تفسير الآية ٢٤ من سورة الفتح

الإسلام > القرآن > سور > سورة 48 الفتح > الآية ٢٤ من سورة الفتح

وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٤ من سورة الفتح من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الفتح عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) : هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم ، فلم يصل إليهم منهم سوء ، وكف أيدي المؤمنين من المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام ، بل صان كلا من الفريقين ، وأوجد بينهم صلحا فيه خيرة للمؤمنين ، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة .

وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى فأوثقوهم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليهم وقال : " أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه " .

قال : وفي ذلك أنزل الله : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) الآية .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح ، من قبل جبل التنعيم ، يريدون غرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليهم فأخذوا - قال عفان : فعفا عنهم - ونزلت هذه الآية : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) ورواه مسلم وأبو داود في سننه ، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما ، من طرق ، عن حماد بن سلمة ، به .

وقال أحمد - أيضا - : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا الحسين بن واقد ، حدثنا ثابت البناني ، عن عبد الله بن مغفل المزني قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن ، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي بن أبي طالب وسهل بن عمرو بين يديه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " ، فأخذ سهل بيده وقال : ما نعرف الرحمن الرحيم .

اكتب في قضيتنا ما نعرف .

قال : " اكتب باسمك اللهم " ، وكتب : " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة " .

فأمسك سهل بن عمرو بيده وقال : لقد ظلمناك إن كنت رسوله ، اكتب في قضيتنا ما نعرف .

فقال : " اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " .

فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الله بأسماعهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هل جئتم في عهد أحد ؟

أو : هل جعل لكم أحد أمانا ؟

" فقالوا : لا .

فخلى سبيلهم ، فأنزل الله : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) .

رواه النسائي من حديث حسين بن واقد ، به .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، حدثنا جعفر ، عن ابن أبزى قال : لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة ، قال له عمر : يا نبي الله ، تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع ؟

قال : فبعث إلى المدينة ، فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله ، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل ، فسار حتى أتى منى ، فنزل بمنى ، فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة ، فقال لخالد بن الوليد : " يا خالد ، هذا ابن عمك أتاك في الخيل ، فقال خالد : أنا سيف الله ، وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول الله ، ارم بي أين شئت .

فبعثه على خيل ، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، فأنزل الله : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة [ من بعد أن أظفركم عليهم ] ) إلى : ( عذابا أليما ) .

قال : فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل .

ورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه .

وهذا السياق فيه نظر ; فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية ; لأن خالدا لم يكن أسلم ; بل قد كان طليعة المشركين يومئذ ، كما ثبت في الصحيح .

ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء ، لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام المقبل فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام ، فلما قدم لم يمانعوه ، ولا حاربوه ولا قاتلوه .

فإن قيل : فيكون يوم الفتح ؟

فالجواب : ولا يجوز أن يكون يوم الفتح ; لأنه لم يسق عام الفتح هديا ، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عرمرم ، فهذا السياق فيه خلل ، قد وقع فيه شيء فليتأمل ، والله أعلم .

وقال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن عكرمة مولى ابن عباس : أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين ، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصيبوا من أصحابه أحدا ، فأخذوا أخذا ، فأتي بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعفا عنهم وخلى سبيلهم ، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة والنبل .

قال ابن إسحاق : وفي ذلك أنزل الله : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) الآية .

وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا يقال له : " ابن زنيم " اطلع على الثنية من الحديبية ، فرماه المشركون بسهم فقتلوه ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيلا فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار ، فقال لهم : " هل لكم علي عهد ؟

هل لكم علي ذمة ؟

" .

قالوا : لا .

فأرسلهم ، وأنزل الله في ذلك : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) يقول تعالى ذكره لرسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: والذين بايعوا بيعة الرضوان: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) يعني أن الله كفّ أيدي المشركين الذين كانوا خرجوا على عسكر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, بالحديبية يلتمسون غِرَّتَهُمْ ليصيبوا منهم, فبعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأتى بهم أسرى, فخلى عنهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, ومنّ عليهم ولم يقتلهم فقال الله للمؤمنين: وهو الذي كفّ أيدي هؤلاء المشركين عنكم, وأيديكم عنهم ببطن مكة, من بعد أن أظفركم عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار * ذكر الرواية بذلك: حدثنا محمد بن عليّ بن الحسن بن شقيق, قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا الحسين بن واقد, قال: ثني ثابت البناني, عن عبد الله بن مغفل, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان جالسا في أصل شجرة بالحُدَيبية, وعلى ظهره غصن من أغصان الشجرة فرفعتها عن ظهره, وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بين يديه وسهيل بن عمرو, وهو صاحب المشركين, فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لعليّ: اكْتُبْ : بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, فأمسك سُهَيل بيده, فقال: ما نعرف الرحمن, اكتب في قضيتنا ما نعرف.

فقال رسول الله: اكْتُبْ باسْمِكَ اللَّهُم, فكتب, فقال: هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة, فأمسك سُهَيل بيده, فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولا اكتب في قضيتنا ما نعرف قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأنا رسول الله, فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح, فثاروا في وجوهنا, فدعا عليهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأخذ الله بأبصارهم, فقمنا إليهم فأخذناهم, فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هَلْ خرَجْتُم فِي أمان أحَدٍ, قال: فخلى عنهم, قال: فأنـزل الله ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين بن واقد, عن ثابت, عن عبد الله بن مغفل, قال: كنا مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحُديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن, وكان غصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فرفعته عن ظهره, ثم ذكر نحو حديث محمد بن عليّ, عن أبيه.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق قال: ثني من لا أتهم - عن عكرمة, مولى ابن عباس, أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين, وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, ليصيبوا من أصحابه أحدا, فأخذوا أخذا, فأُتي بهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فعفا عنهم، وخلى سبيلهم, وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجارة والنبل.

قال ابن حميد, قال سلمة, قال ابن إسحاق: ففي ذلك قال ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ )...

الآية .

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: أقبل معتمرا نبيّ الله, فأخذ أصحابه ناسا من أهل الحرم غافلين, فأرسلهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فذلك الإظفار ببطن مكة.

حدثنا محمد بن سنان القزّاز, قال: ثنا عبيد الله ابن عائشة, قال: ثنا حماد بن سلمة, عن ثابت, عن أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة, هبطوا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم, فأخذهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأعتقهم, فأنـزل الله ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ )...

إلى آخر الآية .

وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا به بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ )...

الآية, قال: بطن مكة الحديبية (1) يقال له رهم: اطلع الثنية من الحديبية, فرماه المشركون بسهم فقتلوه, فبعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خيلا فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار, فقال لهم نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: هل لكم عليّ عهد؟

هل لكم عليّ ذمة, قالوا: لا فأرسلهم, فأنـزل الله في ذلك القرآن ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ )...

إلى قوله ( بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ).

وقال آخرون في ذلك: ما حدثنا به ابن حميد, قال: ثنا يعقوب القُمِّيّ, عن جعفر, عن ابن أبزى, قال: لما خرج النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالهدي, وانتهى إلى ذي الحليفة, قال له عمر: يا نبيّ الله, تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع, قال: فبعث إلى المدينة فلم يدع بها كراعا ولا سلاحا إلا حمله; فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل, فسار حتى أتى منى, فنـزل بمِنى, فأتاه عينه أن عكرِمة بن أبي جهل قد خرج علينا في خمس مئة, فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل, فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله, فيومئذ سمي سيف الله, يا رسول الله, ارم بي حيث شئت, فبعثه على خيل, فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة, ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة, ثم عاد في الثالثة حتى أدخله حيطان مكة, فأنـزل الله ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ )...

إلى قوله عَذَابًا أَلِيمًا قال: فكفّ الله النبيّ عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية أن تطأهم الخيل بغير علم.

وقوله ( وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) يقول تعالى ذكره: وكان الله بأعمالكم وأعمالهم بصيرا لا يخفى عليه منها شيء.

------------------------ الهوامش: (1) لعل فيه سقطا .

وفي ابن كثير عن قتادة : " ذكر لنا أن رجلا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية إلخ " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا .قوله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة وهي الحديبية .

