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الدّاعِيَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَعَمَ كُفْرَ البُغاةِ والخَوارِجِ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ إسْلامُهم يُرادُ بِالإسْلامِ في الآيَةِ الِانْقِيادُ إلى الطّاعَةِ ومُوالاةُ الأمِيرِ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والإنْصافُ أنَّ الآيَةَ لا تَكادُ تَصِحُّ دَلِيلًا عَلى إمامَةِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلّا إنْ صَحَّ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ في كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ بَنِي حَنِيفَةَ ونَحْوَهم ودُونَ ذَلِكَ خَرْطَ القَتادِ، ونَفى بَعْضُهم صِحَّةَ كَوْنِ المُرادِ بِالقَوْمِ فارِسًا والرُّومَ لِأنَّ المُرادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ عَلى ما سَمِعْتَ وفارِسُ مَجُوسٌ والرُّومُ نَصارى فَلا يَتَعَيَّنُ فِيهِمْ أحَدُ الأمْرَيْنِ مِنَ المُقاتَلَةِ والإسْلامِ إذْ يَقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، وكَذا اليَهُودُ ومُشْرِكُوالعَجَمِ والصّابِئَةُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: يَتَعَيَّنُ كَوْنُهم مُرْتَدِّينَ أوْ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُمُ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، ومِثْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ مُشْرِكُو العَجَمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَعِنْدَهُ لا تُقْبَلُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَن فَسَّرَ القَوْمُ بِذَلِكَ يُفَسِّرُ الإسْلامَ بِالِانْقِيادِ وهو يَكُونُ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ فَلا يَتِمُّ لَهُ أمْرُ النَّفْيِ فَلا تُغْفَلْ ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ الدَّعِيَّ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا ﴾ هو عَلى ما قِيلَ الغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الأُخْرى ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ عَنِ الدَّعْوَةِ ﴿ كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ لِتَضاعُفِ جُرْمِكم، وهَذا التَّعْذِيبُ قالَ في البَحْرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وهو الأوْفَقُ بِما قَبْلَهُ عَلى ما قِيلَ كَوْنُهُ فِيهِما ولا بَأْسَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ الإيتاءِ والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ بَلْ لَعَلَّهُ المُتَبادَرُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما في ذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ كَوْنُ الأمْرَيْنِ في الدُّنْيا ولا كَوْنُ الأوَّلِ في الآخِرَةِ أوْ فِيها وفي الدُّنْيا والثّانِي في الدُّنْيا فَقَطْ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يعني: يوم الحديبية تحت الشجرة، وهي بيعة الرضوان، قال الكلبي: بايعوا تحت الشجرة، وهي شجرة السَّمرة، وهم يومئذٍ ألف وخمسمائة وأربعون رجلاً.
وروى هشام عن محمد بن الحسن قال: كانت الشجرة أم غيلان.
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يعني: كأنهم يبايعون الله، لأن النبيّ إنما بايعهم بأمر الله تعالى.
ويقال: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أي: لأجله، وطلب رضاه.
ثم قال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يعني: يد الله بالنصرة، والغلبة، والمغفرة، فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالطاعة.
وقال الزجاج: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ يحتمل ثلاثة أوجه.
أحدها يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالوفاء، ويحتمل يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالثواب، فهذان وجهان جاءا في التفسير، ويحتمل أيضاً يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ في المِنَّة عليهم، وفي الهداية فوق أيديهم في الطاعة.
فَمَنْ نَكَثَ يعني: نقض العهد، والبيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ يعني: عقوبته على نَفْسِهِ.
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ قرأ حفص: برفع الهاء.
أي: وفى بما عاهد عليه من البيعة، فيتم ذلك مع رسول الله يعني: أوفى بما عاهد الله عليه من البيعة، والتمام في ذلك مع رسول الله .
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً في الجنة.
قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر: فَسَنُؤْتِيهِ بالنون.
والباقون: بالياء.
وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.
يعني: سيؤتيه الله ثواباً عظيماً.
قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ وهم أسلم، وأشجع، وغفار، وذلك أن النبي حين خرج إلى مكة عام الحديبية، فاستتبعهم، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة.
فقالوا فيما بينهم: نذهب معه إلى قوم جاءوه فقتلوا أصحابه، فقاتلهم، فاعتلوا عليه بالشغل، حتى رجع، فأخبر الله تعالى رسوله قبل ذلك، أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر، وهم كاذبون.
فقال: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن بيعة الحديبية شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا يعني: خفنا عليهم الضيعة، ولولا ذلك لخرجنا معك.
فَاسْتَغْفِرْ لَنا في التخلف.
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يعني: من طلب الاستغفار وهم لا يبالون، أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تستغفر لهم.
قُلْ يا محمد فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا يعني: قتلاً، أو هزيمة، أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً يعني: النصرة.
قرأ حمزة والكسائي ضَرًّا بضم الضاد، وهو سوء الحال والمرض، وما أشبه ذلك.
والباقون: بالنصب.
وهو ضد النفع.
اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير.
يعني: لا يقدر أحد على دفع الضر، ومنع النفع غير الله.
ثم استأنف الكلام فقال: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً يعني: عالماً بتخلفكم، ومرادكم.
قوله عز وجل: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ يعني: بل منعكم من السير معه، لأنكم ظننتم أن لن ينقلب الرسول وَالْمُؤْمِنُونَ من الحديبية إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ يعني: حُسِّن التخلف فى قلوبكم وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يعني: حسبتم الظن القبيح وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً يعني: هلكى.
وروي عن ابن عباس أنه قال: البور في لغة أزد عمان: الشيء الفاسد.
والبور في كلام العرب: لا شيء.
يعني: أعمالهم بور أي: مبطلة.
قوله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: من لم يصدق بالله في السر، كما صدقه في العلانية فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً يعني: هيأنا لهم عذاب السعير.
قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.
ويقال: ونفاذ الأمر في السموات والأرض.
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وهو فضل منه المغفرة، وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء على الذنب الصغير، وهو عدل منه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم.
<div class="verse-tafsir"
وغيره: تعزّزوه بزاءين من العِزَّةِ «١» ، قال الجمهور: الضمير في تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي تُسَبِّحُوهُ لله عز وجل، والبكرة: الغدوّ، والأصيل: العشيّ.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ: يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم صلّى الله عليه وسلّم على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الموت «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه: بايعنا رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم على أَلاَّ نَفِرّ «٣» ، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح/ الثمن اللَّه تعالى.
ت: وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ: «إنما يبايعون اللَّه» أي: أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن.
وقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» : التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل:
المعنى: قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك.
ت: وقال الثعلبيُّ: «يد اللَّه فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، وقيل:
بالثواب، وقيل: «يد اللَّه» : في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم» : في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول.
وقوله تعالى: فَمَنْ نَكَثَ أي: فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ ﴾ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ ﴾ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ بِالصُّلْحِ وعَدَهُمُ اللَّهُ فَتَحَ خَيْبَرَ، وخُصَّ بِها مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ فانْطَلَقُوا إلَيْها، فَقالَ هَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ: ﴿ ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ﴾ ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "أنْ يُبَدِّلُوا كَلِمَ اللَّهِ" بِكَسْرِ اللّامِ.