من بعد أن أظفركم عليهم روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فأخذناهم سلما فاستحييناهم ، فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وقال عبد الله بن مغفل المزني : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن ، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الله بأبصارهم ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد [ ص: 256 ] أمانا ] .

قالوا : اللهم لا ، فخلى سبيلهم .

فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية .

وذكر ابن هشام عن وكيع : وكانت قريش قد جاء منهم نحو سبعين رجلا أو ثمانين رجلا للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم ، ففطن المسلمون لهم فأخذوهم أسرى ، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح ، فأطلقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهم الذين يسمون العتقاء ، ومنهم معاوية وأبوه .

وقال مجاهد : أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - معتمرا ، إذ أخذ أصحابه ناسا من الحرم غافلين فأرسلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذلك الإظفار ببطن مكة .

وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقال له زنيم ، اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه ، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلا فأتوا باثني عشر فارسا من الكفار ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ هل لكم علي ذمة ] قالوا لا ؟

فأرسلهم فنزلت .

وقال ابن أبزى والكلبي : هم أهل الحديبية ، كف الله أيديهم عن المسلمين حتى وقع الصلح ، وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا المسلمين ، وكف أيدي المسلمين عنهم .

وقد تقدم أن خالد بن الوليد كان في خيل المشركين .

قال القشيري : فهذه رواية ، والصحيح أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت .

وقد قال سلمة بن الأكوع : كانوا في أمر الصلح إذ أقبل أبو سفيان ، فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح ، قال : فجئت بستة من المشركين أسوقهم متسلحين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فأتيت بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وكان عمر قال في الطريق : يا رسول الله ، نأتي قوما حربا وليس معنا سلاح ولا كراع ؟

فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سلاح وكراع كان فيها ، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عكرمة بن أبي جهل خرج إليه في خمسمائة فارس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد : [ هذا ابن عمك أتاك في خمسمائة ] .

فقال خالد : أنا سيف الله وسيف رسوله ، فيومئذ سمي بسيف الله ، فخرج ومعه خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط مكة .وهذه الرواية أصح ، وكان بينهم قتال بالحجارة ، وقيل بالنبل والظفر .

وقيل : أراد بكف اليد أنه شرط في الكتاب أن من جاءنا منهم فهو رد عليهم ، فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن [ ص: 257 ] يردهم الرسول - عليه السلام - إلى المشركين لحقوا بالساحل ، ومنهم أبو بصير ، وجعلوا يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم ، حتى جاء كبار قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : اضممهم إليك حتى نأمن ، ففعل .

وقيل : همت غطفان وأسد منع المسلمين من يهود خيبر لأنهم كانوا حلفاءهم فمنعهم الله عن ذلك ، فهو كف اليد .

ببطن مكة فيه قولان : أحدهما : يريد به مكة .

الثاني : الحديبية ; لأن بعضها مضاف إلى الحرم .

قال الماوردي : وفي قوله : من بعد أن أظفركم عليهم بفتح مكة .

وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة ، وفيها دليل على أن مكة فتحت صلحا لقوله - عز وجل - : كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهمقلت : الصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة ، حسب ما قدمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين .

وروى الترمذي قال : حدثنا عبد بن حميد قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس : أن ثمانين هبطوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح وهم يريدون أن يقتلوه ، فأخذوا أخذا فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وقد تقدم .

وأما فتح مكة فالذي تدل عليه الأخبار أنها إنما فتحت عنوة ، وقد مضى القول في ذلك في ( الحج ) وغيرها .

وكان الله بما تعملون بصيرا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية، من شر الكفار ومن قتالهم، فقال: { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ } أي: أهل مكة { عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي: من بعد ما قدرتم عليهم، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد، وهم نحو ثمانين رجلا، انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة، فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم، رحمة من الله بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم، { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ) قرأ أبو عمرو بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء ، واختلفوا في هؤلاء : أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا عمرو بن محمد الناقد ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم : أن ثمانين رجلا من أهل مكة ، هبطوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جبل التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فأخذهم سلما فاستحياهم ، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية : " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " .

قال عبد الله بن مغفل المزني : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن ، وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره ، وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح ، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " جئتم في عهد ؟

أو هل جعل لكم أحد أمانا ؟

" فقالوا : اللهم لا فخلى سبيلهم ، [ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة» بالحديبية «من بعد أن أظفركم عليهم» فإن ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم فأخذوا وأتي بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم فكان ذلك سبب الصلح «وكان الله بما يعملون بصيرا» بالياء والتاء، أي لم يزل متصفا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهو الذي كفَّ أيدي المشركين عنكم، وأيديكم عنهم ببطن "مكة" من بعد ما قَدَرْتم عليهم، فصاروا تحت سلطانكم (وهؤلاء المشركون هم الذين خرجوا على عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ"الحديبية"، فأمسكهم المسلمون ثم تركوهم ولم يقتلوهم، وكانوا نحو ثمانين رجلا) وكان الله بأعمالكم بصيرًا، لا تخفى عليه خافية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة من نعمه التى أنعمها عليهم فى رحلتهم هذه التى انتهت بصلح الحديبية فقال : ( وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ .

.

) .والمراد ببطن مكة : الحديبية ، وسميت بذلك لأنها قريبة من مكة .

أى : وهو - سبحانه - الذى منع المشركين - بقدرته وحكمته من مهاجمتكم والاعتداء عليكم ، ومنعكم من مهاجمتهم وقتالهم ، فى هذا المكان القريب من مكة ، وكان ذلك بعد أن نصركم عليهم ، وجعلكم أعلى منهم فى القوة والحجة والثبات ، وكان - سبحانه - وما زال ( بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) .وقد ذكروا فى هذا الظفر روايات منها ما أخرجه الإِمام مسلم وغيره عن أنس قال : لما كان يوم الحديبية ، هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه .

ثمانون رجلا من أهل مكة فى السلاح ، من قبل جل التنعيم ، يريدون غرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليهم ، فأخذوا فعفا عهم ، فنزلت هذه الآية .فالآية الكريمة تذكير من الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، بجانب من نعمه عليهم ، ورحمته بهم .

وهو تذكير يتعلق بأمور شاهدوها بأعينهم ، وعاشوا أحداثها ، وعند ما يأتى التذكير بالأمور المشاهدة المحسوسة ، يكون أدعى إلى الشكر لله - عز وجل - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

تبييناً لما تقدم من قوله: ﴿ وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الأدبار  ﴾ أي هو بتقدير الله، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم، وقوله تعالى: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف، ومع ذاك وجد كف الأيدي، وذلك الأمر هو دخول المسلمين ببطن مكة، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو دخل دارهم طالبين ثأرهم، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم، ويقتضي أن يبالغ المسلمون في الاجتهاد في الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا وأسروا لبعد مأمنهم، فقوله: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ إشارة إلى بعد الكف، ومع ذلك وجد بمشيئة الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ صالح لأمرين أحدهما: أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم، مع أن الظاهر كان يستدعي كون الظفر لهم لكون البلاد لهم، ولكثرة عددهم الثاني: أن يكون ذكر أمرين مانعين من الأمرين الأولين، مع أن الله حققهما مع المنافقين، أما كف أيدي الكفار، فكان بعيداً لكونهم في بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم، وإليه أشار بقوله: ﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ وأما كف أيدي المسلمين، فلأنه كان بعد أن ظفروا بهم، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذي لو ظفر هو به لاستأصله يبعد انكفافه عنه، مع أن الله كف اليدين.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ﴾ .

يعني كان الله يرى فيه من المصلحة، وإن كنتم لا ترون ذلك، وبينه بقوله تعالى: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى مَعْكُوفاً ﴾ إلى أن قال: ﴿ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات  ﴾ يعني كان الكف محافظة على ما في مكة من المسلمين ليخرجوا منها، ويدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات، واختلف المفسرون في ذلك الكف منهم من قال المراد ما كان عام الفتح، ومنهم من قال ما كان عام الحديبية، فإن المسلمين هزموا جيش الكفار حتى أدخلوهم بيوتهم، وقيل إن الحرب كان بالحجارة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَيْدِيهِمْ ﴾ أيدي أهل مكة، أي: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح.

وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله، على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحاً.

وقيل: كان ذلك في غزوة الحديبية لما روى أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت.

وقرئ: ﴿ تعملون ﴾ بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ ولَمْ يُصالِحُوا.

﴿ لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ لانْهَزَمُوا.

﴿ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ﴾ يَحْرُسُهم.

﴿ وَلا نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُهم.

﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ سَنَّ غَلَبَةَ أنْبِيائِهِ سُنَّةً قَدِيمَةً فِيمَن مَضى مِنَ الأُمَمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي ﴾ ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ تَغْيِيرًا.

﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ أيْ أيْدِيَ كُفّارِ مَكَّةَ.

﴿ وَأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ في داخِلِ مَكَّةَ.

﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ ﴾ أظْهَرُكم عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ «أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ خَرَجَ في خَمْسِمِائَةٍ إلى الحُدَيْبِيَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ عَلى جُنْدٍ فَهَزَمَهم حَتّى أدْخَلَهم حِيطانَ مَكَّةَ ثُمَّ عادَ.» وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الفَتْحِ واسْتُشْهِدَ بِهِ عَلى أنَّ مَكَّةَ فُتِحْتَ عَنْوَةً وهو ضَعِيفٌ إذِ السُّورَةُ نَزَلَتْ قَبْلَهُ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِن مُقاتَلَتِهِمْ أوَّلًا طاعَةً لِرَسُولِهِ وكَفِّهِمْ ثانِيًا لِتَعْظِيمِ بَيْتِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ.

﴿ بَصِيرًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} أي أيدي أهل مكة {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} عن أهل مكة يعنى قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بدما خولكم الظفر عليهم والغلبة وذلك يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة رضى الله عنه على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً وقيل كان في غزوة الحديبية لما رُوي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله

حيطان مكة وعن ابن عباس رضى الله عنهما أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت {بِبَطْنِ مَكَّةَ} أي بمكة أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} أي أقدركم وسلطكم {وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} وبالياء أبو عمرو

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ أيْ أيْدِيَ كُفّارِ مَكَّةَ، وفي التَّعْبِيرِ- بِكَفَّ- دُونَ مَنَعَ ونَحْوِهِ لُطْفٌ لا يَخْفى ﴿ وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ يَعْنِي الحُدَيْبِيَةَ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَها مِن حَرَمِ مَكَّةَ، وإنْ لَمْ يَسْلَمْ فالقُرْبُ التّامُّ كافٍ ويَكُونُ إطْلاقُ (بَطْنِ مَكَّةَ) عَلَيْها مُبالَغَةً ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ ﴾ مُظْهِرًا لَكم ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ فَتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ ما يَتَعَدّى بِهِ وهو الإظْهارُ والإعْلاءُ أيْ جَعَلَكم ذَوِي غَلَبَةٍ تامَّةٍ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ في آخَرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ هَبَطَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ ثَمانُونَ رَجُلًا مِن أهْلِمَكَّةَ في السِّلاحِ مِن قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَأُخِذُوا فَعَفا عَنْهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ ﴾ إلَخْ، وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ إلى أنْ قالَ: فَبَيْنا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا عَلَيْهِمِ السِّلاحُ فَثارُوا إلى وُجُوهِنا فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ اللَّهُ تَعالى بِأسْماعِهِمْ - ولَفْظُ الحاكِمِ بِأبْصارِهِمْ - فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهم فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدِ أحَدٍ أوْ هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟

فَقالُوا: لا فَخَلّى سَبِيلَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ إلَخْ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «قَدِمْنا الحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ راسَلُونا إلى الصُّلْحِ فَلَمّا اصْطَلَحْنا واخْتَلَطَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أتَيْتُ شَجَرَةً فاضْطَجَعْتُ في ظِلِّها فَأتانِي أرْبَعَةٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأبْغَضْتُهم وتَحَوَّلْتُ الى شَجَرَةٍ أُخْرى فَعَلَّقُوا سِلاحَهم واضْطَجَعُوا فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ نادى مُنادٍ مِن أسْفَلِ ما لِلْمُهاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زَنِيمٍ فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي فاشْتَدَّتْ عَلى أُولَئِكَ الأرْبَعَةِ وهم رُقُودٌ فَأخَذْتُ سِلاحَهم وجَعَلْتُهُ في يَدِي ثُمَّ قُلْتُ: والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ لا يَرْفَعُ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ إلّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجاءَ عَمِّي عامِرٌ بِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ مُكَرَّزٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُودُهُ حَتّى وقَفْنا بِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: دَعُوهم يَكُونُ لَهم بَدْءُ الفُجُورِ وثَناهُ فَعَفا عَنْهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي كَفَّ ﴾ إلَخْ،» وهَذا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: «لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالهَدْيِ وانْتَهى إلى ذِي الحُلَيْفَةِ قالَ لَهُ عَمِّي: يا نَبِيَّ اللَّهِ تَدْخُلُ عَلى قَوْمٍ لَكَ حَرْبٌ بِغَيْرِ سِلاحٍ ولا كُراعٍ فَبَعَثَ إلى المَدِينَةِ فَلَمْ يَدَعْ فِيها كُراعًا ولا سِلاحًا إلّا حَمَلَهُ فَلَمّا دَنا مِن مَكَّةَ مَنَعُوهُ أنْ يَدْخُلَ فَسارَ حَتّى أتى مِنًى فَنَزَلَ بِها فَأتاهُ عَيْنُهُ أنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ قَدْ جَمَعَ عَلَيْكَ في خَمْسِمِائَةٍ فَقالَ لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: يا خالِدُ هَذا ابْنُ عَمِّكَ قَدْ أتاكَ في الخَيْلِ فَقالَ خالِدٌ: أنا سَيْفُ اللَّهِ وسَيْفُ رَسُولِهِ فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ سَيْفَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ارْمِ بِي إنْ شِئْتَ فَبَعَثَهُ عَلى خَيْلٍ فَلَقِيَهُ عِكْرِمَةُ في الشِّعْبِ فَهَزَمَهُ حَتّى أدْخَلَهُ حِيطانَ مَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وهُوَ الَّذِي ﴾ الآيَةَ».

وفي البَحْرِ أنَّ خالِدًا هَزَمَهم حَتّى دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ وأسَرَ مِنهم جُمْلَةً فَسِيقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَمَنَّ عَلَيْهِمْ وأطْلَقَهم، والخَبَرُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إسْلامَ خالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وقِيلَ بَعْدَها وهي في السَّنَةِ السّابِعَةِ.

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ «أنَّ خالِدًا كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى خَيْلِ قُرَيْشٍ في مِائَتَيْ فارِسٍ قَدِمَ بِهِمْ إلى كُراعٍ الغَمِيمِ فَدَنا حَتّى نَظَرَ إلى أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَتَقَدَّمَ بِخَيْلِهِ فَقامَ بِإزائِهِ وصَفَّ أصْحابَهُ وحانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أرْسَلُوا جُمْلَةً مِنَ الفَوارِسِ في الحُدَيْبِيَةَ يُرِيدُونَ الوَقِيعَةَ بِالمُسْلِمِينَ فَأظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالحِجارَةِ حَتّى أدْخَلُوهُمُ البُيُوتَ، وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ.

وقِيلَ: كانَ هَذا الكَفُّ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، واسْتَشْهَدَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ بِما في الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ ﴾ بِناءً عَلى هَذا القَوْلِ لِفَتْحِ مَكَّةَ عَنْوَةً.

واعْتَرَضَ القَوْلُ المَذْكُورُ والِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ بِناءً عَلَيْهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّها نَزَلَتْ بِتَمامِها قَبْلَهُ فَلَيْسَ بِثابِتٍ بَلْ بَعْضُ الآثارِ يُشْعِرُ بِخِلافِهِ وإلّا فَلا يُفِيدُ مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ مِن بَعْضِ آياتِ السُّورَةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ دَلالَتَها عَلى العَنْوَةِ مَمْنُوعَةٌ، فَقَدْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَتْحُ هو الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ سَواءٌ كانَ عَنْوَةً أوْ صُلْحًا، والفَرْقُ بَيْنَ الظَّفَرِ عَلى الشَّيْءِ والظَّفَرِ بِهِ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْلاءُ وهو كائِنٌ لِأنَّهُمُ اصْطَلَحُوا وهم مُضْطَرُّونَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ مُخْتارُونَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى وكَذا فِيما تُعُقِّبَ بِهِ الأوَّلُ.