وَفِي المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَواعِيدُ اللَّهِ بِغَنِيمَةِ خَيْبَرَ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أمْرُ اللَّهِ نَبِيَّهُ أنْ لا يَسِيرَ مَعَهُ مِنهم أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ وعَدَهُ وهو بِالحُدَيْبِيَةِ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ خَيْبَرَ، ونَهاهُ أنْ يَسِيرَ مَعَهُ أحَدٌ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَعَلى القَوْلَيْنِ: قَصَدُوا أنْ يُجِيزَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ما يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ، فَيَكُونُ تَبْدِيلًا لِأمْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: قالَ: إنَّ غَنائِمَ خَيْبَرَ لِمَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
والثّانِي: قالَ: لَنْ تَتْبَّعُونا، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا ﴾ أيْ: يَمْنَعُكُمُ الحَسَدُ مِن أنْ نُصِيبَ مَعَكُمُ الغَنائِمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أو يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالتَقْدِمَةِ إلى هَؤُلاءِ المُخَلَّفِينَ بِأنَّهم سَيُدْعَوْنَ إلى قِتالِ عَدُوٍّ بَئِيسٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ، وإلّا فَلَمْ يَكُونُوا أهْلًا لِذَلِكَ الآخَرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، مِنَ القَوْمِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ؟
فَقالَ عِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ: هم هَوازِنُ ومَن حارَبَ رَسُولَ اللهِ في حُنَيْنٍ، ويَنْدَرِجُ في هَذا القَوْلِ عِنْدِي مَن حُورِبَ وغَلَبَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ كَعْبٌ: هُمُ الرُومُ الَّذِينَ خَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ عامَ تَبُوكَ والَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وقالَ الزَهْرِيُّ والكَلْبِيُّ: هم أهْلُ الرِدَّةِ وبَنُو حَنِيفَةَ بِاليَمامَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَتَرَكَّبُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ مُؤْذِنَةٌ بِخِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُما، يُرِيدُ: لَمّا كَشَفَ الغَيْبَ أنَّهُما دَعَوا إلى قِتالِ أهْلِ الرِدَّةِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أنَّهُ قالَ: واللهِ لَقَدْ كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فِيما مَضى ولا نَعْلَمُ مَن هم حَتّى دَعا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَعَلِمْنا أنَّهم هُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى: هُمُ الفُرْسُ، وقالَ الحَسَنُ: هم فارِسُ والرُومُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هم قَوْمٌ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، والقَوْلانِ الأوَّلانِ حَسَنانِ، لِأنَّهُما الَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، وباقِيهِما ضَعِيفٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: رَفَعَ اللهُ في هَذِهِ الجِزْيَةِ، ولَيْسَ إلّا القِتالُ أوِ الإسْلامُ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا في أهْلِ الرِدَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ مَن حُورِبَ في فَتْحِ مَكَّةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أو يُسْلِمُونَ" ﴾ عَلى القَطْعِ، أيْ: أو هم يُسْلِمُونَ دُونَ حَرْبٍ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "أو يُسْلِمُوا" بِنَصْبِ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِ: أو يَكُونُ أنْ يُسْلِمُوا، ومِثْلُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْناكَ إنَّما ∗∗∗ نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرا يُرْوى "نَمُوتَ" بِالنَصْبِ والرَفْعِ، فالنَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: أو يَكُونُ أنْ نَمُوتَ، والرَفْعُ عَلى القَطْعِ، أو نَحْنُ نَمُوتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تُطِيعُوا ﴾ مَعْناهُ: فِيما تُدْعَوْنَ إلَيْهِ، والعَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ عَذابَ الدُنْيا، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَبَيِّنٌ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال إلى طمأنة المخلفين بأنهم سينالون مغانم في غزوات آتية ليعلموا أن حرمانهم من الخروج إلى خيبر مع جيش الإسلام ليس لانسلاخ الإسلام عنهم ولكنه لِحكمة نوط المسبّبات بأسبابها على طريقة حكمة الشريعة فهو حرمان خاص بوقعة معينة كما تقدم آنفاً، وأنهم سيدعون بعد ذلك إلى قتال قوم كافرين كما تُدعى طوائف المسلمين، فذِكر هذا في هذا المقام إدخال للمسرة بعد الحزن ليزيل عنهم انكسار خواطرهم من جراء الحرمان.
وفي هذه البشارة فرصة لهم ليستدركوا ما جنوه من التخلف عن الحديبية وكل ذلك دال على أنهم لم ينسلخوا عن الإيمان، ألا ترى أن الله لم يعامل المنافقين المبطنين للكفر بمثل هذه المعاملة في قوله: ﴿ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تَخْرجُوا معي أبداً ولن تقاتلوا معِي عدوّاً إنكم رضِيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ﴾ [التوبة: 83].