وبِالجُمْلَةِ هَذا القَوْلُ وكَذا الِاسْتِشْهادُ بِما في الآيَةِ بِناءٌ غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ أكْثَرَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وكَذا ما بَعْدُ يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ أوَّلًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ بِعَمَلِكم أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَهُ ومِنهُ العَفْوُ بَعْدَ الظَّفَرِ ﴿ بَصِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ فالكَلامُ عَلَيْهِ تَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها يعني: إلى غنائم خيبر ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يعني: اتركونا نتّبعكم في ذلك الغزو يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يعني: يغيروا كلام الله.

يعني: ما قاله الله لرسوله  : لا تأذن لهم في غزاة أخرى.

قرأ حمزة والكسائي: وهو جمع كلمة.

والباقون كَلامَ اللَّهِ والكلام اسم لكل ما يتكلم به.

قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا في المسير إلى خيبر إلاَّ متطوعين، من غير أن يكون لكم شرك في الغنيمة.

كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل الحديبية.

فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا يعني: يقولون للمؤمنين: إن الله لم ينهكم عن ذلك، بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم.

قال الله تعالى: بَلْ كانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: لا يعقلون، ولا يرغبون في ترك النفاق، لا قليلاً، ولا كثيراً.

ويقال: بل كانوا لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلاً منهم.

قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ يعني: الذين تخلفوا عن الحديبية، مخافة القتال سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: قتال شديد.

قال بعضهم: يعني: قتال أهل اليمامة بعد رسول الله  .

قاتلهم أبو بكر الصديق  .

وقال مجاهد: إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني: أهل الأوثان.

وقال أيضاً: هم أهل فارس، وكذا قال عطاء، وقال سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف.

وقال الحسن: فارس، والروم.

تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ قرأ بعضهم أَوْ يُسْلِمُوا بألف من غير نون، وقراءة العامة بالنون.

فمن قرأ: أو يسلموا يعني: حتى يسلموا، أو إلى أن يسلموا.

ومن قرأ: بالنون.

فمعناه: تقاتلونهم أو هم يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يعني: تجيبوا، وتوقعوا القتال، وتخلصوا لله تعالى.

يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً يعني: ثواباً حسناً في الآخرة.

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية.

يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً، فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة والضعفاء: فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم، ولا نستطيع الخروج، فيعذبنا الله؟

فنزل قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية.

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس عليهم إثم في التخلف وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: إثم.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في الغزو ويقال: وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ في الغزو، في السر، والعلانية يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن ذلك.

يعني: عن طاعة الله، ورسوله، بالتخلف يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً يعني: شديداً دائماً.

قرأ نافع: وابن عامر نُدْخِلْهُ وَنُعَذِّبْهُ كلاهما بالنون.

والباقون: كلاهما بالياء.

وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ يعني: شجرة السمرة.

ويقال: أم غيلان.

قال قتادة: بايعوهُ يومئذٍ وهم ألف وأربعمائة رجل.

وكان عثمان يومئذٍ بمكة.

فقال النبي  : «إنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ الله وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَحَاجَةِ المُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ وضع إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه بَيْعَةُ عُثْمَان» .

فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: مَا فِى قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء.

وهذا قول ابن عباس.

وقال مقاتل: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الكراهية للبيعة على أن يقتلوا، ولا يفروا.

فَأَنْزَلَ الله السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ يعني: أنزل الله تعالى الطمأنينة، والرضى عليهم.

وَأَثابَهُمْ يعني: أعطاهم.

فَتْحاً قَرِيباً يعني: فتح خيبر.

وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها يعني: يغنمونها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً حكم عليهم بالقتل، والسبي.

ويقال: حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين.

ثم قال: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها يعني: تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله  وبعده إلى يوم القيامة.

وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني: فتح خيبر، قرأ بعضهم وَأَتاهُمُ أي: أعطاهم وقراءة العامة وَأَثابَهُمْ يعني: كافأهم.

قوله تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ يعني: أيدي أهل مكة.

ويقال: أسد وغطفان أرادوا أن يعينوا أهل خيبر، فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبيّ  على ألا يكونوا له، ولا عليه.

ثم قال: وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفاً.

ثم قال: وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً يعني: يرشدكم ديناً قيماً، وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي «١» : والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب فهي من معجزات النبي صلّى الله عليه وسلّم، انتهى من «الأحكام» .

وقوله: فَإِنْ تُطِيعُوا أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ثم ذكر تعالى أهل/ الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمّ مكتوم] «٢» رحمه الله.

وقوله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ...

الآية، تشريف لهم- رضي اللَّه عنهم- وقد تَقَدَّمَ القولُ في المبالغة ومعناها، وكان سببَ هذه المبايعة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أراد أَنْ يبعث إلى مَكَّةَ رجلاً يُبَيِّنُ لهم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يريد حرباً وإنَّما جاء مُعْتَمِراً، فبعث إليهم خداش بن أميّة الخزاعيّ، وحمله صلّى الله عليه وسلّم على جَمَلٍ له يقال له: الثعلب، فلما كَلَّمَهُمْ عَقَرُوا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأراد بَعْثَ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إنِّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بني عَدِيٍّ أَحَدٌ يحميني، ولكنِ ابعث عثمان فهو أَعُزُّ بمكّة منّي، فبعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي فنزل عن دَابَّتِهِ فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ

الرسالة، فقالوا له: إنْ شِئْتَ يا عثمانَ أَنْ تطوف بالبيت فَطُفْ به، فقال: ما كنت لأطوف حتى يطوف به النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم إنَّ بَنِي سعيد بن العاصي حَبَسُوا عثمانَ على جهة المبرة، فأبطأ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وكانتِ الحُدَيْبِيَّةُ من مَكَّةَ على نحو عَشَرَةِ أميال، فصرخ صارخ من عسكر رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: قتل عثمان، فجثا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ والمؤمنون، وقالوا: لا نبرحُ- إنْ كان هذا- حتى نُنَاجِزَ القوم، ثم دعا الناسَ إلى البيعة فبايعوه صلّى الله عليه وسلّم ولم يَتَخَلَّفْ عنها إلاَّ الجد بن قيس المنافق، وجعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدَهُ على يَدِهِ، وقال: هذه يَدٌ لعثمانَ «١» ، وهي خير، ثم جاءَ عثمانُ سالماً والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين.

وقوله سبحانه: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال الطبريُّ «٢» ، ومنذر بن سعيد: معناه: من الإيمان وصِحَّتِهِ، والحبِّ في الدين والحِرْصِ فيه، وقرأ الناس: «وَأَثَابَهُمْ» «٣» قال هارون:

وقد قرأت: «وَآتَاهُمْ» بالتاء بنقطتين «٤» ، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبرَ.

وقوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ ...

الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة قاله مجاهد وغيره «٥» .

وقولهُ: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يريد خيبَر، وقال زيد بن أسلم وابنه: المغانم الكثيرة:

خيبر «٦» ، وهذه إشارة إلى البيعة والتَّخَلُّصِ من أمر قريش، وقاله ابن عبّاس «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ذَكَرَ الَّذِينَ أخْلَصُوا نِيَّتَهم وشَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ هَذِهِ البَيْعَةِ آنِفًا.

وإنَّما سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ رَوى إياسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، نادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ  : أيُّها النّاسُ، البَيْعَةَ، البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ، قالَ: فَثُرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ، فَبايَعْناهُ.» وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  تَحْتَ الشَّجَرَةِ يُبايِعُ النّاسَ، وإنِّي لَأرْفَعُ أغْصانَها عَنْ رَأْسِهِ.» وقالَ بِكِيرُ بْنُ الأشَجِّ: كانَتِ الشَّجَرَةُ بِفَجٍّ نَحْوَ مَكَّةَ.

قالَ نافِعٌ: كانَ النّاسُ يَأْتُونَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَيُصَلُّونَ عِنْدَها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَأوْعَدَهم فِيها، وأمَرَ بِها فَقُطِعَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ: مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ، والمَعْنى: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ ﴿ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي الطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى حَتّى بايَعُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا ولا يَفِرُّوا ﴿ وَأثابَهُمْ ﴾ أيْ: عَوَّضَهم عَلى الرِّضى بِقَضائِهِ والصَّبْرِ عَلى أمْرِهِ ﴿ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ وهو خَيْبَرُ، ﴿ وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ، لِأنَّها كانَتْ ذاتَ عَقارٍ وأمْوالٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي الفُتُوحُ الَّتِي تُفْتَحُ عَلى المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها غَنِيمَةُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي كانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  وبَيْنَ قُرَيْشٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ هَمُّوا أنْ يَغْتالُوا عِيالَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَلَّفُوهم في المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهم أسَدٌ وغَطَفانُ جاؤُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ [مَعَ أهْلِ خَيْبَرَ، فَقَصَدَهم رَسُولُ اللَّهِ  فَصالَحُوهُ وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَيْبَرَ.

وقالَ غَيْرُهُما: بَلْ هَمَّتْ أسَدٌ وغَطَفانُ] بِاغْتِيالِ [أهْلِ] المَدِينَةِ، فَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ كَفَّهُمُ اللَّهُ بِالصُّلْحِ، حَكاهُما الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ.

فَفِي قَوْلِهِ: "عَنْكُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: عَنْ عِيالِكُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ قَتادَةَ.

﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْكم كانَتْ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ كانَ فَتْحُها عَلامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّهِ  فِيما وعَدَهم بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّفْوِيضِ إلَيْهِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: يَزِيدُكم هُدًى بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ  فِيما جاءَ بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالفَتْحِ والغَنِيمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُخْرى ﴾ المَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ أُخْرى؛ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ما فُتِحَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ.

رَوى سِماكُ الحَنَفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ﴾ قالَ: ما فَتَحَ لَكم مِن هَذِهِ الفُتُوحِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها خَيْبَرُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: فارِسُ والرُّومُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ ِعَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى.

والرّابِعُ: مَكَّةُ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أحاطَ بِها عِلْمًا أنَّها سَتَكُونُ مِن فُتُوحِكم.

والثّانِي: حِفَظَها لَكم ومَنَعَها مِن غَيْرِكم حَتّى فَتَحْتُمُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ هَذا خِطابٌ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَوْ قاتَلُوكم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ ﴿ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ خَذَلَهم.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النُّصْرَةُ لِأوْلِيائِهِ.

و "سُنَّةَ اللَّهِ" مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ مَعْناهُ: سَنَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خِذْلانَهم سُنَّة.

ً وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مَن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ  وأصْحابِهِ، فَأخَذَهم سِلْمًا، فاسْتَحْياهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  بِالحُدَيْبَيَةِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْنا ثَلاثُونَ شابًّا، فَثارُوا في وُجُوهِنا، فَدَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  فَأخَذَ اللَّهُ بِأبْصارِهِمْ، فَقُمْنا إلَيْهِمْ فَأخَذْناهُمْ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدٍ؟" أوْ "هَلْ جَعَلَ لَكم أحَدٌ أمانًا؟" قالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلّى سَبِيلَهُمْ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وذَكَرَ قَتادَةُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ خَيْلًا، فَأتَوْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ فارِسًا مِنَ الكُفّارِ، فَأرْسَلَهُمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: خَرَجُوا يُقاتِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَهَزَمَهُمُ النَّبِيُّ  بِالطَّعْنِ والنَّبْلِ حَتّى أدْخَلَهم بُيُوتَ مَكَّةَ.» قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِنَّتَهُ إذْ حَجَزَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَلَمْ يَقْتَتِلا حَتّى تَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهم.

وَفِي بَطْنِ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحُدَيْبِيَةُ، قالَهُ أنَسٌ.

والثّانِي: وادِي مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: التَّنْعِيمُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَأمّا "مَكَّةُ" فَقالَ الزَّجّاجُ: "مَكَّةُ" لا تَنْصَرِفُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ "بَكَّةَ"، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ضَرْبَةُ لازِمٍ، ولازِبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمُ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا حَتّى لا يُبْقِي فِيهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها؛ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ.

وقالَ قُطْرُبٌ: مَكَّةُ مِن تَمَكَّكْتُ المُخَّ: إذا أكَلْتُهُ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: تَمَكَّكْتُ العَظْمَ: إذا أخْرَجْتَ مُخَّهُ؛ والتَّمَكُّكُ: الِاسْتِقْصاءُ؛ وفي الحَدِيثِ:"لا تَمَكَّكُوا عَلى غُرَمائِكُمْ" .

وَفِي تَسْمِيَةِ "مَكَّةَ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأنَّها مَثابَةٌ يَؤُمُّها الخَلْقُ مِن كُلِّ فَجٍّ، وكَأنَّها هي الَّتِي تَجْذِبُهم إلَيْها، وذَلِكَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: امْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ.

والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ "مَكَّةَ" مِن قَوْلِكَ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ: إذا وضَعْتَ مِنهُ ورَدَدْتَ نَخْوَتَهُ، فَكَأنَّها تَمُكُّ مَن ظَلَمَ فِيها، أيْ: تُهْلِكُهُ وتُنْقِصُهُ، وأنْشَدُوا: يا مَكَّةُ، الفاجِرَ مُكِّي مَكّا ولا تَمُكِّي مَذْحِجًا وعَكّا والثّالِثُ:[ أنَّها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَهْدِ أهْلِها.

والرّابِعُ: لِقِلَّةِ الماءِ بِها.

وَهَلْ مَكَّةُ وبَكَّةُ واحِدٌ؟

قَدْ ذَكَرْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ٩٦] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: بِهِمْ؛ يُقالُ: ظَفِرْتُ بِفُلانٍ، وظَفِرْتُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ["يَعْمَلُونَ"] بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ الناسِ عنكم ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ﴿ وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللهُ بِها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ ﴿ وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ ﴿ سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عنكم وأيْدِيَكم عنهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ وكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَدَكُمُ اللهُ ﴾ الآيَةُ، مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعْدٌ بِجَمِيعِ المَغانِمِ الَّتِي أخَذَها المُسْلِمُونَ، ويَأْخُذُونَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ يُرِيدُ خَيْبَرَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: المَغانِمُ الكَثِيرَةُ: خَيْبَرُ، و"هَذِهِ" إشارَةٌ إلى البَيْعَةِ والتَخَلُّصِ مِن أمْرِ قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفَّ أيْدِيَ الناسِ عنكُمْ ﴾ يُرِيدُ مَن ولِيَ عَوْرَةَ المَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ النَبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ مِنها، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن أحْياءِ العَرَبِ ومِنَ اليَهُودِ مَن يُعادِي، وكانَتْ قَدْ أمْكَنَتْهم فُرْصَةٌ، فَكَفَّهُمُ اللهُ تَعالى عن ذَرارِي المُسْلِمِينَ وأمْوالِهِمْ، وهَذِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ العَلامَةُ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى يَنْصُرُهم ويَلْطُفُ بِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّهُ قالَ: كَفَّ اللهُ تَعالى غَطَفانَ عَنِ النَبِيِّ  حِينَ جاءُوا لِنَصْرِ أهْلِ خَيْبَرَ، وذَكَرَهُ النَقّاشُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ أيْضًا عن بَعْضِهِمْ: إنَّهُ أرادَ كَفَّ قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها ﴾ ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإشارَةُ إلى بِلادِ فارِسٍ والرُومِ، وقالَ الضَحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى خَيْبَرَ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: الإشارَةُ إلى مَكَّةَ، وهَذا هو القَوْلُ الَّذِي يَتَّسِقُ مَعَهُ المَعْنى ويَتَأيَّدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أحاطَ اللهُ بِها ﴾ مَعْناهُ: بِالقُدْرَةِ والقَهْرِ لِأهْلِها، أيْ: قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ ذَلِكَ وظَهَرَ فِيها أنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ﴾ ، إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ ومَن والاها في تِلْكَ السَنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي هَذا تَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما الإشارَةُ إلى العَدُوِّ الأحْضَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى وقْعَةِ بَدْرٍ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى عادَةِ اللهِ تَعالى مِن نُصْرَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ قَدِيمًا، ونُصِبَ ﴿ "سُنَّةَ" ﴾ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ الرَفْعُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ في سَبَبِها «أنَّ قُرَيْشًا جَمَعَتْ جَماعَةً مِن فِتْيانِها، وجَعَلُوهم مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وخَرَجُوا يَطْلُبُونَ غِرَّةً في عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ  ، واخْتَلَفَ الناسُ في عَدَدِ هَؤُلاءِ اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ، فَلَمّا أحَسَّ بِهِمُ المُسْلِمُونَ وبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  في أثَرِهِمْ خالِدَ بْنِ الوَلِيدِ وسَمّاهُ حِينَئِذٍ "سَيْفَ اللهِ" في جُمْلَةٍ مِنَ الناسِ، فَفَرُّوا أمامَهم حَتّى أدْخَلُوهم بُيُوتَ مَكَّةَ، وأسَرُوا مِنهم جُمْلَةً، فَسِيقُوا إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَمَنَّ عَلَيْهِمْ وأُطْلَقَهُمْ،» فَهَذا هو أنْ كَفَّ اللهُ أيْدِيَهم عَنِ المُسْلِمِينَ بِالرُعْبِ، وكَفَّ أيْدِي المُسْلِمِينَ عنهم بِالنَهْيِ في بُيُوتِ مَكَّةَ وغَيْرِها، وذَلِكَ هو "بَطْنُ مَكَّةَ"، وقالَ قَتادَةُ: أسَرَ النَبِيُّ  هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ عَسْكَرِهِ ومَنَّ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو "بَطْنُ مَكَّةَ"، قالَ النَقّاشُ: الحَرامُ كُلُّهُ مَكَّةُ، والظَفْرُ عَلَيْهِمْ هو أسْرُ مَن أُسِرَ مِنهُمْ، وما في هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيضٌ عَلى العَمَلِ الصالِحِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَشْعَرَ أنَّ اللهَ يُبْصِرُ عَمَلَهُ أصْلَحَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الكُفّارِ وتَهَدَّدَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وكفّ أيدي الناس عنكم ﴾ [الفتح: 20] وهذا كفّ غير الكف المراد من قوله: ﴿ وكفَّ أيدي الناس عنكم ﴾ .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لإفادة التخصيص، أي القصر، أي لم يكفّهم عنكم ولا كفكم عنهم إلا الله تعالى، لا أنتم ولا هم فإنهم كانوا يريدون الشر بكم وأنتم حين أحطتم بهم كنتم تريدون قتلهم أو أسرهم فإن دواعي امتداد أيديهم إليكم وامتداد أيديكم إليهم متوفرة فلولا أن الله قدّر موانع لهم ولكم لاشتبكتم في القتال، فكفَّ أيديهم عنكم بأن نبهكم إليهم قبل أن يفاجئوكم وكف أيديكم عنهم حين أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعفو عنهم ويطلقهم.