وكرر وصف من ﴿ الأعراب ﴾ هنا ليظهر أن هذه المقالة قصد بها الذين نزل فيهم قوله: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ﴾ [الفتح: 11] فلا يتوهم السامعون أن المعنى بالمخلفين كل من يقع منه التخلف.
وأسند ﴿ تدعون ﴾ إلى المجهول لأنّ الغرض الأمر بامتثال الدّاعي وهو وليّ أمر المسلمين بقرينة قوله بعد في تذييله ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ [الفتح: 17] ودعوة خلفاء الرّسول صلى الله عليه وسلم من بعده ترجع إلى دعوة الله ورسوله لقوله: (ومن أطاع أمري فقد أطاعني).
وعدي فعل ﴿ ستدعون ﴾ بحرف ﴿ إلى ﴾ لإفادة أنها مضمنة معنى المشي، وهذا فرق دقيق بين تعدية فعل الدعوة بحرف ﴿ إلى ﴾ وبين تعديته باللام نحو قولكَ: دعوت فلاناً لما نَابني، قال طرفة: وإن أُدْع للجُلَّى أكن من حُماتِهَا *** وقد يتعاقب الاستعمالان بضرببٍ من المجاز والتسامح.
والقوم أولو البأس الشديد يتعين أنهم قوم من العرب لأن قوله تعالى: ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ يشعر بأن القتال لا يرفع عنهم إلا إذا أسلموا، وإنما يكون هذا حُكماً في قتال مشركي العرب إذ لا تقبل منهم الجزية.
فيجوز أن يكون المراد هوازنَ وثقيف.
وهذا مروي عن سعيد بن جُبير، وعكرمة وقتادة، وذلك غزوة حنين وهي بَعد غزوة خيبر، وأما فتح مكة فلم يكن فيه قتال.
وعن الزهري ومقاتل: أنهم أهل الردة لأنهم من قبائل العرب المعروفة بالبأس، وكان ذلك صدرَ خلافة أبي بكر الصديق.
وعن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية ﴿ ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ﴾ فلا نعلم من هم حتى دَعَانَا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم، وعن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، والحسن هم فارس والروم.
وجملة ﴿ تقاتلونهم أو يسلمون ﴾ إمّا حال من ضمير ﴿ تدعون ﴾ ، وإما بدل اشتمال من مضمون ﴿ تدعون ﴾ .
و ﴿ أو ﴾ للترديد بين الأمرين والتنويع في حالة تُدعون، أي تدعون إلى قتالهم وإسلامهم، وذلك يستلزم الإمعان في مقاتلتهم والاستمرار فيها ما لم يسلموا، فبذلك كان ﴿ أو يسلمون ﴾ حالاً معطوفاً على جملة ﴿ تقاتلونهم ﴾ وهو حال من ضمير ﴿ تدعون ﴾ .
وقوله: ﴿ وإن تتولوا كما توليتُم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً ﴾ تَعبير بالتوالي الذي مضى، وتحذير من ارتكاب مثله في مثل هذه الدعوة بأنه تَوَلَّ يوقع في الإثم لأنه تولَ عن دعوة إلى واجب وهو القتال للجهاد.
فالتشبيه في قوله: ﴿ كما توليتم من قبل ﴾ تشبيه في مطلق التولّي لقصد التشويه وليس تشبيهاً فيما يترتب على ذلك التولي.
<div class="verse-tafsir"
الثّانِي: قَوْلُهُ ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ﴾ حِينَ سَألُوهُ الخُرُوجَ مَعَهُ لِأجْلِ المَغانِمِ بَعْدَ امْتِناعِهِمْ مِنهُ وظَنِّ السُّوءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعا أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى خروجه إلى مكة دعاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قتال فارس قال: فإن تطيعوا إذا دعاكم عمر تكن توبة لتخلفكم عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا إذا دعاكم عمر كما توليتم من قبل إذ دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذاباً أليماً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: فارس والروم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: أهل الأوثان.
وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: هوازن وبني حنيفة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ﴾ قال: هوازن يوم حنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: هم بنو حنيفة (١) (٢) (٣) (٤) (٥) - إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم (٦) وعلى هذا التفسير، الآية تدل على خلافة أبي بكر - -، وذلك أن الله تعالى ذكر أنهم يدعون إلى قتال بني حنيفة، وعلم أن ذلك الداعي أبو بكر، ووعدهم على طاعته وإجابته الأجر الحسن وهو الجنة، فقال: ﴿ فَإِنْ تُطِيعُوا ﴾ يعني الداعي إلى قتال من ذكرهم وهو أبو بكر ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ قال مقاتل: يعني: الجنة (٧) ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ يعني: تعرضوا عن قتال أهل اليمامة ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أعرضتم عن المسير إلى الحديبية ﴿ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ في الآخرة ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ فأوعد على مخالفة أبي بكر - - كما أوعد على مخالفة الرسول - - بالنار، وهذا ظاهر بحمد الله.
وقال أبو إسحاق: ﴿ فَإِنْ تُطِيعُوا ﴾ أي تبتم وتركتم النفاق وجاهدتم ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ أي إن أقمتم على نفاقكم ﴿ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ ﴾ على عهد رسول الله - - ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ (٨) وذكر المفسرون في تفسير قوله: ﴿ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ أنهم فارس، وقيل: الروم (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ قال الفراء: تقاتلونهم أو يكون منهم الإسلام (١٤) وقال الزجاج: المعنى: أو هم يسلمون (١٥) قال أبو صالح عن ابن عباس: لما أنزل ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ﴾ إلى قوله: ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ أتى أهل الزمانة رسول الله - - وقالوا: كيف لنا إذا دعينا ولا نستطيع الخروج، فأنزل الله قوله تعالى: (١) بنو حنيفة: حي من بكر بن وائل من العدنانية، وهم بنو حنيفة بن لحيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وبكر كان له من الولد: الرول، وعدي، وعامر، وكانت منازل لي حنيفة اليمامة، وكان يسكنها منهم: هودة بن علي بن ثمامة بن عمرو بن عبد العزى بن لحيم بن مرة بن الدوك بن حنيفة وهو الذي كتب إليه النبي - - يدعوه إلى الإسلام.
انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 223.
(٢) أخرج الطبري 13/ 83 هذا القول منسوبًا لسعيد بن جبير وعكرمة، ونسبه الثعلبي 10/ 136 ب للزهري ومقاتل، وكذلك البغوي والقرطبي نسباه للزهري ومقاتل، انظر: "تفسير البغوي" 7/ 353، "الجامع" 16/ 272.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 72، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 226، "تنوير المقباس" ص 513.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 66، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 24.
(٥) هو: رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، الحارثي أبو عبد الله أو أبو خديج، شهد أحدًا وما بعدها، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح.
انظر: "الإصابة" 1/ 495، "تهذيب التهذيب" 3/ 229، "الأعلام" 3/ 12.
(٦) ذكر ذلك الثعلبي 10/ 136 ب، والألوسي في "روح المعاني" 26/ 102، والبغوي 7/ 303، والقرطبي 16/ 272، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 138.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 73.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 25.
(٩) أخرج الطبري 13/ 83 عن ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن ومجاهد وابن زيد أنهم فارس، وأخرج عن الحسن وابن أبي ليلى وابن زيد أنهم فارس والروم.
وذكر الثعلبي عن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد (أنهم فارس) وذكر عن كعب أنهم الروم وعن الحسن أنهم فارس والروم.
انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 136 ب.
(١٠) هوزان: هم بطن من قيس عيلان من العدنانية وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة == بن خصفة بن قيس بن عيلان وهم الذين أغار عليهم النبي - - وغزاهم.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 264، "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 391.
(١١) ثقيف: هم بطن من هوزان من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم فيقال: لهم ثقيف واسمه قيس بن منبه بن بكر بن هوزان، قال أبو عبيد: وكان لثقيف من الولد جشم وناصرة، قال في "العبر": وهم بطن متسع.