وتقدم الكلام على معنى ﴿ كف ﴾ في قوله آنفاً ﴿ وكف أيديَ الناس عنكم ﴾ .

والمعنى: أنه لم يترك أحد من الفريقين الاعتداء على الفريق الآخر من تلقاء نفسه ولكن ذلك كان بأسباب أوجدها الله تعالى لإرادته عدم القتال بينهم، وهي منّة ثانية مثل المنة المذكورة في قوله: وهذه الآية أشارت إلى كف عن القتال يسّره الله رفقاً بالمسلمين وإبقاء على قوتهم في وقت حاجتهم إلى ذلك بعد وقعة بدر ووقعة أحد، واتفق المفسرون الأولون على أن هذا الكف وقع في الحديبية.

وهذا يشير إلى ما روي من طرق مختلفة وبعضها في سنن الترمذي وقال: هو حديث صحيح، وفي بعضها زيَادة على بعض أن جمعاً من المشركين يُقدر بستة أو باثني عشر أو بثلاثين أو سبعين أو ثمانين مسلحين نزلوا إلى الحديبية يريدون أن يأخذوا المسلمين على غرة ففطن لهم المسلمون فأخذوهم دون حرب النبي بإطلاقهم وكان ذلك أيام كان السفراء يمشون بين النبي وبين أهل مكة ولعل النبي أطلقهم تجنباً لما يعكر صفو الصلح.

وضمائر الغيبة راجعة للذين كفروا في قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا ﴾ [الفتح: 22] ووجه عوده إليه مع أن الذين كف الله أيديهم فريق غير الفريق الذي في قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا ﴾ هو أن عرف كلام العرب جار على أن ما يصدر من بعض القوم ينسب إلى القوم بدون تمييز كما تقدم في سورة البقرة (63) في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ وقوله: ببطن مكة} ظاهر كلام الأساس: أن حقيقة البطن جوف الإنسان والحيوان وأن استعماله في معاني المنخفض من الشيء أو المتوسط مجاز، قال الراغب: ويقال للجهة السفلى بطن، وللعليا ظهر.

ويقال: بطن الوادي لوسطه.

والمعروف من إطلاق لفظ البطن إذا أضيف إلى المكان أن يراد به وسط المكان كما في قول كعب بن زهير: في فتية من قريش قال قائلهم *** ببطن مكةَ لما أسلموا زُولوا أي في وسط البلد الحرام فإن قائل: زولوا، هو عمر بن الخطاب أو حمزة بن عبد المطلب، غير أن محمل ذلك في هذه الآية غير بيّن لأنه لا يعرف وقوع اختلاط بين المسلمين والمشركين في وسط مكة يفضي إلى القتال حتى يُمتنّ عليهم بكف أيدي بعضهم عن بعض وكل ما وقع مما قد يفضي إلى القتال فإنما وقع في الحديبيّة.

فجمهور المفسّرين حَملوا بطن مكة في الآية على الحديبيّة من إطلاق البطن على أسفل المكان، والحديبيّة قريبة من مكة وهي من الحِل وبعض أرضها من الحرم وهي على الطريق بين مكة وجدة وهي إلى مكة أقرب وتعرف اليوم باسم الشميسي، وجعلوا الآية تشير إلى القصة المذكورة في «جامع الترمذي» وغيره بروايات مختلفة وهي ما قدمناه آنفاً.

ومنهم من زاد في تلك القصّة: أن جيش المسلمين اتبعوا العدوّ إلى أن دخلوا بيوت مكة وقتلوا منهم وأسروا فيكون بطن مكة محمولاً على مشهور استعماله، وهذا خبر مضطرب ومناف لظاهر قوله: ﴿ كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ﴾ .

ومنهم من أبعد المحمل فجعل الآية نازلة في فتح مكة وهذا لا يناسب سياق السورة ويخالف كلام السلف من المفسّرين وهم أعلم بالمقصود، هذا كلّه بناء على أن الباء في قوله: ﴿ ببطن مكة ﴾ متعلقة بفعل ﴿ كف ﴾ ، أي كان الكف في بطن مكة.

ويجوز عندي أن يكون ﴿ ببطن مكة ﴾ ظرفاً مستقِرّاً هو حال من ضميري ﴿ عنكم ﴾ و ﴿ عنهم ﴾ وهو حال مقدرة، أي لو كنتم ببطن مكة، أي لو لم يقع الصلح فدخلتم محاربين كما رغب المسلمون الذين كرهوا الصلح كما تقدم فيكون إطلاق ﴿ بطن مكة ﴾ جارياً على الاستعمال الشائع، أي في وسط مدينة مكة.

ولهذا أوثرت مادة الظفر في قوله: ﴿ من بعد أن أظفركم عليهم ﴾ دون أن يقال: من بعد أن نصركم عليهم، لأن الظفر هو الفوز بالمطلوب فلا يقتضي وجود قتال فالظفر أعم من النصر، أي من بعد أن أنالكم ما فيه نفعكم وهو هدنة الصلح وأن تعودوا إلى العمرة في العام القابل.

ومناسبة تعريف ذلك المكان بهذه الإضافة الإشارة إلى أن جمع المشركين نزلوا من أرض الحرم المكي إذ نزلوا من جبل التنعيم وهو من الحرم وكانوا أنصاراً لأهل مكة.

ويتعلّق قوله: ﴿ من بعد أن أظفركم عليهم ﴾ بفعل ﴿ كف ﴾ باعتبار تعديته إلى المعطوف على مفعوله، أعني: ﴿ وأيديكم عنهم ﴾ لأنه هو الكف الذي حصل بعد ظفر المسلمين بفئة المشركين عل حسب تلك الرواية والقرينة ظاهرة من قوله: ﴿ من بعد أن أظفركم عليهم ﴾ .

وهذا إشارة إلى أن كف أيدي بعضهم عن بعض كان للمسلمين إذا مَنُّوا على العدوّ بعد التمكن منه.

فعُدي ﴿ أظفركم ﴾ ب (على) لتضمينه معنى أيَّدَكُم وإلا فحقه أن يعدى بالباء.

وجملة ﴿ وكان اللَّه بما تعملون بصيراً ﴾ تذييل للتي قبلها، والبصير بمعنى العليم بالمرئيّات، أي عليماً بعملكم حين أحطتم بهم وسُقتموهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم تظنون أنكم قاتلوهم أو آسروهم.

وقرأ الجمهور ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب.

وقرأه أبو عمرو وحده بياء الغيبة، أي عليماً بما يعملون من انحدارهم على غرة منكم طامعين أن يتمكنوا من أن يغلبوكم وفي كلتا القراءتين اكتفاء، أي كان الله بما تعملون ويعملون بصيرا، أو بما يعملون وتعملون بصيرا، لأن قوله: ﴿ كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ﴾ يفيد عملاً لكل فريق، أي علم نواياكم فكفها لحكمة استبقاء قوتكم وحسن سمعتكم بين قبائل العرب وأن لا يجد المشركون ذريعة إلى التظلم منكم بالباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هي مَغانِمُ خَيْبَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: هو كُلُّ مَغْنَمٍ غَنِمَهُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَغانِمُ خَيْبَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اليَهُودُ كَفَّ أيْدِيَهم عَنِ المَدِينَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إلى الحُدَيْبِيَةِ.

الثّانِي: قُرَيْشٌ كَفَّ أيْدِيَهم عَنِ المَدِينَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إلى الحُدَيْبِيَةِ.

الثّالِثُ: أسَدٌ وغَطَفانُ الحَلِيفانِ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ جاءُوا لِيَنْصُرُوا أهْلَ خَيْبَرَ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا.

﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ كَفُّ أيْدِيهِمْ عَنْكم آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

الثّانِي: لِيَكُونَ فَتْحُ خَيْبَرَ آيَةً أيْ عَلامَةً لِصِدْقِ اللَّهِ تَعالى في وعْدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ في خَبَرِهِ.

قِيلَ لِتَكُونَ البَيْعَةُ آيَةً لَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي أرْضُ فارِسَ والرُّومَ وجَمِيعَ ما فَتَحَهُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هي مَكَّةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هي أرْضُ خَيْبَرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فِي قَوْلِهِ ﴿ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: حَفِظَها عَلَيْكم لِيَكُونَ فَتْحُها لَكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ يَعْنِي طَرِيقَةُ اللَّهِ وعادَتُهُ السّالِفَةُ نَصْرُ رُسُلِهِ وأوْلَيائِهِ عَلى أعْدائِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَنْ تَتَغَيَّرَ سُنَّةُ اللَّهِ وعادَتُهُ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ وأعْدائِهِ.

الثّانِي: لَنْ تَجِدَ لِعادَةِ اللَّهِ في نَصْرِ رُسُلِهِ مانِعًا مِنَ الظَّفَرِ بِأعْدائِهِ وهو مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم بِالرُّعْبِ وأيْدِيَكم عَنْهم بِالنَّهْيِ.

الثّانِي: كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم بِالخُذْلانِ، وأيْدِيَكم عَنْهم بِالِاسْتِبْقاءِ لِعِلْمِهِ بِحالِ مَن يُسْلِمُ مِنهم.

الثّالِثُ: كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِالصُّلْحِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

﴿ بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ بِهِ مَكَّةَ.

الثّانِي: يُرِيدُ بِهِ الحُدَيْبِيَةَ لِأنَّ بَعْضَها مُضافٌ إلى الحَرامِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ بِفَتْحِ مَكَّةَ وتَكُونُ هَذِهِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا لِقَوْلِهِ ﴿ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهُمْ ﴾ الثّانِي: أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ بِقَضاءِ العُمْرَةِ الَّتِي صَدُّوكم عَنْها.

الثّالِثُ: أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ بِما رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ «أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وعَلى أصْحابِهِ مِن قَبْلِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ لِيَقْتُلُوا مَن ظَفَرُوا بِهِ، فَأخَذَهم رَسُولُ اللَّهِ  فَأعْتَقَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَ هَذا هو الظَّفَرَ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال: كيف بي وأنا ذاهب البصر فنزلت ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ الآية قال: هذا في الجهاد ليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا.

أما قوله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه «عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ فبايع لعثمان رضي الله عنه إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئاً لابن عفان رضي الله عنه يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت: ما هذا المسجد؟

قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان.

فأتيت سعيد بن المسيب رضي الله عنه فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد رضي الله عنه: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع رضي الله عنه قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت.

وأخرج البخاري وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟

قال: خمس عشرة مائة قلت: فإن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كانوا أربع عشرة مائة.

قال: يرحمه الله وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل «عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم خير أهل الأرض» .

وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة.

وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قيل: على أي شيء كنتم تبايعون؟

قال: على الموت.

وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: «لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية فزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله إني لا آمن، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه يبلغ لك ما أردت.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عماراً وادعهم إلى الإِسلام وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح.

ويخبرهم أن الله وشيك أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإِيمان فانطلق عثمان رضي الله عنه إلى قريش فأخبرهم، فارتهنه المشركون، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله فبايعوه، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين ودعوا إلى الموادعة والصلح» .

وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت.

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الشعبي قال: «لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تبايعني؟

قال: على ما في نفسك» .

وأخرج البيهقي عن أنس قال: «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم» .

وأخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي أوفى في قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر.

وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في مراسيله عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لغائب في مقسم لم يشهده إلا يوم خيبر قسم لغيب أهل الحديبية من أجل أن الله كان أعطى أهل خيبر المسلمين من أهل الحديبية، فقال: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ وكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ﴾ قال: الوقار والصبر وهم الذين بايعوا زمان الحديبية وكانت الشجرة فيما ذكر لنا سمرة بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها، وكانوا يومئذ خمس عشرة مائة فبايعوه على أن لا يفروا، ولم يبايعوه على الموت، ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة ﴾ قال: هي مغانم خيبر وكانت عقاراً ومالاً فقسمها نبي الله بين أصحابه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى إذا كان بين المدينة ومكة نزلت عليه سورة الفتح فقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله: ﴿ عزيزاً ﴾ ثم ذكر الله الأعراب ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ إلى قوله: ﴿ خبيراً ﴾ ثم قال للأعراب ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ سعيراً ﴾ ثم ذكر البيعة فقال: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ لفتح الحديبية.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين ﴾ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمساً وعشرين.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: لما نزلت ﴿ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴾ قال: يا أبا أمامة أنت مني وأنا منك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: خيبر حيث رجعوا من صلح الحديبية.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي ﴿ وأثابهم فتحاً قريباً ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ﴾ قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: عجلت لهم خيبر.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني الفتح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ يعني خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ يعني أهل مكة أن يستحلوا ما حرم الله أو يستحل بكم وأنتم حرم ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ قال: سنة لمن بعدكم.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ﴾ خيبر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع، وادٍ بين غطفان وخيبر، فتخوّف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: خيبر ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: عن بيضتهم وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا عن المدينة إلى خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية ﴿ فعجل لكم هذه ﴾ قال: فتح خيبر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكف أيدي الناس عنكم ﴾ قال: الحليفان أسد وغطفان عليهم عيينة بن حصن معه مالك بن عوف النصري أبو النضر وأهل خيبر على بئر معونة فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا ﴾ هم أسد وغطفان ﴿ لولوا الأدبار حتى لا تجد لسنة الله تبديلاً ﴾ يقول سنة الله في الذين خلوا من قبل أنه لن يقاتل أحد نبيه إلا خذله الله فقتله أو رعبه فانهزم ولن يسمع به عدو إلا انهزموا واستسلموا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ أنها ستكون لكم بمنزلة قوله أحاط الله بها علماً أنها لكم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأسود الديلمي أن الزبير بن العوام لما قدم البصرة دخل بيت المال فإذا هو بصفراء وبيضاء فقال: يقول الله: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ﴾ فقال: هذا لنا.