قال: وكانت منازلهم بالطائف، وهي مدينة من أرض نجد على مرحلتين من مكة.
انظر: "نهاية الأرب" ص 186.
(١٢) أخرج ذلك الطبري 13/ 83 عن عكرمة وسعيد بن جبير، ونسبه الثعلبي 10/ 136 ب، والبغوي 7/ 303 لسعيد بن جبير.
(١٣) أخرج الطبري عن قتادة أنهم هوازن وغطفان يوم حنين، وكذلك ذكر الثعلبي عن قتادة أنهم هوزان وغطفان يوم حنين، وكذلك ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنهم هوازن وغطفان وثقيف يوم حنين.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 226.
وذكر الماوردي 5/ 316 عن سعيد بن جبير وقتادة أنهم هوازن وغطفان.
(١٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 66.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 24 بلفظ: (تقاتلونهم حتى يسلموا وإلا أن يسلموا).
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ اختُلِف في هؤلاء القوم على أربعة أقوال الأول: أنهم هوازن ومن حارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر والثاني أنهم الروم إذ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتالهم في غزوة تبوك والثالث أنهم أهل الردة من بني حنيفة وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والرابع أنهم الفرس ويتقوى الأول والثاني بأن ذلك ظهر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوّى المنذر بن سعيد القول الثالث بأن الله جعل حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر الجزية، قال: وهذا لا يوجد إلا في أهل الردّة، قلت: وكذلك هو موجود في كفار العرب، إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوِّي ذلك أنهم هوازن أو يسلمون عطف على تقاتلونهم وقال ابن عطية: هو مستأنف ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ يريد في غزوة الحديبية.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ لله ما لله - - على عباده، [و]ما لبعضهم على بعض؛ فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ أي: مبيناً؛ أي لتبين ما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض؛ وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال بعضهم: أي: شاهداً للرسل - عليهم السلام - بالتبليغ بالإجابة لمن أجابهم، وشاهداً على من أبى الإجابة بالإباء والرد، فعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿ شَٰهِداً ﴾ على حقيقة الشهادة؛ على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقال بعضهم: أي: أرسلناك شاهداً على أمتك وعلى الأنبياء - عليهم السلام - بالتبليغ ومن ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾ : البشارة: هي تذكر عواقب الخيرات والحسنات، والإخبار عن أحوالها: أنها إلى ماذا يفضي أربابها وعما لهم؛ ليرغبهم فيها.
والنذارة: هي تذكر عواقب الشرور والسيئات، والإخبار عن أحوالها أنها إلى ماذا يفضي أربابها ومرتكبيها؛ ليزجرهم عنها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ خاطب بهذا البشر كلهم وفي الأول خاطب رسول الله ، كأنه يقول على الجمع بينهما في الخطاب: أرسلناك رسولا شاهداً؛ لتؤمنوا أنتم بالله ورسوله.
ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ أي: إنا أرسلناك مبشراً ونذيرا، وقل لهم: إنما أرسلت لتؤمنوا بالله ورسوله، وهو كقوله - -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ، معناه: يأيها النبي، قل لهم: إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن، فعلى ذلك جائز ما ذكرنا، والله أعلم.
وقرئ بالياء، وهي ظاهرة.
ثم الإيمان بالله - - هو أن يشهد له بالوحدانية والألوهية، وأن له الخلق والأمر في كل شيء وكل أمر.
والإيمان برسوله: هو أن يشهد له بالصدق في كل أمر، وبالعدالة له فيما يحكم ويقضي، ويصدقه في كل ما يقوله، ويجيبه في كل ما يدعو إليه، ويطيعه في كل أمر يأمر به، وينهى عنه؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: تنصروه وتعينوه.
وقال بعضهم: أي: تطيعوه.
وقال بعضهم: أي: تعظموه.
فمن يقول: إن قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ ليس على النصر والإعانة، ولكن على التعظيم، أو على الطاعة - استدل بما قال في آية أخرى: ﴿ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ ذكر التعزير وعطف النصر عليه؛ والمعطوف غير المعطوف عليه، فدل أنه غير النصر، ولكن جائز أن يذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين ومعناهما واحد على التأكيد، وكذلك من يقول بالتعظيم يقول: أمرهم بتعظيمه في الحرفين؛ أعني: قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ وذلك جائز في الكلام.
ويحتمل أن يكون التعزير هو الطاعة له، والتوقير هو التعظيم، وفي الطاعة له تعظيمه، والله أعلم.
ومن قال بالنصر والمعونة في التبليغ تبليغ الرسالة إلى الخلق، والدفع عنه، والذب، والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ والتسبيح، أجمع أهل التأويل أن قوله - -: ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً ﴾ راجع إلى الله - - وكذلك ذكر في بعض القراءة ﴿ ويسبحون الله بكرة وأصيلا ﴾ ، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال والأقوال، فجائز نسبة ذلك إلى رسول الله ؛ لأنه كان برئيا من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب، وإن كان هو تنزيهاً عن الحدثية، والفناء، وآفات كل في نفسه، فذلك لا يجوز إضافته ونسبته [إلا] إلى الله - عز وجل - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه.
وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر، والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن النهار، والأصيل كناية وعبارة عن الليل، فكأنه يقول: سبحوه بالليل والنهار جملة في كل وقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا عدوا.
قال معقل بن يسار: "لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة؛ أي: ألف وأربعمائة نفر، وقال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر".
وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ ﴾ والمبايعة هي المعاهدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ ﴾ ذكر في أول الآية المبايعة، وفي آخرها المعاهدة؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء، والله أعلم.
ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين: أحدهما: لما بأمره يبايعونه.
أو ذكر ونسب إلى نفسه؛ لعظيم قدره، وجليل منزلته عنده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قال بعضهم: يد الله في جزاء المبايعة فوق أيديهم في المبايعة؛ أو كلام نحوه.
وجائز أن يكون قوله ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في الجزاء إذا وفوا بالعهد فوق أيديهم عند رسول الله ؛ لأنه لما بايعوا رسول الله كانت لهم عنده يد، فيخبر أن جزاء الله الذي يجزيهم بوفاء تلك المبايعة فوق أيديهم التي عند رسول الله .
ويحتمل أن يكون ما ذكر من يد الله وإضافتها إليه يريد بها رسول الله كأنه يقول: يد رسول الله عندكم فيما بايعكم فوق أيديكم عنده؛ لما يحتمل أن يقع عندهم أن يكون لهم يد عند رسول الله بما بايعوه؛ كقوله - -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...
﴾ الآية [الحجرات: 17]؛ فيخبر أن يد رسول الله فوق أيديكم عنده بالمبايعة التي بايعتم، والله أعلم.
ويحتمل: أي: يد رسول الله بالمد والبسط بالمبايعة فوق أيديهم، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: توفيق الله - - إياكم ومعونته على مبايعتكم رسوله فوق وخير من وفائكم ببيعته وعهده، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يد الله في النصر لرسوله فوق أيديهم؛ كقوله - -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ حقيقة النصر إنما يكون بالله ؛ ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ أي: من نكث فعليه ضرر نكثه، وإليه يرجع ذلك الضرر لا إلى رسول الله وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - لأن الله - جل وعلا - وعد النصر له والظفر بأولئك، فمن نكث فإنما يرجع ضرر نكثه إليه؛ إذ الله يفي لرسوله ما وعد الله من النصر له، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- للذين تخلَّفوا من الأعراب عن المسير معك إلى مكة مختبرًا إياهم: ستُدعون إلى قتال قوم أصحاب بأس قوي في القتال، تقاتلونهم في سبيل الله، أو يدخلون في الإسلام من غير قتال، فإن تطيعوا الله فيما دعاكم إليه من قتالهم يعطكم أجرًا حسنًا هو الجنة، وإن تتولوا عن طاعته -كتولِّيكم عنها حين تخلفتم عن السير معه إلى مكة- يعذبكم عذابًا موجعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.VPQwW"