وأخرج ابن عساكر عن علي وابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة ﴾ فتوح من لدن خيبر ﴿ تأخذونها ﴾ تلونها وتغنمون ما فيها ﴿ فعجل لكم ﴾ من ذلك خيبر ﴿ وكف أيدي الناس ﴾ قريشاً ﴿ عنكم ﴾ بالصلح يوم الحديبية ﴿ ولتكون آية للمؤمنين ﴾ شاهداً على ما بعدها ودليلاً على إنجازها ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ على علم وفيها أقسمها بينكم فارس والروم ﴿ قد أحاط الله بها ﴾ قضى الله بها أنها لكم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فارس والروم.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: فتح فارس.

وأخرج عبد بن حميد عن جويبر ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يزعمون أنها قرى عربية ويزعم آخرون أنها فارس والروم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: بلغنا أنها مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: يوم حنين.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها ﴾ قال: هي خيبر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ﴾ يعني أهل مكة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر سنته بالمحاجزة بين الفريقين، فقال: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد: أيدي أهل مكة، وذلك أن المشركين جاءوا يصدون رسول الله -  - عن البيت وعليهم عكرمة ابن أبي جهل، فبعث رسول الله -  - خالد بن الوليد إليه ومعه خيل المسلمين فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، وكان يومئذ بينهم قتال بالحجارة، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة وعطاء والكلبي (١)  - فهزمهم بالطعن والنبل، حتى أدخلهم بيوت مكة (٢) ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ : يعني: حتى لم تقتلوا منهم ببطن مكة، قال عطاء: يريد: الحديبية (٣) وقال مقاتل: يعني: ببطن أرض مكة كلها، والحرم كله مكة (٤) وقال الكلبي: يعني: جوف مكة، وبكة الأرض التي فيها البيت، ومكة التي فيها الحديبية اسم الأرض، هذا كلامه (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ يريد: أن الظفر كان للنبي -  - على أهل مكة، والمعنى: أن الله تعالى يذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح، وسلم للرجل من بينه وبينه قرابة، ومن هو مؤمن من أهل مكة أن يصاب، وهذا قول عامة المفسرين.

وقال عبد الله بن المغفل: بينا نحن بالحديبية، وكتاب الصلح يكتب بين يدي رسول الله -  - إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي -  - فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله -  -: "هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أمانة"، قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله هذه الآية (٧) وقال أنس: إن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله -  - وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم فأخذهم رسول الله -  - ثم أعتقهم فأنزل الله هذه الآية (٨)  - ذلك العام عن دخول مكة في قوله: (١) أخرج ذلك الطبري 13/ 94 عن عكرمة، وكذلك نسبه الثعلبي 10/ 143 أ، وانظر: "تنوير المقباس" ص 514.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.

(٣) أخرج الطبري 13/ 94 عن قتادة، قال: بطن مكة الحديبية، ونسب ابن الجوزي 7/ 438 هذا القول لأنس، وأورده القرطبي 16/ 282 ولم ينسبه.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75 (٥) ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" أن بكة المسجد والبيت، ومكة: اسم للحرم كله، قاله الزهري وضمرة بن حبيب، انظر: "زاد المسير" 1/ 425.

وذكره القرطبي في "الجامع" أن بكة: موضع البيت، ومكة سائر البلد، عن مالك ابن أنس، وقال محمد بن شهاب: بكة المسجد، ومكة الحرم كله تدخل فيه البيوت، قال مجاهد: بكة هي مكة فالميم على هذا مبدلة من الباء، كما قالوا: طين لازِبٌ ولازم، وقال الضحاك والمؤرج، انظر: "الجامع" 4/ 138.

(٦) قال الشافعي في "الأم" 2/ 218: ونحر -  - في الحل، وقد قيل في الحرم، وإنما == ذهبنا إلى أنه نحو في الحل، وبعضها في الحرم، لأن الله -عز وجل- يقول: ﴿ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ﴾ والحرم كله محله عند أهل العلم، وانظر: "أحكام القرآن" للشافعي 2/ 131، ونقل ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 303 عن الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل، وبعضها في الحرم 3/ 303.

(٧) أخرج ذلك النسائي في "السنن الكبرى"، كتاب: التفسير 6/ 464، وأخرج الطبري في "تفسيره" 13/ 94، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير 2/ 460، وقال حديث صحيح، على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

وقال الهيثني في "مجمع الزوائد" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 6/ 145، وأخرجه البغوي في "تفسيره" 7/ 313.

(٨) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب (46) قول الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ﴾ 2/ 1442 رقم 1808.

وأخرجه الطبري 13/ 94، البغوي 7/ 313.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم ﴾ روي في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية، ليصيبوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوماً، وساقوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، فكفُّ أيدي الكفار هو أن هزموا وأسروا.

وكفُّ أيدي المؤمنين عن الكفار هو أطلاقهم من الأسر، وسلامتهم من القتل، وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني من بعدما أخذتموهم أُسارى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لما عزموا على الوفاء على ما بايعوا رسول الله  والصدق لذلك، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك - أخبر الله أن قد  م لذلك، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا الله  أنهم قد عزموا على ذلك، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والصدق له، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكرنا: علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق؛ لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم.

والثاني: علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية، وذلك يتوجه وجهين: أحدهما: أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة؛ لأنهم كانوا مستعدين للحرب والقتال، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، خشوا ألا يقوموا لهم؛ فلم يفوا ما عاهدوا.

والثاني: خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه؛ لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب، والله أعلم.

والثالث: علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل، لكن تلك الكراهة كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت، ورجوا دخولها، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك، فانصرفوا، فاشتد ذلك عليهم، فكرهوا ذلك، لكن كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار، وقد يكره طبع الإنسان شيئاً والخيار غيره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً  ﴾ ، وكقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ  ﴾ محبة الاختيار، لا محبة الطبع، بل الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ أي: أنزل عليهم ما يسكن به قلوبهم؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول الله  وصدق ما أعطوا من أنفسهم، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ويطمعون من دخول مكة، وما كرهت أنفسهم من الرجوع - فتحاً قريباً، وهو فتح مكة، أو فتح خيبر، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ اختلف فيه: منهم من صرف الفتح القريب المذكور في الآية إلى فتح خيبر، وإلى مغانم خيبر حين بشروا بالحديبية بفتح خيبر، وجعل المغانم لهم مكان ما منعوا من دخول مكة وحيل بينهم وبين ما قصدوا، أو في الطريق بعد منصرفهم من الحديبية على ما ذكر في القصة، والله أعلم.

ومنهم من صرف الفتح إلى مكة؛ لأنه ذكر في القصة أنهم بشروا في الطريق بعد انصرافهم من الحديبية بفتح مكة، ويكون قوله: ﴿ وَأَثَابَهُمْ ﴾ على هذا التأويل بمعنى: ويثيبهم، وذلك جائز في اللغة: فعل بمعنى: يفعل، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ...

 ﴾ كذا، يعني: يقول له، وقوله -  -: ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ﴾ على هذا ينصرف إلى غيره من المغانم؛ لأنه لم يكن بمكة غنائم، والله أعلم.

ومنهم من قال: ﴿ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ الفتوح كلها التي كانت لرسول الله  ولأمته، وكذلك قوله: ﴿ وَمَغَانِمَ ﴾ .

وجائز أن يكون الكفرة جملة، أي: لو قاتلوكم لولوا الأدبار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ ما سن في كل أمة من هلاك، لم يجعل ذلك الهلاك في غيرها من الأمم؛ نحو ما جعل هلاك قوم نوح الغرق، وكذلك قوم فرعون، وكذلك جعل هلاك عاد بريح صرصر، وثمود بالطاغية؛ جعل الله -  - هلاك كل أمة بنوع لم يجعل ذلك لغيرها؛ يقول: لم يكن لذلك تبديل إلى غيره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ أي: جعل عاقبة الأمر للمؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ في أمتك، ولكن جعل عاقبة الأمر لهم كما جعل عاقبة الأمر في سائر الأمم للمؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهو الذي منع أيدي المشركين عنكم حين جاء نحو ثمانين رجلًا منهم يريدون إصابتكم بسوء بالحديبية، وكفّ أيديكم عنهم فلم تقتلوهم ولم تؤذوهم، بل أطلقتم سَرَاحَهم بعد أن أَقْدَرَكم على أَسْرِهم، وكان الله بما تعملون بصيرًا، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.dWAGd"

مزيد من التفاسير لسورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله